← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

المسجد المعروف بمسجد محمود وأقام فيه (١). وقال ابن المتوّج: «المسجد الجامع المشهور بمحمود (¬a) بسفح المقطّم»، هذا الجامع من المساجد الحظية (¬b)، وهو بسفح الجبل المقطّم بالقرافة الصّغرى (٢). وأوّل من خطب فيه السّيّد الشّريف شهاب الدّين الحسين بن محمد قاضي العسكر والمدرّس بالمدرسة النّاصريّة الصّلاحيّة بجوار جامع عمرو - وبه عرفت بالشّريفيّة - وسفير [كذا] الخلافة المعظّمة. وتوفي في شوّال سنة خمس وخمسين وستّ مائة، وكان أيضا نقيب الأشراف (٣). جامع الرّوضة بقلعة جزيرة الفسطاط قال ابن المتوّج: هذا الجامع عمّره السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب. وكان أمام بابه كنيسة تعرف بابن لقلق بترك اليعاقبة، وكان بها بئر مالحة، وذلك ممّا عدّ من عجائب مصر أنّ في وسط النّيل جزيرة بوسطها بئر مالحة. وهذه البئر التي رأيتها كانت قبالة باب المسجد الجامع، وإنّما ردمت بعد ذلك (٤). وهذا الجامع لم يزل بيد بني الرّدّاد، ولهم نوّاب عنهم فيه. ثم لمّا كانت أيّام السّلطان الملك المؤيّد شيخ المحمودي هدم هذا الجامع في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة، ووسّعه بدور كانت إلى جانبه، وشرع في عمارته فمات قبل الفراغ منه (٥).

стр. 2627

جامع غبن (¬a) بالرّوضة قال ابن المتوّج: المسجد الجامع بروضة مصر يعرف بجامع غبن (¬a)، وهو القديم، ولم تزل الخطبة قائمة فيه إلى أن عمّر جامع (¬b) المقياس (١) فبطلت الخطبة منه، ولم تزل الخطبة بطّالة منه إلى الدّولة الظّاهريّة. فكثرت عمائر النّاس حوله في الرّوضة، وقلّ النّاس في القلعة، وصاروا يجدون مشقّة في مشيهم من أواخر (¬c) الرّوضة. وعمّر الصّاحب محيي الدّين أحمد ولد الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا (٢) داره على خوخة الفقيه نصر قبالة هذا الجامع؛ فحسن له إقامة الجمعة في هذا الجامع لقربه منه ومن النّاس، فتحدّث مع والده، فشاور السّلطان الملك الظّاهر بيبرس فوقع منه بموقع - لكثرة ركوبه بحر النّيل، واعتنائه بعمارة الشّواني ولعبها في البحر، ونظره إلى كثرة الخلائق بالرّوضة - ورسم بإقامة الخطبة فيه مع بقاء الخطبة بجامع القلعة لقوّة نيّته في عمارتها على ما كانت عليه. فأقيمت الخطبة به في سنة ستين وستّ مائة. وولي خطابته أقضى القضاة جمال الدّين ابن الغضاري (¬d) الغفاري، وكان ينوب بالجيزة في الحكم، ثم ناب في الحكم بمصر عن قاضي القضاة وجيه الدّين البهنسي، وكان إمامه في حال عطلته من الخطبة، فلمّا أقيمت فيه الخطبة، أضيفت إليه الخطابة فيه مع الإمامة (٣).

стр. 2628

غبن (¬a) أحد خدّام الخليفة الحاكم بأمر اللّه. خلع عليه في تاسع ربيع الآخر سنة اثنتين وأربع مائة وقلّده سيفا، وأعطاه سجلاّ قرئ فإذا فيه أنّه لقّب ب «قائد القوّاد»، وأمر أن يكتب بذلك ويكاتب به، وركب وبين يديه عشرة أفراس بسروجها ولجمها (١). وفي ذي القعدة من السنة المذكورة، أنفذ إليه الحاكم خمسة آلاف دينار وخمسة وعشرين فرسا بسروجها ولجمها، وقلّده الشّرطتين والحسبة بالقاهرة ومصر والجيزة، والنّظر في أمور الجميع وأموالهم وأحوالهم كلّها، وكتب له سجلاّ بذلك قرئ بالجامع العتيق. فنزل إلى الجامع ومعه سائر العسكر والخلع عليه، وحمل على فرسين. وكان في سجلّه مراعاة أمر النّبيذ وغيره من المسكرات، وتتبّع ذلك والتّشديد فيه، وفي المنع من عمل الفقّاع وبيعه، ومن أكل الملوخيّة والسّمك الذي لا قشر له، والمنع من الملاهي كلّها، والتّقدّم بمنع النّساء من حضور الجنائز والمنع من بيع العسل، وألاّ يتجاوز في بيعه أكثر من ثلاثة أرطال لمن لا يسبق إليه ظنّه أن يتّخذ منه مسكرا. فاستمرّ ذلك إلى غرّة صفر سنة أربع وأربع مائة، فصرف عن الشّرطتين والحسبة بمظفّر الصّقلبي (¬b) (٢).

стр. 2629

فلمّا كان يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر منها، أمر بقطع يدي كاتبه أبي القاسم عليّ ابن أحمد الجرجرائي (¬a) فقطعتا جميعا؛ وذلك أنّه كان يكتب عند السّيّدة الشّريفة أخت الحاكم، فانتقل من خدمتها إلى خدمة غبن (¬b) خوفا على نفسه من خدمتها فسخطت لذلك، فبعث إليها يستعطفها ويذكر في رقعته شيئا وقفت عليه، فارتابت منه فظنّت أنّ ذلك حيلة عليها، وأنفذت الرّقعة في طيّ رقعتها إلى الحاكم، فلمّا وقف عليها اشتدّ غضبه، وأمر بقطع يديه جميعا فقطعتا. وقيل بل كان غبن (¬b) هو الذي يوصّل رقاع عقيل، صاحب الخبر، إلى الحاكم في كلّ يوم. / فيأخذها من عقيل وهي مختومة بخاتمه، ويدفعها لكاتبه أبي القاسم الجرجرائي (¬a) حتى يخلو له وجه الحاكم، فيأخذها حينئذ من كاتبه ويوقفه عليها. وكان الجرجرائي (¬a) يفكّ الختم ويقرأ الرّقاع (¬c)) ويعيد ختمها (¬c)، فلمّا كان في يوم من الأيّام فكّ رقعة، فوجد فيها طعنا على غبن (¬c) أستاذه وقد ذكر فيها بسوء، فقطع ذلك الموضع وأصلحه وأعاد ختم الرّقعة. فبلغ ذلك عقيلا صاحب الخبر، فبعث إلى الحاكم يستأذنه في الاجتماع به خلوة في أمر مهم، فأذن له وحدّثه بالخبر، فأمر حينئذ بقطع يدي الجرجرائي (¬a) فقطعتا. ثم بعد قطع يديه بخمسة عشر يوما في ثالث جمادى الأولى، قطعت يد غبن (¬b) الأخرى. وكان قد أمر بقطع يده قبل ذلك بثلاث سنين وشهر، فصار مقطوع اليدين معا. ولمّا قطعت يده حملت في طبق إلى الحاكم، فبعث إليه بالأطباء، ووصله بألوف من الذّهب وعدّة من أسفاط ثياب، وعاده جميع أهل الدّولة. فلمّا كان ثالث عشره أمر بقطع لسانه فقطع وحمل إلى الحاكم، فسيّر إليه الأطبّاء، ومات بعد ذلك. جامع الأفرم قال ابن المتوّج: هذا الجامع بسفح الرّصد (١)، عمّره الأمير عزّ الدّين أيبك بن عبد اللّه - المعروف بالأفرم - أمير جاندار الملكي الصّالحي النّجمي، في شهور سنة ثلاث وستين وستّ مائة، لمّا عمّر المنظرة هناك، وعمّر بجوارها رباطا للفقراء وقرّرهم عدّة تنعقد بهم الجمعة، وقرّر إقامتهم

стр. 2630

فيه ليلا ونهارا، وقرّر كفايتهم وإعانتهم على الإقامة، وعمّر لهم هذا الجامع يستغنون به عن السّعي إلى غيره. وذكر أنّ الأفرم أيضا عمّر مسجدا بجسر الشّعيبيّة، في شعبان سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة وجامعا هدم فيه عدّة مساجد (١). الجامع بمنشأة المهراني قال ابن المتوّج: والسّبب في عمارة هذا الجامع أنّ القاضي الفاضل كان له بستان عظيم فيما بين ميدان اللّوق وبستان الخشّاب (٢) الذي أكله البحر، وكان يمير مصر والقاهرة من ثماره وأعنابه، ولم تزل الباعة ينادون على العنب «رحم اللّه الفاضل يا عنب» إلى مدّة سنين عديدة بعد أن أكله البحر (٣). وكان قد عمّر إلى جانبه جامعا وبنى حوله، فسمّيت بمنشأة الفاضل، وكان خطيبه أخا الفقيه موفّق الدّين بن المهدوي الدّيباجي العثماني، وكان قد عمّر بجواره دارا وبستانا وغرس فيه أشجارا حسنة. ودفع إليه فيه ألف دينار مصرية في أوّل الدّولة الظّاهريّة، وكان الصّرف قد بلغ في ذلك الوقت كلّ دينار ثمانية وعشرين درهما ونصف درهم نقرة. فاستولى البحر على الجامع والدّار والمنشأة، وقطع جميع ذلك حتى لم يبق له أثر. وكان خطيبه موفّق الدّين يسكن بجوار الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن محمد بن حنّا، ويتردّد إليه وإلى والده محيي الدّين، فوقف وضرع إليهما وقال: أكون غلام هذا الباب ويخرب جامعي. فرحمه الصّاحب وقال: السّمع والطّاعة، يدبّر اللّه. ثم فكّر في هذه البقعة التي فيها هذا الجامع الآن، وكانت تعرف بالكوم الأحمر، مرصدة لعمل أقمنة الطّوب الآجرّ، وبه سمّي (¬a) بالكوم الأحمر.

стр. 2631

وكان الصّاحب فخر الدّين محمد بن الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن محمد بن حنّا قد عمّر منظرة قبالة هذا الكوم (١) - وهي التي صارت دار ابن صاحب الموصل (¬a)) وانتقلت إلى يد ورثة الملك علاء الدّين ابن صاحب الموصل (¬a) - وكان فخر الدين كثير الإقامة فيها مدّة الأيّام المعزّيّة، فقلق من دخان الأقمنة التي على الكوم الأحمر، وشكا ذلك لوالده ولصهره الوزير شرف الدّين هبة اللّه بن صاعد الفائزي. فأمرا بتقويمه، فقوّم ما بين بستان الحلّي وبحر النّيل، وابتاعه الصّاحب بهاء الدّين. فلمّا مات ولده فخر الدّين، وتحدّث مع الملك الظّاهر بيبرس في عمارة جامع هناك، ملّكه هذه القطعة من الأرض، فعمّر السّلطان بها هذا الجامع، ووقف عليه بقيّة هذه الأرض المذكورة في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وستّ مائة، وجعل النّظر فيه لأولاده وذرّيّته، ثم من بعدهم لقاضي القضاة الحنفي. وأوّل من خطب فيه الفقيه موفّق الدّين محمد بن أبي بكر المهدويّ العثماني الدّيباجي إلى أن توفّي يوم الأربعاء ثالث عشرين (¬b) شوّال سنة خمس وثمانين وستّ مائة. وقد تعطّلت إقامة الجمعة من هذا الجامع لخراب ما حوله وقلّة السّاكنين هناك، بعد أن كانت تلك الخطّة في غاية العمارة. وكان صاحبنا شمس الدّين محمد بن الصّاحب قد عزم على نقل هذا الجامع من مكانه، فاخترمته المنيّة قبل ذلك. جامع دير الطّين قال ابن المتوّج: هذا الجامع بدير الطّين في الجانب الشّرقي عمّره الصّاحب تاج الدّين ابن الصّاحب فخر الدّين،/ ولد الصّاحب بهاء الدّين المشهور بابن حنّا، في المحرّم سنة اثنتين وسبعين وستّ مائة. وذلك أنّه لمّا عمّر بستان المعشوق ومناظره، وكثرت إقامته بها، وبعد عليه الجامع - وكان جامع دير الطّين ضيّقا لا يسع النّاس - فعمّر هذا الجامع وعمّر فوقه طبقة يصلّي فيها.

стр. 2632

ويعتكف إذا شاء ويخلو بنفسه فيها. وكان ماء النّيل في زمنه يصل إلى جدار هذا الجامع [وهو مطلّ على بركة الحبش] (¬a) (١). وولي خطابته الفقيه جمال الدّين محمد ابن الماشطة، ومنعه من لبس السّواد لأداء الخطبة فاستمرّ إلى حين وفاته في عاشر رجب سنة تسع وسبع مائة. وأوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة سابع صفر سنة اثنتين وسبعين وستّ مائة. وقد ذكرت ترجمة الصّاحب تاج الدّين عند ذكر رباط الآثار من هذا الكتاب (٢). فخر الدّين ابن حنّا محمد بن عليّ بن محمد بن سليم بن حنّا - أبو عبد اللّه الوزير الصّاحب فخر الدّين ابن الوزير الصّاحب بهاء الدّين. ولد في سنة اثنتين وعشرين وستّ مائة، وتزوّج بابنة الوزير الصّاحب شرف الدّين هبة اللّه بن صاعد الفائزي، وناب عن والده في الوزارة، وولي ديوان الأحباس ووزارة الصّحبة في الأيّام الظّاهرية بيبرس (٣). وسمع الحديث بالقاهرة ودمشق وحدّث، وله شعر جيّد، ودرّس بمدرسة أبيه الصّاحب بهاء الدّين التي كانت في زقاق القناديل بمصر. وكان محبّا لأهل الخير والصّلاح، مؤثرا لهم، متفقّدا لأحوالهم. وعمّر رباطا حسنا بالقرافة الكبرى رتّب فيه جماعة من الفقراء. ومن غريب ما يتّعظ به الأريب أنّ الوزير الصّاحب زين الدّين يعقوب بن عبد الرّفيع بن الزّبير - الذي كان بنو حنّا يعادونه وعنه أخذوا الوزارة - مات في ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وستّ مائة بالسّجن، فأخرج كما تخرج الأموات الطّرحاء على الطّرقات من الغرباء، ولم يشيّع جنازته أحد من النّاس مراعاة للصّاحب بن حنّا. وكان فخر الدّين هذا يتنزّه في أيّام الرّبيع بمنية القائد - وقد نصبت له الخيام، وأقيمت المطابخ، وبين يديه المطربون - فدخل عليه البشير بموت الوزير يعقوب بن الزّبير، وأنّه أخرج إلى المقابر من

стр. 2633

غير أن يشيّع جنازته أحد من النّاس. فسرّ بذلك ولم يتمالك نفسه. وأمر المطربين فغنّوه، ثم قام على رجليه ورقص هو وسائر من حضره وأظهر من الفرح والخلاعة ما خرج به عن الحدّ، وخلع على البشير بموت المذكور خلعا سنيّة. فلم يمض على ذلك سوى أقلّ من أربعة أشهر، ومات في حادي عشرين شعبان من السنة المذكورة ففجع به أبوه، وكانت له جنازة عظيمة. ولمّا دلّي في لحده، قام شرف الدّين محمد ابن سعيد البوصيري - صاحب البردة - في ذلك الجمع الموفور بتربة ابن حنّا من القرافة، وأنشد (١): [الخفيف] نم هنيئا محمّد بن عليّ … بجميل قدّمت بين يديكا لم تزل عوننا على الدّهر حتّى … غلبتنا (¬a) يد المنون عليكا أنت أحسنت في الحياة إلينا … أحسن اللّه في الممات إليكا فتباكى النّاس وكان لها محلّ كبير ممّن حضر، رحمة اللّه عليهم أجمعين. وفي هذا الجامع يقول السّراج الورّاق (٢): [الطويل] بنيتم على تقوى من اللّه مسجدا … وخير مباني العابدين المساجد فقل في طراز معلّم فوق بركة … على حسنها الزّاهي لها البحر حاسد لها حلل شتّى (¬b) ولكنّ طرازها … من الجامع المعمور باللّه واحد هو الجامع الإحسان والحسن والذي … أقرّ له زيد وعمرو وخالد وقد صافحت شهب الدّجى شرفاته … فما هي بين الشّهب إلاّ فراقد وقد أرشد الضّلاّل عالي مناره … فلا حائر عنه ولا عنه حائد ونالت نواقيس الدّيارات وجمة … وخوف فلم يمدد إليهن ساعد

стр. 2634

فتبكي عليهن البطاريق في الدّجى … وهنّ لديهم ملقيات كواسد بذا قضت الأيّام ما بين أهلها … مصائب قوم عند قوم فوائد جامع الظّاهر [أثر رقم ١] هذا الجامع خارج القاهرة وكان موضعه ميدانا، فأنشأه الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري جامعا (١). قال جامع «السّيرة الظّاهريّة» (¬a)) ومنها نقلت (¬a): «في شهر (¬b) ربيع الآخر -

стр. 2635

يعني سنة خمس وستين وستّ مائة - اهتمّ السّلطان بعمارة جامع بالحسينيّة، وسيّر الأتابك فارس الدّين أقطاي المستعرب والصّاحب فخر الدّين محمد بن الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا وجماعة من المهندسين لكشف مكان يليق أن يعمل جامعا. فتوجّهوا لذلك واتّفقوا على مناخ الجمال السّلطانية، فقال السّلطان:/ لا واللّه لا جعلت الجامع مكان الجمال، وأولى ما جعلته ميداني الذي ألعب فيه بالكرة وهو نزهتي. فلمّا كان يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر ركب السّلطان وصحبته خواصّه ووزيره الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا القضاة والأئمة (¬a)، ونزل إلى ميدان قراقوش، وتحدّث في أمره وقاسه ورتّب أموره وأمور بنائه، ورسم بأن يكون بقية الميدان وقفا على الجامع يحكر، ورسم بين يديه هيئة الجامع، وأشار أن يكون بابه مثل باب المدرسة الظّاهريّة، وأن يكون على محرابه قبّة على قدر قبّة الشّافعيّ - رحمة اللّه عليه (¬b). وكتب في وقته الكتب إلى البلاد بإحضار العمد الرّخام الكبار (¬c) من سائر البلاد، وكتب بإحضار الجمال والجواميس والأبقار والدّواب من سائر الولايات، وكتب بإحضار الآلات من الحديد والأخشاب النّقيّة برسم الأبواب والسّقوف وغيرها.

стр. 2636

ثم توجّه لزيارة الشّيخ الصّالح خضر (١) بالمكان الذي أنشأه له، وصلّى الظّهر هناك، ثم توجّه إلى المدرسة بالقاهرة فدخل إليها (¬a) والفقهاء والقرّاء على حالهم، وجلس بينهم ثم تحدّث وقال: هذا مكان قد جعلته للّه ، وخرجت عنه، فباللّه (¬b) إذا متّ لا تدفنوني هنا، ولا تغيّروا معالم هذا المكان، فقد خرجت عنه للّه تعالى. ثم قام من إيوان الحنفيّة وجلس بالمحراب في إيوان الشّافعيّة وتحدّث وسمع القرآن والدّعاء ورأى جميع الأماكن، ودخل إلى قاعة ولده الملك السّعيد المبنية قريبا منها، ثم ركب إلى قلعته (¬c)، وولّى عدّة مشدّين على عمارة الجامع (٢).

стр. 2637

وكان إلى جانب الميدان قاعة ومنظرة عظيمة بناها السّلطان الملك الظّاهر. فلمّا رسم ببناء هذا (¬a) الجامع طلبها الأمير سيف الدّين قشتمر العجمي من السّلطان فقال: الأرض قد خرجت عنها لهذا الجامع فاستأجرها من ديوانه، والبناء والأصناف وهبتك إيّاها، وشرع في العمارة في منتصف جمادى الآخرة منها. وفي أوّل جمادى الآخرة سنة ستّ وستين وستّ مائة، سار السّلطان من الدّيار المصرية (¬b) يريد بلاد الشّام، فنزل على مدينة يافا وتسلّمها من الفرنج بأمان في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة المذكور، وسيّر أهلها فتفرّقوا في البلاد، وشرع في هدمها، وقسّم أبراجها على الأمراء، فابتدأ في ذلك من ثاني عشرينه، وقاسوا شدّة في هدمها لحصانتها وقوّة بنائها، لا سيّما القلعة فإنّها كانت حصينة عالية الارتفاع، ولها أساسات إلى الأرض الحقيقية. وباشر السّلطان الهدم بنفسه وبخواصّه ومماليكه، حتى غلمان البيوتات التي له. وكان ابتداء هدم القلعة في سابع عشرينه، ونقضت من أعلاها ونظّفت زلاّقتها واستمرّ الاجتهاد (¬c) في ذلك ليلا ونهارا، وأخذ من أخشابها جملة. ومن ألواح الرّخام التي وجدت فيها، وأوسق منها (¬d) مركبا من المراكب التي وجدت في يافا، وسيّرها إلى القاهرة، ورسم بأن يعمل من ذلك الخشب مقصورة في الجامع الظّاهري بالميدان من بالحسينيّة، والرّخام يعمل بالمحراب، فاستعمل كذلك (١). ولمّا عاد السّلطان إلى مصر في حادي عشر (¬e) ذي الحجّة منها - وقد فتح في هذه السّفرة يافا وطرابلس وأنطاكية وغيرها - أقام إلى أن أهلّت سنة سبع وستين وستّ مائة، فلمّا كملت عمارة الجامع في شوّال منها ركب السّلطان، ونزل إلى الجامع وشاهده، فرآه في غاية ما يكون من الحسن، وأعجبه نجازه في أقرب وقت ومدّة مع علوّ الهمّة. فخلع على مباشريه - وكان الذي تولّى بناءه الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا، والأمير علم الدّين سنجر المسروري (¬f) متولّي القاهرة - (٢)

стр. 2638

وزار الشّيخ خضرا (¬a)) وجلس عنده ساعة (¬a)، وعاد إلى قلعته (١). وفي شوّال منها تمّت عمارة الجامع الظّاهري، ورتّب به خطيبا حنفيّ المذهب، ووقف عليه حكر ما بقي من أرض الميدان، ونزل السّلطان إليه، ورتّب أوقافه، ونظر في أموره. الظّاهر بيبرس الملك الظّاهر ركن الدّين البندقداري ٢ - أحد المماليك البحريّة الذين اختصّ بهم السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب ابن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، وأسكنهم قلعة الرّوضة. كان أوّلا من مماليك الأمير علاء الدّين أيدكين

стр. 2639

البندقداري. فلمّا سخط عليه الملك الصّالح أخذ مماليكه - ومنهم الأمير بيبرس هذا - وذلك في سنة أربع وأربعين وستّ مائة وقدّمه على طائفة من الجمدارية. وما زال يترقّى في الخدم إلى أن قتل المعزّ أيبك التّركماني الفارس أقطاي الجمدار في شعبان سنة اثنتين وخمسين وستّ مائة، وكانت البحريّة قد انحازت إليه، فركبوا في نحو السبع مائة (¬a)) وقصدوا قلعة الجبل (¬b)، فلمّا ألقيت إليهم رأس أقطاي تفرّقوا، واتّفقوا على الخروج إلى الشّام - وكانت أعيانهم يومئذ بيبرس البندقداري، وقلاوون الألفي، وسنقر الأشقر، وبيسري، وسكز وبرامق (¬c) - فساروا إلى الملك النّاصر صاحب الشّام (١). ولم يزل بيبرس ببلاد الشّام إلى أن قتل المعزّ أيبك، وقام من بعده ابنه المنصور عليّ، وقبض عليه نائبه الأمير سيف الدّين قطز، وجلس على تخت المملكة، وتلقّب ب «الملك المظفّر»، قدم عليه بيبرس، فأمّره المظفّر قطز. ولمّا خرج قطز إلى ملاقاة التّتار (¬a)) جعل الأمير بيبرس على مقدّمته ومعه البحريّة فواقع التّتار (¬a)، وكان ما كان من نصرته عليهم ودخل إلى دمشق، فوشي إليه بأنّ الأمير بيبرس قد تنكّر له وتغيّر عليه، وأنّه عازم على القيام بالحرب. فأسرع قطز بالخروج من دمشق إلى جهة مصر وهو مضمر لبيبرس السّوء، وعلم بذلك خواصّه. فبلغ ذلك بيبرس،/ فاستوحش من قطز، وأخذ كلّ منهما يحترس من الآخر على نفسه، وينتظر الفرصة. فبادر بيبرس وواعد الأمير سيف الدّين بلبان

стр. 2640

الرّشيدي، (¬a)) والأمير سيف الدّين بهادر المعزّي، والأمير بدر الدّين بكتوت الجوكندار (¬a) والأمير سيف الدّين بيدغان الرّكني - المعروف بسمّ الموت - والأمير سيف الدّين بلبان الهاروني والأمير بدر الدّين آنص الأصبهاني. فلمّا قربوا في مسيرهم من القصير (¬b) بين الصّالحيّة والسّعيديّة عند القرين، انحرف قطز عن الدّرب للصّيد، فلمّا قضى منه وطره وعاد - والأمير بيبرس يسايره هو وأصحابه - طلب بيبرس منه امرأة من سبي التّتار، فأنعم عليه بها فتقدّم ليقبّل يده - وكانت إشارة بينه وبين أصحابه - فعند ما رأوا بيبرس قد قبض على يد السّلطان المظفّر قطز، بادر الأمير بكتوت الجوكندار وضربه بسيف على عاتقه أبانه، واختطفه الأمير آنص وألقاه عن فرسه إلى الأرض، ورماه بهادر المعزّي (¬c) بسهم قتله (¬d)، وذلك يوم السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستّ مائة. ومضوا إلى الدّهليز للمشورة، فوقع الاتّفاق على الأمير بيبرس، فتقدّم إليه أقطاي المستعرب الجمدار - المعروف بالأتابك - وبايعه وحلف له، ثم بقيّة الأمراء، وتلقّب ب «الملك الظّاهر» وذلك بمنزلة القصير. فلمّا تمّت البيعة وحلف الأمراء كلّهم، قال له الأمير أقطاي المستعرب: يا خوند لا يتم لك أمر إلاّ بعد دخولك إلى القاهرة وطلوعك إلى القلعة. فركب من وقته ومعه الأمير قلاوون، والأمير بلبان الرّشيدي، والأمير بيلبك الخازندار وجماعة يريدون قلعة الجبل. فلقيهم في طريقهم الأمير عزّ الدّين أيدمر الحلبي، نائب الغيبة عن المظفّري قطز، وقد خرج لتلقّيه. فأخبروه بما جرى وحلّفوه، فتقدّمهم إلى القلعة، ووقف على بابها حتى وصلوا في اللّيل، فدخلوا إليها. وكانت القاهرة قد زيّنت لقدوم السّلطان الملك المظفّر قطز، وفرح النّاس بكسر التّتار وعود السّلطان فما راعهم، وقد طلع النّهار، إلاّ والمشاعلي ينادي: معاشر النّاس ترحّموا على الملك المظفّر، وادعوا لسلطانكم الملك الظّاهر بيبرس. فدخل على النّاس من ذلك غمّ شديد ووجل عظيم، خوفا من عود البحريّة إلى ما كانوا عليه من الجور والفساد وظلم النّاس. فأوّل ما بدأ به الظّاهر أنّه أبطل ما كان قطز أحدثه من المظالم عند سفره - وهو تصقيع الأملاك وتقويمها، وأخذ زكاة ثمنها في كلّ سنة، وجباية دينار من كلّ إنسان، وأخذ ثلث التّرك الأهلية - فبلغ ذلك في السنة ستّ مائة ألف دينار. وكتب بذلك مسموحا قرئ على المنابر في صبيحة

стр. 2641

دخوله إلى القلعة، وهو يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة المذكور. وجلس بالإيوان وحلّف العساكر، واستناب الأمير بدر الدّين بيلبك الخازندار بالدّيار المصرية. واستقرّ بالأمير (¬a) فارس الدّين أقطاي المستعرب أتابكا على عادته، والأمير جمال الدّين آقوش النّجيبي أستادّارا، والأمير عزّ الدّين أيبك الأفرم الصّالحي أمير جاندار، والأمير لاجين الدّرفيل وبلبان الرّومي دواداريّه، والأمير بهاء الدّين يعقوب الشّهرزوري أمير آخور على عادته، وبهاء الدّين علي بن حنّا وزيرا، والأمير ركن الدّين إباجي (¬b) الرّكني والأمير سيف الدّين بكجري حجّابا. ورسم باحضار البحريّة الذين تفرّقوا في البلاد بطّالين، وسيّر الكتب إلى الأقطار بما تجدّد له من النّعمه (¬c)، ودعاهم إلى الطّاعة. فأذعنوا له، وانقادوا إليه. وكان الأمير علم الدّين سنجر الحلبي نائب دمشق، لمّا قتل قطز، جمع النّاس وحلّفهم، وتلقّب بالملك المجاهد. وثار علاء الدّين - الملقّب بالملك السّعيد - ابن صاحب الموصل في حلب، وظلم أهلها وأخذ منهم خمسين ألف دينار. فقام عليه جماعة - ومقدّمهم الأمير حسام الدّين لاجين العزيزي - وقبضوا عليه. فسيّر الظّاهر إلى لاجين بنيابة حلب. فلمّا دخلت سنة تسع وخمسين قبض الظّاهر على جماعة من الأمراء المعزّيّة: منهم الأمير سنجر الغتمي، والأمير بهادر المعزّي، والشّجاع بكتوت. ووصل إلى السّلطان الإمام أبو العبّاس أحمد ابن الخليفة الظّاهر العبّاسي من بغداد في تاسع رجب، فتلقّاه السّلطان في عساكره، وبالغ في إكرامه، وأنزله بالقلعة. وحضر سائر الأمراء والمقدّمين، والقضاة وأهل العلم والمشايخ، بقاعة الأعمدة من القلعة بين يدي أبي العبّاس. فتأدّب السّلطان الظّاهر، ولم يجلس على مرتبة ولا فوق كرسي. وحضر العربان الذين قدموا من العراق وخادم من طواشيّة بغداد، وشهدوا بأنّ العبّاس أحمد ولد الخليفة الظّاهر ابن الخليفة النّاصر. وشهد معهم بالاستفاضة الأمير جمال الدّين يحيى نائب الحكم بمصر، وعلم الدّين ابن رشيق، وصدر الدّين موهوب الجزري، ونجيب الدّين الحرّاني، وسديد التّزمنتي (¬d) نائب الحكم بالقاهرة عند قاضي القضّاة تاج الدّين عبد الوهّاب ابن بنت الأعزّ الشّافعي، وأسجل على نفسه بثبوت نسب أبي العبّاس أحمد وهو قائم على قدميه، ولقّب بالإمام «المستنصر باللّه».

стр. 2642

وبايعه الظّاهر على كتاب اللّه وسنّة نبيّه، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والجهاد في سبيل اللّه، وأخذ أموال اللّه بحقّها وصرفها في مستحقّها. فلمّا تمّت البيعة، قلّد المستنصر باللّه السّلطان الملك الظّاهر أمر البلاد الإسلامية وما سيفتحه اللّه على يديه من بلاد الكفّار. وبايع النّاس المستنصر على طبقاتهم، وكتب إلى الأطراف/ بأخذ البيعة له وإقامة الخطبة باسمه على المنابر، ونقشت السّكّة في ديار مصر باسمه واسم الملك الظّاهر معا (١). فلمّا كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، خطب الخليفة بالنّاس في جامع القلعة. وركب السّلطان في يوم الاثنين رابع شعبان إلى خيمة ضربت له بالبستان الكبير ظاهر القاهرة، وأفيضت عليه الخلع الخليفيّة - وهي جبّة سوداء، وعمامة بنفسجيّة، وطوق من ذهب - وقلّد بسيف عربي، وجلس مجلسا عامّا حضره الخليفة والوزير وسائر القضاة والأمراء والشّهود، وصعد القاضي فخر الدّين بن لقمان كاتب السّرّ منبرا نصب له، وقرأ تقليد السّلطان المملكة وهو بخطّه من إنشائه. ثم ركب السّلطان بالخلعة والطّوق، ودخل من باب النّصر، وشقّ القاهرة وقد زيّنت له، وحمل الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا التّقليد على رأسه قدّام السّلطان والأمراء مشاة بين يديه. وكان يوما مشهودا. وأخذ السّلطان في تجهيز الخليفة ليسير إلى بغداد. فرتّب له الطّواشي بهاء الدّين صندلا الصّالحي شرابيّا، والأمير سابق الدّين بوزبا الصّيرفي أتابكا، والشريف (¬a) جعفرا أستادّارا، والأمير فتح الدّين بن الشّهاب أحمد أمير جاندار، والأمير ناصر الدّين بن صيرم خازندارا، والأمير سيف الدّين بلبان الشّمسي وفارس الدّين أحمد بن أزدمر اليغموري دواداريّه، والقاضي كمال الدّين محمد السّنجاري وزيرا، وشرف الدّين أبا حامد كاتبا. وعيّن له خزانة وسلاح خاناه، ومماليك عدّتهم نحو الأربعين منهم سلاحدارية وجمدارية وزرد كاشية ورمحدارية، وجعل له طشتخاناه وفراشخاناه وشرابخاناه وإماما ومؤذّنا وسائر أرباب الوظائف، واستخدم له خمس مائة فارس، وكتب لمن قدم معه من العراق بإقطاعات، وأذن له في الرّكوب والحركة حيث اختار.

стр. 2643

وحضر الملك الصّالح إسماعيل بن بدر الدّين لؤلؤ صاحب الموصل، وأخوه الملك المجاهد سيف الدّين إسحاق صاحب الجزيرة، وأخوهما المظفّر. فأكرمهم السّلطان، وأقرّهم على ما بأيديهم، وكتب لهم تقاليد، وجهّزهم في خدمة الخليفة. وسار الخليفة في سادس شوّال، والسّلطان في خدمته، إلى دمشق. فنزل السّلطان في القلعة، ونزل الخليفة في التّربة النّاصريّة بجبل الصّالحيّة وبلغت نفقة السّلطان على الخليفة ألف ألف وستين ألف دينار. وخرج من دمشق في ثالث عشر ذي القعدة، ومعه الأمير بلبان الرّشيدي والأمير سنقر الرّومي وطائفة من العسكر، وأوصاهما السّلطان أن يكونا في خدمة الخليفة حتى يصل إلى الفرات، فإذا عبر الفرات أقاما بمن معهما من العسكر بالبرّ الغربي من جهات حلب لانتظار ما يتجدّد من أمر الخليفة بحيث إن احتاج إليهم ساروا إليه. فسار إلى الرّحبة، وتركة أولاد صاحب الموصل وانصرفوا إلى بلادهم. وسار إلى مشهد عليّ، فوجد الإمام الحاكم بأمر اللّه قد جمع سبع مائة فارس من التّركمان وهو على عانة، ففارقه التّركمان، وصار الحاكم إلى المستنصر طائعا له. فأكرمه وأنزله معه، وسارا إلى عانة، ورحلا إلى الحدّيثة، وخرجا منها إلى هيت. وكانت له حروب مع التّتار في ثالث محرّم سنة ستين وستّ مائة، قتل فيها أكثر أصحابه، وفرّ الحاكم وجماعة من الأجناد، وفقد المستنصر فلم يوقف له على خبر. فحضر الحاكم إلى قلعة الجبل، وبايعه السّلطان والنّاس، واستمرّ بديار مصر في مناظر الكبش وهو جدّ الخلفاء الموجودين اليوم. وفي سنة ستّ وستين قرّر الظّاهر بديار مصر أربعة قضاة، وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى اليوم (١).

стр. 2644

وحدث غلاء شديد بمصر، وعدمت الغلّة؛ فجمع السّلطان الفقراء وعدّهم، وأخذ لنفسه خمس مائة فقير يمونهم، ولابنه السّعيد بركة خان خمس مائة فقير، وللنائب بيلبك الخازندار ثلاث مائة فقير، وفرّق الباقي على سائر الأمراء، ورسم لكلّ إنسان في اليوم برطلي خبز. فلم ير بعد ذلك في البلد أحد من الفقراء يسأل. وفي ثالث شوّال سنة اثنتين وستين، أركب السّلطان ابنه السّعيد بركة بشعار السّلطنة ومشى قدّامه، وشقّ القاهرة والكلّ مشاة بين يديه من باب النّصر إلى قلعة الجبل، وزيّنت البلد. وفيها رتّب السّلطان لعب القبق بميدان العيد خارج باب النّصر، وختن الملك السّعيد ومعه ألف وستّ مائة وخمسة وأربعون صبيّا من أولاد النّاس سوى أولاد الأمراء والأجناد، وأمر لكلّ صغير منهم بكسوة على قدره ومائة درهم ورأس من الغنم، فكان مهمّا عظيما (١)، وأبطل ضمان المزر وجهاته، وأمر بحرق النّصارى في سنة ثلاث وستين، فتشفّع فيهم على أن يحملوا خمسين ألف دينار، فتركوا. وفي سنة أربع وستين افتتح قلعة صفد، وجهّز العساكر إلى سيس ومقدّمهم الأمير قلاوون (¬a)، فحصر مدينة إياس (¬b) وعدّة قلاع (٢). وفي سنة خمس وستين، أبطل ضمان الحشيش من ديار مصر، وفتح يافا والشّقيف وأنطاكية. وفي سنة سبع وستين حجّ، فسار على غزّة إلى الكرك ومنها إلى المدينة النّبوية، وغسل الكعبة بماء الورد بيده، ورجع إلى دمشق، فأراق جميع الخمور، وقدم إلى مصر في سنة ثمان وستين. وفي/ سنة سبعين خرج إلى دمشق. وفي سنة إحدى وسبعين خرج من دمشق سائقا إلى مصر - ومعه بيسري، وآقوش الرّومي، وجومك (¬c) الخازندار، وسنقر الألفي - فوصل إلى قلعة الجبل، وعاد إلى دمشق. فكانت مدّة غيبته أحد عشر يوما، ولم يعلم بغيبته من في دمشق حتى حضر.

стр. 2645

ثم خرج سائقا من دمشق يريد كبس التّتار، فخاض الفرات وقدّامه قلاوون وبيسري، وأوقع بالتّتار على حين غفلة، وقتل منهم شيئا كثيرا، وساق خلفهم بيسري إلى سرّوج، وتسلّم السّلطان البيرة. ووقع بمصر في سنة اثنتين وسبعين وباء هلك به خلق كثير. وفي سنة ثلاث وسبعين، غزا السّلطان سيس، وافتتح قلاعا عدّة (¬a). وفي سنة أربع وسبعين، تزوّج السّعيد بن السّلطان بابنة الأمير قلاوون، وخرج العسكر إلى بلاد النّوبة فواقع ملكهم، وقتل منهم كثيرا وفرّ باقيهم. وفي سنة خمس وسبعين، سار السّلطان لحرب التّتار، فواقعهم على الأبلستين وقد انضمّ إليهم الرّوم، فانهزموا وقتل منهم كثير، وتسلّم السّلطان قيساريّة ونزل فيها بدار السّلطان. ثم خرج إلى دمشق، فوعك بها من إسهال وحمّى مات منها يوم الخميس تاسع عشر محرّم سنة ستّ وسبعين وستّ مائة، وعمره نحو من سبع وخمسين سنة، ومدّة ملكه سبع عشرة سنة وشهران. وكان ملكا جليلا، عسوفا عجولا، كثير المصادرات لرعيّته ودواوينه، سريع الحركة، فارسا مقداما، وترك من الذّكور ثلاثة: السّعيد محمد بركة خان وملك بعده، وسلامش وملك أيضا، والمسعود خضر، ومن البنات سبع بنات. وكان طويلا مليح الشّكل. وفتح اللّه على يديه ممّا كان مع الفرنج: قيساريّة وأرسوف وصفد وطبريّة ويافا والشّقيف وأنطاكية وبغراس والقصير وحصن الأكراد والقرين وحصن عكّار (¬b) وصافيثا ومرقيّة وحلبا، وناصف الفرنج على المرقب وبليناس وأنطرسوس، وأخذ من صاحب سيس دربساك ودركوش وتلميش وكفردبين ورعبان ومرزبان وكينوك وأدنة والمصّيصة (١). وصار إليه من البلاد التي كانت مع المسلمين دمشق وبعلبك وعجلون وبصرى وصرخد والصّلت وحمص وتدمر والرّحبة وتلّ باشر وصهيون وبلاطنس وقلعة الكهف والقدموس والعليقة والخوابي والرّصافة ومصياف والقليعة والكرك والشّوبك، وفتح بلاد النّوبة وبرقة (٢).

стр. 2646

وعمّر الحرم النّبوي وقبّة الصّخرة ببيت المقدس، وزاد في أوقاف الخليل ﵇، وعمّر قناطر شبرامنت بالجيزيّة وسور الإسكندرية ومنار رشيد، وردم فم بحر دمياط، ووعّر طريقه، وعمّر الشّواني، وعمّر قلعة دمشق وقلعة الصّبيبة وقلعة بعلبك وقلعة الصّلت وقلعة صرخد وقلعة عجلون وقلعة بصرى وقلعة شيزر وقلعة حمص (١). وعمّر المدرسة بين القصرين بالقاهرة، والجامع الكبير بالحسينيّة خارج القاهرة، وحفر خليج الإسكندرية القديم وباشره بنفسه، وعمّر هناك قرية سمّاها الظّاهريّة، وحفر بحر أشموم طناح على يد الأمير بلبان الرّشيدي، وجدّد الجامع الأزهر بالقاهرة وأعاد إليه الخطبة، وعمّر بلد السّعيدية من الشّرقيّة بديار مصر، وعمّر القصر الأبلق بدمشق وغير ذلك. ولمّا مات كتم موته الأمير بدر الدّين بيلبك الخازندار عن العسكر، وجعله في تابوت وعلّقه ببيت من قلعة دمشق، وأظهر أنّه مريض، ورتّب الأطبّاء يحضرون على العادة، وأخذ العساكر والخزائن ومعه محفّة محمولة في الموكب محترمة، وأوهم النّاس أنّ السّلطان فيها وهو مريض، فلم يجسر أحد أن يتفوّه بموت السّلطان، وسار إلى أن وصل إلى قلعة الجبل بمصر وأشيع موته. رحمه اللّه تعالى. جامع ابن اللّبّان هذا الجامع بجسر الشّعيبيّة - المعروف بجسر الأفرم (٢) - عمّره الأمير عزّ الدّين أيبك الأفرم في شعبان (¬a) سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة. قال ابن المتوّج: وكان سبب عمارته أنّه لمّا كثرت الخلائق في خطّة هذا الجامع، قصد الأفرم أن يجعل خطبة في المسجد المعروف بمسجد الخلالة (¬b)، الذي ببركة الشّقاف ظاهر سور الفسطاط المستجدّ، وأن يزيد فيه ويعمره كما يختار، فمنعه الفقيه مؤتمن الدّين الحارث ابن مسكين (٣) وردّه عن غرضه. فحسّن له الصّاحب تاج الدّين محمد بن الصّاحب فخر الدّين محمد

стр. 2647

ابن الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا عمارة هذا الجامع في هذه البقعة لقربه منه. فعمّره في شعبان سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة، لكنّه هدم بسببه عدّة مساجد (١). وعرف هذا الجامع في زمننا هذا بالشّيخ (¬a)) شمس الدّين (¬a) محمد بن اللّبّان الشّافعي لإقامته فيه. وأدركناه عامرا، وقد تعطّلت (¬b) منه في هذه المحن إقامة الجمعة والجماعة، لخراب ما حوله وبعد البحر عنه. الجامع الطّيبرسي / هذا الجامع عمّره الأمير علاء الدّين طيبرس الخازندار نقيب الجيوش، بشاطئ النّيل في أرض بستان الخشّاب، وعمّر بجواره خانقاه في جمادى الأولى سنة سبع وسبع مائة (٢). وكان من أحسن متنزّهات مصر وأعمرها (٣). وقد خرب ما حوله في الحوادث والمحن التي بعد سنة ستّ وثمان مائة، بعد ما كانت العمارة متّصلة منه إلى الجامع الجديد بمصر، ومنه إلى الجامع الخطيري ببولاق، ويركب النّاس المراكب للفرجة من هذا الجامع إلى الجامعين المذكورين مصعدين ومنحدرين في النّيل، ويجتمع بهذا الجامع النّاس للنّزهة، فيمرّ به أوقات ومسرّات لا يمكن وصفها. وقد خرب هذا الجامع وأقفر (¬a)) من السّاكن والوارد وانحسر ماء النّيل من أمامه وهدم ما حوله (¬a) من المساكن (٤)، وصار مخوفا بعد ما كان ملهى وملعبا، ﴿سُنَّةَ اَللّهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الآية ٣٨ سورة الأحزاب]. ولطيبرس هذا المدرسة الطّيبرسيّة بجوار الجامع الأزهر من القاهرة (٥).

стр. 2648

الجامع الجديد النّاصري هذا الجامع بشاطئ النّيل من ساحل مصر الجديد، عمّره القاضي فخر الدّين محمد بن فضل اللّه، ناظر الجيش، باسم السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون (١). وكان الشّروع فيه يوم التاسع من المحرّم سنة إحدى عشرة وسبع مائة، وانتهت عمارته في ثامن صفر سنة اثنتي عشرة وسبع مائة (٢). وأقيم في خطابته قاضي القضاة بدر الدّين محمد بن إبراهيم بن جماعة الشّافعيّ، ورتّب في إمامته الفقيه تاج الدّين ابن مرهف. فأوّل ما صلّي فيه صلاة الظّهر من يوم الخميس ثامن صفر المذكور (٣)، وأقيمت فيه الجمعة يوم الجمعة تاسع صفر، وخطب عن قاضي القضاة بدر الدّين ابنه جمال الدّين. ولهذا الجامع أربعة أبواب، وفيه مائة وسبعة وثلاثون عمودا، منها عشرة من صوّان في غاية السّمك والطّول، وجملة ذرعه أحد عشر ألف ذراع وخمس مائة ذراع بذراع العمل، من ذلك: طوله من قبليه إلى بحريه مائة وعشرون ذراعا، وعرضه من شرقيه إلى غربيه مائة ذراع، وفيه ستّة عشر شبّاكا من حديد، وهو يشرف من قبليه على بستان العالمة، وينظر من بحريه بحر النّيل (٤).

стр. 2649

وكان موضع هذا الجامع في القديم غامرا بماء النّيل، ثم انحسر عنه النّيل وصار رملة، في زمن الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، يمرّغ النّاس فيها دوابّهم أيّام احتراق النّيل. فلمّا عمّر الملك الصّالح قلعة الرّوضة وحفر البحر، طرح الرّمل في هذا الموضع، فشرع النّاس في العمارة على السّاحل (١). وكان موضع هذا الجامع شونة، وقد ذكر خبر ذلك عند ذكر السّاحل الجديد بمصر، فانظره. وما برح هذا الجامع من أحسن متنزّهات مصر إلى أن خرب ما حوله. وفيه إلى الآن بقيّة، وهو عامر (٢). النّاصر محمّد ابن قلاوون بن قلاوون، السّلطان الملك النّاصر أبو الفتح ناصر الدّين ابن الملك المنصور - كان يلقّب بحرفوش، وأمّه أشلون ابنة شنكاي - ولد يوم السبت النّصف من المحرّم سنة أربع وثمانين وست مائة، بقلعة الجبل من ديار مصر، وولي الملك ثلاث مرّات (٣):

стр. 2650

الأولى بعد مقتل أخيه الملك الأشرف خليل بن قلاوون، في رابع عشر المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة، وعمره تسع سنين تنقص يوما واحدا. فأقام في الملك سنة إلاّ ثلاثة أيّام، وخلع بمملوك أبيه كتبغا المنصوري يوم الأربعاء حادي عشر المحرّم سنة أربع وتسعين وستّ مائة. وأعيد إلى المملكة ثانيا بعد قتل الملك المنصور لاجين يوم الاثنين سادس جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستّ مائة. فأقام عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما، وعزل نفسه وسار إلى الكرك. فولي الملك من بعده الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير، وتلقّب بالملك المظفّر، في يوم السبت ثالث عشرين شوّال سنة ثمان وسبع مائة.

стр. 2651

ثم حضر من الكرك إلى الشّام وجمع العساكر، فخامر على بيبرس معظم جيش مصر وانحلّ أمره، فترك الملك في يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان سنة تسع وسبع مائة. وطلع الملك النّاصر إلى قلعة الجبل يوم عيد الفطر من السنة المذكورة، واستولى على ممالك مصر والشّام والحجاز. فأقام في الملك من غير منازع له فيه إلى أن مات بقلعة الجبل في ليلة الخميس الحادي والعشرين من ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبع مائة، وعمره سبع وخمسون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيّام. وله في ولايته الثّالثة مدّة اثنتين وثلاثين سنة وشهرين وعشرين يوما. وجملة إقامته في الملك عن المدد الثّلاث، ثلاث وأربعون سنة وثمانية أشهر وتسعة أيّام. ولمّا مات ترك ليلته ومن الغد حتى تمّ الأمر لابنه أبي بكر المنصور في يوم الخميس المذكور. ثم أخذ في جهازه، فوضع في محفّة بعد العشاء الآخرة بساعة، وحمل على بغلين، وأنزل من القلعة إلى الإسطبل السّلطاني. وسار به الأمير ركن الدّين بيبرس الأحمدي أمير جاندار، والأمير نجم الدّين أيّوب والي القاهرة، والأمير قطلوبغا الذّهبي، وعلم دار أخو طاجار الدّوادار. وعبروا به إلى القاهرة من باب النّصر، وقد غلّقت الحوانيت كلّها، ومنع النّاس من/ الوقوف للنّظر إليه، وقدّام المحفّة شمعة واحدة في يد علم دار. فلمّا دخلوا به من باب النّصر، كان قدّامه مسرجة في يد بيّات (¬a) وشمعة واحدة، وعبروا به المدرسة المنصوريّة بين القصرين ليدفن عند أبيه الملك المنصور قلاوون. وكان الأمير علم الدّين سنجر الجاولي، ناظر المارستان، قد جلس ومعه القضاة الأربعة وشيخ الشّيوخ ركن الدّين شيخ خانقاه سرياقوس، والشّيخ ركن الدّين عمر ابن الشّيخ إبراهيم الجعبري. فحطّت المحفّة وأخرج منها، فوضع بجانب الفسقيّة التي بالقبّة، وأمر ابن أبي الطّاهر مغسّل الأموات بتغسيله، فقال: هذا ملك، ولا أنفرد بتغسيله إلاّ أن يقوم أحد منكم ويجرّده على الدّكّة، فإنّي أخشى أن يقال كان معه فصّ أو خاتم أو في عنقه خرزة. فقام قطلوبغا الذّهبي وعلم دار، وجرّداه مع الغاسل من ثيابه. فكان على رأسه قبغ أبيض من قطن بنائه، وعلى بدنه بغلطاق صدر أبيض وسراويل فنزعا، وترك المقيص عليه وغسّل به، ووجد في رجله الموجوعة بخشان مفتوحان. فغسّل من فوق القميص، وكفّن في نصفيّة، وعملت له أخرى طرّاحة ومخدّة، ووضع في تابوت من خشب، وصلّى عليه قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز ابن محمد بن جماعة الشّافعي بمن حضر.

стр. 2652

وأنزل إلى قبر أبيه في سحليّة من خشب قد ربطت بحبل، ونزل معه إلى القبر الغاسل والأمير سنجر الجاولى، ودفع إلى الغاسل ثلاث مائة درهم، فباع ما نابه من الثّياب بثلاثة عشر درهما سوى القبع فإنّه فقد، وذكر الغاسل أنّه كان محنّكا بخرقة معقّدة بثلاث عقد. فسبحان من لا يحول ولا يزول، هذا ملك أعظم المعمور من الأرض مات غريبا، وغسّل طريحا، ودفن وحيدا، إنّ في ذلك لعبرة لأولي الألباب! وفي ليلة السبت قرأ القرّاء عند القبر بالقبّة القرآن، وحضر بعض الأمراء. وترك من الأولاد اثني عشر ولدا ذكرا، وهم: أحمد وهو أسنّهم، وكان بالكرك، وأبو بكر وتسلطن من بعده، وشقيقه رمضان، ويوسف وإسماعيل وتسلطن أيضا، وشعبان وتسلطن، وحسين، وكجك وتسلطن، وأمير حاج، وحسن - ويدعى قماري - وتسلطن، وصالح وتسلطن، ومحمد. وترك من البنات ثمانيا متزوّجات، سوى من خلّف من الصّغار وخلّف من الزّوجات جاريته طغاي، وابنة الأمير تنكز نائب الشّام. ومات وليس له نائب بديار مصر، ولا وزير، ولا حاجب متصرّف سوى أنّ برسبغا الحاجب يحكم في متعلّقات أمور الإقطاعات وليس معه عصا الحجوبيّة، وبدر الدّين بكتاش نقيب الجيوش، وآقبغا عبد الواحد أستادّار السّلطان ومقدّم المماليك، وبيبرس الأحمدي أمير جاندار، ونجم الدّين أيّوب والي القاهرة، وجمال الدّين جمال الكفاه ناظر الجيوش، والموفّق ناظر الدّولة، وصارم الدّين أزبك شادّ الدّواوين، وعزّ الدّين عبد العزيز بن جماعة قاضي القضاة بديار مصر. ونائب دمشق الأمير ألطنبغا، ونائب حلب (¬a) الأمير طشتمر حمّص أخضر ونائب طرابلس الحاج أرقطاي، ونائب صفد الأمير أصلم، ونائب غزّة الأمير آق سنقر السّلاري، وصاحب حماه الملك الأفضل ناصر الدّين محمد بن المؤيّد إسماعيل. والأمراء مقدّمو الألوف بديار مصر يوم وفاته خمسة وعشرون أميرا وهم: بدر الدّين جنكلي ابن البابا، والحاج آل ملك، وبيبرس الأحمدي، وعلم الدّين سنجر الجاولي، وسيف الدّين كوكاي، ونجم الدّين محمود وزير بغداد، هؤلاء برّانيّة كبار؛ والباقي مماليكه وخواصّه، وهم: ولده الأمير أبو بكر، والأمير قوصون، والأمير بشتاك، والأمير (¬a) طقزدمر، وآقبغا عبد الواحد الأستادّار، وأيدغمش أمير آخور، وقطلوبغا الفخري، ويلبغا اليحياوي، وتلكتمر (¬b) الحجازي،

стр. 2653

وألطنبغا المارديني، وبهادر النّاصري، وآق سنقر النّاصري، وقماري أمير (¬a) كبير، وقماري أمير شكار، وطوغاي، وأرنبغا أمير جاندار، وبرسبغا الحاجب، ويلرغي ابن العجوز أمير سلاح، وبيغرا. وكان السّلطان أبيض اللّون، قد وخطه الشّيب، وفي عينيه حول، وبرجله اليّمنى ريح شوكة تنقض (¬b) عليه أحيانا وتؤلمه، وكان لا يكاد يمسّ بها الأرض، ولا يمشي إلاّ متّكئا على أحد أو متوكئا على شيء، ولا يصل إلى الأرض سوى أطراف (¬c) أصابعه. وكان شديد البأس، جيّد الرأي، يتولّى الأمور بنفسه، ويجود لخواصّه. وكان مهابا عند أهل مملكته، بحيث إنّ الأمراء إذا كانوا عنده بالخدمة لا يجسر أحد أن يكلّم آخر كلمة واحدة، ولا يلتفت بعضهم إلى بعض خوفا منه. ولا يمكن واحد منهم أن يذهب إلى بيت أحد ألبتّة، لا في وليمة ولا غيرها، فإن فعل أحد منهم شيئا من ذلك قبض عليه، وأخرجه من يومه منفيّا. وكان مسدّدا عارفا بأمور رعيّته وأحوال مملكته، وأبطل نيابة السّلطنة من ديار مصر من سنة سبع وعشرين وسبع مائة، وأبطل الوزارة (١)، وصار يتحدّث بنفسه في الجليل من الأمور والحقير، ويستجلب خاطر كلّ أحد من صغير وكبير، لا سيّما حواشيه. فلذلك عظمت حاشية المملكة وأتباع السّلطنة، وتخوّلوا في النّعم الجزيلة، حتى الخولة والكلابزية والأسرى من الأرمن والفرنج، وأعطى البازدارية الأخباز في الحلقة: فمنهم من كان إقطاعه الألف دينار في السّنة، وزوّج عدّة منهم بجواريه من التّرك (¬a)، وأفنى/ خلقا كثيرا من الأمراء بلغ عددهم نحو المائتي أمير. وكان إذا كبر أحد من أمرائه، قبض عليه وسلبه نعمته، وأقام بدله صغيرا من مماليكه إلى أن يكبر، فيمسكه ويقيم غيره ليأمن بذلك شرّهم. وكان كثير التّخيّل حازما، حتى إنّه إذا تخيّل من ابنه قتله. وفي آخر أيّامه شره في جمع المال، فصادر كثيرا من الدّواوين والولاة وغيرهم، ورمى البضائع على التّجّار حتى خاف كلّ من له مال. وكان مخادعا كثير الحيل، لا يقف عند قول، ولا يوفّي بعهد، ولا يبرّ في يمين.

стр. 2654

وكان محبّا للعمارة، عمّر عدّة أماكن، منها جامع قلعة الجبل وهدمه مرّتين، وعمّر القصر الأبلق بالقلعة ومعظم الأماكن التي بالقلعة، وعمّر المجرى الذي ينقل الماء عليه من بحر النّيل إلى القلعة على السّور، وعمّر الميدان تحت القلعة، ومناظر الميدان على النّيل. وعمّر قناطر السّباع على الخليج، ومناظر سرياقوس والخانقاه بسرياقوس، وحفر الخليج النّاصري بظاهر القاهرة، وعمّر الجامع الجديد على شاطئ النّيل بظاهر مصر، وجدّد جامع الفيلة الذي بالرّصد، والمدرسة النّاصريّة بين القصرين من القاهرة، وغير ذلك ممّا يرد في موضعه من هذا الكتاب. وما زال يعمّر منذ عاد إلى ولاية الملك في المرّة الثّالثة إلى أن مات. وبلغ مصروف العمارة في كلّ يوم من أيّامه سبعة آلاف درهم فضّة: عنها ثلاث مائة وخمسون دينارا، سوى من يسخّره من المقيّدين وغيرهم في عمل ما يعمره. وحفر عدّة من الخلجانات والتّرع، وأقام الجسور بالبلاد، حتى إنّه كان ينصرف من الأجناد (¬a) على ذلك ربع متحصّل الإقطاعات. وحفر خليج الإسكندرية، وبحر المحلّة مرّتين، وبحر اللّبيني بالجيزة، وعمل جسر شيبين، وعمل جسر أحباس بالشّرقيّة والقليوبية مدّة ثلاث سنين متوالية فلم ينجح، فأنشأه بنيانا بالطّوب والجير، وأنفق فيه أموالا عظيمة (١). وراك ديار مصر وبلاد الشّام (٢). وعرض الجيش بعد حضوره في سنة اثنتي عشرة وسبع مائة، وقطع ثمان مائة من الجند، ثم قطع مرّة أخرى ثلاثة وأربعين جنديا في سنة إحدى وعشرين (¬b) وسبع مائة، ثم قطع خمسة وستين أيضا في رمضان سنة إحدى وأربعين وسبع مائة قبل وفاته بشهرين. وفتح من البلاد جزيرة أرواد في سنة اثنتين وسبع مائة، وفتح ملطيّة في سنة خمس عشرة وسبع مائة، وفتح إياس (¬c) في ربيع الأوّل سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة وخرّبها، ثم عمّرها الأرمن. فأرسل إليها جيشا فأخذها، ومعها عدّة بلاد من بلاد الأرمن، في سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، وأقام بها نائبا من أمراء حلب. وعمّر قلعة جعبر بعد أن دثرت.

стр. 2655

وضربت السّكّة باسمه في بغداد (¬a) في شوّال سنة إحدى وأربعين وسبع مائة قبل موته، تولّى ذلك الشّيخ حسن بن حسين، بحضور الأمير شهاب الدّين أحمد قريب السّلطان، وقد توجّه من مصر بهذا السّبب. وخطب له أيضا أرتنا ببلاد الرّوم (١)، وضربت السّكّة باسمه، وكذلك ببلاد ابن قرمان وجبال الأكراد وكثير من بلاد الشّرق. وكان من الذّكاء المفرط على جانب عظيم، يعرف مماليك أبيه ومماليك الأمراء بأسمائهم ووقائعهم، وله معرفة تامّة بالخيل وقيّمها، مع الحشمة والسّيادة؛ لم يعرف عنه قطّ أنّه شتم أحدا من خلق اللّه، ولا سفّه عليه، ولا كلّمه بكلمة سيّئة، وكان يدعو الأمراء أرباب الأشغال بألقابهم. وكانت همّته عليّة، وسياسته جيّدة، وحرمته عظيمة إلى الغاية، ومعرفته بمهادنة الملوك لا مرمى وراءها يبذل في ذلك من الأموال ما لا يوصف كثرة، فكان كتابه ينفذ أمره في سائر أقطار الأرض كلّها. وهو مع ما ذكرنا مؤيّد في كلّ أموره، مظفّر في جميع أحواله، مسعود في سائر حركاته، ما عانده أحد أو أضمر له سوءا إلاّ وندم على ذلك أو هلك. واشتهر في حياته بديار مصر أنّه إن وقعت قطرة من دمه على الأرض لا يطلع نيل مصر مدّة سبع سنين. فمتّعه اللّه من الدّنيا بالسّعادة العظيمة في المدّة الطّويلة، مع كثرة الطّمأنينة والأمن وسعة الأموال. واقتنى كلّ حسن ومستحسن من الخيل والغلمان والجواري، وساعده الوقت في كلّ ما يحب ويختار إلى أن أتاه الموت.

стр. 2656

الجامع بالمشهد النّفيسي قال ابن المتوّج: هذا الجامع أمر بإنشائه الملك النّاصر محمد بن قلاوون، فعمّر في شهور سنة أربع عشرة وسبع مائة، وولي خطابته علاء الدّين محمد بن نصر اللّه بن الجوهري شاهد الخزانة السّلطانية، وأوّل خطبته فيه يوم الجمعة ثامن صفر من السنة المذكورة، وحضرة (¬a) أمير المؤمنين المستكفي باللّه أبو الرّبيع سليمان وولده وابن عمه، والأمير كهرداش متولّي شدّ العمائر السّلطانية وعمارة هذا الجامع ورواقاته والفسقيّة المستجدّة. وقيل إنّ جميع المصروف على هذا الجامع من حاصل المشهد النّفيسي وما يدخل إليه من النّذور ومن الفتوح (١). جامع أمير حسين بالحكر (¬b) [أثر رقم ٢٣٣] / هذا الجامع (٢) كان موضعه بستانا بجوار غيط العدّة، أنشأه الأمير حسين بن أبي بكر ابن

стр. 2657

إسماعيل بن جندر بك شرف الدّين الرّومي (¬a) (١). قدم مع أبيه من بلاد الرّوم إلى ديار مصر في سنة خمس وسبعين وست مائة، وتخصّص بالأمير حسام الدّين لاجين المنصوري قبل سلطنته، فكانت له منه مكانة مكينة (¬b)) ومنزلة عليّة (¬b)، وصار أمير شكار، وكان فيه برّ، وله صدقة، وعنده تفقّد لأصحابه. وأنشأ أيضا القنطرة المعروفة بقنطرة أمير حسين على خليج القاهرة، وفتح الخوخة في سور القاهرة بجوار الوزيريّة، وجرى عليه من أجل فتحها ما قد ذكر عند ذكرها في الخوخ من هذا الكتاب (٢). وتوفي في سابع المحرّم سنة تسع وعشرين وسبع مائة، ودفن بهذا الجامع (¬c). جامع ألماس [أثر رقم ١٣٠] هذا الجامع بالشّارع خارج باب زويلة. بناه الأمير سيف الدّين ألماس الحاجب النّاصري (¬d)، وكمل في سنة ثلاثين وسبع مائة (٣).

стр. 2658

ألماس وكان ألماس هذا أحد مماليك النّاصر محمد بن قلاوون، فرقّاه إلى أن صار من أكبر الأمراء (¬a) ولمّا أخرج الأمير أرغون إلى نيابة حلب، وبقي منصب النّيابة شاغرا؛ عظمت منزلة ألماس، وصار في منزلة النّيابة إلاّ أنّه لم يسمّ بالنّائب، ويركب الأمراء الأكابر والأصاغر في خدمته، ويجلس بباب (¬b) القلّة من قلعة الجبل في منزلة النّائب، والحجّاب وقوف بين يديه (١).

стр. 2659

وما برح على ذلك حتّى توجّه السّلطان إلى الحجاز في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، فتركه في القلعة هو والأمير جمال الدّين آقّوش نائب الكرك، والأمير آقبغا عبد الواحد، والأمير طشتمر حمّص أخضر هؤلاء الأربعة لا غير، وبقيّة الأمراء إمّا معه في الحجاز وإمّا في إقطاعاتهم، وأمرهم ألاّ يدخلوا القاهرة حتى يحضر من الحجاز. فلمّا قدم من الحجاز نقم عليه، وأمسكه في صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مائة وكان لغضب السّلطان عليه أسباب: منها أنّه لمّا أقام في غيبة السّلطان بالقلعة كان يراسل الأمير جمال الدّين آقوش نائب الكرك ويوادده، وبدت منه في مدّة الغيبة أمور فاحشة من معاشرة الشّباب ومن كلام في حقّ السّلطان، فوشى به آقبغا. وكان مع ذلك قد كثر ماله وزادت سعادته، فهوى شابّا من أبناء الحسينيّة يعرف بعميّر، وكان ينزل إليه ويجمع الأويراتية، ويحضر الشّباب ويشرب، فحرّك عليه ذلك ما كان ساكنا، ويقال إنّ السّلطان لمّا مات الأمير بكتمر السّاقي، وجد في تركته حرمدان (¬a) فيه جواب ألماس إلى بكتمر السّاقي «إنّي حافظ لك القلعة (¬b) إلى آن يرد عليّ منك ما أعتمده». فلمّا وقف السّلّطان على ذلك أمر النّشو بن هلال الدّولة، وشاهد الخزانة، بإيقاع الحوطة على موجوده فوجدا له ستّ مائة ألف درهم فضّة، ومائة ألف درهم فلوسا، وأربعة آلاف دينار ذهبا، وثلاثين حياصة ذهبا كاملة بكفتاتها وخلعها وجواهر وتحفا. وأقام ألماس عند آقبغا عبد الواحد ثلاثة أيّام، وقتل خنقا بمحبسه في الثّاني عشر من صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مائة (¬c)) هو وأخوه قرا، ووجد له من الفضّة ألفا ألف درهم وأربع مائة ألف درهم، ومن الذّهب والخيل والقماش شيء كثير (¬c)، وحمل من القلعة إلى جامعه فدفن به، وأخذ جميع ما كان في داره من الرّخام فقلع منها، وكان رخاما فاخرا إلى الغاية. وكان أسمر طوالا، غتميّا لا يفهم شيئا بالعربي، ساذجا يجلس في بيته فوق لبّاد على ما اعتاده (١). وبهذا الجامع رخام كثير نقله من جزائر البحر وبلاد الشّام والرّوم، (¬c)) وعمّر أيضا بجواره قاعة فيها رخام مليح (¬c) (٢).

стр. 2660

جامع قوصون (١) [أثر رقم ٢٢٤] هذا الجامع بالشّارع خارج باب زويلة (¬a)، ابتدأ بعمارته الأمير (¬b)) الكبير سيف الدّين (¬b) قوصون في سنة ثلاثين وسبع مائة، (¬b)) وهو خارج باب القوس المجاور لحارة المصامدة من الجانب الغربي (¬b)، وكان موضعه دارا بجوار حارة المصامدة من جانبها الغربي تعرف بدار آقوش نميلة، ثم عرفت بدار الأمير جمال الدّين قتّال السّبع الموصلي، فأخذها من ولده وهدمها وتولّى بناءه (¬c) شادّ العمائر، واستعمل فيه الأسرى. وكان قد حضر من بلاد توريز بنّاء، فبنى مئذنتي هذا الجامع على مثال المئذنة التي عملها خواجا علي شاه وزير السّلطان أبي سعيد، في جامعه بمدينة توريز.

стр. 2661

وأوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة (¬a) من شهر رمضان سنة ثلاثين وسبع مائة، وخطب يومئذ قاضي القضاة جلال الدّين القزويني بحضور السّلطان، ولمّا انقضت صلاة الجمعة أركبه الملك النّاصر بغلة بخلعة سنيّة، ثم منعه السّلطان الملك النّاصر أن يستقرّ في خطابته، فولي فخر الدّين شكر. قوصون (١) (٢) الأمير الكبير سيف الدّين - حضر من بلاد بركة إلى مصر صحبة خوند ابنة أزبك، امرأة (¬b) الملك النّاصر محمد بن قلاوون، في ثالث عشرين ربيع الآخر سنة عشرين وسبع مائة، و (¬c)) لم يمسسه رقّ بل كان (¬c) معه قليل عصى وطسما ونحو ذلك ممّا قيمته خمس مائة درهم، ليتّجر فيه. فكان يطوف (¬d) بذلك في أسواق القاهرة وتحت القلعة، وفي داخل قلعة الجبل لبيعه؛ فاتّفق في بعض الأيّام أنّه دخل إلى الإسطبل السّلطاني ليبيع ما معه (¬e)) فولع به بعض الأوشاقيّة وأحبّه (¬e) - وكان صبيّا جميلا طويلا، له من العمر ما يقارب/ الثماني عشرة سنة - فصار يتردّد إلى الأوشاقي إلى أن رآه السّلطان (¬c)) ومعه العصى وهوى ونحو ذلك يبيعهم (¬c) فوقع منه بموقع، فسأل عنه، فعرف بأنّه يحضر ليبيع ما معه، وأنّ بعض الأوشاقيّة تولّع به. فأمر بإحضاره إليه، وابتاع منه نفسه ليصير من جملة المماليك السّلطانية، فنزّله من جملة السّقاة، وشغف به وأحبّه حبّا كثيرا. فأسلمه للأمير بكتمر السّاقي، وجعله أمير عشرة، ثم أعطاه إمرة طبلخاناه، ثم جعله أمير مائة مقدّم ألف، ورقّاه حتى بلغ أعلى الرّتب (¬f). فأرسل إلى البلاد، وأحضر إخوته سوسون وغيره من

стр. 2662

أقاربه، وأمّر الجميع واختصّ به السّلطان بحيث لم ينل أحد عنده ما ناله، وزوّجه بابنته وتزوّج السّلطان أخته. (¬a)) ثم لمّا حضرته الوفاة (¬a) جعله وصيّا على أولاده، وعهد لابنه أبي بكر، فأقيم في الملك من بعده. وأخذ قوصون في أسباب السّلطنة، وخلع أبا بكر المنصور بعد شهرين، وأخرجه إلى مدينة قوص ببلاد الصّعيد ثم قتله، وأقام كجك ابن السّلطان وله من العمر خمس سنين، ولقّبه بالملك الأشرف، وتقلّد نيابة السّلطنة بديار مصر، فأمّر من حاشيته وأقاربه ستين أميرا، وأكثر من العطاء وبذل الأموال والإنعام، فصار أمر الدّولة كلّه بيده. هذا وأحمد ابن السّلطان الملك النّاصر مقيم بمدينة الكرك. فخافه قوصون وأخذ في التّدبير عليه، فلم يتمّ له ما أراد من ذلك، وحرّك على نفسه ما كان ساكنا فطلب أحمد الملك لنفسه، وكاتب الأمراء والنّوّاب بالمملكة الشّاميّة والمصرية، فأذعنوا إليه. وكان بمصر من الأمراء الأمير أيدغمش، والأمير آل ملك، وقماري، والمارديني (¬b)، وغيرهم فتخيّل قوصون منهم، وأخذ في أسباب القبض عليهم، فعلموا بذلك وخافوا الفوت، فركبوا لحربه وحصروه بقلعة الجبل حتى قبضوا عليه في ليلة الأربعاء آخر شهر رجب سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، ونهبت داره وسائر دور حواشيه وأسبابه، وحمل إلى الإسكندرية صحبة الأمير قبلاي فقتل بها. وكان كريما: يفرّق في كلّ سنة للأضحية ألف رأس غنما وثلاث مائة بقرة، ويفرّق ثلاثين حياصة ذهبا، ويفرّق كلّ سنة عدّة أملاك فيها ما يبلغ ثمنه ثلاثين ألف درهم ودونها (¬c) (١). وله من الآثار - بديار مصر - سوى هذا الجامع - الخانقاه بباب القرافة، والجامع تجاهها (٢)، وداره التي بالرّميلة تحت القلعة تجاه باب السّلسلة، وحكر قوصون (٣).

стр. 2663

جامع المارديني (¬a) [أثر رقم ١٢٠] هذا الجامع بجوار خطّ التّبّانة خارج باب زويلة، كان مكانه أوّلا مقابر أهل القاهرة، ثم عمّر أماكن. فلمّا كان في سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة (¬b)) اشتراها بالثّمن من أربابها، ثم أمر الملك النّاصر محمد النّشو ناظر الخاصّ أن يتولّى أمر شراء البيوت فظلم النّاس ولم ينصفهم في أثمانها (¬b) (١)، وهدمت وبني مكانها هذا الجامع. فبلغ مصروفه زيادة على ثلاث مائة ألف درهم، عنها نحو خمسة عشر ألف دينار سوى ما حمل إليه من الأخشاب والرّخام وغيره من جهة السّلطنة، وأخذ ما كان في جامع راشدة من العمد فعملت فيه، وجاء من أحسن الجوامع (٢). وأوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة رابع عشرين رمضان سنة (¬c)، وخطب فيه الشّيخ ركن الدّين عمر بن إبراهيم الجعبري ولم يتناول معلوما (¬d)) على الخطبة (¬d).

стр. 2664

(¬a)) ومئذنته لم يعمل بمصر نظيرها في ملاحتها (¬a). ألطنبغا المارديني (١) السّاقي السّاقي - أمّره الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وقدّمه وزوّجه ابنته. فلمّا مات السّلطان، وتولّى بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، ذكر أنّه

стр. 2665

وشى بأمره إلى الأمير قوصون وقال: قد عزم على إمساكك. فتحيّل قوصون وخلع أبا بكر وقتله بقوص، هذا مع أنّ ألطنبغا كان قد عظم عند المنصور أكثر ممّا كان عند أبيه. فلمّا أقيم الأشرف كجك، وماج النّاس، وحضر الأمير قطلوبغا من الشّام، وشغب الأمراء على قوصون، كان ألطنبغا أصل ذلك كلّه، ثم نزل إلى الأمير أيدغمش أمير آخور، واتّفق معه على أن يقبض على قوصون، وطلع إلى قوصون وشاغله، وخذله عن الحركة طوال اللّيل وأحضر (¬a) الأمراء الكتّاب (¬b) المشايخ عنده، وما زال يساهره حتى نام. وكان من قيام الأمراء، وركوبهم عليه ما كان إلى أن أمسك، وأخرج إلى الإسكندرية. ولمّا قدم ألطنبغا نائب الشّام وأقام، تقدّم المارديني (¬c) وقبض على سيفه، ولم يجسر غيره على ذلك، فقويت (¬d)) بعد هذه (¬d) الحركات نفسه، وصار يقف فوق ألتمرتاشي، وهو أغاته، فشقّ ذلك عليه، وكتم في نفسه إلى أن ملك الصّالح إسماعيل، فتمكّن حينئذ ألتمرتاشي، وصار الأمر له، وعمل على المارديني (¬c)، فلم يشعر بنفسه إلاّ وقد أخرج على خمس أرؤس من خيل البريد إلى نيابة حماة في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين. فسار إليها وبقي فيها نحو شهرين إلى أن مات أيدغمش نائب الشّام، ونقل طقزدمر من نيابة حلب إلى نيابة دمشق. فنقل المارديني (¬c) من نيابة حماه إلى نيابة حلب، وسار إليها في أوّل رجب من السنة المذكورة، وجاء الأمير يلبغا اليحياوي إلى نيابة حماه. فأقام المارديني (¬c) يسيرا في حلب ومرض، ومات مستهلّ صفر سنة أربع وأربعين وسبع مائة. وكان شابّا طويلا رقيقا، حلو الصّورة لطيفا، معشق الخطرة كريما، صائب الحدس عاقلا.
следующие страницы →