← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وأوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة (¬a) من شهر رمضان سنة ثلاثين وسبع مائة، وخطب يومئذ قاضي القضاة جلال الدّين القزويني بحضور السّلطان، ولمّا انقضت صلاة الجمعة أركبه الملك النّاصر بغلة بخلعة سنيّة، ثم منعه السّلطان الملك النّاصر أن يستقرّ في خطابته، فولي فخر الدّين شكر. قوصون (١) (٢) الأمير الكبير سيف الدّين - حضر من بلاد بركة إلى مصر صحبة خوند ابنة أزبك، امرأة (¬b) الملك النّاصر محمد بن قلاوون، في ثالث عشرين ربيع الآخر سنة عشرين وسبع مائة، و (¬c)) لم يمسسه رقّ بل كان (¬c) معه قليل عصى وطسما ونحو ذلك ممّا قيمته خمس مائة درهم، ليتّجر فيه. فكان يطوف (¬d) بذلك في أسواق القاهرة وتحت القلعة، وفي داخل قلعة الجبل لبيعه؛ فاتّفق في بعض الأيّام أنّه دخل إلى الإسطبل السّلطاني ليبيع ما معه (¬e)) فولع به بعض الأوشاقيّة وأحبّه (¬e) - وكان صبيّا جميلا طويلا، له من العمر ما يقارب/ الثماني عشرة سنة - فصار يتردّد إلى الأوشاقي إلى أن رآه السّلطان (¬c)) ومعه العصى وهوى ونحو ذلك يبيعهم (¬c) فوقع منه بموقع، فسأل عنه، فعرف بأنّه يحضر ليبيع ما معه، وأنّ بعض الأوشاقيّة تولّع به. فأمر بإحضاره إليه، وابتاع منه نفسه ليصير من جملة المماليك السّلطانية، فنزّله من جملة السّقاة، وشغف به وأحبّه حبّا كثيرا. فأسلمه للأمير بكتمر السّاقي، وجعله أمير عشرة، ثم أعطاه إمرة طبلخاناه، ثم جعله أمير مائة مقدّم ألف، ورقّاه حتى بلغ أعلى الرّتب (¬f). فأرسل إلى البلاد، وأحضر إخوته سوسون وغيره من

стр. 2662

أقاربه، وأمّر الجميع واختصّ به السّلطان بحيث لم ينل أحد عنده ما ناله، وزوّجه بابنته وتزوّج السّلطان أخته. (¬a)) ثم لمّا حضرته الوفاة (¬a) جعله وصيّا على أولاده، وعهد لابنه أبي بكر، فأقيم في الملك من بعده. وأخذ قوصون في أسباب السّلطنة، وخلع أبا بكر المنصور بعد شهرين، وأخرجه إلى مدينة قوص ببلاد الصّعيد ثم قتله، وأقام كجك ابن السّلطان وله من العمر خمس سنين، ولقّبه بالملك الأشرف، وتقلّد نيابة السّلطنة بديار مصر، فأمّر من حاشيته وأقاربه ستين أميرا، وأكثر من العطاء وبذل الأموال والإنعام، فصار أمر الدّولة كلّه بيده. هذا وأحمد ابن السّلطان الملك النّاصر مقيم بمدينة الكرك. فخافه قوصون وأخذ في التّدبير عليه، فلم يتمّ له ما أراد من ذلك، وحرّك على نفسه ما كان ساكنا فطلب أحمد الملك لنفسه، وكاتب الأمراء والنّوّاب بالمملكة الشّاميّة والمصرية، فأذعنوا إليه. وكان بمصر من الأمراء الأمير أيدغمش، والأمير آل ملك، وقماري، والمارديني (¬b)، وغيرهم فتخيّل قوصون منهم، وأخذ في أسباب القبض عليهم، فعلموا بذلك وخافوا الفوت، فركبوا لحربه وحصروه بقلعة الجبل حتى قبضوا عليه في ليلة الأربعاء آخر شهر رجب سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، ونهبت داره وسائر دور حواشيه وأسبابه، وحمل إلى الإسكندرية صحبة الأمير قبلاي فقتل بها. وكان كريما: يفرّق في كلّ سنة للأضحية ألف رأس غنما وثلاث مائة بقرة، ويفرّق ثلاثين حياصة ذهبا، ويفرّق كلّ سنة عدّة أملاك فيها ما يبلغ ثمنه ثلاثين ألف درهم ودونها (¬c) (١). وله من الآثار - بديار مصر - سوى هذا الجامع - الخانقاه بباب القرافة، والجامع تجاهها (٢)، وداره التي بالرّميلة تحت القلعة تجاه باب السّلسلة، وحكر قوصون (٣).

стр. 2663

جامع المارديني (¬a) [أثر رقم ١٢٠] هذا الجامع بجوار خطّ التّبّانة خارج باب زويلة، كان مكانه أوّلا مقابر أهل القاهرة، ثم عمّر أماكن. فلمّا كان في سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة (¬b)) اشتراها بالثّمن من أربابها، ثم أمر الملك النّاصر محمد النّشو ناظر الخاصّ أن يتولّى أمر شراء البيوت فظلم النّاس ولم ينصفهم في أثمانها (¬b) (١)، وهدمت وبني مكانها هذا الجامع. فبلغ مصروفه زيادة على ثلاث مائة ألف درهم، عنها نحو خمسة عشر ألف دينار سوى ما حمل إليه من الأخشاب والرّخام وغيره من جهة السّلطنة، وأخذ ما كان في جامع راشدة من العمد فعملت فيه، وجاء من أحسن الجوامع (٢). وأوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة رابع عشرين رمضان سنة (¬c)، وخطب فيه الشّيخ ركن الدّين عمر بن إبراهيم الجعبري ولم يتناول معلوما (¬d)) على الخطبة (¬d).

стр. 2664

(¬a)) ومئذنته لم يعمل بمصر نظيرها في ملاحتها (¬a). ألطنبغا المارديني (١) السّاقي السّاقي - أمّره الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وقدّمه وزوّجه ابنته. فلمّا مات السّلطان، وتولّى بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، ذكر أنّه

стр. 2665

وشى بأمره إلى الأمير قوصون وقال: قد عزم على إمساكك. فتحيّل قوصون وخلع أبا بكر وقتله بقوص، هذا مع أنّ ألطنبغا كان قد عظم عند المنصور أكثر ممّا كان عند أبيه. فلمّا أقيم الأشرف كجك، وماج النّاس، وحضر الأمير قطلوبغا من الشّام، وشغب الأمراء على قوصون، كان ألطنبغا أصل ذلك كلّه، ثم نزل إلى الأمير أيدغمش أمير آخور، واتّفق معه على أن يقبض على قوصون، وطلع إلى قوصون وشاغله، وخذله عن الحركة طوال اللّيل وأحضر (¬a) الأمراء الكتّاب (¬b) المشايخ عنده، وما زال يساهره حتى نام. وكان من قيام الأمراء، وركوبهم عليه ما كان إلى أن أمسك، وأخرج إلى الإسكندرية. ولمّا قدم ألطنبغا نائب الشّام وأقام، تقدّم المارديني (¬c) وقبض على سيفه، ولم يجسر غيره على ذلك، فقويت (¬d)) بعد هذه (¬d) الحركات نفسه، وصار يقف فوق ألتمرتاشي، وهو أغاته، فشقّ ذلك عليه، وكتم في نفسه إلى أن ملك الصّالح إسماعيل، فتمكّن حينئذ ألتمرتاشي، وصار الأمر له، وعمل على المارديني (¬c)، فلم يشعر بنفسه إلاّ وقد أخرج على خمس أرؤس من خيل البريد إلى نيابة حماة في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين. فسار إليها وبقي فيها نحو شهرين إلى أن مات أيدغمش نائب الشّام، ونقل طقزدمر من نيابة حلب إلى نيابة دمشق. فنقل المارديني (¬c) من نيابة حماه إلى نيابة حلب، وسار إليها في أوّل رجب من السنة المذكورة، وجاء الأمير يلبغا اليحياوي إلى نيابة حماه. فأقام المارديني (¬c) يسيرا في حلب ومرض، ومات مستهلّ صفر سنة أربع وأربعين وسبع مائة. وكان شابّا طويلا رقيقا، حلو الصّورة لطيفا، معشق الخطرة كريما، صائب الحدس عاقلا.

стр. 2666

/ جامع أصلم [أثر رقم ١١٢] هذا الجامع داخل الباب المحروق، أنشأه الأمير بهاء الدّين أصلم السّلاح دار في سنة ستّ وأربعين وسبع مائة (١).

стр. 2667

أصلم أحد مماليك الملك المنصور قلاوون الألفي (١). فلمّا فرّقت المماليك السّلطانية في نيابة كتبغا، بعد قتل الملك الأشرف خليل بن قلاوون وسلطنة النّاصر محمد بن قلاوون، كان أصلم من نصيب الأمير سيف الدّين آقوش المنصوري، ثم انتقل إلى الأمير سلار. فلمّا حضر الملك النّاصر محمد من الكرك، بعد سلطنة بيبرس الجاشنكير، خرج إليه أصلم بنمجاة الملك (¬a) (٢)، وبشّره بهروب بيبرس. فأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم تنقّل إلى أن صار أمير مائة مقدّم ألف، وخرج في التّجريدة إلى اليمن، فلمّا عاد اعتقله السّلطان خمس سنين لكلام نقل عنه، ثم أخرجه وأعاده إلى منزلته، ثم جهّزه لنيابة صفد. ومات النّاصر وأصلم بصفد، فخرج الأمير قوصون مع ألطنبغا نائب الشّام إلى حلب لإمساك طشتمر، فسار إلى قارا، ثم رجع وانضمّ إلى الفخري، وأقام عنده على خان لاجين، وتوجّه معه صحبة عساكر الشّام إلى مصر، فرسم له الملك النّاصر أحمد بن محمد ابن قلاوون بإمرة مائة في مصر على عادته.

стр. 2668

وكان أحد المشايخ، ويجلس رأس الحلقة، ويجيد رمي النّشّاب، مع سلامة صدر وخير، إلى أن مات في يوم السبت عاشر شعبان سنة سبع (¬a) وأربعين وسبع مائة. وأنشأ بجوار هذا الجامع دارا سنيّة وحوض ماء للسّبيل. وبهذا الجامع درس، وله أوقاف، وهو من أحسن الجوامع. جامع بشتاك [أثر رقم ٢٠٥] هذا الجامع خارج القاهرة بخطّ قبو الكرماني على بركة الفيل، عمّره الأمير بشتاك فكمل في شعبان سنة ستّ وثلاثين وسبع مائة، وخطب فيه تاج الدّين عبد الرّحيم ابن قاضي القضاة جلال الدّين القزويني في يوم الجمعة سابع عشره. وعمّر تجاهه خانقاه على الخليج الكبير، ونصب بينهما ساباط يتوصّل من أحدهما إلى الآخر (١).

стр. 2669

وكان هذا الخطّ يسكنه (¬a)) المكين بن قروينة و (¬a) جماعة من الفرنج والأقباط، ويرتكبون من القبائح ما يليق بهم. فلمّا عمّر هذا الجامع، وأعلن فيه بالأذان وإقامة الصّلوات، اشمأزّت قلوبهم لذلك، وتحوّلوا من هذا الخطّ وهو من أبهج (¬b)) جوامع البلد حسنا وزخرفة ورخاما وحسن مشترف (¬b)، وأدركناه إذا قويت زيادة ماء النّيل فاضت بركة الفيل وغرّقته، فيصير لجّة ماء، لكن منذ انحسر ماء النّيل عن البلد إلى جهة الغرب بطل ذلك. وله من الآثار، سوى ذلك، قصر بشتاك بين القصرين، وقد تقدّم ذكره (١). جامع آق سنقر هذا الجامع بسويقة السّبّاعين على البركة النّاصريّة (٢)، عمّره الأمير آق سنقر شادّ العمائر السّلطانية (٣)، وإليه تنسب قنطرة آق سنقر التي على الخليج الكبير بخطّ قبو الكرماني قبالة الحبّانيّة (٤)، وأنشأ أيضا دارا جليلة (¬c) وحمّامين بخطّ البركة النّاصريّة. وكان أوّلا (¬d) من جملة الأوشاقيّة في أوّل أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، ثم عمله أمير آخور مدّة (¬d)؛ ونقله منها فجعله شادّ العمائر السّلطانيّة. وأقام فيها مدّة فأثرى ثراء كبيرا، وعمّر ما

стр. 2670

ذكر، وجعل على الجامع عدّة أوقاف. ثم عزل (¬a)، وصودر وأخرج من مصر إلى حلب، ثم نقل منها إلى دمشق، فمات بها في سنة أربعين وسبع مائة. جامع آق سنقر [أثر رقم ١٢٣] هذا الجامع قريب من قلعة الجبل، فيما بين باب الوزير والتّبّانة، كان موضعه في القديم مقابر أهل القاهرة، وأنشأه الأمير آق سنقر النّاصري وبناه بالحجر، وجعل صفوفه عقودا من حجارة ورخّمه، واهتمّ في بنائه اهتماما زائدا حتى كان يقعد على عمارته بنفسه، ويشيل التّراب مع الفعلة بيده، ويتأخّر عن غدائه اشتغالا بذلك، وأنشأ بجانبه مكتبا لإقراء أيتام المسلمين القرآن، وحانوتا لسقي النّاس الماء العذب، (¬b)) وسلّط سرابه على سراب جامع المارديني (¬b) (١).

стр. 2671

ووجد عند حفر أساس هذا الجامع كثيرا من الأموات، وجعل عليه ضيعة من قرى حلب تغلّ في السنة مائة وخمسين ألف درهم فضّة: عنها نحو سبعة آلاف دينار، وقرّر فيه درسا فيه عدّة من الفقهاء، وولّى الشّيخ شمس الدّين محمد ابن اللّبّان الشّافعيّ خطابته، وأقام له سائر ما يحتاج إليه من أرباب الوظائف، وبنى بجواره مكانا ليدفن فيه، ونقل إليه ابنه فدفنه هناك. وهذا الجامع من أجلّ جوامع مصر، إلاّ أنّه لمّا حدثت الفتن ببلاد الشّام، وخرجت النّوّاب عن طاعة سلطان مصر منذ مات الملك الظّاهر برقوق، امتنع حضور مغلّ وقف هذا الجامع لكونه في بلاد حلب، فتعطّل الجامع من أرباب وظائفه، إلاّ الأذان والصّلاة وإقامة الخطبة في الجمع والأعياد. ولمّا كانت سنة خمس عشرة وثمان مائة، أنشأ/ في وسطه الأمير طوغان الدّوادار بركة ماء وسقّفها، ونصب عليها عمدا من رخام لحمل السّقف أخذها من جامع الخندق (¬a)) ظاهر القاهرة (¬a)، فهدم الجامع بالخندق من أجل ذلك (١)، وصار الماء ينقل إلى هذه البركة من ساقية الجامع التي كانت للميضأة.

стр. 2672

فلمّا قبض الملك المؤيّد شيخ الظّاهري على طوغان، في يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى سنة ستّ عشرة وثمان مائة، وأخرجه إلى الإسكندرية واعتقله بها (١)، أخذ شخص الثّور الذي كان يدير السّاقية - فإنّ طوغان كان أخذه منه بغير ثمن، كما هي عادة أمرائنا - فبطل الماء من البركة.

стр. 2673

آق سنقر السّلاري الأمير شمس الدّين (١) - أحد مماليك السّلطان الملك المنصور قلاوون. ولمّا فرّقت المماليك في نيابة كتبغا على الأمراء، صار الأمير آق سنقر إلى الأمير سلار، فقيل له السّلاري لذلك. ولمّا عاد الملك النّاصر محمد بن قلاوون من الكرك، اختصّ به، ورقّاه في الخدم حتى صار أحد الأمراء المقدّمين، وزوّجه بابنته، وأخرجه لنيابة صفد، فباشرها بعفّة إلى الغاية، ثم نقله من نيابة صفد إلى نيابة غزّة. فلمّا مات النّاصر، وأقيم من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، وخلع بالأشرف كجك، وجاء الفخريّ لحصار الكرك؛ قام آق سنقر بنصرة أحمد ابن السّلطان في الباطن. وتوجّه الفخري إلى دمشق لمّا توجّه ألطنبغا إلى حلب ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به وقوّى عزمه، وقال له: توجّه أنت إلى دمشق واملكها، وأنا أحفظ لك غزّة. وقام في هذه الواقعة قياما عظيما، وأمسك الدّروب، فلم يحضر أحد من الشّام أو مصر، من البريد وغيره، إلاّ وقبض عليه وحمل إلى الكرك، وحلف النّاس للنّاصر أحمد، وقام بأمره ظاهرا وباطنا، ثم جاء إلى الفخري وهو على خان لاجين، وقوّى عزمه وعضّده، وما زال عنده بدمشق إلى أن جاء ألطنبغا من حلب والتقوا، وهرب ألطنبغا، فاتّبعه آق سنقر إلى غزّة وأقام بها، ووصلت العساكر الشّاميّة إلى مصر. فلمّا أمسك النّاصر أحمد طشتمر النّائب، وتوجّه به إلى الكرك، أعطى نيابة ديار مصر لآق سنقر، فباشر النّيابة وأحمد في الكرك. إلى أن ملك الملك الصّالح إسماعيل بن محمد، فأقرّه على النّيابة، وسار فيها سيرة مشكورة. فكان لا يمنع أحدا شيئا طلبه كائنا من كان، ولا يردّ سائلا يسأل ولو كان ذلك غير ممكن، فارتزق النّاس في أيّامه، واتّسعت أحوالهم، وتقدّم من كان متأخّرا حتى كان النّاس يطلبون ما لا حاجة لهم به. ثم إنّ الصّالح أمسكه هو وبيغرا أمير جاندار وأولاجا الحاجب وقراجا الحاجب، من أجل أنّهم نسبوا إلى الممالأة والمداجاة مع النّاصر أحمد، وذلك يوم الخميس رابع المحرّم

стр. 2674

سنة أربع وأربعين وسبع مائة، وكان ذلك آخر العهد به، فاستقرّ (¬a) بعده في النّيابة الحاج آل ملك. ثم أفرج عن بيغرا وأولاجا وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مائة. جامع آل ملك هذا الجامع في الحسينيّة خارج باب النّصر، أنشأه الأمير سيف الدّين الحاج آل ملك، وكمل وأقيمت فيه الخطبة يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، وهو من الجوامع المليحة، وكانت خطّته عامرة بالمساكن وقد خربت (١). آل ملك الأمير وسيف الدّين الأمير سيف الدّين، أصله ممّا أخذ في أيّام الملك الظّاهر من كسب الأبلستين، لمّا دخل إلى بلاد الرّوم في سنة ستّ وسبعين وستّ مائة، وصار إلى الأمير سيف الدّين قلاوون وهو أمير قبل سلطنته، فأعطاه لابنه الأمير عليّ. وما زال يترقّى في الخدم إلى أن صار من كبار الأمراء المشايخ رءوس المشورة في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون (٢). وكان لمّا خلع النّاصر وتسلطن بيبرس يتردّد بينهما من مصر إلى الكرك، فأعجب النّاصر عقله وتأنّيه، وسيّر من الكرك يقول للمظفّر: لا يعود يجيء إليّ رسولا غير هذا؛ فلمّا قدم النّاصر إلى مصر عظّمه، ولم يزل كبيرا موقّرا مبجّلا. فلمّا ولي النّاصر أحمد السّلطنة أخرجه إلى نيابة حماه، فأقام بها إلى أن تولّى الصّالح إسماعيل فأقدمه إلى مصر، وأقام بها على حاله إلى أن أمسك الأمير آق سنقر السّلاري نائب السّلطنة بديار مصر، فولاّه النّيابة مكانه، فشدّد في الخمر إلى الغاية وحدّ شاربها، وهدم خزانة البنود وأراق خمورها، وبنى بها مسجدا

стр. 2675

وحكرها للنّاس، فسكنت إلى اليوم كما تقدّم ذكره (١)، وأمسك الزّمام زمانا. وكان يجلس للحكم في الشّبّاك بدار النّيابة من قلعة الجبل طول نهاره، لا يملّ ذلك ولا يسأم، وتروح أرباب الوظائف ولا يبقى عنده إلاّ النّقباء البطّالة، وكان له في قلوب النّاس مهابة وحرمة، إلى أن تولّى الكامل شعبان، فأخرجه أوّل سلطنته إلى دمشق نائبا بها عوضا عن الأمير طقزدمر. فلمّا كان في أوّل الطّريق حضر إليه من أخذه، وتوجّه به إلى صفد نائبا بها، فدخلها آخر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وسبع مائة. ثم سأل الحضور إلى مصر، فرسم له بذلك، فلمّا توجّه ووصل إلى غزّة أمسكه نائبها، ووجّهه إلى الإسكندرية في سنة سبع وأربعين فخنق بها. وكان/ خيّرا فيه دين وعبادة، يميل إلى أهل الخير والصّلاح وتعتقد بركته، وخرّج له أحمد ابن أيبك الدّمياطي مشيخة، وحدّث بها، وقرئت عليه مرّات وهو جالس في شبّاك النّيابة بقلعة الجبل. وعمّر هذا الجامع ودارا مليحة عند المشهد الحسيني من القاهرة، ومدرسته بالقرب منها. وكان بركه من أحسن ما يكون، وخيله مشهورة موصوفة، وكان يقول: كلّ أمير لا يقيم رمحه، ويسكب الذّهب إلى أن يساوي السّنان، ما هو أمير، رحمة اللّه عليه. جامع الفخر (¬a)) جامع الفخر (¬a) في ثلاثة مواضع: في بولاق خارج القاهرة، وفي الرّوضة تجاه مدينة مصر، وفي جزيرة الفيل على النّيل ما بين بولاق ومنية السّيرج؛ أمّا «جامع الفخر بناحية بولاق» فإنّه موجود تقام فيه الجمعة إلى اليوم (٢). كان أوّلا عند ابتداء بنائه يعرف موضعه بخطّ خصّ الكيّالة،

стр. 2676

وهو مكان كان يؤخذ فيه مكس الغلال المبتاعة، وقد ذكر ذلك عند ذكر أقسام مال مصر من هذا الكتاب (١). و «جامع الرّوضة» باق تقام فيه الجمعة (٢). وأمّا «الجامع بجزيرة الفيل» فإنّه كان باقيا إلى نحو سنة تسعين وسبع مائة، (¬a)) وصلّيت فيه الجمعة غير مرّة ثم خرب. وموضعه باق بجوار دار تشرف على النّيل، تعرف بدار الأمير شهاب الدين أحمد بن عمر بن قطينة قريبا من الدّار الحجازيّة (¬a) (٣).

стр. 2677

الفخر هذا هو محمّد بن فضل اللّه القاضي فخر الدّين، ناظر الجيش المعروف بالفخر (١) - كان في نصرانيته متألّها ثم أكره على الإسلام، فامتنع وهمّ بقتل نفسه وتغيّب أيّاما ثم أسلم وحسن إسلامه، وأبعد النّصارى ولم يقرّب أحدا منهم، وحجّ غير مرّة، وتصدّق في آخر عمره مدّة في كلّ شهر بثلاثة آلاف درهم نقرة. وبنى عدّة مساجد بديار مصر، وأنشأ عدّة أحواض ماء للسّبيل في الطّرقات، وبنى مارستانا بمدينة الرّملة ومارستانا بمدينة بلبيس، وفعل أنواعا من الخير، وكان حنفيّ المذهب، وزار القدس عدّة مرار، وأحرم مرّة من القدس بالحجّ، وسار إلى مكّة محرما، وكان إذا خدمه أحد مرّة واحدة صار صاحبه طول عمره. وكان كثير الإحسان، لا يزال في قضاء حوائج النّاس، مع عصبيّة شديدة لأصحابه. وانتفع به خلق كثير لوجاهته عند السّلطان وإقدامه عليه. بحيث لم يكن لأحد من أمراء الدّولة عند الملك النّاصر محمد بن قلاوون ما له من الإقدام، ولقد قال السّلطان مرّة لجندي طلب منه إقطاعا: لا تطوّل، واللّه لو أنّك ابن قلاوون ما أعطاك القاضي فخر الدّين خبزا يغل أكثر من ثلاثة آلاف درهم. وقال له السّلطان في يوم من الأيّام - وهو بدار العدل - يا فخر الدّين تلك القضيّة طلعت فاشوش، فقال له: ما قلت لك إنّها عجوز نحس [وتكذب] (¬a)، يريد بذلك بنت كوكاي امرأة السّلطان عند ما ادّعت أنّها حبلى. وله من الأخبار كثير، وكان أوّلا كاتب المماليك السّلطانية، ثم صار من كتابة المماليك إلى وظيفة نظر الجيش، ونال من الوجاهة ما لم ينله غيره في زمانه. وكان الأمير أرغون، نائب السّلطنة بديار مصر، يكرهه، وإذا جلس للحكم يعرض عنه ويدير كتفه إلى وجه الفخر. فعمل عليه الفخر حتى سار للحجّ، فقال للسّلطان: يا خوند، ما يقتل

стр. 2678

الملوك إلاّ النّوّاب، بيدرا قتل أخاك الملك الأشرف، ولاجين قتل بسبب نائبه منكوتمر، وخيّل السّلطان إلى أن أمر بسير الأمير أرغون من طريق الحجاز إلى نيابة حلب. وحسّن للسّلطان ألاّ يستوزر أحدا بعد الوزير (¬a) الجمالي. فلم يولّ أحدا بعده الوزارة، وصارت المملكة كلّها - من أحوال الجيوش، وأمور الأموال وغيرها - متعلّقة بالفخر، إلى أن غضب السّلطان عليه ونكبه، وصادره على أربع مائة ألف درهم نقرة، وولي (¬b)) موضعه في (¬b) وظيفة نظر الجيش قطب الدّين (¬c) موسى بن شيخ السّلاّميّة. ثم رضي عن الفخر، وأمر بإعادة ما أخذ منه من المال إليه - وهو أربع مائة ألف درهم نقرة - فامتنع وقال: أنا خرجت عنها للسّلطان فليبن بها جامعا، وبنى بها الجامع النّاصريّ - المعروف الآن بالجامع الجديد - خارج مدينة مصر بموردة الحلفاء (١). وزار مرّة القدس وعبر إلى (¬d) كنيسة قمامة، فسمع وهو يقول عند ما رأى الصّور (¬e) بها: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ [الآية ٨ سورة آل عمران]، وباشر آخر عمره بغير معلوم، وكان لا يأخذ من ديوان السّلطان معلوما سوى كماجة (٢) ويقول: أتبرّك بها. ولمّا مات في رابع عشر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، وله من العمر ما ينيف على سبعين سنة، وترك موجودا عظيما إلى الغاية، قال السّلطان: لعنه اللّه، له (¬d) خمس عشرة سنة ما يدعني أعمل ما أريد. وأوصى للسّلطان بمبلغ أربع مائة ألف درهم نقرة، فأخذ من تركته أكثر من ألف ألف درهم نقرة. ومن حين مات الفخر كثر تسلّط السّلطان الملك النّاصر وأخذه أموال النّاس. وإلى الفخر تنسب «قنطرة الفخر» التي على فم الخليج النّاصري المجاور لميدان السّلطان بموردة الجبس ٣، و «قنطرة الفخر» التي على الخليج المجاور للخليج النّاصري. وأدركت ولده فقيرا يتكفّف النّاس بعد مال لا يحدّ كثرة.

стр. 2679

/ جامع نائب الكرك هذا الجامع بظاهر الحسينيّة، ممّا يلي الخليج (١)، كان عامرا، وعمّر ما حوله عمارة كبيرة، ثم خرب بخراب ما حوله من عهد الحوادث في سنة ستّ وثمان مائة. عمّره الأمير جمال الدّين آقوش، المعروف بنائب الكرك، وقد تقدّم ذكره عند ذكر الدّور من هذا الكتاب (٢). (¬a)) وقد خرب الآن ما حول الجامع المذكور وتعطّل (¬a) (٣). جامع الخطيري ببولاق هذا الجامع موضعه الآن بناحية بولاق خارج القاهرة (٤)، كان موضعه قديما مغمورا بماء النّيل إلى نحو سنة سبع مائة، فلمّا انحسر ماء النّيل عن ساحل المقس، صار ما قدّام المقس رمالا لا يعلوها ماء النّيل إلاّ أيّام الزّيادة ثم صارت بحيث لا يعلوها الماء ألبتّة. فزرع موضع هذا الجامع بعد سنة سبع مائة، وصار متنزّها يجتمع عنده النّاس. (٥)

стр. 2680

ثم بنى هناك شرف الدّين بن زنبور ساقية، وعمّر بجوارها رجل يعرف بالحاج محمد بن عزّ الفرّاش دارا تشرف على النّيل، وتردّد إليها، فلمّا مات أخذها شخص يقال له تاج الدّين ابن الأزرق ناظر الجهات، وسكنها، فعرفت بدار الفاسقين لكثرة ما يجري فيها من أنواع المحرّمات (¬a). فاتّفق أنّ النّشو ناظر الخاصّ قبض على ابن الأزرق وصادره، فباع هذه الدّار في جملة ما باعه من موجوده. فاشتراها منه الأمير عزّ الدّين أيدمر الخطيري وهدمها، وبنى مكانها هذا الجامع، وسمّاه «جامع التّوبة» وبالغ في عمارته، وتأنّق في رخامه، فجاء من أجلّ جوامع مصر وأحسنها. وعمل له منبرا من رخام في غاية الحسن، وركّب فيه عدّة شبابيك من حديد تشرف على النّيل الأعظم، وجعل فيه خزانة كتب جليلة نفيسة، ورتّب فيه درسا للفقهاء الشّافعية، ووقف عليه عدّة أوقاف منها داره العظيمة التي هي في الدّرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس. فكان (¬b) جملة ما أنفق في عمارة (¬c) هذا الجامع أربع مائة ألف درهم نقرة، وكملت عمارته في سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، وأقيمت به الجمعة في يوم الجمعة عشرين جمادى الآخرة (١). فلمّا خلص ابن الأزرق من المصادرة حضر إلى الأمير الخطيري وادّعى أنّه باع داره وهو مكره، فدفع إليه ثمنها مرّة ثانية.

стр. 2681

ثم إنّ البحر قوى على هذا الجامع وهدمه، فأعاد بناءه بجملة كثيرة من المال، ورمى قدّام زربيّته (¬a) ألف مركب مملوءة بالحجارة. ثم انهدم بعد موته، وأعيدت زربيّته (¬a) (١). أيدمر الخطيري الأمير عزّ الدّين مملوك شرف الدّين أوحد بن الخطيري الأمير مسعود ابن خطير (٢). انتقل إلى الملك النّاصر محمد بن قلاوون، فرقّاه حتى صار أحد أمراء الألوف، بعد ما حبسه بعد مجيئه من الكرك إلى مصر مدّة ثم أطلقه، وعظم مقداره إلى أن بقي يجلس رأس الميسرة ومعه إمرة مائة وعشرين فارسا. وكان لا يمكّنه السّلطان من المبيت في داره (¬b)) برحبة العيد (¬b) من القاهرة (¬c) فينزل إليها بكرة ويطلع إلى القلعة بعد العصر كذا أبدا، فكانوا يرون ذلك تعظيما له. وكان منوّر الشّيبة كريما، يحب التّجمّل (¬d) الكثير والفخر، بحيث إنّه لمّا زوّج السّلطان ابنته بالأمير قوصون، ضرب دينارين وزنهما أربع مائة مثقال ذهبا، وعشرة آلاف درهم فضّة، برسم نقوط امرأته في العرس إذا طلعت إلى زفاف ابنة السّلطان على قوصون. وقيل له مرّة: هذا السّكّر الذي يعمل في الطّعام ما يضرّ أن نعمله (¬e) غير مكرّر، فقال: لا يعمل إلاّ مكرّرا، فإنّه يبقى في نفسي أنّه غير مكرّز. وكان لا يلبس قباء مطرّزا ولا مصقولا، ولا يدع أحدا عنده يلبس ذلك، وكان يخرج الزّكاة، وأنشأ بجانب هذا الجامع ربعا كبيرا تنافس النّاس في سكناه. ولم يزل على حاله حتى مات يوم الثلاثاء مستهلّ شهر رجب سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، ودفن بتربته خارج باب النّصر. ولم يزل هذا الجامع مجمعا يقصده سائر النّاس للتنزّه فيه على النّيل، ويرغب كلّ أحد في السّكنى بجواره، وبلغت الأماكن التي بجواره من الأسواق والدّور الغاية في العمارة حتى صار ذلك الخطّ أعمر أخطاط مصر وأحسنها.

стр. 2682

فلمّا كانت سنة ستّ وثمان مائة، انحسر ماء النّيل عمّا تجاه جامع الخطيري، وصار رملة لا يعلوها الماء إلاّ في أيّام الزّيادة، وتكاثر الرّمل تحت شبابيك الجامع، وقربت من الأرض بعد ما كان الماء تحته لا يكاد يدرك قراره. وهو الآن عامر، إلاّ أنّ الاجتماعات التي كانت فيه قبل انحسار النّيل عمّا قبالته قلّت، واتّضع حال ما يجاوره من السّوق والدّور، وللّه عاقبة الأمور. جامع قيدان هذا الجامع خارج القاهرة، على جانب الخليج الشّرقي، ظاهر باب الفتوح ممّا يلي قناطر الإوزّ (¬a)) غربي الحسينيّة (¬a) تجاه أرض البعل (١). كان مسجدا قديم البناء، فجدّده الطّواشي بهاء الدّين قراقوش الأسدي في محرّم سنة سبع وتسعين وخمس مائة، وجدّد حوض السّبيل الذي فيه، ثم إنّ الأمير مظفّر الدّين قيدان الرّومي عمل به منبرا لإقامة الخطبة يوم الجمعة، كان/ عامرا بعمارة ما حوله. فلمّا حدث الغلاء في سنة ستّ وسبعين وسبع مائة، أيّام الملك الأشرف شعبان بن حسين، خرب كثير من تلك النّواحي وبيعت أنقاضها، وكانت الغرقة أيضا، فصار ما بين القنطرة الجديدة المجاورة لسوق جامع الظّاهر، وبين قناطر الإوزّ المقابلة لأرض البعل، يبابا لا عامر له ولا ساكن فيه. وخرب أيضا ما وراء ذلك من شرقيه إلى جامع نائب الكرك، وتعطّل هذا الجامع، ولم يبق منه غير جدر آيلة إلى العدم. ثم جدّده مقدّم بعض المماليك السّلطانية في حدود الثلاثين والثمان مائة، ثم وسّع فيه الشيخ أحمد بن محمد الأنصاري العقّاد - الشهير بالأزراري - ومات في ثاني عشر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين وثمان مائة (٢).

стр. 2683

جامع السّتّ حدق هذا الجامع بخطّ المريس في جانب الخليج الكبير ممّا يلي الغرب، بالقرب من قنطرة السّدّ التي خارج مدينة مصر (١). أنشأته السّتّ حدق، جارية (¬a) الملك النّاصر محمد بن قلاوون (¬b)) ودادته التي ربّته وحضنته (¬b) (٢)، وأقيمت فيه الخطبة يوم الجمعة لعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وسبع مائة. وإلى حدق هذه ينسب حكر السّت حدق الذي ذكر عند ذكر الأحكار من هذا الكتاب (٣). جامع ابن غازي هذا الجامع خارج باب البحر من القاهرة بطريق بولاق، أنشأه نجم الدّين (¬b)) أبو بكر (¬b) ابن غازي دلاّل المماليك، وأقيمت فيه الخطبة في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وسبع مائة، وإلى اليوم تقام فيه الجمعة، وبقيّة الأيّام لا يزال مغلق الأبواب لقلّة السّكّان حوله (٤). جامع التّركماني هذا الجامع في المقس، وهو من الجوامع المليحة البناء، أنشأه الأمير بدر الدّين محمد (¬b)) ابن فخر الدّين (¬b) التّركماني، وكان ما حوله عامرا عمارة زائدة، ثم تلاشى من الوقت الذي كان فيه الغلاء زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين، وما برح حاله يختلّ إلى أن كانت الحوادث والمحن من سنة ستّ

стр. 2684

وثمان مائة، فخرب معظم ما هنالك، وفيه إلى اليوم بقايا عامرة، لا سيّما بجوار هذا الجامع (١). محمّد التّركماني وينعت بالأمير بدر الدّين محمد ابن الأمير فخر الدّين عيسى التّركماني: كان أوّلا شادّا، ثم ترقّى حتى ولي الجيزة، وتقدّم في الدّولة النّاصرية، فولاّه السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون شادّ الدّواوين، والدّولة حينئذ ليس فيها وزير، فاستقلّ بتدبير الدّولة مدّة أعوام. وكان يلي نظر الدّولة تلك الأيّام كريم الدّين الصّغير، فغصّ به، وما زال يدبّر عليه حتى أخرجه السّلطان من ديار مصر، وعمله شادّ الدّواوين بطرابلس. فأقام هناك مدّة سنتين، ثم عاد إلى القاهرة بشفاعة الأمير تنكز نائب الشّام، وولي كشف الوجه البحري مدّة، ثم أعطي إمرة طبلخاناه، وأعطي أخوه علي إمرة عشرة، وولده إبراهيم أيضا إمرة عشرة. وكان مهابا صاحب حرمة باسطة، وكلمة نافذة. ومات عن سعادة طائلة بدايره (¬a) بالمقس، في ربيع الأوّل سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة، وهو أمير. جامع شيخو [أثر رقم ١٤٧] هذا الجامع بسويقة منعم، فيما بين الصّليبة والرّميلة، تحت قلعة الجبل (٢). أنشأه الأمير الكبير سيف الدّين شيخو النّاصري، رأس نوبة الأمراء، في سنة خمسين وسبع مائة (¬b)، ورفق بالنّاس في

стр. 2685

العمل فيه وأعطاهم أجورهم، وجعل فيه خطبة وعشرين صوفيّا، وأقام الشيخ أكمل الدّين محمد ابن محمود الرّومي الحنفي شيخهم (١). ثم لمّا عمّر الخانقاه تجاه الجامع، نقل حضور الأكمل والصّوفية إليها، وزاد عدّتهم (٢). وهذا الجامع من أجلّ جوامع ديار مصر. الأمير شيخو الكبير سيف الدّين الأمير الكبير سيف الدّين، أحد مماليك النّاصر محمد بن قلاوون، حظي عند الملك المظفّر حاجي بن محمد بن قلاوون، وزادت وجاهته حتى شفّع في الأمراء، وأخرجهم من سجن الإسكندرية. ثم إنّه استقرّ في أوّل دولة الملك النّاصر حسن أحد أمراء المشورة (٣).

стр. 2686

وفي آخر الأمر كانت القصص تقرأ عليه بحضرة السّلطان في أيّام الخدمة، وصار زمام الدّولة بيده، فساسها أحسن سياسة بسكون وعدم شرّ، وكان يمنع كلّ حزب من الوثوب على الآخر، فعظم شأنه إلى أن رسم السّلطان بإمساك الأمير بيبغاروس (¬a) نائب السّلطنة بديار مصر وهو مسافر بالحجاز، وكان شيخو قد خرج متصيّدا إلى ناحية طمان بالغربيّة. فلمّا كان يوم السبت رابع عشرين شوّال/ سنة إحدى وخمسين وسبع مائة، أمسك السّلطان الأمير منجك الوزير، وحلّف الأمراء لنفسه، وكتب تقليد شيخو بنيابة طرابلس، وجهّزه إليه مع الأمير سيف الدّين طينال الجاشنكير، فسار إليه وسفّره من برّا فوصل إلى دمشق ليلة الثلاثاء رابع ذي القعدة، فظهر مرسوم السّلطان بإقامة شيخو في دمشق على إقطاع الأمير بلك السّلاّمي (¬b)، وبتجهيز بلك (¬c) إلى القاهرة فخرج بلك (¬c) من دمشق، وأقام شيخو على إقطاعه بها. فما وصل بلك (¬c) إلى القاهرة إلاّ وقد وصل إلى دمشق مرسوم بإمساك شيخو، وتجهيزه إلى السّلطان، وتقييد

стр. 2687

مماليكه واعتقالهم بقلعة دمشق، فأمسك وجهّز مقيّدا، فلمّا وصل إلى قطيا توجّهوا به إلى الإسكندرية. فلم يزل معتقلا بها إلى أن خلع السّلطان الملك النّاصر حسن، وتولّى أخوه الملك الصّالح صالح، فأفرج عن شيخو ومنجك الوزير وعدّة من الأمراء، فوصلوا إلى القاهرة في رابع شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وسبع مائة، وأنزل في الأشرفيّة بقلعة الجبل واستمرّ على عادته. وخرج مع الملك الصّالح إلى الشّام في واقعة بيبغاروس (¬a)، وتوجّه إلى حلب هو والأمير طاز وأرغون الكامليّ خلف بيبغاروس (¬a)، وعاد مع السّلطان إلى القاهرة، وصمّم حتى أمسك بيبغا روس (¬a) ومن معه من الأمراء، بعد ما وصلوا إلى بلاد الرّوم، وحزّت رءوسهم. وأمسك أيضا ابن دلغار، وأحضر إلى القاهرة، ووسّط وعلّق على باب زويلة. ثم خرج بنفسه في طلب الأحدب الذي خرج بالصّعيد، وتجاوز في سفره قوص، وأمسك عدّة كثيرة ووسّطهم حتى سكنت الفتن بأرض مصر، وذلك في آخر سنة أربع وخمسين وأوّل سنة خمس وخمسين. ثم خلع الملك الصّالح، وأقام بدله الملك النّاصر حسنا في ثاني شوّال، وأخرج الأمير طاز من مصر إلى حلب نائبا بها ومعه إخوته، وصارت الأمور كلّها راجعة إليه، وزادت عظمته، وكثرت أمواله وأملاكه ومستأجراته حتى كاد يكاثر أمواج البحر بما ملك، وقيل له قارون عصره وعزيز مصره. وأنشأ خلقا كثيرا، فقوّى بذلك حرمته (¬b) وجعل في كلّ مملكة من جهته عدّة أمراء، وصارت نوّابه بالشّام وفي كلّ مدينة أمراء كبار، وخدموه حتى قيل كان يدخل كلّ يوم ديوانه - من إقطاعه وأملاكه ومستأجراته بالشّام وديار مصر - مبلغ مائتي ألف درهم نقرة وأكثر، وهذا شيء لم يسمع مثله في الدّولة التّركيّة، وذلك سوى الإنعامات السّلطانية، والتّقادم التي ترد إليه من الشّام ومصر، وما كان يأخذ من البراطيل على ولاية الأعمال. وجامعه هذا وخانقاهه التي بخطّ الصّليبة لم يعمّر مثلهما قبلهما، ولا عمل في الدّولة التّركيّة مثل أوقافهما، وحسن ترتيب المعاليم بهما. ولم يزل على حاله إلى أن كان يوم الخميس ثامن شعبان سنة ثمان وخمسين وسبع مائة، فخرج عليه شخص من المماليك السّلطانية المرتجعية (¬c) عن الأمير منجك الوزير يقال له باي، فجاء وهو جالس بدار العدل، وضربه بالسّيف في وجهه وفي يده. فارتجّت القلعة كلّها، وكثر هرج

стр. 2688

النّاس حتى مات من النّاس جماعة من الزّحمة، وركب من الأمراء الكبار عشرة وهم بالسّلاح عليهم إلى قبّة النّصر خارج القاهرة. ثم أمسك باي، فجاء وقرّر، فلم يعترف بشيء على أحد، وقال: آنا قدّمت إليه قصّة لينقلني من الجامكيّة إلى الإقطاع، فما قضى شغلي، فأخذت في نفسي من ذلك. فسجن مدّة ثم سمّر وطيف به الشّوارع. وبقي شيخو عليلا من تلك الجراحة لم يركب إلى أن مات ليلة الجمعة سادس عشرين ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبع مائة، ودفن بالخانقاه الشّيخونيّة وقبره بها يقرأ عنده القرآن دائما. جامع الجاكي هذا الجامع كان بدرب الجاكي، عند سويقة الرّيش من الحكر، في برّ الخليج الغربي (١). أصله مسجد من مساجد الحكر، ثم زاد فيه الأمير بدر الدّين محمد بن إبراهيم المهمندار (¬a)) أخو الأمير شرف الدّين الجاكي المهمندار (¬a) وجعله جامعا، وأقام فيه منبرا في سنة ثلاث عشرة وسبع مائة. فصار أهل الحكر يصلّون فيه الجمعة إلى أن حدثت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فخرب الحكر، وبيعت أنقاض معظم الدّور التي هناك. وتعطّل هذا الجامع من ذكر اللّه وإقامة الصّلاة لخراب ما حوله، فحكم بعض قضاة الحنفيّة ببيع هذا الجامع. فاشتراه شخص من الوعّاظ يعرف بالشّيخ أحمد الواعظ الزّاهد - صاحب جامع الزّاهد بخطّ المقس - وهدمه، وأخذ أنقاضه فعملها في جامعه الذي بالمقس في أوّل سنة سبع عشرة وثمان مائة (٢).

стр. 2689

جامع التّوبة هذا الجامع بجوار باب البرقيّة في خطّ بين السّورين (١). كان موضعه مساكن أهل الفساد وأصحاب الرّيب (¬a). فلمّا أنشأ الأمير الوزير علاء الدّين مغلطاي الجمالي خانقاهه المعروفة بالجماليّة قريبا من خزانة البنود بالقاهرة (٢)،/ كره مجاورة هذه الأماكن لداره وخانقاهه، فأخذها وهدمها، وبنى هذا الجامع في مكانها، وسمّاه «جامع التّوبة»، فعرف بذلك إلى اليوم (٣). وهو الآن تقام فيه الجمعة، غير أنّه لا يزال طوال الأيّام مغلق الأبواب لخلوّه من ساكن، وقد خرب كثير ممّا يجاوره، وهناك بقايا من أماكن. جامع أخي صاروجا (¬b) هذا الجامع مطلّ على ضفّة (¬c) الخليج النّاصريّ بالقرب من بركة الحاجب (¬d)، التي تعرف ببركة الرّطلي (٤)، كان خطّة تعرف بحارة (¬e) العرب. فأنشأ بها هذا الجامع ناصر الدّين محمد، أخو

стр. 2690

الأمير صاروجا نقيب الجيش (١) بعد سنة ثلاثين وسبع مائة. وكانت تلك الخطّة قد عمرت عمارة زائدة، وأدركت منها بقيّة جيّدة إلى أن دثرت فصارت كيمانا. وتقام الجمعة إلى اليوم في هذا الجامع أيّام النّيل (٢). جامع الطّبّاخ هذا الجامع خارج القاهرة بخطّ باب اللّوق بجوار بركة الشّقاف، كان موضعه وموضع بركة الشّقاف من جملة الزّهريّ (٣). أنشأه الأمير جمال الدّين آقوش، وجدّده الحاج عليّ الطّبّاخ في المطبخ السّلطاني أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، ولم يكن له وقف، فقام بمصالحه من ماله مدّة؛ ثم إنّه صودر في سنة ستّ وأربعين وسبع مائة، فتعطّل مدّة نزول الشّدّة بالطّبّاخ، ولم تقم فيه تلك المدّة الصّلاة.

стр. 2691

عليّ بن الطّبّاخ (١) نشأ بمصر، وخدم الملك النّاصر محمد بن قلاوون وهو بمدينة الكرك. فلمّا قدم إلى مصر جعله «إخوان سلار» (¬a)، وسلّمه المطبخ السّلطاني، فكثر ماله لطول مدّته وكثرة تمكّنه، ولم يتّفق لأحد من نظرائه ما اتّفق له من السّعادة الطائلة، وذلك أنّ الأفراح وما كان يصنع من المهمّات والأعراس ونحوها، ممّا كان يعمل في الدّور السّلطانية وعند الأمراء والمماليك والحواشي، مع كثرة ذلك في طول تلك الأعوام، كانت كلّها إنّما يتولّى أمرها هو بمفرده. فممّا اتّفق له في عمل مهمّ ابن بكتمر السّاقي، على ابنة الأمير تنكز نائب الشّام، أنّ السّلطان الملك النّاصر استدعاه آخر النّهار الذي عمل فيه المهمّ المذكور، وقال له: يا حاج عليّ اعمل لي السّاعة لونا من طعام الفلاّحين، وهو خروف رميس يكون ملهوج. فولّى وجهه وهو معبس (¬b)، فصاح به السّلطان: والك ما لك معبس الوجه؟! فقال: كيف ما أعبس وقد أحرمتني السّاعة عشرين ألف درهم نقرة! فقال: كيف حرمتك؟ قال: قد تجمّع عندي رءوس غنم وبقر وأكارع وكروش وأعضاد وسقط دجاج وإوزّ، وغير ذلك ممّا سرقته من المهمّ، وأريد أقعد أبيعه (¬c)، وقد قلت لي اطبخ، وبينا أفرغ من الطّبيخ تلف الجميع. فتبسّم السّلطان وقال: رح اطبخ وضمان الذي ذكرت عليّ. وأمر بطلب (¬d) والي القاهرة ومصر، فلمّا حضرا ألزمهما بطلب أرباب الزّفر إلى القلعة، وتفرقة ما ناب الطّبّاخ من المهمّ عليهم واستخراج ثمنه. فللحال حضر المذكورون، وبيع عليهم ذلك، فبلغ ثمنه ثلاثة وعشرين ألف درهم نقرة، (¬e)) عنها ما ينيف عن ألف مثقال ذهبا (¬e). وهذا مهمّ واحد من ألوف، مع الذي كان له من المعاليم والجرايات ومنافع المطبخ.

стр. 2692

ويقال إنّه كان يتحصّل له من المطبخ السّلطاني في كلّ يوم - على الدّوام والاستمرار - مبلغ خمس مائة درهم نقرة، ولولده أحمد مبلغ ثلاث مائة درهم نقرة. فلمّا تحدّث النّشو في الدّولة خرّج عليه تخاريج، وأغرى به السّلطان، فلم يسمع فيه كلاما. وما زال على حاله إلى أن مات الملك النّاصر وقام من بعده أولاده الملك المنصور أبو بكر، والملك الأشرف كجك، والملك النّاصر أحمد، والملك الصّالح إسماعيل، والملك الكامل شعبان فصادره في سنة ستّ وأربعين وسبع مائة، وأخذ منه مالا كثيرا. وممّا وجد له خمس عشرون دارا مشرفة على النّيل وغيره. فتفرّقت حواشي الملك الكامل أملاكه، فأخذت أمّ السّلطان ملكه الذي كان على البحر - وكانت دارا عظيمة جدّا - وأخذت أنقاض داره التي بالمحموديّة من القاهرة، وأقيم عوضه بالمطبخ السّلطاني، وضرب ابنه أحمد (١). جامع الأسيوطي هذا الجامع بطرف جزيرة الفيل، ممّا يلي ناحية بولاق، كان موضعه في القديم غامرا بماء النّيل (٢). فلمّا انحسر عن جزيرة الفيل، وعمّرت بولاق، أنشأ هذا الجامع القاضي شمس الدّين

стр. 2693

محمد بن إبراهيم بن عمر السّيوطي ناظر بيت المال (¬a)) في سنة أربع وأربعين وسبع مائة (¬a)، ومات في سنة تسع وأربعين وسبع مائة. (¬a)) وكان يباشر شهادة دواوين (١) الأمراء وولي نظر بيت المال (¬a). ثم جدّد عمارته بعد ما تهدّم وزاد فيه ناصر الدّين محمد بن محمد بن عثمان بن محمد، المعروف بابن البارزي الحموي (٢) كاتب السّرّ، وأجرى فيه الماء، وأقام فيه الخطبة يوم الجمعة ثالث (¬b)/ عشرين جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثمان مائة. فجاء في أحسن هندام وأبدع زيّ، وصلّى فيه السّلطان الملك المؤيّد شيخ الجمعة في أوّل جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة (٣). الجامع النّاصري حسن (¬c) [أثر رقم ١٣٣] هذا الجامع يعرف بمدرسة السّلطان حسن (٤). وهو تجاه قلعة الجبل فيما بين القلعة وبركة الفيل،

стр. 2694

كان موضعه بيت الأمير يلبغا اليحياوي الذي تقدّم ذكره عند ذكر الدّور (١). ابتدأ السّلطان عمارته في سنة سبع وخمسين وسبع مائة، وأوسع دوره، وعمله في أكبر قالب وأحسن هندام وأضخم شكل، فلا يعرف ببلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكي هذا الجامع (٢)، أقامت العمارة فيه مدّة ثلاث سنين لا تبطل يوما واحدا، وأرصد لمصروفها في كلّ يوم عشرون ألف درهم: عنها نحو ألف مثقال ذهبا. ولقد أخبرني الطّواشي مقبل الشّامي أنّه سمع السّلطان حسنا يقول: انصرف على القالب الذي بني عليه عقد الإيوان الكبير مائة ألف درهم نقرة. وهذا القالب ممّا رمي على الكيمان بعد فراغ العقد المذكور. قال: وسمعت السّلطان يقول: لولا أن يقال ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرف عليه.

стр. 2695

وفي هذا الجامع عجائب من البنيان منها: أنّ ذرع إيوانه الكبير خمسة وستون ذراعا في مثلها - ويقال إنّه أكبر من إيوان كسرى الذي بالمدائن من العراق بخسمة أذرع - ومنها القبّة العظيمة التي لم يبن بديار مصر والشّام والعراق والمغرب واليمن مثلها، ومنها المنبر الرّخام الذي لا نظير له، ومنها البوّابة العظيمة، ومنها المدارس الأربع التي بدور قاعة الجامع إلى غير ذلك (١). وكان السّلطان قد عزم على أن يبني أربع منائر يؤذّن عليها، فتمّت ثلاث منائر (¬a)، إلى أن كان يوم السبت سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبع مائة، فسقطت المنارة التي على الباب، فهلك تحتها نحو ثلاث مائة نفس من الأيتام الذين كانوا قد رتّبوا بمكتب السّبيل الذي هناك ومن غير الأيتام، وسلم من الأيتام ستّة أطفال، فأبطل السّلطان بناء هذه المنارة وبناء نظيرتها، وتأخّر هناك منارتان هما قائمتان إلى اليوم. ولمّا سقطت المنارة المذكورة، لهجت عامّة مصر والقاهرة بأنّ ذلك منذر بزوال الدّولة (٢)، فقال الشّيخ بهاء الدّين أبو حامد أحمد بن عليّ ابن محمد السّبكي في سقوطها: [البسيط] أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى … بشيره بمقال سار كالمثل إنّ المنارة لم تسقط لمنقصة … لكن لسرّ خفيّ قد تبيّن لي من تحتها قرئ القرآن فاستمعت … فالوجد في الحال أدّاها إلى الميل لو أنزل اللّه قرآنا على جبل … تصدّعت رأسه من شدّة الوجل تلك الحجارة لم تنقضّ بل هبطت … من خشية اللّه لا للضّعف والخلل وغاب سلطانها فاستوحشت ورمت … بنفسها لجوى في القلب مشتعل فالحمد للّه حظّ العين زال بما … قد كان قدّره الرّحمن في الأزل لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة … شيّدت بنيانها بالعلم والعمل ودمت حتى ترى الدّنيا بها امتلأت … علما فليس بمصر غير مشتغل فاتّفق قتل السّلطان بعد سقوط المئذنة (¬b) بثلاثة وثلاثين يوما. ومات السّلطان قبل أن يتم رخام

стр. 2696

هذا الجامع، فأتمّه من بعده الطّواشي بشير الجمدار (١). وكان قد جعل السّلطان على هذا الجامع أوقافا عظيمة جدّا، فلم يترك منها إلاّ شيء يسير، وأقطع أكثر البلاد التي وقفت عليه بديار مصر والشّام لجماعة من الأمراء وغيرهم (٢). وصار هذا الجامع ضدّا لقلعة الجبل قلّما تكون فتنة بين أهل الدّولة إلاّ ويصعد عدّة من الأمراء وغيرهم إلى أعلاه، ويصير الرّمي منه على القلعة. فلم يحتمل ذلك الملك الظّاهر برقوق، وأمر فهدمت الدّرج التي كانت تصعد إلى المنارتين والبيوت التي كان يسكنها الفقهاء، ويتوصّل من هذه الدّرج إلى السّطح الذي كان يرمى منه على القلعة، وهدمت البسطة العظيمة والدّرج التي كانت بجانبي هذه البسطة التي كانت قدّام باب الجامع حتى لا يمكن الصّعود إلى الجامع. وسدّ من وراء الباب النّحاس الذي لم يعمل فيما عهد باب مثله، وفتح شبّاك من شبابيك أحد مدارس هذا الجامع، ليتوصّل منه إلى داخل الجامع عوضا عن الباب المسدود. فصار هذا الجامع تجاه باب القلعة المعروف بباب السّلسلة (٣)، وامتنع صعود المؤذّنين إلى المنارتين، وبقي الأذان على درج هذا الباب. وكان ابتداء هدم ما ذكر في يوم الأحد ثامن صفر سنة ثلاث وتسعين وسبع مائة (٤).

стр. 2697

ثم لمّا شرع السّلطان الملك المؤيّد شيخ في عمارة الجامع بجوار/ باب زويلة، اشترى هذا الباب النّحاس والتّنّور النّحاس الذي كان معلّقا هناك بخمس مائة دينار (١)، ونقلا في يوم الخميس سابع عشرين شوّال سنة تسع عشرة وثمان مائة، فركّب الباب على البوّابة، وعلّق التّنّور تجاه المحراب (٢). فلمّا كان في يوم الخميس تاسع شهر رمضان سنة خمس وعشرين وثمان مائة، أعيد الأذان في المئذنتين كما كان، وأعيد بناء الدّرج والبسطة، وركّب باب بدل الذي أخذه المؤيّد، واستمرّ الأمر على ذلك. النّاصر حسن الملك النّاصر أبو المعالي الحسن بن محمد ابن قلاوون (٣) - جلس على تخت الملك وعمره ثلاث عشرة سنة، في يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، بعد أخيه الملك المظفّر حاجي وأركب من باب السّتارة بقلعة الجبل، وعليه شعار السّلطنة، وفي ركابه الأمراء، إلى أن نزل بالإيوان السّلطاني. ومدبّروا الدّولة يومئذ: الأمير بيبغا روس (¬a)، والأمير ألجيبغا المظفّري، والأمير شيخو، والأمير طاز، وأحمد شادّ الشّراب خاناه، وأرغون الإسماعيلي.

стр. 2698

فخلع على بيبغا روس (¬a) واستقرّ في نيابة السّلطنة بديار مصر عوضا عن الحاج أرقطاي، وقرّر أرقطاي في نيابة السّلطنة بحلب، وخلع على الأمير سيف الدّين منجك اليوسفي واستقرّ في الوزارة والأستادّارية، وقرّر الأمير أرغون شاه في نيابة السّلطنة بدمشق. فلمّا دخلت سنة تسع وأربعين كثر انكشاف الأراضي من ماء النّيل بالبرّ الشّرقي، فيما يلي بولاق إلى مصر، فاهتمّ الأمراء بسدّ البحر ممّا يلي الجيزة، وفوّض ذلك للأمير منجك، فجمع مالا كثيرا وأنفقه على ذلك فلم يفد، فقبض على منجك في ربيع الأوّل. وحدث الوباء العظيم في هذه السنة (١)، وأخرج أحمد شادّ الشّراب خاناه لنيابة صفد، وألجيبغا لنيابة طرابلس. فاستمرّ ألجيبغا بها إلى شهر ربيع الأوّل سنة خمسين، فركب إلى دمشق، وقتل أرغون شاه بغير مرسوم، فأنكر عليه وأمسك، وقتل بدمشق. وفي سنة إحدى وخمسين سار من دمشق عسكر عدّته أربعة آلاف فارس، ومن حلب ألفا فارس إلى مدينة سنجار، ومعهم عدّة كثيرة من التّركمان، فحصروها مدّة حتى طلب أهلها الأمان ثم عادوا. وترشّد السّلطان، واستبدّ بأمره، وقبض على منجك وبيبغاروس (¬a)، وقبض بمكّة على الملك المجاهد صاحب اليمن وقيّد وحمل إلى القاهرة فأطلق، ثم سجن بقلعة الكرك. فلمّا كان يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة، ركب الأمراء على السّلطان - وهم طاز وإخوته، وبيبغا الشّمسي (¬b)، وبيغرا - ووقفوا تحت القلعة، وصعد الأمير طاز وهو لابس إلى القلعة في عدّة وافرة، وقبض على السّلطان وسجنه بالدّور، فكانت مدّة ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر. وأقيم بدله أخوه الملك الصّالح صالح. فأقام السّلطان حسن منجمعا (¬c) على الاشتغال بالعلم، وكتب بخطّه نسخة من كتاب «دلائل النّبوّة» للبيهقي، إلى يوم الاثنين ثاني شوّال سنة خمس وخمسين وسبع مائة، فأقامه الأمير شيخو

стр. 2699

العمري في السّلطنة وقبض على الصّالح - وكانت مدّة سجنه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما - فرسم بإمساك الأمير طاز وإخراجه لنيابة حلب. وفي ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين، هبّت ريح عاصفة من ناحية الغرب - من أوّل النّهار إلى آخر اللّيل - اصفرّ منها الجوّ ثم احمرّ ثم اسودّ، فتلف منها شيء كثير. وفي شعبان سنة تسع وخمسين ضرب الأمير شيخو بعض المماليك بسيف، فلم يزل عليلا حتى مات. وفي سنة تسع وخمسين، كان ضرب الفلوس الجدد، فعمل كلّ فلس زنة مثقال (١)، وقبض على الأمير طاز نائب حلب وسجن بالإسكندرية، وقرّر مكانه في نيابة حلب الأمير منجك اليوسفي، وأمسك الأمير صرغتمش في شهر رمضان منها، وكانت حرب بين مماليكه ومماليك السّلطان انتصر فيها المماليك السّلطانية، وقبض على عدّة أمراء، فأنعم السّلطان على مملوكه يلبغا العمري الخاصّكي بتقدمة ألف، عوضا عن تنكز بغا المارديني أمير مجلس بحكم وفاته. وفي سنة ستين فرّ منجك من حلب فلم يوقف له على خبر. فأقرّ على نيابة حلب الأمير بيدمر الخوارزمي، وسار لغزو سيس، فأخذ أدنة بأمان، وأخذ طرسوس والمصّيصة وعدّة بلاد، وأقام بها نوّابا وعاد. فلمّا كانت سنة اثنتين وستين عدّى السّلطان إلى برّ الجيزة، وأقام بناحية كوم برّا مدّة طويلة لوباء كان بالقاهرة. فتنكّر الحال بينه وبين الأمير يلبغا إلى ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى، فركب السّلطان في جماعة ليكبس على الأمير يلبغا - وكان قد أحسّ بذلك وخرج عن الخيام، وأكمن (¬a) بمكان وهو لابس في جماعته - فلم يظفر السّلطان به ورجع. فثار به يلبغا فانكسر منه (¬b)، وفرّ يريد قلعة الجبل، فتبعه يلبغا، وقد انضمّ إليه جمع كثير، ودخل السّلطان إلى

стр. 2700

القلعة فلم يثبت، وركب معه أيدمر الدّوادار ليتوجّه إلى بلاد الشّام، ونزل إلى بيت الأمير شرف الدّين موسى بن الأزكشي أمير حاجب، فبعث في الحال إلى الأمير يلبغا يعلمه بمجيء السّلطان إليه، فبعث من قبضه هو والأمير أيدمر. ومن حينئذ لم يوقف له على خبر ألبتّة، مع كثرة فحص أتباعه/ وحواشيه عن قبره وما آل إليه أمره. فكانت مدّة ولايته هذه الثانية ستّ سنين وسبعة أشهر وأيّاما. وكان ملكا حازما مهابا شجاعا، صاحب حرمة وافرة وكلمة نافذة ودين متين، حلف غير مرّة أنّه ما لاط ولا شرب خمرا ولا زنى. إلاّ أنّه كان ينحل، ويعجب بالنّساء ولا يكاد يصبر عنهنّ، ويبالغ في إعطائهن المال (١). وعادى في دولته أقباط مصر، وقصد اجتثاث أصلهم (٢)، وكره المماليك، وشرع في إقامة «أولاد النّاس» (٣) أمراء، وترك عشرة بنين وستّ بنات. وكان أشقر أنمش، وقتل وله من العمر
следующие страницы →