هذا الجامع، فأتمّه من بعده الطّواشي بشير الجمدار (١). وكان قد جعل السّلطان على هذا الجامع أوقافا عظيمة جدّا، فلم يترك منها إلاّ شيء يسير، وأقطع أكثر البلاد التي وقفت عليه بديار مصر والشّام لجماعة من الأمراء وغيرهم (٢).
وصار هذا الجامع ضدّا لقلعة الجبل قلّما تكون فتنة بين أهل الدّولة إلاّ ويصعد عدّة من الأمراء وغيرهم إلى أعلاه، ويصير الرّمي منه على القلعة. فلم يحتمل ذلك الملك الظّاهر برقوق، وأمر فهدمت الدّرج التي كانت تصعد إلى المنارتين والبيوت التي كان يسكنها الفقهاء، ويتوصّل من هذه الدّرج إلى السّطح الذي كان يرمى منه على القلعة، وهدمت البسطة العظيمة والدّرج التي كانت بجانبي هذه البسطة التي كانت قدّام باب الجامع حتى لا يمكن الصّعود إلى الجامع.
وسدّ من وراء الباب النّحاس الذي لم يعمل فيما عهد باب مثله، وفتح شبّاك من شبابيك أحد مدارس هذا الجامع، ليتوصّل منه إلى داخل الجامع عوضا عن الباب المسدود. فصار هذا الجامع تجاه باب القلعة المعروف بباب السّلسلة (٣)، وامتنع صعود المؤذّنين إلى المنارتين، وبقي الأذان على درج هذا الباب. وكان ابتداء هدم ما ذكر في يوم الأحد ثامن صفر سنة ثلاث وتسعين وسبع مائة (٤).
стр. 2697
ثم لمّا شرع السّلطان الملك المؤيّد شيخ في عمارة الجامع بجوار/ باب زويلة، اشترى هذا الباب النّحاس والتّنّور النّحاس الذي كان معلّقا هناك بخمس مائة دينار (١)، ونقلا في يوم الخميس سابع عشرين شوّال سنة تسع عشرة وثمان مائة، فركّب الباب على البوّابة، وعلّق التّنّور تجاه المحراب (٢).
فلمّا كان في يوم الخميس تاسع شهر رمضان سنة خمس وعشرين وثمان مائة، أعيد الأذان في المئذنتين كما كان، وأعيد بناء الدّرج والبسطة، وركّب باب بدل الذي أخذه المؤيّد، واستمرّ الأمر على ذلك.
النّاصر حسن
الملك النّاصر أبو المعالي الحسن بن محمد ابن قلاوون (٣) - جلس على تخت الملك وعمره ثلاث عشرة سنة، في يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، بعد أخيه الملك المظفّر حاجي وأركب من باب السّتارة بقلعة الجبل، وعليه شعار السّلطنة، وفي ركابه الأمراء، إلى أن نزل بالإيوان السّلطاني.
ومدبّروا الدّولة يومئذ: الأمير بيبغا روس (¬a)، والأمير ألجيبغا المظفّري، والأمير شيخو، والأمير طاز، وأحمد شادّ الشّراب خاناه، وأرغون الإسماعيلي.
стр. 2698
فخلع على بيبغا روس (¬a) واستقرّ في نيابة السّلطنة بديار مصر عوضا عن الحاج أرقطاي، وقرّر أرقطاي في نيابة السّلطنة بحلب، وخلع على الأمير سيف الدّين منجك اليوسفي واستقرّ في الوزارة والأستادّارية، وقرّر الأمير أرغون شاه في نيابة السّلطنة بدمشق.
فلمّا دخلت سنة تسع وأربعين كثر انكشاف الأراضي من ماء النّيل بالبرّ الشّرقي، فيما يلي بولاق إلى مصر، فاهتمّ الأمراء بسدّ البحر ممّا يلي الجيزة، وفوّض ذلك للأمير منجك، فجمع مالا كثيرا وأنفقه على ذلك فلم يفد، فقبض على منجك في ربيع الأوّل.
وحدث الوباء العظيم في هذه السنة (١)، وأخرج أحمد شادّ الشّراب خاناه لنيابة صفد، وألجيبغا لنيابة طرابلس. فاستمرّ ألجيبغا بها إلى شهر ربيع الأوّل سنة خمسين، فركب إلى دمشق، وقتل أرغون شاه بغير مرسوم، فأنكر عليه وأمسك، وقتل بدمشق.
وفي سنة إحدى وخمسين سار من دمشق عسكر عدّته أربعة آلاف فارس، ومن حلب ألفا فارس إلى مدينة سنجار، ومعهم عدّة كثيرة من التّركمان، فحصروها مدّة حتى طلب أهلها الأمان ثم عادوا. وترشّد السّلطان، واستبدّ بأمره، وقبض على منجك وبيبغاروس (¬a)، وقبض بمكّة على الملك المجاهد صاحب اليمن وقيّد وحمل إلى القاهرة فأطلق، ثم سجن بقلعة الكرك.
فلمّا كان يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة، ركب الأمراء على السّلطان - وهم طاز وإخوته، وبيبغا الشّمسي (¬b)، وبيغرا - ووقفوا تحت القلعة، وصعد الأمير طاز وهو لابس إلى القلعة في عدّة وافرة، وقبض على السّلطان وسجنه بالدّور، فكانت مدّة ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر. وأقيم بدله أخوه الملك الصّالح صالح.
فأقام السّلطان حسن منجمعا (¬c) على الاشتغال بالعلم، وكتب بخطّه نسخة من كتاب «دلائل النّبوّة» للبيهقي، إلى يوم الاثنين ثاني شوّال سنة خمس وخمسين وسبع مائة، فأقامه الأمير شيخو
стр. 2699
العمري في السّلطنة وقبض على الصّالح - وكانت مدّة سجنه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما - فرسم بإمساك الأمير طاز وإخراجه لنيابة حلب.
وفي ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين، هبّت ريح عاصفة من ناحية الغرب - من أوّل النّهار إلى آخر اللّيل - اصفرّ منها الجوّ ثم احمرّ ثم اسودّ، فتلف منها شيء كثير.
وفي شعبان سنة تسع وخمسين ضرب الأمير شيخو بعض المماليك بسيف، فلم يزل عليلا حتى مات.
وفي سنة تسع وخمسين، كان ضرب الفلوس الجدد، فعمل كلّ فلس زنة مثقال (١)، وقبض على الأمير طاز نائب حلب وسجن بالإسكندرية، وقرّر مكانه في نيابة حلب الأمير منجك اليوسفي، وأمسك الأمير صرغتمش في شهر رمضان منها، وكانت حرب بين مماليكه ومماليك السّلطان انتصر فيها المماليك السّلطانية، وقبض على عدّة أمراء، فأنعم السّلطان على مملوكه يلبغا العمري الخاصّكي بتقدمة ألف، عوضا عن تنكز بغا المارديني أمير مجلس بحكم وفاته.
وفي سنة ستين فرّ منجك من حلب فلم يوقف له على خبر. فأقرّ على نيابة حلب الأمير بيدمر الخوارزمي، وسار لغزو سيس، فأخذ أدنة بأمان، وأخذ طرسوس والمصّيصة وعدّة بلاد، وأقام بها نوّابا وعاد. فلمّا كانت سنة اثنتين وستين عدّى السّلطان إلى برّ الجيزة، وأقام بناحية كوم برّا مدّة طويلة لوباء كان بالقاهرة. فتنكّر الحال بينه وبين الأمير يلبغا إلى ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى، فركب السّلطان في جماعة ليكبس على الأمير يلبغا - وكان قد أحسّ بذلك وخرج عن الخيام، وأكمن (¬a) بمكان وهو لابس في جماعته - فلم يظفر السّلطان به ورجع. فثار به يلبغا فانكسر منه (¬b)، وفرّ يريد قلعة الجبل، فتبعه يلبغا، وقد انضمّ إليه جمع كثير، ودخل السّلطان إلى
стр. 2700
القلعة فلم يثبت، وركب معه أيدمر الدّوادار ليتوجّه إلى بلاد الشّام، ونزل إلى بيت الأمير شرف الدّين موسى بن الأزكشي أمير حاجب، فبعث في الحال إلى الأمير يلبغا يعلمه بمجيء السّلطان إليه، فبعث من قبضه هو والأمير أيدمر. ومن حينئذ لم يوقف له على خبر ألبتّة، مع كثرة فحص أتباعه/ وحواشيه عن قبره وما آل إليه أمره. فكانت مدّة ولايته هذه الثانية ستّ سنين وسبعة أشهر وأيّاما.
وكان ملكا حازما مهابا شجاعا، صاحب حرمة وافرة وكلمة نافذة ودين متين، حلف غير مرّة أنّه ما لاط ولا شرب خمرا ولا زنى. إلاّ أنّه كان ينحل، ويعجب بالنّساء ولا يكاد يصبر عنهنّ، ويبالغ في إعطائهن المال (١).
وعادى في دولته أقباط مصر، وقصد اجتثاث أصلهم (٢)، وكره المماليك، وشرع في إقامة «أولاد النّاس» (٣) أمراء، وترك عشرة بنين وستّ بنات. وكان أشقر أنمش، وقتل وله من العمر
стр. 2701
بضع وعشرون سنة، ولم يكن قبله ولا بعده في الدّولة التّركيّة مثله.
جامع القرافة
هذا الجامع يعرف الآن ب «جامع الأولياء» وهو بالقرافة الكبرى، وكان موضعه يعرف في القديم عند فتح مصر بخطّة المعافر (¬a)، وهو مسجد بني عبد اللّه بن ماتع بن موزع، يعرف بمسجد القبّة (١).
قال القضاعيّ: كان القرّاء يحضرون فيه، ثم بني عليه المسجد الجامع الجديد بنته السّيّدة المعزّيّة في سنة ستّ وستين وثلاث مائة - وهي أمّ العزيز باللّه نزار ولد المعزّ لدين اللّه: أمّ ولد من المغرب (¬b) يقال لها تغريد، وتدعى درزان - وبنته على يد الحسن بن عبد العزيز الفارسي المحتسب (٢) في شهر رمضان من السنة المذكورة. وهو على نحو بناء الجامع الأزهر بالقاهرة.
وكان بهذا الجامع بستان لطيف في غربيه وصهريج. وبابه - الذي يدخل منه ذو المساطب الكبير الأوسط، تحت المنار العالي الذي عليه، مصفّح بالحديد إلى حضرة المحراب. والمقصورة من عدّة أبواب، وعدّتها أربعة عشر بابا مربعة مطويّة (¬c) الأبواب، قدّام كلّ باب قنطرة قوس على عمودي رخام ثلاثة صفوف. وهو مكندج مزوّق باللازورد والزّنجفر والزّنجار وأنواع الأصباغ، وفيه مواضع مدهونة، والسّقوف مزوّقة ملوّنة كلّها، والحنايا والعقود التي على العمد مزوّقة
стр. 2702
بأنواع الأصباغ من صنعة البصريين وبني المعلّم المزوّقين شيوخ الكتامي والنازوك.
وكان قبالة الباب السّابع من هذه الأبواب قنطرة قوس مزوّقة، في منحنى حافتيها شاذروان مدرّج بدرج، وآلات سود وبيض وحمر وخضر وزرق وصفر. إذا تطلّع إليها من وقف في سهم قوسها، شائلا رأسه إليها، ظنّ أنّ المدرّج المزوّق كأنّه خشب كالمقرنص. وإذا أتى إلى أحد قطري القوس نصف الدائرة، وقف عند أوّل القوس منها ورفع رأسه، رأى ذلك الذي توهّمه مسطحا لا نتوّ فيه، وهذه من أفخر الصّنائع عند المزوّقين. وكانت هذه القنطرة من صنعة بني المعلّم، وكان الصّنّاع يأتون إليها ليعملوا مثلها فما يقدرون (١).
وقد جرى مثل ذلك للقصير وابن عزيز في أيّام اليازوري، سيّد الوزراء الحسن بن عليّ ابن عبد الرّحمن، وكان كثيرا ما يحرّض بينهما، ويغري بعضهما على بعض، لأنّه كان أحبّ ما إليه
стр. 2703
كتاب مصوّر أو النّظر إلى صورة أو تزويق. ولمّا استدعى ابن عزيز من العراق فأفسده، وكان قد أتى به في محاربة القصير، لأنّ القصير كان يشتطّ في أجرته ويلحقه عجب في صنعته، وهو حقيق بذلك لأنّه في عمل الصّورة كابن مقلة في الخطّ، وابن عزيز كابن البوّاب. وقد أمعن شرح ذلك في الكتاب المؤلّف فيه، وهو «طبقات المصوّرين» المنعوت ب «ضوء النّبراس وأنس الجلاّس في أخبار المزوّقين من النّاس» (١).
وكان اليازوري قد أحضر بمجلسه القصير وابن عزيز، فقال ابن عزيز: أنا أصوّر صورة إذا رآها النّاظر ظنّ أنّها خارجة من الحائط. فقال القصير: لكن أنا أصوّرها فإذا نظرها النّاظر ظنّ أنّها داخلة في الحائط. فقالوا: هذا أعجب. فأمرهما أن يصنعا ما وعدا به. فصوّرا صورة راقصتين في صورة حنيتين مدهونتين متقابلتين، هذه ترى كأنّها داخلة في الحائط، وتلك ترى كأنّها خارجة من الحائط. فصوّر القصير راقصة بثياب بيض في صورة حنية دهنها أسود كأنّها داخلة في صورة الحنية، وصوّر ابن عزيز راقصة بثياب حمر في صورة صفراء كأنّها بارزة من الحنية.
فاستحسن اليازوري ذلك، وخلع عليهما، ووهبهما كثيرا من الذّهب.
وكان بدار النّعمان بالقرافة (٢)، من عمل الكتامي، صورة يوسف ﵇ في الجبّ وهو عريان والجبّ كلّه أسود، إذا نظره الإنسان ظنّ أنّ جسمه نات (¬a) من دهن لون الجبّ.
وكان هذا الجامع من محاسن البناء، وكان بنو الجوهري يعظون بهذا الجامع على كرسي في الثلاثة أشهر، فتمرّ لهم مجالس مبجّلة تروق وتشوق، ويقوم خادمهم زهر البان - وهو شيخ
стр. 2704
كبير - ومعه زنجلة، إذا توسّط أحدهم في الوعظ، ويقول:
[الكامل]
تصدّقي (¬a) لا تأمني أن تسألي … فإذا سألت عرفت ذلّ السّائل
ويدور على الرّجال والنّساء، فيلقى له في الزّنجلة ما يسّره اللّه تعالى، فإذا فرغ من التّطواف، وضع الزّنجلة أمام الشّيخ، فإذا فرغ من وعظه فرّق على الفقراء ما قسم لهم، وأخذ الشّيخ ما قسم له وهو الباقي، ونزل عن الكرسي.
وكان/ جماعة من الرّؤساء يلزمون النّوم بهذا الجامع، ويجلسون به في ليالي الصّيف للحديث في القمر في صحنه، وفي الشّتاء ينامون عند المنبر، وكان يحصل لقيّمه القاضي أبي حفص الأشوية (¬b) والحلوى وغير ذلك.
قال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النّسّابة: حدّثني الأمير أبو عليّ تاج الملك جوهر، المعروف بالشّمس الجيوشي، قال: اجتمعنا ليلة جمعة جماعة من الأمراء بنو معزّ الدّولة وصالح وحاتم وراجح وأولادهم وغلمانهم، وجماعة ممّن يلوذ بنا كابن الموفّقي القاضي ابن داود وأبي المجد بن الصّيرفي أبي الفضل روزبة وأبي الحسن الرّضيع. فعملنا سماطا وجلسنا، واستدعينا بمن في الجامع وأبي حفص فأكلنا، ورفعنا الباقي إلى بيت الشّيخ أبي حفص قيّم الجامع، ثم تحدّثنا ونمنا. وكانت ليلة باردة، فنمنا عند المنبر. وإذا إنسان نصف الليل، ممّن نام في هذا الجامع من عابري السّبيل، قد قام قائما وهو يلطم على رأسه، ويصيح: وا مالاه، وا مالاه! فقلنا له: ويلك! ما شأنك، وما الذي دهاك، ومن سرقك، وما سرق لك؟ فقال: يا سيّدي أنا رجل من أهل طرا، يقال لي أبو كبريت (¬c) الحاوي، أمسى عليّ الليل ونمت عندكم، وأكلت من خيركم - وسّع اللّه عليكم - ولي جمعة أجمع في سلّتي من نواحي طرا، والحيّ الكبير والجبل، كلّ غريبة من الحيّات والأفاعي ما لم يقدر عليه قطّ حاو غيري، وقد انفتحت السّاعة السّلّة، وخرجت الأفاعي وأنا نائم لم أشعر. فقلت له: إيش تقول؟ فقال: إي واللّه، يا للنّجدات! فقلنا: يا عدوّ اللّه أهلكتنا ومعنا صبيان وأطفال. ثم إنّا نبّهنا النّاس، وهربنا إلى المنبر وطلعنا وازدحمنا فيه، ومنّا من طلع على قواعد العمد فتسلّق وبقي واقفا.
стр. 2705
وأخذ ذلك الحاوي يحسّس، وفي يده كنف الحيّات، ويقول: قبضت الرّقطاء ثم يفتح السّلّة ويضع فيها، ثم يقول: قبضت أم قرنين ويفتح ويضع فيها، ويقول: قبضت الفلاني والفلانية من الثّعابين والحيّات - وهم معه بأسماء - ويقول: أبو زعيرة، أبو تليس ونحن نقول: إيه! إلى أن قال: بس انزلوا ما بقي عليّ همّ، ما بقي يهمّكم كبير شيء. قلنا: كيف؟ قال: ما بقي إلا البتراء وأمّ رأسين، انزلوا فما عليكم منهما. قلنا: كذا، عليك لعنة اللّه يا عدوّ اللّه، لا نزلنا للصّبح، فالمغرور من تغرّه.
وصحنا بالقاضي أبي حفص القيّم، فأوقد الشّمعة، ولبس صياغات الخطيب خوفا على رجليه وجاء فنزلنا في الضّوء، وطلعنا المئذنة فنمنا إلى بكرة، وتفرّق شملنا بعد تلك الليلة.
وجمع القاضي القيّم عياله ثاني يوم، وأدخلوا عصيا تحت المنبر وسعفا، وشالوا الحصر، فلم يظهر لهم شيء وبلغ الحديث والي القرافة ابن شعلة الكتامي، فأخذ الحاوي، فلم يزل به حتى جمع ما قدر عليه، وقال: ما أخلّيه إلاّ إلى السّلطان وكان الوزير إذ ذاك يانس الأرمنيّ (١).
وهذه القضيّة تشبه قضيّة جرت لجعفر بن الفضل بن الفرات وزير مصر - المعروف بابن حنزابة - وذلك أنّه كان يهوى النّظر إلى الحيّات والأفاعي والعقارب وأمّ أربعة وأربعين وما يجري هذا المجرى من الحشرات، وكان في داره قاعة لطيفة مرخّمة فيها سلل الحيّات، ولها قيّم فرّاش حاو من الحواة، ومعه مستخدمون برسم الخدمة ونقل السّلال وحطّها. وكان كلّ حاو في مصر وأعمالها يصيد ما يقدر عليه من الحيّات، ويتناهون (¬a) في ذوات العجب من أجناسها وفي الكبار وفي الغريبة المنظر. وكان الوزير يثيبهم على ذلك أوفى ثواب، ويبذل لهم الجمل حتى يجتهدوا في تحصيلها، وكان له وقت يجلس فيه على دكّة مرتفعة، ويدخل المستخدمون والحواة، فيخرجون ما في السّلل ويطرحونه على ذلك الرّخام ويحرّشون بين الهوام، وهو يتعجّب من ذلك ويستحسنه. فلمّا كان ذات يوم أنفذ رقعة إلى الشّيخ الجليل ابن المدبّر الكاتب - وكان من أعيان كتّاب أيّامه وديوانه، وكان عزيزا عنده وكان يسكن إلى جوار دار ابن الفرات - يقول له فيها:
стр. 2706
«نشعر الشّيخ الجليل - أدام اللّه سلامته - أنّه لمّا كان البارحة عرض علينا الحواة الحشرات الجاري بها العادات، وانساب إلى داره منها الحيّة البتراء وذات القرنين والعقربان الكبير وأبو صوفه، وما حصلوا لنا إلاّ بعد عناء ومشقّة، وبجملة بذلناها للحواة، ونحن نأمر الشّيخ - وفّقه اللّه - بالتّقدّم إلى حاشيته وصبيته بصون ما وجد منها، إلى أن تنفذ الحواة لأخذها وردّها إلى سللها».
فلمّا وقف ابن المدبّر على الرّقعة قلبها، وكتب في ذيلها: «أتاني أمر سيّدنا الوزير - خلّد اللّه نعمته وحرس مدّته - بما أشار إليه في أمر الحشرات، والذي يعتمد عليه في ذلك، أنّ الطّلاق يلزمه ثلاثا إن بات هو وأحد من أهله في الدّار، والسّلام».
وفي سنة ستّ عشرة خمس مائة أمر الوزير أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجلّ المأمون البطائحي وكيله أبا البركات محمد بن عثمان برمّ شعث هذا الجامع، وأن يعمّر بجانبه طاحونا للسّبيل، ويبتاع لها الدّواب، ويتخيّر من الصّالحين السّاكنين بالقرافة من يجعله أمينا عليها، ويطلق له ما يكفيه مع علف الدّواب وجميع المؤن، ويشترط عليه أن يواسي بين الضّعفاء، ويحمل عنهم كلفة طحن أقواتهم، ويؤدّي الأمانة فيها (١).
ولم يزل هذا الجامع على عمارته إلى أن احترق في السنة التي احترق فيها جامع عمرو ابن العاص سنة أربع/ وستين وخمس مائة، عند (¬a) نزول مرّي [Amaury] ملك الفرنج على القاهرة وحصارها، كما تقدّم ذكره عند ذكر خراب الفسطاط من هذا الكتاب (٢). وكان الذي تولّى إحراق هذا الجامع ابن سماقة بإشارة الأستاذ مؤتمن الخلافة جوهر، وهو الذي أمر المذكور بحريق جامع عمرو بمصر، وسئل عن ذلك فقال: لئلا يخطب فيه لبني العبّاس. ولم يبق من هذا الجامع بعد حريقه سوى المحراب الأخضر.
стр. 2707
وكان مؤذّن هذا الجامع في أيّام المستنصر ابن بقاء المحدّث ابن بنت عبد الغني بن سعيد الحافظ.
ثم جدّدت عمارة هذا الجامع بعد حريقه، وأدركته لمّا كانت القرافة الكبرى عامرة بسكنى السّودان التّكاررة، وهو مقصود للبركة. فلمّا كانت الحوادث والمحن في سنة ستّ وثمان مائة قلّ السّاكن بالقرافة، وصار هذا الجامع طول الأيّام مغلوقا، وربّما أقيمت فيه الجمعة.
جامع الجيزة
بناه محمد بن عبد اللّه الخازن (١) في المحرّم سنة خمسين وثلاث مائة بأمر الأمير علي بن عبد اللّه ابن الإخشيد. فتقدّم كافور إلى الخازن ببنائه، فإنّه كان قد هدمه النّيل، وسقط في سنة أربعين وثلاث مائة، وعمل له مستغلاّ. وكان النّاس قبل ذلك بالجيزة يصلّون الجمعة في مسجد همدان، وهو مسجد مراحق (¬a) بن عامر بن بكيل، وقيل إنّ عقبة بن عامر في إمرته على مصر أمرهم أن يجمعوا فيه.
قال التّميمي: وشارف بناء جامع الجيزة مع أبي بكر الخازن أبو الحسن بن أبي جعفر الطّحاوي، واحتاجوا إلى عمد للجامع، فمضى الخازن في اللّيل إلى كنيسة بأعمال الجيزة، فقلع عمدها ونصب بدلها أركانا، وحمل العمد إلى الجامع، فترك أبو الحسن بن الطّحاوي الصّلاة فيه مذ ذاك تورّعا.
قال التّميمي: وقد كان - يعني ابن الطّحاوي - يصلّي في جامع الفسطاط القديم، وبعض عمده أو أكثرها ورخامه من كنائس الإسكندرية وأرياف مصر، وبعضه بناء قرّة بن شريك عامل الوليد بن عبد الملك (٢).
стр. 2708
جامع منجك
[أثر رقم ١٣٨]
هذا الجامع يعرف موضعه بالثّغرة (١) تحت قلعة الجبل خارج باب الوزير. أنشأه الأمير الوزير (¬a) سيف الدّين منجك اليوسفي في مدّة وزارته بديار مصر في سنة إحدى وخمسين وسبع مائة، وصنع فيه صهريجا فصار يعرف إلى اليوم ب «صهريج منجك» (٢)، ورتّب فيه صوفيّة، وقرّر لهم في كلّ يوم طعاما ولحما وخبزا، وفي كلّ شهر معلوما، وجعل فيه منبرا، ورتّب فيه خطيبا يصلّي بالنّاس فيه صلاة الجمعة.
وجعل على هذا الموضع عدّة أوقاف، منها ناحية بلقينة بالغربيّة (٣)، وكانت مرصدة برسم الحاشية، فقوّمت بخمسة وعشرين ألف دينار، فاشتراها من بيت المال
стр. 2709
وجعلها وقفا على هذا المكان (١).
منجك
الأمير سيف الدّين اليوسفي (٢) - لمّا امتنع أحمد ابن الملك النّاصر محمد بن قلاوون بالكرك، وقام في مملكة مصر بعده أخوه الملك الصّالح عماد الدّين إسماعيل، وكان من محاصرته بالكرك ما كان إلى أن أخذ فتوجّه إليه وقطع رأسه، وأحضرها إلى مصر - وكان حينئذ أحد السّلاح دارية - فأعطي إمرة بديار مصر، وتنقّل في الدّول إلى أن كانت سلطنة الملك المظفّر حاجي ابن الملك النّاصر محمد بن قلاوون، فأخرجه من مصر إلى دمشق، وجعله حاجبا بها موضع ابن طغريل. فلمّا قتل الملك المظفّر، وأقيم بعده أخوه الملك النّاصر حسن، أقيم الأمير سيف الدّين بيبغا روس (¬a) في نيابة السّلطنة بديار مصر - وكان أخا منجك - فاستدعاه من دمشق، وحضر إلى القاهرة في ثامن شوّال سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، فرسم له بإمرة تقدمة ألف، وخلع عليه خلع الوزارة؛ فاستقرّ وزيرا وأستادّارا، وخرج في دست الوزارة والأمراء في خدمته من القصر إلى قاعة الصّاحب بالقلعة، فجلس بالشّبّاك، ونفّذ أمور الدّولة. ثم اجتمع بالأمراء (¬b)، وقرأ عليهم أوراقا تتضمّن ما على الدّولة من المصروف، ووفّر من جامكيّة المماليك مبلغ ستين ألف درهم في الشهر، وقطع كثيرا من جوامك الخدم والجواري والبيوتات السّلطانية، ونقّص رواتب الدّور من زوجات السّلطان وجواريه، وقطع رواتب المغاني (¬c).
وعرض الإسطبل السّلطاني، وقطع منه عدّة أميرآخورية وسرآخورية (٣) وسوّاس وغلمان، ووفّر من راتب الشّعير نحو الخمسين إردبّا في كلّ يوم، وقطع جميع الكلابزية وكانوا خمسين جوقة،
стр. 2710
وأبقى منهم جوقتين، ووفّر جماعة من الأسرى والعتّالين والمستخدمين في العمائر، وأبطل العمارة من بيت السّلطان. وكانت الحوائج خاناه تحتاج في كلّ يوم إلى أحد وعشرين ألف درهم نقرة، فاقتطع منها مبلغ ثلاثة آلاف درهم، وبقي مصروفها في اليوم ثمانية عشر ألف درهم نقرة.
وشرع ينكّث على الدّواوين، ويحطّ على القاضي موفّق الدّين ناظر الدّولة، وعلى القاضي علم الدّين بن زنبور ناظر الخواصّ، ورسم ألاّ يستقرّ في المعاملات سوى شاهد واحد وعامل وشادّ بغير معلوم، وأغلظ على الكتّاب والدّواوين وهدّدهم وتوعّدهم فخافوه واجتمع بعضهم ببعض، واشتوروا/ في أمرهم، واتّفقوا على مال يتوزّعونه بينهم على قدر حال كلّ منهم، وجبوه وحملوه إلى منجك سرّا. فلم يمض من استقراره في الوزارة شهر حتى صار الكتّاب وأرباب الدّواوين أحبّاءه وأخلاّءه، وتمكّنوا منه أعظم ما كانوا قبل وزارته، وحسّنوا له أخذ الأموال.
فطلب ولاة الأقاليم، وفرض (¬a) على آقبغا والي الغربيّة، وضربه (¬b) وألزمه بحمل خمس مائة ألف درهم نقرة، وولّى عوضه أسندمر (¬c) القلنجقي، ثم صرفه وولّى بدله قطليجا مملوك بكتمر، واستقرّ بأسندمر (¬c) القلنجقي في ولاية القاهرة، وأضاف له التّحدّث في الجهات، وولّى البحيرة (¬d) لرجل من جهته، وولّى قوص لآخر، وأوقع الحوطة على موجود إسماعيل الواقدي متولّي قوص، وأخذ جميع حواصله (¬e)، وولّى طغاي كشف الوجه القبلي عوضا عن علاء الدّين عليّ ابن الكوراني، وولّى ابن المزوّق قوص وأعمالها، وولّى مجد الدّين موسى الهدباني الأشمونين عوضا عن ابن الأزكشي.
وتسامعت الولاة وأرباب الأشغال (¬f) بأنّ الوزير فتح باب الأخذ على الولايات، فهرع النّاس إليه من جهات مصر والشّام وحلب وقصدوا بابه، ورتّب عنده جماعة برسم قضاء الأشغال، فأتاهم أصحاب الحوائج.
وكان السّلطان صغيرا، حظّه من السّلطنة أن يجلس بالإيوان يومين في الأسبوع، ويجتمع أهل الحلّ والعقد مع سائر الأمراء فيه، فإذا انقضت خدمة الإيوان خرج الأمير منكلي بغا الفخري
стр. 2711
والأمير بيغرا والأمير بيبغا تتر والمجدي وأرلان وغيرهم من الأمراء، ويدخل إلى القصر الأمير بيبغا روس نائب السّلطنة والأمير سيف الدّين منجك الوزير والأمير سيف الدّين شيخو العمري والأمير ألجيبغا المظفّري والأمير طنيرق (¬a) (١)، ويتّفق الحال بينهم على ما يروه.
هذا والوزير أخو النّائب (¬b) متمكّن تمكّنا زائدا، وقدم من دمشق جماعة للسّعي عند الوزير في وظائف - منهم ابن السّلعوس، وصلاح الدّين بن المؤيّد، وابن الأجلّ، وابن عبد الحقّ - وتحدّثوا مع ابن الأطروش محتسب القاهرة في أغراضهم، فسعى لهم حتى تقرّروا فيما عيّنوا.
ولمّا دخلت سنة تسع وأربعين، عرّف الوزير السّلطان والأمراء أنّه لمّا ولي الوزارة لم يجد في الأهراء ولا في بيت المال شيئا، وسأل أن يكون هذا بمحضر من الحكّام. فرسم للقضاة بكشف ذلك، فركبوا إلى الأهراء بمصر وإلى بيت المال بقلعة الجبل، وقد حضر الدّواوين وسائر المباشرين، وأشهدوا عليهم أنّ الأمير منجك لمّا باشر الوزارة لم يكن بالأهراء ولا ببيت المال قدح غلّة ولا دينار ولا درهم، وقرئت المحاضر على السّلطان والأمراء.
فلمّا كان بعد ذلك توقّف أمر الدّولة على الوزير، فشكا إلى الأمراء من كثرة الرّواتب. فاتّفق الرأي على قطع نحو ستين سوّاقا، فقطعهم ووفّر لحومهم وعليقهم وسائر ما باسمهم من الكساوى وغيرها. وقطع من العرب الرّكّابة والنّجّابة، ومن أرباب الوظائف في بيت السّلطان ومن الكتّاب والمباشرين، ما جملته في اليوم أحد عشر ألف درهم.
وفتح باب المقايضات بإقطاعات الأجناد، وباب النّزول عن الإقطاعات بالمال، فحصّل من ذلك مالا كثيرا، وحكم على أخيه نائب السّلطنة بسبب ذلك، وصار الجندي يبيع إقطاعه لكلّ من أراد سواء كان المنزول له جنديا أو عامّيّا، وبلغ ثمن الإقطاع من عشرين ألف درهم إلى ما دونها.
وأخذ يسعى أن تضاف وظيفة نظر الخاصّ إلى الوزارة، وأكثر من الحطّ على ناظر الخاصّ، فاحترس ابن زنبور منه، وشرع في (¬c)) إتقان أمره (¬c) مع الأمير شيخو. فمنع شيخو منجك من التّحدّث في الخاصّ وخرج عليه، فشقّ ذلك على منجك، وافترقا عن غير رضا.
стр. 2712
فتغيّر بيبغا روس النّائب على شيخو رعاية لأخيه، وسأل أن يعفى من النّيابة، ويعفى منجك من الوزارة. (¬a)) وتعتّب تعتّبا كثيرا، فاتّفق الحال على عزل منجك من الوزارة (¬a) واستقراره في الأستادّارية والتّحدّث في عمل حفر البحر، وأن يستقرّ أسندمر (¬b) العمري - المعروف برسلان يصل (¬c) - في الوزارة. فطلب، وكان قد حضر من الكشف، وألبس خلع الوزارة في يوم الاثنين الرّابع والعشرين من شهر ربيع الأوّل.
وكان عزل منجك (¬d) من الوزارة في ثالث ربيع الأوّل المذكور، وتولّى أمر شدّ البحر. فجبى من الأجناد من كلّ مائة دينار درهما، ومن التّجّار والمتعيّشين في مصر والقاهرة من كلّ واحد عشرة دراهم إلى خمسة دراهم إلى درهم، ومن أصحاب الأملاك والدّور في مصر والقاهرة:
على كلّ قاعة ثلاثة دراهم، وعلى كلّ طبقة درهمين، وعلى كلّ مخزن أو إسطبل درهما.
وجعل المستخرج في خان مسرور بالقاهرة، والمشدّ على المستخرج الأمير بيلك، فجبي مال كثير.
وأمّا أسندمر (¬b) فإنّ أحوال الدّولة توقّفت في أيّامه، فسأل في الإعفاء فأعفي، وأعيد منجك إلى الوزارة بعد أربعين يوما وقد تمنّع تمنّعا كبيرا. ولمّا عاد إلى الوزارة فتح باب الولايات بالمال، فقصده النّاس وسعوا عنده، فولّى وعزل، وأخذ في ذلك مالا كثيرا. فيقال إنّه أخذ من الأمير مازان لمّا نقله من المنوفيّة إلى الغربيّة، ومن ابن العنتابي (¬e) لمّا نقله من الأشمونين إلى البهنساوية، ومن ابن سلمان لمّا ولاّه منوف، ستة آلاف دينار ووفّر إقطاع شادّ الدّواوين، وجعله باسم المماليك السّلطانية ووفّر/ جوامكهم ورواتبهم. وشرع أوباش النّاس في السّعي عنده في الوظائف والمباشرات بمال، وأتوه من البلاد، فقضى أشغالهم، ولم يردّ أحدا طلب شيئا.
ووقع في أيّامه الفناء العظيم، فانحلّت إقطاعات كثيرة، فاقتضى رأي الوزير أن يوفّر الجوامك والرّواتب التي للحاشيّة، وكتب لسائر أرباب الوظائف وأصحاب الأشغال والمماليك السّلطانية مثالات بقدر جوامك كلّ منهم، وكذلك لأرباب الصّدقات. فأخذ جماعة من الأقباط ومن الكتّاب ومن الموقّعين إقطاعات في نظير جوامكهم، وتوفّر في الدّولة مال كثير عن الجوامك والرّواتب.
стр. 2713
فلمّا دخلت سنة خمسين رسم الوزير منجك لمتولّي القاهرة (١) بطلب أصحاب الأرباع (٢)، وكتابة جميع أملاك الحارات والأزقّة وسائر أخطاط مصر والقاهرة، ومعرفة أسماء سكّانها والفحص عن أربابها، ليعرف من توفّر عنه ملك بموته في الفناء. فطلبوا الجميع وأمعنوا في النّظر، فكان يوجد في الحارة الواحدة والزّقاق الواحد ما يزيد على عشرين دارا خالية لا يعرف أربابها، فختموا على ما وجدوه من ذلك، ومن الفنادق والخانات والمخازن حتى يحضر أربابها.
وفي شعبان عزل ولاة الأعمال، وأحضرهم إلى القاهرة وولّى غيرهم، وأضاف إلى كلّ وال كشف الجسور التي في عمله، وضمن الفأر (¬a) سائر جهات القاهرة ومصر، بحيث إنّه لا يتحدّث أحد معه من المقدّمين والدّواوين والشّادين، وزاد في المعاملات ثلاث مائة ألف درهم. وخلع عليه ونودي له بمصر والقاهرة، فاشتدّ ظلمه وعسفه، وكثرت حوادثه (٣).
فلمّا كانت ليالي عيد الفطر، عرّف الوزير الأمراء أنّ سماط العيد ينصرف عليه جملة ولا ينتفع به أحد، فأبطله ولم يعمل تلك السّنة.
وفي ذي القعدة توقّف حال الدّولة، ووقف مماليك السّلطان وسائر المعاملين والحوائج كاشيّة، وانزعج السّلطان والأمراء بسبب ذلك على الوزير فاحتجّ بكثرة الكلف وطلب الموفّق ناظر الدّولة فقال: إنّ الإنعامات قد كثرت، والكلف تزايدت، وقد كانت الحوائج خاناه في أيّام الملك
стр. 2714
النّاصر محمد بن قلاوون في اليوم ينصرف فيها مبلغ ثلاثة عشر ألف درهم، واليوم ينصرف فيها اثنان وعشرون ألف درهم. فكتب أوراق بمتحصّل الدّولة ومصروفها وبمتحصّل الخاصّ ومصروفه. فجاءت أوراق الدّولة ومتحصّلها عشرة آلاف ألف درهم، وكلفها أربعة عشر ألف ألف درهم وستّ مائة ألف درهم. ووجد الإنعام من الخاصّ والجيش، بما خرج من البلاد زيادة على إقطاعات الأمراء، فكان زيادة على عشرين ألف دينار، سوى جملة من الغلال، وأنّ الذي استجدّ على الدّولة من حين وفاة الملك النّاصر في ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين إلى مستهلّ المحرّم سنة خمسين وسبع مائة.
وكانت جملة الإنعامات والإقطاعات بنواحي الصّعيد والفيّوم وبلاد الملك والوجه البحري وما أعطي من الرّزق للخدّام والجواري، سبع مائة ألف ألف وألف ألف وستّ مائة ألف معيّنة بأسماء أربابها من أمير وخادم وجارية.
وكانت النّساء قد أسرفن في عمل القمصان والبغالطيق، حتى كان يفضل من القميص كثير على الأرض، وسعة الكمّ ثلاثة أذرع - ويسمّينه «البهطلة» - وكان يغرم على القميص ألف درهم وأكثر، وبلغ إزار المرأة إلى ألف درهم، وبلغ الخفّ والسّرموزة إلى خمس مائة درهم وما دونها إلى مائة درهم (١)؛ فأمر الوزير منجك بقطع أكمام النّساء، وأخرق بهنّ، وأمر الوالي بتتبّع ذلك، ونودي بمنع النّساء من عمل ذلك، وقبض على جماعة منهنّ، وركّب على سور القاهرة صور نساء عليهنّ تلك القمصان بهيئة نساء قد قتلن عقوبة على ذلك، فانكففن عن لبسها.
ومنع الأساكفة من عمل الأخفاف المثمّنة، ونودي في القياسر: من باع إزار حرير حلّ (¬a) ماله للسّلطان، فنودي على إزار ثمنه سبع مائة وعشرون درهما فبلغ ثمانين درهما، ولم يجسر أحد أن يشتريه. وبالغ الوزير في الفحص عن ذلك، حتى كشف دكاكين غسّالي الثّياب، وقطع ما وجد من ذلك. فامتنع النّساء من لبس ما أحدثنه من تلك المنكرات.
ولمّا عظم ضرر الفأر الضّامن (¬b) كثرت شكاية النّاس فيه، فلم يسمع فيه الوزير قولا، وقام في أمره الأمير مغلطاي أمير آخور، فاستوحش منه الوزير (٢).
стр. 2715
واتّفق أنّه كان قد حجّ محمد بن يوسف مقدّم الدّولة في تجمّل (¬a) كثير بلغ عليق جماله في اليوم مائتي عليقة. ولمّا قدم في المحرّم مع الحاج، أهدى للنّائب وللوزير وللأمير طاز وللأمير صرغتمش هدايا جليلة، ولم يهد للأمير شيخو ولا للأمير مغلطاي شيئا. ثم لمّا عاب النّاس عليه ذلك أهدى بعد عدّة أيّام للأمير شيخو هديّة، فردّها عليه.
ثم إنّه أنكر على الوزير في مجلس السّلطان ما يفعله ولاة البر، وما عليه مقدّم الدّولة من كثرة المال، وأغلظ في القول. فرسم بعزل الولاة، والقبض على المقدّم محمد بن يوسف وابن عمه المقدّم أحمد بن زيد، فلم يسع الوزير غير السّكوت.
فلمّا كان في رابع عشرين شوّال سنة إحدى وخمسين، قبض على الوزير منجك وقيّد، ووقعت الحوطة على سائر حواصله، فوجدت له زردخاناه حمل خمسين جملا، ولم يظهر من النّقد/ كثير مال فأمر بعقوبته. فلمّا خوّف أقرّ بصندوق فيه جوهر، وقال: سائر ما كان يتحصّل لي من النّقد كنت أشتري به أملاكا وضياعا وأصناف المتاجر. فأحيط بسائر أمواله وحمل إلى الإسكندرية مقيّدا، واستقرّ الأمير بلبان السّناني نائب البيرة أستادّارا عوض منجك بعد حضوره منها، وأضيفت الوزارة إلى القاضي علم الدّين بن زنبور ناظر الخاصّ.
فلم يزل منجك مسجونا بالإسكندرية إلى أن خلع الملك النّاصر حسن، وأقيم بدله في المملكة أخوه الملك الصّالح صالح، فأمر بالإفراج عن الأمير شيخو والأمير منجك، فحضرا إلى القاهرة في رجب سنة اثنتين وخمسين. ولمّا استقرّ الأمير منجك بالقاهرة، بعث إليه الأمير شيخو خمس رءوس خيل وألفي دينار، وبعث إليه جميع الأمراء بالتّقادم.
وأقام بطّالا (١) يجلس على حصير فوقه ثوب سرج عتيق، وكلّما أتاه أحد من الأمراء يبكي ويتوجّع ويقول: «أخذ جميع مالي حتى صرت على الحصير». ثم كتب فتوى تتضمّن أنّ رجلا مسجونا في قيد، هدّد بالقتل إن لم يبع أملاكه، وأنّه خشي على نفسه القتل فوكّل في بيعها.
فكتب له الفقهاء «لا يصحّ بيع المكره». ودار على الأمراء، وما زال بهم حتى تحدّثوا له مع
стр. 2716
السّلطان في ردّ أملاكه عليه. فعارضهم الأمير صرغتمش، ثم رضي أن يردّ عليه من أملاكه ما أنعم به السّلطان على مماليكه. فاستردّ عدّة أملاك، وأقام إلى أن قام بيبغا روس بحلب، فاختفى منجك وطلب فلم يوجد، وأطلق النّداء عليه بالقاهرة ومصر، وهدّد من أخفاه، وألزم عربان العائد باقتفاء أثره، فلم يوقف له على خبر، وكبس عليه عدّة أماكن بالقاهرة ومصر، وفتّش عليه حتى في داخل الصّهريج الذي بجامعه فأعيا أمره.
وأدرك السّلطان السّفر لحرب بيبغاروس (¬a)، فشرع في ذلك إلى يوم الخميس رابع شعبان، فخرج الأمير طاز بمن معه.
وفي يوم الاثنين سابعه عرض الأمير شيخو والأمير صرغتمش أطلابهما، وقد وصل الأمير طاز إلى بلبيس، فحضر إليه من أخبره أنّه رأى بعض أصحاب منجك، فسيّر إليه وأحضره وفتّشه، فوجد معه كتاب منجك إلى أخيه بيبغا روس (¬a)، وفيه أنّه مختف عند الحسام الصّقري (¬b) أستادّاره. فبعث الكتاب إلى الأمير شيخو، فوافاه والأطلاب خارجة، فاستدعى بالحسام وسأله فأنكره، فعاقبه الأمير صرغتمش فلم يعترف.
فركب إلى بيت الحسام بجوار الجامع الأزهر وهجمه، فإذا بمنجك ومعه مملوك، فكتّفه وسار به مشهورا بين النّاس - وقد هرعوا من كلّ مكان - إلى القلعة، فسجن بالإسكندرية إلى أن شفع فيه الأمير شيخو، فأفرج عنه في ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين، ورسم أن يتوجّه إلى صفد بطّالا. فسار إليها من غير أن يعبر إلى القاهرة.
فلمّا خلع الملك الصّالح صالح، وأعيد السّلطان حسن في شوّال منها، نقل منجك من صفد، وأنعم عليه بنيابة طرابلس عوضا عن أيتمش النّاصري، فسار إليها، وأقام بها إلى أن قبض على الأمير طاز نائب حلب في سنة تسع وخمسين، فولي منجك عوضا عنه.
ولم يزل بحلب إلى أن فرّ منها في سنة ستين فلم يعرف له خبر، وعوقب بسببه خلق كثير. ثم قبض عليه بدمشق في سنة إحدى وستين، فحمل إلى مصر، وعليه بشت صوف عسلي وعلى رأسه مئزر صوف، فلم يؤاخذه السّلطان، وأعطاه إمرة طبلخاناه ببلاد الشّام، وجعله طرخاناه (١)
стр. 2717
يقيم حيث شاء من البلاد الإسلامية، وكتب بذلك.
فلمّا قتل السّلطان حسن، وأقيم من بعده في المملكة الملك المنصور محمد بن المظفّر حاجي في جمادى الأولى سنة اثنتين وستين، خامر الأمير بيدمر نائب الشّام على الأمير يلبغا العمري القائم بتدبير دولة الملك المنصور، ووافقه جماعة من الأمراء منهم الأمير منجك، فخرج الأمير يلبغا بالمنصور والعساكر من قلعة الجبل إلى البلاد الشّامية، فوافى دمشق. فمشى (¬a) النّاس بينه وبين الأمير بيدمر حتى تمّ الصّلح، وحلف الأمير يلبغا أنّه لا يؤذي بيدمر ولا منجك، فنزلا من قلعة دمشق، وقيّدهما وبعث بهما إلى الإسكندرية فسجنا بها، إلى أن خلع الأمير يلبغا المنصور، وأقام بدله الملك الأشرف شعبان بن حسين، وقتل الأمير يلبغا، فأفرج الملك الأشرف عن منجك، وولاّه نيابة السّلطنة بدمشق عوضا عن الأمير أمير (¬b) عليّ المارديني (¬c) في جمادى الأولى سنة تسع وستين.
فلم يزل في نيابة دمشق إلى أن حضر إلى السّلطان زائرا في سنة سبعين بتقادم كثيرة جليلة، وعاد إلى دمشق، وأقام بها إلى أن استدعاه السّلطان في سنة خمس وسبعين إلى مصر، وفوّض إليه نيابة السّلطنة بديار مصر، وعمله أتابك العساكر، وجعل تدبير المملكة إليه، وأن يخرج الأمريات (¬d) بالبلاد الشّامية، وأن يولّي ولاة أقاليم مصر والكشّاف، ويخرج الإقطاعات بمصر من عبرة ستّ مائة دينار إلى ما دونها. وكانت عادة النّوّاب قبلة ألاّ يخرج من الإقطاعات إلاّ ما عبرته أربع مائة دينار فما دونها. فعمل النّيابة على قالب جائر وحرمة وافرة إلى أن مات حتف أنفه في يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجّة سنة ستّ وسبعين وسبع مائة، وله من العمر نيّف وستون سنة (¬e)، وشهد جنازته سائر الأعيان، ودفن بتربته المجاورة لجامعه هذا (١).
стр. 2718
وله سوى «الجامع/» المذكور من الآثار بديار مصر «خان منجك» في القاهرة (١)، و «دار منجك» برأس سويقة العزّى بالقرب من مدرسة السّلطان حسن (٢)، وله بالبلاد الشّامية عدّة آثار من خانات وغيرها، ﵀. [وقد أنجبت أولاده ومماليكه وصاروا أمراء] (¬a).
الجامع الأخضر
هذا الجامع خارج القاهرة بخطّ فم الخور، عرف بذلك لأنّ بابه وقبّته فيهما نقوش وكتابات خضر؛ والذي أنشأه الأمير (¬b) [ملكتمر الشّيخوني] (¬c) خازندار الأمير شيخو العمري (¬b) (٣).
стр. 2719
جامع البكجري
هذا الجامع بحكر البكجري قريبا من الدّكّة، تعطّلت الصّلاة فيه منذ خربت تلك الجهات.
جامع السّروجي
هذا الجامع بحكر (¬a).
جامع كرجي
هذا الجامع بحكر آقوش.
جامع الفاخري
هذا الجامع بسويقة الخادم أنشأه (¬b) الطّواشي شهاب الدّين فاخر المنصوري مقدّم المماليك السّلطانية، ومات في سابع ذي الحجّة سنة سبع وسبع مائة (¬c). وكان ذا مهابة وأخلاق حسنة، مع سطوة شديدة (١).
«ولهم بلبان الفاخري»: الأمير سيف الدّين، نقيب الجيوش، مات في سنة سبع وتسعين وستّ مائة، وولي نقابة الجيش بعد طيبرس الوزيري، وكان جوادا عارفا بأمر الأجناد، خيّرا كثير التّرف.
стр. 2720
(¬a)) ساطلمش الفاخري أنعم عليه بإمرة عشرة عوضا عن سنجر الأسندمري بحكم وفاته في ثالث عشر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وسبع مائة، ومات في ثالث ذي الحجة منها (¬a).
جامع ابن عبد الظّاهر
هذا الجامع بالقرافة الصّغرى، قبلي قبر اللّيث بن سعد، كان موضعه يعرف بالخندق (١). أنشأه القاضي فتح الدّين محمد بن عبد اللّه بن عبد الظّاهر بن نشوان بن عبد الظّاهر الجذامي السّعدي الرّوحي (٢)، من ولد روح بن زنباع الجذامي، بجوار قبر أبيه. وأوّل ما أقيمت به الخطبة في يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة، وكان يوما مشهودا لكثرة من حضر من الأعيان.
ابن عبد الظّاهر
ولد بالقاهرة في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وست مائة، وسمع من ابن الجمّيزي وغيره، وحدّث وكتب في الإنشاء، وساد في دولة المنصور قلاوون بعقله ورأيه وهمّته، وتقدّم على والده القاضي محيي الدّين - وهو ماهر في الإنشاء والكتابة - بحيث كان من جملة من يصرّفهم بأمره ونهيه، وكان الملك المنصور يعتمد عليه ويثق به.
ولمّا ولي القاضي فخر الدّين بن لقمان الوزارة، قال له الملك المنصور: من يلي عوضك كتابة السّرّ؟ فقال: القاضي فتح الدّين بن عبد الظّاهر، فولاّه كتابة السّرّ عوضا عن ابن لقمان، وتمكّن من السّلطان وحظي عنده، حتى إنّ الوزير فخر الدّين بن لقمان ناول السّلطان كتابا، فأحضر ابن
стр. 2721
عبد الظّاهر لقراءته على عادته، فلمّا أخذ الكتاب من السّلطان، أمر الوزير أن يتأخّر حتى يقرأه، فتأخّر الوزير. ثم إنّ ابن لقمان صرف عن الوزارة، وأعيد إلى ديوان الإنشاء، فتأدّب معه.
فلمّا ولي وزارة الملك الأشرف خليل بن قلاوون شمس الدّين بن السّلعوس، قال لفتح الدّين:
اعرض عليّ كلّ ما تكتبه. فقال: لا سبيل لك إلى ذلك، ولا يطّلع على أسرار السّلطان إلاّ هو، فإن اخترتم وإلاّ عيّنوا عوضي. فلمّا بلغ السّلطان ذلك قال: صدق.
ولم يزل على حاله إلى أن مات - وأبوه حيّ - بدمشق في النّصف من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وسبع مائة. فوجد (١) في تركته قصيدة مرثية قد عملها في رفيقه تاج الدّين أحمد ابن سعيد بن محمد بن الأثير، لمّا مرض وطال مرضه، فاتّفق أن عوفي ابن الأثير، ولم يتأخّر ابن عبد الظّاهر بعد عافيته سوى ليال يسيرة ومرض ومات. فرثاه ابن الأثير بعد موته، وولي وظيفة كتابة السّرّ عوضا عنه.
ولم يكن ابن عبد الظّاهر مجيدا في صناعة الإنشاء، إلاّ أنه دبّر الدّيوان وباشره أحسن مباشرة، ومن شعره:
[الكامل]
إن شئت تنظرني وتنظر حالتي … فانظر إذا هبّ النّسيم قبولا
فتراه مثلي رقّة ولطافة … ولأجل قلبك لا أقول عليلا
فهو الرّسول إليك منّي ليتني … كنت اتّخذت مع الرّسول سبيلا
/ ولم يزل هذا الجامع عامرا إلى أن حدثت المحن في سنة ستّ وثمان مائة، واختلّت القرافة فتلاشى (¬a) لخراب ما حوله، وهو اليوم قائم على أصوله.
جامع بساتين الوزير التي على بركة الحبش (٢).
стр. 2722
جامع الخندق
هذا الجامع بناحية الخندق خارج القاهرة، ولم يزل عامرا بعمارة الخندق. فلمّا خربت مساكن الخندق تلاشى أمره، ونقلت منه الجمعة، وبقي معطّلا إلى شعبان سنة خمس عشرة وثمان مائة.
فأخذ الأمير طوغان الحسني الدّوادار عمده الرّخام وسقوفه، وترك جدرانه ومنارته وهي باقية، وعمّا قليل تدثر كما دثر غيرها ممّا حولها (١).
جامع جزيرة الفيل
(٢)
جامع الطّواشي
هذا الجامع خارج القاهرة فيما بين باب الشّعريّة وباب البحر، أنشأه الطّواشي جوهر السّحرتي اللاّلا، وهو من خدّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، ثم إنّه تأمّر في تاسع عشرين شهر رجب سنة خمس وأربعين وسبع مائة (٣).
جامع كراي
هذا الجامع بالرّيدانيّة خارج القاهرة عمّره الأمير سيف الدّين كراي المنصوري في سنة إحدى وسبع مائة، لكثرة ما كان هناك من السّكّان. فلمّا خربت تلك الأماكن تعطّل هذا
стр. 2723
الجامع، وهو الآن قائم وجميع ما حوله داثر، وعمّا قليل يدثر (١).
جامع القلعة
[أثر رقم ١٤٣]
هذا الجامع بقلعة الجبل، أنشأه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة ثمان عشرة وسبع مائة (٢). وكان أوّلا مكانه جامع قديم، وبجواره المطبخ السّلطاني والحوائج خاناه والطّشت خاناه
стр. 2724
والفراش خاناه، فهدم الجميع وأدخلهم في هذا الجامع، وعمّره أحسن عمارة، وعمل فيه من الرّخام الفاخر الملوّن شيئا كثيرا، وعمّر فيه قبّة جليلة، وجعل عليه مقصورة من حديد بديعة الصّنعة، وفي صدر الجامع مقصورة من حديد أيضا برسم صلاة السّلطان.
стр. 2725
فلمّا تمّ بناؤه جلس فيه السّلطان بنفسه، واستدعى جميع المؤذّنين بالقاهرة ومصر، وسائر الخطباء والقرّاء، وأمر الخطباء فخطب كلّ منهم بين يديه، وقام المؤذّنون فأذّنوا وقرأ القرّاء، فاختار الخطيب جمال الدّين محمد بن محمد بن الحسن القسطلاّني - خطيب جامع عمرو - وجعله خطيبا بهذا الجامع، واختار عشرين مؤذّنا رتّبهم فيه، وجعل به قرّاء ودرسا وقارئ مصحف، وجعل له من الأوقاف ما يفضل عن مصارفه (١).
فجاء من أجلّ جوامع مصر وأعظمها، وبه إلى اليوم يصلّي سلطان مصر صلاة الجمعة، والذي يخطب فيه ويصلّي بالنّاس الجمعة قاضي القضاة الشّافعيّ (٢).
جامع قوصون
[أثر رقم ٢٩٣]
هذا الجامع خارج (¬a) باب القرافة تجاه خانقاه قوصون (٣)، أنشأه الأمير سيف الدّين قوصون (٤)، وعمّر بجانبه حمّاما، فعمرت تلك الجهة من القرافة بجماعة الخانقاه والجامع، وهو باق إلى يومنا (٥).
стр. 2726
جامع كوم الرّيش
هذا الجامع عمّره (¬a) دولات شاه (١).
جامع الجزيرة الوسطى
أنشأه الطّواشيّ مثقال، خادم تذكار ابنة الملك الظّاهر بيبرس، وهو عامر إلى يومنا هذا (٢).
стр. 2727
جامع ابن صارم
هذا الجامع بخطّ بولاق خارج القاهرة. أنشأه محمد بن صارم شيخ بولاق فيما بين بولاق وباب البحر (١).
جامع الكيمختي
هذا الجامع يعرف اليوم بجامع الجنينة (٢)، وهو بجانب موضع الكيمخت (٣) على شاطئ الخليج من جملة أرض/ الطّبّالة. كان موضعه دارا اشتراها معلّم الكيمخت، وكان يعرف بالحموي، وعملها جامعا. فضمن المعمل (¬a) بعده رجل يعرف بالرّومي، فوقف عليه مواضع، وجدّد له مئذنة في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمان مائة، ووسّع في الجامع قطعة كانت منشرا. وكان قبل ذلك قد جدّد عمارته شخص يعرف بالفقيه زين الدّين ريحان بعد سنة تسعين وسبع مائة، وعمّر بجانبه مساكن، وهو الآن عامر بعمارة ما حوله.
جامع السّتّ مسكة
[أثر رقم ٢٥٢]
هذا الجامع بالقرب من قنطرة آق سنقر التي على الخليج الكبير خارج القاهرة (٤). أنشأته السّتّ مسكة، جارية الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وأقيمت فيه الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة
стр. 2728
إحدى وأربعين وسبع مائة. وقد ذكرت مسكة هذه عند ذكر الأحكار (١).
جامع ابن الفلك
هذا الجامع بسويقة الجمّيزة من الحسينيّة خارج القاهرة، أنشأه مظفّر الدّين (¬a) بن الفلك (٢).
стр. 2729
جامع التّكروري
هذا الجامع في ناحية بولاق التّكروري، وهذه النّاحية من جملة قرى الجيزة، كانت تعرف بمنية بولاق، ثم عرفت ببولاق التّكروري؛ فإنّه كان نزل بها الشّيخ أبو محمد يوسف بن عبد اللّه التّكروري، وكان يعتقد فيه الخير، وجرّبت بركة دعائه، وحكيت عنه كرامات كثيرة؛ منها أنّ امرأة خرجت من مدينة مصر تريد البحر، فأخذ السّودان ابنها، وساروا به في مركب، وفتحوا القلع، فجرت السّفينة، وتعلّقت المرأة بالشّيخ تستغيث به، فخرج من مكانه حتى وقف على شاطئ النّيل، ودعا اللّه ، فسكن الرّيح ووقفت السّفينة عن السّير، فنادى من في المركب يطلب منهم الصّبيّ، فدفعوه إليه وناوله لأمّه.
وكان بمصر رجل دبّاغ أتاه عفص، فأخذه منه أصحاب السّلطان، فأتى إلى الشّيخ وشكا إليه ضرورته، فدعا ربّه، فردّ اللّه عليه عفصه بسؤال أصحاب السّلطان له في ذلك.
وكان يقال له: لم لا تسكن المدينة؟ فيقول: إنّي أشمّ رائحة كريهة إذا دخلتها. ويقال إنّه كان في خلافة العزيز بن المعزّ، وإنّ الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني جمع له جزءا في مناقبه.
ولمّا مات بني عليه قبّة، وعمل بجانبه جامع جدّده ووسّعه الأمير محسن الشّهابي مقدّم المماليك، وولي تقدمة المماليك عوضا عن الطّواشي عنبر السّحرتي أوّل صفر سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة، ومات في (¬a).
ثم إنّ النّيل مال على ناحية بولاق هذه فيما بعد سنة تسعين وسبع مائة، وأخذ منها قطعة عظيمة كانت كلّها مساكن. فخاف أهل البلد أن يأخذ ضريح الشّيخ والجامع لقربهما منه، فنقلوا الضّريح والجامع إلى داخل البلد، وهو باق إلى يومنا هذا (١).
стр. 2730
جامع البرقيّة
هذا الجامع بالقرب من باب البرقيّة بالقاهرة. عمّره الأمير مغلطاي الفخري أخو الأمير ألماس الحاجب، وكمل في المحرّم سنة ثلاثين وسبع مائة. وكان ظالما عسوفا متكبّرا جبّارا، وقبض عليه مع أخيه ألماس في سنة أربع وثلاثين وسبع مائة، وقتل معه (١).
جامع الحرّاني
هذا الجامع بالقرافة الصّغرى في بحري الشّافعيّ، عمّره ناصر الدّين بن الحرّاني الشّرابيشي في سنة تسع وعشرين وسبع مائة (٢).
جامع بركة
هذا الجامع بالقرب من جامع ابن طولون، يعرف خطّه بحدرة ابن قميحة. عمّره شخص من الجند يعرف ببركة، كان يباشر أستادّارية الأمراء، ومات بعد سنة إحدى وثمان مائة (٣).
стр. 2731
جامع بركة الرّطلي
هذا الجامع كان يعرف موضعه ببركة الفول من جملة أرض الطّبّالة، فلمّا عمّرت بركة الرّطلي، كما تقدّم ذكره (١)، أنشئ هذا الجامع. وكان ضيّقا قصير السّقف، وفيه قبّة تحتها قبر يزار، وهو قبر الشّيخ خليل بن عبد ربّه، خادم الشّيخ عبد العال،/ وتوفي في المحرّم سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة (٢). فلمّا سكن الوزير الصّاحب سعد الدّين إبراهيم بن بركة البشيري (٣) بجوار ها الجامع، هدمه ووسّع فيه وبناه هذا البناء في سنة أربع عشر وثمان مائة.
وولد البشيري في سابع ذي القعدة سنة ستّ وستين وسبع مائة، وتنقّل في الخدم الدّيوانية حتى ولي نظر الدّولة إلى أن قتل الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار، فاستقرّ بعده في الوزارة بسفارة فتح الدّين فتح اللّه كاتب السّرّ، في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وثمان مائة؛ فباشر الوزارة بضبط جيّد لمعرفته الحساب والكتابة، إلاّ أنّها كانت أيّام محن احتاج فيها إلى وضع يده وأخذ الأموال بأنواع الظّلم. فلمّا قتل الملك النّاصر فرج، واستبدّ الملك المؤيّد شيخ، صرفه عن الوزارة في يوم الخميس خامس جمادى الأولى سنة ستّ عشرة وثمان مائة، (¬a)) وولّي موضعه تاج الدّين عبد الرّزّاق بن الهيصم وصادره حتى احتاج إلى مسألة النّاس، فأعانه كثير من النّاس. وما زال في منزله منقطعا حتى مات من مرض طويل في يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة ثمان عشرة وثمان مائة (¬a)، ودفن بالقرافة.
وهذا الجامع عامر بعمارة ما حوله.
стр. 2732
جامع الصّوّة
هذا الجامع فيما بين الطّبلخاناه السّلطانية وباب القلعة المعروف بباب المدرّج (١) على رأس الصّوّة (٢). أنشأه الأمير الكبير شيخ المحمودي لمّا قدم من دمشق بعد قتل الملك النّاصر فرج، وإقامة الخليفة أمير المؤمنين المستعين باللّه العبّاسي ابن محمد في سنة خمس عشرة وثمان مائة، وسكن بالإسطبل السّلطاني، فشرع في بناء دار يسكنها. فلمّا استبدّ بسلطنة مصر وتلقّب بالملك المؤيّد استغنى عن هذه الدّار - وكانت لم تكمل - فعملها جامعا وخانقاه، وصارت الجمعة تقام به (٣).
جامع الحوش
هذا الجامع في داخل قلعة الجبل بالحوش السّلطاني. أنشأه السّلطان الملك النّاصر فرج ابن برقوق في سنة اثنتي عشرة وثمان مائة، فصار يصلّي فيه الخدّام وأولاد الملوك من أولاد الملك النّاصر محمد بن قلاوون إلى أن قتل النّاصر فرج (٤).
جامع الإسطبل
هذا الجامع في الإسطبل السّلطاني من قلعة الجبل. عمّره (¬a).
стр. 2733
جامع ابنة التّركماني
هذا الجامع بالمقس خارج القاهرة (١).
جامع [يونس] (¬a)
هذا الجامع بخطّ السّبع سقايات، فيما بين القاهرة ومصر، يطلّ على بركة قارون (٢).
أنشأه (¬b).
جامع الباسطي
هذا الجامع في بولاق خارج القاهرة، أدركت موضعه، وهو مطلّ على النّيل طول السنة.
أنشأه شخص من عرض الفقهاء يعرف (¬b) في سنة سبع عشرة وثمان مائة (٣).
جامع الحنفي
هذا الجامع خارج القاهرة (٤)، أنشأه الشّيخ شمس الدّين محمد بن حسن بن عليّ الحنفي (٥) في سنة سبع عشرة وثمان مائة.
стр. 2734
جامع ابن الرّفعة
هذا الجامع خارج القاهرة بحكر الزّهري، أنشأه الشيخ فخر الدّين عبد المحسن بن الرّفعة، ابن أبي المجد العدوي (٢).
جامع الإسماعيلي
[أثر رقم ٢٥٣]
أنشأه الأمير أرغون الإسماعيلي على البركة النّاصريّة، في شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مائة (٣).
стр. 2735
جامع الزّاهد
[أثر رقم ٨٣]
هذا الجامع بخطّ المقس خارج القاهرة (١)، كان موضعه كوم تراب، فنقله الشّيخ المعتقد أحمد ابن سليمان (¬a) المعروف بالزّاهد (٢)، وأنشأ موضعه هذا الجامع، فكمل في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وثمان مائة، وهدم بسببه عدّة/ مساجد قد خرب ما حولها، وبنى بأنقاضها هذا الجامع.
وكان ساكنا مشهورا بالخير، يعظ النّاس بالجامع الأزهر وغيره، ولطائفة من النّاس فيه عقيدة حسنة، ولم يسمع عنه إلاّ خير. مات يوم الجمعة سابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة وثمان مائة أيّام الطّاعون، ودفن بجامعه.
جامع ابن المغربي
هذا الجامع بالقرب من بركة قرموط مطلّ على الخليج النّاصري، أنشأه صلاح الدّين يوسف ابن المغربي رئيس الأطبّاء بديار مصر، وبنى بجانبه قبّة دفن فيها، وعمل به درسا وقرّاء ومنبرا