← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

جامع بركة الرّطلي هذا الجامع كان يعرف موضعه ببركة الفول من جملة أرض الطّبّالة، فلمّا عمّرت بركة الرّطلي، كما تقدّم ذكره (١)، أنشئ هذا الجامع. وكان ضيّقا قصير السّقف، وفيه قبّة تحتها قبر يزار، وهو قبر الشّيخ خليل بن عبد ربّه، خادم الشّيخ عبد العال،/ وتوفي في المحرّم سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة (٢). فلمّا سكن الوزير الصّاحب سعد الدّين إبراهيم بن بركة البشيري (٣) بجوار ها الجامع، هدمه ووسّع فيه وبناه هذا البناء في سنة أربع عشر وثمان مائة. وولد البشيري في سابع ذي القعدة سنة ستّ وستين وسبع مائة، وتنقّل في الخدم الدّيوانية حتى ولي نظر الدّولة إلى أن قتل الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار، فاستقرّ بعده في الوزارة بسفارة فتح الدّين فتح اللّه كاتب السّرّ، في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وثمان مائة؛ فباشر الوزارة بضبط جيّد لمعرفته الحساب والكتابة، إلاّ أنّها كانت أيّام محن احتاج فيها إلى وضع يده وأخذ الأموال بأنواع الظّلم. فلمّا قتل الملك النّاصر فرج، واستبدّ الملك المؤيّد شيخ، صرفه عن الوزارة في يوم الخميس خامس جمادى الأولى سنة ستّ عشرة وثمان مائة، (¬a)) وولّي موضعه تاج الدّين عبد الرّزّاق بن الهيصم وصادره حتى احتاج إلى مسألة النّاس، فأعانه كثير من النّاس. وما زال في منزله منقطعا حتى مات من مرض طويل في يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة ثمان عشرة وثمان مائة (¬a)، ودفن بالقرافة. وهذا الجامع عامر بعمارة ما حوله.

стр. 2732

جامع الصّوّة هذا الجامع فيما بين الطّبلخاناه السّلطانية وباب القلعة المعروف بباب المدرّج (١) على رأس الصّوّة (٢). أنشأه الأمير الكبير شيخ المحمودي لمّا قدم من دمشق بعد قتل الملك النّاصر فرج، وإقامة الخليفة أمير المؤمنين المستعين باللّه العبّاسي ابن محمد في سنة خمس عشرة وثمان مائة، وسكن بالإسطبل السّلطاني، فشرع في بناء دار يسكنها. فلمّا استبدّ بسلطنة مصر وتلقّب بالملك المؤيّد استغنى عن هذه الدّار - وكانت لم تكمل - فعملها جامعا وخانقاه، وصارت الجمعة تقام به (٣). جامع الحوش هذا الجامع في داخل قلعة الجبل بالحوش السّلطاني. أنشأه السّلطان الملك النّاصر فرج ابن برقوق في سنة اثنتي عشرة وثمان مائة، فصار يصلّي فيه الخدّام وأولاد الملوك من أولاد الملك النّاصر محمد بن قلاوون إلى أن قتل النّاصر فرج (٤). جامع الإسطبل هذا الجامع في الإسطبل السّلطاني من قلعة الجبل. عمّره (¬a).

стр. 2733

جامع ابنة التّركماني هذا الجامع بالمقس خارج القاهرة (١). جامع [يونس] (¬a) هذا الجامع بخطّ السّبع سقايات، فيما بين القاهرة ومصر، يطلّ على بركة قارون (٢). أنشأه (¬b). جامع الباسطي هذا الجامع في بولاق خارج القاهرة، أدركت موضعه، وهو مطلّ على النّيل طول السنة. أنشأه شخص من عرض الفقهاء يعرف (¬b) في سنة سبع عشرة وثمان مائة (٣). جامع الحنفي هذا الجامع خارج القاهرة (٤)، أنشأه الشّيخ شمس الدّين محمد بن حسن بن عليّ الحنفي (٥) في سنة سبع عشرة وثمان مائة.

стр. 2734

جامع ابن الرّفعة هذا الجامع خارج القاهرة بحكر الزّهري، أنشأه الشيخ فخر الدّين عبد المحسن بن الرّفعة، ابن أبي المجد العدوي (٢). جامع الإسماعيلي [أثر رقم ٢٥٣] أنشأه الأمير أرغون الإسماعيلي على البركة النّاصريّة، في شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مائة (٣).

стр. 2735

جامع الزّاهد [أثر رقم ٨٣] هذا الجامع بخطّ المقس خارج القاهرة (١)، كان موضعه كوم تراب، فنقله الشّيخ المعتقد أحمد ابن سليمان (¬a) المعروف بالزّاهد (٢)، وأنشأ موضعه هذا الجامع، فكمل في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وثمان مائة، وهدم بسببه عدّة/ مساجد قد خرب ما حولها، وبنى بأنقاضها هذا الجامع. وكان ساكنا مشهورا بالخير، يعظ النّاس بالجامع الأزهر وغيره، ولطائفة من النّاس فيه عقيدة حسنة، ولم يسمع عنه إلاّ خير. مات يوم الجمعة سابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة وثمان مائة أيّام الطّاعون، ودفن بجامعه. جامع ابن المغربي هذا الجامع بالقرب من بركة قرموط مطلّ على الخليج النّاصري، أنشأه صلاح الدّين يوسف ابن المغربي رئيس الأطبّاء بديار مصر، وبنى بجانبه قبّة دفن فيها، وعمل به درسا وقرّاء ومنبرا

стр. 2736

يخطب عليه يوم الجمعة. وكان عامرا بعمارة ما حوله، فلمّا خرب خطّ بركة قرموط تعطّل، وهو آيل إلى أن ينقض ويباع كما بيعت أنقاض غيره (١). جامع الفخري [أثر رقم ١٨٤] هذا الجامع بجوار دار الذّهب - التي عرفت بدار بهادر الأعسر - المجاورة لقبو الذّهب من خطّ بين السّورين فيما بين باب (¬a) الخوخة وباب سعادة (٢)، ويتوصّل إليه أيضا من درب العدّاس المجاور لحارة الوزيرية (٣).

стр. 2737

أنشأه الأمير فخر الدّين عبد الغني ابن الأمير تاج الدّين عبد الرّزّاق بن أبي الفرج الأستادّار (١) في سنة إحدى وعشرين وثمان مائة، وخطب فيه يوم الجمعة ثامن عشرين شعبان من السنة المذكورة، وعمل فيه عدّة دروس. وأوّل من خطب فيه الشّيخ ناصر الدّين محمد بن عبد الوهّاب ابن محمد البارنباري الشّافعيّ (٢)، ثم تركه تنزّها عنه. وفي يوم الأحد ثامن شهر رمضان جلس فيه الشّيخ شمس الدّين محمد بن عبد الدّائم البرماوي الشّافعيّ للتّدريس (٣)، وأضيف إليه مشيخة التّصوّف، وقرّر قاضي القضاة شمس الدّين

стр. 2738

محمد الدّيري المقدسي الحنفي (١) في تدريس الحنفيّة، وفي تدريس المالكية قاضي القضاة جمال الدّين عبد اللّه بن مقداد المالكي (٢)، وحضر البرماوي وظيفة التّصوّف بعد عصومه (¬a). فمات الأمير فخر الدّين في نصف شوّال منها ولم يكمل، فدفن هناك. الجامع المؤيّدي [أثر رقم ١٩٠] هذا الجامع بجوار باب زويلة من داخله، كان موضعه خزانة شمائل حيث يسجن أرباب الجرائم، وقيساريّة سنقر الأشقر، ودرب الصّفّيرة، وقيساريّة بهاء الدّين أرسلان (٣). أنشأه السّلطان الملك المؤيّد أبو النّصر شيخ المحمودي الظّاهري (٤).

стр. 2739

فهو الجامع الجامع لمحاسن البنيان، الشّاهد بفخامة أركانه وضخامة بنيانه أنّ منشئه سيّد ملوك الزّمان. يحتقر النّاظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنوشروان، ويستصغر من تأمّل بديع أسطوانه الخورنق وقصر غمدان، ويعجب من عرف أوّليته من تبديل الأبدال، وتنقّل الأمور من حال إلى حال، بينا هو سجن تزهق فيه النّفوس ويضام المجهود، إذ صار مدارس آيات، وموضع عبادات، ومحلّ سجود! فاللّه يعمّره ببقاء منشيه، ويعلي كلمة الإيمان بدوام ملك بنيه (¬a).

стр. 2740

[الكامل] همم الملوك إذا أرادوا ذكرها … من بعدهم فبألسن البنيان أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم … ملك محاه حوادث الأزمان إنّ البناء إذا تعاظم قدره … أضحى يدلّ على عظيم الشّان وأوّل ما ابتدئ به في أمر هذا الجامع: أن رسم، في رابع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان عشرة وثمان مائة، بانتقال سكّان قيساريّة سنقر الأشقر التي كانت تجاه قيساريّة الفاضل (١)، ثم نزل جماعة من أرباب الدّولة في خامسه من قلعة الجبل، وابتدئ في الهدم في القيساريّة المذكورة وما يجاورها، فهدمت الدّور التي كانت هناك في درب الصّفّيرة، وهدمت خزانة شمائل فوجد بها من رمم القتلى ورءوسهم شيء كثير، وأفرد لنقل ما خرج من التّراب عدّة من الجمال والحمير بلغت علائقهم في كلّ يوم خمس مائة عليقة.

стр. 2741

وكان السّبب في اختيار هذا المكان دون غيره، أنّ السّلطان حبس في خزانة شمائل هذه، أيّام تغلّب الأمير منطاش وقبضه على المماليك الظّاهريّة، فقاسى في ليلة من البقّ والبراغيث شدائد، فنذر للّه تعالى إن تيسّر له ملك مصر أن يجعل هذه البقعة مسجدا للّه ، ومدرسة لأهل العلم، فاختار لذلك هذه البقعة وفاء لنذره. وفي رابع جمادى الآخرة كان ابتداء حفر الأساس، وفي خامس صفر سنة تسع عشرة وثمان مائة وقع الشّروع في البناء. واستقرّ فيه بضع وثلاثون بنّاء ومائة فاعل، ووفّيت لهم ولمباشريهم أجورهم من غير أن يكلّف أحد في العمل فوق طاقته، ولا سخّر فيه أحد بالقهر، فاستمرّ العمل إلى يوم الخميس/ سابع عشر ربيع الأوّل، فأشهد عليه السّلطان أنّه وقف هذا مسجدا للّه تعالى، ووقف عليه عدّة مواضع بديار مصر وبلاد الشّام. وتردّد ركوب السّلطان إلى هذه العمارة عدّة مرار. وفي شعبان طلبت عمد الرّخام وألواح الرّخام لهذا الجامع، فأخذت من الدّور والمساجد وغيرها. وفي يوم الخميس سابع عشرين شوّال نقل باب مدرسة السّلطان حسن بن محمد بن قلاوون والتّنّور النّحاس المكفّت، إلى هذه العمارة، وقد اشتراهما السّلطان بخمس مائة دينار. وهذا الباب هو الباب (¬a) الذي عمل لهذا الجامع، وهذا التّنّور هو التّنّور المعلّق تجاه المحراب (١). وكان الملك الظّاهر برقوق قد سدّ باب مدرسة السّلطان حسن (¬b)، وقطع البسطة التي كانت قدّامه كما تقدّم، فبقي مصراعا الباب والسّدّ من ورائهما حتى نقلا مع التّنّور الذي كان معلّقا هناك (٢). وفي ثامن عشرينه دفنت ابنة صغيرة للسّلطان في موضع القبّة الغربية من هذا الجامع، وهي ثاني ميّت دفن بها. وانعقدت جملة ما صرف في هذه العمارة، إلى سلخ ذي الحجّة سنة تسع عشرة، على أربعين ألف دينار.

стр. 2742

ثم نزل السّلطان في عشرين المحرّم إلى هذه العمارة، ودخل خزانة الكتب التي عملت هناك، وقد حمل إليها كتبا كثيرة في أنواع العلوم كانت بقلعة الجبل وقدّم له ناصر الدّين محمد البارزي، كاتب السّرّ، خمس مائة مجلّد قيمتها ألف دينار، فأقرّ ذلك بالخزانة، وأنعم على ابن البارزي بأن يكون خطيبا وخازن الكتب هو ومن بعده من ذرّيّته (١). وفي سابع عشر شهر ربيع الآخر منها سقط عشرة من الفعلة: مات منهم أربعة، وحمل ستّة بأسوأ حال. وفي يوم الجمعة ثاني جمادى الأولى أقيمت الجمعة به ولم يكمل منه سوى الإيوان القبلي، وخطب وصلّى بالنّاس عزّ الدّين عبد السّلام المقدسي - أحد نوّاب القضاة الشّافعية - نيابة عن ابن البارزي كاتب السّرّ. وفي يوم السبت خامس شهر رمضان منها ابتدئ بهدم ملك بجوار ربع الملك الظّاهر بيبرس، ممّا اشتراه الأمير فخر الدّين عبد الغني بن أبي الفرج الأستادّار، ليعمل ميضأة، واستمرّ العمل هناك. ولازم الأمير فخر الدّين الإقامة بنفسه، واستعمل مماليكه وألزامه فيه، وجدّ في العمل كلّ يوم، فكملت في سلخه بعد خمسة وعشرين يوما. ووقع الشّروع في بناء حوانيت على بابها من جهة تحت الرّبع، ويعلوها طباق. وبلغت النّفقة على الجامع إلى أخريات شهر رمضان هذا، سوى عمارة الأمير فخر الدّين المذكور، زيادة على سبعين ألف دينار. وتردّد السّلطان إلى النّظر في هذا الجامع غير مرّة. فلمّا كان في أثناء شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين، ظهر بالمئذنة التي أنشئت على بدنة باب زويلة التي تلي الجامع اعوجاج إلى جهة دار التّفّاح، فكتب محضر بجماعة المهندسين أنّها مستحقّة الهدم، وعرض على السّلطان، فرسم بهدمها. فوقع الشّروع في الهدم يوم الثلاثاء رابع عشرينه، واستمرّ في كلّ يوم، فسقط يوم الخميس سادس عشرينه منها حجر هدم ملكا تجاه باب

стр. 2743

زويلة هلك تحته رجل، فغلّق باب زويلة خوفا على المارّة من يوم السّبت إلى آخر يوم الجمعة سادس عشرين جمادى الأولى مدّة ثلاثين يوما، ولم يعهد وقوع مثل هذا قطّ منذ بنيت القاهرة. وقال أدباء العصر في سقوط المئذنة المذكورة شعرا كثيرا، منه ما قاله حافظ الوقت شهاب الدّين أحمد بن عليّ بن حجر الشّافعيّ: [الطويل] لجامع مولانا المؤيّد رونق … منارته تزهو من الحسن والزّين تقول وقد مالت عليهم تمهّلوا … فليس على جسمي أضرّ من العين فتحدّث النّاس أنّه في قوله بالعين قصد التّورية لتخدم في العين التي تصيب الأشياء فتتلفها، وفي الشّيخ بدر الدّين محمود العنتابي، فإنّه يقال له العيني أيضا. فقال المذكور يعارضه: [البسيط] منارة كعروس الحسن إذ جليت … وهدمها بقضاء اللّه والقدر قالوا أصيبت بعين، قلت ذا غلط … ما أوجب الهدم إلاّ خسّة الحجر يعرّض بالشّهاب ابن حجر. وكلّ منهما لم يصب الغرض، فإنّ العيني بدر الدّين محمودا ناظر الأحباس، والشّيخ شهاب الدّين أحمد بن حجر، كلّ منهما ليس له في المئذنة تعلّق حتى تخدم التّورية، وأقعد منهما بالتّورية من قال: [الطويل] على البرج من باب زويلة أسّست … منارة بيت اللّه والمعهد المنجي فأخلى بها البرج اللّعين أمالها … ألا فاصرخوا يا قوم باللّعن للبرج وذلك أنّ الذي ولي تدبير أمر الجامع المؤيّدي هذا، وولي نظر عمارته، بهاء الدّين محمد بن البرجي، فخدمت التّورية في البرجي كما ترى. وتداول هذا النّاس، فقال آخر: [الطويل] / عتبنا على ميل المنار زويلة … وقلنا تركت النّاس بالميل في هرج فقال قريني برج نحس أمالني … فلا بارك الرّحمن في ذلك البرج وقال الأديب شمس الدّين محمد بن أحمد بن كمال الجوجري أحد الشّهود: [البسيط] منارة لثواب اللّه قد بنيت … فكيف هدّت فقالوا نوضح الخبرا أصابت العين أحجارا بها انفلقت … ونظرة العين قالوا تفلق الحجرا وقال آخر:

стр. 2744

[السريع] منارة قد هدمت بالقضا … والنّاس في هرج وفي رهج أمالها البرج فمالت به … فلعنة اللّه على البرج (١) وفي ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين، استقرّ الشّيخ شهاب الدّين أبو الفضل أحمد ابن عليّ بن حجر في تدريس الشّافعيّة، والشّيخ يحيى بن محمد بن أحمد العجيبي البجائي المغربي في تدريس المالكية، وعزّ الدّين عبد العزيز بن عليّ بن الفخر البغدادي في تدريس الحنابلة، وخلع عليهم بحضرة السّلطان. فدرّس ابن حجر بالمحراب في يوم الخميس ثالث عشر، ونزل السّلطان وأقبل ليحضر عنده وهو في إلقاء الدّرس، ومنعه من القيام له فلم يقم واستمرّ فيما هو بصدده، وجلس السّلطان عنده مليّا. ثم درّس يحيى المغربي في يوم الخميس خامس عشره، ودرّس فيه أيضا الفخر البغدادي، وحضر معهما قضاة القضاة والمشايخ. وفي سابع عشره استقرّ بدر الدّين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العنتابي ناظر الأحباس في تدريس الحديث النّبوي، واستقرّ شمس الدّين محمد بن يحيى في تدريس القراءات السّبع. وفي يوم الجمعة حادي عشرين شوّال منها، نزل السّلطان إلى هذا الجامع، وقد تقدّم إلى المباشرين من أمسه بتهيئة السّماط العظيم للمدة فيه، والسّكّر الكثير لتملأ البركة التي بالصّحن من السّكّر المذاب، والحلوى الكثيرة فهيّئ ذلك كله. وجلس السّلطان بكرة النّهار بالقرب من البركة في الصّحن على تخت، واستعرض الفقهاء، فقرّر من وقع اختياره عليه في الدّروس. ومدّ السّماط العظيم بأنواع المطاعم، وملئت البركة بالسّكّر المذاب، فأكل النّاس ونهبوا، وارتووا من السّكّر المذاب، وحملوا منه ومن الحلوى ما قدروا عليه. ثم طلب قاضي القضاة شمس الدّين محمد بن سعد الدّيري الحنفي، وخلع عليه كامليّة صوف بفرو سمّور، واستقرّ في مشيخة التّصوّف وتدريس الحنفيّة، وجلس بالمحراب والسّلطان عن يمينه، ويليه ابنه المقام الصّارمي إبراهيم، وعن يساره قضاة القضاة ومشايخ العلم، وحضر أمراء الدّولة ومباشروها؛ فألقى درسا مفيدا إلى أن قرب وقت الصّلاة، فدعا بفضّ المجلس. ثم حضرت الصّلاة، فصعد ناصر الدّين محمد بن البارزي كاتب السّرّ المنبر، فخطب وصلّى، ثم (٢)

стр. 2745

خلع عليه واستقرّ خطيبا وخازن الكتب، وخلع على شهاب الدّين أحمد الأذرعي الإمام، واستقرّ في إمامة الخمس. وركب السّلطان، وكان يوما مشهودا. ولمّا مات المقام الصّارمي إبراهيم ابن السّلطان دفن بالقبّة الشّرقيّة، ونزل السّلطان حتى شهد دفنه في يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين، وأقام حتى صلّى به الخطيب محمد البارزي كاتب السّر صلاة الجمعة، بعد ما خطب خطبة بليغة، ثم عاد إلى القلعة. وأقام القرّاء على قبره يقرأون القرآن أسبوعا، والأمراء وسائر أهل الدّولة يتردّدون إليه، وكانت ليالي مشهودة. وفي يوم السبت آخره، استقرّ في نظر الجامع المذكور الأمير مقبل الدّوادار، وكاتب السّرّ ابن البارزي. فنزلا إليه جميعا، وتفقّدا أحواله، ونظرا في أموره. فلمّا مات ابن البارزي في ثامن شوّال منها، انفرد الأمير مقبل بالتحدّث، إلى أن مات السّلطان في يوم الاثنين ثامن المحرّم سنة أربع وعشرين وثمان مائة، فدفن بالقبّة الشّرقيّة، ولم تكن عمّرت، فشرع في عمارتها حتى كملت في شهر ذي القعدة منها. وكذلك الدّرج التي يصعد منها إلى باب هذا الجامع من داخل باب زويلة لم تعمل إلاّ في شهر رمضان منها، وبقيت بقايا كثيرة من حقوق هذا الجامع لم تعمل: منها القبّة التي تقابل القبّة المدفون تحتها السّلطان، والبيوت المعدّة لسكن الصّوفيّة وغير ذلك، فأفرد لعمارتها نحو من عشرين ألف دينار. واستقرّ نظر هذا الجامع بعد موت السّلطان بيد كاتب السّرّ (١).

стр. 2746

الجامع الأشرفي [أثر رقم ١٧٥] هذا الجامع فيما بين المدرسة السّيوفيّة وقيساريّة العنبر، كان موضعه حوانيت تعلوها رباع، ومن ورائها ساحات كانت قياسر بعضها وقف على المدرسة القطبيّة. فابتدأ الهدم فيها، بعد ما استبدلت بغيرها، أوّل شهر رجب سنة/ ستّ وعشرين وثمان مائة، وبني مكانها. فلمّا كمل (¬a) الإيوان القبلى، أقيمت به الجمعة في سابع جمادى الأولى سنة سبع وعشرين، وخطب به الحموي الواعظ وقد ولي الخطابة المذكورة (١).

стр. 2747

الجامع الباسطي [أثر رقم ٦٠] هذا الجامع بخطّ الكافوري من القاهرة. كان موضعه من جملة أراضي البستان، ثم صار ممّا اختطّ كما تقدّم ذكره (١). فأنشأه القاضي زين الدّين عبد الباسط بن خليل بن إبراهيم الدّمشقي (٢)،

стр. 2748

ناظر الجيوش، في سنة اثنتين وعشرين وثمان مائة، ولم يسخّر أحدا في عمله، بل وفّى لهم أجورهم. حتى كمل في أحسن هندام، وأكيس قالب، وأبدع زيّ، ترتاح النّفس لرؤيته، وتبتهج عند مشاهدته، فهو الجامع الزّاهر، والمعبد الباهي الباهر (١).

стр. 2749

ابتدئ فيه بإقامة الجمعة في يوم الجمعة الثّاني من صفر سنة ثلاث وعشرين، ورتّب في خطابته فتح الدّين أحمد بن محمد بن النّقّاش، أحد شهود الحوانيت وموقّعي القضاة، ثم رتّب به صوفيّة، وولي مشيخة التّصوّف عزّ الدّين عبد السّلام بن داود بن عثمان القدسي الشّافعيّ أحد نوّاب الحكم، فكان ابتداء حضورهم بعد عصر يوم السبت أوّل شهر رجب منها. وأجرى للفقراء الصّوفية الخبز في كلّ يوم، والمعلوم في كلّ شهر، وبنى لهم مساكن، وحفر صهريجا يملأ من ماء النّيل، ويسبّل في كلّ يوم، فعمّ خيره، وكثر نفعه (¬a). * ** ثم (١) تجدّد في بولاق «جامع ابن الجابى» و «جامع ابن السّنيتي»، وتجدّد في مصر «جامع الحسنات» بخطّ دار النّحاس، وفي حكر الصّبّان «الجامع المعروف بالمستجدّ» وب «جامع الفتح»، وفي حارة الفقراء «جامع عبد اللّطيف الطّواشي الشّافعي» (¬b). وتجدّد في خارج القاهرة بسويقة صفيّة «جامع ابن درهم ونصف» (٢)،

стр. 2750

(¬a)) وبخطّ سويقة القيمري «جامع منكلي بغا» (١) أستادّار الخليلي وأستادّار السّلطان (¬a)؛ وفي خطّ معدّيّة فريج (٢) «جامع كزل بغا» (٣)، وفي رأس درب النّيدي

стр. 2751

«جامع حارس الطّير» (¬a) (١)، وفي سويقة عصفور «جامع القاضي أمين الدّين» بجانب زاوية الفقيه المعتقد أبي عبد اللّه محمد الفارقاني بني في سنة اثنتين وثلاثين وثمان مائة، وبخطّ البراذعيّين ورأس حارة الحمزيّين (¬b) «جامع الحاج محمد» - المعروف بالمسكين مهتار - ناظر الخاصّ. وتجدّد في المراغة «جامع الشّيخ أبي بكر المعرّف»، بناه الحاج أحمد القمّاح. وأقيمت خطبة ب «خانكاه الأمير جانبك الأشرفي» خارج باب زويلة (٢)، وتوفي يوم الخميس سابع عشرين ربيع الأوّل سنة إحدى وثلاثين وثمان مائة (٣). وبخطّ باب اللّوق «جامع مقدّم السّقّائين» قريبا من جامع السّت نصيرة، وبخطّ تحت الرّبع خارج باب زويلة جامع (٤).

стр. 2752

وتجدّد بالصّحراء، قريبا من تربة الظّاهر برقوق، خطبة في «تربة السّلطان الملك الأشرف برسباي الدّقماقي» (١). وتجدّد في آخر سويقة أمير الجيوش بالقاهرة جامع أنشأه الفقير المعتقد محمد الغمري، وأقيمت به الجمعة في يوم الجمعة رابع ذي الحجّة سنة ثلاث وأربعين وثمان مائة قبل أن يكمل (٢). وتجدّد

стр. 2753

في زاوية الشّيخ أبي العبّاس البصير، التي عند قنطرة الخرق، خطبة. وتجدّد بحدرة (¬a) الكماجيين من أراضي اللّوق، خطبة بزاوية مطلّة على غيط العدّة. وتجدّد بالصّحراء خطبة في «تربة الأمير شبل الدّولة (¬b) كافور الزّمام» (١)، وتوفي في خامس عشر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثمان مائة (٢). وتجدّد بخطّ الكافوري خطبة أحدثها بنو وفاء في جامع لطيف جدّا (٣). وتجدّد ب «مدرسة ابن البقري»، من القاهرة أيضا (٤)، خطبة في أيّام المؤيّد شيخ.

стр. 2754

وتجدّد بحارة الدّيلم خطبة في «مدرسة» أنشأها الطّواشي شبل الدّولة (¬a) المذكور (١). وتجدّد عند قنطرة قدادار خطبة أنشأها شاكر البنّاء، وخطبة بالقرب منها في جامع أنشأه الحاج إبراهيم البرددار الشهير بالحمّصاني، أحد الفقراء الأحمدية السّطوحية، في حدود الثلاثين وثمان مائة.

стр. 2755

ذكر مذاهب أهل مصر ونحلهم منذ افتتح عمرو بن العاص ﵁ أرض مصر إلى أن صاروا إلى اعتقاد مذاهب الأئمّة الأربعة (¬a) رحمهم اللّه تعالى وما كان من الأحداث في ذلك اعلم أنّ اللّه لمّا بعث «نبيّنا محمّدا» ﷺ رسولا إلى كافّة النّاس جميعا - عربهم وعجمهم - وهم كلّهم أهل شرك وعبادة لغير اللّه تعالى إلاّ بقايا من أهل الكتاب، كان من أمره ﷺ مع قريش ما كان حتى هاجر من مكّة إلى المدينة. فكانت الصّحابة - رضوان اللّه عليهم - حوله ﷺ يجتمعون إليه في كلّ وقت مع ما كانوا فيه من ضنك المعيشة وقلّة القوت. فمنهم من كان يحترف في الأسواق، ومنهم من كان يقوم على نخله، ويحضر رسول اللّه ﷺ في كلّ وقت منهم طائفة عند ما يجد أدنى فراغ ممّا هم بسبيله من طلب القوت. فإذا سئل رسول اللّه ﷺ عن مسألة أو حكم بحكم، أو أمر بشيء، أو فعل شيئا، وعاه من حضر عنده من الصّحابة، وفات من غاب عنه علم ذلك، ألا ترى أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ قد خفي عليه/ ما عمله جمل بن مالك بن النّابغة - رجل من الأعراب من هذيل - في دية الجنين، وخفي عليه؟ وكان يفتي في زمن النّبيّ ﷺ من الصّحابة: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وعبد الرّحمن ابن عوف ومعاذ بن جبل وعمّار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وأبو الدّرداء وأبو موسى الأشعري وسلمان الفارسي، ﵃. فلمّا مات رسول اللّه ﷺ ، واستخلف «أبو بكر الصّدّيق» ﵁ تفرّقت الصّحابة ﵃: فمنهم من خرج لقتال مسيلمة وأهل الرّدّة، ومنهم من خرج لجهاد (¬b) أهل الشّام، ومنهم من خرج لقتال أهل العراق، وبقي من الصّحابة بالمدينة مع أبي بكر ﵁ عدّة. فكانت القضيّة إذا نزلت بأبي بكر ﵁ قضى فيها بما عنده من العلم بكتاب اللّه أو سنّة رسول اللّه ﷺ ، فإن لم يكن عنده فيها علم من كتاب اللّه ولا

стр. 2756

من سنّة رسول اللّه ﷺ ، سأل من بحضرته من الصّحابة ﵃ عن ذلك، فإن وجد عندهم علما من ذلك رجع إليه وإلاّ اجتهد في الحكم. ولمّا مات أبو بكر وولي أمر الأمّة من بعده «عمر بن الخطّاب» ﵁ فتحت الأمصار وزاد تفرّق الصّحابة ﵃ فيما افتتحوه من الأقطار. فكانت الحكومة تنزل بالمدينة أو غيرها من البلاد، فإن كان عند الصّحابة الحاضرين لها في ذلك أثر عن رسول اللّه ﷺ حكم به، وإلاّ اجتهد أمير تلك المدينة (¬a) في ذلك. وقد يكون في تلك القضيّة حكم عن النّبيّ ﷺ ، موجود عند صاحب آخر (¬b)) في بلد آخر (¬b). وقد حضر المدنيّ ما لم يحضر المصريّ، وحضر المصريّ ما لم يحضر الشّاميّ، وحضر الشّاميّ ما لم يحضر البصريّ، وحضر البصريّ ما لم يحضر الكوفيّ، وحضر الكوفيّ ما لم يحضر المدنيّ؛ كلّ هذا موجود في الآثار، وفيما علم من مغيب بعض الصّحابة عن مجلس النّبيّ ﷺ في بعض الأوقات وحضور غيره، ثم مغيب الذي حضر أمس وحضور الذي غاب، فيدري كلّ واحد منهم ما حضر، ويفوته ما غاب عنه. فمضى «الصّحابة» ﵃ على ما ذكرنا، ثم خلف بعدهم التّابعون الآخذون عنهم. وكلّ طبقة من «التّابعين» في البلاد التي تقدّم ذكرها، فإنّما تفقّهوا مع من كان عندهم من الصّحابة، فكانوا لا يتعدّون فتاويهم إلاّ اليسير ممّا بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصّحابة ﵃: كاتّباع أهل المدينة - في الأكثر - فتاوى عبد اللّه بن عمر ﵄ واتّباع أهل الكوفة - في الأكثر - فتاوى عبد اللّه بن مسعود ﵁ واتّباع أهل مكّة في الأكثر فتاوى عبد اللّه بن عبّاس ﵄ واتّباع أهل مصر - في الأكثر - فتاوى عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄. ثم أتى من بعد التّابعين ﵃ «فقهاء الأمصار» - كأبي حنيفة، وسفيان، وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جريج بمكّة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وعثمان البتّي وسوار بالبصرة، والأوزاعي بالشّام، واللّيث بن سعد بمصر - فجروا على تلك الطّريق من أخذ كلّ واحد منهم عن التّابعين من أهل بلده فيما كان عندهم، واجتهادهم

стр. 2757

فيما لم يجدوا عندهم وهو موجود عند غيرهم (١). مذاهب أهل مصر وأمّا مذاهب أهل مصر، فقال أبو سعيد بن يونس: إنّ عبيد بن مخمر المعافري (¬a) - يكنى أبا أميّة: رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ ، شهد فتح مصر و (¬b) روى عنه أبو قبيل - يقال إنّه كان أوّل من أقرأ القرآن بمصر (٢). وذكر أبو عمر الكندي، أنّ أبا ميسرة عبد الرّحمن بن ميسرة، مولى الملامس الحضرمي، كان فقيها عفيفا شريفا، ولد سنة عشر ومائة، وكان أوّل النّاس إقراء بمصر بحرف نافع قبل الخمسين ومائة، وتوفّي سنة ثمان وثمانين ومائة (٣). وذكر عن أبي قبيل وغيره أنّ يزيد بن أبي حبيب أوّل من نشر العلم بمصر في الحلال والحرام - وفي رواية ابن يونس: ومسائل الفقه - وكانوا قبل ذلك إنّما يتحدّثون في الفتن والتّرغيب (٤).

стр. 2758

وعن عون بن سليم (¬a) الحضرمي، قال: كان عمر بن عبد العزيز قد جعل الفتيا بمصر إلى ثلاثة رجال: رجلان من الموالي، ورجل من العرب؛ فأمّا العربي فجعفر بن ربيعة، وأمّا الموليان فيزيد ابن أبي حبيب وعبد اللّه بن أبي جعفر، فكأنّ العرب أنكروا ذلك، فقال عمر بن عبد العزيز: ما ذنبي إن كانت الموالي تسموا بأنفسها صعدا وأنتم لا تسمون. وعن ابن أبي قديد: كانت البيعة إذا جاءت للخليفة، أوّل من يبايع عبد اللّه بن أبي جعفر، ويزيد بن أبي حبيب، ثم النّاس بعد. وقال أبو سعيد بن يونس في «تاريخ مصر» عن حيوة بن شريح، قال: دخلت على حسين ابن شفي بن ماتع الأصبحي وهو يقول: فعل اللّه بفلان، فقلت: ما له؟ فقال: عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄: أحدهما قضى رسول اللّه ﷺ في كذا، وقال رسول اللّه ﷺ في (¬b) كذا؛ والآخر ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرّباب. قال أبو سعيد بن يونس: يعني بقوله «الخولة والرّباب» / مركبين كبيرين من سفن الجسر، كانا يكونان عند رأس الجسر، ممّا يلي الفسطاط، يجوز من تحتهما - لكبرهما - المراكب (١). وذكر أبو عمر الكندي أنّ أبا سعيد عثمان بن عتيق، مولى غافق، أوّل من رحل من أهل مصر إلى العراق في طلب الحديث، توفي سنة أربع وثمانين ومائة. انتهى (٢). وكان حال أهل الإسلام من أهل مصر وغيرها من الأمصار، في أحكام الشّريعة، على ما تقدّم ذكره. ثم كثر التّرحّل إلى الآفاق وتداخل النّاس والتقوا، وانتدب أقوام لجمع الحديث

стр. 2759

النّبوي وتقييده. فكان أوّل من دوّن العلم محمد بن شهاب الزّهري، وكان أوّل من صنّف وبوّب سعيد بن أبي عروبة (¬a) والرّبيع بن صبيح بالبصرة، ومعمر بن راشد باليمن، وابن جريج بمكّة، ثم سفيان الثّوري بالكوفة، وحمّاد بن سلمة بالبصرة، والوليد بن مسلم بالشّام، وجرير ابن عبد الحميد بالرّيّ، وعبد اللّه بن المبارك بمرو وخراسان، وهشيم بن بشير بواسط. وتفرّد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب وجودة التّصنيف وحسن التّأليف (١). فوصلت أحاديث رسول اللّه ﷺ من البلاد البعيدة إلى من لم تكن عنده، وقامت الحجّة على من بلغه شيء منها، وجمعت الأحاديث المبيّنة لصحّة أحد التأويلات المتأوّلة من الأحاديث، وعرف الصّحيح من السّقيم، وزيف الاجتهاد المؤدّي إلى خلاف كلام رسول اللّه ﷺ ، وإلى ترك عمله، وسقط العذر عمّن خالف ما بلغه من السّنن ببلوغه إليه وقيام الحجّة عليه. وعلى هذا الطّريق كان الصّحابة ﵃ وكثير من التّابعين يرحلون في طلب الحديث الواحد الأيّام الكثيرة، يعرف ذلك من نظر في كتب الحديث، وعرف سير الصّحابة والتّابعين (٢). فلمّا قام هارون الرّشيد في الخلافة، وولّى القضاء أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم (٣) - أحد أصحاب أبي حنيفة رحمهما اللّه تعالى - بعد سنة سبعين ومائة. فلم يقلّد ببلاد العراق وخراسان والشّام ومصر إلاّ من أشار به القاضي أبو يوسف ﵀ واعتنى به. وكذلك لمّا قام بالأندلس الحكم المرتضى بن هشام بن عبد الرّحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم (٤) بعد أبيه، وتلقّب بالمنتصر في سنة ثمانين ومائة، اختصّ بيحيى

стр. 2760

ابن يحيى بن كثير الأندلسي (١) - وكان حجّ وسمع «الموطّأ» من مالك إلاّ أبوابا، وحمل عن ابن وهب وعن ابن القاسم وغيره علما كثيرا، وعاد إلى الأندلس، فنال من الرّياسة والحرمة ما لم ينله غيره، وعادت الفتيا إليه، وانتهى السّلطان والعامّة إلى بابه - فلم يقلّد، في سائر أعمال الأندلس، قاض إلاّ بإشارته واعتنائه. فصاروا على رأي مالك، بعد ما كانوا على رأي الأوزاعي. وقد كان مذهب الإمام مالك أدخله إلى الأندلس زياد بن عبد الرّحمن - الذي يقال له شبطون (٢) - قبل يحيى بن يحيى، وهو أوّل من أدخل مذهب مالك إلى الأندلس. وكانت إفريقيّة الغالب عليها السّنن والآثار، إلى أن قدم عبد اللّه بن فرّوج أبو محمد الفارسي، بمذهب أبي حنيفة، ثم غلب أسد بن الفرات بن سنان، قاضي إفريقيّة، بمذهب أبي حنيفة (٣). ثم لمّا ولي سحنون بن سعيد التّنوخي (٤) قضاء إفريقيّة بعد ذلك، نشر فيهم مذهب مالك، وصار القضاء في أصحاب سحنون دولا يتصاولون على الدّنيا تصاول الفحول على الشّول. إلى

стр. 2761

أن تولّى القضاء بها بنو هاشم - وكانوا مالكيّة - فتوارثوا القضاء كما تتوارث الضّياع، ثم إنّ المعزّ ابن باديس حمل جميع أهل إفريقيّة على التّمسّك بمذهب مالك وترك ما عداه من المذاهب، فرجع أهل إفريقيّة وأهل الأندلس كلّهم إلى مذهب مالك إلى اليوم، رغبة فيما عند السّلطان وحرصا على طلب الدّنيا، إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن وسائر القرى، لا يكون إلاّ لمن تسمّى بالفقه على مذهب مالك، فاضطرّت العامّة إلى أحكامهم وفتاواهم، ففشا هذا هناك فشوّا طبّق تلك الأقطار (١). كما فشا مذهب أبي حنيفة ببلاد المشرق، حيث إنّ أبا حامد (¬a)) أحمد بن محمد بن أحمد (¬a) الإسفراييني (٢)، لمّا تمكّن من الدّولة في أيّام الخليفة القادر باللّه أبي العبّاس أحمد، قرّر معه استخلاف أبي العبّاس أحمد بن محمد الباوردي (¬b) الشّافعيّ، عن أبي محمد بن الأكفاني الحنفي قاضي بغداد، فأجيب إليه بغير رضا الأكفاني. وكتب أبو حامد إلى السّلطان محمود ابن سبكتكين وأهل خراسان أنّ الخليفة نقل القضاء عن الحنفية إلى الشّافعيّة. فاشتهر ذلك بخراسان، وصار أهل بغداد حزبين. وقدم عقيب (¬c) ذلك أبو العلاء صاعد بن محمد، قاضي نيسابور ورئيس الحنفيّة بخراسان، فأتاه الحنفيّة، فثارت بينهم وبين أصحاب أبي حامد فتنة ارتفع أمرها إلى السّلطان.

стр. 2762

فجمع الخليفة القادر الأشراف والقضاة، وأخرج إليهم رسالة تتضمّن: أنّ الإسفراييني أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النّصح والشّفقة والأمانة، وكانت على أصول الدّخل والخيانة. فلمّا تبيّن له أمره، ووضح عنده خبث اعتقاده، فيما سأل فيه من تقليد الباوردي (¬a) الحكم بالحضرة، من الفساد والفتنة والعدول بأمير المؤمنين عمّا كان عليه أسلافه من إيثار الحنفيّة وتقليدهم واستعمالهم، صرف الباوردي (¬a) وأعاد الأمر إلى حقّه، وأجراه على قديم/ رسمه، وحمل الحنفيّين على ما كانوا عليه من (¬b)) العناية والحراسة والإعزاز والكرامة (¬b)، وتقدّم إليهم بأن لا يلقوا أبا حامد، ولا يقضوا له حقّا، ولا يردّوا عليه سلاما. وخلع على أبي محمد الأكفاني، وانقطع أبو حامد عن دار الخلافة، وظهر التّسخّط عليه والانحراف عنه، وذلك في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة، واتّصل ببلاد الشّام ومصر. وأوّل من قدم بعلم مالك إلى مصر عبد الرّحيم بن خالد بن يزيد أبو (¬c) يحيى، مولى جمح، وكان فقيها، روى عنه اللّيث وابن وهب ورشدين (¬d) بن سعد، وتوفي بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة. ثم نشره بمصر عبد الرّحمن بن القاسم، فاشتهر مذهب مالك بمصر أكثر من مذهب أبي حنيفة، لتوفّر أصحاب مالك بمصر. ولم يكن مذهب أبي حنيفة ﵀ يعرف بمصر. قال ابن يونس: وقدم إسماعيل بن اليسع الكوفي قاضيا بعد ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، غير أنّه كان يذهب إلى قول أبي حنيفة، ولم يكن أهل مصر يعرفون مذهب أبي حنيفة، وكان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر، وسئموه (١). ولم يزل مذهب مالك مشتهرا بمصر حتى قدم الشّافعيّ محمد بن إدريس إلى مصر، مع عبد اللّه بن العبّاس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، في سنة ثمان وتسعين ومائة. فصحبه من أهل مصر جماعة من أعيانها - كبني عبد الحكم، والرّبيع ابن سليمان، وأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنيّ، وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي - وكتبوا عن الشّافعي ما ألّفه، وعملوا بما ذهب إليه. ولم يزل أمر مذهبه يقوى بمصر، وذكره ينتشر (٢).

стр. 2763

قال أبو عمر الكندي في كتاب «أمراء مصر»: ولم يزل أهل مصر على الجهر بالبسملة في الجامع العتيق إلى سنة ثلاث وخمسين ومائتين (١). قال: ومنع أرجوز (¬a)، صاحب شرطة مزاحم ابن خاقان أمير مصر، من الجهر بالبسملة في الصّلوات بالمسجد الجامع، وأمر الحسين بن الرّبيع إمام المسجد الجامع بتركها، وذلك في رجب سنة ثلاث وستين ومائتين. ولم يزل أهل مصر على الجهر بها في المسجد الجامع منذ الإسلام إلى أن منع منها أرجوز (¬a) (٢). قال: وأمر أن تصلّى التّراويح في شهر رمضان خمس تراويح، ولم يزل أهل مصر يصلّون ستّ تراويح، حتى جعلها أرجوز (¬a) خمسا في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ومنع من التّثويب (٣)، وأمر بالأذان يوم الجمعة في مؤخّر المسجد، وأمر بالتّغليس (٤) بصلاة الصّبح، وذلك أنّهم أسفروا بها (٥). وما زال مذهب مالك ومذهب الشّافعيّ - رحمهما اللّه تعالى - يعمل بهما أهل مصر، ويولّى القضاء من كان يذهب إليهما أو إلى مذهب أبي حنيفة ﵀ إلى أن قدم القائد جوهر من بلاد إفريقيّة، في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، بجيوش مولاه المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، وبنى مدينة القاهرة؛ فمن حينئذ فشا بديار مصر مذهب الشّيعة، وعمل به في القضاء والفتيا، وأنكر ما خالفه، ولم يبق مذهب سواه.

стр. 2764

وقد كان التّشيّع بأرض مصر معروفا قبل ذلك؛ قال أبو عمر الكندي في «كتاب الموالي» عن عبد اللّه بن لهيعة أنّه قال: قال يزيد بن أبي حبيب: «نشأت بمصر وهي علويّة، فقلبتها عثمانية». وكان ابتداء التّشيّع في الإسلام أنّ رجلا من اليهود، في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ أسلم، فقيل له عبد اللّه بن سبأ، وعرف بابن السّوداء، وصار يتنقّل من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريد إضلالهم فلم يطق ذلك؛ فرجع إلى كيد الإسلام وأهله، ونزل البصرة في سنة ثلاث وثلاثين، فجعل يطرح على أهلها مسائل ولا يصرّح. فأقبل عليه جماعة ومالوا إليه، وأعجبوا بقوله. فبلغ ذلك عبد اللّه بن عامر - وهو يومئذ على البصرة - فأرسل إليه، فلمّا حضر عنده سأله: ما أنت؟ فقال: رجل من أهل الكتاب، رغبت في الإسلام وفي جوارك. فقال: ما شيء بلغني عنك؟ اخرج عنّي. فخرج حتى نزل الكوفة، فأخرج منها، فسار إلى مصر واستقرّ بها، وقال في النّاس العجب ممّن يصدّق أنّ عيسى يرجع، ويكذّب أنّ محمدا يرجع (١). وتحدّث في الرّجعة حتى قبلت منه، فقال بعد ذلك: إنّه كان لكلّ نبيّ وصيّ، وعليّ بن أبي طالب وصيّ محمد ﷺ ، فمن أظلم ممّن لم يجز وصيّة رسول اللّه ﷺ في أنّ عليّ بن أبي طالب وصيّه في الخلافة على أمّته. واعلموا أنّ عثمان أخذ الخلافة بغير حقّ، فانهضوا في هذا الأمر، وابدأوا بالطّعن على أمرائكم، فأظهروا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر تستميلوا به النّاس. وبثّ دعاته، وكاتب من مال إليه من أهل الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السّرّ إلى ما عليه رأيهم، وصاروا يكتبون إلى الأمصار كتبا يضعونها في عيب ولاتهم، فيكتب أهل كلّ مصر منهم إلى أهل المصر الآخر بما يضعون حتى ملأوا بذلك الأرض إذاعة.

стр. 2765

وجاء إلى أهل المدينة من جميع الأمصار، فأتوا عثمان ﵁ في سنة خمس وثلاثين، وأعلموه ما أرسل به أهل الأمصار من شكوى عمّالهم. فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعمّار بن ياسر إلى مصر، وعبد اللّه بن عمر إلى الشّام لكشف سير العمّال. فرجعوا إلى عثمان، إلاّ عمّارا، وقالوا: ما أنكرنا شيئا./ وتأخّر عمّار، فورد الخبر إلى المدينة بأنّه قد استماله عبد اللّه ابن السّوداء في جماعة. فأمر عثمان عمّاله أن يوافوه بالمواسم، فقدموا عليه واستشاروه، فكلّ أشار برأي. ثم قدم المدينة بعد الموسم، فكان بينه وبين عليّ بن أبي طالب كلام فيه بعض الجفاء بسبب إعطائه أقاربه، ورفعه لهم على ما سواهم. وكان المنحرفون عن عثمان قد تواعدوا يوما يخرجون فيه بأمصارهم إذا سار عنها الأمراء، فلم يتهيّأ لهم الوثوب. وعند ما رجع الأمراء من الموسم، تكاتب المخالفون في القدوم إلى المدينة لينظروا فيما يريدون. وكان أمير مصر من قبل عثمان ﵁ عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامري، فلمّا خرج في شهر رجب من مصر في سنة خمس وثلاثين، استخلف بعده عقبة بن عامر الجهني في قول اللّيث بن سعد. وقال يزيد بن أبي حبيب: بل استخلف على مصر السّائب بن هشام العامري، وجعل على الخراج سليم بن عنز التّجيبي. (١) فانتزى محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، في شوّال من السنة المذكورة، وأخرج عقبة بن عامر من الفسطاط، ودعا إلى خلع عثمان ﵁ وأسعر البلاد، وحرّض على عثمان بكلّ شيء يقدر عليه. فكان يكتب الكتاب على لسان أزواج رسول اللّه ﷺ ويأخذ الرّواحل فيضمّرها، ويجعل رجالا على ظهور البيوت ووجوههم إلى وجه الشّمس لتلوّح وجوههم تلويح المسافر، ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة بمصر، ثم يرسلون رسلا يخبرون بهم النّاس ليلقوهم. وقد أمرهم إذا لقيهم النّاس أن يقولوا: ليس عندنا خبر، الخبر في الكتب. فيجيء رسول أولئك الذين دسّ فيذكر مكانهم، فيلقاهم ابن أبي حذيفة - والنّاس يقولون نتلقّى رسل أزواج رسول اللّه ﷺ فإذا لقوهم قالوا لهم: ما الخبر؟ قالوا: لا خبر عندنا، عليكم بالمسجد ليقرأ عليكم كتب (¬a) أزواج النّبيّ ﷺ . فيجتمع النّاس في المسجد

стр. 2766

اجتماعا ليس فيه تقصير، ثم يقوم القارئ بالكتاب فيقول: إنّا نشكو إلى اللّه وإليكم ما عمل في الإسلام، وما صنع في الإسلام. فيقوم أولئك الشّيوخ من نواحي المسجد بالبكاء فيبكون، ثم ينزل عن المنبر، ويتفرّق النّاس بما قرئ عليهم. فلمّا رأت ذلك شيعة عثمان ﵁ اعتزلوا محمد بن أبي حذيفة، ونابذوه - وهم: معاوية بن حديج، وخارجة بن حذافة، وبسر بن أبي أرطاة (¬b)، ومسلمة بن مخلد، وعمرو ابن قحزم الخولاني، ومقسم بن بجرة، وحمزة بن سرح بن كلال، وأبو الكنود سعد بن مالك الأزدي، وخالد بن ثابت الفهمي - في جمع كثير، وبعثوا سلمة بن مخرمة التّجيبي إلى عثمان ليخبره بأمرهم، وبصنيع ابن أبي حذيفة (١). فبعث عثمان ﵁ سعد بن أبي وقّاص ليصلح أمرهم. فبلغ ذلك ابن أبي حذيفة، فخطب النّاس وقال: ألا إنّ الكذا (¬c) والكذا قد بعث إليكم سعد بن مالك ليفلّ جماعتكم، ويشتّت كلمتكم، ويوقع التّجادل بينكم، فانفروا إليه. فخرج منهم مائة أو نحوها، وقد ضرب فسطاطه وهو قائل، فقلّبوا عليه فسطاطه، وشجّوه وسبّوه. فركب راحلته، وعاد راجعا من حيث جاء، وقال: ضربكم اللّه بالذّلّ والفرقة، وشتّت أمركم، وجعل بأسكم بينكم، ولا أرضاكم بأمير، ولا أرضاه عنكم (٢). وأقبل عبد اللّه بن سعد حتى بلغ جسر القلزم، فإذا بخيل لابن أبي حذيفة، فمنعوه أن يدخل، فقال: ويلكم! دعوني أدخل على جندي فأعلمهم بما جئت به، فإنّي قد جئتهم بخير فأبوا أن يدعوه، فقال: واللّه لوددت أنّي دخلت عليهم، فأعلمهم (¬d) بما جئت به، ثم متّ. فانصرف إلى عسقلان (٣). وأجمع محمد بن أبي حذيفة على بعث جيش إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ فقال: من يتشرّط في هذا البعث. فكثر عليه من يتشرّط، فقال: إنّما يكفينا منكم ستّ مائة رجل. فتشرّط من أهل مصر ستّ مائة رجل، على كلّ مائة منهم رئيس، وعلى جماعتهم

стр. 2767

عبد الرّحمن بن عديس البلوي، وهم: كنانة بن بشر بن سلمان (¬a) التّجيبي، وعروة بن شييم (¬b) اللّيثي، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وسودان بن رومان (¬c) الأصبحي، وذرع بن يشكر النّافعي (١). وسجن رجال من أهل مصر في دورهم، منهم بسر بن أبي أرطاة (¬d) ومعاوية بن حديج. فبعث ابن أبي حذيفة إلى معاوية بن حديج - وهو أرمد - ليكرهه على البيعة. فلمّا بلغ ذلك كنانة ابن بشر - وكان رأس الشّيعة الأولى - دفع عن معاوية ما كره (٢). ثم قتل عثمان ﵁ في ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين (٣)، فدخل الرّكب إلى مصر وهم يرتجزون: [الرجز] خذها إليك واحذرن أبا الحسن إنّا نمرّ الحرب إمرار الرّسن بالسّيف كي تخمد نيران الفتن فلمّا دخلوا المسجد صاحوا: إنّا لسنا قتلة عثمان، ولكن اللّه قتله. فلمّا رأى ذلك شيعة عثمان، قاموا وعقدوا لمعاوية بن حديج عليهم، وبايعوه على الطّلب بدم عثمان. فسار بهم معاوية إلى الصّعيد، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة، فالتقوا بدقناش (٤) من كورة البهنسا، فهزم أصحاب ابن أبي حذيفة، ومضى معاوية حتى بلغ برقة، ثم رجع إلى/ الإسكندرية. فبعث ابن أبي حذيفة بجيش آخر عليهم قيس بن حرمل، فاقتتلوا بخربتا أوّل شهر رمضان سنة ستّ وثلاثين، فقتل قيس [بن حرمل وابن الجثما وأصحابهما] (¬e) (٥).

стр. 2768

وسار معاوية بن أبي سفيان إلى مصر، فنزل سلمنت من كورة عين شمس في شوّال. فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر، فمنعوه أن يدخلها. فبعث إليه معاوية: إنّا لا نريد قتال أحد، إنّما جئنا نسأل القود لعثمان، ادفعوا إلينا قاتليه: عبد الرّحمن بن عديس وكنانة بن بشر، وهما رأس القوم. فامتنع ابن أبي حذيفة وقال: لو طلبت منّا جديا أرطب السّرّة بعثمان ما دفعناه إليك! فقال معاوية بن أبي سفيان لابن أبي حذيفة: اجعل بيننا وبينكم رهنا، فلا يكون بيننا وبينكم حرب. فقال ابن أبي حذيفة: فإنّي أرضى بذلك (١). فاستخلف ابن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصّلت بن مخرمة، وخرج في الرّهن هو وابن عديس (¬a) وكنانة بن بشر وأبو شمر بن أبرهة وغيرهم من قتلة عثمان. فلمّا بلغوا لدّ سجنهم بها معاوية، وسار إلى دمشق. فهربوا من السّجن، غير أبي شمر بن أبرهة فإنّه قال: لا أدخله أسيرا وأخرج منه آبقا، وتبعهم صاحب فلسطين فقتلهم. واتّبع عبد الرّحمن بن عديس رجل من الفرس، فقال له عبد الرّحمن بن عديس: اتّق اللّه في دمي، فإنّي بايعت النّبيّ ﷺ تحت الشّجرة. فقال له: الشّجر في الصّحراء كثير. فقتله (٢). وقال محمد بن أبي حذيفة في اللّيلة التي قتل في صباحها: (¬b)) هذه اللّيلة التي قتل في صباحها (¬b) عثمان، فإن يكن القصاص لعثمان فسنقتل في غد (¬c). فقتل من الغد. وكان قتل ابن أبي حذيفة وعبد الرّحمن بن عديس وكنانة بن بشر ومن كان معهم من الرّهن، في ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين (٣). فلمّا بلغ عليّ بن أبي طالب ﵁ مصاب ابن أبي حذيفة، بعث قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري على مصر، وجمع له الخراج والصّلاة، فدخلها مستهلّ شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين، واستمال الخارجية بخربتا، ودفع إليهم أعطياتهم، ووفد عليه وفدهم فأكرمهم وأحسن إليهم - ومصر يومئذ من جيش عليّ ﵁ إلاّ أهل خربتا الخارجين بها.

стр. 2769

فلمّا ولّى عليّ ﵁ قيس بن سعد - وكان من ذوي الرأي [والبأس] (¬a) - جهد معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، على أن يخرجاه من مصر ليغلبا على أمرها، فامتنع عليهما بالدّهاء والمكايدة، فلم يقدرا على أن بلجا مصر حتى كاد معاوية قيسا من قبل عليّ ﵁ (١). وكان (¬b) معاوية يحدّث رجالا من ذوي رأي قريش (¬c) فيقول: ما ابتدعت من مكايدة قطّ أعجب إليّ من مكايدة كدت بها قيس بن سعد حين امتنع منّي. قلت لأهل الشّام: لا تسبّوا قيسا ولا تدعوا إلى غزوه، فإنّ قيسا لنا شيعة تأتينا كتبه ونصيحته سرّا، ألا ترون ماذا يفعل بإخوانكم النّازلين عنده بخربتا؟ يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سربهم، ويحسن إلى كلّ راكب يأتيه منهم. قال معاوية: وطفقت أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فسمع بذلك جواسيس عليّ بالعراق، فأنهاه إليه محمد بن أبي بكر وعبد اللّه بن جعفر فاتّهم قيسا، فكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا، وبخربتا يومئذ عشرة آلاف؛ فأبى قيس أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ ﵁: «إنّهم وجوه أهل مصر وأشرافهم، وأهل الحفاظ منهم، وقد رضوا منّي أن أؤمّن سربهم، وأجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم وقد علمت أنّ هواهم مع معاوية، فلست بكائدهم بأمر أهون عليّ وعليك من الذي أفعل بهم وهم أسود العرب منهم: بسر بن أبي أرطاة (¬d)، ومسلمة (¬e) ابن مخلد، ومعاوية بن حديج». فأبى عليه إلاّ قتالهم، فأبى قيس أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ ﵁: «إن كنت تتّهمني فاعزلني وابعث غيري» (٢). وكتب معاوية ﵁ إلى بعض بني أميّة بالمدينة: «أن جزى اللّه قيس بن سعد خيرا، فإنّه قد كفّ عن إخواننا من أهل مصر الذين قاتلوا في دم عثمان، واكتموا ذلك فإنّي أخاف أن يعزله عليّ إن بلغه ما بينه وبين شيعتنا». حتى بلغ عليّا ﵁ ذلك، فقال من معه من رؤساء أهل العراق وأهل المدينة: «بدّل قيس وتحوّل». فقال عليّ: ويحكم! إنّه لم

стр. 2770

يفعل فدعوني. قالوا: لتعزلنّه فإنّه قد بدّل. فلم يزالوا به حتى كتب إليه: «إنّي قد احتجت إلى قربك، فاستخلف على عملك واقدم». فلمّا قرأ الكتاب قال: هذا من مكر معاوية ولولا الكذب لمكرت به مكرا يدخل عليه بيته. فوليها قيس بن سعد إلى أن عزل عنها أربعة أشهر وخمسة أيّام، وصرف لخمس خلون من رجب سنة سبع وثلاثين (١). ثم وليها الأشتر مالك بن الحارث بن عبد يغوث النّخعي من قبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁. وذلك أنّ عبد اللّه بن جعفر كان إذا أراد ألاّ يمنعه عليّ شيئا قال له: بحقّ جعفر، فقال له: أسألك بحقّ جعفر ألاّ بعثت الأشتر إلى مصر، فإن ظهرت فهو الذي تحبّ، وإلاّ استرحت منه. ويقال: كان الأشتر قد ثقل على عليّ ﵁ وأبغضه وقلاه، فولاّه وبعثه. فلمّا قدم قلزم مصر، لقي بما يلقى العمّال به هناك، فشرب شربة عسل فمات. فلمّا أخبر عليّ بذلك قال: لليدين وللفم (٢). وسمع عمرو بن العاص بموت الأشتر فقال: إنّ للّه - (¬a)) (¬a) - جنودا من عسل، أو قال: في (¬b) العسل (٣). ثم وليها محمد بن أبي بكر/ الصّدّيق من قبل عليّ ﵃ وجمع له صلاتها وخراجها. فدخلها للنّصف من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، فلقيه قيس بن سعد فقال له: «إنّه لا يمنعني نصحي لك (¬a)) ولأمير المؤمنين (¬a) عزله إيّاي، ولقد عزلني عن غير وهن ولا عجز، فاحفظ ما أوصيك به يدم صلاح حالك: دع معاوية بن حديج ومسلمة بن مخلد وبسر بن أبي أرطاة، ومن ضوى إليهم على ما هم عليه، ولا تكفهم عن رأيهم، فإن أتوك ولم يفعلوا فاقبلهم، وإن تخلّفوا عنك فلا تطلبهم.
следующие страницы →