← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

اجتماعا ليس فيه تقصير، ثم يقوم القارئ بالكتاب فيقول: إنّا نشكو إلى اللّه وإليكم ما عمل في الإسلام، وما صنع في الإسلام. فيقوم أولئك الشّيوخ من نواحي المسجد بالبكاء فيبكون، ثم ينزل عن المنبر، ويتفرّق النّاس بما قرئ عليهم. فلمّا رأت ذلك شيعة عثمان ﵁ اعتزلوا محمد بن أبي حذيفة، ونابذوه - وهم: معاوية بن حديج، وخارجة بن حذافة، وبسر بن أبي أرطاة (¬b)، ومسلمة بن مخلد، وعمرو ابن قحزم الخولاني، ومقسم بن بجرة، وحمزة بن سرح بن كلال، وأبو الكنود سعد بن مالك الأزدي، وخالد بن ثابت الفهمي - في جمع كثير، وبعثوا سلمة بن مخرمة التّجيبي إلى عثمان ليخبره بأمرهم، وبصنيع ابن أبي حذيفة (١). فبعث عثمان ﵁ سعد بن أبي وقّاص ليصلح أمرهم. فبلغ ذلك ابن أبي حذيفة، فخطب النّاس وقال: ألا إنّ الكذا (¬c) والكذا قد بعث إليكم سعد بن مالك ليفلّ جماعتكم، ويشتّت كلمتكم، ويوقع التّجادل بينكم، فانفروا إليه. فخرج منهم مائة أو نحوها، وقد ضرب فسطاطه وهو قائل، فقلّبوا عليه فسطاطه، وشجّوه وسبّوه. فركب راحلته، وعاد راجعا من حيث جاء، وقال: ضربكم اللّه بالذّلّ والفرقة، وشتّت أمركم، وجعل بأسكم بينكم، ولا أرضاكم بأمير، ولا أرضاه عنكم (٢). وأقبل عبد اللّه بن سعد حتى بلغ جسر القلزم، فإذا بخيل لابن أبي حذيفة، فمنعوه أن يدخل، فقال: ويلكم! دعوني أدخل على جندي فأعلمهم بما جئت به، فإنّي قد جئتهم بخير فأبوا أن يدعوه، فقال: واللّه لوددت أنّي دخلت عليهم، فأعلمهم (¬d) بما جئت به، ثم متّ. فانصرف إلى عسقلان (٣). وأجمع محمد بن أبي حذيفة على بعث جيش إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ فقال: من يتشرّط في هذا البعث. فكثر عليه من يتشرّط، فقال: إنّما يكفينا منكم ستّ مائة رجل. فتشرّط من أهل مصر ستّ مائة رجل، على كلّ مائة منهم رئيس، وعلى جماعتهم

стр. 2767

عبد الرّحمن بن عديس البلوي، وهم: كنانة بن بشر بن سلمان (¬a) التّجيبي، وعروة بن شييم (¬b) اللّيثي، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وسودان بن رومان (¬c) الأصبحي، وذرع بن يشكر النّافعي (١). وسجن رجال من أهل مصر في دورهم، منهم بسر بن أبي أرطاة (¬d) ومعاوية بن حديج. فبعث ابن أبي حذيفة إلى معاوية بن حديج - وهو أرمد - ليكرهه على البيعة. فلمّا بلغ ذلك كنانة ابن بشر - وكان رأس الشّيعة الأولى - دفع عن معاوية ما كره (٢). ثم قتل عثمان ﵁ في ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين (٣)، فدخل الرّكب إلى مصر وهم يرتجزون: [الرجز] خذها إليك واحذرن أبا الحسن إنّا نمرّ الحرب إمرار الرّسن بالسّيف كي تخمد نيران الفتن فلمّا دخلوا المسجد صاحوا: إنّا لسنا قتلة عثمان، ولكن اللّه قتله. فلمّا رأى ذلك شيعة عثمان، قاموا وعقدوا لمعاوية بن حديج عليهم، وبايعوه على الطّلب بدم عثمان. فسار بهم معاوية إلى الصّعيد، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة، فالتقوا بدقناش (٤) من كورة البهنسا، فهزم أصحاب ابن أبي حذيفة، ومضى معاوية حتى بلغ برقة، ثم رجع إلى/ الإسكندرية. فبعث ابن أبي حذيفة بجيش آخر عليهم قيس بن حرمل، فاقتتلوا بخربتا أوّل شهر رمضان سنة ستّ وثلاثين، فقتل قيس [بن حرمل وابن الجثما وأصحابهما] (¬e) (٥).

стр. 2768

وسار معاوية بن أبي سفيان إلى مصر، فنزل سلمنت من كورة عين شمس في شوّال. فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر، فمنعوه أن يدخلها. فبعث إليه معاوية: إنّا لا نريد قتال أحد، إنّما جئنا نسأل القود لعثمان، ادفعوا إلينا قاتليه: عبد الرّحمن بن عديس وكنانة بن بشر، وهما رأس القوم. فامتنع ابن أبي حذيفة وقال: لو طلبت منّا جديا أرطب السّرّة بعثمان ما دفعناه إليك! فقال معاوية بن أبي سفيان لابن أبي حذيفة: اجعل بيننا وبينكم رهنا، فلا يكون بيننا وبينكم حرب. فقال ابن أبي حذيفة: فإنّي أرضى بذلك (١). فاستخلف ابن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصّلت بن مخرمة، وخرج في الرّهن هو وابن عديس (¬a) وكنانة بن بشر وأبو شمر بن أبرهة وغيرهم من قتلة عثمان. فلمّا بلغوا لدّ سجنهم بها معاوية، وسار إلى دمشق. فهربوا من السّجن، غير أبي شمر بن أبرهة فإنّه قال: لا أدخله أسيرا وأخرج منه آبقا، وتبعهم صاحب فلسطين فقتلهم. واتّبع عبد الرّحمن بن عديس رجل من الفرس، فقال له عبد الرّحمن بن عديس: اتّق اللّه في دمي، فإنّي بايعت النّبيّ ﷺ تحت الشّجرة. فقال له: الشّجر في الصّحراء كثير. فقتله (٢). وقال محمد بن أبي حذيفة في اللّيلة التي قتل في صباحها: (¬b)) هذه اللّيلة التي قتل في صباحها (¬b) عثمان، فإن يكن القصاص لعثمان فسنقتل في غد (¬c). فقتل من الغد. وكان قتل ابن أبي حذيفة وعبد الرّحمن بن عديس وكنانة بن بشر ومن كان معهم من الرّهن، في ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين (٣). فلمّا بلغ عليّ بن أبي طالب ﵁ مصاب ابن أبي حذيفة، بعث قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري على مصر، وجمع له الخراج والصّلاة، فدخلها مستهلّ شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين، واستمال الخارجية بخربتا، ودفع إليهم أعطياتهم، ووفد عليه وفدهم فأكرمهم وأحسن إليهم - ومصر يومئذ من جيش عليّ ﵁ إلاّ أهل خربتا الخارجين بها.

стр. 2769

فلمّا ولّى عليّ ﵁ قيس بن سعد - وكان من ذوي الرأي [والبأس] (¬a) - جهد معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، على أن يخرجاه من مصر ليغلبا على أمرها، فامتنع عليهما بالدّهاء والمكايدة، فلم يقدرا على أن بلجا مصر حتى كاد معاوية قيسا من قبل عليّ ﵁ (١). وكان (¬b) معاوية يحدّث رجالا من ذوي رأي قريش (¬c) فيقول: ما ابتدعت من مكايدة قطّ أعجب إليّ من مكايدة كدت بها قيس بن سعد حين امتنع منّي. قلت لأهل الشّام: لا تسبّوا قيسا ولا تدعوا إلى غزوه، فإنّ قيسا لنا شيعة تأتينا كتبه ونصيحته سرّا، ألا ترون ماذا يفعل بإخوانكم النّازلين عنده بخربتا؟ يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سربهم، ويحسن إلى كلّ راكب يأتيه منهم. قال معاوية: وطفقت أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فسمع بذلك جواسيس عليّ بالعراق، فأنهاه إليه محمد بن أبي بكر وعبد اللّه بن جعفر فاتّهم قيسا، فكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا، وبخربتا يومئذ عشرة آلاف؛ فأبى قيس أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ ﵁: «إنّهم وجوه أهل مصر وأشرافهم، وأهل الحفاظ منهم، وقد رضوا منّي أن أؤمّن سربهم، وأجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم وقد علمت أنّ هواهم مع معاوية، فلست بكائدهم بأمر أهون عليّ وعليك من الذي أفعل بهم وهم أسود العرب منهم: بسر بن أبي أرطاة (¬d)، ومسلمة (¬e) ابن مخلد، ومعاوية بن حديج». فأبى عليه إلاّ قتالهم، فأبى قيس أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ ﵁: «إن كنت تتّهمني فاعزلني وابعث غيري» (٢). وكتب معاوية ﵁ إلى بعض بني أميّة بالمدينة: «أن جزى اللّه قيس بن سعد خيرا، فإنّه قد كفّ عن إخواننا من أهل مصر الذين قاتلوا في دم عثمان، واكتموا ذلك فإنّي أخاف أن يعزله عليّ إن بلغه ما بينه وبين شيعتنا». حتى بلغ عليّا ﵁ ذلك، فقال من معه من رؤساء أهل العراق وأهل المدينة: «بدّل قيس وتحوّل». فقال عليّ: ويحكم! إنّه لم

стр. 2770

يفعل فدعوني. قالوا: لتعزلنّه فإنّه قد بدّل. فلم يزالوا به حتى كتب إليه: «إنّي قد احتجت إلى قربك، فاستخلف على عملك واقدم». فلمّا قرأ الكتاب قال: هذا من مكر معاوية ولولا الكذب لمكرت به مكرا يدخل عليه بيته. فوليها قيس بن سعد إلى أن عزل عنها أربعة أشهر وخمسة أيّام، وصرف لخمس خلون من رجب سنة سبع وثلاثين (١). ثم وليها الأشتر مالك بن الحارث بن عبد يغوث النّخعي من قبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁. وذلك أنّ عبد اللّه بن جعفر كان إذا أراد ألاّ يمنعه عليّ شيئا قال له: بحقّ جعفر، فقال له: أسألك بحقّ جعفر ألاّ بعثت الأشتر إلى مصر، فإن ظهرت فهو الذي تحبّ، وإلاّ استرحت منه. ويقال: كان الأشتر قد ثقل على عليّ ﵁ وأبغضه وقلاه، فولاّه وبعثه. فلمّا قدم قلزم مصر، لقي بما يلقى العمّال به هناك، فشرب شربة عسل فمات. فلمّا أخبر عليّ بذلك قال: لليدين وللفم (٢). وسمع عمرو بن العاص بموت الأشتر فقال: إنّ للّه - (¬a)) (¬a) - جنودا من عسل، أو قال: في (¬b) العسل (٣). ثم وليها محمد بن أبي بكر/ الصّدّيق من قبل عليّ ﵃ وجمع له صلاتها وخراجها. فدخلها للنّصف من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، فلقيه قيس بن سعد فقال له: «إنّه لا يمنعني نصحي لك (¬a)) ولأمير المؤمنين (¬a) عزله إيّاي، ولقد عزلني عن غير وهن ولا عجز، فاحفظ ما أوصيك به يدم صلاح حالك: دع معاوية بن حديج ومسلمة بن مخلد وبسر بن أبي أرطاة، ومن ضوى إليهم على ما هم عليه، ولا تكفهم عن رأيهم، فإن أتوك ولم يفعلوا فاقبلهم، وإن تخلّفوا عنك فلا تطلبهم.

стр. 2771

وانظر هذا الحيّ من مضر فأنت أولى بهم منّي: فألن لهم جناحك، وقرّب عليهم مكانك، وارفع عنهم حجابك. وانظر هذا الحيّ من مدلج، فدعهم وما غلبوا عليه يكفّوا عنك شأنهم، وأنزل الناس من بعد على قدر منازلهم، فإن استطعت أن تعود المرضى، وتشهد الجنائز، فافعل، فإنّ هذا لا ينقصك، ولن تفعل، إنّك واللّه ما علمت لتظهر الخيلاء وتحبّ الرياسة، وتسارع إلى ما هو ساقط عنك. واللّه موفّقك». فعمل محمد بخلاف ما أوصاه به قيس، فكتب (¬a) إلى ابن حديج والخارجة معه يدعوهم إلى بيعته، فلم يجيبوه. فبعث إلى دور الخارجة فهدمها، ونهب أموالهم، وسجن ذراريهم، فنصبوا له الحرب، وهمّوا بالنّهوض إليه. فلمّا علم أنّه لا قوّة له بهم أمسك عنهم، ثم صالحهم على أن يسيّرهم إلى معاوية، وأن ينصب لهم جسرا بنقيوس يجوزون عليه، ولا يدخلون الفسطاط. ففعلوا ولحقوا بمعاوية (١). فلمّا أجمع عليّ ﵁ ومعاوية على الحكمين، أغفل عليّ أن يشترط على معاوية ألاّ يقاتل أهل مصر. فلمّا انصرف عليّ إلى العراق، بعث معاوية ﵁ عمرو بن العاص ﵁ في جيوش أهل الشّام إلى مصر فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم فيه أهل مصر، ودخل عمرو بأهل الشّام الفسطاط. وتغيّب محمد بن أبي بكر [في غافق] (¬b)، فأقبل معاوية ابن حديج في رهط ممّن يعينه على من كان يمشي في قتل عثمان، وطلب ابن أبي بكر، فدلّتهم عليه امرأة، فقال: احفظوني في أبي بكر. فقال معاوية بن حديج: قتلت ثمانين رجلا من قومي في عثمان، وأتركك وأنت صاحبه. فقتله ثم جعله في جيفة حمار ميّت فأحرقه بالنّار (٢). فكانت ولاية محمد بن أبي بكر خمسة أشهر، ومقتله لأربع عشرة خلت من صفر سنة ثمان وثلاثين (٣).

стр. 2772

ثم ولّى عمرو بن العاص مصر من بعده فاستقبل بولايته هذه الثانية شهر ربيع الأوّل، وجعل إليه الصّلاة والخراج - كانت مصر قد جعلها معاوية له طعمة بعد عطاء جندها والنّفقة على مصلحتها - ثم خرج إلى الحكومة، واستخلف على مصر ابنه عبد اللّه بن عمرو، وقيل (¬a) خارجة ابن حذافة، ورجع عمرو إلى مصر فأقام بها. وتعاقد بنو ملجم - عبد الرّحمن وقيس ويزيد - على قتل عليّ ﵁ وعمرو ومعاوية ﵄، وتواعدوا على ليلة من رمضان سنة أربعين، فمضى كلّ منهم إلى صاحبه (١). فلمّا قتل عليّ بن أبي طالب ﵁ واستقرّ الأمر لمعاوية، كانت مصر - جندها وأهل شوكتها - «عثمانيّة»، وكثير من أهلها «علويّة». فلمّا مات معاوية ومات ابنه يزيد بن معاوية، كان على مصر سعيد بن يزيد الأزدي على صلاتها فلم يزل أهل مصر على الشّنآن له، والإعراض عنه والتّكبّر عليه، منذ ولاّه يزيد ابن معاوية، حتى مات يزيد في سنة أربع وستين. ودعا عبد اللّه بن الزّبير إلى نفسه، فقامت الخوارج بمصر في أمره (٢)، وأظهروا دعوته - وكانوا يحسبونه على مذهبهم - وأوفدوا منهم وفدا إليه، فسار منهم نحو الألفين من مصر، وسألوا أن يبعث إليهم بأمير يقومون معه ويؤازرونه. وكان كريب بن أبرهة الصّبّاح، وغيره من أشراف مصر يقولون: ماذا نرى من العجب أنّ هذه الطّائفة المكتتمة تأمر فينا وتنهى، ونحن لا نستطيع أن نردّ أمرهم. ولحق بابن الزّبير ناس كثير من أهل مصر (٣).

стр. 2773

وكان أوّل من قدم مصر برأي الخوارج حجر بن الحارث بن قيس المذحجي (١) - وقيل حجر ابن عمرو - ويكنى بأبي الورد، وشهد مع عليّ صفّين، ثم صار من الخوارج، وحضر مع الحرورية النّهروان. فخرج وصار إلى مصر برأي الخوارج، أقام بها حتى خرج منها إلى ابن الزّبير في إمارة مسلمة بن مخلد الأنصاري على مصر. فلمّا مات يزيد بن معاوية، وبويع ابن الزّبير بعده بالخلافة، بعث إلى مصر بعبد الرّحمن ابن جحدم الفهريّ؛ فقدمها في طائفة من الخوارج، فوثبوا على سعيد بن يزيد، فاعتزلهم. واستمرّ ابن جحدم، وكثرت الخوارج بمصر منها وممّن قدم من مكّة، فأظهروا في مصر «التّحكيم» (٢)، ودعوا إليه، فاستعظم الجند ذلك. وبايعه النّاس على غلّ في قلوب ناس من شيعة بني أميّة: منهم كريب بن أبرهة، ومقسم بن بجرة، وزياد بن حناطة التّجيبي، وعابس بن سعيد وغيرهم (٣). فصار أهل مصر حينئذ ثلاث طوائف: علويّة، وعثمانيّة، وخوارج. فلمّا بويع مروان بن الحكم بالشّام في ذي القعدة سنة أربع وستين، كانت شيعته من أهل مصر مع ابن جحدم، فكاتبوه سرّا حتى أتى مصر في أشراف كثيرة، وبعث ابنه عبد العزيز بن مروان في جيش إلى أيلة ليدخل من هناك مصر (٤).

стр. 2774

وأجمع ابن جحدم على حربه ومنعه، فحفر الخندق في شهر - وهو الخندق الذي بالقرافة (١) - وبعث بمراكب في البحر ليخالف إلى عيالات (¬a) أهل الشّام، وقطع بعثا في البرّ، وجهّز جيشا آخر إلى أيلة/ لمنع عبد العزيز من المسير منها. فغرقت المراكب، ونجا بعضها، وانهزمت الجيوش. ونزل مروان عين شمس، فخرج إليه ابن جحدم في أهل مصر، فتحاربوا واستحرّ القتل، فقتل من الفريقين خلق كثير (٢). ثم إنّ كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد وزياد بن حناطة وعبد الرّحمن ابن موهب المعافري، دخلوا في الصّلح بين أهل مصر وبين مروان فتمّ، ودخل مروان إلى الفسطاط لغرّة جمادي الأولى سنة خمس وستين (٣). وكانت ولاية ابن جحدم تسعة أشهر، ووضع العطاء فبايعه النّاس إلاّ نفر من المعافر قالوا: لا نخلع بيعة ابن الزّبير. فقتل منهم ثمانين رجلا قدّمهم رجلا رجلا فضرب أعناقهم وهم يقولون: إنّا قد بايعنا ابن الزّبير طائعين، فلم نكن لننكث بيعته. وضرب عنق الأكدر بن حمام (¬b) بن عامر، سيّد لخم وشيخها (٤)، وحضر هو وأبوه فتح مصر، وكانا ممّن ثار إلى عثمان ﵁ فتنادى الجند: قتل الأكدر. فلم يبق أحد حتى لبس سلاحه، فحضر باب مروان منهم زيادة على ثلاثين ألفا وخشي مروان، وأغلق بابه حتى أتاه كريب بن أبرهة، وألقى عليه رداءه، وقال للجند: انصرفوا، أنا له جار. فما عطف أحد منهم، وانصرفوا إلى منازلهم، وكان للنّصف من جمادى الآخرة. ويومئذ مات عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان (٥). ومن حينئذ غلبت العثمانيّة على مصر، فتظاهروا فيها بسبّ عليّ ﵁ وانكفّت ألسنة العلويّة والخوارج. فلمّا كانت ولاية قرّة بن شريك العبسي على مصر من قبل الوليد بن عبد الملك في سنة تسعين، خرج إلى الإسكندرية في سنة إحدى وتسعين. فتعاقدت الشّراة من الخوارج

стр. 2775

بالإسكندرية على الفتك به - وكانت عدّتهم نحوا من مائة - فعقدوا لرئيسهم المهاجر بن أبي المثنّى التّجيبي، أحد بني فهم، عليهم عند منارة الإسكندرية؛ وبالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان، فبلّغ قرّة ما عزموا عليه. فأتى لهم قبل أن يتفرّقوا، فأمر بحبسهم في أصل منارة الإسكندرية، وأحضر قرّة وجوه الجند فسألهم فأقرّوا فقتلهم، ومضى رجل ممّن كان يرى رأيهم إلى أبي سليمان فقتله. فكان يزيد بن أبي حبيب إذا أراد أن يتكلّم بشيء فيه تقيّة من السّلطان تلفّت وقال: احذروا أبا سليمان. ثم قال: النّاس كلّهم من ذلك اليوم أبو سليمان (١). (¬a) فلمّا قام عبد اللّه بن يحيى - الملقّب بطالب الحقّ - في الحجاز على مروان بن محمد الجعدي (٢)، قدم إلى مصر داعيته ودعا النّاس، فبايع له ناس من تجيب وغيرهم. فبلغ ذلك حسّان ابن عتاهية، صاحب الشّرطة، فاستخرجهم، فقتلهم حوثرة بن سهيل الباهلي أمير مصر من قبل مروان بن محمد (٣). فلمّا قتل مروان، وانقضت أيّام بني أميّة ببني العبّاس في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، خمدت جمرة أصحاب المذهب المرواني - وهم الذين كانوا يسبّون عليّ بن أبي طالب ويتبرّأون منه - وصاروا منذ ظهر بنو العبّاس يخافون القتل، ويخشون أن يطّلع عليهم أحد، إلاّ طائفة كانت بناحية الواحات وغيرها، فإنّهم أقاموا على مذهب المروانية دهرا حتى فنوا، ولم يبق لهم الآن بديار مصر وجود ألبتّة. فلمّا كان في إمارة حميد بن قحطبة على مصر، من قبل أبي جعفر المنصور، قدم إلى مصر عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (¬b) بن علي بن أبي طالب داعية لأبيه وعمّه، فذكر ذلك لحميد فقال: هذا كذب. ودسّ إليه أن تغيّب، ثم بعث إليه من الغد - فلم يجده،

стр. 2776

فكتب بذلك إلى أبي جعفر المنصور، فعزل حميدا، وسخط عليه في ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة (١). وولي يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة، فظهرت دعوة بني حسن بن عليّ بمصر، وتكلّم النّاس بها، وبايع كثير منهم لعليّ بن محمد بن عبد اللّه - وهو أوّل علوي قدم مصر - وقام بأمر دعوته خالد بن سعيد بن ربيعة بن حبيش الصّدفي. وكان جدّه ربيعة بن حبيش من خاصّة عليّ بن أبي طالب وشيعته، وحضر الدّار في قتل عثمان، ﵁. فاستشار خالد أصحابه الذين بايعوا له، فأشار عليه بعضهم أن يبيّت يزيد بن حاتم في العسكر - وكان الأمراء قد صاروا، منذ قدمت عساكر بني العبّاس، ينزلون في العسكر الذي بني خارج الفسطاط من شماليه كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب (٢) - وأشار عليه آخرون أن يحوز بيت المال، وأن يكون خروجهم في الجامع. فكره خالد أن يبيت يزيد بن حاتم، وخشي على اليمانية. وخرج منهم رجل [من الصّدف] (¬a) قد شهد أمرهم حتّى أتى إلى عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معاوية ابن حديج - وهو يومئذ على الفسطاط - فخبّره أنّهم الليلة يخرجون. فمضى عبد اللّه إلى (¬b) يزيد ابن حاتم وهو بالعسكر، فكان من أمرهم ما كان لعشر من شوّال سنة خمس وأربعين ومائة، فانهزموا (٣). ثم قدمت الخطباء برأس إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين، في ذي الحجّة من السنة المذكورة، إلى مصر ونصبوه في المسجد الجامع، وقامت الخطباء فذكروا أمره. وحمل عليّ بن محمد إلى أبي جعفر المنصور، وقيل إنّه/ اختفى عند عسّامة بن عمرو بقرية طوّة (¬c) (٤)، فمرض بها ومات فقبر هناك. وحمل عسّامة إلى العراق، فحبس إلى أن ردّه المهدي محمد بن أبي جعفر إلى مصر (٥).

стр. 2777

وما زالت شيعة عليّ بمصر إلى أن ورد كتاب المتوكّل على اللّه إلى مصر، يأمر فيه بإخراج آل أبي طالب من مصر إلى العراق. فأخرجهم إسحاق بن يحيى الختّلي أمير مصر، وفرّق فيهم الأموال ليتحمّلوا بها، وأعطى كلّ رجل ثلاثين دينارا، والمرأة خمسة عشر دينارا. فخرجوا لعشر خلون من رجب سنة ستّ وثلاثين ومائتين، وقدموا العراق، فأخرجوا إلى المدينة في شوّال منها (١). واستتر من كان بمصر على رأي العلويّة، حتى إنّ يزيد بن عبد اللّه أمير مصر ضرب رجلا من الجند في شيء وجب عليه، فأقسم عليه بحقّ الحسن والحسين إلاّ عفا عنه، فزاده ثلاثين درّة. ورفع ذلك صاحب البريد إلى المتوكّل، فورد الكتاب على يزيد بضرب ذلك الجنديّ مائة سوط، فضربها وحمل بعد ذلك إلى العراق في شوّال سنة ثلاث وأربعين ومائتين (٢). وتتبّع يزيد الرّوافض فحملهم إلى العراق، ودلّ في شعبان على رجل يقال له محمد بن عليّ ابن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، [يعرف بأبي حدري] (¬a)، أنّه بويع له، فأحرق الموضع الذي كان به، وأخذه فأقرّ على جمع من النّاس بايعوه، فضرب بعضهم بالسّياط، وأخرج العلويّ هو وجمع من آل أبي طالب إلى العراق في شهر رمضان [سنة سبع وأربعين] (¬a) (٣). ومات المتوكّل في شوّال، فقام من بعده ابنه محمد المنتصر (¬b)، فورد كتابه إلى مصر: بألاّ يقبّل علوي ضيعة، ولا يركب فرسا، ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها، وأن يمنعوا من اتّخاذ العبيد إلاّ العبد الواحد. ومن كان بينه وبين أحد من الطّالبيين خصومة من سائر النّاس، قبل قول خصمه فيه، ولم يطالب ببيّنة، وكتب إلى العمّال بذلك (٤). ومات المنتصر (¬b) في ربيع الآخر [سنة ثمان وأربعين ومائتين] (¬a)، وقام المستعين، فأخرج يزيد ستّة رجال من الطّالبيين إلى العراق في رمضان سنة خمسين ومائتين،

стр. 2778

ثم أخرج ثمانية منهم في رجب سنة إحدى وخمسين (١). وخرج جابر بن الوليد المدلجي بأرض الإسكندرية في ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين، واجتمع إليه كثير من بني مدلج. فبعث إليه محمد بن عبيد اللّه بن يزيد (¬a)) بن مزيد (¬a) بجيش من الإسكندرية، فهزمهم وظفر بما معهم، وقوي أمره، وأتاه النّاس من كلّ ناحية، وضوى إليه كلّ من يومئ إليه بشدّة ونجدة، فكان ممّن أتاه عبد اللّه المريسي - وكان لصّا (¬b) خبيثا - ولحق به جريج النّصراني، وكان من شرار النّصارى وأولي بأسهم. ولحق به أبو حرملة فرج النّوبي - وكان فاتكا - فعقد له جابر على سنهور، وسخا، وشرقيون، وبنا. فمضى أبو حرملة في جيش عظيم، فأخرج العمّال، وجبى الخراج. ولحق به عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد ابن عبد اللّه بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب - الذي يقال له ابن الأرقط - فقوّده أبو حرملة وضمّ إليه الأعراب، وولاّه بنا وبوصير وسمنّود (٢). فبعث يزيد أمير مصر بجمع من الأتراك في جمادى الآخرة، فقاتلهم ابن الأرقط، وقتل منهم. ثم ثبتوا له، فانهزم وقتل من أصحابه كثير، وأسر منهم كثير. ولحق ابن الأرقط بأبي حرملة في شرقيون، فصار إلى عسكر يزيد، فانهزم أبو حرملة، وقدم مزاحم بن خاقان من العراق في جيش، فحارب أبا حرملة حتى أسر في رمضان (٣). واستأمن ابن الأرقط، فأخذ وأخرج إلى العراق في ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ففرّ منهم، ثم ظفر به وحبس، ثم حمل إلى العراق في صفر سنة خمس وخمسين ومائتين بكتاب ورد على أحمد بن طولون. ومات أبو حرملة في السّجن لأربع بقين من ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين، وأخذ جابر بعد حروب، وحمل إلى العراق في رجب سنة أربع وخمسين (٤). وخرج في إمرة أرجوز (¬c) التّركي رجل من العلويين يقال له بغا الأكبر - وهو أحمد بن إبراهيم ابن عبد اللّه بن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسين بن عليّ - بالصّعيد، فحاربه أصحاب أرجوز (¬c)، وفرّ منهم فمات (٥).

стр. 2779

ثم خرج بغا الأصغر - وهو أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن طباطبا - فيما بين الإسكندرية وبرقة [في موضع يقال له الكنائس] (¬a)، في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين ومائتين - والأمير يومئذ أحمد بن طولون - وسار في جمع إلى الصّعيد، فقتل في الحرب، وأتي برأسه إلى الفسطاط في شعبان (١). وخرج ابن الصّوفي العلوي بالصّعيد - وهو إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن محمد ابن عمر بن عليّ بن أبي طالب - ودخل إسنا في ذي القعدة سنة خمس وخمسين، ونهبها وقتل أهلها. فبعث إليه ابن طولون بجيش فحاربوه، فهزمهم في ربيع الأوّل سنة ستّ وخمسين بهو، فبعث ابن طولون إليه بجيش آخر، فالتقيا بإخميم في ربيع الآخر، فانهزم ابن الصّوفي، وترك جميع ما معه، وقتلت رجالته. فأقام ابن الصّوفي بالواح سنتين، ثم خرج إلى الأشمونين في المحرّم سنة تسع وخمسين، وسار إلى أسوان لمحاربة أبي عبد الرحمن العمري، فظفر به العمري وبجميع جيشه، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ولحق ابن الصّوفي بأسوان فقطع لأهلها ثلاث مائة ألف نخلة. فبعث إليه ابن طولون بعثا، فاضطرب أمره مع أصحابه فتركهم ومضى إلى عيذاب فركب البحر إلى مكّة، فقبض عليه بها وحمل إلى ابن طولون فسجنه ثم أطلقه،/ فصار إلى المدينة ومات بها (٢). وفي إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، أنكر رجل من أهل مصر أن يكون أحد خيرا من أهل البيت، فوثبت إليه العامّة، فضرب بالسّياط يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومائتين (٣). وفي إمارة ذكا الأعور على مصر، كتب على أبواب الجامع العتيق ذكر الصّحابة والقرآن [بما لا يليق] (¬b)، فرضيه جمع من النّاس، وكرهه آخرون. فاجتمع النّاس في رمضان سنة خمس وثلاث مائة إلى دار ذكا يتشكّرونه على ما أذن لهم فيه، فوثب الجند بالنّاس، فنهب قوم وجرح

стр. 2780

آخرون، ومحي ما كتب على أبواب الجامع، ونهب النّاس في المسجد والأسواق، وأفطر الجند يومئذ (١). وما زال أمر الشّيعة يقوى بمصر، إلى أن دخلت سنة خمسين وثلاث مائة، ففي يوم عاشوراء كانت منازعة بين الجند وبين جماعة من الرّعيّة عند قبر كلثوم العلويّة، بسبب ذكر السّلف والنّوح، قتل فيها جماعة من الفريقين. وتعصّب السّودان على الرّعيّة، فكانوا إذا لقوا أحدا قالوا له: من خالك؟ فإن لم يقل معاوية وإلاّ بطشوا به وشلّحوه. ثم كثر القول: معاوية خال عليّ (٢). وكان على باب الجامع العتيق شيخان من العامّة يناديان في كلّ يوم جمعة في وجوه النّاس من الخاصّ والعامّ - معاوية خالي وخال المؤمنين، وكاتب الوحي، ورديف رسول اللّه ﷺ ، وكان هذا أحسن ما يقولونه وإلاّ فقد كانوا يقولون: معاوية خال عليّ من هاهنا - ويشيرون إلى أصل الأذن - ويلقون أبا جعفر مسلما الحسيني، فيقولون له ذلك في وجهه، وكان بمصر أسود يصيح دائما: معاوية خال عليّ، فقتل بتنّيس أيّام القائد جوهر. ولمّا ورد الخبر بقيام بني حسن بمكّة، ومحاربتهم الحاجّ ونهبهم، خرج خلق من المصريين في شوّال، فلقوا كافور الإخشيدي بالميدان ظاهر مدينة مصر، وضجّوا وصاحوا: معاوية خال عليّ، وسألوه أن يبعث لنصرة الحاج علي الطّالبيين. وفي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة، أخذ رجل - يعرف بابن أبي اللّيث الملطي - ينسب إلى التّشيّع، فضرب مائتي سوط ودرّة، ثم ضرب في شوّال خمس مائة سوط ودرّة، وجعل في عنقه غلّ وحبس، وكان يتفقّد في كلّ يوم لئلا يخفّف عنه، ويبصق في وجهه، فمات في محبسه فحمل ليلا ودفن. فمضت جماعة إلى قبره لينبشوه، وبلغوا إلى القبر، فمنعهم جماعة من الإخشيدية والكافورية، فأبوا وقالوا: هذا قبر رافضي. فثارت فتنة، وضرب جماعة، ونهبوا كثيرا حتى تفرّق النّاس. وفي سنة ستّ وخمسين، كتب في صفر على المساجد ذكر الصّحابة والتّفضيل. فأمر الأستاذ كافور الإخشيدي بإزالته، فحدّثه جماعة في إعادة ذكر الصّحابة على المساجد، فقال: ما أحدث في أيّامي ما لم يكن، وما كان في أيّام غيري فلا أزيله، وما كتب في أيّامي أزيله. ثم أمر من طاف وأزاله من المساجد كلّها.

стр. 2781

ولمّا دخل جوهر القائد بعساكر المعزّ لدين اللّه إلى مصر، وبنى القاهرة، أظهر مذهب الشّيعة، وأذّن في جميع المساجد الجامعة وغيرها: «حيّ على خير العمل»، وأعلن بتفضيل عليّ بن أبي طالب على غيره، وجهر بالصّلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزّهراء، رضوان اللّه عليهم. فشكا إليه جماعة من أهل المسجد الجامع أمر عجوز عمياء تنشد في الطّريق، فأمر بها فحبست. فسرّ الرّعيّة بذلك، ونادوا بذكر الصّحابة، ونادوا: معاوية خال عليّ وخال المؤمنين. فأرسل جوهر حين بلغه ذلك رجلا إلى الجامع، فنادى: أيّها النّاس أقلّوا القول ودعوا الفضول، فإنّما حبسنا العجوز صيانة لها، فلا ينطقنّ أحد إلاّ حلّت به العقوبة الموجعة؛ ثم أطلق العجوز. وفي ربيع الأوّل سنة اثنتين وستين، عزّر سليمان بن عزّة (¬a) المحتسب جماعة من الصّيارفة فشغبوا وصاحوا: معاوية خال عليّ بن أبي طالب. فهمّ جوهر أن يحرق رحبة الصّيارفة، لكن خشي على الجامع (١). وأمر الإمام بجامع مصر أن يجهر بالبسملة في الصّلاة - وكانوا لا يفعلون ذلك - وزيد في صلاة الجمعة القنوت في الرّكعة الثانية، وأمر في المواريث بالرّدّ على ذوي الأرحام، وألاّ يرث مع البنت أخ ولا أخت ولا عمّ ولا جدّ ولا ابن أخ ولا ابن عمّة (¬b)، ولا يرث مع الولد الذّكر أو الأنثى إلاّ الزّوج أو الزّوجة والأبوان والجدّة، ولا يرث مع الأمّ إلاّ من يرث مع الولد (٢). وخاطب أبو الطّاهر محمد بن أحمد قاضي مصر القائد جوهرا في بنت وأخ، وأنّه كان حكم قديما للبنت بالنّصف، وللأخ بالباقي. فقال: لا أفعل. فلمّا ألحّ عليه، قال: يا قاضي، هذا عداوة لفاطمة ﵍ فأمسك أبو الطّاهر، ولم يراجعه بعد في ذلك (٣). وصار صوم شهر رمضان والفطر على حساب لهم. فأشار الشّهود على القاضي أبي الطّاهر ألاّ يطلب الهلال، لأنّ الصّوم والفطر على الرّؤية قد زال. فانقطع طلب الهلال من مصر، وصام القاضي وغيره مع القائد جوهر كما يصوم، وأفطروا كما يفطر (٤).

стр. 2782

ولمّا دخل المعزّ لدين اللّه إلى مصر، ونزل بقصره من القاهرة المعزّيّة، أمر في رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، فكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر «خير النّاس بعد رسول اللّه ﷺ / أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇» (١). وفي صفر سنة خمس وستين وثلاث مائة، حضر (¬a) عليّ بن النّعمان القاضي بجامع القاهرة - المعروف بالجامع الأزهر - وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر ب «الاقتصار»، وكان جمعا عظيما، وأثبت أسماء الحاضرين (٢). ولمّا تولّى يعقوب بن كلّس الوزارة للعزيز باللّه نزار بن المعزّ، رتّب في داره العلماء من الأدباء والشّعراء والفقهاء والمتكلّمين، وأجرى لجميعهم الأرزاق، وألّف كتابا في الفقه، ونصب له مجلسا - وهو يوم الثلاثاء - يجتمع فيه الفقهاء وجماعة من المتكلّمين وأهل الجدل، ويجرى (¬b) بينهم المناظرات (٣). وكان يجلس أيضا في يوم الجمعة، فيقرأ مصنّفاته على النّاس بنفسه، ويحضر عنده القضاة والفقهاء والقرّاء والنّحاة وأصحاب الحديث، ووجوه أهل العلم والشّهود، فإذا انقضى المجلس من القراءة، قام الشّعراء لإنشاد مدائحهم فيه، وجعل للفقهاء في شهر رمضان الأطعمة (٤). وألّف كتابا في الفقه يتضمّن ما سمعه من المعزّ لدين اللّه ومن ابنه العزيز باللّه، وهو مبوّب على أبواب الفقه (٥)، يكون قدره مثل نصف «صحيح البخاري» ملكته ووقفت عليه، وهو يشتمل على فقه الطّائفة الإسماعيلية. وكان يجلس لقراءة هذا الكتاب على النّاس بنفسه، وبين يديه خواصّ النّاس وعوامّهم، وسائر الفقهاء والقضاة والأدباء وأفتى النّاس به، ودرسوا فيه بالجامع العتيق. وأجرى العزيز باللّه لجماعة من الفقهاء، يحضرون مجلس الوزير ويلازمونه، أرزاقا تكفيهم في كلّ شهر، وأمر لهم ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة تحلّقوا فيه بعد الصّلاة إلى أن تصلّى صلاة العصر. وكان لهم من مال الوزير أيضا صلة في كلّ سنة، وعدّتهم

стр. 2783

خمسة وثلاثون رجلا، وخلع عليهم العزيز باللّه في يوم عيد الفطر، وحملهم على بغال (١). وفي سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة، أمر العزيز بن المعزّ بقطع صلاة التّراويح من جميع البلاد المصرية. وفي سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة ضرب رجل بمصر وطيف به المدينة، من أجل أنّه وجد عنده «كتاب الموطّأ» لمالك بن أنس ﵀ (٢). وفي شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثمانين وثلاث مائة، جلس القاضي محمد بن النّعمان على كرسي بالقصر في القاهرة لقراءة علوم أهل البيت على الرّسم المتقدّم له ولأخيه بمصر ولأبيه بالمغرب، فمات في الزّحمة أحد عشر رجلا (٣). وفي جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة، قبض على رجل من أهل الشّام سئل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ فقال: لا أعرفه. فاعتقله قاضي القضاة الحسن بن محمد (¬a) بن النّعمان، قاضي أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه على القاهرة المعزّيّة ومصر والشّامات والحرمين والمغرب، وبعث إليه وهو في السّجن أربعة من الشّهود وسألوه، فأقرّ بالنّبيّ ﷺ وأنّه نبيّ مرسل، وسئل عن عليّ بن أبي طالب فقال: لا أعرفه. فأمر قائد القوّاد الحسين ابن جوهر بإحضاره، فخلا به ورفق في القول له، فلم يرجع عن إنكاره معرفة عليّ بن أبي طالب. فطولع الحاكم بأمره، فأمر بضرب عنقه، فضرب عنقه وصلب (٤). وفي سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة، قبض على ثلاثة عشر رجلا، وضربوا وشهروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيّام من أجل أنّهم صلّوا صلاة الضّحى. وفي محرّم (¬a) سنة خمس وتسعين وثلاث ومائة، قرئ سجلّ في الجوامع بمصر والقاهرة والجزيرة: بأن تلبس النّصارى واليهود الغيار والزّنّار، وغيارهم السّواد غيار العاصين العبّاسيين، وأن يشدّوا الزّنّار. وفيه قذع (¬b) وفحش في حقّ أبي بكر وعمر ﵄ (٥).

стр. 2784

وقرئ سجلّ آخر فيه منع النّاس من أكل الملوخية المحبّبة كانت لمعاوية بن أبي سفيان، ومنعهم من أكل البقلة المسمّاة بالجرجير المنسوبة لعائشة ﵂، ومن المتوكّليّة المنسوبة إلى المتوكّل، والمنع من عجين الخبز بالرّجل، والمنع من أكل الدّلينس، ومن ذبح البقر إلا ذا عاهة - ما عدا أيّام النّحر فإنّه يذبح فيها البقر فقط - والوعيد للنّخّاسين متى باعوا عبدا أو أمة لذمّي. وقرئ سجلّ آخر بأن يؤذّن بصلاة (¬a) الظّهر في أوّل السّاعة السابعة، ويؤذّن بصلاة (¬a) العصر في أوّل السّاعة التاسعة (١). وقرئ أيضا سجلّ بالمنع من عمل الفقّاع وبيعه في الأسواق، لما يؤثر عن علي بن أبي طالب ﵁ من كراهية شرب الفقّاع، وضرب في الطّرقات والأسواق بالجرس (¬b)، ونودي ألاّ يدخل الحمّام أحد إلاّ بمئزر، ولا تكشف امرأة وجهها في طريق ولا خلف جنازة ولا تتبرّج، ولا يباع شيء من السّمك بغير قشر، ولا يصطاده أحد من الصّيّادين. وقبض على جماعة وجدوا في الحمّام بغير مئزر، فضربوا وشهروا (٢). وكتب في صفر من هذه السّنة على سائر المساجد وعلى الجامع العتيق بمصر من ظاهره وباطنه من جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت والحجر، وعلى المقابر والصّحراء، سبّ السّلف ولعنهم، ونقش ذلك ولوّن بالأصباغ والذّهب، وعمل ذلك على أبواب الدّور والقياسر، وأكره النّاس على ذلك. وتسارع النّاس إلى الدّخول في الدّعوة، فجلس لهم قاضي القضاة عبد/ العزيز بن محمد ابن النّعمان، فقدموا من سائر النّواحي والضّياع. فكان للرّجال يوم الأحد، وللنّساء يوم الأربعاء، وللأشراف وذوي الأقدار يوم الثلاثاء. وازدحم النّاس على الدّخول في الدّعوة فمات عدّة من الرّجال والنّساء. ولمّا وصلت قافلة الحاج، مرّ بهم من سبّ العامّة وبطشهم ما لا يوصف. فإنّهم أرادوا حمل الحاج على سبّ السّلف فأبوا، فحلّ بهم مكروة شديد (٣).

стр. 2785

وفي جمادى الآخرة من هذه السنة، فتحت «دار الحكمة بالقاهرة»، وجلس فيها القرّاء، وحملت الكتب إليها من خزائن القصور، ودخل النّاس إليها، وجلس فيها القرّاء والفقهاء والمنجّمون والنّحاة وأصحاب اللّغة والأطبّاء، وحصل فيها من الكتب في سائر العلوم ما لم ير مثله مجتمعا، وأجري على من فيها من الخدّام والفقهاء الأرزاق السّنيّة، وجعل فيها ما يحتاج إليه من الحبر والأقلام والمحابر والورق (١). وفي يوم عاشوراء سنة ستّ وتسعين وثلاث مائة، كان من اجتماع النّاس ما جرت به العادة، وأعلن بسبّ السّلف فيه. فقبض على رجل نودي عليه: هذا جزاء من سبّ عائشة وزوجها ﷺ ، ومعه من الرّعاع ما لا يقع عليه حصر، وهم يسبّون السّلف، فلمّا تمّ النّداء عليه ضرب عنقه (٢). واستهلّ شهر رجب من هذه السنة بيوم الأربعاء، فخرج أمر الحاكم بأمر اللّه أن يؤرّخ بيوم الثلاثاء (٣). وفي سنة سبع وتسعين وثلاث مائة، قبض على جماعة ممّن يعمل الفقّاع، ومن السّمّاكين ومن الطّبّاخين. وكبست الحمّامات فأخذ عدّة ممّن وجد بغير مئزر، فضرب الجميع لمخالفتهم الأمر، وشهروا (٤). وفي تاسع ربيع الآخر، أمر الحاكم بأمر اللّه بمحو ما كتب على المساجد وغيرها من سبّ السّلف، وطاف متولّي الشّرطة وألزم كلّ أحد بمحو ما كتب (¬a) من ذلك. ثم قرئ سجلّ في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وثلاث مائة: بألاّ يحمل شيء من النّبيذ والمزر، ولا يتظاهر به، ولا بشيء من الفقّاع والدّلينس والسّمك الذي لا قشر له والتّرمس المعفّن (¬b) (٥). وقرئ سجلّ في رمضان على سائر المنابر بأنّه: يصوم الصّائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرّؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون. صلاة الخمسين للذين بما (¬c) جاءهم فيها

стр. 2786

يصلّون، وصلاة الضّحى وصلاة التّراويح لا مانع لهم منها، ولا هم عنها يدفعون. يخمّس في التّكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التّربيع عليها المربّعون. يؤذّن ب «حيّ على خير العمل» المؤذّنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذّنون. ولا يسبّ أحد من السّلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف، والحالف منهم بما حلف. لكلّ مسلم مجتهد في دينه اجتهاده (¬a)، وإلى اللّه ربّه معاده، عنده كتابه وعليه حسابه (١). وفي صفر سنة أربع مائة، شهر جماعة بعد ما ضربوا بسبب بيع الفقّاع والملوخيّة والدّلينس والتّرمس (٢). وفي تاسع عشر شهر شوّال، أمر الحاكم بأمر اللّه برفع (¬b) ما كان يؤخذ من الخمس والزّكاة والفطرة والنّجوى، وأبطل قراءة مجالس الحكمة في القصر، وأمر بردّ التّثويب في الأذان، وأذن للنّاس في صلاة الضّحى وصلاة القنوت (¬c)، وأمر المؤذّنين بأسرهم في الأذان بألاّ يقولوا: «حيّ على خير العمل» وأن يقولوا في الأذان للفجر «الصّلاة خير من النّوم» (٣). ثم أمر في ثاني عشرين ربيع الآخر سنة ثلاث وأربع مائة بإعادة قول «حيّ على خير العمل» في الأذان، وقطع التّثويب، وترك قولهم: «الصّلاة خير من النّوم»، ومنع من صلاة الضّحى وصلاة التّراويح، وفتح باب الدّعوة، وأعيدت قراءة المجالس بالقصر على ما كانت. وكان بين المنع من ذلك والإذن فيه خمسة أشهر (٤). وضرب في جمادى من هذه السنة جماعة وشهروا بسبب بيع الملوخيّة، والسّمك الذي لا قشر له، وشرب المسكرات، وتتبّع السّكارى فضيّق عليهم (٥). وفي يوم الثلاثاء سابع عشرين شعبان سنة إحدى وأربع مائة، وقّع قاضي القضاة مالك ابن سعيد الفارقي إلى سائر الشّهود والأمناء، بخروج الأمر المعظّم بأن يكون الصّوم يوم الجمعة، والعيد يوم الأحد (٦).

стр. 2787

وفي شعبان سنة اثنتين وأربع مائة، قرئ سجلّ يشدّد فيه النّكير على بيع الملوخيّة والفقّاع والسّمك الذي لا قشر له، ومنع النّساء من الاجتماع في المآتم ومن اتّباع الجنائز، وأحرق الحاكم بأمر اللّه في هذا الشهر الزّبيب الذي في مخازن التّجّار، وأحرق ما وجد من الشّطرنج، وجمع صيّادي السّمك وحلّفهم بالأيمان المؤكّدة ألاّ يصطادوا سمكا بغير قشر، ومن فعل ذلك ضربت عنقه (١). وأحرق في خمسة عشر يوما ألفين وثمان مائة وأربعين قطعة زبيب: بلغ ثمن النّفقة عليها خمس مائة دينار (¬a) (٢). ومنع من بيع العنب إلاّ أربعة أرطال فيما دونها، ومنع من اعتصاره، وطرح عنبا كثيرا في الطّرقات وأمر بدوسه. فامتنع النّاس من التّظاهر بشيء من العنب في الأسواق، واشتدّ الأمر فيه، وغرّق منه ما حمل في النّيل (٣). وأحصى ما بالجيزة من الكروم، فقطف ما عليها من العنب، وطرح بأجمعه (¬b) تحت أرجل البقر لتدوسه، وفعل مثل ذلك في جهات كثيرة (٤). وختم على مخازن العسل، وغرّق منه في أربعة أيّام/ خمسة آلاف جرّة وإحدى وخمسين جرّة فيها العسل، وغرّق من عسل النّحل قدر إحدى وخمسين زيرا (٥). وفي جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربع مائة، اشتدّ الإنكار على النّاس بسبب بيع الفقّاع والزّبيب والسّمك الذي لا قشر له، وقبض على جماعة وجد عندهم زبيب فضربت أعناقهم وسجنت عدّة منهم وأطلقوا (٦). وفي شوّال اعتقل رجل، ثم شهر ونودي عليه: هذا جزاء من سبّ أبا بكر وعمر، ويثير الفتن. فاجتمع خلق كثير بباب القصر، فاستغاثوا: لا طاقة لنا بمخالفة المصريين، ولا بمخالفة الحشويّة من العوامّ، ولا صبر لنا على ما جرى، وكتبوا قصصا. فصرفوا، ووعدوا بالمجيء في

стр. 2788

غد. فبات كثير منهم بباب القصر، واجتمعوا من الغد فصاحوا وضجّوا. فخرج إليهم قائد القوّاد غبن (¬a) فنهاهم، وأمرهم عن أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أن يمضوا إلى معايشهم. فانصرفوا إلى قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي وشكوا إليه، فتبرّم من ذلك، فمضوا وفيهم من يسبّ السّلف، ويعرّض بالنّاس. فقرئ سجلّ في القصر بالتّرحّم على السّلف من الصّحابة، والنّهي عن الخوض في ذلك. وركب مرّة فرأى لوحا على قيساريّة فيه سبّ السّلف، فأنكره، وما زال واقفا حتى قلع، وضرب بالجرس (¬b) في سائر طرقات مصر والقاهرة. وقرئ سجلّ بتتبّع الألواح المنصوبة على سائر أبواب القياسر والحوانيت والدّور والخانات والأرباع، المشتملة على ذكر الصّحابة والسّلف الصّالح ﵏ بالسّبّ واللّعن، وقلع ذلك وكسره وتقفية أثره، ومحو ما على الحيطان من هذه الكتابة، وإزالة جميعها من سائر الجهات حتى لا يرى لها أثر في جدار ولا نقش في لوح، وحذّر فيه من المخالفة، وهدّد بالعقوبة. ثم انتقض ذلك كلّه، وعاد الأمر إلى ما كان عليه (١). إلى أن قتل الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ منصور بن المستعلي باللّه أبي القاسم أحمد ابن المستنصر باللّه أبي تميم معدّ، وثار أبو عليّ أحمد الملقّب كتيفات - بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، واستولى على الوزارة في سنة أربع وعشرين وخمس مائة وسجن الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد ابن الخليفة المستنصر باللّه، وأعلن بمذهب الإمامية، والدّعوة للإمام المنتظر، وضرب دراهم نقشها «اللّه الصّمد. الإمام محمّد» (٢). ورتّب في سنة خمس وعشرين أربعة قضاة: اثنان: أحدهما إماميّ والآخر إسماعيليّ، واثنان: أحدهما مالكيّ والآخر شافعيّ، فحكم كلّ منهما بمذهبه، وورّث على مقتضاه، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الصّادق، وأبطل من الأذان «حيّ على خير العمل» وقولهم: «محمّد وعليّ خير البشر» (٣). فلمّا قتل في المحرّم سنة ستّ وعشرين، عاد الأمر إلى ما كان عليه من مذهب الإسماعيلية.

стр. 2789

وما برح حتى قدمت عساكر الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي من دمشق عليها أسد الدّين شيركوه، وولي وزارة مصر للخليفة العاضد لدين اللّه أبي محمد عبد اللّه ابن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين اللّه، ومات. فقام في الوزارة بعده ابن أخيه السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، في جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمس مائة، وشرع في تغيير الدّولة وإزالتها، وحجر على العاضد، وأوقع بأمراء الدّولة وعساكرها، وأنشأ بمدينة مصر مدرسة للفقهاء الشّافعيّة ومدرسة للفقهاء المالكيّة، وصرف قضاة مصر الشّيعة كلّهم، وفوّض القضاء لصدر الدّين عبد الملك بن درباس الماراني الشّافعيّ (١)، فلم يستنب عنه في إقليم مصر إلاّ من كان شافعيّ المذهب. فتظاهر النّاس من حينئذ بمذهبي (¬a) مالك والشّافعي، واختفى مذهب الشّيعة والإسماعيلية والإماميّة حتى فقد من أرض مصر (¬b) (٢). وكذلك كان السّلطان الملك العادل نور الدّين محمود بن عماد الدّين زنكي بن آق سنقر حنفيّا فيه تعصّب. فنشر مذهب أبي حنيفة ﵀ ببلاد الشّام، ومنه كثرت الحنفيّة بمصر، وقدم إليها أيضا عدّة من بلاد الشّرق، وبنى لهم السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب «المدرسة السّيوفيّة» بالقاهرة (٣)، وما زال مذهبهم ينتشر ويقوى، وفقهاؤهم تكثر بمصر والشّام من حينئذ. وأمّا «العقائد» فإنّ السّلطان صلاح الدّين حمل الكافّة على عقيدة الشّيخ أبي الحسن عليّ ابن إسماعيل الأشعري، تلميذ أبي عليّ الجبّائي (٤)، وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر:

стр. 2790

كالمدرسة النّاصريّة بجوار قبر الإمام الشّافعيّ من القرافة، والمدرسة النّاصريّة التي عرفت بالشّريفيّة بجوار جامع عمرو بن العاص بمصر، والمدرسة المعروفة بالقمحيّة بمصر، وخانكاه سعيد السّعداء بالقاهرة (١). فاستمرّ الحال على «عقيدة الأشعري» بديار مصر وبلاد الشّام وأرض الحجاز واليمن، وبلاد المغرب أيضا لإدخال محمد بن تومرت رأي الأشعري إليها. حتى إنّه صار هذا الاعتقاد بسائر هذه البلاد، بحيث إنّ من خالفه ضرب عنقه، والأمر على ذلك إلى اليوم. ولم يكن في الدّولة الأيّوبيّة بمصر كثير ذكر لمذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، ثم اشتهر مذهب أبي حنيفة وأحمد ابن حنبل في آخرها. فلمّا كانت/ سلطنة الملك الظّاهر بيبرس البندقداري، ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة وهم شافعي ومالكيّ وحنفي وحنبلي (٢). فاستمرّ ذلك من سنة خمس وستين وستّ مائة، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة وعقيدة الأشعري. وعملت لأهلها المدارس والخوانك والزّوايا والرّبط في سائر ممالك الإسلام، وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه. ولم يولّ قاض، ولا قبلت شهادة أحد، ولا قدّم للخطابة والإمامة والتّدريس أحد، ما لم يكن مقلّدا لأحد هذه المذاهب. وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها؛ والعمل على هذا إلى اليوم. *** وإذ قد بيّنّا الحال في سبب اختلاف الأمّة منذ توفّي رسول اللّه ﷺ ، إلى أن استقرّ العمل على مذهب مالك والشّافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل - رحمة اللّه عليهم - فلنذكر اختلاف عقائد أهل الإسلام منذ كان، إلى أن التزم النّاس عقيدة الشّيخ أبي الحسن الأشعري، ﵀ ورضي عنه.

стр. 2791

ذكر فرق الخليقة واختلاف عقائدها وتباينها اعلم أنّ الذين تكلّموا في أصول الدّيانات قسمان، هما: من خالف ملّة الإسلام، ومن أقرّ بها. فأمّا «المخالفون لملّة الإسلام» فهم عشر طوائف: الأولى: الدّهريّة. والثّانية: أصحاب العناصر. والثّالثة: الثّنويّة وهم المجوس، ويقولون بأصلين هما النّور والظّلمة، ويزعمون أنّ النّور هو يزدان والظّلمة هو أهرمن، ويقرّون بنبوّة إبراهيم ﵇ وهم ثمان فرق: «الكيومرتيّة» أصحاب كيومرت الذي يقال إنّه آدم. و «الزّروانيّة» أصحاب زروان الكبير. و «الزّرادشتيّة» أصحاب زرادشت بن بيورست الحكيم. و «الثّنويّة» أصحاب الاثنين الأزليين. و «المانويّة» أصحاب ماني الحكيم. و «المزدكية» أصحاب مزدك (¬a) الخارجي. و «الدّيصانيّة» أصحاب ديصان (¬b) القائل بالأصلين القديمين. و «القرقونية» القائلون بالأصلين، وأنّ الشّرّ خرج على أبيه، وأنّه تولّد من فكرة فكّرها في نفسه، فلمّا خرج على أبيه - الذي هو الإله بزعمهم - عجز عنه، ثم وقع الصّلح بينهما على يد النّدمان وهم الملائكة. ومنهم من يقول بالتّناسخ، ومنهم من ينكر الشّرائع والأنبياء، ويحكّمون العقول، ويزعمون أنّ النّفوس العلوية تفيض عليهم الفضائل. والطّائفة الرّابعة: الطّبائعيون. والطّائفة الخامسة: «الصّابئة» القائلون بالهياكل والأرباب السّماوية والأصنام الأرضية وإنكار النّبوّات، وهم أصناف، وبينهم وبين الحنفاء مناظرات وحروب مهلكة، وتولّدت من مذاهبهم الحكمة الملطية، ومنهم أصحاب الرّوحانيات، وهم عبّاد الكواكب وأصنامها التي عملت على تمثالها (١).

стр. 2792

«والحنفاء» هم القائلون بأنّ الرّوحانيات منها ما وجودها بالقوّة، ومنها ما وجودها بالفعل، فما هو بالقوّة يحتاج إلى من يوجده بالفعل، ويقرّون بنبوّة إبراهيم وأنّه منهم (١). وهم طوائف: «الكاظمة» أصحاب كاظم بن تارح، ومن قوله: إنّ الحقّ في الجمع بين شريعة إدريس وشريعة نوح وشريعة إبراهيم ﵈. ومنهم «البيدانيّة» أصحاب بيدان الأصغر، ومن قوله: اعتقاد نبوّة من يفهم عالم الرّوح، وأنّ النّبوّة من أسرار الإلهية. ومنهم «القنطارية» أصحاب قنطار بن أرفخشذ، ويقرّ بنبوّة نوح. ومن فرق الصّابئة «أصحاب الهياكل»، ويرون أنّ الشّمس إله كلّ إله. و «الحرّانيّة» ومن قولهم: المعبود واحد بالذات، وكثير بالأشخاص في رأي العين، وهي: المدبّرات السّبع من الكواكب، والأرضية الجزئية، والعالمة الفاضلة. والطّائفة السّادسة: اليهود. والسّابعة: النّصارى. والثّامنة: أهل الهند القائلون بعبادة الأصنام، ويزعمون أنّها موضوعة قبل آدم. ولهم حكم عقلية وأحكام وضعها الشّلم أعظم حكّامهم، والمهندم قبله، والبراهمة قبل ذلك؛ فالبراهمة أصحاب برهام أوّل من أنكر نبوّة البشر (٢). ومنهم «البردة»: زهّاد عبّاد رجال الرّماد الذين يهجرون اللّذّات الطّبيعية، وأصحاب الرّياضة التّامّة، وأصحاب التّناسخ. وهم أقسام: أصحاب الرّوحانيات (¬a)، والنّهادرية، والنّاسوتية، والباهرية، والكابلية أهل الجبل، ومنهم الطّبسيون، أصحاب الرّياضة الفاعلة، حتى إنّ منهم من يجاهد نفسه حتى يسلّطها على جسده، فيصعد في الهواء على قدر قوّته تلك (¬b). وفي الهنود (¬c): عبّاد النّار، وعبّاد الشّمس والقمر والنّجوم، وعبّاد الأوثان. والطّائفة التّاسعة: الزّنادقة، وهم طوائف منهم القرامطة.

стр. 2793

والعاشرة: الفلاسفة أصحاب الفلسفة. وهذه الكلمة معناها محبّة الحكمة (¬a)، فإنّ «فيلو» محبّ، و «سوفيا» حكمة، والحكمة قولية وفعلية، وعلم الحكماء انحصر في أربعة أنواع: الطّبيعي، والمدني، والرّياضي، والإلهي. والمجموع ينصرف إلى: علم ما، وعلم كيف، وعلم كمّ. فالعلم الذي يطلب فيه ماهيّة (¬b) الأشياء هو الإلهي، والذي يطلب فيه كيفيّات الأشياء هو الطّبيعي، والذي يطلب فيه كمّيّات الأشياء/ هو الرّياضي (١). ووضع بعد ذلك أرسطو صنعة المنطق، وكانت بالقوّة في كلام القدماء، فأظهرها في ترتيبه. واسم الفلاسفة يطلق على جماعة من الهند - وهم الطّبسيون والبراهمة - ولهم رياضة شديدة، وينكرون النّبوّة أصلا (٢). ويطلق أيضا على العرب بوجه أنقص، وحكمتهم ترجع إلى أفكارهم وإلى ملاحظة طبيعية، ويقرّون بالنّبوّات، وهم أضعف النّاس في العلوم (٣). ومن الفلاسفة حكماء الرّوم وهم طبقات: فمنهم أساطين الحكمة وهم أقدمهم، ومنهم المشّاءون، وأصحاب الرّواق، وأصحاب أرسطو، وفلاسفة الإسلام (٤). فمن فلاسفة الرّوم: الحكماء السّبعة أساطين الحكمة - أهل ملطية وقونية - وهم: تاليس الملطي، وإنكساغورس، وإنكسمانس وإنبادقليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون. ودون هؤلاء: فلوطرخيس، وبقراط وديمقراطيس، والشّعراء، والنّسّاب (¬c) (٥). ومنهم حكماء الأصول من القدماء، ولهم القول بالسّيمياء، ولهم أسرار الخواصّ والحيل والكيمياء والأسماء الفعّالة والحروف، ولهم علوم توافق علوم الهند وعلوم اليونانيين. وليس من موضوع كتابنا هذا ذكر تراجمهم، فلذلك تركناها (٦). القسم الثّاني: «فرق أهل الإسلام» الذين عناهم النبيّ ﷺ بقوله: «ستفترق أمّتي ثلاثا وسبعين فرقة: اثنتان وسبعون هالكة، وواحدة ناجية». وهذا الحديث أخرجه أبو داود والتّرمذيّ

стр. 2794

وابن ماجه، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى (أو اثنتين وسبعين) فرقة، وتفرّقت النّصارى على إحدى (أو اثنتين وسبعين) فرقة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة». قال البيهقي: حسن صحيح. وأخرجه الحاكم وابن حبّان في «صحيحه» بنحوه. فأخرجه في «المستدرك» من طريق الفضل ابن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث كثير في الأصول. وقد روي عن سعد بن أبي وقّاص، وعبد اللّه بن عمر، وعوف بن مالك، عن رسول اللّه ﷺ . وقد احتجّ مسلم بمحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، واتّفقا جميعا على الاحتجاج بالفضل بن موسى، وهو ثقة (١). واعلم أنّ فرق المسلمين خمس: «أهل السّنّة» و «المرجئة»، و «المعتزلة»، و «الشّيعة»، و «الخوارج». وقد افترقت كلّ فرقة منها على فرق: فأكثر افتراق أهل السّنّة في الفتيا، ونبذ يسيرة من الاعتقادات. وبقيّة الفرق الأربع: منها ما (¬a) يخالف أهل السّنّة الخلاف البعيد، ومنها من يخالفهم الخلاف القريب. فأقرب «فرق المرجئة» من قال: الإيمان إنّما هو التّصديق بالقلب واللّسان معا فقط، وإنّ الأعمال إنّما هي فرائض الإيمان وشرائعه فقط، وأبعدهم أصحاب جهم بن صفوان ومحمد ابن كرّام. وأقرب «فرق المعتزلة» أصحاب الحسين النّجّار وبشر بن غيّاث المريسي، وأبعدهم أصحاب أبي الهذيل العلاّف. وأقرب «مذاهب الشّيعة» أصحاب الحسن بن صالح بن حيّ، وأبعدهم الإماميّة. وأمّا الغالية فليسوا مسلمين، ولكنّهم أهل ردّة وشرك. وأقرب «فرق الخوارج» أصحاب عبد اللّه بن يزيد الإباضي، وأبعدهم الأزارقة. وأمّا البطّيخيّة ومن جحد شيئا من القرآن، أو فارق الإجماع من العجاردة وغيرهم، فكفّار بإجماع الأمّة. وقد انحصرت الفرق الهالكة في عشر طوائف:

стр. 2795

الفرقة الأولى المعتزلة (١) الغلاة في نفي الصّفات الإلهية، القائلون بالعدل والتّوحيد، وأنّ المعارف كلّها عقلية حصولا ووجوبا قبل الشّرع وبعده، وأكثرهم على أنّ الإمامة بالاختيار. وهم عشرون فرقة: إحداها: «الواصليّة»، أصحاب واصل بن عطاء أبي حذيفة الغزّال - مولى بني ضبّة، وقيل مولى بني مخزوم - (¬a)) ولد بالمدينة سنة ثمانين، ونشأ بالبصرة، ولقي أبا هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفيّة، ولازم مجلس الحسن بن أبي (¬b) الحسن (¬c) البصري، وأكثر من الجلوس بسوق الغزل ليعرف النّساء المتعفّفات، فيصرف إليهن صدقته، فقيل له الغزّال من أجل ذلك. وكان طويل العنق جدّا، حتى عابه عمرو بن عبيد بذلك، فقال: من هذه عنقه لا خير عنده. فلمّا برع واصل قال عمرو: ربّما أخطأت الفراسة. وكان يلثغ بالرّاء، ومع ذلك فكان فصيحا لسنا مقتدرا على الكلام قد أخذ بجوامعه، فلذلك أمكنه أن أسقط حرف الرّاء من كلامه، واجتناب الحروف صعب جدّا، سيّما (¬d) مثل الراء؛ لكثرة استعمالها.

стр. 2796

وله رسالة طويلة لم يذكر فيها حرف الرّاء، أحد بدائع الكلام، وكان لكثرة صمته يظنّ به الخرس، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. وله كتاب «المنزلة بين المنزلتين»، وكتاب «الفتيا»، وكتاب «التّوحيد»، وعنه أخذ جماعة، وأخباره كثيرة (¬a)، ويقال لهم أيضا «الحسنيّة» نسبة إلى الحسن البصري. وأخذ واصل العلم عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفيّة، وخالفه في الإمامة. واعتزاله يدور على أربع قواعد هي: «نفي الصّفات»، و «القول بالقدر»، و «القول بمنزلة بين منزلتين»، وأوجب الخلود في النّار على من ارتكب كبيرة. فلمّا بلغ الحسن البصري عنه/ هذا، قال: هؤلاء اعتزلوا، فسمّوا من حينئذ «المعتزلة». وقيل إنّ تسميتهم بذلك حدثت بعد الحسن، وذلك أنّ عمرو بن عبيد لمّا مات الحسن، وجلس قتادة مجلسه، اعتزله في نفر معه، فسمّاهم قتادة «المعتزلة». القاعدة الرّابعة: القول بأنّ إحدى الطّائفتين من أصحاب الجمل وصفّين مخطئة لا بعينها. وكان في خلافه هشام بن عبد الملك. والثّانية: «العمرويّة»، أصحاب عمرو بن عبيد (¬b)، ومن قوله: ترك قول عليّ بن أبي طالب وطلحة والزّبير ﵃. وقال ابن قتيبة (¬c): اعتزل عمرو بن عبيد وأصحابه الحسن، فسمّوا المعتزلة. والثّالثة: «الهذيليّة»: أتباع أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاّف شيخ المعتزلة، أخذ عن عثمان بن خالد الطّويل، عن واصل بن عطاء، ونظر في الفلسفة، ووافقهم في كثير، وقال: جميع الطّاعات من الفرائض والنّوافل إيمان. وانفرد بعشر مسائل وهي: أنّ علم اللّه وقدرته وحياته هي ذاته، وأثبت إرادات لا محلّ لها يكون الباري مريدا بها (¬d). وقال: بعض كلام اللّه لا في محلّ وهو قوله كن، وبعضه في محلّ كالأمر والنّهي. وقال في أمور الآخرة كمذهب الجبريّة. وقال: تنتهي مقدورات اللّه حتى لا يقدر على إحداث شيء، ولا على إفناء شيء، ولا إحياء (¬e) ولا إماتة (¬f)، وتنقطع حركات أهل الجنّة والنّار، ويصيرون إلى سكون دائم.

стр. 2797

وقال: الاستطاعة عرض من الأعراض نحو السّلامة والصّحّة (¬a)، وفرّق بين أفعال (¬b) القلوب وأعمال الجوارح. وقال: تجب معرفة اللّه قبل ورود السّمع، وأنّ المرء المقتول إن لم يقتل مات في ذلك الوقت، ولا يزاد العمر (¬c) ولا ينقص بخلاف الرّزق. وقال: إرادة اللّه عين المراد، والحجّة لا تقوم فيما غاب إلاّ بخبر عشرين. والرّابعة: «النّظّاميّة»، أتباع إبراهيم بن سيّار النّظّام - بتشديد الظّاء المعجمة - زعيم المعتزلة، وأحد السّفهاء. انفرد بعدّة مسائل، وهي قوله: إنّ اللّه تعالى لا يوصف بالقدرة على الشّرور والمعاصي، وأنّها غير مقدورة للّه. وقال: ليس للّه إرادة، وأفعال العباد كلّها حركات، والنّفس والرّوح هو الإنسان، والبدن إنّما هو آلة فقط، وإنّ كلّ ما جاوز محلّ (¬d) القدرة من الفعل فهو من اللّه وهو فعله. وأنكر الجوهر الفرد، وأحدث القول بالطّفرة، وقال: الجوهر مؤلّف من أعراض اجتمعت، وزعم أنّ اللّه خلق الموجودات دفعة واحدة (¬d) على ما هي عليه، وأنّ الإعجاز في القرآن من حيث الإخبار عن الغيب فقط، وأنكر أن يكون الإجماع حجّة، وطعن في الصّحابة ﵃ وقال - قبّحه اللّه -: أبو هريرة أكذب النّاس، وزعم أنّه ضرب فاطمة ابنة رسول اللّه ﷺ . ومنع ميراث العترة، وأوجب معرفة اللّه بالفكر قبل ورود الشّرع، وحرّم نكاح الموالي العربيات، وقال: لا تجوز صلاة التّراويح، ونهى عن ميقات الحجّ، وكذّب بانشقاق القمر، وأحال رؤية الجنّ، وزعم أنّ من سرق مائتي درهم فما دونها لم يفسق، وأنّ الطّلاق بالكناية لا يقع وإن كان بنيّة، وأنّ من نام مضطجعا لا ينتقض وضوؤه ما لم يخرج منه الحدث، وقال: لا يلزم قضاء الصّلوات إذا فاتت. والخامسة: «الأسوارية»، أتباع أبي عليّ عمرو بن قائد الأسواري، القائل: إنّ اللّه تعالى لا يقدر أن يفعل ما علم أنّه لا يفعله. والسّادسة: «الإسكافيّة»، أتباع أبي جعفر محمد بن عبد اللّه الإسكافي، ومن قوله: إنّ اللّه تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، ويقدر على ظلم الأطفال والمجانين، وإنّه لا يقال إنّ اللّه خالق المعازف والطّنابير، وإن كان هو الذي خلق أجسامها.

стр. 2798

والسّابعة «الجعفريّة»، أتباع جعفر بن حرب بن ميسرة. ومن قوله: إنّ في فسّاق هذه الأمّة من هو شرّ من اليهود والنّصارى والمجوس، وأسقط الحدّ عن شارب الخمر، وزعم أنّ الصّغائر من الذّنوب توجب تخليد فاعلها في النّار، وأنّ رجلا لو بعث رسولا إلى امرأة ليخطبها، فجاءته فوطئها من غير عقد لم يكن عليه حدّ، ويكون وطؤه إيّاها طلاقا لها. والثّامنة: «البشريّة»، أتباع بشر بن المعتمر، ومن قوله: اللّون والطّعم (¬a) والرّائحة والإدراكات كلّها من السّمع (¬b)) والبصر وغير ذلك (¬b)، يجوز أن تحصل متولّدة، وصرف الاستطاعة إلى سلامة البنية والجوارح وقال: لو عذّب اللّه الطّفل الصّغير لكان ظالما وهو يقدر على ذلك، وقال: إرادة اللّه من جملة أفعاله، ثم هي تنقسم إلى صفة فعل وصفة ذات، وقال باللّطف المخزون، وأنّ اللّه لم يخلقه لأنّ ذلك يوجب عليه الثّواب، وأنّ التّوبة الأولى متوقّفة على الثانية، وأنّها لا تنفع إلاّ بعدم الوقوع في الذي وقع فيه، فإن وقع لم تنفعه الأولى (¬c). والتّاسعة: «المزداريّة»، أتباع أبي موسى عيسى بن صبيح - المعروف بالمزدار - تلميذ بشر ابن المعتمر. وكان زاهدا، وقيل له راهب المعتزلة، وانفرد بمسائل منها: قوله: إنّ اللّه قادر على أن يكذب ويظلم (¬d) ولا يطعن ذلك في الرّبوبيّة، وجوّز وقوع الفعل الواحد من فاعلين على سبيل التّولّد، وزعم أنّ القرآن ممّا يقدر عليه، وأنّ بلاغته وفصاحته لا تعجز النّاس، بل يقدرون على الإتيان بمثلها وأحسن منها. وهو أصل المعتزلة في القول ب «خلق القرآن»، وقال: من أجاز رؤية اللّه بالأبصار بلا كيف فهو كافر، والشّاكّ في كفره كافر أيضا. والعاشرة: «الهشاميّة»، أتباع هشام بن عمرو الفوطي الذي يبالغ في القدر، ولا ينسب إلى اللّه فعلا من الأفعال./ حتى إنّه أنكر أن يكون اللّه هو الذي ألّف بين قلوب المؤمنين، وأنّه يحبّ الإيمان للمؤمنين، وأنّه أضلّ الكافرين. وعاند ما في القرآن من ذلك، وقال: لا تنعقد الإمامة في زمن الفتنة واختلاف النّاس، وإنّ الجنّة والنّار غير مخلوقتين، ومنع أن يقال حسبنا اللّه ونعم الوكيل، وقال: لأنّ الوكيل دون الموكّل. وقال: لو أسبغ أحد الوضوء، ودخل في الصّلاة بنيّة القربة للّه والعزم على إتمامها، وركع وسجد مخلصا في ذلك كلّه، إلاّ أنّ اللّه علم أنّه يقطعها في آخرها، فإنّ أوّل صلاته يكون (¬e)

стр. 2799

معصية. ومنع أن يكون البحر انفلق لموسى، وأنّ عصاه انقلبت حيّة، وأنّ عيسى أحيا الموتى بإذن اللّه، وأنّ القمر انشقّ للنّبيّ ﷺ . وأنكر كثيرا من الأمور التي تواترت، كحصر عثمان بن عفّان ﵁ وقتله بالغلبة، وقال إنّما جاءه شرذمة قليلة فشكوا عمّاله، ثم دخلوا عليه وقتلوه فلا يدرى قاتله. وقال: إنّ طلحة والزّبير وعليّ بن أبي طالب ﵃ ما جاءوا للقتال في حرب الجمل، وإنّما برزوا للمشاورة، وتقاتل أتباع الفريقين في ناحية أخرى. وإنّ الأمّة إذا اجتمعت كلّها، وتركت الظّلم والفساد، احتاجت إلى إمام يسوسها، فأمّا إذا عصت وفجرت وقتلت واليها فلا تنعقد الإمامة لأحد. وبنى على ذلك أنّ إمامة عليّ ﵁ لم تنعقد (¬a)) من أجل (¬a) أنّها كانت في حال الفتنة بعد قتل عثمان - وهو أيضا مذهب الأصمّ - وواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد - وأنكر افتضاض الأبكار في الجنّة، وأنكر أنّ الشيطان يدخل في الإنسان، وإنّما يوسوس له من خارج، واللّه يوصّل وسوسته إلى قلب ابن آدم. وقال: لا يقال خلق اللّه الكافر لأنّه اسم العبد والكفر جميعا، وأنكر أن يكون في أسماء اللّه: الضّار النّافع. والحادية عشرة: «الحائطيّة»، أتباع أحمد بن حائط، أحد أصحاب إبراهيم بن سيّار النّظّام، وله بدع شنيعة: منها أنّ للخلق إلهين: أحدهما خالق وهو الإله القديم، والآخر مخلوق وهو عيسى بن مريم. وزعم أنّ المسيح ابن اللّه، وأنّه هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وأنّه المعني بقول اللّه تعالى في القرآن: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمامِ﴾ [الآية ٢١٠ سورة البقرة]. وزعم في قول النّبيّ ﷺ : «إنّ اللّه خلق آدم على صورته، أنّ معناه خلقه إيّاه على صورة نفسه، وأنّ معنى قوله ﵇: (إنّكم سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر)، إنّما أراد به عيسى. وزعم أنّ في الدّوابّ والطّيور والحشرات، حتى البقّ والبعوض والذّباب، أنبياء؛ لقول اللّه سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [الآية ٢٤ سورة فاطر]، وقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي اَلْكِتابِ مِنْ شَيْ ءٍ﴾ [الآية ٣٨ سورة الأنعام]، ولقول رسول اللّه ﷺ : «لولا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها».

стр. 2800

وذهب مع ذلك إلى القول بالتّناسخ، وزعم أنّ اللّه ابتدأ الخلق في الجنّة، وإنّما خرج من خرج منها بالمعصيّة. وطعن في النّبيّ ﷺ من أجل تعدّد نكاحه، وقال: إنّ أبا ذرّ الغفاري أنسك وأزهد منه، قبّحه اللّه. وزعم أنّ كلّ من نال خيرا في الدّنيا إنّما هو بعمل كان منه، ومن ناله مرض أو آفة فبذنب كان منه. وزعم أنّ روح اللّه تناسخت في الأئمة. والثّانية عشرة: «الحمارية»، أتباع قوم من معتزلة عسكر مكرم. ومن مذهبهم أنّ الممسوخ إنسان كافر معتقد الكفر، وأنّ النّظر أوجب المعرفة وهو لا فاعل له، وكذلك الجماع أوجب الولد فشكّ في خالق الولد، وأنّ الإنسان يخلق أنواعا من الحيوانات بطريق التّعفين. وزعموا أنّه يجوز أن يقدر اللّه العبد على خلق الحياة والقدرة. والثّالثة عشرة: «المعمريّة»، أتباع معمر بن عباد السّلمي (١)، وهو أعظم القدريّة غلوّا، وبالغ في رفع الصّفات والقدر (¬a) بالجملة، وانفرد بمسائل منها: أنّ الإنسان يدبّر الجسد وليس بحالّ فيه، ولا ذي لون وتأليف وحركة، ولا حال ولا متمكّن، وأنّ الإنسان شيء غير هذا الجسد، وهو حيّ عالم قادر مختار، وليس هو بمتحرّك، ولا ساكن، ولا متلوّن، ولا يرى، ولا يلمس، ولا يحلّ موضعا، ولا يحويه مكان. فوصف الإنسان (¬b)) بصفة إلاهه (¬b) عنده، فإنّ مدبّر العالم موصوف عنده كذلك. وزعم أنّ الإنسان منعّم في الحياة، وموزّر في النّار، وليس هو في الجنّة ولا في النّار حالاّ ولا متمكّنا. وقال: إنّ اللّه لم يخلق غير الأجسام، وأنّ (¬c) الأعراض تابعة لها متولّدة منها، وأنّ الأعراض لا تتناهى في كلّ نوع، وأنّ الإرادة من اللّه للشّيء غير اللّه وغير خلقه، وأنّ اللّه ليس بقديم؛ لأنّ ذلك أخذ من: قدم يقدم فهو قديم. والرّابعة عشرة: «الثّماميّة»، أتباع ثمامة بن أشرس النّميري (٢). وجمع بين النّقائض، وقال: العلوم كلّها ضرورية، فكلّ من لم يضطرّ إلى معرفة اللّه فليس بمأمور بها، وهو كالبهائم

стр. 2801

ونحوها. وزعم أنّ اليهود والنّصارى والزّنادقة يصيرون يوم القيامة ترابا كالبهائم، ولا ثواب لهم ولا عقاب ألبتّة، لأنّهم غير مأمورين، إذ هم غير مضطرين إلى معرفة اللّه. وزعم أنّ الأفعال متولّدة كلّها (¬a) لا فاعل لها، وأنّ الاستطاعة هي السّلامة وصحّة الجوارح، وأنّ العقل هو الذي يحسّن ويقبّح، فتجب معرفة اللّه قبل ورود الشّرع،/ وأن لا فعل للإنسان إلاّ الإرادة وما عداها فهو حدث. والخامسة عشرة: «الجاحظيّة»، أتباع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (١)، وله مسائل تميّز بها عن أصحابه: منها أنّ المعارف كلّها ضرورية، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد، وإنّما هي طبيعية، وليس للعباد كسب سوى الإرادة، وأنّ العباد لا يخلّدون في النّار بل يصيرون في (¬b) طبيعتها، وأنّ اللّه لا يدخل أحدا النّار، وإنّما النّار تحدث (¬c) أهلها بنفسها وطبيعتها، وأنّ القرآن المنزّل من قبيل الأجساد، ويمكن أن يصير مرّة رجلا ومرّة حيوانا، وأنّ اللّه لا يريد المعاصي، وأنّه لا يرى، وأنّ اللّه يريد، بمعنى (¬d) لا يغلط ولا يصحّ في حقّه السّهو فقط، وأنّه يستحيل العدم على الجواهر من الأجسام. والسّادسة عشرة: «الخيّاطيّة»، أصحاب أبي الحسين بن أبي عمرو الخيّاط (٢)، شيخ أبي القاسم الكعبي، من معتزلة بغداد. زعم أنّ المعدوم شيء، وأنّه في العدم جسم إن كان في حدوثه جسما، وعرض إن كان في حدوثه عرضا.

стр. 2802

والسّابعة عشرة: «الكعبيّة»، أتباع أبي القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخي، المعروف بالكعبي (١)، من معتزلة بغداد. انفرد بأشياء، منها: إرادة (¬a) اللّه ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد (¬b) لذاته، ولا إرادته حادثة في محل، وإنّما يرجع ذلك إلى العلم فقط، والسّمع والبصر يرجع إلى ذلك أيضا. وأنكر الرّؤية، وقال: إذا قلنا إنّه يرى المرئيات، فإنّما ذلك يرجع إلى علمه بها وتمييزها قبل أن توجد. والثّامنة عشرة: «الجبّائيّة»، أتباع أبي عليّ محمد بن عبد الوهّاب الجبّائي (٢)، من معتزلة البصرة، تفرّد بمقالات منها: أنّ اللّه تعالى يسمّى مطيعا للعبد إذا فعل ما أراد العبد منه، وأنّ اللّه محبّل للنّساء بخلق الولد فيهن، وأنّ كلام اللّه عرض يوجد في أمكنة كثيرة، وفي مكان بعد مكان، من غير أن يعدم عن (¬c) مكانه الأوّل، ثم يحدث في الثّاني. وكان يقف في فضل عليّ

стр. 2803

على أبي بكر، وفضل أبي بكر على عليّ، ومع ذلك يقول: إنّ أبا بكر خير من عمر وعثمان، ولا يقول إنّ عليّا خير من عمر وعثمان. والتّاسعة عشرة: «البهشميّة»، أتباع أبي هاشم عبد السّلام بن أبي عليّ الجبّائي. وانفرد ببدع في مقالاته، منها: القول باستحقاق الذّمّ من غير ذنب. فزعم أنّ القادر منّا يجوز أن يخلو عن الفعل والتّرك، وأنّ القادر المأمور المنهي إذا لم يفعل فعلا ولا ترك، ويكون عاصيا مستحقّ العقاب والذّمّ لا على الفعل لأنّه لم يفعل ما أمر به، وأنّ اللّه يعذّب الكافرين والعصاة لا على فعل مكتسب ولا (¬a) محدث منه. وقال: التّوبة لا تصحّ من قبيح، مع الإصرار على قبح آخر يعمله (¬b) أو يعتقده قبيحا وإن كان حسنا، وإنّ التّوبة لا تصحّ مع الإصرار على منع حسنة واجبة عليه، وإنّ توبة الزّاني بعد ضعفه عن الجماع لا تصحّ. وزعم أنّ الطّهارة غير واجبة، وإنّما أمر العبد بالصّلاة في حال كونه متطهّرا، وأنّ الطّهارة تجزئ بالماء المغصوب، ولا تجزئ (¬c) في الأرض المغصوبة. وزعم أنّ الزّنج والتّرك والهنود قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وقال أبو علي وابنه أبو هاشم: الإيمان هو الطّاعات المفروضات (¬d). والفرقة العشرون من المعتزلة: «الشّيطانيّة»، أتباع محمد بن نعمان - المعروف بشيطان الطّاق (١) - وهو من الرّوافض. شارك كلاّ من المعتزلة والرّوافض في بدعهم، وقلّما يوجد معتزلي إلاّ وهو رافضي إلاّ قليلا منهم. وانفرد بطامّة وهي (¬e) أنّ اللّه لا يعلم الشيء إلاّ ما قدّره وأراده، وأمّا قبل تقديره فيستحيل أن يعلم، ولو كان عالما بأفعال عباده لاستحال أن يمتحنهم ويحشرهم (¬f). وللمعتزلة أسام أخر (¬g) منها: الثّنويّة؛ سمّوا بذلك لقولهم: الخير من اللّه، والشّرّ من العبد. ومنهم الكيسانيّة، والمناكتيّة، والأحمديّة، والوهميّة، والمبتريّة، والواسطيّة، والوارديّة؛ سمّوا بذلك لقولهم: لا يدخل المؤمنون النّار وإنّما يردون عليها، ومن أدخل النّار لا يخرج منها قطّ. ومنهم الحرقيّة لقولهم: الكعاب (¬h) لا تحرق إلاّ مرّة، والمفنيّة القائلون بفناء الجنّة والنّار، والواقفيّة

стр. 2804

القائلون بالوقف في خلق القرآن. ومنهم اللّفظيّة القائلون ألفاظ القرآن غير مخلوقة، والملتزقة القائلون: اللّه تعالى (¬a) بكلّ مكان، والقبريّة القائلون: بإنكار عذاب القبر. الفرقة الثانية المشّبهة وهم يغلون في إثبات صفات اللّه تعالى، ضدّ المعتزلة، وهم سبع فرق: الهشاميّة: أتباع هشام بن الحكم، ويقال لهم أيضا الحكميّة، ومن قولهم: الإله تعالى كنور السّبيكة الصّافية يتلألأ من جوانبه. ويرمون مقاتل بن سليمان بأنّه قال: هو لحم ودمّ على صورة الإنسان، وهو طويل عريض عميق، وأنّ طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، وهو ذو لون وطعم ورائحة، وهو سبعة أشبار بشبر نفسه. ولم يصحّ هذا القول عن مقاتل. والجولقيّة: أتباع هشام بن سالم الجولقي، وهو من الرّافضة أيضا. ومن شنيع أقواله: إنّ اللّه تعالى على صورة الإنسان، نصفه الأعلى مجوّف، ونصفه الأسفل مصمت، وله شعر أسود، وليس بلحم ودم، بل هو نور ساطع، وله خمس حواس كحواسّ الإنسان، ويد ورجل وفم وعين وأذن وشعر/ أسود، إلاّ الفرج واللّحية. والبيانيّة: أتباع بيان بن سمعان، القائل: هو على صورة الإنسان، ويهلك كلّه إلاّ وجهه؛ لظاهر الآية: ﴿كُلُّ شَيْ ءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ﴾ [الآية ٨٨ سورة القصص]. والمغيريّة: أتباع مغيرة بن سعيد العجلي، وهو أيضا من الرّوافض. ومن شنائعه قوله: إنّ أعضاء معبودهم على صورة حروف الهجاء، فالألف على صورة قدميه. وزعم أنّه رجل من نور على رأسه تاج من نور، وزعم أنّ اللّه كتب بأصبعه أعمال العباد من طاعة ومعصية، ونظر فيهما وغضب من معاصيهم فعرق، فاجتمع من عرقه بحران عذب ومالح، وزعم أنّه بكلّ مكان لا يخلو عنه مكان. والمنهاليّة: أصحاب منهال بن ميمون. والزّراريّة: أتباع زرارة بن أعين.

стр. 2805

واليّونسيّة: أتباع يونس بن عبد الرّحمن القمّي، وكلّهم من الرّوافض. وسيأتي ذكرهم إن شاء اللّه. ومنهم أيضا: السّابيّة، والشّاكيّة، والعملية والمستثنية، والبدعيّة، والحشرية (¬a)، والأثرية. ومنهم الكرّاميّة: أتباع محمد بن كرّام السّجستاني (١)، وهم طوائف: الهيضميّة، والإسحاقيّة، والجنديّة وغير ذلك. إلاّ أنهم يعدّون فرقة واحدة لأنّ بعضهم لا يكفّر بعضا وكلّهم مجسّمة، إلاّ أنّ فيهم من قال: هو قائم بنفسه، ومنهم من قال: هو أجزاء مؤتلفة، وله جهات ونهايات. ومن قول «الكرّاميّة»: إنّ الإيمان هو قول مفرد، وهو قول «لا إله إلاّ اللّه»، وسواء اعتقد أو لا. وزعموا أنّ اللّه جسم، وله حدّ ونهاية من جهة السّفل، وتجوز عليه ملاقاة الأجسام التي تحته، وأنّه على العرش والعرش مماسّ له، وأنّه محلّ الحوادث من القول والإرادة والإدراكات والمرئيات والمسموعات، وأنّ اللّه لو علم أحدا من عباده لا يؤمن به لكان خلقه إيّاهم عبثا، وأنّه يجوز أن يعزل نبيّا من الأنبياء والرّسل، ويجوز عندهم على الأنبياء كلّ ذنب لا يوجب حدّا ولا يسقط عدالة، وأنّه يجب على اللّه تواتر الرّسل، وأنّه يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، وأنّ عليّا ومعاوية كانا إمامين في وقت واحد، إلاّ أنّ عليّا كان على السّنّة ومعاوية على خلافها. وانفرد ابن كرّام في الفقه بأشياء، منها: أنّ المسافر يكفيه من صلاة الخوف تكبيرتان، وأجاز الصّلاة في ثوب مستغرق في النّجاسة. وزعم أنّ الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ وسائر العبادات تصحّ بغير نيّة، وتكفي نيّة الإسلام، وأنّ النّيّة تجب في النّوافل، وأنّه يجوز الخروج من الصّلاة
следующие страницы →