ونحوها. وزعم أنّ اليهود والنّصارى والزّنادقة يصيرون يوم القيامة ترابا كالبهائم، ولا ثواب لهم ولا عقاب ألبتّة، لأنّهم غير مأمورين، إذ هم غير مضطرين إلى معرفة اللّه. وزعم أنّ الأفعال متولّدة كلّها (¬a) لا فاعل لها، وأنّ الاستطاعة هي السّلامة وصحّة الجوارح، وأنّ العقل هو الذي يحسّن ويقبّح، فتجب معرفة اللّه قبل ورود الشّرع،/ وأن لا فعل للإنسان إلاّ الإرادة وما عداها فهو حدث.
والخامسة عشرة: «الجاحظيّة»، أتباع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (١)، وله مسائل تميّز بها عن أصحابه: منها أنّ المعارف كلّها ضرورية، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد، وإنّما هي طبيعية، وليس للعباد كسب سوى الإرادة، وأنّ العباد لا يخلّدون في النّار بل يصيرون في (¬b) طبيعتها، وأنّ اللّه لا يدخل أحدا النّار، وإنّما النّار تحدث (¬c) أهلها بنفسها وطبيعتها، وأنّ القرآن المنزّل من قبيل الأجساد، ويمكن أن يصير مرّة رجلا ومرّة حيوانا، وأنّ اللّه لا يريد المعاصي، وأنّه لا يرى، وأنّ اللّه يريد، بمعنى (¬d) لا يغلط ولا يصحّ في حقّه السّهو فقط، وأنّه يستحيل العدم على الجواهر من الأجسام.
والسّادسة عشرة: «الخيّاطيّة»، أصحاب أبي الحسين بن أبي عمرو الخيّاط (٢)، شيخ أبي القاسم الكعبي، من معتزلة بغداد. زعم أنّ المعدوم شيء، وأنّه في العدم جسم إن كان في حدوثه جسما، وعرض إن كان في حدوثه عرضا.
стр. 2802
والسّابعة عشرة: «الكعبيّة»، أتباع أبي القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخي، المعروف بالكعبي (١)، من معتزلة بغداد. انفرد بأشياء، منها: إرادة (¬a) اللّه ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد (¬b) لذاته، ولا إرادته حادثة في محل، وإنّما يرجع ذلك إلى العلم فقط، والسّمع والبصر يرجع إلى ذلك أيضا. وأنكر الرّؤية، وقال: إذا قلنا إنّه يرى المرئيات، فإنّما ذلك يرجع إلى علمه بها وتمييزها قبل أن توجد.
والثّامنة عشرة: «الجبّائيّة»، أتباع أبي عليّ محمد بن عبد الوهّاب الجبّائي (٢)، من معتزلة البصرة، تفرّد بمقالات منها: أنّ اللّه تعالى يسمّى مطيعا للعبد إذا فعل ما أراد العبد منه، وأنّ اللّه محبّل للنّساء بخلق الولد فيهن، وأنّ كلام اللّه عرض يوجد في أمكنة كثيرة، وفي مكان بعد مكان، من غير أن يعدم عن (¬c) مكانه الأوّل، ثم يحدث في الثّاني. وكان يقف في فضل عليّ
стр. 2803
على أبي بكر، وفضل أبي بكر على عليّ، ومع ذلك يقول: إنّ أبا بكر خير من عمر وعثمان، ولا يقول إنّ عليّا خير من عمر وعثمان.
والتّاسعة عشرة: «البهشميّة»، أتباع أبي هاشم عبد السّلام بن أبي عليّ الجبّائي. وانفرد ببدع في مقالاته، منها: القول باستحقاق الذّمّ من غير ذنب. فزعم أنّ القادر منّا يجوز أن يخلو عن الفعل والتّرك، وأنّ القادر المأمور المنهي إذا لم يفعل فعلا ولا ترك، ويكون عاصيا مستحقّ العقاب والذّمّ لا على الفعل لأنّه لم يفعل ما أمر به، وأنّ اللّه يعذّب الكافرين والعصاة لا على فعل مكتسب ولا (¬a) محدث منه.
وقال: التّوبة لا تصحّ من قبيح، مع الإصرار على قبح آخر يعمله (¬b) أو يعتقده قبيحا وإن كان حسنا، وإنّ التّوبة لا تصحّ مع الإصرار على منع حسنة واجبة عليه، وإنّ توبة الزّاني بعد ضعفه عن الجماع لا تصحّ. وزعم أنّ الطّهارة غير واجبة، وإنّما أمر العبد بالصّلاة في حال كونه متطهّرا، وأنّ الطّهارة تجزئ بالماء المغصوب، ولا تجزئ (¬c) في الأرض المغصوبة. وزعم أنّ الزّنج والتّرك والهنود قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وقال أبو علي وابنه أبو هاشم: الإيمان هو الطّاعات المفروضات (¬d).
والفرقة العشرون من المعتزلة: «الشّيطانيّة»، أتباع محمد بن نعمان - المعروف بشيطان الطّاق (١) - وهو من الرّوافض. شارك كلاّ من المعتزلة والرّوافض في بدعهم، وقلّما يوجد معتزلي إلاّ وهو رافضي إلاّ قليلا منهم. وانفرد بطامّة وهي (¬e) أنّ اللّه لا يعلم الشيء إلاّ ما قدّره وأراده، وأمّا قبل تقديره فيستحيل أن يعلم، ولو كان عالما بأفعال عباده لاستحال أن يمتحنهم ويحشرهم (¬f).
وللمعتزلة أسام أخر (¬g) منها: الثّنويّة؛ سمّوا بذلك لقولهم: الخير من اللّه، والشّرّ من العبد.
ومنهم الكيسانيّة، والمناكتيّة، والأحمديّة، والوهميّة، والمبتريّة، والواسطيّة، والوارديّة؛ سمّوا بذلك لقولهم: لا يدخل المؤمنون النّار وإنّما يردون عليها، ومن أدخل النّار لا يخرج منها قطّ.
ومنهم الحرقيّة لقولهم: الكعاب (¬h) لا تحرق إلاّ مرّة، والمفنيّة القائلون بفناء الجنّة والنّار، والواقفيّة
стр. 2804
القائلون بالوقف في خلق القرآن. ومنهم اللّفظيّة القائلون ألفاظ القرآن غير مخلوقة، والملتزقة القائلون: اللّه تعالى (¬a) بكلّ مكان، والقبريّة القائلون: بإنكار عذاب القبر.
الفرقة الثانية المشّبهة
وهم يغلون في إثبات صفات اللّه تعالى، ضدّ المعتزلة، وهم سبع فرق:
الهشاميّة: أتباع هشام بن الحكم، ويقال لهم أيضا الحكميّة، ومن قولهم: الإله تعالى كنور السّبيكة الصّافية يتلألأ من جوانبه. ويرمون مقاتل بن سليمان بأنّه قال: هو لحم ودمّ على صورة الإنسان، وهو طويل عريض عميق، وأنّ طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، وهو ذو لون وطعم ورائحة، وهو سبعة أشبار بشبر نفسه. ولم يصحّ هذا القول عن مقاتل.
والجولقيّة: أتباع هشام بن سالم الجولقي، وهو من الرّافضة أيضا. ومن شنيع أقواله: إنّ اللّه تعالى على صورة الإنسان، نصفه الأعلى مجوّف، ونصفه الأسفل مصمت، وله شعر أسود، وليس بلحم ودم، بل هو نور ساطع، وله خمس حواس كحواسّ الإنسان، ويد ورجل وفم وعين وأذن وشعر/ أسود، إلاّ الفرج واللّحية.
والبيانيّة: أتباع بيان بن سمعان، القائل: هو على صورة الإنسان، ويهلك كلّه إلاّ وجهه؛ لظاهر الآية: ﴿كُلُّ شَيْ ءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ﴾ [الآية ٨٨ سورة القصص].
والمغيريّة: أتباع مغيرة بن سعيد العجلي، وهو أيضا من الرّوافض. ومن شنائعه قوله: إنّ أعضاء معبودهم على صورة حروف الهجاء، فالألف على صورة قدميه. وزعم أنّه رجل من نور على رأسه تاج من نور، وزعم أنّ اللّه كتب بأصبعه أعمال العباد من طاعة ومعصية، ونظر فيهما وغضب من معاصيهم فعرق، فاجتمع من عرقه بحران عذب ومالح، وزعم أنّه بكلّ مكان لا يخلو عنه مكان.
والمنهاليّة: أصحاب منهال بن ميمون.
والزّراريّة: أتباع زرارة بن أعين.
стр. 2805
واليّونسيّة: أتباع يونس بن عبد الرّحمن القمّي، وكلّهم من الرّوافض. وسيأتي ذكرهم إن شاء اللّه.
ومنهم أيضا: السّابيّة، والشّاكيّة، والعملية والمستثنية، والبدعيّة، والحشرية (¬a)، والأثرية.
ومنهم الكرّاميّة: أتباع محمد بن كرّام السّجستاني (١)، وهم طوائف: الهيضميّة، والإسحاقيّة، والجنديّة وغير ذلك. إلاّ أنهم يعدّون فرقة واحدة لأنّ بعضهم لا يكفّر بعضا وكلّهم مجسّمة، إلاّ أنّ فيهم من قال: هو قائم بنفسه، ومنهم من قال: هو أجزاء مؤتلفة، وله جهات ونهايات.
ومن قول «الكرّاميّة»: إنّ الإيمان هو قول مفرد، وهو قول «لا إله إلاّ اللّه»، وسواء اعتقد أو لا. وزعموا أنّ اللّه جسم، وله حدّ ونهاية من جهة السّفل، وتجوز عليه ملاقاة الأجسام التي تحته، وأنّه على العرش والعرش مماسّ له، وأنّه محلّ الحوادث من القول والإرادة والإدراكات والمرئيات والمسموعات، وأنّ اللّه لو علم أحدا من عباده لا يؤمن به لكان خلقه إيّاهم عبثا، وأنّه يجوز أن يعزل نبيّا من الأنبياء والرّسل، ويجوز عندهم على الأنبياء كلّ ذنب لا يوجب حدّا ولا يسقط عدالة، وأنّه يجب على اللّه تواتر الرّسل، وأنّه يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، وأنّ عليّا ومعاوية كانا إمامين في وقت واحد، إلاّ أنّ عليّا كان على السّنّة ومعاوية على خلافها.
وانفرد ابن كرّام في الفقه بأشياء، منها: أنّ المسافر يكفيه من صلاة الخوف تكبيرتان، وأجاز الصّلاة في ثوب مستغرق في النّجاسة. وزعم أنّ الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ وسائر العبادات تصحّ بغير نيّة، وتكفي نيّة الإسلام، وأنّ النّيّة تجب في النّوافل، وأنّه يجوز الخروج من الصّلاة
стр. 2806
بالأكل والشّرب والجماع عمدا ثم البناء عليها. وزعم بعض الكرّاميّة أنّ للّه علمين: أحدهما يعلم به جميع المعلومات، والآخر يعلم به العلم الأوّل.
الفرقة الثّالثة القدريّة
الغلاة في إثبات القدرة للعبد في إثبات الخلق والإيجاد، وأنّه لا يحتاج في ذلك إلى معاونة من جهة اللّه تعالى.
الفرقة الرّابعة المجبرة
الغلاة في نفي استطاعة العبد قبل الفعل وبعده ومعه، ونفي الاختيار له، ونفي الكسب (١).
وهاتان الفرقتان متضادّتان، ثم افترقت المجبرة على ثلاث فرق:
الجهميّة: أتباع جهم بن صفوان التّرمذي، مولى راسب، وقتل في آخر دولة بني أميّة. وهو ينفي الصّفات الإلهية كلّها، ويقول: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه، وأنّ الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالقدرة ولا الاستطاعة، وأنّ الجنّة والنّار يفنيان وتنقطع حركات أهلهما، وأنّ من عرف اللّه ولم ينطق بالإيمان لم يكفر؛ لأنّ العلم لا يزول بالصّمت، وهو مؤمن مع ذلك (٢).
وقد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة، وكفّره أهل السّنّة بنفي الصّفات وخلق القرآن ونفي الرّؤية.
وانفرد بجواز الخروج على السّلطان الجائر، وزعم أنّ علم اللّه حادث لا بصفة يوصف بها غيره.
والبكريّة: أتباع بكر، ابن أخت عبد الواحد (٣)، وهو يوافق النّظّام في أنّ الإنسان هو الرّوح، ويزعم أنّ الباري تعالى يرى في القيامة في صورة يخلقها ويكلّم النّاس منها، وأنّ صاحب الكبيرة
стр. 2807
منافق في الدّرك الأسفل من النّار، وحاله أسوأ من حال الكافر. وحرّم أكل الثّوم والبصل، وأوجب الوضوء من قرقرة البطن.
والضّراريّة: أتباع ضرار بن عمر. وانفرد بأشياء منها: أنّ اللّه تعالى يرى في القيامة بحاسّة زائدة سادسة، وأنكر قراءة ابن مسعود، وشكّ في دين عامّة المسلمين وقال: لعلّهم كفّار، وزعم أنّ الجسم أعراض مجتمعة كما قالت النّجّارية (١).
ومن جملة المجبرة البطّيخيّة أتباع إسماعيل البطّيخي، والصّبّاحيّة أتباع أبي صبّاح بن معمر، والفكرية، والخوفية.
الفرقة الخامسة المرجئة
الإرجاء إمّا مشتقّ من الرّجاء؛ لأنّ المرجئة يرجون لأصحاب المعاصي الثّواب من اللّه تعالى، فيقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما أنّه لا ينفع مع الكفر طاعة. أو يكون مشتقّا من الإرجاء، وهو التأخير، لأنّهم أخّروا حكم أصحاب الكبائر إلى الآخرة (٢).
وحقيقة المرجئة أنّهم الغلاة في إثبات الوعد/ والرّجاء، ونفي الوعيد والخوف عن المؤمنين.
وهم ثلاثة أصناف: صنف جمعوا بين الرّجاء والقدر، وهم غيلان (٣) وأبو شمر من بني حنيفة.
وصنف جمعوا بين الإرجاء والجبر، مثل جهم بن صفوان. وصنف قال بالإرجاء المحض.
وهم أربع فرق:
стр. 2808
اليونسيّة: أتباع يونس بن عمرو، وهو غير يونس بن عبد الرّحمن القمّي الرّافضي. زعم أنّ الإيمان معرفة اللّه والخضوع له، والمحبّة، والإقرار بأنّه واحد ليس كمثله شيء.
والغسّانيّة: أتباع غسّان بن أبان الكوفي، المنكر نبوّة عيسى ﵇، وتلمذ لمحمد ابن الحسن الشّيباني، ومذهبه في الإيمان كمذهب يونس؛ إلاّ أنّه يقول: كلّ خصلة من خصال الإيمان تسمّى بعض الإيمان، ويونس يقول: كلّ خصلة ليست بإيمان ولا بعض إيمان.
وزعم غسّان أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وعند أبي حنيفة، ﵀، الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللّسان، فلا يزيد ولا ينقص كقرص الشّمس.
والثّوبانيّة: أتباع ثوبان المرجّى، ثم الخارجي المعتزلي، وكان يقال له جامع النّقائض، هاجر الخصائص. ومن قوله: الإيمان هو المعرفة والإقرار، والإيمان فعل ما يجب في العقل فعله.
فأوجب الإيمان بالعقل قبل ورود الشّرع، وفارق الغسّانية واليونسية في ذلك.
والتّؤمنيّة: أتباع أبي معاذ التّؤمني الفيلسوف. زعم أنّ من ترك فريضة لا يقال له فاسق على الإطلاق، ولكنّ ترك الفريضة فسق. وزعم أنّ هذه الخصال التي تكون جملتها إيمانا، فواحدة ليست بإيمان ولا بعض إيمان، وأنّ من قتل نبيّا كفر لا لأجل القتل، بل لاستخفافه به وبغضه له.
ومن فرق المرجئة: المريسيّة أتباع بشر بن غيّاث المريسي (١). كان عراقي المذهب في الفقه، تلميذا للقاضي أبي يوسف يعقوب الحضرمي، وقال بنفي الصّفات وخلق القرآن، فأكفرته الصّفاتيّة بذلك. وزعم أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، ولا استطاعة مع الفعل، فأكفرته المعتزلة بذلك. وزعم أنّ الإيمان هو التّصديق بالقلب، وهو مذهب ابن الرّيوندي.
ولمّا ناظره الشّافعيّ في مسألة خلق القرآن ونفي الصّفات، قال له: نصفك كافر لقولك بخلق القرآن ونفي الصّفات، ونصفك مؤمن لقولك بالقضاء والقدر وخلق اكتساب العباد. وبشر معدود من المعتزلة لنفيه الصّفات، وقوله بخلق القرآن.
стр. 2809
ومن فرق المرجئة: الصّالحيّة أتباع صالح بن عمرو بن صالح، والجحدريّة أتباع جحدر ابن محمد التّميمي، والزّياديّة أتباع محمد بن زياد الكوفي، والشّبيبيّة أتباع محمد بن شبيب، والنّاقضيّة، والبهشميّة.
ومن المرجئة جماعة من الأئمّة: كسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وعمرو بن مرّة، ومحارب بن دثار، وعمرو بن ذرّ، وحمّاد بن سليمان، وأبي مقاتل. وخالفوا القدريّة والخوارج والمرجئة في أنّهم لم يكفّروا بالكبائر، ولا حكموا بتخليد مرتكبها في النّار، ولا سبّوا أحدا من الصّحابة، ولا وقعوا فيهم.
وأوّل من وضع الإرجاء أبو محمد الحسن بن محمد - المعروف بابن الحنفيّة - بن علي بن أبي طالب، وتكلّم فيه (١). وصارت المرجئة بعده أربعة أنواع: الأوّل مرجئة الخوارج، الثّاني مرجئة القدريّة، الثّالث مرجئة الجبريّة، الرّابع مرجئة الصّالحيّة.
وكان الحسن بن محمد ابن الحنفيّة يكتب كتبه إلى الأمصار يدعو إلى الإرجاء. إلاّ أنّه لم يؤخّر العمل عن الإيمان كما قال بعضهم، بل قال: أداء الطاعات وترك المعاصي ليس من الإيمان، (¬a)) وأنّ الإيمان (¬a) لا يزول بزوالها.
وقال ابن قتيبة: أوّل من وضع الإرجاء بالبصرة حسّان بن بلال بن الحارث المزني (٢). وذكر بعضهم أنّ أوّل من وضع الإرجاء أبا سلمة (¬b) السّمّان، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة.
الفرقة السّادسة الحروريّة
الغلاة في إثبات الوعيد والخوف على المؤمنين، والتّخليد في النّار مع وجود الإيمان. وهم قوم من النّواصب الخوارج، وهم مضادّون المرجئة في النّفي والإثبات، والوعد والوعيد (٣).
стр. 2810
ومن مفرداتهم أنّ من ارتكب كبيرة فهو مشرك؛ ومذهب عامّة الخوارج أنّه كافر وليس بمشرك، وقال بعضهم: هو منافق في الدّرك الأسفل من النّار. فعند الحروريّة أنّ الاسم يتغيّر بارتكاب الكبيرة الواحدة، فلا يسمّى مؤمنا بل كافرا مشركا، والحكم فيه أنّه يخلّد في النّار، واتّفقوا على أنّ الإيمان هو اجتناب كلّ معصية.
وقيل لهم الحروريّة؛ لأنّهم خرجوا إلى حروراء لقتال عليّ بن أبي طالب ﵁ وعدّتهم اثنا عشر ألفا، ثم سار عليّ ﵁ إليهم وناظرهم، ثم قاتلهم وهم أربعة آلاف، فانضمّ إليهم جماعة حتى بلغوا اثني عشر ألفا.
الفرقة السّابعة النّجّاريّة
أتباع الحسن بن محمد بن عبد اللّه النّجّار، أبي عبد اللّه. كان حائكا، وقيل إنّه كان يعمل الموازين، وإنّه كان من أهل قمّ، كان من جلّة (¬a) المجبرة ومتكلّميهم، وله مع النّظّام عدّة مناظرات: منها أنّه ناظره مرّة، فلمّا لم يلحن بحجّته رفسه النّظّام، وقال له: قم أخزى اللّه من ينسبك إلى شيء من العلم والفهم./ فانصرف محموما، واعتلّ حتى مات (¬b)) في (¬b).
وهم أكثر معتزلة الرّيّ وجهاتها، وهم يوافقون أهل السّنّة في مسألة القضاء والقدر، واكتساب العباد، وفي الوعد والوعيد، وإمامة أبي بكر ﵁ ويوافقون المعتزلة في نفي الصّفات، وخلق القرآن، وفي الرّؤية، وهم ثلاث فرق: البرغوثيّة، والزّعفرانيّة، والمستدركة (١).
стр. 2811
الفرقة الثّامنة الجهميّة
أتباع جهم بن صفوان (١)، وهم يوافقون أهل السّنّة في مسألة القضاء والقدر مع ميل إلى الجبر، وينفون الصّفات والرّؤية، ويقولون بخلق القرآن. وهم فرقة عظيمة عدادهم في المعطّلة المجبرة.
الفرقة التّاسعة الرّوافض
الغلاة في حبّ عليّ بن أبي طالب، وبغض أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية في آخرين من الصّحابة، ﵃ أجمعين. وسمّوا رافضة لأنّ زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب ﵃ امتنع من لعن أبي بكر وعمر ﵄ وقال: هما وزيرا جدّي محمّد ﷺ فرفضوا رأيه. ومنهم من قال: لأنّهم رفضوا رأي الصّحابة ﵃ حيث بايعوا أبا بكر وعمر، ﵄ (٢).
стр. 2812
وقد اختلف النّاس في الإمام بعد رسول اللّه ﷺ : فذهب الجمهور إلى أنّه أبو بكر الصّدّيق، ﵁. وقال العبّاسيّة والرّيونديّة (¬a) أتباع أبي هريرة الرّيوندي (¬b) - وقيل أتباع أبي العبّاس الرّيوندي (¬b) - هو العبّاس بن عبد المطّلب ﵁ لأنّه العمّ والوارث، فهو أحقّ من ابن العمّ. وقال العثمانيّة وبنو أميّة: هو عثمان بن عفّان، رضي اللّه تعالى عنه. وذهب آخرون إلى غير ذلك. وقال الرّافضة: هو عليّ بن أبي طالب.
ثم اختلفوا في الإمامة اختلافا كثيرا حتى بلغت فرقهم ثلاث مائة فرقة (١)، والمشهور منها عشرون فرقة أمثلها (¬c): «الزّيديّة» و «الصّبّاحيّة»؛ لإقرارهم (¬d) بإمامة أبي بكر ﵁ وأنّه (¬e) لا نصّ في إمامة عليّ ﵁ واختلفوا في إمامة عثمان ﵁: فأنكرها بعضهم، وأقرّ بعضهم أنّه الإمام بعد عمر بن الخطّاب، ﵁، لكن قالوا: عليّ أفضل من أبي بكر، وإمامة المفضول جائزة.
وقال الغلاة: الإمام (¬c) هو عليّ بالنّصّ، ثم الحسن وبعده الحسين، وصار بعد الحسين الأمر شورى. وقال بعضهم: لم يرد النّصّ إلاّ بإمامة عليّ فقط، وقال آخرون: نصّ على عليّ بالوصف لا بالعين والاسم، وقال بعضهم: قد جاء النّصّ على إمامة اثني عشر آخرهم المهدي المنتظر.
وفرقهم العشرون هي:
«الإماميّة» - وهم مختلفون في الإمامة بعد رسول اللّه ﷺ . فزعم أكثرهم أنّ الإمامة في عليّ بن أبي طالب وأولاده بنصّ النّبي ﷺ ، وأنّ الصّحابة كلّهم قد ارتدّوا إلاّ عليّا وابنيه الحسن والحسين وأبا ذرّ الغفاري وسلمان الفارسي وطائفة يسيرة. وأوّل من تكلّم في مذهب الإماميّة عليّ بن إسماعيل بن هيثم (¬f) التّمّار، وكان من أصحاب عليّ بن أبي طالب (٢).
стр. 2813
وذهبت «القطعيّة» منهم إلى أنّ الإمامة في عليّ، ثم في الحسن، ثم في الحسين، ثم في عليّ ابن الحسين، ثم في محمّد بن علي، ثم في جعفر بن محمّد، ثم في موسى بن جعفر، ثم في عليّ بن موسى. وقطعوا الإمامة عليه، فسمّوا «القطعيّة» لذلك، ولم يثبتوا (¬a) إمامة محمّد (¬b)) ابن علي (¬b) بن موسى ولا إمامة الحسين بن محمّد بن عليّ بن موسى (١).
وقالت «النّاووسيّة»: جعفر بن محمّد لم يمت، وهو حيّ ينتظر (٢).
وقالت «المباركيّة» أتباع مبارك: الإمام بعد جعفر بن محمّد ابنه إسماعيل بن جعفر، ثم محمّد بن إسماعيل (٣).
وقالت «الشّميطية» أتباع يحيى بن شميط الأحمسي - كان مع المختار قائدا من قوّاده، فأنفذه أميرا على جيش البصرة يقاتل مصعب بن الزّبير فقتل بالمذار - الإمامة بعد جعفر في ابنه محمد وأولاده (٤).
وقالت «المعمريّة» أتباع معمر: الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد اللّه بن جعفر وأولاده. ويقال لهم «القطحيّة» (¬c)، لأنّ عبد اللّه بن جعفر كان أقطح (¬d) الرّجلين (٥).
وقالت «الواقفيّة»: الإمام بعد جعفر ابنه موسى بن جعفر، وهو حيّ لم يمت، وهو الإمام المنتظر. وسمّوا «الواقفيّة» لوقوفهم على إمامة موسى (٦).
وقالت «الزّراريّة» أتباع زرارة بن أعين: الإمام بعد جعفر ابنه عبد اللّه، إلاّ أنّه سأله عن مسائل فلم يمكنه الجواب عنها، فادّعى إمامة موسى بن جعفر من بعد أبيه (٧).
وقالت «المفضّليّة» أتباع المفضّل بن عمرو: الإمام بعد جعفر ابنه موسى، وأنّه مات فانتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن موسى (٨).
стр. 2814
وقالت «المفوّضة» من الإماميّة: إنّ اللّه تعالى خلق محمدا، ﷺ ، وفوّض إليه خلق العالم وتدبيره. وقال بعضهم: بل فوّض ذلك إلى عليّ بن أبي طالب.
والفرقة الثّانية من فرق الرّوافض:
الكيسانيّة - أتباع كيسان مولى عليّ بن أبي طالب، وأخذ عن محمّد ابن الحنفيّة - وقيل بل كيسان اسم المختار بن عبيد الثّقفي الذي قام لأخذ ثأر الحسين ﵁ زعموا أنّ الإمام بعد عليّ ابنه محمّد ابن الحنفيّة، لأنّه أعطاه الرّاية يوم الجمل، ولأنّ الحسين أوصى إليه عند خروجه إلى الكوفة (١).
ثم اختلفوا في الإمام بعد ابن الحنفيّة، فقال بعضهم: رجع الأمر بعده إلى أولاد الحسن/ والحسين، وقيل بل انتقل إلى أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفيّة. وقالت الكربية أتباع أبي كرب بأنّ ابن الحنفيّة حيّ لم يمت، وهو الإمام المنتظر. ومن قول الكيسانيّة أنّ البدا جائز على اللّه، وهو كفر صريح.
والفرقة الثّالثة:
الخطّابيّة - أتباع أبي الخطّاب محمد بن أبي ثور - وقيل محمّد بن أبي يزيد - الأجدع. ومذهبه الغلوّ في جعفر بن محمد الصّادق، وهو أيضا من المشبّهة، وأتباعه خمسون فرقة، وكلّهم متّفقون على أنّ الأئمّة - مثل عليّ وأولاده - كلّهم أنبياء، وأنّه لا بدّ من رسولين لكلّ أمّة: أحدهما ناطق، والآخر صامت، فكان محمّد ناطقا، وعليّ صامتا، وأنّ جعفر بن محمّد الصّادق كان نبيّا، ثم انتقلت النّبوّة إلى أبي الخطّاب الأجدع، وجوّزوا كلّهم شهادة الزّور لموافقيهم، وزعموا أنّهم عالمون بما هو كائن إلى يوم القيامة (٢).
стр. 2815
وقالت «المعمريّة» منهم: الإمام بعد أبي الخطّاب رجل اسمه معمر (¬a)، وزعموا أنّ الدّنيا لا تفنى، وأنّ الجنّة هي ما يصيبه الإنسان من الخير في الدّنيا، والنّار ضدّ ذلك. وأباحوا شرب الخمر والزّنى وسائر المحرّمات، ودانوا بترك الصّلاة، وقالوا بالتّناسخ، وأنّ النّاس لا يموتون وإنّما ترفع أرواحهم إلى غيرهم.
وقالت «البزيغيّة» منهم: إنّ جعفر بن محمّد إله، وليس هو الذي يراه النّاس وإنّما تشبّه على النّاس، وزعموا أنّ كلّ مؤمن يوحى إليه، وأنّ منهم من هو خير من جبريل وميكائيل ومحمّد ﷺ ، وزعموا أنّهم يرون أمواتهم بكرة وعشيّا.
وقالت «العميريّة» منهم، أتباع عمير بن بيان العجلي، مثل ذلك كلّه، وخالفوهم في أنّ النّاس لا يموتون.
وافترقت «الخطّابيّة» بعد قتل أبي الخطّاب فرقا: منها فرقة زعمت أنّ الإمام بعد أبي الخطّاب، عمير بن بيان العجلي، ومقالتهم كمقالة البزيغيّة، إلاّ أنّ هؤلاء اعترفوا بموتهم، ونصبوا خيمة على كناسة الكوفة بجتمعون فيها على عبادة جعفر الصّادق. فبلغ ذلك يزيد ابن عمير، فصلب عمير بن بيان في كناسة الكوفة.
ومن فرقهم «المفضّليّة» أتباع مفضّل الصّيرفي. زعم أنّ جعفر بن محمد إله، فطرده ولعنه.
وزعمت «الخطّابيّة» بأجمعها أنّ جعفر بن محمد الصّادق أودعهم جلدا يقال له «جفر» فيه كلّ ما يحتاجون إليه من علم الغيب وتفسير القرآن. وزعموا - لعنهم اللّه - أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [الآية ٦٧ سورة البقرة] معناه عائشة أمّ المؤمنين ﵂ وأنّ الخمر والميسر: أبو بكر وعمر ﵄ وأنّ الجبت والطاغوت: معاوية بن أبي سفيان وعمرو ابن العاص، ﵄.
والفرقة الرّابعة:
الزّيديّة - أتباع زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵃ القائلون بإمامته وإمامة من اجتمع فيه ستّ خصال: العلم، والزّهد، والشّجاعة، وأن يكون من أولاد فاطمة الزّهراء ﵂ حسنيّا أو حسينيّا، ومنهم من زاد صباحة الوجه، وألاّ يكون فيه آفة. وهم يوافقون المعتزلة في أصولهم كلّها إلاّ في مسألة الإمامة. وأخذ
стр. 2816
مذهب زيد بن عليّ عن واصل بن عطاء، وكان يفضّل عليّا على أبي بكر وعمر مع القول بإمامتهما (١).
وهم أربع فرق:
«الجاروديّة» أتباع أبي الجارود، ويكنى أبا النّجم، زياد بن المنذر العبدي. زعم أنّ - النّبيّ ﷺ نصّ على إمامة عليّ بالوصف لا بالتّسمية، وأنّ النّاس كفروا بتركهم مبايعة عليّ ﵁ والحسن والحسين وأولادهما.
و «الجريريّة» أتباع سليم بن جرير، ومن قوله: لم يكفر النّاس بتركهم مبايعة عليّ، بل أخطأوا بترك الأفضل وهو علي، وكفّروا الجاروديّة بتكفيرهم الصّحابة، إلاّ أنّهم كفّروا عثمان بن عفّان بالأحداث التي أحدثها، وقالوا: لم ينصّ عليّ على إمامة أحد، وصار الأمر من بعده شورى.
ومنهم «البتريّة» أتباع الحسن بن صالح بن كثير الأبتر. وقولهم: إنّ عليّا أفضل وأولى بالإمامة، غير أنّ أبا بكر كان إماما، ولم تكن إمامته خطأ ولا كفرا، بل ترك عليّ الإمامة له، وأمّا عثمان فيتوقّف فيه.
ومنهم «اليعقوبيّة» أتباع يعقوب. وهم يقولون بإمامة أبي بكر وعمر، ويتبرّأون ممّن تبرّأ منهما، وينكرون رجعة الأموات إلى الدّنيا قبل يوم القيامة، ويتبرّأون ممّن دان بها، إلاّ أنّهم متّفقون على تفضيل عليّ على أبي بكر وعمر، من غير تفسيقهما ولا تكفيرهما ولا لعنهما، ولا الطّعن على أحد من الصّحابة، رضوان اللّه عليهم أجمعين.
الفرقة الخامسة: «السّبئيّة» أتباع عبد اللّه بن سبأ الذي قال شفاها لعلي بن أبي طالب: أنت الإله. وكان من اليهود، ويقول في يوشع بن نون مثل قوله ذلك في عليّ، وزعم أنّ عليّا لم
стр. 2817
يقتل، وأنّه حيّ لم يمت، وأنّه في السّحاب، وأنّ الرّعد صوته والبرق سوطه، وأنّه ينزل إلى الأرض بعد حين، قبّحه اللّه (١).
والفرقة السّادسة: «الكامليّة» أتباع أبي كامل. أكفر جميع الصّحابة بتركهم بيعة عليّ، وكفّر عليّا بتركه قتالهم، وقال بتناسخ الأنوار الإلهية في الأئمّة.
والفرقة السّابعة: «البيانيّة» أتباع بيان بن سمعان. زعم أنّ روح الإله حلّ في الأنبياء، ثم في عليّ، وبعده في محمّد ابن الحنفيّة، ثم في ابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد، ثم حلّ بعد أبي هاشم في بيان بن سمعان، يعني نفسه،/ لعنه اللّه.
والفرقة الثّامنة: «المغيريّة» أتباع مغيرة بن سعيد العجلي، مولى خالد بن عبد اللّه، طلب الإمامة لنفسه بعد محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، فخرج على خالد بن عبد اللّه القسري بالكوفة في عشرين رجلا فعطعطوا به، فقال خالد: أطعموني ماء، وهو على المنبر، فعيّر بذلك.
والمغيرة هذا قال بالتّشبيه الفاحش، وادّعى النّبوّة، وزعم أنّ معجزته علمه بالاسم الأعظم، وأنّه يحيى الموتى، وزعم أنّ اللّه لمّا أراد أن يخلق العالم كتب بأصبعه أعمال عباده، فغضب من معاصيهم فعرق، فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما مالح والآخر عذب، فخلق من البحر العذب الشّيعة، وخلق الكفرة من البحر الملح. وزعم أنّ المهدي يخرج وهو محمّد بن عبد اللّه ابن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
والفرقة التّاسعة: «الهشاميّة»، وهم صنفان: أحدهما أتباع هشام بن الحكم (٢)، والثّاني أتباع هشام الجولقي. وهما يقولان: لا تجوز المعصية على الإمام، وتجوز على الأنبياء، وأنّ محمدا عصى ربّه في أخذ الفداء من أسرى بدر، كذبا لعنهما اللّه. وهما أيضا مع ذلك من المشبّهة.
стр. 2818
والفرقة العاشرة: «الزّرارية» أتباع زرارة بن أعين (١)، أحد الغلاة في الرّفض، ويزعم مع ذلك أنّ اللّه تعالى لم يكن في الأزل عالما ولا قادرا حتى اكتسب لنفسه جميع ذلك، قبّحه اللّه.
والفرقة الحادية عشرة: «الجناحيّة» أتباع عبد اللّه بن معاوية ذي الجناحين ابن أبي طالب.
وزعم أنّه إله، وأنّ العلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة، وأنّ روح الإله دارت في الأنبياء كما كانت في عليّ وأولاده، ثم صارت فيه.
ومذهبهم استحلال الخمر والميتة ونكاح المحارم، وأنكروا القيامة، وتأوّلوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ﴾ [الآية ٩٣ سورة المائدة]، وزعموا أنّ كلّ ما في القرآن من تحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير، كناية عن قوم يلزم بغضهم، مثل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، وكلّ ما في القرآن من الفرائض التي أمر اللّه بها كناية عن من يلزم موالاتهم، مثل عليّ والحسن والحسين وأولادهم.
والثّانية عشرة: «المنصوريّة» أتباع أبي منصور العجلي، أحد الغلاة المشبّهة، زعم أنّ الإمامة انتقلت إليه بعد محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنّه عرج به إلى السّماء بعد انتقال الإمامة إليه، وأنّ معبوده مسح بيده على رأسه، وقال له: يا بنيّ بلّغ عنّي آية الكسف السّاقط من السّماء في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الآية ٤٤ سورة الطور]. وزعم أنّ أهل الجنّة قوم تجب موالاتهم مثل علي بن أبي طالب وأولاده، وأنّ أهل النّار قوم تجب معاداتهم مثل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، رضي اللّه عنم.
والثّالثة عشرة: «الغرابيّة». زعموا - لعنهم اللّه - أنّ جبريل أخطأ، فإنّه أرسل إلى عليّ ابن أبي طالب فجاء إلى محمّد ﷺ ، وجعلوا شعارهم إذا اجتمعوا أن يقولوا: «العنوا صاحب الرّيش» - يعنون جبريل ﵇ وعليهم اللّعنة.
стр. 2819
والرّابعة عشرة: «الذّمّيّة» (بفتح الذّال المعجمة) زعموا - أخزاهم اللّه - أنّ عليّ بن أبي طالب بعثه اللّه نبيّا، وأنّه بعث محمّدا ﷺ ليظهر أمره، فادّعى النّبوّة لنفسه، وأرضى عليّا بأن زوّجه ابنته وموّله. ومنهم العليّانية أتباع عليّان بن ذراع السّدوسي - وقيل الأسدي - كان يفضّل عليّا على النّبيّ ﷺ ، ويزعم أنّ عليّا بعث محمّدا. وكان - لعنه اللّه - يذم النّبي ﷺ ، لزعمه أنّ محمدا بعث ليدعو إلى عليّ، فدعا إلى نفسه.
ومن العليّانية من يقول بإلهيّة محمّد وعلي جميعا، ويقدّمون محمّدا في الإلهية، ويقال لهم الميميّة. ومنهم من قال بإلهيّة خمسة - وهم أصحاب الكساء: محمّد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين - وقالوا: خمستهم شيء واحد، والرّوح حالّة فيهم بالسّويّة لا فضل لواحد منهم على الآخر، وكرهوا أن يقولوا «فاطمة» بالهاء، فقالوا «فاطم». قال بعضهم:
[الطويل]
تولّيت بعد اللّه في الدّين خمسة … نبيّا، وسبطيه، وشيخا، وفاطما
والخامسة عشرة: «اليونسيّة» أتباع يونس بن عبد اللّه القمّي، أحد الغلاة المشبّهة.
(¬a)) ومنهم «الخربيّة»، أتباع عبد اللّه بن الحارث، واسم الحارث سلمة بن مسعود بن خالد ابن أصرم. وهو من بني الطّمح بن الخرب بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع، وكان غاليا كافرا أوجب على أصحابه سبع عشرة صلاة كلّ يوم وليلة، في كلّ صلاة خمس عشرة ركعة، ثم تاب باختياره ورجع إلى قول الصّفّرية من الخوارج، فبرئ منه أصحابه لمّا تاب وبقوا على كفرهم (¬a).
والسّادسة عشر: «الرّزّاميّة» أتباع رزّام بن سابق. زعم أنّ الإمامة انتقلت بعد عليّ ابن أبي طالب إلى ابنه محمد بن الحنفيّة، ثم إلى ابنه أبي هاشم، ثم إلى علي ابن عبد اللّه بن عبّاس بالوصيّة، ثم إلى ابنه محمد بن علي، فأوصى بها محمّد إلى أبي العبّاس عبد اللّه بن محمد السّفّاح، الظالم المتردّد في المذاهب، الجاهل بحقوق أهل البيت.
стр. 2820
والسّابعة عشرة: «الشّيطانيّة» أتباع محمد بن النّعمان شيطان الطّاق (١). وقد شارك المعتزلة والرّافضة في جميع بدعهم (¬a)، وانفرد بأعظم الكفر - قاتله اللّه - وهو أنّه زعم أنّ اللّه لا يعلم الشّيء حتى يقدّره، وقبل ذلك يستحيل علمه.
والثّامنة عشرة: «البسلميّة» وهم من الرّاونديّة زعموا أنّ الإمامة، بعد رسول اللّه ﷺ ، صارت في عليّ وأولاده الحسن والحسين/ ومحمّد ابن الحنفيّة، ثم في أبي هاشم عبد اللّه ابن محمد ابن الحنفيّة، وانتقلت منه إلى عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس بوصيّته إليه، ثم إلى أبي العبّاس السّفّاح، ثم إلى أبي سلمة صاحب دولة بني العبّاس.
وقام بناحية كشّ، فيما وراء النّهر، رجل من أهل مرو أعور - يقال له هاشم - ادّعى أنّ أبا سلمة كان إلها انتقل إليه روح اللّه، ثم انتقل إليه بعده. فانتشرت دعوته هناك، واحتجب عن أصحابه، واتّخذ له وجها من ذهب، فعرف بالمصيّغ. ثم إنّ أصحابه طلبوا رؤيته، فوعدهم أن يريهم نفسه إن لم يحترقوا، وعمل تجاه مرآه مرآة محرقة تعكس شعاع الشّمس. فلمّا دخلوا عليه احترق بعضهم، ورجع الباقون وقد فتنوا، واعتقدوا أنّه إله لا تدركه الأبصار، ونادوا في حروبهم بإلهيته.
стр. 2821
والتّاسعة عشرة: «الجعفريّة» (¬a).
والعشرون: «الصّبّاحيّة»، وهم والزّيديّة أمثل الشّيعة، فإنّهم يقولون بإمامة أبي بكر، وأنّه لا نصّ في إمامة عليّ، مع أنّه عندهم أفضل وأبو بكر مفضول.
ومن فرق الرّوافض: «الحلولية» (¬b)، و «الشّاعية»، و «الشّريكية» يزعمون أنّ عليّا شريك محمّد ﷺ ، و «التّناسخيّة» القائلون إنّ الأرواح تتناسخ، و «اللاّغيّة» (¬c)، و «المخطّئة» الذين يزعمون أنّ جبريل أخطأ، و «الإسحاقيّة»، و «الخلفيّة» الذين يقولون: لا تجوز الصّلاة خلف غير الإمام، و «الرّجعيّة» القائلون: سيرجع عليّ بن أبي طالب وينتقم من أعدائه، و «المتربّصيّة» الذين يتربّصون خروج المهدي، و «الآمريّة»، و «الجبّيّة»، و «الجلاليّة»، و «الكريبيّة» أتباع أبي كريب الضّرير، و «الحزنيّة» أتباع عبد اللّه بن عمرو الحزني.
الفرقة العاشرة الخوارج
ويقال لهم «النّواصب»، و «الحروريّة» - نسبة إلى حروراء: موضع خرج فيه أوّلهم على عليّ ﵁ وهم الغلاة في حبّ أبي بكر وعمر وبغض عليّ بن أبي طالب - رضوان اللّه عليهم أجمعين - ولا أجهل منهم، فإنّهم القاسطون المارقون. خرجوا على عليّ ﵁ وانفصلوا عنه بالجملة وتبرّأوا منه، ومنهم من صحبه، ومنهم من كان في زمنه. وهم جماعة قد دوّن النّاس أخبارهم، وهم عشرون فرقة:
الأولى: «الحكميّة»، ويقال: «المحكّمة» (¬d)؛ لأنّهم خرجوا على عليّ ﵁ في صفّين، وقالوا: «لا حكم إلاّ للّه، ولا حكم للرّجال»، وانحازوا عنه إلى حروراء، ثم إلى النّهروان. وسبب ذلك أنّهم حملوه على التّحاكم إلى من حكم بكتاب اللّه، فلمّا رضي بذلك - وكانت قضيّة الحكمين: أبي موسى الأشعري وهو عبد اللّه بن قيس، وعمرو بن العاص، غضبوا من ذلك ونابذوا عليّا، وقالوا في شعارهم: «لا حكم إلاّ للّه ولرسوله». وكان إمامهم في التّحكيم عبد اللّه بن الكوّاء.
стр. 2822
والثّانية: «الأزارقة» أتباع أبي راشد نافع بن الأزرق بن قيس بن نهار بن إنسان بن أسد ابن صبرة بن ذهل بن الدّول بن حنيفة، (¬a)) كان أوّل من حكّم عروة بن أديّة، وقيل بل أوّل من حكّم رجلا يقال له سعد من بني محارب بن خصفة بن قيس غيلان، ولم يختلفوا في اجتماعهم على عبد اللّه بن الرّاسبي (¬a) الخارج بالبصرة في أيّام عبد اللّه بن الزّبير (١). وهم على التّبرّي من عثمان وعليّ والطّعن عليهما، وأنّ دار مخالفيهم دار كفر، وأنّ من أقام بدار الكفر فهو كافر، وأنّ أطفال مخالفيهم في النّار ويحلّ قتلهم. وأنكروا رجم الزّاني، وقالوا: من قذف محصنة حدّ، ومن قذف محصنا لا يحدّ، ويقطع السّارق في القليل والكثير.
والثّالثة: «النّجدات» - ولم يقل فيهم النّجديّة ليفرّق بينهم وبين من انتسب إلى بلاد نجد - فإنّهم أتباع نجدة بن عويمر، وهو عامر الحنفي الخارج باليمامة، وكان رأسا ذا مقالة مفردة، وتسمّى بأمير المؤمنين، وبعث عطيّة بن الأسود إلى سجستان، فأظهر مذهبه بمرو، فعرفت أتباعه بالعطويّة.
ومذهبهم أنّ الدّين أمران: أحدهما معرفة اللّه تعالى ومعرفة رسوله، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم. والثّاني: الإقرار بما جاء من عند اللّه تعالى جملة، وما سوى ذلك من التّحريم والتّحليل وسائر الشّرائع فإنّ النّاس يعذّرون بجهلها، وأنّه لا يأثم المجتهد إذا أخطأ، وأنّ من خاف (¬b) أن يعذّب المجتهد فقد كفر. واستحلّوا دماء أهل الذّمّة في دار التّقيّة، وقالوا من نظر نظرة محرّمة، أن كذب كذبة، أو أصرّ على صغيرة ولم يتب منها، فهو كافر. ومن زنى أو سرق أو شرب خمرا من غير أن يصرّ على ذلك، فهو مؤمن غير كافر.
والرّابعة: «الصّفّريّة» أتباع زياد بن الأصفر (٢)، ويقال أتباع النّعمان بن صفر، وقيل: بل نسبوا إلى عبد اللّه بن صفّار، وهو أحد بني مقاعس، وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد
стр. 2823
ابن زيد مناة بن تميم بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار، وقيل عبد اللّه الصّفّار من بني صويمر ابن مقاعس، وقيل سمّوا بذلك لصفرة علّتهم، وزعم بعضهم أنّ الصّفّرية بكسر الصّاد.
وقد وافق الصّفّرية الأزارقة في جميع بدعهم، إلاّ في قتل الأطفال. ويقال للصّفّرية أيضا الزّياديّة، ويقال لهم أيضا النّكّار من أجل أنّهم يبغضون (¬a) نصف عليّ وثلث عثمان وسدس عائشة ﵃.
والخامسة: «العجاردة» أتباع عبد الكريم بن عجرد.
والسّادسة: «الميمونيّة» أتباع ميمون بن عمران، وهم طائفة من العجاردة وافقوا الأزارقة إلاّ في شيئين: أحدهما قولهم: تجب البراءة من الأطفال حتى يبلغوا ويصفوا الإسلام؛ والثّاني استحلال أموال المخالفين لهم. فلم تستحلّ الميمونيّة مال أحد خالفهم ما لم يقتل المالك، فإذا قتل صار ماله فيئا إلاّ أنّهم/ ازدادوا كفرا على كفرهم، وأجازوا نكاح بنات البنات وبنات البنين، وبنات أولاد الإخوة وبنات أولاد الأخوات فقط.
والسّابعة: «الشّعيبيّة» وهم طائفة من العجاردة وافقوا الميمونيّة في جميع بدعهم، إلاّ في الاستطاعة والمشيئة، فإنّ الميمونيّة مالت إلى القدريّة (١).
والثّامنة: «الحمزيّة» أتباع حمزة بن أدرك (¬b) الشّاري (¬c)، الخارج بخراسان في خلافة هارون ابن محمد الرّشيد، وكثر عيثه وفساده، ثم فضّ جموع عيسى بن عليّ عامل خراسان، وقتل منهم خلقا كثيرا، فانهزم منه عيسى إلى كابل، وآل أمر حمزة إلى أن غرق في كرمان بواد هناك، فعرفت أصحابه بالحمزيّة.
وكان يقول بالقدر، فكفّرته الأزارقة بذلك، وقال: أطفال المشركين في النّار، فكفّرته القدريّة بذلك. وكان لا يستحلّ غنائم أعدائه، بل يأمر بإحراق جميع ما يغنمه منهم (٢).
стр. 2824
والتّاسعة: «الحازميّة» (¬a)، وهم فرقة من العجاردة قالوا في القدر والمشيئة كقول أهل السّنّة، وخالفوا الخوارج في الولاية والعداوة فقالوا: لم يزل اللّه تعالى محبّا لأوليائه ومبغضا لأعدائه (١).
والعاشرة: «المعلوميّة»، مع «المجهوليّة» تباينا في مسألتين: إحداهما: قالت المعلوميّة: من لم يعرف اللّه تعالى بجميع أسمائه فهو كافر، وقالت المجهوليّة: لا يكون كافرا. والثّانية: وافقت المعلوميّة أهل السّنّة في مسألة القدر والمشيئة، والمجهوليّة وافقت القدريّة في ذلك (٢).
والحادية عشرة: «الصّلتيّة» أتباع عثمان بن أبي الصّلت، وهم طائفة من العجاردة انفردوا بقولهم: من أسلم تولّيناه لكن نتبرّأ من أطفاله، لأنّه ليس للأطفال إسلام حتى يبلغوا.
والثّانية عشرة والثّالثة عشرة: «الأخنسيّة» (¬b) و «المعبديّة»، وهما فرقتان من الثّعالبة أتباع ثعلبة ابن عامر. وكان ثعلبة هذا مع عبد الكريم بن عجرد، ثم اختلفا في الأطفال، فقال عبد الكريم:
نتبرّأ منهم قبل البلوغ، وقال ثعلبة: لا نتبرّأ منهم بل نقول: نتولّى الصّغار. فلم تزل الثّعالبة على هذا إلى أن خرج رجل عرف بالأخنس، فقال: نتوقّف عن جميع من في دار التّقيّة، إلا من عرفنا منه إيمانا فإنّا نتولاّه، ومن عرفنا منه كفرا تبرّأنا منه، ولا يجوز أن نبدأ أحدا بقتال، فتبرّأت منه الثّعالبة، وسمّوه بالأخنس، لأنّه خنس منهم، أي رجع عنهم.
ثم خرجت فرقة من الثّعالبة، قيل لها «المعبديّة» أتباع معبد، فخالفت الثّعالبة في أخذ الزّكاة من العبيد والبهائم، وكفّرت كلّ فرقة منهما الأخرى (٣).
والرّابعة عشرة: «الشّيبانيّة» أتباع شيبان بن سلمة، الخارج في أيّام أبي مسلم الخراساني القائم بدعوة الخلفاء العبّاسيين، وكان معه، فتبرّأت منه الثّعالبة لمعاونته لأبي مسلم. وهو أوّل من أظهر القول بالتّشبيه، تعالى اللّه عن ذلك (٤).
стр. 2825
والخامسة عشرة: «الشّبيبيّة» أتباع شبيب بن يزيد بن أبي نعيم، الخارج في خلافة عبد الملك ابن مروان، وصاحب الحروب العظيمة مع الحجّاج بن يوسف الثّقفي. وهم على ما كانت عليه الحكميّة الأولى؛ إلاّ أنّهم انفردوا عن الخوارج بجواز إمامة المرأة وخلافتها. واستخلف شبيب هذا أمّه غزالة، فدخلت الكوفة، وقامت خطيبة، وصلّت الصّبح بالمسجد الجامع، فقرأت في الرّكعة الأولى بالبقرة، وفي الثانية بآل عمران؛ وأخبار شبيب طويلة (١).
والسّادسة عشرة: «الرّشيديّة» أتباع رشيد، ويقال لهم أيضا «العشريّة» من أجل أنّهم كانوا يأخذون نصف العشر ممّا سقت الأنهار. فقال لهم زياد بن عبد الرحمن: يجب فيه العشر، فتبرّأت كلّ فرقة من الأخرى وكفّرتها بذلك.
والسّابعة عشرة: «المكرميّة» أتباع أبي المكرم، ومن قوله: تارك الصّلاة كافر، وليس كفره لترك الصّلاة لكن لجهله باللّه. وكذا قوله في سائر الكبائر (٢).
والثّامنة عشرة: «الحفصيّة» أتباع حفص بن المقدام، أحد أصحاب عبد اللّه بن إباض. تفرّد بقوله: من عرف اللّه تعالى، وكفر بما سواه من رسول وغيره، فهو كافر وليس بمشرك. فأنكر ذلك الإباضيّة وقالوا: بل هو مشرك (٣).
والتّاسعة عشرة: «الإباضية» أتباع عبد اللّه بن إباض من بني مقاعس، واسمه الحارث ابن عمرو - ويقال: بل ينسبون إلى «أباض» - بضم الهمزة - وهي قرية بالعرض من اليمامة نزل بها نجدة بن عامر - وخرج عبد اللّه بن إباض في أيّام مروان وكان من غلاة المحكّمة (٤).
стр. 2826
والفرقة العشرون: «اليّزيديّة» أتباع يزيد بن أبي أنيسة، وكان إباضيّا، فانفرد ببدعة قبيحة، وهي أنّ اللّه تعالى سيبعث رسولا من العجم، وينزل عليه كتابا جملة واحدة ينسخ به شريعة محمد ﷺ (١).
ومن فرق الخوارج أيضا: الحارثيّة، والأصوميّة أتباع يحيى بن أصوم، والبيهسيّة أتباع أبي البيهس الهيصم بن خالد، من بني سعيد بن ضبعة: كان في زمن الحجّاج، وقتل بالمدينة وصلب، واليعقوبيّة أتباع يعقوب بن عليّ الكوفي.
ومن فرقهم: الفضليّة أتباع فضل بن عبد اللّه، والشّمواخية أتباع عبد اللّه بن شمواخ (¬a)، والضّحّاكية أتباع الضّحّاك.
والخوارج يقال لهم الشّراة: واحدهم شاري، مشتقّ من شرى الرّجل إذا لجّ، أو معناه يستشري/ بالشّرّ، أو من قول الخوارج: شرينا أنفسنا لدين اللّه، فنحن لذلك شراة. وقيل إنّه من قولهم: شاريته أي لا حجته وماريته، وقيل: شرى الرّجل غضبا: إذا استطار غضبا، وقيل لهم هذا لشدّة غضبهم على المسلمين (٢).
стр. 2827
ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملّة الإسلاميّة إلى أن انتشر مذهب الأشعريّة
اعلم أنّ اللّه تعالى لمّا بعث من العرب نبيّه محمّدا ﷺ رسولا إلى النّاس جميعا، وصف لهم ربّهم ، بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الرّوح الأمين، وبما أوحى إليه ربّه تعالى. فلم يسأله ﷺ أحد من العرب بأسرهم - قرويهم وبدويهم - عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه ﷺ عن أمر الصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ، وغير ذلك ممّا للّه فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنّة والنّار. إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصّفات الإلهية، لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام، وفي التّرغيب والتّرهيب، وأحوال القيامة والملاحم والفتن، ونحو ذلك ممّا تضمّنته كتب الحديث معاجمها ومسانيدها وجوامعها.
ومن أمعن النّظر في دواوين الحديث النّبوي، ووقف على الآثار السّلفيّة، علم أنّه لم يرد قطّ، من طريق صحيح ولا سقيم، عن أحد من الصّحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم - أنّه سأل رسول اللّه ﷺ عن معنى شيء ممّا وصف به (¬a) الرّبّ سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيّه محمد ﷺ ، بل كلّهم فهموا معنى ذلك، وسكتوا عن الكلام في الصّفات، نعم، ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل. وإنّما أثبتوا له تعالى صفات أزليّة من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسّمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزّ والعظمة، وساقوا الكلام سوقا واحدا.
وهكذا أثبتوا ﵃ ما أطلقه اللّه سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين. فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزّهوا من غير تعطيل، ولم يتعرّض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصّفات كما وردت.
стр. 2828
ولم يكن عند أحد منهم ما يستدلّ به على وحدانية اللّه تعالى، وعلى إثبات نبوّة محمد ﷺ ، سوى كتاب اللّه، ولا عرف أحد منهم شيئا من الطّرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة.
فمضى عصر الصّحابة ﵃ على هذا، إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، وأنّ الأمر أنف: أي أنّ اللّه تعالى لم يقدّر على خلقه شيئا ممّا هم عليه.
وكان أوّل من قال بالقدر في الإسلام معبد بن خالد الجهني، وكان يجالس الحسن بن أبي الحسن البصري، فتكلّم في القدر بالبصرة، وسلك أهل البصرة مسلكه لمّا رأوا عمرو بن عبيد ينتحله. وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه، ويعرف بالأسواري. فلمّا عظمت الفتنة به، عذّبه الحجّاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين.
ولمّا بلغ عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب ﵄ مقالة معبد في القدر تبرّأ من القدريّة.
واقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة، وأخذ السّلف ﵏ في ذمّ القدريّة، وحذّروا منهم كما هو معروف في كتب الحديث. وكان عطاء بن يسار قاضيا يرى القدر، وكان يأتي هو ومعبد الجهني إلى الحسن البصري، فيقولان له: إنّ هؤلاء يسفكون الدّماء، ويقولون: إنّما تجري أعمالنا على قدر اللّه. فقال: كذب أعداء اللّه فطعن عليه بهذا ومثله.
وحدث أيضا في زمن الصّحابة ﵃ «مذهب الخوارج»، وصرّحوا بالتّكفير بالذّنب، والخروج على الإمام وقتاله. فناظرهم عبد اللّه بن عبّاس ﵄ فلم يرجعوا إلى الحقّ، وقاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ وقتل منهم جماعة كما هو معروف في كتب الأخبار.
ودخل في دعوة الخوارج خلق كثير، ورمي جماعة من أئمّة الإسلام بأنّهم يذهبون إلى مذهبهم، وعدّ منهم غير واحد من رواة الحديث كما هو معروف عند أهله.
وحدث أيضا في زمن الصّحابة ﵃ «مذهب التّشيّع لعلي بن أبي طالب» ﵁ والغلوّ فيه. فلمّا بلغه ذلك أنكره، وحرق بالنّار جماعة ممّن غلا فيه، وأنشد:
[الرجز]
لمّا رأيت الأمر أمرا منكرا … أجّجت ناري ودعوت قنبرا
وقام في زمنه ﵁ عبد اللّه بن وهب بن سبأ - المعروف بابن السّوداء السّبئي - وأحدث القول بوصيّة رسول اللّه ﷺ لعليّ بالإمامة من بعده، فهو وصيّ رسول اللّه ﷺ ، وخليفته على أمّته من بعده بالنّصّ. وأحدث القول برجعة عليّ بعد موته إلى الدّنيا، وبرجعة رسول اللّه ﷺ أيضا./ وزعم أن عليّا لم يقتل، وأنّه حيّ، وأنّ فيه الجزء الإلهي، وأنّه هو الذي
стр. 2829
يجيء في السّحاب، وأنّ الرّعد صوته والبرق سوطه، وأنّه لا بدّ أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا.
ومن ابن سبأ هذا تشعّبت أصناف الغلاة من الرّافضة، وصاروا يقولون بالوقف - يعنون أنّ الإمامة موقوفة على أناس معيّنين -: كقول «الإماميّة» بأنّها في الأئمّة الاثني عشر، وقول «الإسماعيلية» بأنّها في ولد إسماعيل بن جعفر الصّادق. وعنه أيضا أخذوا القول بغيبة الإمام، والقول برجعته بعد الموت إلى الدّنيا، كما تعتقده الإمامية إلى اليوم في صاحب السّرداب، وهو القول بتناسخ الأرواح. وعنه أخذوا أيضا القول بأنّ الجزء الإلهي يحلّ في الأئمّة بعد عليّ بن أبي طالب، وأنّهم بذلك استحقّوا الإمامة بطريق الوجوب، كما استحقّ آدم ﵇ سجود الملائكة، وعلى هذا الرّأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر.
وابن سبأ هذا هو الذي أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ حتى قتل - كما ذكر في ترجمة ابن سبأ من كتاب «التّاريخ الكبير المقفّى» (١) - وكان له عدّة أتباع في عامّة الأمصار، وأصحاب كثيرون في معظم الأقطار. فكثرت لذلك الشّيعة، وصاروا ضدّ للخوارج، وما زال أمرهم يقوى وعددهم يكثر.
ثم حدث بعد عصر الصّحابة ﵃ «مذهب جهم بن صفوان» ببلاد المشرق (٢)، فعظمت الفتنة به. فإنّه نفى أن يكون للّه تعالى صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكا أثّرت في الملّة الإسلامية آثارا قبيحة تولّد عنها بلاء كبير. وكان قبيل المائة من سني الهجرة، فكثر أتباعه على أقواله التي تؤوّل إلى التّعطيل. فأكبر أهل الإسلام بدعته، وتمالئوا على إنكارها وتضليل أهلها، وحذّروا من الجهميّة وعادوهم في اللّه، وذمّوا من جلس إليهم، وكتبوا في الرّدّ عليهم ما هو معروف عند أهله.
وفي أثناء ذلك حدث «مذهب الاعتزال»، منذ زمن الحسن بن أبي الحسن البصري ﵀ بعد المائتين من سني الهجرة، وصنّفوا فيه مسائل في العدل والتّوحيد، وإثبات أفعال العباد،
стр. 2830
وأنّ اللّه تعالى لا يخلق الشّرّ، وجهروا بأنّ اللّه لا يرى في الآخرة، وأنكروا عذاب القبر على البدن، وأعلنوا بأنّ القرآن مخلوق محدث، إلى غير ذلك من مسائلهم (١). فتبعهم خلائق في بدعهم، وأكثروا من التّصنيف في نصرة مذهبهم بالطّرق الجدليّة. فنهى أئمّة الإسلام عن مذهبهم، وذمّوا علم الكلام، وهجروا من ينتحله. ولم يزل أمر المعتزلة يقوى، وأتباعهم تكثر، ومذهبهم ينتشر في الأرض.
ثم حدث «مذهب التّجسيم» المضاد لمذهب الاعتزال. وظهر محمّد بن كرّام بن عرّاف ابن خراية أبو عبد اللّه السّجستاني، زعيم الطّائفة الكرّامية، بعد المائتين من سني الهجرة، وأثبت الصّفات حتى انتهى فيها إلى التّجسيم والتّشبيه، وحجّ وقدم الشّام، ومات بزغو في صفر سنة ستّ وخمسين ومائتين، فدفن بالقدس. وكان هناك من أصحابه زيادة على عشرين ألفا على التّعبّد والتّقشّف، سوى من كان منهم ببلاد المشرق وهم لا يحصون لكثرتهم، وكان إماما لطائفتي الشّافعية والحنفيّة. وكانت بين الكرّامية بالمشرق وبين المعتزلة مناظرات، ومناكرات، وفتن كثيرة متعدّدة أزماتها. (٢)
هذا وأمر الشّيعة يفشو في النّاس، حتى حدث «مذهب القرامطة» المنسوبين إلى حمدان الأشعث، المعروف بقرمط من أجل قصر قامته وقصر رجليه وتقارب خطوه. وكان ابتداء أمر قرمط هذا في سنة أربع وستين ومائتين، وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق.
وقام من القرامطة ببلاد الشّام صاحب الحال والمدّثّر والمطوّق. وقام بالبحرين منهم أبو سعيد الجنابي من أهل جنابة، وعظمت دولته ودولة بنيه من بعده، حتى أوقعوا بعساكر بغداد، وأخافوا خلفاء بني العبّاس، وفرضوا الأموال التي تحمل إليهم في كلّ سنة على أهل بغداد وخراسان والشّام ومصر واليمن، وغزوا بغداد والشّام ومصر والحجاز، وانتشرت دعاتهم بأقطار الأرض (٣).
فدخل جماعات من النّاس في دعوتهم، ومالوا إلى قولهم الذي سمّوه «علم الباطن». وهو
стр. 2831
تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، وتأويل آيات القرآن ودعواهم فيها تأويلا بعيدا، انتحلوا القول به بدعا ابتدعوها بأهوائهم، فضلّوا وأضلّوا عالما كثيرا.
هذا وقد كان المأمون عبد اللّه بن هارون الرّشيد، سابع خلفاء بني العبّاس ببغداد، لمّا شغف بالعلوم القديمة، بعث إلى بلاد الرّوم من عرّب له كتب الفلاسفة، وأتاه بها في أعوام بضع عشرة ومائتين من سني الهجرة (١)، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في النّاس، واشتهرت كتبهم بعامّة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهميّة وغيرهم عليها، وأكثروا من النّظر فيها والتّصفّح لها. فانجرّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدّين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع، وزادتهم كفرا إلى كفرهم.
فلمّا قامت «دولة بني بويه» ببغداد في سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة، واستمرّوا إلى/ سنة سبع وثلاثين وأربع مائة، وأظهروا «مذهب التّشيّع» قويت بهم الشّيعة، وكتبوا على أبواب المساجد في سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة «لعن اللّه معاوية بن أبي سفيان، ولعن من أغضب فاطمة، ومن منع الحسن أن يدفن عند جدّه، ومن نفى أبا ذرّ الغفاري، ومن أخرج العبّاس من الشّورى». فلمّا كان اللّيل حكّه بعض النّاس، فأشار الوزير المهلّبي أن يكتب بإذن معزّ الدّولة «لعن اللّه الظّالمين لأهل البيت» ولا يذكر أحد في اللّعن غير معاوية، ففعل ذلك. وكثرت ببغداد الفتن بين الشّيعة والسّنّة، وجهر الشّيعة في الأذان ب «حيّ على خير العمل» في الكرخ. وفشا مذهب الاعتزال بالعراق وخراسان وما وراء النّهر، وذهب إليه جماعة من مشاهير الفقهاء (٢).
стр. 2832
وقوي مع ذلك أمر الخلفاء الفاطميين بإفريقيّة وبلاد المغرب، وجهروا ب «مذهب الإسماعيلية»، وبثّوا دعاتهم بأرض مصر، فاستجاب لهم خلق كثير من أهلها، ثم ملكوها سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وبعثوا بعساكرهم إلى الشّام. فانتشرت «مذاهب الرّافضة» في عامّة بلاد المغرب ومصر والشّام وديار بكر والكوفة والبصرة وبغداد وجميع العراق وبلاد خراسان وما وراء النّهر، مع بلاد الحجاز واليمن والبحرين، وكانت بينهم وبين أهل السّنّة من الفتن والحروب والمقاتل ما لا يمكن حصره لكثرته (١).
واشتهرت مذاهب الفرق من القدريّة والجهميّة والمعتزلة والكرّاميّة والخوارج والرّوافض والقرامطة والباطنيّة حتى ملأت الأرض. وما منهم إلاّ من نظر في الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق مصر من الأمصار، ولا قطر من الأقطار، إلاّ وفيه طوائف كثيرة ممّن ذكرنا.
وكان أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري قد أخذ عن أبي عليّ محمد بن عبد الوهّاب الجبّائي، ولازمه عدّة أعوام. ثم بدا له فترك مذهب الاعتزال، وسلك طريق أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن كلاّب (٢)، ونسج على قوانينه في الصّفات والقدر، وقال بالفاعل المختار، وترك القول بالتّحسين والتّقبيح العقليين، وما قيل في مسائل الصّلاح والأصلح، وأثبت أنّ العقل لا يوجب المعارف قبل الشّرع، وأنّ العلوم وإن حصلت بالعقل فلا تجب به ولا يجب البحث عنها إلاّ بالسّمع، وأنّ اللّه تعالى لا يجب عليه شيء، وأن النّبوّات من الجائزات العقلية والواجبات السّمعية، إلى غير ذلك من مسائله التي هي موضوع أصول الدّين (٣).
стр. 2833
مذهب الأشعريّ
وحقيقة «مذهب الأشعري» ﵀ أنّه سلك طريقا بين النّفي الذي هو مذهب الاعتزال، وبين الإثبات الذي هو مذهب أهل التّجسيم، وناظر على قوله هذا، واحتجّ لمذهبه. فمال إليه جماعة، وعوّلوا على رأيه: منهم القاضي أبو بكر محمد ابن الطّيّب الباقلاّني المالكي، وأبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، والشّيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الإسفراييني، والشّيخ أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف الشّيرازي، والشّيخ أبو حامد محمد ابن محمد بن أحمد الغزالي، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشّهرستاني، والإمام فخر الدّين محمد بن عمر بن الحسين الرّازي، وغيرهم ممّن يطول ذكره.
ونصروا مذهبه، وناظروا عليه، وجادلوا فيه، واستدلّوا له في مصنّفات لا تكاد تحصر. فانتشر «مذهب أبي الحسن الأشعري» في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاث مائة، وانتقل منه إلى الشّام.
فلمّا ملك السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدّين عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني على هذا المذهب، قد نشأ عليه منذ كانا في خدمة السّلطان الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدّين في صباه «عقيدة» ألّفها له قطب الدّين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النّيسابوري، وصار يحفّظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدّوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيّام دولتهم كافّة النّاس على التزامه. فتمادى الحال على ذلك جميع أيّام الملوك من بني أيّوب، ثم في أيّام مواليهم الملوك من الأتراك.
واتّفق مع ذلك توجّه أبي عبد اللّه محمد بن تومرت (١)، أحد رجالات المغرب، إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري. فلمّا عاد إلى بلاد المغرب، وقام في المصامدة
стр. 2834
يفقّههم ويعلّمهم، وضع لهم «عقيدة» لقفها عنه عامّتهم، ثم مات. فخلفه بعد موته عبد المؤمن ابن عليّ القيسي (١)، وتلقّب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعده مدّة سنين، وتسمّوا ب «الموحّدين»؛ فلذلك صارت دولة الموحّدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم المهدي المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلاّ اللّه خالقها ، كما هو معروف في كتب التاريخ.
فكان هذا هو السّبب في اشتهار «مذهب الأشعري» وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب وجهل؛ حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلاّ أن/ يكون مذهب الحنابلة، أتباع الإمام أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ فإنّهم كانوا على ما كان عليه السّلف لا يرون تأويل ما ورد من الصّفات.
إلى أن كان بعد السبع مائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقيّ الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السّلام بن تيميّة الحرّاني، فتصدّى للانتصار لمذهب السّلف، وبالغ في الرّدّ على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنّكير عليهم وعلى الرّافضة وعلى الصّوفيّة؛ فافترق النّاس فيه فريقان:
فريق يقتدى به، ويعوّل على أقواله، ويعمل برأيه، ويرى أنّه شيخ الإسلام وأجلّ حفّاظ أهل الملّة الإسلامية. وفريق يبدّعه ويضلّله، ويزرى عليه بإثباته الصّفات، وينتقد عليه مسائل: منها ما
стр. 2835
له فيه سلف، ومنها ما زعموا أنّه خرق فيه الإجماع ولم يكن له سلف. وكانت له ولهم خطوب كثيرة، وحسابه وحسابهم على اللّه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء، وله إلى وقتنا هذا عدّة أتباع بالشّام وقليل بمصر (١).
هذا وبين «الأشاعرة» و «الماتريديّة»، أتباع أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي (٢)، وهم طائفة الفقهاء الحنفيّة مقلّدوا الإمام أبي حنيفة النّعمان بن ثابت وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحضرمي ومحمد بن الحسن الشّيباني ﵃ من الخلاف في العقائد ما هو مشهور في موضعه. وهو إذا تتبّع يبلغ بضع عشرة مسألة، كان بسببها في أوّل الأمر تباين وتنافر، وقدح كلّ منهم في عقيدة الآخر، إلاّ أنّ الأمر آل آخرا إلى الإغضاء، وللّه الحمد.
فهذا - أعزّك اللّه - بيان ما كانت عليه عقائد الأمّة - من ابتداء الأمر إلى وقتنا هذا - قد فصّلت فيه ما أجمله أهل الأخبار، وأجملت ما فصّلوا. فدونك، طالب العلم، تناول ما قد بذلت فيه جهدي، وأطلت بسببه سهري وكدّي في تصفّح دواوين الإسلام وكتب الأخبار. فقد وصل إليك صفوا، ونلته عفوا بلا تكلّف مشقّة ولا بذل مجهود، ﴿وَلكِنَّ اَللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ [الآية ١١ سورة إبراهيم].
стр. 2836
أبو الحسن الأشعري
أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل ابن عبد اللّه بن موسى ابن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى - واسمه عبد اللّه بن قيس - الأشعري البصري: ولد سنة ستّ وستين ومائتين، وقيل سنة سبعين، وتوفي ببغداد سنة بضع وثلاثين وثلاث مائة، وقيل سنة أربع وعشرين وثلاث مائة (١).
سمع زكريا السّاجي، وأبا خليفة الجمحي، وسهل بن نوح، ومحمد بن يعقوب المقري، وعبد الرّحمن بن خلف الضّبّي المصري. وروى عنهم في تفسيره كثيرا، وتلمذ لزوج أمّه أبي علي محمد بن عبد الوهّاب الجبّائي، واقتدى برأيه في الاعتزال عدّة سنين حتى صار من أئمّة المعتزلة، ثم رجع عن القول بخلق القرآن وغيره من آراء المعتزلة.
وصعد يوم الجمعة بجامع البصرة كرسيّا، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي. أنا فلان ابن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وإنّ اللّه لا يرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشّرّ أنا أفعلها. وأنا تائب مقلع، معتقد الرّدّ على المعتزلة، مبيّن لفضائحهم ومعايبهم.
وأخذ من حينئذ في الرّدّ عليهم، وسلك بعض طريق أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد ابن كلاب القطّان (٢)، وبنى على قواعده، وصنّف خمسة وخمسين تصنيفا: منها كتاب «اللّمع»، وكتاب «الموجز»، وكتاب «إيضاح البرهان»، وكتاب «التّبيين على أصول الدّين»، وكتاب «الشّرح والتّفصيل في الرّدّ على أهل الإفك والتّضليل»، وكتاب «الإبانة»، وكتاب «تفسير القرآن» يقال إنّه في سبعين مجلّدا (٣). وكانت غلّته من ضيعة وقفها بلال بن أبي بردة على عقبه، وكانت نفقته في السنة سبعة عشر درهما، وكانت فيه دعابة ومزح كثير.
وقال مسعود بن شيبة في «كتاب التّعليم»: كان حنفيّ المذهب، معتزليّ الكلام، لأنّه كان ربيب أبي عليّ الجبّائي، وهو الذي ربّاه وعلّمه الكلام. وذكر الخطيب أنّه كان يجلس أيّام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه في جامع المنصور.
стр. 2837
وعن أبي بكر بن الصّيرفي: كان المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر اللّه تعالى الأشعري، فحجزهم في أقماع السّماسم.
وجملة عقيدته: أنّ اللّه تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، مريد بإرادة، متكلّم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، وأنّ صفاته أزليّة قائمة بذاته تعالى، لا يقال هي هو ولا هي غيره، ولا لا هي هو ولا غيره، وعلمه واحد يتعلّق بجميع المعلومات، وقدرته واحدة تتعلّق بجميع ما يصحّ وجوده، وإرادته واحدة تتعلّق بجميع ما يقبل الاختصاص، وكلامه واحد: هو أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد.
وهذه الوجوه راجعة إلى اعتبارات في كلامه لا إلى نفس الكلام، والألفاظ المنزّلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء دلالات على الكلام الأزلي. فالمدلول - وهو القرآن المقروء - قديم أزليّ، والدّلالة - وهي العبارات، وهي القراءة - مخلوقة محدثة.
قال: وفرّق بين القراءة والمقروء، والتّلاوة والمتلو. كما فرّق بين الذّكر والمذكور، قال:
والكلام معنى قائم بالنّفس، والعبارة دالّة على ما في النّفس، وإنّما تسمّى العبارة كلاما مجازا.
قال: وأراد اللّه تعالى جميع الكائنات: خيرها وشرّها ونفعها وضرّها. ومال/ في كلامه إلى جواز تكليف ما لا يطاق، لقوله: إنّ الاستطاعة مع الفعل، وهو مكلّف بالفعل قبله، وهو غير مستطيع قبله، على مذهبه، قال: وجميع أفعال العباد مخلوقة مبدعة من اللّه تعالى، مكتسبة للعبد، والكسب عبارة عن الفعل القائم بمحلّ قدرة العبد.
قال: والخالق هو اللّه تعالى حقيقة، لا يشاركه في الخلق غيره، فأخصّ وصفه هو القدرة والاختراع، وهذا تفسير اسمه البارئ.
قال: وكلّ موجود يصحّ أن يرى، واللّه تعالى موجود، فيصحّ أن يرى، وقد صحّ السّمع بأنّ المؤمنين يرونه في الدّار الأخرى في الكتاب والسّنّة، ولا يجوز أن يرى في مكان ولا صورة مقابلة واتّصال شعاع، فإنّ ذلك كلّه محال. وماهيّة الرّؤية له فيها رأيان: أحدهما أنّه علم مخصوص يتعلّق بالوجود دون العدم، والثاني أنّه إدراك وراء العلم. وأثبت السّمع والبصر صفتين أزليتين، هما إدراكان وراء العلم. وأثبت اليدين والوجه صفات خبريّة، وردّ السّمع بها فيجب الاعتراف به.
وخالف المعتزلة في الوعد والوعيد، والسّمع والعقل من كلّ وجه. وقال: الإيمان هو التّصديق بالقلب، والقول باللّسان. والعمل بالأركان فروع الإيمان: فمن صدّق بالقلب، أي أقرّ بوحدانية
стр. 2838
اللّه تعالى، واعترف بالرّسل تصديقا لهم فيما جاءوا به، فهو مؤمن. وصاحب الكبيرة إذا خرج من الدّنيا من غير توبة، حكمه إلى اللّه: إمّا أن يغفر له برحمته أو يشفع له رسول اللّه ﷺ ، وإمّا أن يعذّبه بعدله، ثم يدخله الجنّة برحمته، ولا يخلّد في النّار مؤمن.
قال: ولا أقول إنّه يجب على اللّه سبحانه قبول توبته بحكم العقل، لأنّه هو الموجب لا يجب عليه شيء أصلا، بل قد ورد السّمع بقبول توبة التّائبين، وإجابة دعوة المضطرّين. وهو المالك لخلقه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم النّار لم يكن جورا، ولو أدخلهم الجنّة لم يكن حيفا، ولا يتصوّر منه ظلم، ولا ينسب إليه جور؛ لأنّه الملك المطلق.
والواجبات كلّها سمعيّة، فلا يوجب العقل شيئا ألبتّة، ولا يقتضي تحسينا ولا تقبيحا. فمعرفة اللّه تعالى، وشكر المنعم، وإثابة الطّائع، وعقاب العاصي، كلّ ذلك بحسب السّمع دون العقل. ولا يجب على اللّه شيء: لا صلاح ولا أصلح ولا ألطف، بل الثّواب والصّلاح واللّطف والنّعم، كلّها تفضّل من اللّه تعالى. ولا يرجع إليه تعالى نفع ولا ضرّ، فلا ينتفع بشكر شاكر، ولا يتضرّر بكفر كافر، بل يتعالى ويتقدّس عن ذلك.
وبعث الرّسل جائز لا واجب ولا مستحيل. فإذا بعث اللّه تعالى الرّسول، وأيّده بالمعجزة الخارقة للعادة، وتحدّى ودعا النّاس، وجب الإصغاء إليه، والاستماع منه، والامتثال لأوامره، والانتهاء عن نواهيه. وكرامات الأولياء حقّ، والإيمان بما جاء في القرآن والسّنّة من الإخبار عن الأمور الغائبة عنّا - مثل اللّوح والقلم، والعرش والكرسي، والجنّة والنّار - حقّ وصدق.
وكذلك الإخبار عن الأمور التي ستقع في الآخرة: مثل سؤال القبر، والثّواب والعقاب فيه، والحشر والمعاد، والميزان والصّراط، وانقسام فريق في الجنّة وفريق في السّعير، كلّ ذلك حقّ وصدق يجب الإيمان والاعتراف به. والإمامة تثبت بالاتّفاق والاختيار دون النّصّ والتّعيين على واحد معيّن، والأئمّة مترتّبون في الفضل ترتّبهم في الإمامة.
قال: ولا أقول في عائشة وطلحة والزّبير، ﵃ إلاّ أنّهم رجعوا عن الخطأ.
وأقول: إنّ طلحة والزّبير من العشرة المبشّرين بالجنّة، وأقول في معاوية وعمرو بن العاص: إنّهما بغيا على الإمام الحقّ عليّ بن أبي طالب ﵃ فقاتلهم مقاتلة أهل البغي. وأقول:
إنّ أهل النّهروان الشّراة هم المارقون عن الدّين، وإنّ عليّا ﵁ كان على الحقّ في جميع أحواله، والحقّ معه حيث دار.
стр. 2839
فهذه جملة من أصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه.
والأشاعرة يسمّون «الصّفاتيّة» لإثباتهم صفات اللّه تعالى القديمة، ثم افترقوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسّنّة - كالاستواء، والنّزول، والأصبع واليد، والقدم، والصّورة، والجنب، والمجيء - على فرقتين: فرقة تؤوّل جميع ذلك على وجوه محتملة اللّفظ. وفرقة لم يتعرّضوا للتأويل، ولا صاروا إلى التّشبيه، ويقال لهؤلاء «الأشعريّة الأثرية» (¬a).
فصار للمسلمين في ذلك خمسة أقوال: أحدها: اعتقاد ما يفهم مثله من اللّغة، وثانيها:
السّكوت عنها مطلقا، وثالثها: السّكوت عنها بعد نفي إرادة الظّاهر، ورابعها: حملها على المجاز، وخامسها: حملها على الاشتراك. ولكلّ فريق أدلّة وحجاج تضمّنتها كتب أصول الدّين، ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * * إِلّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [الآيتان ١١٨ - ١١٩ سورة هود]، ﴿فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الآية ١١٣ سورة البقرة].
فصل
اعلم أنّ اللّه سبحانه طلب من الخلق معرفته بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَاَلْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الآية ٥٦ سورة الذاريات] قال ابن عبّاس وغيره: يعرفون. فخلق تعالى الخلق، وتعرّف إليهم بألسنة الشّرائع المنزّلة، فعرفه من عرفه سبحانه منهم على ما عرّفهم فيما تعرّف به إليهم.
وقد كان النّاس، قبل إنزال الشّرائع ببعثة الرّسل ﵈ علمهم/ باللّه تعالى إنّما هو بطريق التّنزيه له عن سمات الحدوث، وعن التّركيب، وعن الافتقار، ويصفونه سبحانه بالاقتدار المطلق. وهذا التّنزيه هو المشهور عقلا، ولا يتعّداه عقل أصلا.
فلمّا أنزل اللّه شريعته على رسوله محمّد ﷺ ، وأكمل دينه، كان سبيل العارف باللّه أن يجمع في معرفته باللّه بين معرفتين: إحداهما المعرفة التي تقتضيها الأدلّة العقلية، والأخرى المعرفة التي جاءت بها الإخبارات الإلهية، وأن يردّ علم ذلك إلى اللّه تعالى، ويؤمن به وبكلّ ما جاءت به الشّريعة على الوجه الذي أراده اللّه تعالى، من غير تأويل بفكره، ولا تحكّم فيه برأيه.
стр. 2840
وذلك أنّ الشّرائع إنّما أنزلها اللّه تعالى لعدم استقلال العقول البشريّة بإدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه في علم اللّه. وأنّى لها ذلك وقد تقيّدت بما عندها من إطلاق ما هنالك؟ فإن وهبها علما بمراده من الأوضاع الشّرعية، ومنحها الاطّلاع على حكمه في ذلك كان من فضله تعالى.
فلا يضيف العارف هذه المنّة إلى فكره، فإنّ تنزيهه لربّه تعالى بفكره يجب أن يكون مطابقا لما أنزله سبحانه على لسان رسوله ﷺ من الكتاب والسّنّة. وإلاّ فهو تعالى منزّه عن تنزيه عقول البشر بأفكارها، فإنّها مقيّدة بأوطارها، فتنزيهها كذلك مقيّد بحسبها وبموجب أحكامها وآثارها - إلاّ إذا خلت عن الهوى، فإنّها حينئذ يكشف اللّه لها الغطاء عن بصائرها، ويهديها إلى الحقّ.
فتنزّهه تعالى عن التّنزيهات العرفيّة بالأفكار العادية.
وقد أجمع المسلمون قاطبة على جواز رواية الأحاديث الواردة في الصّفات ونقلها وتبليغها، من غير خلاف بينهم في ذلك. ثم أجمع أهل الحقّ منهم على أنّ هذه الأحاديث مصروفة عن احتمال مشابهة الخلق، لقول اللّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الآية ١١ سورة الشورى] ولقول اللّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ * * اَللّهُ اَلصَّمَدُ * * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الآيات ١ - ٤ سورة الإخلاص] وهذه السّورة يقال لها: سورة الإخلاص. وقد عظّم رسول اللّه ﷺ شأنها، ورغّب أمّته في تلاوتها حتى جعلها تعدل ثلث القرآن من أجل أنّها شاهدة بتنزيه اللّه تعالى، وعدم الشّبه والمثل له سبحانه. وسمّيت «سورة الإخلاص»، لاشتمالها على إخلاص التّوحيد للّه عن أن يشوبه ميل إلى تشبيهه بالخلق. وأمّا الكاف التي في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ﴾ فإنّها زائدة. وقد تقرّر أنّ الكاف والمثل في كلام العرب أتيا للتّشبيه، فجمعهما اللّه تعالى، ثم نفى بهما عنه ذلك.
فإذا ثبت إجماع المسلمين على جواز رواية هذه الأحاديث ونقلها، مع إجماعهم على أنّها مصروفة عن التّشبيه، لم يبق في تعظيم اللّه تعالى بذكرها إلاّ نفي التّعطيل، لكون أعداء المرسلين سمّوا ربّهم سبحانه أسماء نفوا فيها صفاته العلا. فقال قوم من الكفّار: هو طبيعة، وقال آخرون منهم: هو علّة، إلى غير ذلك من إلحادهم في أسمائه سبحانه. فقال رسول اللّه ﷺ هذه الأحاديث المشتملة على ذكر صفات اللّه العلا، ونقلها عنه أصحابه البررة، ثم نقلها عنهم أئمّة المسلمين. حتى انتهت إلينا، وكلّ منهم يرويها بصفتها من غير تأويل لشيء منها، مع علمنا أنّهم كانوا يعتقدون أنّ اللّه : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الآية ١١ سورة الشورى] ففهمنا من ذلك أنّ اللّه تعالى أراد - بما نطق به رسوله ﷺ من هذه الأحاديث، وتناولها