أبو الحسن الأشعري
أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل ابن عبد اللّه بن موسى ابن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى - واسمه عبد اللّه بن قيس - الأشعري البصري: ولد سنة ستّ وستين ومائتين، وقيل سنة سبعين، وتوفي ببغداد سنة بضع وثلاثين وثلاث مائة، وقيل سنة أربع وعشرين وثلاث مائة (١).
سمع زكريا السّاجي، وأبا خليفة الجمحي، وسهل بن نوح، ومحمد بن يعقوب المقري، وعبد الرّحمن بن خلف الضّبّي المصري. وروى عنهم في تفسيره كثيرا، وتلمذ لزوج أمّه أبي علي محمد بن عبد الوهّاب الجبّائي، واقتدى برأيه في الاعتزال عدّة سنين حتى صار من أئمّة المعتزلة، ثم رجع عن القول بخلق القرآن وغيره من آراء المعتزلة.
وصعد يوم الجمعة بجامع البصرة كرسيّا، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي. أنا فلان ابن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وإنّ اللّه لا يرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشّرّ أنا أفعلها. وأنا تائب مقلع، معتقد الرّدّ على المعتزلة، مبيّن لفضائحهم ومعايبهم.
وأخذ من حينئذ في الرّدّ عليهم، وسلك بعض طريق أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد ابن كلاب القطّان (٢)، وبنى على قواعده، وصنّف خمسة وخمسين تصنيفا: منها كتاب «اللّمع»، وكتاب «الموجز»، وكتاب «إيضاح البرهان»، وكتاب «التّبيين على أصول الدّين»، وكتاب «الشّرح والتّفصيل في الرّدّ على أهل الإفك والتّضليل»، وكتاب «الإبانة»، وكتاب «تفسير القرآن» يقال إنّه في سبعين مجلّدا (٣). وكانت غلّته من ضيعة وقفها بلال بن أبي بردة على عقبه، وكانت نفقته في السنة سبعة عشر درهما، وكانت فيه دعابة ومزح كثير.
وقال مسعود بن شيبة في «كتاب التّعليم»: كان حنفيّ المذهب، معتزليّ الكلام، لأنّه كان ربيب أبي عليّ الجبّائي، وهو الذي ربّاه وعلّمه الكلام. وذكر الخطيب أنّه كان يجلس أيّام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه في جامع المنصور.
стр. 2837
وعن أبي بكر بن الصّيرفي: كان المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر اللّه تعالى الأشعري، فحجزهم في أقماع السّماسم.
وجملة عقيدته: أنّ اللّه تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، مريد بإرادة، متكلّم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، وأنّ صفاته أزليّة قائمة بذاته تعالى، لا يقال هي هو ولا هي غيره، ولا لا هي هو ولا غيره، وعلمه واحد يتعلّق بجميع المعلومات، وقدرته واحدة تتعلّق بجميع ما يصحّ وجوده، وإرادته واحدة تتعلّق بجميع ما يقبل الاختصاص، وكلامه واحد: هو أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد.
وهذه الوجوه راجعة إلى اعتبارات في كلامه لا إلى نفس الكلام، والألفاظ المنزّلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء دلالات على الكلام الأزلي. فالمدلول - وهو القرآن المقروء - قديم أزليّ، والدّلالة - وهي العبارات، وهي القراءة - مخلوقة محدثة.
قال: وفرّق بين القراءة والمقروء، والتّلاوة والمتلو. كما فرّق بين الذّكر والمذكور، قال:
والكلام معنى قائم بالنّفس، والعبارة دالّة على ما في النّفس، وإنّما تسمّى العبارة كلاما مجازا.
قال: وأراد اللّه تعالى جميع الكائنات: خيرها وشرّها ونفعها وضرّها. ومال/ في كلامه إلى جواز تكليف ما لا يطاق، لقوله: إنّ الاستطاعة مع الفعل، وهو مكلّف بالفعل قبله، وهو غير مستطيع قبله، على مذهبه، قال: وجميع أفعال العباد مخلوقة مبدعة من اللّه تعالى، مكتسبة للعبد، والكسب عبارة عن الفعل القائم بمحلّ قدرة العبد.
قال: والخالق هو اللّه تعالى حقيقة، لا يشاركه في الخلق غيره، فأخصّ وصفه هو القدرة والاختراع، وهذا تفسير اسمه البارئ.
قال: وكلّ موجود يصحّ أن يرى، واللّه تعالى موجود، فيصحّ أن يرى، وقد صحّ السّمع بأنّ المؤمنين يرونه في الدّار الأخرى في الكتاب والسّنّة، ولا يجوز أن يرى في مكان ولا صورة مقابلة واتّصال شعاع، فإنّ ذلك كلّه محال. وماهيّة الرّؤية له فيها رأيان: أحدهما أنّه علم مخصوص يتعلّق بالوجود دون العدم، والثاني أنّه إدراك وراء العلم. وأثبت السّمع والبصر صفتين أزليتين، هما إدراكان وراء العلم. وأثبت اليدين والوجه صفات خبريّة، وردّ السّمع بها فيجب الاعتراف به.
وخالف المعتزلة في الوعد والوعيد، والسّمع والعقل من كلّ وجه. وقال: الإيمان هو التّصديق بالقلب، والقول باللّسان. والعمل بالأركان فروع الإيمان: فمن صدّق بالقلب، أي أقرّ بوحدانية
стр. 2838
اللّه تعالى، واعترف بالرّسل تصديقا لهم فيما جاءوا به، فهو مؤمن. وصاحب الكبيرة إذا خرج من الدّنيا من غير توبة، حكمه إلى اللّه: إمّا أن يغفر له برحمته أو يشفع له رسول اللّه ﷺ ، وإمّا أن يعذّبه بعدله، ثم يدخله الجنّة برحمته، ولا يخلّد في النّار مؤمن.
قال: ولا أقول إنّه يجب على اللّه سبحانه قبول توبته بحكم العقل، لأنّه هو الموجب لا يجب عليه شيء أصلا، بل قد ورد السّمع بقبول توبة التّائبين، وإجابة دعوة المضطرّين. وهو المالك لخلقه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم النّار لم يكن جورا، ولو أدخلهم الجنّة لم يكن حيفا، ولا يتصوّر منه ظلم، ولا ينسب إليه جور؛ لأنّه الملك المطلق.
والواجبات كلّها سمعيّة، فلا يوجب العقل شيئا ألبتّة، ولا يقتضي تحسينا ولا تقبيحا. فمعرفة اللّه تعالى، وشكر المنعم، وإثابة الطّائع، وعقاب العاصي، كلّ ذلك بحسب السّمع دون العقل. ولا يجب على اللّه شيء: لا صلاح ولا أصلح ولا ألطف، بل الثّواب والصّلاح واللّطف والنّعم، كلّها تفضّل من اللّه تعالى. ولا يرجع إليه تعالى نفع ولا ضرّ، فلا ينتفع بشكر شاكر، ولا يتضرّر بكفر كافر، بل يتعالى ويتقدّس عن ذلك.
وبعث الرّسل جائز لا واجب ولا مستحيل. فإذا بعث اللّه تعالى الرّسول، وأيّده بالمعجزة الخارقة للعادة، وتحدّى ودعا النّاس، وجب الإصغاء إليه، والاستماع منه، والامتثال لأوامره، والانتهاء عن نواهيه. وكرامات الأولياء حقّ، والإيمان بما جاء في القرآن والسّنّة من الإخبار عن الأمور الغائبة عنّا - مثل اللّوح والقلم، والعرش والكرسي، والجنّة والنّار - حقّ وصدق.
وكذلك الإخبار عن الأمور التي ستقع في الآخرة: مثل سؤال القبر، والثّواب والعقاب فيه، والحشر والمعاد، والميزان والصّراط، وانقسام فريق في الجنّة وفريق في السّعير، كلّ ذلك حقّ وصدق يجب الإيمان والاعتراف به. والإمامة تثبت بالاتّفاق والاختيار دون النّصّ والتّعيين على واحد معيّن، والأئمّة مترتّبون في الفضل ترتّبهم في الإمامة.
قال: ولا أقول في عائشة وطلحة والزّبير، ﵃ إلاّ أنّهم رجعوا عن الخطأ.
وأقول: إنّ طلحة والزّبير من العشرة المبشّرين بالجنّة، وأقول في معاوية وعمرو بن العاص: إنّهما بغيا على الإمام الحقّ عليّ بن أبي طالب ﵃ فقاتلهم مقاتلة أهل البغي. وأقول:
إنّ أهل النّهروان الشّراة هم المارقون عن الدّين، وإنّ عليّا ﵁ كان على الحقّ في جميع أحواله، والحقّ معه حيث دار.
стр. 2839
فهذه جملة من أصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه.
والأشاعرة يسمّون «الصّفاتيّة» لإثباتهم صفات اللّه تعالى القديمة، ثم افترقوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسّنّة - كالاستواء، والنّزول، والأصبع واليد، والقدم، والصّورة، والجنب، والمجيء - على فرقتين: فرقة تؤوّل جميع ذلك على وجوه محتملة اللّفظ. وفرقة لم يتعرّضوا للتأويل، ولا صاروا إلى التّشبيه، ويقال لهؤلاء «الأشعريّة الأثرية» (¬a).
فصار للمسلمين في ذلك خمسة أقوال: أحدها: اعتقاد ما يفهم مثله من اللّغة، وثانيها:
السّكوت عنها مطلقا، وثالثها: السّكوت عنها بعد نفي إرادة الظّاهر، ورابعها: حملها على المجاز، وخامسها: حملها على الاشتراك. ولكلّ فريق أدلّة وحجاج تضمّنتها كتب أصول الدّين، ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * * إِلّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [الآيتان ١١٨ - ١١٩ سورة هود]، ﴿فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الآية ١١٣ سورة البقرة].
فصل
اعلم أنّ اللّه سبحانه طلب من الخلق معرفته بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَاَلْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الآية ٥٦ سورة الذاريات] قال ابن عبّاس وغيره: يعرفون. فخلق تعالى الخلق، وتعرّف إليهم بألسنة الشّرائع المنزّلة، فعرفه من عرفه سبحانه منهم على ما عرّفهم فيما تعرّف به إليهم.
وقد كان النّاس، قبل إنزال الشّرائع ببعثة الرّسل ﵈ علمهم/ باللّه تعالى إنّما هو بطريق التّنزيه له عن سمات الحدوث، وعن التّركيب، وعن الافتقار، ويصفونه سبحانه بالاقتدار المطلق. وهذا التّنزيه هو المشهور عقلا، ولا يتعّداه عقل أصلا.
فلمّا أنزل اللّه شريعته على رسوله محمّد ﷺ ، وأكمل دينه، كان سبيل العارف باللّه أن يجمع في معرفته باللّه بين معرفتين: إحداهما المعرفة التي تقتضيها الأدلّة العقلية، والأخرى المعرفة التي جاءت بها الإخبارات الإلهية، وأن يردّ علم ذلك إلى اللّه تعالى، ويؤمن به وبكلّ ما جاءت به الشّريعة على الوجه الذي أراده اللّه تعالى، من غير تأويل بفكره، ولا تحكّم فيه برأيه.
стр. 2840
وذلك أنّ الشّرائع إنّما أنزلها اللّه تعالى لعدم استقلال العقول البشريّة بإدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه في علم اللّه. وأنّى لها ذلك وقد تقيّدت بما عندها من إطلاق ما هنالك؟ فإن وهبها علما بمراده من الأوضاع الشّرعية، ومنحها الاطّلاع على حكمه في ذلك كان من فضله تعالى.
فلا يضيف العارف هذه المنّة إلى فكره، فإنّ تنزيهه لربّه تعالى بفكره يجب أن يكون مطابقا لما أنزله سبحانه على لسان رسوله ﷺ من الكتاب والسّنّة. وإلاّ فهو تعالى منزّه عن تنزيه عقول البشر بأفكارها، فإنّها مقيّدة بأوطارها، فتنزيهها كذلك مقيّد بحسبها وبموجب أحكامها وآثارها - إلاّ إذا خلت عن الهوى، فإنّها حينئذ يكشف اللّه لها الغطاء عن بصائرها، ويهديها إلى الحقّ.
فتنزّهه تعالى عن التّنزيهات العرفيّة بالأفكار العادية.
وقد أجمع المسلمون قاطبة على جواز رواية الأحاديث الواردة في الصّفات ونقلها وتبليغها، من غير خلاف بينهم في ذلك. ثم أجمع أهل الحقّ منهم على أنّ هذه الأحاديث مصروفة عن احتمال مشابهة الخلق، لقول اللّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الآية ١١ سورة الشورى] ولقول اللّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ * * اَللّهُ اَلصَّمَدُ * * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الآيات ١ - ٤ سورة الإخلاص] وهذه السّورة يقال لها: سورة الإخلاص. وقد عظّم رسول اللّه ﷺ شأنها، ورغّب أمّته في تلاوتها حتى جعلها تعدل ثلث القرآن من أجل أنّها شاهدة بتنزيه اللّه تعالى، وعدم الشّبه والمثل له سبحانه. وسمّيت «سورة الإخلاص»، لاشتمالها على إخلاص التّوحيد للّه عن أن يشوبه ميل إلى تشبيهه بالخلق. وأمّا الكاف التي في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ﴾ فإنّها زائدة. وقد تقرّر أنّ الكاف والمثل في كلام العرب أتيا للتّشبيه، فجمعهما اللّه تعالى، ثم نفى بهما عنه ذلك.
فإذا ثبت إجماع المسلمين على جواز رواية هذه الأحاديث ونقلها، مع إجماعهم على أنّها مصروفة عن التّشبيه، لم يبق في تعظيم اللّه تعالى بذكرها إلاّ نفي التّعطيل، لكون أعداء المرسلين سمّوا ربّهم سبحانه أسماء نفوا فيها صفاته العلا. فقال قوم من الكفّار: هو طبيعة، وقال آخرون منهم: هو علّة، إلى غير ذلك من إلحادهم في أسمائه سبحانه. فقال رسول اللّه ﷺ هذه الأحاديث المشتملة على ذكر صفات اللّه العلا، ونقلها عنه أصحابه البررة، ثم نقلها عنهم أئمّة المسلمين. حتى انتهت إلينا، وكلّ منهم يرويها بصفتها من غير تأويل لشيء منها، مع علمنا أنّهم كانوا يعتقدون أنّ اللّه : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الآية ١١ سورة الشورى] ففهمنا من ذلك أنّ اللّه تعالى أراد - بما نطق به رسوله ﷺ من هذه الأحاديث، وتناولها
стр. 2841
عنه الصّحابة ﵃ وبلّغوها لأمّته - أن يغصّ بها في حلوق الكافرين، وأن يكون ذكرها نكتا في قلوب كلّ ضالّ معطّل مبتدع يقفو أثر المبتدعة من أهل الطّبائع وعبّاد العلل.
فلذلك وصف اللّه تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه، ووصفه رسول اللّه ﷺ أيضا بما صحّ عنه وثبت.
فدلّ على أنّ المؤمن إذا اعتقد أنّ اللّه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾، وأنّه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات، وشجا في حلوق المعطّلة. وقد قال الشّافعيّ، ﵀: «الإثبات أمكن»، نقله الخطّابي. ولم يبلغنا عن أحد من الصّحابة والتّابعين وتابعيهم أنّهم أوّلوا هذه الأحاديث.
والذي يمنع من تأويلها إجلال اللّه تعالى عن أن تضرب له الأمثال، وأنّه إذا نزل القرآن بصفة من صفات اللّه تعالى، كقوله سبحانه: ﴿يَدُ اَللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الآية ١٠ سورة الفتح]، فإنّ نفس تلاوة هذا يفهم منها السّامع المعنى المراد به، وكذا قوله تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [الآية ٦٤ سورة المائدة] عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إيّاه إلى البخل، فقال تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [الآية ٦٤ سورة المائدة]، فإنّ نفس تلاوة هذا مبيّنة للمعنى المقصود.
وأيضا فإنّ تأويل هذه الأحاديث يحتاج أن يضرب للّه تعالى فيها المثل، نحو قولهم في قوله تعالى: ﴿اَلرَّحْمنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [الآية ٥ سورة طه]: الاستواء: الاستيلاء، كقولك «استوى الأمير على البلد». وأنشدوا: «قد استوى بشر على العراق» فلزمهم تشبيه الباري تعالى ببشر.
وأهل الإثبات نزّهوا جلال اللّه عن أن يشبّهوه بالأجسام حقيقة ولا مجازا، وعلموا - مع ذلك - أنّ هذا النّطق يشتمل على كلمات متداولة بين الخالق وخلقه، وتحرّجوا أن يقولوا مشتركة، لأنّ اللّه/ تعالى لا شريك له. ولذلك لم يتأوّل السّلف شيئا من أحاديث الصّفات، مع علمنا قطعا أنّها عندهم مصروفة عمّا يسبق إليه ظنون الجهّال من مشابهتها لصفات المخلوقين.
وتأمّل تجد اللّه تعالى لمّا ذكر المخلوقات المتولّدة من الذّكر والأنثى في قوله سبحانه: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ اَلْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الآية ١١ سورة الشورى]، علم سبحانه ما يخطر بقلوب الخلق فقال عزّ من قائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾.
واعلم أنّ السّبب في خروج أكثر الطّوائف عن ديانة الإسلام: أنّ الفرس كانت من سعة الملك، وعلوّ اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسها، بحيث إنّهم كانوا يسمّون
стр. 2842
أنفسهم الأحرار والأبناء (¬a)، وكانوا يعدّون سائر النّاس عبيدا لهم. فلمّا امتحنوا بزوال الدّولة عنهم على أيدي العرب - وكانت العرب عند الفرس أقلّ الأمم خطرا - تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة - وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتّى، وفي كلّ ذلك يظهر اللّه تعالى الحقّ.
وكان من قائميهم شنفاد وأشليس (¬b) والمقلّع (¬c) وبابك وغيرهم، وقبل هؤلاء رام ذلك عمّار - الملقب خدّاشا - وأبو مسلم السروح، فرأوا أنّ كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التّشيّع بإظهار محبّة أهل بيت رسول اللّه ﷺ واستبشاع ظلم عليّ بن أبي طالب ﵁ ثم سلكوا بهم مسالك شتّى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى.
فقوم أدخلوهم إلى القول بأنّ رجلا ينتظر، يدعى المهدي، عنده حقيقة الدّين، إذ لا يجوز أن يؤخذ الدّين عن كفّار، إذ نسبوا أصحاب رسول اللّه ﷺ إلى الكفر. وقوم خرجوا إلى القول بادّعاء النّبوّة لقوم سمّوهم به. وقوم سلكوا بهم إلى القول بالحلول، وسقوط الشّرائع. وآخرون تلاعبوا بهم، فأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة. وآخرون قالوا: بل هي سبع عشرة صلاة، في كلّ صلاة خمس عشرة ركعة. وهو قول عبد اللّه بن عمرو بن الحارث الكندي قبل أن يصير خارجيّا صفّريّا.
وقد أظهر عبد اللّه بن سبأ الحميري اليهودي الإسلام ليكيد أهله، فكان هو أصل إثارة النّاس على عثمان بن عفّان ﵁. أحرق عليّ ﵁ منهم طوائف أعلنوا بإلهيّته.
ومن هذه الأصول حدثت الإسماعيلية والقرامطة.
والحقّ الذي لا ريب فيه أنّ دين اللّه تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجوهر لا سرّ تحته، وهو كلّه لازم كلّ أحد لا مسامحة فيه. ولم يكتم رسول اللّه ﷺ من الشّريعة ولا كلمة، ولا أطلع أخصّ النّاس به، من زوجة أو ولد عمّ، على شيء من الشّريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم.
ولا كان عنده ﷺ سرّ، ولا رمز، ولا باطن غير ما دعا النّاس كلّهم إليه. ولو كتم شيئا لما بلّغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر بإجماع الأمّة.
وأصل كلّ بدعة في الدّين البعد عن كلام السّلف، والانحراف عن اعتقاد الصّدر الأوّل؛ حتّى بالغ القدري في القدر فجعل العبد خالقا لأفعاله، وبالغ الجبري في مقابلته فسلب عنه الفعل والاختيار، وبالغ المعطّل في التّنزيه فسلب عن اللّه تعالى صفات الجلال ونعوت الكمال، وبالغ
стр. 2843
المشبه في مقابلته فجَعَلَه كواحد من البشر، وبالغ المرجئ في سلب العقاب، وبالغ المعتزلي في التخليد في العذاب، وبالغ الناصبي في دفع علي ﵁ عن الإمامة، وبالغت الغلاة حتى جَعَلُوه إلها، وبالغ السني في تقديم أبي بكر ﵁ وبالغ الرافضي في تأخيره حتى كَفَّرَه.
ومَيْدانُ الظَّنِّ وَاسِعٌ، و حُكْمُ الوَهْمِ غَالِبٌ، فَتَعَارَضَتِ الظُّنُونُ، وَكَثُرَتِ الْأَوْهامُ، وَبَلَغَ كُلُّ فريق في الشر والعناد والبغي والفَسَادِ إلى أقصى غاية وأبعد نهاية، وتَبَاغَضُوا وتَلاعَنُوا، واسْتَحَلُّوا الأموال، واستباحوا الدماء، وانْتَصَرُوا بالدول، واسْتَعانُوا بالملوك. فلو كان أحدهم إذا بالغ في
أَمْرٍ، نَازَعَ الآخر في القُرْبِ منه - فإنَّ الظَّنَّ لا يبعد عن الظَّنِّ كثيرا، ولا ينتهي في المنازعة إلى الطرف الآخر من طرفي التقابل - لكنهم أبوا إلا ما قدمنا ذكره من التدابر والتقاطع ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [الآيتان ١١٨، ١١٩ سورة هود].
стр. 2844
ذِكْرُ المَدَارِسِ
قال ابن سيده: دَرَسَ الكِتابَ يَدْرُسُهُ دَرْسًا ودراسةً، ودارسه من ذلك، كأنه عادده حتى انقاد لحفظه، وقد قُرِئ بهما ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ و (دارست). [وقيل: دَرستَ: قرأْتَ كُتُبَ أهل الكتاب، و (دارست)] ذاكرتهم، وحكى دَرُسَتْ أي قُرِئت، و قُرئ: (درست) و (دَرَسَت)، أي هذه أخبار قد عَفَتْ وامحت، ودَرُسَتْ أَشَدُّ مبالغة، والدراس المدارسة.
وقال ابن جني: ودَرَسْتُه إِيَّاه وأَدْرَسْتُه، ومن الشاذ قراءة ابن حيوَة: (وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرِسُونَ) [من الآية ٧٩ سورة آل عمران]. والمدراس (¬a): المَوْضِعُ الذي يُدرس فيه (١).
وقد ذكر الواقدي أن عبد الله ابن أم مكتوم قَدِمَ مُهاجِرًا إلى المدينة مع مصعب بن عمير ﵄ وقيل قدم بعد بدر بيسير - فنزل دار القراء (٢).
ولما أراد الخليفة المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن المُوَفَّقِ بالله أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله جعفر، بِنَاءَ قَصْرِه في الشماسية ببغداد، استزاد في الذرع بعد أن فرغ من تقدير ما أراد. فسئل عن ذلك، فذكر أنه يُريده ليبني فيه دورًا ومَساكِنَ ومَقاصِير، يُرَتِّب فِي كُلِّ مَوْضِعٍ رُؤساء كل صناعة ومَذْهَب من مذاهب العلوم النظرية والعملية، ويُجري عليهم الأرزاق السنية، ليَقْصِدَ كل من اختار عِلْمًا أو صناعة رئيس ما يختاره فيأخذ عنه.
والمدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زَمَنِ الصحابة ولا التابعين، وإنما حَدَثَ عملها بعد الأربع مائة من سني الهجرة. وأول من حُفظ عنه أَنَّهُ بَنَى مَدْرَسَة فِي الإِسْلامِ أَهْلُ نَيسَابُور فَبُنِيت بِهَا المَدرسةُ البَيْهَقية، وَبَنى بِهَا أَيضًا الأَمِيرُ نَصْرُ بنُ سبكتكين أَخو السُّلطان
стр. 2845
محمود بن سبكتكين مدرسة، وبنى بها أيضا المدرسة السّعدية (¬a)، وبنى بها أيضا مدرسة رابعة.
وأشهر ما بني في القديم «المدرسة النظاميّة» ببغداد، لأنّها أوّل مدرسة قرّر بها للفقهاء معاليم (١)، وهي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق بن العبّاس الطوسي، وزير ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق (٢) في مدينة بغداد.
وشرع في بنائها في سنة سبع وخمسين وأربع مائة، وفرغت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربع مائة، ودرّس فيها الشيخ أبو إسحاق الشّيرازي الفيروزأبادي صاحب كتاب «التّنبيه في الفقه» على مذهب الإمام الشّافعي - عليه رحمة اللّه (¬b) فاقتدى الناس به من حينئذ في بلاد العراق وخراسان وما وراء النهر، وفي بلاد الجزيرة وديار بكر.
وأمّا مصر فإنّها كانت حينئذ بيد الخلفاء الفاطميين، ومذهبهم مخالف لهذه الطريقة، وإنّما هم شيعة إسماعيلية كما تقدّم.
وأوّل ما عرف إقامة درس من قبل السّلطان بمعلوم جار لطائفة من الناس بديار مصر في خلافة العزيز باللّه نزار بن المعزّ ووزارة يعقوب (¬c) بن يوسف (¬c) بن كلّس؛ فعمل ذلك بالجامع الأزهر - كما تقدّم ذكره (٣) - ثم عمل في دار الوزير يعقوب بن كلّس مجلس يحضره الفقهاء، فكان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهبهم، وعمل أيضا مجلس بجامع عمرو بن العاص من مدينة فسطاط مصر لقراءة كتاب الوزير. ثم بنى الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور ابن العزيز دار العلم بالقاهرة، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب (١).
стр. 2846
فلمّا انقرضت الدّولة الفاطميّة على يد السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، أبطل مذاهب الشّيعة من ديار مصر، وأقام بها مذهب الإمام الشّافعي ومذهب الإمام مالك، واقتدى بالملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي. فإنّه بنى بدمشق وحلب وأعمالهما عدّة مدارس للشّافعيّة والحنفيّة، وبنى لكلّ من الطائفتين مدرسة بمدينة مصر (١).
وأوّل مدرسة أحدثت بديار مصر «المدرسة الناصريّة» بجوار الجامع العتيق بمصر (٢)، ثم «المدرسة القمحيّة» المجاورة للجامع أيضا، ثم «المدرسة السّيوفية» التي بالقاهرة. ثم اقتدى بالسّلطان صلاح الدّين - في بناء المدارس بالقاهرة ومصر وغيرهما من أعمال مصر وبالبلاد الشّامية والجزريّة (¬a) - أولاده وأمراؤه. ثم حذا حذوهم من ملك مصر بعدهم من ملوك التّرك وأمرائهم وأتباعهم إلى يومنا هذا.
وسأذكر ما بديار مصر من المدارس (٣)، وأعرّف بحال من بناها، على ما اعتدته في هذا الكتاب من التّوسّط دون الإسهاب، وباللّه أستعين.
стр. 2847
المدرسة الناصرية بجوار الجامع العتيق من مدينة مصر من قبليه
هذه المدرسة عرفت أوّلا ب «المدرسة الناصريّة» (١)، ثم عرفت بابن زين التّجّار - وهو أبو العبّاس أحمد بن المظفّر بن الحسين الدّمشقي المعروف بابن زين التّجّار (٢)، أحد أعيان الشّافعيّة، درّس بهذه المدرسة مدّة طويلة، ومات في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وخمس مائة (٣). ثم عرفت ب «المدرسة الشّريفية»، وهي إلى الآن تعرف بذلك، وكان موضعها يقال له الشّرطة.
وذكر الكندي أنّها خطّة قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وعرفت بدار الفلفل. وقال ابن عبد الحكم: كانت فضاء قبل ذلك. وقيل كانت هي والدّار التي إلى جانبها لنافع بن عبد اللّه ابن قيس الفهري، فأخذها منه قيس بن سعد. وسمّيت دار الفلفل لأنّ أسامة بن زيد التّنوخي، صاحب الخراج بمصر، ابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار ليهديه إلى صاحب الرّوم، فخزنة فيها (٤). ولمّا فرغ عيسى بن يزيد الجلودي من بناء زيادة الجامع، بنى هذه الدّار شرطة في سنة ثلاث عشرة ومائتين، ثم صارت سجنا يعرف بالمعونة؛ فهدمها السّلطان صلاح الدّين
стр. 2848
يوسف بن أيّوب، في أوّل المحرّم سنة ستّ وستين وخمس مائة، وأنشأها مدرسة برسم الفقهاء الشّافعية - وكان حينئذ يتولّى وزارة مصر للخليفة العاضد، وكان هذا من أعظم ما نزل بالدّولة - وهي أوّل مدرسة عملت بديار مصر (١). ولمّا كملت وقف عليها الصّاغة - وكانت بجوارها - وقد خربت، وبقي منها شيء يسير قرأت عليها اسم/ الخليفة العزيز باللّه، ووقف عليها أيضا قرية تعرف (¬a).
وأوّل من ولي التّدريس بها ابن زين التّجّار فعرفت به، ثم درّس بها بعده ابن قطيطة ابن الوزّان، ثم من بعده كمال الدّين أحمد بن شيخ الشّيوخ، وبعده الشّريف القاضي شمس الدّين أبو عبد اللّه محمد بن الحسين بن محمد الحنفي - قاضي العسكر الأرموي - فعرفت به، وقيل لها «المدرسة الشّريفية» من عهده إلى اليوم. ولولا ما يتناوله الفقهاء من المعلوم بها لخربت، فإنّ الكيمان ملاصقة لها بعد ما كان حولها أعمر موضع في الدّنيا.
وقد ذكر حبس المعونة عند ذكر السّجون من هذا الكتاب (٢).
المدرسة القمحيّة
هذه المدرسة بجوار الجامع العتيق بمصر، كان موضعها يعرف بدار الغزل - وهو قيساريّة يباع فيها الغزل - فهدمها السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وأنشأ موضعها مدرسة للفقهاء المالكية، وكان الشّروع فيها للنصف من المحرّم سنة ستّ وستين وخمس مائة، ووقف عليها قيساريّة الورّاقين وعلوّها بمصر، وضيعة بالفيّوم تعرف بالحنبوشيّة، ورتّب فيها أربعة من المدرّسين عند كلّ مدرّس عدّة من الطلبة (٣).
وهذه المدرسة أجلّ مدرسة للفقهاء المالكية، ويتحصّل لهم من ضيعتهم التي بالفيّوم قمح يفرّق فيهم، فلذلك صارت لا تعرف إلاّ بالمدرسة القمحيّة إلى اليوم (٤). وقد أحاط
стр. 2849
بها الخراب، ولولا ما يتحصّل منها للفقهاء لدثرت.
وفي شعبان سنة خمس وعشرين وثمان مائة، أخرج السّلطان الملك الأشرف برسباي الدّقماقي ناحيتي الأعلام والحنبوشيّة - وكانتا من وقف السّلطان الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب على هذه المدرسة - وأنعم بهما على مملوكين من مماليكه ليكونا إقطاعا لهما (١).
مدرسة يازكوج
هذه المدرسة بسوق الغزل في مدينة مصر، وهي مدرسة معلّقة بناها (¬a) (٢).
مدرسة ابن الأرسوفي
هذه المدرسة كانت بالبزّازين التي تجاور خطّ النخّالين بمصر، عرفت بابن الأرسوفي التّاجر العسقلاني، وكان بناؤها في سنة سبعين وخمس مائة، وهو عفيف الدّين عبد اللّه بن محمد الأرسوفي، مات بمصر في يوم الاثنين حادي عشرين ربيع الأوّل سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة (٣).
مدرسة منازل العزّ
هذه المدرسة كانت من دور الخلفاء الفاطميين، بنتها أمّ الخليفة العزيز باللّه بن المعزّ، وعرفت بمنازل العزّ، وكانت تشرف على النيل، وصارت معدّة لنزهة الخلفاء. وممّن سكنها ناصر الدّولة
стр. 2850
حسين بن حمدان إلي أن قتل، وكان بجانبها حمّام يعرف بحمّام الذّهب من جملة حقوقها، وهي باقية (١).
فلمّا زالت الدّولة الفاطميّة على يد السّلطان صلاح الدّين يوسف، أنزل في منازل العزّ الملك المظفّر تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب، فسكنها مدّة. ثم إنّه اشتراها والحمّام والإسطبل المجاور لها من بيت المال في شهر شعبان سنة ستّ وستين وخمس مائة، وأنشأ فندقين بمصر بخطّ الملاّحين، وأنشأ ربعا بجوار أحد الفندقين، واشترى جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالرّوضة.
فلمّا أراد أن يخرج من مصر إلى الشّام، وقف منازل العزّ على فقهاء الشّافعية (٢)، ووقف عليها الحمّام وما حولها، وعمّر الإسطبل فندقا عرف بفندق النخلة ووقفه عليها، ووقف عليها الرّوضة.
ودرّس بها شهاب الدّين الطوسي، وقاضي القضاة عماد الدّين أبو القاسم عبد الرّحمن ابن عبد العليّ السّكّري، وعدّة من الأعيان. وهي الآن عامرة بعمارة ما حولها.
الملك المظفّر
تقيّ الدّين أبو سعيد عمر بن نور الدّين شاهنشاه بن نجم الدّين أيّوب بن شاذي ابن مروان (٣) هو ابن أخي السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، قدم إلى القاهرة في، واستنابه السّلطان على دمشق في المحرّم سنة إحدى وسبعين، ثم نقله إلى نيابة حماة، وسلّم إليه سنجار لمّا أخذها في ثاني رمضان سنة ثمان وسبعين فأقام بها.
ولحق السّلطان على حلب، فقدم عليه في سابع صفر سنة تسع وسبعين، فأقام إلى أن بعثه إلى القاهرة نائبا عنه بديار مصر - عوضا عن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب - فقدمها في شهر رمضان
стр. 2851
سنة تسع وسبعين، وأنعم عليه بالفيّوم وأعمالها مع القايات (١) وبوش (٢)، وأبقى عليه مدينة حماة.
ثم خرج بعساكر مصر إلى السّلطان، وهو بدمشق، في سنة ثمانين لأجل أخذ الكرك من الفرنج فسار إليها وحصرها مدّة، ثم رجع مع السّلطان إلى دمشق، وعاد إلى القاهرة في شعبان، وقد أقام السّلطان على مملكة مصر/ ابنه الملك العزيز عثمان، وجعل الملك المظفّر كافلا له وقائما بتدبير دولته، فلم يزل على ذلك إلى جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين، فصرف السّلطان أخاه الملك العادل عن حلب وأعطاه نيابة مصر؛ فغضب الملك المظفّر، وعبر بأصحابه إلى الجيزة يريد المسير إلى بلاد المغرب واللحاق بغلامه بهاء الدّين قراقوش التّقوي. فبلغ السّلطان ذلك فكتب إليه، ولم يزل به حتى زال ما به وسار إلى السّلطان، فقدم عليه دمشق في ثالث عشرين شعبان، فأقرّه على حماة والمعرّة ومنبج وأضاف إليه ميّافارقين، فلحق به أصحابه ما خلا مملوكه زين الدّين بوزيا، فإنه سار إلى بلاد المغرب.
وكانت له في أرض مصر وبلاد الشّام أخبار وقصص، وعرفت له مواقف عديدة في الحرب مع الفرنج، وآثار في المصافات. وله في أبواب البرّ أفعال حسنة، وله بمدينة الفيّوم مدرستان:
إحداهما للشّافعيّة، والأخرى للمالكيّة. وبنى مدرسة بمدينة الرّها، وسمع الحديث من السّلفي وابن عوف.
وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن، وكان جوادا شجاعا مقداما، شديد البأس، عظيم الهمّة، كثير الإحسان. ومات في نواحي خلاط ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمس مائة، ونقل إلى حماة، فدفن بها في تربة بناها على قبره ابنه الملك المنصور محمد.
مدرسة العادل
هذه المدرسة بخطّ السّاحل بجوار الرّبع العادلي من مدينة مصر الذي وقف على الشّافعيّ (¬a).
عمّرها الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، أخو السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، فدرّس بها
стр. 2852
قاضي القضاة تقيّ الدين أبو عليّ الحسين بن شرف الدّين أبي الفضل عبد الرّحيم ابن الفقيه جلال الدّين أبي محمد عبد اللّه بن نجم بن شاس بن نزار بن عشائر بن عبد اللّه بن محمد بن شاس، فعرفت به، وقيل لها مدرسة ابن شاس إلى اليوم وهي عامرة، وعرف خطّها بالقشّاشين، وهي للمالكية (١).
مدرسة ابن رشيق
هذه المدرسة للمالكية، وهي بخطّ حمّام الرّيّس (¬a) من مدينة مصر. كان الكانم من طوائف التّكرور، لمّا وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستّ مائة قاصدين الحجّ، دفعوا للقاضي علم الدّين بن رشيق مالا بناها به، ودرّس بها فعرفت به، وصار لها في بلاد التّكرور سمعة عظيمة، وكانوا يبعثون إليها في غالب السّنين المال (٢).
المدرسة الفائزيّة
هذه المدرسة في مصر بخطّ (¬b) أنشأها الصّاحب شرف الدّين هبة اللّه بن صاعد ابن وهيب الفائزي، قبل وزارته، في سنة ستّ وثلاثين وستّ مائة. ودرّس بها القاضي محيي الدّين عبد اللّه ابن قاضي القضاة شرف الدّين محمد بن عين الدّولة، ثم قاضي القضاة صدر الدّين موهوب الجزري، وهي للشّافعيّة (٣).
المدرسة القطبيّة العتيقة (¬c)
هذه المدرسة بالقاهرة، في خطّ سويقة الصّاحب بداخل درب الحريري، كانت هي والمدرسة السّيفيّة (¬d) دارا واحدة (¬d) من حقوق دار الدّيباج التي تقدّم ذكرها (٤). وأنشأ هذه المدرسة الأمير
стр. 2853
قطب الدّين فناخسرو بن بليل (¬a) بن شجاع الهدباني (¬b) الكردي أحد أمراء السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب (¬b) في سنة سبعين وخمس مائة، وجعلها وقفا على الفقهاء الشّافعيّة. (¬b) وكانت هي ومدرسة سيف الإسلام دارا واحدة وهما من جملة دار الوزير أبي الفرج يعقوب بن يوسف ابن كلّس وزير الإمام العزيز باللّه. وذكر ابن الطوير في كتابه أنّ الوزير أبا الفرج [يعقوب بن يوسف بن كلّس] لمّا توفي دفن في قبّة في داره موضع المدرسة القطبيّة (¬b) (١).
المدرسة السّيوفيّة
هذه المدرسة بالقاهرة، وهي من جملة دار الوزير المأمون البطائحي (¬b) وزير الآمر بأحكام اللّه ثم عرفت بعد ذلك بسكن الوزير عبّاس وزير الظّافر بأمر اللّه (¬b)، وقفها السّلطان السّيّد الأجلّ الملك الناصر صلاح الدّين أبو المظفّر يوسف بن أيّوب على الحنفيّة، وقرّر في تدريسها الشّيخ مجد الدّين محمد بن محمد الختني (¬c) (٢)، ورتّب له في كلّ شهر أحد عشر دينارا، وباقي ريع الوقف يصرفه على ما يراه لطلبة الحنفيّة المقرّرين عنده على قدر طبقاتهم، وجعل النظر للختني (¬c)، ومن بعده إلى من له النظر في أمور المسلمين.
وعرفت بالمدرسة السّيوفيّة من أجل أنّ سوق السّيوفيّين حينئذ كان (¬d) على بابها، وهي الآن تجاه سوق الصّنادقيّين. وقد وهم القاضي محيي الدّين عبد اللّه بن عبد الظّاهر، فإنّه قال في كتاب «الرّوضة [البهيّة] (¬e) الزّاهرة في خطط المعزّيّة القاهرة»: مدرسة السّيوفيّين (¬f)، وهي للحنفيّة، وقفها عزّ الدّين فرخشاه قريب صلاح الدّين (٣).
стр. 2854
(¬a) قال المؤلّف: الذي ذكره جماعة من المؤرّخين المصريين أنّ واقف هذه المدرسة السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، ولم يذكر أحد منهم أنّ واقفها عزّ الدّين المذكور، سوى القاضي محيي الدّين. ولا أدري كيف وقع له هذه الوهم، فإني رأيت كتاب وقفها عند مدرّسها سيّدنا قاضي القضاة مجد الدّين إسماعيل الحنفي أخرجه لي وقرأته وفيه أنّ واقفها السّلطان صلاح الدّين/ يوسف المذكور وعليه خطّه: «الحمد للّه ربنا وبه توفيقي» (¬b)، وتاريخه تاسع عشر (¬c) شعبان سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة (¬a) (١).
ووقف على مستحقّيها اثنين وثلاثين حانوتا، بخطّ سويقة أمير الجيوش وباب الفتوح وحارة برجوان، وذكر في آخر كتاب وقفها: أنّ الواقف أذن لمن حضر مجلسه من العدول في الشّهادة والقضاء على لفظه بما تضمّنه المسطور، فشهدوا بذلك، وأثبتوا شهادتهم آخره، وحكم حاكم المسلمين على صحّة هذا الوقف بعد ما خاصم رجل من أهل هذا الوقف في ذلك، وأمضاه. لكنه لم يذكر في الكتاب إسجال القاضي بثبوته، بل ذكر رسم شهادة الشّهود على الواقف، وهم:
عليّ بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاري الدّمشقي، والقاسم بن يحيى بن عبد اللّه بن قاسم الشّهرزوري، وعبد اللّه بن عمر بن عبد اللّه الشّافعي، وعبد الرّحمن بن عليّ بن عبد العزيز ابن قريش المخزومي، وموسى بن جكو بن موسك الهدباني، في آخرين.
وهذه المدرسة هي أوّل مدرسة وقفت على الحنفيّة بديار مصر، وهي باقية بأيديهم (٢)(٣).
стр. 2855
المدرسة الفاضليّة
هذه المدرسة بدرب ملوخيا من القاهرة (١)، بناها القاضي الفاضل عبد الرّحيم بن عليّ البيساني (¬a) كاتب السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب ووزيره، وهي (¬a) بجوار داره في سنة ثمانين وخمس مائة، ووقفها على طائفتي الفقهاء الشّافعيّة والمالكيّة، وجعل فيها قاعة للإقراء:
أقرأ فيها الإمام أبو محمد الشّاطبيّ ناظم «الشّاطبيّة» (٢) ثم تلميذه أبو عبد اللّه محمد بن عمر القرطبي، ثم الشّيخ عليّ بن موسى الدّهّان وغيرهم. ورتّب لتدريس فقه المذهبين الفقيه أبا القاسم عبد الرّحمن بن سلامة الإسكندراني (٣).
ووقف بهذه المدرسة جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم، يقال إنّها كانت مائة ألف مجلّدة، وقد ذهبت كلّها (¬b). وكان أصل ذهابها أنّ الطلبة التي كانت بها لمّا وقع الغلاء بمصر في سنة أربع وتسعين وستّ مائة، والسّلطان يومئذ الملك العادل كتبغا المنصوري، مسّهم الضّرّ، فصاروا يبيعون كلّ مجلّد برغيف خبز حتى ذهب معظم ما كان فيها من الكتب، ثم تداولت أيدي الفقهاء عليها بالعارية فتفرّقت.
وبها إلى الآن «مصحف قرآن» كبير القدر جدّا، مكتوب بالخطّ الأوّل الذي يعرف بالكوفي، تسمّيه الناس «مصحف عثمان بن عفّان» - ويقال إنّ القاضي الفاضل اشتراه بنيف وثلاثين ألف دينار على أنّه مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ وهو في خزانة مفردة له بجانب المحراب من غربيه. (¬c) وقد رأيت أنا هذا المصحف المذكور مرارا وعليه هيبة وجلاله (¬c) (٤).
стр. 2856
وإلى جانب هذه المدرسة كتّاب السّبيل برسم الأيتام. وكانت هذه المدرسة من أعظم مدارس القاهرة وأجلّها، وقد تلاشت لخراب ما حولها.
القاضي الفاضل
عبد الرّحيم بن عليّ بن الحسن بن أحمد بن الفرج بن أحمد، القاضي الفاضل محيي الدّين أبو عليّ، ابن القاضي الأشرف اللخمي العسقلاني البيساني المصري الشّافعي (١) - كان أبوه يتقلّد قضاء مدينة بيسان، فلهذا نسبوا إليها.
وكانت ولادته بمدينة عسقلان في خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمس مائة. ثم قدم القاهرة، وخدم الموفّق يوسف بن محمد بن الخلاّل، صاحب ديوان الإنشاء في أيّام الحافظ لدين اللّه، وعنه أخذ صناعة الإنشاء، ثم خدم بالإسكندرية مدّة. فلمّا قام بوزارة مصر العادل رزّيك بن الصّالح طلائع بن رزّيك، خرج أمره إلى والي الإسكندرية بتسييره إلى الباب، فلمّا حضر استخدمه بحضرته وبين يديه في ديوان الجيش. فلمّا مات الموفّق بن الخلاّل في سنة ستّ وستين وخمس مائة - وكان القاضي الفاضل ينوب عنه في ديوان الإنشاء - عيّنه الكامل بن شاور، وسعى له عند أبيه الوزير شاور بن مجير، فأقرّه عوضا عن ابن الخلاّل في ديوان الإنشاء.
فلمّا ملك أسد الدّين شيركوه احتاج إلى كاتب، فأحضره وأعجبه إتقانه وسمته ونصحه فاستكتبه، إلى أن ملك صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، فاستخلصه وحسن اعتقاده فيه، فاستعان به على ما أراد من إزالة الدّولة الفاطميّة حتى تمّ مراده، فجعله وزيره ومشيره بحيث كان لا يصدر أمرا إلاّ عن مشورته، ولا ينفذ شيئا إلاّ عن رأيه، ولا يحكم في قضية إلاّ بتدبيره. فلمّا مات صلاح الدّين استمرّ على ما كان عليه عند ولده الملك العزيز عثمان، في المكانة والرّفعة وتقلّد الأمر.
فلمّا مات العزيز، وقام من بعده ابنه الملك المنصور بالملك، ودبّر أمره عمّه الأفضل، كان معهما على حاله، إلى أن وصل الملك العادل أبو بكر بن أيّوب من الشّام لأخذ ديار مصر، وخرج
стр. 2857
الأفضل لقتاله، فمات منكوبا أحوج ما كان إلى الموت عند تولّي الإقبال وإقبال الإدبار في سحر يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين وخمس مائة، ودفن بتربته من القرافة الصّغرى (١).
قال ابن خلّكان: وزر للسّلطان [الملك] صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وتمكّن منه غاية التمكّن، وبرز في صناعة الإنشاء، وفاق المتقدّمين،/ وله فيه الغرائب مع الإكثار. أخبرني أحد الفضلاء الثّقات المطّلعين على حقيقة أمره، أنّ مسوّدات رسائله في المجلّدات والتّعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة [مجلد]، وهو مجيد في أكثرها (٢).
وقال عبد اللطيف البغدادي: دخلنا عليه فرأيت شيخا ضئيلا كلّه رأس وقلب، وهو يكتب ويملي على اثنين، ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوّة حرصه في إخراج الكلام، وكأنّه يكتب بجملة أعضائه (٣).
وكان له غرام في الكتابة وتحصيل الكتب، وكان له الدّين والعفاف والتّقى، والمواظبة على أوراد الليل، والصّيام وقراءة القرآن، وكان قليل اللذات، كثير الحسنات، دائم التّهجّد، ويشتغل بعلوم الأدب وتفسير القرآن. غير أنّه كان خفيف البضاعة من النحو، ولكن قوّة الدّراية توجب له قلّة اللحن وكان لا يكاد يضيع من زمانه شيئا إلاّ في طاعة، وكتب في الإنشاء ما لم يكتبه غيره.
وحكى لي ابن القطّان - أحد كتّابه - قال: لمّا خطب صلاح الدّين بمصر للإمام المستضيء بأمر اللّه، تقدّم إلى القاضي الفاضل بأن يكاتب الدّيوان العزيز وملوك الشّرق. ولم يكن يعرف خطابهم واصطلاحهم، فأوعز إلى العماد الكاتب أن يكتب فكتب واحتفل، وجاء بها مفضوضة ليقرأها الفاضل متبجّحا بها، فقال: لا أحتاج أن أقف عليها، وأمر بختمها وتسليمها إلى النجّاب، والعماد يبصر.
قال: ثم أمرني أن ألحق النجّاب ببلبيس، وأن أفضّ الكتب، وأكتب صدورها ونهايتها، ففعلت ورجعت بها إليه. فكتب على حذوها وعرضها على السّلطان، فارتضاها، وأمر بإرسالها إلى أربابها مع النجّاب.
стр. 2858
وكان متقلّلا في مطعمه ومنكحه وملبسه، ولباسه البياض لا يبلغ جميع ما عليه دينارين، ويركب معه غلام وركابي، ولا يمكّن أحدا أن يصحبه، ويكثر زيارة القبور وتشييع الجنائز وعيادة المرضى، وله معروف معروف (¬a) في السّرّ والعلانية، وأكثر أوقاته يفطر بعد ما يتهوّر الليل.
وكان ضعيف البنية، رقيق الصّورة، له حدبة يغطّيها الطيلسان وكان فيه سوء خلق يكمد به في نفسه، ولا يضرّ أحدا به. ولأصحاب الأدب عنده نفاق، يحسن إليهم ولا يمنّ عليهم، ويؤثر أرباب البيوت والغرباء، ولم يكن له انتقام من أعدائه إلاّ بالإحسان إليهم أو بالإعراض عنهم.
وكان دخله في كلّ سنة من إقطاع ورباع وضياع خمسين ألف دينار، سوى متاجره للهند والمغرب وغيرهما.
وكان يقتني الكتب من كلّ فنّ، ويجتلبها من كلّ جهة، وله نسّاخ لا يفترون ومجلّدون لا يبطلون؛ قال لي بعض من يخدمه في الكتب، إنّ عددها قد بلغ مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، وهذا قبل موته بعشرين سنة.
وحكى لي ابن صورة الكتبي أنّ ابنه القاضي الأشرف التمس منّي أن أطلب له نسخة «الحماسة» ليقرأها، فأعلمت القاضي الفاضل، فاستحضر من الخادم «الحماسات»، فأحضر له خمسا وثلاثين نسخة، وصار ينفض نسخة نسخة ويقول: هذه بخطّ فلان، وهذه عليها خطّ فلان (١)، حتى أتى على الجميع وقال: ليس فيها ما يصلح للصّبيان، وأمرني أن أشتري له نسخة بدينار.
المدرسة الأزكشيّة
هذه المدرسة بالقاهرة على رأس السّوق الذي كان يعرف بالخروقيين، ويعرف اليوم بسويقة أمير الجيوش (¬b) ممّا يلي خان الرّوّاسين على يسرة السّالك إلى باب القنطرة (¬b) (٢). بناها الأمير سيف الدّين أياز كوج الأسدي - مملوك أسد الدّين شيركوه، وأحد أمراء السّلطان صلاح الدّين يوسف
стр. 2859
ابن أيّوب - وجعلها وقفا على الفقهاء من الحنفيّة فقط في سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة (١).
وكان الأمير (¬a) أياز كوج رأس الأمراء الأسديّة بديار مصر في أيّام السّلطان صلاح الدّين وأيّام ابنه الملك العزيز عثمان، وكان الأمير فخر الدّين جهاركس رأس الصّلاحيّة. ولم يزل على ذلك إلى أن مات في يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمس مائة، ودفن بسفح المقطّم، بالقرب من رباط الأمير فخر الدّين بن قزل (٢).
المدرسة الفخريّة
هذه المدرسة بالقاهرة، فيما بين سويقة الصّاحب ودرب العدّاس. عمّرها الأمير الكبير فخر الدّين أبو الفتح عثمان بن قزل (¬b) بن عبد اللّه (¬b) الياروقي (¬c)، أستاذ دار الملك الكامل محمد ابن العادل (¬b) وأكبر أمرائه (¬b). وكان الفراغ منها في سنة اثنتين وعشرين وستّ مائة، وكان موضعها أخيرا يعرف بدار الأمير حسام الدّين سياروخ (¬d) بن أرتق شادّ الدّواوين.
ومولد الأمير فخر الدّين في سنة إحدى وخمسين وخمس مائة بحلب، وتنقّل في الخدم حتى صار أحد الأمراء بديار مصر، وتقدّم في أيّام الملك الكامل، وصار أستادّاره، وإليه أمر المملكة وتدبيرها، إلى أن سافر السّلطان من القاهرة يريد بلاد المشرق فمات بحرّان بعد مرض طويل في ثامن عشر ذي الحجّة سنة تسع وعشرين وستّ مائة (٣).
وكان خيّرا كثير الصّدقة، يتفقّد أرباب البيوت. وله من الآثار، سوى هذه المدرسة، المسجد الذي تجاهها، وله أيضا رباط بالقرافة،/ وإلى جانبه كتّاب سبيل، وبنى بمكّة رباطا (٤).
стр. 2860
المدرسة السّيفيّة
هذه المدرسة بالقاهرة، (¬a) قرب البندقانيين بجوار خوخة سوق الجوار وهي على يمنة السّالك من البندقانيين إلى خطّ طواحين الملحيين (¬a)، وموضعها من جملة دار الدّيباج. قال ابن عبد الظّاهر:
كانت دارا وهي من المدرسة القطبيّة، فسكنها شيخ الشيوخ - يعني صدر الدّين محمد بن حمويه - وثبت في وزارة صفيّ الدّين عبد اللّه بن عليّ بن شكر أنّ سيف الإسلام وقفها وولّى فيها عماد الدّين ولد القاضي صدر الدّين (١)، يعني ابن درباس. وسيف الإسلام هذا اسمه طغتكين ابن أيّوب (٢).
طغتكين
ظهير الدّين سيف الإسلام الملك المعزّ بن نجم الدّين أيّوب بن شاذي بن مروان الأيّوبي (٣). سيّره أخوه صلاح الدّين يوسف بن أيّوب إلى بلاد اليمن في سنة سبع وسبعين وخمس مائة، فملكها واستولى على كثير من بلادها. وكان شجاعا كريما، مشكور السّيرة، حسن السّياسة. قصده الناس من البلاد الشّاسعة يستمطرون إحسانه وبرّه.
وسار إليه شرف الدّين بن عنين، ومدحه بعدّة قصائد بديعة، فأجزل صلاته، وأكثر من الإحسان إليه، واكتسب من جهته مالا وافرا. وخرج من اليمن. فلمّا قدم إلى مصر - والسّلطان إذ ذاك الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين - ألزمه أرباب ديوان الزّكاة بدفع زكاة ما معه من المتجر، فعمل (٤):
стр. 2861
[البسيط]
ما كلّ من يتسمّى بالعزيز لها … أهل، ولا كلّ برق سحبه غدقه
بين العزيزين فرق في فعالهما: … هذاك يعطي، وهذا يأخذ الصّدقه
وتوفّي سيف الإسلام في شوّال سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة بالمنصورة (١)، وهي مدينة باليمن اختطّها رحمه اللّه تعالى (٢).
المدرسة العاشوريّة
هذه المدرسة بحارة زويلة من القاهرة، بالقرب من المدرسة القطبيّة الجديدة ورحبة كوكاي (¬a).
قال ابن عبد الظّاهر: كانت دار اليهودي ابن جميع الطبيب، وكان يكتب لقراقوش، فاشترتها منه السّتّ عاشوراء بنت سياروج (¬b) الأسدي - زوجة الأمير أيازكوج الأسدي - ووقفتها على الحنفيّة، وكانت من الدّور الحسنة (٣).
وقد تلاشت هذه المدرسة، وصارت طول الأيّام مغلوقة لا تفتح إلاّ قليلا، فإنّها في زقاق لا يسكنه إلاّ اليهود ومن يقرب منهم في النسب.
المدرسة القطبيّة
هذه المدرسة في أوّل حارة زويلة برحبة كوكاي (٤). عرفت بالسّتّ الجليلة الكبرى عصمة الدّين مؤنسة خاتون المعروفة ب «دار إقبال العلائي»، ابنة الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وشقيقة الملك الأفضل قطب الدّين أحمد وإليه نسبت. وكانت ولادتها في سنة ثلاث وستّ مائة، ووفاتها ليلة الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة.
стр. 2862
وكانت قد سمعت الحديث، وخرّج لها الحافظ أبو العبّاس أحمد بن محمد الظّاهري «أحاديث ثمانيّات» حدّثت بها. وكانت عاقلة ديّنة فصيحة، لها أدب وصدقات كثيرة.
وتركت مالا جزيلا، وأوصت ببناء مدرسة يجعل فيها فقهاء وقرّاء، ويشترى لها وقف يغلّ.
فبنيت هذه المدرسة، وجعل فيها درس للشّافعية ودرس للحنفية، وقرّاء. وهي إلى اليوم عامرة (١).
المدرسة الخرّوبيّة
هذه المدرسة على شاطئ النيل من مدينة مصر، أنشأها تاج الدّين محمد بن صلاح الدّين أحمد بن محمد بن عليّ الخرّوبي، لمّا أنشأ بيتا كبيرا مقابل بيت أخيه عزّ الدّين قبليّه على شاطئ النيل، وجعل فيه هذه المدرسة. وهي ألطف من مدرسة أخيه، وبجنبها مكتب سبيل، ووقف عليها أوقافا، وجعل بها مدرّس حديث فقط، ومات بمكّة في آخر المحرّم سنة خمس وثمانين وسبع مائة (٢).
مدرسة المحلّي
هذه المدرسة على شاطئ النيل، داخل صناعة التّمر، ظاهر مدينة مصر (٣). أنشأها رئيس التّجّار برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن عليّ المحلّي ابن بنت العلاّمة شمس الدّين محمد بن اللبّان، وينتهي في نسبه إلى طلحة بن عبيد اللّه أحد العشرة ﵃. وجعل هذه المدرسة بجوار داره التي عمّرها في مدّة سبع سنين، وأنفق في بنائها زيادة على/ خمسين ألف دينار، وجعل بجوارها مكتب سبيل، لكن لم يجعل بها مدرّسا ولا طلبة (٤). وتوفي يوم ثاني عشرين ربيع الأوّل سنة ستّ وثمان مائة عن مال عظيم، أخذ منه السّلطان الملك الناصر فرج بن برقوق مائة ألف دينار، وكان مولده سنة خمس وأربعين وسبع مائة. ولم يكن مشكور السّيرة في الدّيانة (٥).
стр. 2863
وله من المآثر تجديد جامع عمرو بن العاص، فإنّه كان قد تداعى إلى السّقوط، فقام بعمارته حتى عاد قريبا ممّا كان عليه، شكر اللّه له ذلك (١).
المدرسة الفارقانيّة [أثر رقم ١٩٣]
هذه المدرسة بابها شارع في سويقة حارة الوزيريّة من القاهرة، فتحت في يوم الاثنين رابع جمادى الأولى سنة ستّ وسبعين وستّ مائة (٢). وبها درس للطائفة الشّافعيّة، ودرس للطائفة الحنفيّة، (¬a) وبها درس حديث (¬a). أنشأها الأمير شمس الدّين آق سنقر الفارقاني السّلاح دار، كان مملوكا للأمير نجم الدّين أمير حاجب، ثم انتقل إلى الملك الظّاهر بيبرس، فترقّى عنده في الخدم حتى صار أحد الأمراء الأكابر، وولاّه الأستادّارية، وناب عنه بديار مصر مدّة غيبته، وقدّمه على العساكر غير مرّة، وفتح له بلاد النوبة. وكان وسيما جسيما، شجاعا مقداما حازما، صاحب دراية بالأمور، وخبرة بالأحوال والتّصرّفات، مدبّرا للدّول، كثير البّرّ والصّدقة.
ولمّا مات الملك الظّاهر وقام من بعده في ملك مصر ابنه الملك السّعيد بركة خان، ولاّه نيابة السّلطنة بديار مصر بعد موت الأمير بدر الدّين بيلبك الخازندار، فأظهر الحزم، وضمّ إليه طائفة:
منهم شمس الدّين آقّوش، وقطليجا الرّومي، وسيف الدّين قليج البغدادي، وسيف الدّين بيجو البغدادي، وسيف الدّين شعبان أمير شكار، وبكتمر السّلاح دار (٣).
стр. 2864
وكانت الخاصّكيّة تكرهه، فاتّفقوا مع مماليك بيلبك الخازندار على القبض عليه، وتحدّثوا مع الملك السّعيد في ذلك، وما زالوا به حتى قبضوا عليه بمساعدة الأمير سيف الدين كوندك السّاقي لهم، وكان قد ربّي مع السّعيد في المكتب، فلم يشعر وهو قاعد بباب القلّة من القلعة، إلاّ وقد سحب وضرب ونتفت لحيته وجرّ - وقد ارتكب في إهانته أمر شنيع - إلى البرج فسجن به ليالي قليلة، ثم أخرج منه ميّتا في أثناء سنة ستّ وسبعين وست مائة، وجهل قبره.
المدرسة المهذّبيّة
هذه المدرسة خارج باب زويلة (١)، من خطّ حارة حلب، بجوار حمّام قماري، بناها الحكيم مهذّب الدّين أبو سعيد محمد بن علم الدّين بن أبي الوحش بن أبي الخير بن أبي سليمان بن أبي حليقة، رئيس الأطبّاء (٢).
كان جدّه الرّشيد أبو الوحش نصرانيّا متقدّما في صناعة الطبّ، فأسلم ابنه علم الدّين في حياته، وكان لا يولد له ولد فيعيش، فرأت أمّه، وهي حامل به، قائلا يقول: هيّئوا له حلقة فضّة قد تصدّق بوزنها، وساعة يوضع من بطن أمّه تثقب أذنه وتوضع فيها الحلقة، ففعلت ذلك فعاش، فعاهدت أمّه أباه ألاّ يقلعها من أذنه، فكبر وجاءته أولاد وكلّهم يموت، فولد له ابنه مهذّب الدّين أبو سعيد، فعمل له حلقة فعاش (٣).
وكان سبب اشتهاره بأبي حليقة: أنّ الملك الكامل محمد بن العادل أمر بعض خدّامه أن يستدعي بالرّشيد الطبيب من الباب - وكان جماعة من الأطبّاء بالباب - فقال الخادم: من هو منهم؟ فقال السّلطان: أبو حليقة. فخرج فاستدعاه بذلك، فاشتهر بهذا الاسم. ومات الرّشيد في سنة ستّ وسبعين وستّ مائة.
стр. 2865
المدرسة الخرّوبيّة [أثر رقم ٥٣٢]
هذه المدرسة بظاهر مدينة مصر، تجاه المقياس بخطّ كرسي الجسر، أنشأها كبير الخراربة (¬a) بدر الدّين محمد بن محمد بن عليّ الخرّوبي - بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء المهملة وضمّها ثم واوا ساكنة بعدها باء موحّدة، ثم ياء آخر الحروف - التّاجر في مطابخ السّكّر وفي غيرها بعد سنة خمسين وسبع مائة (١). وجعل مدرّس الفقه بها الشّيخ بهاء الدّين عبد اللّه بن عبد الرّحمن ابن عقيل، والمعيد الشّيخ سراج الدّين عمر البلقيني. ومات سنة اثنتين وستين وسبع مائة.
وأنشأ أيضا ربعين بخطّ دار النحاس من مصر على شاطئ النيل، وربعين مقابل المقياس بالقرب من مدرسته.
ولبدر الدّين هذا أخ من أبيه أسنّ منه، يقال له صلاح الدّين أحمد بن محمد بن عليّ الخرّوبي، عاش بعد أخيه، وأنجب في أولاده وأدرك لهم أولادا نجباء. وكان أوّلا قليل المال، ثم تموّل وأنشأ تربة كبيرة بالقرافة، فيما بين تربة الإمام الشّافعيّ وتربة الليث بن سعد، مقابل السّروتين، وجدّدها حفيده نور الدّين عليّ بن عزّ الدّين محمد بن صلاح الدّين وأضاف إليها مطهرة حسنة، ومات سنة تسع وستين وسبع مائة (٢).
وشرط بدر الدّين في مدرسته ألاّ يلي بها أحد من العجم وظيفة/ من الوظائف، فقال في كلّ وظيفة منها: ويكون من العرب دون العجم. وكانت له مكارم، جهّز مرّة ابن عقيل إلى الحجّ بنحو خمس مائة دينار.
стр. 2866
المدرسة الخرّوبيّة
وهذه المدرسة بخطّ الشّون، قبلي دار النحاس من ظاهر مدينة مصر أنشأها عزّ الدّين محمد ابن صلاح الدّين أحمد بن محمد بن عليّ الخرّوبي، وهي أكبر من مدرسة عمّه بدر الدّين، إلاّ أنّه مات سنة ستّ وسبعين وسبع مائة قبل استيفاء ما أراد أن يجعل فيها، فليس لها مدرّس ولا طلبة. ومولده سنة ستّ عشرة وسبع مائة، ونشأ في دنيا عريضة (١).
المدرسة الصّاحبيّة البهائيّة
هذه المدرسة كانت بزقاق القناديل (٢) من مدينة مصر قرب الجامع العتيق (٣)، أنشأها الوزير الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن محمد بن سليم بن حنّا في سنة أربع وخمسين وستّ مائة.
وكان إذ ذاك زقاق القناديل أعمر أخطاط مصر، وإنّما قيل له زقاق القناديل من أجل أنّه كان سكن الأشراف، وكانت أبواب الدّور يعلّق على كلّ باب منها قنديل، قال القضاعيّ: ويقال إنّه كان به مائة قنديل توقد كلّ ليلة على أبواب الأكابر.
стр. 2867
وابن حنّا
هذا هو عليّ بن محمد بن سليم - بفتح السين المهملة وكسر اللام، ثم ياء آخر الحروف بعدها ميم - ابن حنّا - بحاء مهملة مكسورة، ثم نون مشددة مفتوحة بعدها ألف - الوزير الصّاحب بهاء الدّين (١)، ولد بمصر في سنة ثلاث وستّ مائة، وتنقّلت به الأحوال في كتابة الدّواوين إلى أن ولي المناصب الجليلة، واشتهرت كفايته، وعرفت في الدّولة نهضته ودرايته، فاستوزره السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري في ثامن شهر ربيع الأوّل سنة تسع وخمسين وست مائة، بعد القبض على الصّاحب زين الدّين يعقوب ابن الزّبير، وفوّض إليه تدبير المملكة وأمور الدّولة كلّها، فنزل من قلعة الجبل بخلع الوزارة - ومعه الأمير سيف الدّين بلبان الرّومي الدّوادار، وجميع الأعيان والأكابر - إلى داره.
واستبدّ بجميع التّصرّفات، وأظهر عن حزم وعزم وجودة رأي. وقام بأعباء الدّولة من ولايات العمّال وعزلهم، من غير مشاورة السّلطان ولا اعتراض أحد عليه، فصار مرجع جميع الأمور ومصدرها عنه، ومنشأ ولايات الخطط والأعمال من قلمه، وزوالها عن أربابها لا يصدر إلاّ من قبله. وما زال على ذلك طول الأيّام الظّاهريّة.
فلمّا قام الملك السّعيد بركة خان بأمر المملكة بعد موت أبيه الملك الظّاهر، أقرّه على ما كان عليه في حياة والده، فدبّر الأمور وساس الأحوال، وما تعرّض له أحد بعداوة ولا سوء، مع كثرة من كان يناوئه من الأمراء وغيرهم، إلاّ وصدّه اللّه عنه، ولم يجد ما يتعلّق به عليه ولا ما يبلغ به مقصوده منه.
وكان عطاؤه واسعا، وصلاته وكلفه للأمراء والأعيان، ومن يلوذ به ويتعلّق بخدمته، تخرج عن الحدّ في الكثرة، وتتجاوز القدر في السّعة مع حسن ظنّ بالفقراء، وصدق العقيدة في أهل الخير والصّلاح، والقيام بمعونتهم، وتفقّد أحوالهم، وقضاء أشغالهم، والمبادرة إلى امتثال أوامرهم، والعفّة عن الأموال - حتى إنّه لم يقبل من أحد في وزارته هديّة، إلاّ أن تكون هديّة فقير أو شيخ معتقد يتبرّك بما يصل من أثره - وكثرة الصّدقات في السّرّ والعلانية.
وكان يستعين على ما التزمه من المبرّات ولزمه من الكلف بالمتاجر، وقد مدحه عدّة من الناس، فقبل مديحهم وأجزل جوائزهم. وما أحسن قول الرّشيد الفارقي فيه:
стр. 2868
[البسيط]
وقائل قال لي نبّه لنا عمرا … فقلت إنّ عليّا قد تنبّه لي
ما لي إذا كنت محتاجا إلى عمر … من حاجة فلينم حسبي انتباه عليّ
وقول سعد الدّين بن مروان الفارقي في كتّاب الدّرج المختصّ به أيضا:
[السريع]
يمّم عليّا فهو بحر الندى … وناده في المضلع المعضل
فرفده بحر على مجدب … ووفده مفض إلى مفصل
يسرع أن يسيل نداه وهل … أسرع من سيل أتى من علي
إلاّ أنّه أحدث في وزارته حوادث عظيمة، وقاس أراضي الأملاك بمصر والقاهرة، وأخذ عليها مالا، وصادر أرباب الأموال وعاقبهم حتى مات كثير منهم تحت العقوبة، واستخرج جوالي الذّمّة مضاعفة.
ورزئ بفقد ولديه: الصّاحب فخر الدّين محمد، والصّاحب زين الدّين، فعوّضه اللّه عنهما بأولادهما، فما منهم إلاّ نجيب صدر/ رئيس فاضل مذكور. وما مات حتى صار جدّ جد، وهو علىّ المكانة وافر الحرمة، في ليلة الجمعة مستهلّ ذي الحجّة سنة سبع وسبعين وستّ مائة، ودفن بتربته من قرافة مصر.
ووزر من بعده الصّاحب برهان الدّين الخضر بن حسن بن عليّ السّنجاري، وكان بينه وبين ابن حنّا عداوة ظاهرة وباطنة، وحقود بارزة وكامنة. فأوقع الحوطة على الصّاحب تاج الدّين محمد بن حنّا بدمشق، وكان مع الملك السّعيد بها، وأخذ خطّة بمائة ألف دينار، وجهّزه على البريد إلى مصر ليستخرج منه ومن أخيه زين الدّين أحمد وابن عمه عزّ الدّين تكملة ثلاث مائة ألف دينار، وأحيط بأسبابه ومن يلوذ به من أصحابه ومعارفه وغلمانه، وطولبوا بالمال.
وأوّل من درّس بهذه المدرسة الصّاحب فخر الدّين محمد، ابن بانيها الوزير الصّاحب بهاء الدّين، إلى أن مات يوم الاثنين حادي عشرين شعبان سنة ثمان وستين وستّ مائة. فوليها من بعده ابنه محيي الدّين أحمد بن محمد، إلى أن توفي يوم الأحد ثامن شعبان سنة اثنتين وسبعين وستّ مائة. فدرّس فيها بعده الصّاحب زين الدّين أحمد بن الصّاحب فخر الدّين محمد ابن الصّاحب بهاء الدّين إلى أن مات في يوم الأربعاء سابع صفر سنة أربع وسبع مائة. فدرّس بها ولده الصّاحب شرف الدّين. وتوارثها أبناء الصّاحب، يلون نظرها إلى أن كان آخرهم صاحبنا الرّئيس شمس الدّين محمد بن أحمد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد بن الصّاحب بهاء
стр. 2869
الدّين (١) وليها بعد أبيه عزّ الدّين، ووليها عزّ الدّين بعد بدر الدّين أحمد بن محمّد بن محمّد ابن الصّاحب بهاء الدّين. فلمّا مات صاحبنا شمس الدّين محمد بن الصّاحب لليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وثمان مائة، وضع بعض نوّاب القضاة يده على ما بقي لها من وقف.
وأقامت هذه المدرسة مدّة أعوام معطّلة من ذكر اللّه وإقام الصّلاة، لا يأويها أحد لخراب ما حولها، وبها شخص يبيت بها كي لا يسرق ما بها من أبواب ورخام.
وكان لها خزانة كتب جليلة، فنقلها شمس الدّين محمد بن الصّاحب وصارت تحت يده إلى أن مات، فتفرّقت في أيدي الناس، وكان قد عزم على نقلها إلى شاطئ النيل بمصر، فمات قبل ذلك.
ولمّا كان في سنة اثنتي عشرة وثمان مائة أخذ الملك الناصر فرج بن برقوق عمد الرّخام التي كانت بهذه المدرسة - وكانت كثيرة العدد، جليلة القدر - وعمل بدلها دعائم تحمل السّقوف؛ إلى أن كانت أيّام الملك المؤيّد شيخ، وولي الأمير تاج الدّين الشّوبكي الدّمشقي ولاية القاهرة ومصر وحسبة البلدين وشدّ العمائر السّلطانيّة، فهدم هذه المدرسة في أخريات سنة سبع عشرة وأوائل سنة ثماني عشرة وثمان مائة. وكانت من أجلّ مدارس الدّنيا، وأعظم مدرسة بمصر يتنافس الناس من طلبة العلم في التّنزّل (¬a) بها، ويتشاحنون في سكنى بيوتها، حتى يصير البيت الواحد من بيوتها يسكن فيه الاثنان من طلبة العلم والثلاثة؛ ثم تلاشى أمرها حتى هدمت، وسيجهل عن قريب موضعها؛ وللّه عاقبة الأمور.
المدرسة الصّاحبيّة
هذه المدرسة بالقاهرة في سويقة الصّاحب، كان موضعها من جملة دار الوزير يعقوب ابن كلّس، ومن جملة دار الدّيباج. أنشأها الصّاحب صفيّ الدّين عبد اللّه بن عليّ بن شكر،
стр. 2870
وجعلها وقفا على المالكيّة، وبها درس نحو وخزانة كتب، وما زالت بيد أولاده.
فلمّا كان في شعبان سنة ثمان وخمسين وسبع مائة، جدّد عمارتها القاضي علم الدّين إبراهيم ابن عبد اللطيف بن إبراهيم - المعروف بابن الزّبير - ناظر الدّولة في أيّام الملك الناصر حسن ابن محمد بن قلاوون، واستجدّ فيها منبرا، فصار يصلّي بها الجمعة إلى يومنا هذا، ولم يكن قبل ذلك بها منبر، ولا تصلّى فيها الجمعة (١).
عبد اللّه بن عليّ
بن الحسين بن عبد الخالق بن الحسين بن الحسن بن منصور بن إبراهيم ابن عمّار بن منصور بن عليّ، صفيّ الدّين أبو محمد الشّيبي الدّميري المالكي - المعروف بابن شكر (٢) - ولد بناحية دميرة، إحدى قرى مصر البحرية، في تاسع صفر سنة ثمان وأربعين وخمس مائة، ومات أبوه، فتزوّجت أمّه بالقاضي الوزير الأعزّ فخر الدّين مقدام، ابن القاضي الأجلّ أبي العبّاس أحمد بن شكر المالكي، فربّاه ونوّه باسمه لأنّه كان ابن عمّه، فعرف به وقيل له ابن شكر.
وسمع صفيّ الدّين من الفقيه أبي الطاهر إسماعيل بن مكّي بن عوف، وأبي الطيّب عبد المنعم ابن يحيى وغيره، وحدّث بالقاهرة ودمشق، وتفقّه على مذهب مالك، وبرع فيه، وصنّف كتابا في الفقه كان كلّ من حفظه نال منه حظّا وافرا، وقصد بذلك أن يتشبّه بالوزير عون الدّين ابن هبيرة (¬a) وزير العراق (¬a) (٣).
стр. 2871
كانت بداية أمره أنّه لمّا سلّم السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب أمر الأسطول لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وأفرد له من الأبواب الدّيوانيّة الزّكاة بمصر والحبس الجيوشي بالبرّين والنطرون والحراج (¬a) وما معه من ثمن القرط وساحل السّنط والمراكب الدّيوانية وأشنى وطندي (١)، استخدم العادل في مباشرة ديوان هذه المعاملة الصّفيّ بن شكر هذا، وكان ذلك/ في سنة سبع وثمانين وخمس مائة.
ومن حينئذ اشتهر ذكره، وتخصّص بالملك العادل، فلمّا استقلّ بمملكة مصر في سنة ستّ وتسعين وخمس مائة، عظم قدره، ثم استوزره بعد الصّنيعة ابن النجّار، فحلّ عنده محلّ الوزراء الكبار والعلماء المشاورين، وباشر الوزارة بسطوة وجبروت وتعاظم، وصادر كتّاب الدّولة واستصفى أموالهم. ففرّ منه القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل إلى بغداد، واستشفع بالخليفة الناصر، وأحضر كتابه إلى الملك العادل يشفع فيه. وهرب منه القاضي علم الدّين إسماعيل ابن أبي الحجّاج صاحب ديوان الجيش، والقاضي الأسعد أسعد بن ممّاتي صاحب ديوان المال، والتجأ إلى الملك الظّاهر بحلب، فأقاما عنده حتى ماتا.
وصادر بني حمدان، وبني الحبّاب، وبني الجليس، وأكابر الكتّاب والسّلطان لا يعارضه في شيء. ومع ذلك فكان يكثر التّعصّب على السّلطان، ويتجنّى عليه وهو يحتمله، إلى أن غضب في سنة سبع وستّ مائة، وحلف أنّه ما بقي يخدم، فلم يحتمله، وولّى الوزارة عوضا عنه القاضي الأعزّ فخر الدّين مقدام بن شكر، وأخرجه من مصر بجميع أمواله وحرمه وغلمانه، وكان نقله على ثلاثين جملا، وأخذ أعداؤه في إغراء السّلطان به، وحسّنوا له أن يأخذ ماله، فأبى عليهم، ولم يأخذ منه شيئا.
стр. 2872
وصار إلى آمد، فأقام بها عند ابن أرتق إلى أن مات الملك العادل في سنة خمس (¬a) وستّ مائة فطلبه الملك الكامل محمد ابن الملك العادل لمّا استبدّ بسلطنة ديار مصر بعد أبيه، وهو في نوبة قتال الفرنج على دمياط، حين رأى أنّ الضّرورة داعية لحضوره بعد ما كان يعاديه. فقدم عليه في ذي القعدة منها، وهو بالمنزلة العادلية قريبا من دمياط؛ فتلقّاه وأكرمه، وحادثه فيما نزل به من موت أبيه، ومحاربة الفرنج، ومخالفة الأمير عماد الدّين أحمد بن المشطوب، واضطراب أرض مصر بثورة العربان وكثرة خلافهم. فشجّعه، وتكفّل له بتحصيل المال وتدبير الأمور. وسار إلى القاهرة، فوضع يده في مصادرات أرباب الأموال بمصر والقاهرة من الكتّاب والتّجّار، وقرّر على الأملاك مالا، وأحدث حوادث كثيرة، وجمع مالا عظيما أمدّ به السّلطان. فكثر تمكّنه منه، وقويت يده، وتوفّرت مهابته بحيث إنّه لمّا انقضت نوبة دمياط، وعاد الملك الكامل إلى قلعة الجبل، كان ينزل إليه، ويجلس عنده بمنظرته التي كانت على الخليج، ويتحدّث معه في مهمّات الدّولة. ولم يزل على ذلك إلى أن مات بالقاهرة، وهو وزير، في يوم الجمعة ثامن شعبان سنة اثنتين وعشرين وستّ مائة.
وكان بعيد الغور، جمّاعا للمال ضابطا له من الإنفاق في غير واجب، قد ملأت هيبته الصّدور، وانقاد له على الرّغم والرّضا الجمهور، وأخمد جمرات الرّجال، وأضرم رمادا لم يخطر إيقاده على بال. وبلغ عند الملك الكامل بحيث إنّه بعث إليه بابنيه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب والملك العادل أبي بكر، ليزوراه في يوم عيد، فقاما على رأسه قياما، وأنشد زكيّ الدّين أبو القاسم عبد الرّحمن بن وهيب القوصي (١) قصيدة، زاد فيها حين رأى الملكين قياما على رأسه.
[الكامل]
لو لم تقم في اللّه (¬b) حقّ قيامه … ما كنت تقعد والملوك قيام
وقطع في وزارته الأرزاق، وكانت جملتها أربع مائة ألف دينار في السنة، وتسارع أرباب الحوائج والأطماع ومن كان يخافه إلى بابه، وملأوا طرقاته وهو يهينهم، ولا يحفل بشيخ منهم وهو عالم، وأوقع بالرّؤساء وأرباب البيوت، حتى استأصل شأفتهم عن آخرهم، وقدّم الأراذل في مناصبهم.
стр. 2873
وكان جلدا قويّا، حلّ به مرّة دوسنطاريا قوية وأزمنت، فيئس منه الأطبّاء، وعندما اشتدّ به الوجع وأشرف على الهلاك، استدعى بعشرة من وجوه الكتّاب كانوا في حبسه، وقال: أنتم في راحة وأنا في الألم، كلاّ واللّه! واستحضر المعاصير وآلات العذاب وعذّبهم، فصاروا يصرخون من العذاب، وهو يصرخ من الألم طول الليل إلى الصّبح، وبعد ثلاثة أيّام ركب.
وكان يقول كثيرا: لم يبق في قلبي حسرة إلاّ كون أنّ (¬a) البيساني لم تتمرّغ شيبته على عتباتي - يعني القاضي الفاضل عبد الرّحيم البيساني فإنّه مات قبل وزارته - وكان درّي اللون تعلوه حمرة، ومع ذلك فكان طلق المحيّا، حلو اللسان، حسن الهيئة، صاحب دهاء، مع هوج وخبث، في طيش ورعونة مفرطة، وحقد لا تخبو ناره، ينتقم ويظنّ أنّه لم ينتقم فيعود.
وكان لا ينام عن عدوّه، ولا يقبل معذرة أحد، ويتّخذ الرّؤساء كلّهم أعداءه، ولا يرضى لعدوّه بدون الهلاك والاستئصال، ولا يرحم أحدا إذا انتقم منه، ولا يبالي بعاقبة، وكان له ولأهله كلمة يرونها ويعملون بها كما يعمل بالأقوال الإلهية وهي «إذا كنت دقماقا فلا تكن وتدا»، وكان الواحد منهم يعيدها في اليوم مرّات، ويجعلها حجّة عند انتقامه.
وكان قد استولى على الملك العادل ظاهرا وباطنا، ولا يمكّن أحدا من الوصول إليه حتى الطبيب والحاجب والفرّاش عليهم عيون له، لا يتكلّم أحد منهم فضل كلمة خوفا منه وكان أكبر أغراضه إبادة أرباب/ البيوت، ومحو آثارهم، وهدم ديارهم، وتقريب الأسقاط وشراء الفقهاء.
وكان لا يأخذ من مال السّلطان فلسا ولا ألف دينار، ويظهر أمانة مفرطة، فإذا لاح له مال عظيم احتجبه؛ وبلغ إقطاعه في السنة مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار.
وكان قد عمي، فأخذ يظهر جلدا عظيما وعدم استكانة إذا حضر إليه الأمراء والأكابر، وجلسوا على خوانه، يقول قدّموا اللون الفلاني للأمير فلان والصّدر فلان، والقاضي فلان، وهو يبني أموره في معرفة مكان المشار إليه برموز ومقدّمات يكابر فيها دوائر الزّمان (¬b) ويروم رجوع الفائت حتى دخل في خبر كان (¬b).
وكان يتشبّه في ترسّله بالقاضي الفاضل، وفي محاضراته بالوزير عون الدّين بن هبيرة حتى اشتهر عنه ذلك ولم يكن فيه أهليّة هذا، ولكنه كان من دهاة الرّجال. وكان إذا لحظ شخصا لا يقنع له إلاّ بكثرة الغنى ونهاية الرّفعة، وإذا غضب على أحد لا يقنع في شأنه إلاّ بمحو أثره من
стр. 2874
الوجود، وكان كثيرا ما ينشد:
[البسيط]
إذا وتّرت (¬a) امرأ فاحذر عداوته … من يزرع الشّوك لم يحصد به عنبا
وينشد كثيرا:
[الطويل]
تودّ عدوّي ثم تزعم أنّني … صديقك، إنّ الرأي منك (¬b) لعازب
وأخذه مرّة مرض من حمّى قويّة، وحدث به النافض وهو في مجلس السّلطان ينفّذ الأشغال، فما تأثّر، ولا ألقى جنبه إلى الأرض حتى ذهبت وهو كذلك.
وكان يتعزّر على الملوك الجبابرة، وتقف الرّؤساء على بابه من نصف الليل ومعهم المشاعل والشّمع، وعند الصّباح يركب فلا يراهم ولا يرونه، لأنّه إمّا أن يرفع رأسه إلى السّماء تيها، وإمّا أن يعرّج إلى طريق غير التي هم بها، وإمّا أن يأمر الجنادرة التي في ركابه بضرب الناس وطردهم من طريقه، ويكون الرّجل قد وقف على بابه طول الليل، إمّا من أوّله أو من نصفه بغلمانه ودوابّه، فيطرد عنه ولا يراه.
وكان له بوّاب يأخذ من الناس مالا كثيرا، ومع ذلك يهينهم إهانة مفرطة، وعليه للصّاحب في كلّ يوم خمسة دنانير، منها ديناران برسم الفقّاع، وثلاثة دنانير برسم الحلوى وكسوة غلمانه، ونفقاته عليه أيضا، ومع ذلك اقتنى عقارا وقرى.
ولمّا كان بعد موت الصّاحب، قدم من بغداد رسول الخليفة الظّاهر - وهو محيى الدّين أبو المظفّر بن الجوزي - ومعه خلعة الخليفة للملك الكامل، وخلع لأولاده، وخلعة للصّاحب صفيّ الدّين، فلبسها فخر الدّين سليمان كاتب الإنشاء.
وقبض الملك الكامل على أولاده: تاج الدّين يوسف وعزّ الدّين محمد وحبسهما، وأوقع الحوطة على سائر موجوده. ﵀ وعفا عنه.
المدرسة الشّريفيّة
هذه المدرسة بدرب كركامة، على رأس حارة الجوذريّة من القاهرة (¬c) وخطّ طواحين الملحيين، وهي بالقرب من المدرسة الكهارية على يسرة السّالك منها إلى خطّ طواحين الملحيين (¬c) (١)، وقفها
стр. 2875
الأمير الكبير الشّريف فخر الدّين أبو منصور (¬a) إسماعيل بن حصن الدّولة فخر العرب ثعلب ابن يعقوب بن مسلم بن أبي جميل دحية بن جعفر بن موسى بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر ابن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب الجعفري الزّينبي، أمير الحاج والزّائرين وأحد أمراء مصر في الدّولة الأيّوبية (¬b)، وتمّت في سنة اثنتي عشرة وستّ مائة، وهي من مدارس الفقهاء الشّافعيّة (١).
قال ابن عبد الظّاهر (¬c) في «الخطط» (¬c): وجرى له في وقفها حكاية مع الفقيه ضياء الدّين ابن الورّاق. وذلك أنّ الملك العادل سيف الدّين أبا بكر - يعني ابن أيّوب - لمّا ملك مصر (¬d) - وكان دخلها على أنّه نائب للملك المنصور محمد بن العزيز عثمان بن صلاح الدّين يوسف، فقوي عليه، وقصد الاستبداد بالملك - فأحضر الناس للحلف، وكان من جملتهم الفقيه ضياء الدّين ابن الورّاق، فلمّا شرع الناس في الحلف، قال الفقيه ضياء الدّين: ما هذا الحلف؟ بالأمس حلفتم للمنصور، فإن كانت تلك الأيمان باطلة فهذه باطلة، وإن كانت تلك صحيحة فهذه باطلة.
فقال الصّاحب صفيّ الدّين بن شكر للعادل: أفسد عليك الأمور هذا الفقيه - وكان الفقيه لم يحضر إلى ابن شكر ولا يسلّم عليه - فأمر العادل بالحوطة على جميع موجود الفقيه وأملاكه وماله واعتقاله بالرّصد مرسّما عليه فيه، لأنّه كان مسجده، فأقام مدّة سنين على هذه الصّورة.
فلمّا كان في بعض الأيّام وجد عدّة من المترّسمين، فحضر إلى دار الوزارة بالقاهرة. فبلغ العادل حضوره فخرج إليه، فقال له الفقيه: اعلم أنّي واللّه لا حاللتك ولا أبرأتك، أنت تتقدّمني إلى اللّه في هذه المدّة، وأنا بعدك أطالبك بين يدي اللّه، وتركه وعاد إلى مكانه. فحضر الشّريف