كانت بداية أمره أنّه لمّا سلّم السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب أمر الأسطول لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وأفرد له من الأبواب الدّيوانيّة الزّكاة بمصر والحبس الجيوشي بالبرّين والنطرون والحراج (¬a) وما معه من ثمن القرط وساحل السّنط والمراكب الدّيوانية وأشنى وطندي (١)، استخدم العادل في مباشرة ديوان هذه المعاملة الصّفيّ بن شكر هذا، وكان ذلك/ في سنة سبع وثمانين وخمس مائة.
ومن حينئذ اشتهر ذكره، وتخصّص بالملك العادل، فلمّا استقلّ بمملكة مصر في سنة ستّ وتسعين وخمس مائة، عظم قدره، ثم استوزره بعد الصّنيعة ابن النجّار، فحلّ عنده محلّ الوزراء الكبار والعلماء المشاورين، وباشر الوزارة بسطوة وجبروت وتعاظم، وصادر كتّاب الدّولة واستصفى أموالهم. ففرّ منه القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل إلى بغداد، واستشفع بالخليفة الناصر، وأحضر كتابه إلى الملك العادل يشفع فيه. وهرب منه القاضي علم الدّين إسماعيل ابن أبي الحجّاج صاحب ديوان الجيش، والقاضي الأسعد أسعد بن ممّاتي صاحب ديوان المال، والتجأ إلى الملك الظّاهر بحلب، فأقاما عنده حتى ماتا.
وصادر بني حمدان، وبني الحبّاب، وبني الجليس، وأكابر الكتّاب والسّلطان لا يعارضه في شيء. ومع ذلك فكان يكثر التّعصّب على السّلطان، ويتجنّى عليه وهو يحتمله، إلى أن غضب في سنة سبع وستّ مائة، وحلف أنّه ما بقي يخدم، فلم يحتمله، وولّى الوزارة عوضا عنه القاضي الأعزّ فخر الدّين مقدام بن شكر، وأخرجه من مصر بجميع أمواله وحرمه وغلمانه، وكان نقله على ثلاثين جملا، وأخذ أعداؤه في إغراء السّلطان به، وحسّنوا له أن يأخذ ماله، فأبى عليهم، ولم يأخذ منه شيئا.
стр. 2872
وصار إلى آمد، فأقام بها عند ابن أرتق إلى أن مات الملك العادل في سنة خمس (¬a) وستّ مائة فطلبه الملك الكامل محمد ابن الملك العادل لمّا استبدّ بسلطنة ديار مصر بعد أبيه، وهو في نوبة قتال الفرنج على دمياط، حين رأى أنّ الضّرورة داعية لحضوره بعد ما كان يعاديه. فقدم عليه في ذي القعدة منها، وهو بالمنزلة العادلية قريبا من دمياط؛ فتلقّاه وأكرمه، وحادثه فيما نزل به من موت أبيه، ومحاربة الفرنج، ومخالفة الأمير عماد الدّين أحمد بن المشطوب، واضطراب أرض مصر بثورة العربان وكثرة خلافهم. فشجّعه، وتكفّل له بتحصيل المال وتدبير الأمور. وسار إلى القاهرة، فوضع يده في مصادرات أرباب الأموال بمصر والقاهرة من الكتّاب والتّجّار، وقرّر على الأملاك مالا، وأحدث حوادث كثيرة، وجمع مالا عظيما أمدّ به السّلطان. فكثر تمكّنه منه، وقويت يده، وتوفّرت مهابته بحيث إنّه لمّا انقضت نوبة دمياط، وعاد الملك الكامل إلى قلعة الجبل، كان ينزل إليه، ويجلس عنده بمنظرته التي كانت على الخليج، ويتحدّث معه في مهمّات الدّولة. ولم يزل على ذلك إلى أن مات بالقاهرة، وهو وزير، في يوم الجمعة ثامن شعبان سنة اثنتين وعشرين وستّ مائة.
وكان بعيد الغور، جمّاعا للمال ضابطا له من الإنفاق في غير واجب، قد ملأت هيبته الصّدور، وانقاد له على الرّغم والرّضا الجمهور، وأخمد جمرات الرّجال، وأضرم رمادا لم يخطر إيقاده على بال. وبلغ عند الملك الكامل بحيث إنّه بعث إليه بابنيه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب والملك العادل أبي بكر، ليزوراه في يوم عيد، فقاما على رأسه قياما، وأنشد زكيّ الدّين أبو القاسم عبد الرّحمن بن وهيب القوصي (١) قصيدة، زاد فيها حين رأى الملكين قياما على رأسه.
[الكامل]
لو لم تقم في اللّه (¬b) حقّ قيامه … ما كنت تقعد والملوك قيام
وقطع في وزارته الأرزاق، وكانت جملتها أربع مائة ألف دينار في السنة، وتسارع أرباب الحوائج والأطماع ومن كان يخافه إلى بابه، وملأوا طرقاته وهو يهينهم، ولا يحفل بشيخ منهم وهو عالم، وأوقع بالرّؤساء وأرباب البيوت، حتى استأصل شأفتهم عن آخرهم، وقدّم الأراذل في مناصبهم.
стр. 2873
وكان جلدا قويّا، حلّ به مرّة دوسنطاريا قوية وأزمنت، فيئس منه الأطبّاء، وعندما اشتدّ به الوجع وأشرف على الهلاك، استدعى بعشرة من وجوه الكتّاب كانوا في حبسه، وقال: أنتم في راحة وأنا في الألم، كلاّ واللّه! واستحضر المعاصير وآلات العذاب وعذّبهم، فصاروا يصرخون من العذاب، وهو يصرخ من الألم طول الليل إلى الصّبح، وبعد ثلاثة أيّام ركب.
وكان يقول كثيرا: لم يبق في قلبي حسرة إلاّ كون أنّ (¬a) البيساني لم تتمرّغ شيبته على عتباتي - يعني القاضي الفاضل عبد الرّحيم البيساني فإنّه مات قبل وزارته - وكان درّي اللون تعلوه حمرة، ومع ذلك فكان طلق المحيّا، حلو اللسان، حسن الهيئة، صاحب دهاء، مع هوج وخبث، في طيش ورعونة مفرطة، وحقد لا تخبو ناره، ينتقم ويظنّ أنّه لم ينتقم فيعود.
وكان لا ينام عن عدوّه، ولا يقبل معذرة أحد، ويتّخذ الرّؤساء كلّهم أعداءه، ولا يرضى لعدوّه بدون الهلاك والاستئصال، ولا يرحم أحدا إذا انتقم منه، ولا يبالي بعاقبة، وكان له ولأهله كلمة يرونها ويعملون بها كما يعمل بالأقوال الإلهية وهي «إذا كنت دقماقا فلا تكن وتدا»، وكان الواحد منهم يعيدها في اليوم مرّات، ويجعلها حجّة عند انتقامه.
وكان قد استولى على الملك العادل ظاهرا وباطنا، ولا يمكّن أحدا من الوصول إليه حتى الطبيب والحاجب والفرّاش عليهم عيون له، لا يتكلّم أحد منهم فضل كلمة خوفا منه وكان أكبر أغراضه إبادة أرباب/ البيوت، ومحو آثارهم، وهدم ديارهم، وتقريب الأسقاط وشراء الفقهاء.
وكان لا يأخذ من مال السّلطان فلسا ولا ألف دينار، ويظهر أمانة مفرطة، فإذا لاح له مال عظيم احتجبه؛ وبلغ إقطاعه في السنة مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار.
وكان قد عمي، فأخذ يظهر جلدا عظيما وعدم استكانة إذا حضر إليه الأمراء والأكابر، وجلسوا على خوانه، يقول قدّموا اللون الفلاني للأمير فلان والصّدر فلان، والقاضي فلان، وهو يبني أموره في معرفة مكان المشار إليه برموز ومقدّمات يكابر فيها دوائر الزّمان (¬b) ويروم رجوع الفائت حتى دخل في خبر كان (¬b).
وكان يتشبّه في ترسّله بالقاضي الفاضل، وفي محاضراته بالوزير عون الدّين بن هبيرة حتى اشتهر عنه ذلك ولم يكن فيه أهليّة هذا، ولكنه كان من دهاة الرّجال. وكان إذا لحظ شخصا لا يقنع له إلاّ بكثرة الغنى ونهاية الرّفعة، وإذا غضب على أحد لا يقنع في شأنه إلاّ بمحو أثره من
стр. 2874
الوجود، وكان كثيرا ما ينشد:
[البسيط]
إذا وتّرت (¬a) امرأ فاحذر عداوته … من يزرع الشّوك لم يحصد به عنبا
وينشد كثيرا:
[الطويل]
تودّ عدوّي ثم تزعم أنّني … صديقك، إنّ الرأي منك (¬b) لعازب
وأخذه مرّة مرض من حمّى قويّة، وحدث به النافض وهو في مجلس السّلطان ينفّذ الأشغال، فما تأثّر، ولا ألقى جنبه إلى الأرض حتى ذهبت وهو كذلك.
وكان يتعزّر على الملوك الجبابرة، وتقف الرّؤساء على بابه من نصف الليل ومعهم المشاعل والشّمع، وعند الصّباح يركب فلا يراهم ولا يرونه، لأنّه إمّا أن يرفع رأسه إلى السّماء تيها، وإمّا أن يعرّج إلى طريق غير التي هم بها، وإمّا أن يأمر الجنادرة التي في ركابه بضرب الناس وطردهم من طريقه، ويكون الرّجل قد وقف على بابه طول الليل، إمّا من أوّله أو من نصفه بغلمانه ودوابّه، فيطرد عنه ولا يراه.
وكان له بوّاب يأخذ من الناس مالا كثيرا، ومع ذلك يهينهم إهانة مفرطة، وعليه للصّاحب في كلّ يوم خمسة دنانير، منها ديناران برسم الفقّاع، وثلاثة دنانير برسم الحلوى وكسوة غلمانه، ونفقاته عليه أيضا، ومع ذلك اقتنى عقارا وقرى.
ولمّا كان بعد موت الصّاحب، قدم من بغداد رسول الخليفة الظّاهر - وهو محيى الدّين أبو المظفّر بن الجوزي - ومعه خلعة الخليفة للملك الكامل، وخلع لأولاده، وخلعة للصّاحب صفيّ الدّين، فلبسها فخر الدّين سليمان كاتب الإنشاء.
وقبض الملك الكامل على أولاده: تاج الدّين يوسف وعزّ الدّين محمد وحبسهما، وأوقع الحوطة على سائر موجوده. ﵀ وعفا عنه.
المدرسة الشّريفيّة
هذه المدرسة بدرب كركامة، على رأس حارة الجوذريّة من القاهرة (¬c) وخطّ طواحين الملحيين، وهي بالقرب من المدرسة الكهارية على يسرة السّالك منها إلى خطّ طواحين الملحيين (¬c) (١)، وقفها
стр. 2875
الأمير الكبير الشّريف فخر الدّين أبو منصور (¬a) إسماعيل بن حصن الدّولة فخر العرب ثعلب ابن يعقوب بن مسلم بن أبي جميل دحية بن جعفر بن موسى بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر ابن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب الجعفري الزّينبي، أمير الحاج والزّائرين وأحد أمراء مصر في الدّولة الأيّوبية (¬b)، وتمّت في سنة اثنتي عشرة وستّ مائة، وهي من مدارس الفقهاء الشّافعيّة (١).
قال ابن عبد الظّاهر (¬c) في «الخطط» (¬c): وجرى له في وقفها حكاية مع الفقيه ضياء الدّين ابن الورّاق. وذلك أنّ الملك العادل سيف الدّين أبا بكر - يعني ابن أيّوب - لمّا ملك مصر (¬d) - وكان دخلها على أنّه نائب للملك المنصور محمد بن العزيز عثمان بن صلاح الدّين يوسف، فقوي عليه، وقصد الاستبداد بالملك - فأحضر الناس للحلف، وكان من جملتهم الفقيه ضياء الدّين ابن الورّاق، فلمّا شرع الناس في الحلف، قال الفقيه ضياء الدّين: ما هذا الحلف؟ بالأمس حلفتم للمنصور، فإن كانت تلك الأيمان باطلة فهذه باطلة، وإن كانت تلك صحيحة فهذه باطلة.
فقال الصّاحب صفيّ الدّين بن شكر للعادل: أفسد عليك الأمور هذا الفقيه - وكان الفقيه لم يحضر إلى ابن شكر ولا يسلّم عليه - فأمر العادل بالحوطة على جميع موجود الفقيه وأملاكه وماله واعتقاله بالرّصد مرسّما عليه فيه، لأنّه كان مسجده، فأقام مدّة سنين على هذه الصّورة.
فلمّا كان في بعض الأيّام وجد عدّة من المترّسمين، فحضر إلى دار الوزارة بالقاهرة. فبلغ العادل حضوره فخرج إليه، فقال له الفقيه: اعلم أنّي واللّه لا حاللتك ولا أبرأتك، أنت تتقدّمني إلى اللّه في هذه المدّة، وأنا بعدك أطالبك بين يدي اللّه، وتركه وعاد إلى مكانه. فحضر الشّريف
стр. 2876
فخر الدّين بن ثعلب إلى الملك العادل، فوجده متألّما حزينا، فسأله، فعرّفه، فقال: يا مولانا، ولم تجرّب (¬a) السّمّ في نفسك؟ فقال: خذ كلّ ما وقعت الحوطة عليه له (¬b)، وكلّ ما استخرج من أجرة أملاكه، وطيّب خاطره.
وأمّا الفقيه ضياء الدّين، فإنّه أصبح، وحضرت إليه جماعة من الطلبة/ للقراءة عليه، فقال لهم: رأيت البارحة النبيّ ﷺ وهو يقول: يكون فرجك على يد رجل من أهل بيتي صحيح النسب. فهم (¬c) في الحديث، وإذا بغبرة ثارت من جهة القرافة، فانكشفت عن الشّريف ابن ثعلب ومعه الموجود كلّه. فلمّا حضر عرّفه الجماعة المنام، فقال: يا سيّدي اشهد عليّ أنّ جميع ما أملكه وقف وصدقة، شكرا لهذه الرّؤيا.
وخرج عن كلّ ما يملكه، وكان من جملة ذلك المدرسة الشّريفية لأنّها كانت سكنه (¬d)، ووقف عليها أملاكه، وكذلك فعل في غيرها.
ولم يحالل الفقيه الملك العادل، ومات الملك العادل بعد ذلك، ومات الفقيه بعده بمدّة (¬e) (١)، ومات الشّريف إسماعيل بن ثعلب بالقاهرة في سابع عشر رجب سنة ثلاث عشرة وستّ مائة (٢).
стр. 2877
المدرسة الصّالحيّة [أثر رقم ٣٨]
هذه المدرسة بخطّ بين القصرين من القاهرة (١). كان موضعها من جملة القصر الكبير الشّرقي، فبنى فيه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب (¬a) بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيّوب (¬a) هاتين المدرستين، فابتدأ بهدم موضع هذه المدارس في قطعة من القصر، في ثالث عشر ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وستّ مائة، ودكّ أساس المدارس في رابع عشر ربيع الآخر سنة أربعين (٢)، ورتّب فيها دروسا أربعة للفقهاء المنتمين إلى المذاهب الأربعة في سنة إحدى وأربعين وستّ مائة (٣). وهو أوّل من عمل بديار مصر دروسا أربعة في مكان واحد (¬b).
стр. 2878
ودخل في هذه المدارس باب القصر المعروف بباب الزّهومة، وموضعه قاعة شيخ الحنابلة الآن (¬a) بالمدرسة الغربية منها (¬a)، ثم اختطّ ما وراء هاتين المدرستين (¬b) في سنة بضع وخمسين وستّ مائة، وجعل حكر ذلك للمدرسة الصّالحيّة.
وأوّل من درّس بها من الحنابلة قاضي القضاة شمس الدّين أبو بكر محمد بن العماد إبراهيم ابن عبد الواحد بن عليّ بن سرور المقدسي الصّالحي الحنبلي (¬c) (١).
وفي يوم السبت ثالث عشرين شوّال سنة ثمان وأربعين وستّ مائة أقام الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني، الأمير علاء الدّين أيدكين البندقدار الصّالحي في نيابة السّلطنة بديار مصر، فواظب الجلوس بالمدرسة (¬d) الصّالحيّة هذه مع نوّاب دار العدل، وانتصب لكشف المظالم، واستمرّ جلوسه بها مدّة.
مخطّط مدرسة الصّالح نجم الدين أيّوب (عن (Creswell
стр. 2879
واجهة المدرسة الصّالحيّة بين القصرين
باب المدرسة الصّالحيّة
стр. 2880
واجهة المدرسة الصّالحيّة
بقايا إيوان المالكيّة من المدرسة الصّالحية
стр. 2881
مقرنصات باب المدرسة الصّالحيّة وقاعدة المئذنة
مئذنة المدرسة الصّالحيّة
стр. 2882
ثم إنّ الملك السّعيد ناصر الدّين محمد بركة خان ابن الملك الظّاهر بيبرس وقف الصّاغة التي تجاهها وأماكن بالقاهرة وبمدينة المحلّة الغربية، وقطع أراضي جزائر بالأعمال الجيزيّة والإطفيحية، على مدرّسين أربعة عند كلّ مدرّس معيدان وعدّة طلبة، وما يحتاج إليه من أئمّة ومؤذّنين وقومة وغير ذلك، وثبت وقف ذلك على (¬a) قاضي القضاة تقيّ الدّين محمد ابن الحسين بن رزين الشّافعيّ، ونفّذه قاضي القضاة شمس الدّين أبو البركات محمد ابن هبة اللّه بن شكر المالكي، وذلك في سنة سبع وسبعين وستّ مائة، وهي جارية في وقفها إلى اليوم.
فلمّا كان (¬b) يوم الجمعة حادي عشرين ربيع الأوّل سنة ثلاثين وسبع مائة، رتّب الأمير جمال الدّين آقوش - المعروف بنائب الكرك (١) - جمال الدّين الغزّاوي خطيبا بإيوان الشّافعيّة من هذه المدرسة، وجعل له في كلّ شهر خمسين درهما، ووقف عليه وعلى مؤذّنين وقفا جاريا، فاستمرّت الخطبة هناك إلى يومنا (¬c) (٢).
стр. 2883
قبّة الصّالح نجم الدّين أيّوب من الخارج
تفاصيل من المقرنصات الدّاخلية للقبّة
стр. 2884
قبّة الصّالح
هذه القبّة بجوار المدرسة الصّالحيّة، كان موضعها قاعة شيخ المالكية (¬a)، بنتها عصمة الدّين والدة خليل شجر الدّرّ لأجل مولاها الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب عندما مات (١) - وهو على مقاتلة الفرنج بناحية المنصورة - في ليلة النصف من شعبان سنة سبع وأربعين وستّ مائة، فكتمت زوجته شجر الدّرّ موته خوفا من الفرنج، ولم تعلم أحدا بذلك (¬b) سوى الأمير فخر الدّين بن يوسف بن شيخ الشّيوخ والطواشيّ جمال الدّين محسن فقط، فكتما موته عن كلّ أحد.
مخطّط القبّة الصّالحيّة
وبقيت أمور الدّولة على حالها، وشجر الدّرّ تخرج المناشير والتّواقيع والكتب وعليها علامة بخطّ خادم يقال له سهيل، فلا يشكّ أحد في أنّه خطّ السّلطان. وأشاعت أنّ السّلطان مستمرّ المرض ولا يمكن الوصول إليه، فلم يجسر أحد أن يتفوّه بموت السّلطان إلى أن أنفذت إلى حصن كيفا، وأحضرت الملك المعظّم توران شاه بن الصّالح.
стр. 2885
وأمّا الملك الصّالح فإنّ شجر الدّرّ أحضرته في حرّاقة من المنصورة إلى قلعة الرّوضة تجاه مدينة مصر من غير أن يشعر به أحد، إلاّ من ائتمنته على ذلك. فوضع في قاعة من قاعات قلعة الرّوضة إلى يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر رجب سنة ثمان وأربعين وستّ مائة، فنقل إلى هذه القبّة بعد ما كانت شجر الدّرّ قد عمّرتها على ما هي عليه (١).
وخلعت نفسها من سلطنة مصر ونزلت عنها لزوجها عزّ الدّين أيبك قبل نقله (٢)، فنقله الملك (¬a) المعزّ أيبك، ونزل ومعه الملك الأشرف موسى ابن الملك المسعود وسائر المماليك البحريّة والجمدارية والأمراء، من قلعة الجبل إلى قلعة الرّوضة. وأخرج الملك الصّالح في تابوت وصلّي عليه بعد صلاة الجمعة، وسائر الأمراء وأهل الدّولة قد لبسوا البياض حزنا عليه، وقطع المماليك شعور رءوسهم، وساروا به إلى هذه القبّة. فدفن ليلة السبت.
/ فأصبح السّلطانان، فنزلا (¬b) إلى القبّة، وحضر القضاة وسائر المماليك وأهل الدّولة وكافّة الناس، وغلّقت الأسواق بالقاهرة ومصر، وعمل عزاء للملك الصّالح بين القصرين بالدّفوف مدّة ثلاثة أيّام، آخرها يوم الاثنين، ووضع عند القبر سناجق السّلطان وبقجته وتركاشه وقوسه، ورتّب عنده القرّاء على ما شرطت شجر الدّرّ في كتاب وقفها، وجعلت النظر فيها للصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا وذرّيته، وهي بيدهم إلى اليوم (٣).
стр. 2886
وما أحسن قول الأديب جمال الدّين أبي المظفّر عبد الرّحمن بن أبي سعد (¬a) محمد بن محمد ابن عمر بن أبي القاسم بن بخمش الواسطي - المعروف بابن السّنيبنيرة الشّاعر (١) - لمّا مرّ هو والأمير نور الدّين (¬b) ابن صاحب (¬b) تكريت بالقاهرة بين القصرين، ونظر إلى تربة الملك الصّالح هذه وقد دفن بقاعة شيخ المالكية، فأنشد:
[الطويل]
بنيت لأرباب العلوم مدارسا … لتنجو بها من هول يوم المهالك
وضاقت عليك الأرض لم تلق منزلا … تحلّ به إلاّ إلى جنب مالك
وذلك أنّ هذه القبّة التي فيها قبر الملك الصّالح، مجاورة لإيوان الفقهاء المالكية المنتمين إلى الإمام مالك بن أنس ﵁ فقصد التّورية بمالك الإمام المشهور ومالك خازن النار، أعاذنا اللّه منها.
المدرسة الكامليّة [أثر رقم ٤٢٨]
هذه المدرسة بخطّ بين القصرين من القاهرة، وتعرف ب «دار الحديث الكامليّة» (٢)، أنشأها السّلطان الملك الكامل ناصر الدّين محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب بن شاذي ابن
стр. 2887
مروان، في سنة اثنتين وعشرين وستّ مائة، وهي ثاني دار عملت للحديث (١)؛ فإنّ أوّل من بنى دارا حديث (¬a) على وجه الأرض الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي بدمشق؛ ثم بنى الكامل هذه الدّار ووقفها على المشتغلين بالحديث النبويّ ثم من بعدهم على الفقهاء الشّافعيّة، ووقف عليها الرّبع الذي بجوارها على باب الخرنشف ويمتدّ إلى الدّرب المقابل للجامع الأقمر.
وهذا الرّبع من إنشاء الملك الكامل، وكان موضعه من جملة القصر الغربي، ثم صار موضعا يسكنه القمّاحون. وكان موضع المدرسة سوقا للرّقيق ودارا تعرف بابن كستول.
وأوّل من ولي تدريس الكاملية: الحافظ أبو الخطّاب عمر بن الحسن بن عليّ بن دحية، ثم أخوه أبو عمرو عثمان بن الحسن بن عليّ بن دحية، ثم الحافظ عبد العظيم المنذري، ثم الرّشيد العطّار.
وما برحت بيد أعيان الفقهاء، إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ سنة ستّ وثمان مائة فتلاشت كما تلاشى غيرها، وولي تدريسها صبيّ لا يشارك الأناسي إلاّ بالصّورة، ولا يمتاز عن البهيمة إلاّ بالنطق، واستمرّ فيها دهرا لا يدرّس بها، حتى نسيت أو كادت تنسى دروسها، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.
الملك الكامل
ناصر الدّين أبو المعالي محمد ابن الملك العادل سيف الدّين أبي بكر محمد ابن نجم الدّين أيّوب بن شاذي بن مروان الكردي الأيّوبي، خامس ملوك بني أيّوب الأكراد بديار مصر، ولد في خامس عشرين ربيع الأوّل سنة ستّ وسبعين وخمس مائة، وخلف أباه الملك العادل على بلاد الشّرق.
стр. 2888
مخطّط دار الحديث الكاملية (عن (Creswell فلمّا استولى على مملكة مصر، قدم الملك الكامل إلى القاهرة في سنة ستّ وتسعين وخمس مائة، ونصّبه أبوه نائبا عنه بديار مصر وأقطعه الشّرقيّة، وجعله وليّ عهده، وحلّف له الأمراء وأسكنه قلعة الجبل، وسكن العادل في دار الوزارة بالقاهرة، وصار يتحكّم بديار مصر مدّة غيبة الملك العادل ببلاد الشّام وغيرها بمفرده. (١)
стр. 2889
فلمّا مات الملك العادل ببلاد الشّام، استقلّ الملك الكامل بمملكة مصر في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستّ مائة، وهو على محاربة الفرنج بالمنزلة العادلية قريبا من دمياط، وقد ملكوا البرّ الغربي، فثبت لقتالهم مع ما حدث من الوهن بموت السّلطان.
وثارت العربان بنواحي أرض مصر، وكثر خلافهم، واشتدّ ضررهم. وقام الأمير عماد الدّين أحمد ابن الأمير سيف الدّين أبي الحسين عليّ بن أحمد الهكّاري المعروف بابن المشطوب - وكان أجلّ الأمراء الأكابر، وله لفيف من الأكراد الهكّاريّة - يريد خلع الملك الكامل وتمليك أخيه الملك الفائز إبراهيم بن العادل، ووافقه على ذلك كثير من الأمراء. فلم يجد الكامل بدّا من الرّحيل في الليل جربدة، وسار من العادليّة إلى أشموم طناح فنزل بها، وأصبح العسكر بغير سلطان. فركب كلّ واحد هواه، ولم يعرّج واحد منهم على آخر، وتركوا أثقالهم وسائر ما معهم. فاغتنم الفرنج الفرصة وعبروا إلى برّ دمياط، واستولوا على جميع ما تركه المسلمون، وكان شيئا عظيما.
وهمّ الملك الكامل بمفارقة أرض مصر، ثم إنّ اللّه تعالى ثبّته، ولحقت (¬a) به العساكر، وبعد يومين قدم عليه أخوه الملك المعظّم عيسى صاحب دمشق بأشموم فاشتدّ عضده بأخيه، وأخرج ابن المشطوب من العسكر إلى الشّام، ثم أخرج الفائز إبراهيم [بن الملك العادل] (¬b) إلى الملوك الأيّوبية بالشّام والشّرق يستنفرهم/ لجهاد الفرنج.
وكتب الملك الكامل إلى أخيه الملك الأشرف موسى (¬c) يستحثّه على الحضور، وصدّر المكاتبة بهذه الأبيات:
[الكامل]
يا مسعدي إن كنت حقّا مسعفي … فانهض بغير تلبّث وتوقّف
واحثث قلوصك مرقلا أو موجفا … بتجشّم في سيرها وتعسّف
واطو المنازل ما استطعت ولا تنخ … إلاّ على باب المليك الأشرف
واقر السّلام عليه من عبد له … متوقّع لقدومه متشوّف
وإذا وصلت إلى حماه فقل له … عنّي بحسن توصّل وتلطف
إن تأت عبدك عن قليل تلقه … ما بين كلّ مهنّد ومثقّف
أو تبط عن إنجاده فلقاؤه … بك في القيامة في عراض الموقف
стр. 2890
وجدّ الكامل في قتال الفرنج، وأمر بالنفير في ديار مصر، وأتته الملوك من الأطراف. فقدّر اللّه أخذ الفرنج لدمياط بعد ما حاصروها ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما، ووضعوا السّيف في أهلها. فرحل الكامل من أشموم ونزل بالمنصورة، وبعث يستنفر الناس، وقوي الفرنج حتى بلغت عدّتهم نحو المائتي ألف راجل وعشرة آلاف فارس.
وقدم عامّة أهل أرض مصر، وأتت النجدات من البلاد الشّامية وغيرها، فصار المسلمون في جمع عظيم إلى الغاية، بلغت عدّة فرسانهم خاصّة نحو الأربعين ألفا. وكانت بين الفريقين خطوب آلت إلى وقوع الصّلح، وتسلّم المسلمون مدينة دمياط في تاسع عشر رجب سنة ثمان عشرة وستّ مائة، بعد ما أقامت بيد الفرنج سنة وأحد عشر شهرا تنقص ستة أيّام، وسار الفرنج إلى بلادهم.
وعاد السّلطان إلى قلعة الجبل، وأخرج كثيرا من الأمراء الذين وافقوا ابن المشطوب من القاهرة إلى الشّام وفرّق أخبازهم على مماليكه ثم تخوّف من أمرائه في سنة إحدى وعشرين بميلهم إلى أخيه الملك المعظّم فقبض على جماعة منهم، وكاتب أخاه الملك الأشرف في موافقته على المعظّم. فقويت الوحشة بين الكامل والمعظّم، واشتدّ خوف الكامل من عسكره، وهمّ أن يخرج من القاهرة لقتال المعظّم، فلم يجسر على ذلك.
وقدم الأشرف إلى القاهرة، فسرّ به سرورا كثيرا وتحالفا على المعاضدة، وسافر من القاهرة فمال مع المعظّم فتحيّر الكامل من أمره، وبعث إلى ملك الفرنج يستدعيه إلى عكّا ووعده بأن يمكّنه من بلاد السّاحل، وقصد بذلك إشعال (¬a) سرّ أخيه المعظّم. فلمّا بلغ ذلك المعظّم خطب للسّلطان جلال الدّين الخوارزمي، وبعث يستنجده على الكامل، وأبطل الخطبة للكامل. فخرج الكامل من القاهرة يريد محاربته في رمضان سنة أربع وعشرين وسار إلى العبّاسة، ثم عاد إلى قلعة الجبل وقبض على عدّة من الأمراء ومماليك أبيه لمكاتبتهم المعظّم، وأنفق في العسكر. فاتّفق موت الملك المعظّم في سلخ ذي القعدة وقيام ابنه الملك الناصر داود بسلطنة دمشق، وطلبه من الكامل الموادعة، فبعث إليه خلعة سنيّة وسنجقا سلطانيّا، وطلب منه أن ينزل له عن قلعة الشّوبك، فامتنع الناصر من ذلك، فوقعت المنافرة بينهما.
وعهد الملك الكامل إلى ابنه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، وأركبه بشعار السّلطنة، وأنزله بدار الوزارة، وخرج من القاهرة في العساكر يريد دمشق، فأخذ نابلس والقدس. فخرج الناصر
стр. 2891
داود من دمشق ومعه عمّه الأشرف، وسارا إلى الملك (¬a) الكامل يطلبا منه الصّلح. فلمّا بلغ ذلك الكامل رحل من نابلس يريد القاهرة، فقدمها الناصر والأشرف، وأقام بها الناصر، وسار الأشرف والمجاهد إلى الكامل، فأدركاه بتلّ العجول (¬b)، فأكرمهما وقرّر مع الأشرف انتزاع دمشق من الناصر وإعطاءها للأشرف، على أن يكون للكامل ما بين عقبة فيق إلى القاهرة، وللأشرف من دمشق إلى عقبة فيق (¬c)، وأن يغير (¬d) بجماعة من ملوك بني أيّوب.
فاتّفق قدوم الإنبرطور (¬e) ملك الفرنج (¬e) إلى عكّا باستدعاء الملك الكامل له، فتحيّر الكامل في أمره لعجزه عن محاربته وأخذ يلاطفه. وشرع الفرنج في عمارة صيدا - وكانت مناصفة بين المسلمين والفرنج وسورها خراب - فلمّا بلغ الناصر موافقة الأشرف للكامل، عاد من نابلس إلى دمشق واستعدّ للحرب. فسار إليه الأشرف من تلّ العجول (¬b)، وحاصره بدمشق.
وأقام الكامل بتلّ العجول (¬b) وقد تورّط مع الفرنج، فلم يجد بدّا من إعطائهم القدس، على ألاّ يجدّد سوره، وأن تبقى الصّخرة والأقصى مع المسلمين، ويكون حكم قرى القدس إلى المسلمين، وأنّ القرى التي فيما بين عكّا ويافا وبين لدّ والقدس للفرنج. وانعقدت الهدنة على ذلك لمدّة عشر سنين وخمسة أشهر وأربعين يوما، أوّلها ثامن عشر (¬a) ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين.
ونودي/ في القدس بخروج المسلمين منه وتسليمه إلى الفرنج. فكان أمرا مهولا من شدّة البكاء والصّراخ، وخرجوا بأجمعهم فصاروا إلى مخيّم الكامل وأذّنوا على بابه في غير وقت الأذان؛ فشقّ عليه ذلك وأخذ منهم السّتور والقناديل (¬f) الفضّة والآلات وزجرهم، وقيل لهم امضوا إلى (¬a) حيث شئتم. فعظم هذا على المسلمين، وكثر الإنكار على الملك الكامل، وشنعت القالة (¬g) فيه.
وعاد الإنبرطور إلى بلاده بعد ما دخل إلى القدس، وكان مسيره في آخر جمادى الآخرة سنة ستّ وعشرين. وسيّر الكامل إلي الآفاق بتسكين قلوب المسلمين وانزعاجهم لأخذ الفرنج القدس، ورحل من تلّ العجول (¬b) يريد دمشق، والأشرف على محاصرتها، فجدّ في القتال.
واشتدّ الأمر على الناصر إلى أن ترامى في الليل على الملك الكامل، فأكرمه وأعاده إلى قلعة دمشق، وبعث من تسلّمها منه، وعوّضه عن دمشق الكرك والشّوبك والصّلت والبلقاء والأغوار ونابلس وأعمال القدس، ثم ترك الشّوبك للكامل مع عدّة ممّا ذكر.
стр. 2892
وتسلّم الكامل دمشق في أوّل شعبان وأعطاها للأشرف، وأخذ منه ما معه من بلاد الشّرق وهي: حرّان والرّها وسرّوج وغير ذلك. ثم سار الكامل فأخذ حماه، وتوجّه منها فقطع الفرات، ومضى (¬a) إلى جعبر والرّقّة، ودخل حرّان والرّها ورتّب أمورها، وأتته الرّسل من ماردين وآمد والموصل وأربل وغير ذلك، وأقيمت له الخطبة بماردين، وبعث يستدعي عساكر الشّام لقتال الخوارزمي وهو بخلاط.
ثم رحل الكامل من حرّان لأمور حدثت وسار إلى مصر، فدخلها في شهر رجب سنة سبع وعشرين وقد تغيّر على ولده الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، وخلعه من ولاية العهد وعهد إلى ابنه الملك العادل أبي بكر، ثم سار إلى الإسكندرية في سنة ثمان وعشرين، ثم عاد إلى مصر وحفر بحر النيل فيما بين المقياس وبرّ مصر، وعمل فيه بنفسه واستعمل فيه الملوك من أهله والأمراء والجند. فصار الماء دائما فيما بين مصر والمقياس، وانكشف البرّ فيما بين المقياس والجيزة في أيّام احتراق النيل.
وخرج من القاهرة إلى بلاد الشّام، في جمادى الآخرة (¬b) سنة تسع وعشرين، واستخلف على ديار مصر ابنه العادل وأسكنه قلعة الجبل، وأخذ الصّالح معه. فدخل دمشق من طريق الكرك، وخرج منها لقتال التّتر، وجعل ابنه الصّالح على مقدّمته، فسار إلى حرّان، فرحل التّتر عن خلاط. ثم خرج (¬c) إلى الرّها، وسار إلى آمد ونازلها حتى أخذها، وأنعم على ابنه الصّالح بحصن كيفا وبعثه إليه، وعاد إلى مصر في سنة ثلاثين فقبض على عدّة من الأمراء.
ثم خرج في سنة إحدى وثلاثين إلى دمشق، وسار منها ودخل الدّربند، وقد أعجبته كثرة عساكره فإنّه اجتمع معه ثمانية عشر طلبا لثمانية عشر ملكا، وقال: هذه العساكر لم تجتمع لأحد من ملوك الإسلام، ونزل على النهر الأزرق بأوّل بلد الرّوم، وقد نزلت عساكر الرّوم، وأخذت عليه رأس الدّربند ومنعوه، فتحيّر لقلّة الأقوات عنده، ولاختلاف ملوك بني أيّوب عليه، ورحل إلى مصر وقد فسد ما بينه وبين الأشرف وغيره.
وأخذ ملك الرّوم الرّها وحرّان بالسّيف. فتجهّز الملك (¬d) الكامل وخرج من القاهرة بعساكره في سنة ثلاث وثلاثين، وسار إلى الرّها ونازلها حتى أخذها وهدم قلعتها، وأخذ حرّان بعد قتال شديد، وبعث بمن كان فيها من الرّوم إلى القاهرة في القيود - وكانوا زيادة على ثلاثة آلاف نفس
стр. 2893
- ثم خرّب دنيسر (¬a) وعاد إلى دمشق، وسار منها إلى القاهرة، فدخلها في سنة أربع وثلاثين.
ثم خرج في سنة خمس وثلاثين، ونزل على دمشق وقد امتنعت عليه، فضايقها حتى أخذها من أخيه الملك الصّالح إسماعيل، وعوّضه عنها بعلبك وبصرى وغيرها في تاسع عشر جمادى الأولى، ونزل بالقلعة، وشرع (¬b) يتجهّز لأخذ حلب. وقد حدث (¬c) به زكام، فدخل في ابتدائه الحمّام، فاندفعت الموادّ إلى معدته فتورّم، وثارت به حمّى، فنهاه الأطبّاء عن القيء، وحذّروه منه، فلم يصبر وتقيّأ، فمات لوقته في آخر نهار الأربعاء حادي عشرين رجب سنة خمس وثلاثين وستّ مائة عن ستين سنة. منها ملكه أرض مصر نحو أربعين سنة، استبدّ فيها بعد موت أبيه مدّة عشرين سنة وخمسة وأربعين يوما.
وكان يحبّ العلم وأهله، ويؤثر مجالستهم، وشغف بسماع الحديث النبوي وحدّث، وبنى دار الحديث الكامليّة بالقاهرة. وكان يناظر العلماء ويمتحنهم بمسائل غريبة من فقه ونحو، فمن أجاب عنها حظي عنده. وكان يبيت عنده بقلعة الجبل عدّة من أهل العلم، على أسرّة بجانب سريره ليسامروه. وكان للأدب والعلم (¬d) عنده نفاق، فقصده الناس لذلك، وصار يطلق الأرزاق الدّارّة لمن يقصده لهذا.
وكان مهابا حازما، سديد الرأي، حسن التّدبير، عفيفا عن الدّماء. وكان يباشر أمور مملكته بنفسه من غير اعتماد على وزير ولا غيره، ولم يستوزر بعد الصّاحب صفيّ الدّين عبد اللّه ابن عليّ بن شكر أحدا، وإنّما كان ينتدب من يختاره لتدبير الأشغال، ويحضر عنده الدّواوين، ويحاسبهم بنفسه.
وإذا ابتدأت زيادة النيل خرج، وكشف الجسور، ورتّب الأمراء لعملها. فإذا انتهى عمل الجسور خرج ثانيا/ وتفقّدها (¬e)، فإن وقف فيها على خلل عاقب متولّيها أشد العقوبة. فعمرت أرض مصر في أيّامه عمارة جيّدة.
وكان يخرج من زكوات الأموال التي تجبى من الناس سهمي الفقراء والمساكين، ويعيّن مصرف ذلك لمستحقّيه شرعا، ويقرّر (¬f) منه معاليم الفقهاء والصّلحاء. وكان يجلس كلّ ليلة جمعة مجلسا لأهل العلم، فيجتمعون عنده للمناظرة. وكان كثير السّياسة حسن المداراة،
стр. 2894
وأقام على كلّ طريق خفراء لحفظ المسافرين؛ إلاّ أنّه كان مغرما بجمع المال، مجتهدا في تحصيله، وأحدث في البلاد حوادث سمّاها «الحقوق» لم تعرف قبله.
ومن شعره قوله:
[البسيط]
إذا تحقّقتم ما عند صاحبكم … من الغرام فذاك القدر يكفيه
أنتم سكنتم فؤادي وهو منزلكم … وصاحب البيت أدرى بالذي فيه
وقال له الطبيب علم الدّين أبو النصر جرجس بن أبي حليقة (١)، في اليوم الذي مات فيه: كيف نوم السّلطان في ليلته؟ فأنشد:
[الخفيف]
يا خليليّ خبّراني بصدق … كيف طعم الكرى فإنّي نسيت (¬a) فمات من يومه (¬a) ودفن أوّلا بقلعة دمشق، ثم نقل إلى جوار جامع بني أميّة وقبره هناك.
المدرسة الصّيرميّة
هذه المدرسة من داخل باب الجملون الصّغير بالقرب من رأس سويقة أمير الجيوش، فيما بينها وبين الجامع الحاكمي بجوار الزّيادة. بناها الأمير جمال الدّين سونج (¬b) ابن صيرم، أحد أمراء السّلطان الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيّوب (٢)، وتوفي في تاسع عشر صفر سنة ستّ وثلاثين وستّ مائة.
стр. 2895
المدرسة المسروريّة
هذه المدرسة بالقاهرة داخل درب شمس الدّولة (١)، كانت دار (¬a) الطواشي الأمير (¬a) شمس الخواصّ مسرور أحد خدّام القصر (٢)، فجعلت مدرسة بعد وفاته بوصيّته، وأن يوقف الفندق الصّغير عليها. وكان بناؤها من ثمن ضيعة بالشّام كانت بيده أبيعت بعد موته، وتولّى ذلك القاضي كمال الدّين خضر ودرّس بها (¬b) (٣).
وكان مسرور ممّن اختصّ بالسّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، فقدّمه على حلقته، ولم يزل مقدّما إلى الأيّام الكامليّة، فانقطع إلى اللّه تعالى، ولزم داره إلى أن مات ودفن بالقرافة إلى جانب مسجده وصهريجه (¬c)، وكان له برّ وإحسان ومعروف. ومن آثاره بالقاهرة فندق يعرف اليوم بخان مسرور (¬d) وفندق آخر يعرف بخان مسرور الصّغير (¬d)، وله ربع بالشّارع (¬e) الأعظم موقوف على ذلك وغيره بخط السّقطيين، رحمه اللّه تعالى (¬e) (٤).
المدرسة القوصيّة
هذه المدرسة بالقاهرة في درب سيف الدّولة بالقرب من درب ملوخيا (٥)، (¬e) ليس لها وقف بالدّيار المصرية (¬e). أنشأها الأمير (¬f) الكردي والي قوص (٦)، (¬e) وقيل إنّ لها وقفا بالشّام، هكذا ذكرها القاضي ولم يذكر اسم واقفها (¬e).
стр. 2896
المدرسة الحنفيّة (¬a) بحارة الدّيلم (١) (¬b) لها وقف يسير، كذا قال القاضي محيي الدّين ولم يزد على هذا التّعريف شيئا (¬b).
المدرسة الظّاهريّة العتيقة (¬a) [أثر رقم ٣٧]
هذه المدرسة بالقاهرة من جملة خطّ بين القصرين، كان موضعها من القصر الكبير يعرف بقاعة الخيم، وقد تقدّم ذكرها في أخبار القصر (٢). وممّا دخل في هذه المدرسة باب الذّهب المذكور في أبواب القصر (٣).
فلمّا أوقع الملك الظّاهر بيبرس البندقداري الحوطة على القصور والمناظر - كما تقدّم ذكره ١١ - نزل القاضي كمال الدّين طاهر ابن الفقيه نصر وكيل بيت المال، وقوّم قاعة الخيم هذه، وابتاعها الشيخ شمس الدّين محمد بن العماد إبراهيم المقدسي شيخ الحنابلة ومدرّس المدرسة الصّالحيّة النجمية، (¬b) وقد وقفت أنا على كتاب التّقويم والمبايعة (¬b)؛ ثم باعها المذكور للسّلطان، فأمر بهدمها وبناء موضعها مدرسة (٤).
فابتدئ بعمارتها في ثاني ربيع الآخر سنة ستين وستّ مائة، وفرغ منها في سنة اثنتين وستين وستّ مائة (٥). ولم يقع الشّروع في بنائها حتى رتّب السّلطان وقفها - وكان بالشّام - فكتب بما
стр. 2897
رتّبه إلى الأمير جمال الدّين بن يغمور،/ وأن لا يستعمل فيها أحدا بغير أجرة، ولا ينقص من ٣٧٩: ٢ أجرته شيئا (١).
مخطّط المدرسة الظّاهرية العتيقة (عن (Meinecke
فلمّا كان يوم الأحد خامس صفر سنة اثنتين وستين وستّ مائة، اجتمع أهل العلم بها - وقد فرغ منها - وحضر القرّاء وجلس أهل الدّروس كلّ طائفة في إيوان: الشّافعيّة بالإيوان القبلي ومدرّسهم الشّيخ تقيّ الدّين محمد بن الحسن بن رزين الحموي، والحنفيّة بالإيوان البحري ومدرّسهم الصّدر مجد الدّين عبد الرّحمن بن الصّاحب كمال الدّين عمر بن العديم الحلبي، وأهل الحديث بالإيوان الشّرقي ومدرّسهم الشّيخ شرف الدّين عبد المؤمن ابن
стр. 2898
خلف (¬a) بن أبي الحسن بن خضر بن موسى (¬a) الدّمياطي، والقرّاء بالقراءات السّبع في الإيوان الغربي وشيخهم الفقيه كمال الدّين المحليّ وقرّروا كلّهم الدّروس وتناظروا في علومهم، ثم مدّت الأسمطة لهم فأكلوا (١)، وقام الأديب أبو الحسين الجزّار (٢) فأنشد (٣):
[الطويل]
ألا هكذا يبنى المدارس من بنى … ومن يتغالى في الثّواب وفي الثّنا
لقد ظهرت للظّاهر الملك همّة … بها اليوم في الدّارين قد بلغ المنا
تجمّع فيها كلّ حسن مفرّق … فراقت قلوبا للأنام وأعينا
ومذ جاورت قبر الشّهيد فنفسه الن … فيسة منها في سرور وفي هنا
وما هي إلاّ جنّة الخلد أزلفت … له في غد فاختار تعجيلها هنا
وقال السّراج الورّاق (٤) أيضا قصيدة منها (٥):
[الطويل]
مليك له في العلم حبّ وأهله … فللّه حبّ ليس فيه ملام
فشيّدها للعلم مدرسة غدا … عراق إليها شيّق وشآم
ولا تذكرنّ يوما نظاميّة لها … فليس يضاهي ذا النظام نظام
ولا تذكرنّ ملكا فبيبرس مالك … وكلّ مليك في يديه غلام
ولمّا بناها زعزعت كلّ بيعة … متى لاح صبح فاستقرّ ظلام
وقد برزت كالرّوض في الحسن أنبأت … بأن يديه في النوال غمام
ألم تر محرابا كأنّ أزاهرا … تفتّح عنهن الغداة كمام
وقال الشيخ جمال الدّين يوسف بن الخشّاب (٦):
стр. 2899
المدرسة الظّاهرية وسبيل خسرو باشا ومئذنة المدرسة الصّالحية كما تبدو في رسم ل David Robert
نفس الموقع في صورة فوتوغرافية حديثة
стр. 2900
[الكامل]
قصد الملوك حماك والخلفاء … فافخر فإنّ محلّك الجوزاء
أنت الذي أمراؤه بين الورى … مثل الملوك وجنده أمراء
ملك تزيّنت الممالك باسمه … وتجمّلت بمديحه الفصحاء
وترفّعت لعلاه خير مدارس … حلّت بها العلماء والفضلاء
تبقى كما يبقى الزّمان وملكه … باق له ولحاسديه فناء
كم للفرنج وللتّتار بباب … رسل مناها العفو والإعفاء
وطريقه لبلادهم موطوءة … وطريقهم لبلاده عذراء
دامت له الدّنيا ودام مخلّدا … ما أقبل الإصباح والإمساء
فلمّا فرغ هؤلاء الثلاثة من إنشادهم، أفيضت عليهم الخلع، وكان يوما مشهودا (١).
وجعل بها خزانة كتب تشتمل على أمّهات الكتب في سائر العلوم، وبنى بجانبها مكتبا لتعليم أيتام المسلمين كتاب اللّه العزيز (¬a) وأجرى لهم الجرايات والكسوة، وأوقف عليها ربع السّلطان خارج باب زويلة، فيما بين باب زويلة وباب الفرج، ويعرف ذلك الخطّ اليوم به، فيقال «خطّ تحت الرّبع». وكان ربعا كبيرا لكنّه خرب منه عدّة دور فلم تعمّر (٢). وتحت هذا الرّبع عدّة حوانيت هي اليوم (¬b) من أجلّ الأسواق، وللناس في سكناها رغبة عظيمة، ويتنافسون فيها تنافسا
стр. 2901
أطلال المدرسة الظّاهرية العتيقة
الباب البرونزي المكفّت للمدرسة الموجود الآن فى مدخل السّفارة الفرنسية بالجيزة
стр. 2902
يرتفعون فيه إلى الحكّام (١).
وهذه المدرسة من أجلّ مدارس القاهرة، إلاّ أنّها قد تقادم عهدها فرثت، وبها إلى الآن بقية صالحة، ونظرها تارة يكون بيد الحنفيّة، وأحيانا بيد الشّافعيّة، وينازع في نظرها أولاد الظّاهر فيدفعون عنه، وللّه عاقبة الأمور (٢).
стр. 2903
المدرسة المنصوريّة [أثر رقم ٤٣]
هذه المدرسة من داخل باب المارستان الكبير المنصوري بخطّ بين القصرين بالقاهرة (١). أنشأها هي والقبّة/ التي تجاهها والمارستان الملك المنصور سيف الدّين قلاوون الصّالحي التّركي. (¬a) وكان قد أخذ الدّار القطبيّة وجعلها هذا المارستان الموجود الآن، ثم بنى المدرسة والقبّة في وجه المارستان المذكور (¬a)، ورتّب بالمدرسة (¬b) دروسا أربعة لطوائف الفقهاء الأربعة (¬a) وتصدير قراءات (¬a)، ورتّب بالقبّة درسا للحديث النبوي ودرسا لتفسير القرآن العظيم وميعادا، (¬a) وجعل بالبيمارستان درس الطب (¬a)، وكانت هذه التّداريس لا يليها إلاّ أجلّ الفقهاء المعتبرين، ثم هي اليوم كما قيل:
[الطويل]
تصدّر للتّدريس كلّ مهوّس … بليد يسمّى بالفقيه المدرّس
فحقّ لأهل العلم أن يتمثّلوا … ببيت قديم شاع في كلّ مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها … كلاها وحتى سامها كلّ مفلس (¬a) وكان الشّادّ على عمارة ذلك الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي المنصوري الوزير مدبّر الممالك الإسلامية، وظهر من اهتمامه بذلك ما لم يسمع بمثله (٢). وكان الابتداء في العمارة في (¬a) (¬c).
стр. 2904
مخطّط المدرسة المنصورية (عن (Creswell
стр. 2905
القبّة المنصوريّة
هذه القبّة تجاه المدرسة المنصورية، وهما جميعا من داخل باب المارستان المنصوري، وهي من أعظم المباني الملوكية وأجلّها قدرا وبها قبر تضمّن الملك المنصور سيف الدّين قلاوون، وابنه الملك الناصر محمد بن قلاوون، والملك الصّالح عماد الدّين إسماعيل بن محمد بن قلاوون (١).
وبها قاعة جليلة في وسطها فسقيّة يصل إليها الماء من فوّارة بديعة الزّيّ، وسائر هذه القاعة مفروش بالرّخام الملوّن. وهذه القاعة معدّة لإقامة الخدّام الملوكية، الذين يعرفون اليوم في الدّولة التركية ب «الطواشيّة» واحدهم طواشي، وهذه لفظة تركية أصلها بلغتهم «طابوشي»، فتلاعبت بها العامّة وقالت: طواشي وهو الخصيّ (٢).
ولهؤلاء الخدّام في كلّ يوم ما يكفيهم من الخبز النقي واللحم المطبوخ، وفي كلّ شهر من المعاليم الوافرة ما فيه غنية لهم. وأدركتهم ولهم حرمة وافرة، وكلمة نافذة، وجانب مرعي، ويعد شيخهم من أعيان الناس يجلس على مرتبة، وبقية الخدّام في مجالسهم لا يبرحون في عبادة. وكان يستقرّ في وظائف هذه الخدمة أكابر خدّام السّلطان، ويقيمون عنهم نوّابا يواظبون الإقامة بالقبّة، ويرون - مع سعة أحوالهم، وكثرة أموالهم - من تمام فخرهم وكمال سيادتهم، انتماءهم إلى خدمة القبّة المنصوريّة، ثم تلاشى الحال بالنسبة إلى ما كان، والخدّام بهذه القاعة إلى اليوم (٣).
стр. 2906
مخطّط القبّة المنصورية (عن (Creswell وقصد الملوك بإقامة الخدّام في هذه القاعة، التي يتوصّل إلى القبّة منها، إقامة ناموس الملك بعد الموت كما كان في مدّة الحياة، وهم إلى اليوم لا يمكّنون أحدا من الدّخول إلى القبّة إلاّ من كان من أهلها.
وللّه درّ يحيى بن حكم البكري الجياني المغربي - الملقّب بالغزال لجماله - حيث يقول:
[الوافر]
أرى أهل الثّراء إذا توفّوا … بنوا تلك المقابر بالصّخور
أبوا إلاّ مباهاة وتيها … على الفقراء حتى في القبور
وفي هذه القبّة دروس للفقهاء على المذاهب الأربعة، وتعرف بدروس وقف الصّالح. وذلك أنّ الملك الصّالح عماد الدّين إسماعيل بن محمد بن قلاوون قصد عمارة مدرسة، فاخترمته المنيّة دون بلوغ غرضه. فقام الأمير أرغون العلائي، زوج أمّه، في وقف قرية تعرف بدهمشا الحمّام من الأعمال الشّرقيّة، عن أمّ الملك الصّالح. فأثبته بطريق الوكالة عنها، ورتّب ما كان الملك الصّالح
стр. 2907
إسماعيل قرّره في حياته لو أنشأ مدرسة، وجعل ذلك الأمير أرغون مرتّبا لمن يقوم به في القبّة المنصورية. وهو وقف جليل يتحصّل منه في كلّ سنة نحو الأربعة آلاف دينار ذهبا.
ثم لمّا كانت الحوادث وخربت الناحية المذكورة، تلاشى أمر وقف الصّالح وفيه إلى اليوم بقيّة.
وكان لا يلي تدريس دروسه إلاّ قضاة القضاة، فوليه الآن الصّبيان ومن لا يؤهّل - لو كانت الإنصاف - له.
وفي هذه القبّة أيضا قرّاء يتناوبون القراءة بالشّبابيك المطلّة على الشّارع طول الليل والنهار، وهم من جهة ثلاثة أوقاف: فطائفة من جهة وقف الملك الصّالح إسماعيل، وطائفة من جهة الوقف السّيفي وهو منسوب إلى الملك المنصور سيف الدّين أبي بكر ابن الملك الناصر محمد ابن قلاوون (١).
وبهذه القبّة إمام راتب يصلّي بالخدّام والقرّاء وغيرهم الصّلوات الخمس، ويفتح له باب فيما بين القبّة والمحراب يدخل منه من يصلّي من الناس، ثم يغلق بعد انقضاء الصّلاة.
وبهذه القبّة خزانة جليلة، كان فيها عدّة أحمال من الكتب في أنواع العلوم ممّا وقفه الملك المنصور وغيره، وقد ذهب معظم هذه الكتب، وتفرّق في أيدي الناس (٢).
وفي هذه القبّة خزانة بها ثياب الملوك (¬a) المقبورين بها، ولهم فرّاش معلوم بمعلوم لتعهّدهم، ويوضع ما يتحصّل من مال أوقاف المارستان بهذه القبّة تحت أيدي الخدّام.
وكانت العادة أنّه إذا أمّر السّلطان أحدا من أمراء مصر والشّام، فإنّه ينزل من قلعة الجبل وعليه التّشريف والشّربوش، وتوقد له القاهرة، فيمرّ إلى المدرسة الصّالحيّة بين القصرين، وعمل ذلك
стр. 2908
من عهد سلطنة المعزّ أبيك ومن بعده. فنقل ذلك (¬f) في دولة بني قلاوون (¬f) إلى القبّة المنصورية، وصار الأمير يحلف عند القبر المذكور ويحضر تحليفه/ حاجب (¬a) الحجّاب، وتمدّ أسمطة جليلة بهذه القبّة، ثم ينصرف الأمير، ويجلس له في طول شارع القاهرة إلى القلعة المغاني (¬b) لتزفّه في نزوله وصعوده. وكان هذا من جملة متنزّهات القاهرة، وقد بطل ذلك منذ انقرضت دولة بني قلاوون.
ومن جملة أخبار هذه القبّة أنّه لمّا كان في يوم الخميس مستهلّ المحرّم سنة تسعين وستّ مائة، بعث الملك الأشرف صلاح الدّين خليل بن قلاوون بجملة مال تصدّق به في هذه القبّة، ثم أمر بنقل أبيه من القلعة. فخرج سائر الأمراء ونائب السّلطنة الأمير بيدرا بدر الدّين، والوزير الصّاحب شمس الدّين محمد بن السّلعوس التّنوخي وحضروا بعد صلاة العشاء الآخرة، ومشوا بأجمعهم قدّام تابوت الملك المنصور إلى الجامع الأزهر، فوجدوا (¬c) القضاة ومشايخ الصّوفية (¬d) والقرّاء قد اجتمعوا لذلك (¬d). فتقدّم قاضي القضاة تقيّ الدّين بن دقيق العيد وصلّى على الجنازة، وخرج الجميع أمامها إلى القبّة المنصوريّة حتى دفن فيها، وذلك في ليلة الجمعة ثاني المحرّم، وقيل عاشره.
ثم عاد الوزير والنائب من الدّهليز خارج القاهرة إلى القبّة المنصوريّة لعمل مجتمع بسبب قراءة ختمة شريفة (¬e) (¬d) عند قبر الملك المنصور (¬d) في ليلة الجمعة ثامن عشرين صفر منها، وحضر المشايخ والقرّاء والقضاة في جمع موفور، وفرّق في الفقراء صدقات جزيلة، ومدّت أسمطة كثيرة، وتفرّقت الناس أطعمتها حتى امتلأت الأيدي بها، وكانت إحدى الليالي الغرّ كثر الدّعاء فيها للسّلطان وعساكر الإسلام بالنصر على أعداء الملّة، وحضر الملك الأشرف بكرة يوم الجمعة إلى القبّة المنصوريّة، وفرّق مالا كثيرا (١).
وكان الملك الأشرف قد برز يريد المسير لجهاد الفرنج وأخذ مدينة عكّا، فسار لذلك وعاد في
стр. 2909
العشرين من شعبان - وقد فتح اللّه له مدينة عكّا عنوة بالسّيف، وخرّب أسوارها - وكان عبوره إلى القاهرة من باب النصر وقد زيّنت القاهرة زينة عظيمة (١). فعندما حاذي باب المارستان نزل إلى القبّة المنصوريّة - وقد غصّت بالقضاة والأعيان والقرّاء والمشايخ والفقهاء - فتلقّوه كلّهم بالدّعاء حتى جلس فأخذ القرّاء في القراءة، وقام نجم الدّين محمد بن فتح الدّين محمد بن عبد اللّه ابن مهلهل بن غيّاث بن نصر - المعروف بابن العنبري الواعظ (٢) - وصعد منبرا نصب له فجلس عليه، وافتتح ينشد قصيدة تشتمل على ذكر الجهاد وما فيه من الأجر، فلم يسعد فيها بحظّ، وذلك أنّه افتتحها بقوله:
[الكامل]
زر والديك وقف على قبريهما … فكأنّي بك قد نقلت إليهما (¬a) وكان السّلطان عنده ذكاء وفهم لمعاني الشّعر (¬a)، فعندما سمع الأشرف هذا البيت تطيّر منه، ونهض قائما وهو يسبّ الأمير بيدرا نائب السّلطنة لشدّة حنقه، وقال له (¬b): ما وجد هذا شيئا يقوله سوى هذا البيت! فأخذ بيدرا في تسكين حنقه والاعتذار له عن ابن العنبري بأنّه قد انفرد في هذا الوقت بحسن الوعظ، ولا نظير له فيه، إلاّ أنّه لم يرزق سعادة في هذا الوقت (١). فلم يصغ السّلطان إلى قوله وسار، فانفضّ المجلس على غير شيء، وصعد السّلطان إلى قلعة الجبل.
ثم بعد أيّام سأل السّلطان عن وقف المارستان، وأحبّ أن يجدّد له وقفا من بلاد عكّا التي افتتحها بسيفه، فاستدعى السّلطان (¬b) القضاة، وشاورهم فيما همّ به من ذلك. فرغّبوه فيه، وحثّوه على المبادرة إليه. فعيّن أربع ضياع من ضياع عكّا وصور ليقفها على مصالح المدرسة والقبّة المنصوريّة، وما تحتاج إليه من ثمن زيت وشمع ومصابيح وبسط وكلفة السّاقية، وعلى خمسين مقرئا يرتّبون لقراءة القرآن الكريم بالقبّة، وإمام راتب يصلّي بالناس الصّلوات الخمس في محراب القبّة، وستّة خدّام يقيمون بالقبّة، وهي: الكابرة، وتلّ الشّيوخ، وكردانة وضواحيها من عكّا، ومن ساحل صور معركة وصدفين - وكتب بذلك كتاب وقف، وجعل النظر في ذلك لوزيره الصّاحب شمس الدّين محمد بن السّلعوس.
стр. 2910
فلمّا تمّ ذلك، تقدّم بعمل مجتمع بالقبّة لقراءة ختمة شريفة، وذلك ليلة الاثنين رابع ذي القعدة سنة تسعين وستّ مائة. فاجتمع القرّاء والوعّاظ والمشايخ والفقراء والقضاة لذلك، وخلع على عامّة أرباب الوظائف والوعّاظ، وفرّقت في الناس صدقات جمّة. وعمل مهمّ عظيم احتفل فيه الوزير احتفالا زائدا، وبات الأمير بدر الدّين بيدرا نائب السّلطنة والأمير الوزير شمس الدّين محمد بن السّلعوس بالقبّة. وحضر السّلطان ومعه الخليفة الحاكم بأمر اللّه أحمد وعليه سواده، فخطب الخليفة خطبة بليغة حرّض فيها على أخذ العراق من التّتار. فلمّا فرغ من المهمّ، أفاض السّلطان على الوزير تشريفا سنيّا.
وفي يوم الخميس حادي عشر ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وستّ مائة، اجتمع القرّاء والوعّاظ والفقهاء والأعيان بالقبّة المنصوريّة لقراءة ختمة شريفة، ونزل السّلطان الملك الأشرف وتصدّق بمال كثير (١).
وآخر من نزل إلى القبّة المنصوريّة من ملوك بني قلاوون، السّلطان الملك الناصر حسن ابن محمد بن قلاوون في سنة إحدى وستين وسبع مائة، وحضر عنده بالقبّة مشايخ العلم، وبحثوا في العلم، وزار قبر أبيه وجدّه، ثم خرج فنظر في أمر المرضى بالمارستان، وتوجّه إلى قلعة الجبل (٢).
/ المدرسة الناصريّة [أثر رقم ٤٤]
هذه المدرسة بجوار القبّة المنصوريّة من شرقيها (٣)، كان موضعها حمّاما، فأمر السّلطان الملك العادل زين الدّين كتبغا المنصوري بإنشاء مدرسة موضعها فابتدئ في عملها ووضع أساسها،