← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الجبلين، فنضب الماء عن أرض زروعها، فأخرجت الأرض بركاتها. ثم بعد زمان أخذها عنقام الأوّل بن غرياب بن آدم بالغلبة، ونسل بها خلقا عظيما، وجهّز لقتال أولاد يرد سبعين ألف مقاتل، وحفر من البحر إلى الجبل نهرا عرضه أربعون قصبة ليمنع من يأتيه، فأتاه بنو يرد فلم يجدوا إليه سبيلا، ففزعوا إلى اللّه تعالى، فبعث على أرض مصر نارا. ذكر أعمال الدّيار المصريّة وكورها (١) اعلم أنّ أرض مصر كانت في الزّمن الغابر (¬a) مائة وثلاثا وخمسين كورة، في كلّ كورة مدينة وثلاث مائة وخمس وستون قرية. فلمّا عمّرت أرض مصر بعد بخت نصّر، صارت على خمس وثمانين كورة، ثم تناقصت حتى جاء الإسلام وفيها أربعون عامرة بجميع قراها لا تنقص شيئا. استقرّت مصر كلّها في الجملة على قسمين: «الوجه القبليّ»، وهو ما كان في جهة الجنوب من مدينة مصر، و «الوجه البحريّ» وهو ما كان في شمال مدينة مصر. وقد قسّمت الأرض جميعها - قبليّها وبحريّها - على ستة وعشرين عملا، وهي: الشّرقيّة، والمرتاحيّة، والدّقهليّة، والإبوانية، وثغر دمياط.

стр. 317

الوجه البحريّ: جزيرة قويسنا، والغربية، والسّمنّودية، والدّنجاوية، والمنوفيّة، والنّستراوية، وفوّه والمزاحميتين، وجزيرة بني نصر، والبحيرة، وإسكندرية وضواحيها، وحوف رمسيس (١). والوجه القبليّ: الجيزية، والإطفيحيّة، والبوصيريّة، والفيّوميّة، والبهنساوية، والأشمونين، والمنفلوطية، والأسيوطيّة، والإخميميّة، والقوصيّة (٢). وهي أيضا ثلاثون كورة، وهي: كورة الفيّوم: وفيها مائة وستّ وخمسون قرية، ويقال إنّها كانت ثلاث مائة وستين قرية. وكورة منف ووسيم: خمس وخمسون قرية. وكورة الشّرقيّة، وتعرف بالإطفيحيّة: سبع عشرة قرية، وقرى أهناس ومنها قمن ثماني قرى. وكورتا دلاص وبوصير ستّ قرى. وكورة أهناس خمس وتسعون قرية، سوى الكفور. وكورة البهنسا مائة وعشرون قرية. وكورة الفشن سبع وثلاثون قرية. وكورة طحا سبع وثلاثون قرية. وحيّز (¬a) شنودة ثمان قرى. وكورة الأشمونين مائة وثلاث وثلاثون قرية. وكورة أسفل أنصنا إحدى عشرة قرية. وكورة سيوط سبع وثلاثون قرية. وكورة شطب ثمان قرى. وكورة أعلى أنصنا اثنتا عشرة قرية. وكورة قهقوه سبع وثلاثون قرية. وكورة إخميم والدّير (¬b) ثلاث وستون قرية. وكورة إبشاية (¬c) والواحات ثلاث وستون قرية، سوى الكفور. وكورة هو عشرون قرية. وكورة فاو ثمان قرى. وكورة قنا سبع قرى. وكورة دندرة عشر قرى. وكورة قفط ثنتان وعشرون قرية. وكورة الأقصر خمس قرى. وكورة إسنا خمس قرى. وكورة أرمنت سبع قرى. وكورة/ أسوان سبع قرى. فجميع قرى الصّعيد ألف وثلاث وأربعون قرية، سوى المنى والكفور في ثلاثين كورة. كور (¬d) أسفل الأرض (الحوف الشّرقي): خمس وستون قرية. كورة أتريب مائة وثمان قرى، سوى المنى والكفور. كورة نتو (¬e): سبع وثمانون قرية، سوى المنى والكفور. كورة تميّ (¬f) مائة وخمسون قرية، سوى المنى والكفور. كورة بسطة تسع وثلاثون قرية. كورة طرابية ثمان وعشرون قرية، منها السّدير والهامة وفاقوس. كورة قربيط (¬g) ثمان عشرة قرية، سوى المنى

стр. 318

والكفور. كورتا صان وإبليل ست وأربعون قرية، منها سنهور والفرما والعريش. مجتمع (¬a) قرى الحوف الشّرقي خمس مائة وتسع وعشرون قرية، سوى المنى في تسع (¬b) كور. بطن الرّيف: كورتا دمسيس (¬c) ومنوف مائة وأربع قرى، سوى المنى والكفور. كورتا طورة ومنوف: اثنتان وسبعون قرية، سوى المنى والكفور. كورة سخا مائة وخمس عشرة قرية. كورة تيدة والأفراحون ثلاث وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. كورة البشرود أربع وعشرون قرية. كورة نقيرة اثنتا عشرة قرية، سوى المنى. كورتا نبا وبوصير ثمان وثمانون قرية، سوى المنى والكفور. كورة سمنّود مائة وثمان وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. كورة نوسا إحدى وعشرون قرية، سوى المنى. كورة الأوسيّة أربعون قرية، سوى المنى. كورة البجوم أربعون قرية، سوى المنى. تنّيس ودمياط ثلاث عشرة قرية، سوى المنى، وهي شيء كثير. الإسكندرية الحوف الغربي: كورة صا ثلاث وسبعون قرية، سوى المنى والكفور. كورة شباس اثنان وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. كورة البدقون ثلاث وأربعون قرية، سوى المنى والكفور. حيّز البدقون تسع وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. الشّراك: تسع قرى. كورة ترنوط ثمان قرى. كورة خربتّا اثنان وستون قرية، سوى المنى والكفور. كورة قرطسا اثنان وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. كورتا مصيل والمليدس تسع وأربعون قرية، سوى المنى. كورتا إجنو ورشيد سبع عشرة قرية. ومريوط ومدينة الإسكندرية ولوبية ومراقية: مائة وأربع وعشرون قرية، سوى المنى. فالحوف الغربي أربع مائة وتسع وأربعون قرية، سوى المنى في ثلاث عشرة كورة. قال المسبّحيّ في «تاريخه»: تصير قرى مصر أسفل الأرض ألفا وأربع مائة وتسعا وثلاثين قرية، ويكون جميع ذلك بالصّعيد وأسفل الأرض ألفين وثلاث مائة وخمسا وتسعين قرية. البحيرة والحصص بالإسكندرية، والكرومات والبعل. وقال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ: أرض مصر قسمين، فمن ذلك صعيدها، وهو ما يلي مهبّ الجنوب منها، وأسفل أرضها، وهو ما يلي مهبّ الشّمال منها. فقسم الصّعيد على ثمان وعشرين كورة. فمن ذلك: كورة الفيّوم كلها، وكورتا منف ووسيم، وكورة الشّرقيّة، وكورتا دلاص وبوصير، وكورة أهناس، وكورة القيس والبهنسا، وكورة

стр. 319

طحا، وحيّز شنودة، وكورة بويط، وكورتا الأشمونين وأسفل أنصنا وأعلاها، وشطب وقوص قام، وكورة سيوط، وكورة قهقوه، وكورتا إخميم والدّير وأبشاية، وكورة هو وإقنا وفاو ودندرة، وكورة قفط والأقصر، وكورة إسنا وأرمنت، وكورة أسوان؛ فهذه كور الصّعيد. ومن ذلك كور أسفل الأرض، وهي خمس وعشرون كورة (وفي نسخة ثلاث وثلاثون كورة، وفي نسخة ثمان وثلاثون كورة). فمنها (¬a) كور الحوف الشّرقي: كورتا أتريب وعين شمس، وكورتا بنا وتمّي، وكورتا بسطة وطرابية، وكورة قربيط، وكورة صان وإبليل، وكورة الفرما والعريش والجفار. ومن ذلك كور بطن الرّيف من أسفل الأرض: كورة بنا وبوصير، وكورتا سمنّود ونوسا، وكورتا الأوسيّة والبجوم، وكورة دقهلة، وكورتا تنّيس ودمياط. ومنها كورة الجزيرة من أسفل الأرض، وكورة رمسيس ومنوف، وكورة طوّه ومنوف، وكورة سخا وتيدة والأفراحون، وكورة نقيزة وديصا، وكورة البشرود. ومن ذلك كور الحوف الغربي: كورة صا وكورة شباس، وكورة البذقون وحيّزها، وكورة الخيس والشّراك، وكورة خربتّا، وكورة قرطسا ومصيل والمليدس، وكورتا إخنا والبحيرة ورشيد، وكورة الإسكندرية، وكورة مريوط، وكورة لوبية ومراقية. ومن كور القبلة قرى الحجاز، وهي كورة الطّور وفاران، وكورة راية والقلزم، وكورة أيلة وحيّزها، ومدين وحيّزها، والعونيد (¬b)، والحوراء وحيّزهما، ثم كورة بدا وشغب. وذكر من له معرفة بالخراج وأمر الدّيوان أنّه وقف على جريدة عتيقة بخطّ أبي (¬c) عيسى بقطر ابن نقا (¬d) - الكاتب القبطي المعروف بالبولس، متولّي خراج مصر للدّولة الإخشيدية - يشتمل على ذكر كور مصر وقراها إلى سنة خمس وأربعين وثلاث مائة: أنّ قرى مصر بالصّعيدين وأسفل الأرض ألفان وثلاث مائة وخمس وتسعون قرية، منها بالصّعيد تسع مائة وست وخمسون قرية، وبأسفل الأرض ألف وأربع مائة وتسع وثلاثون قرية، وهذا عددها في الوقت الذي حرّرت (¬e) فيه الجرايد المذكورة، وقد تغيّرت بعد ذلك بخراب ما خرب منها. وقال/ ابن عبد الحكم، عن اللّيث بن سعد ﵁: لمّا ولي الوليد بن رفاعة مصر، خرج ليحصي عدّة أهلها وينظر في تعديل الخراج عليهم، فأقام في ذلك ستة أشهر بالصّعيد،

стр. 320

حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الكتّاب والأعوان يكفونه ذلك بجدّ وتشمير، وثلاثة أشهر بأسفل الأرض. وأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص (¬a) في أصغر قرية منها أقلّ من خمس مائة جمجمة من الرجال الذين تفرض عليهم الجزية، يكون جملة ذلك خمسة آلاف ألف رجل (١). والذي استقرّ الحال عليه في الرّوك النّاصري (¬b) محمد بن قلاوون أنّ الوجه القبليّ تسعة أعمال، وهي: عمل قوص - وهو أجلّها، ومنه أسوان وغرب قمّولة، وعمل إخميم، وعمل سيوط، وعمل منفلوط، وعمل الأشمونين - وبها الطّحاويّة - وعمل البهنسا ومنه الغرابيّ، وهو عبارة عن قرى على غربيّ المنهى الماد إلى الفيّوم، وعمل الفيّوم، وعمل إطفيح، وعمل الجيزة. والوجه البحريّ ستّة أعمال: عمل البحيرة - وهو متّصل البرّ بالإسكندرية وبرقة -، وعمل الغربيّة جزيرة واحدة يشتمل عليها ما بين البحرين، وهما: البحر الماد و (¬c) مسكبه عند دمياط ويسمّى الشّرقي، والبحر الثاني مسكبه عند رشيد ويسمّى الغربي؛ والمنوفيّة، ومنها إبيار، وجزيرة بني نصر. وعمل قليوب، وعمل الشّرقيّة، وعمل أشموم طناح، ومنها الدّقهليّة والمرتاحيّة، وهناك موقع ثغر البرلّس وثغر رشيد والمنصورة، وفي هذا الوجه الإسكندرية ودمياط، ولا عمل لهما (٢). وأمّا الواحات فمنقطعة وراء الوجه القبلي، مغاربة لم تعدّ في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها والي السّلطان، وإنّما يحكم عليها من قبل مقطعها (٢).

стр. 321

ذكر ما كان يعمل في أراضي مصر من حفر التّرع وعمارة الجسور ونحو ذلك من أجل ضبط ماء النّيل وتصريفه في أوقاته قال ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب: وكانت فريضة مصر - بحفر خلجها، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها، وقطع جزائرها - مائة ألف وعشرين ألفا معهم المساحي والطوريات والأداة، يعتقبون ذلك، لا يدعونه شتاء ولا صيفا. وعن أبي قبيل (١) قال: زعم بعض مشايخ أهل مصر أنّ الذي كان يعمل به بمصر على عهد ملوكها أنّهم كانوا يقرّون القرى في أيدي أهلها، كلّ قرية بكراء معلوم لا ينقض عنهم إلاّ في كلّ أربع سنين من أجل الظّمأ وتنقّل اليسار. فإذا مضت أربع سنين نقض ذلك، وعدّل تعديلا جديدا، فيرفق بمن استحقّ الرّفق، ويزاد على من احتمل الزّيادة، ولا يحمل عليهم من ذلك ما يشق عليهم. فإذا جبي الخراج وجمع، كان للملك من ذلك الرّبع خالصا لنفسه، يصنع به ما يريد. والرّبع الثاني لجنده، ومن تقوّى به على حربه وجباية خراجه ودفع عدوّه. والرّبع الثالث في مصلحة الأرض، وما تحتاج إليه من جسورها وحفر خلجها وبناء قناطرها، والقوّة للمزارعين على زرعهم، وعمارة أرضهم. والرّبع الرّابع يخرج منه ربع ما يصيب كلّ قرية من خراجها، فيدفن ذلك لنائبة تنزل أو جائحة بأهل القرية، فكانوا على ذلك. والذي يدفن في كلّ قرية من خراجها هي كنوز فرعون التي يتحدّث الناس بها أنّها ستظهر، فيطلبها الذين يتتبّعون الكنوز (٢). وذكر أنّ بعض فراعنة مصر جبى خراج مصر اثنين وسبعين ألف ألف دينار، وأنّ من عمارته أنّه أرسل ويبة قمح إلى أسفل الأرض وإلى الصّعيد في وقت تنظيف الأرض والتّرع من العمارة، فلم يوجد لها أرض فارغة تزرع فيها. وذكر أنّه كان عند تناهي العمارة يرسل بأربع ويبات برسيم إلى الصّعيد وإلى أسفل الأرض، وإلى أيّ كورة، فإن وجد لها موضعا خاليا فزرعت فيه، ضرب عنق صاحب الكورة. وكانت مصر يومئذ عمارتها متّصلة أربعين فرسخا في مثلها، والفرسخ ثلاثة أميال، والبريد أربعة فراسخ، فتكون عشرة برد في مثلها. ولم تزل الفراعنة تسلك هذا

стр. 322

المسلك إلى أيام فرعون موسى، فإنّه عمّرها عدلا وسماحة، وتتابع الظّمأ ثلاث سنين في أيّامه فترك لأهل مصر خراج ثلاث سنين، وأنفق على نفسه ثم على عساكره (¬a) من خزائنه، ولمّا كان في السنة الرابعة أضعف الخراج، واستمرّ فاعتاض ما أنفق. قال (¬b): وكتب عمر بن الخطّاب ﵁ إلى عمرو بن العاص ﵁: أن اسأل المقوقس عن مصر، من أين تأتي عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس: عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها في إبّان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبّان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر في كلّ سنة خلجانها، وتسدّ ترعها وجسورها، ولا يقبل محل (¬c) أهلها، يريد البغي؛ فإذا فعل هذا فيها عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لمّا استبطا عمر بن الخطّاب ﵁ عمرو بن العاص ﵁ في الخراج، كتب إليه أن ابعث إليّ رجلا من أهل مصر. فبعث إليه رجلا قديما من القبط، فاستخبره عمر بن الخطّاب ﵁ عن/ مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين، كان لا يؤخذ منها شيء إلاّ بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنّما يأخذ ما ظهر له كأنّه لا يريدها إلاّ لعام واحد؛ فعرف عمر ﵁ ما قال، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به (١). وقال عمرو بن العاص ﵁ للمقوقس: أنت وليت مصر، فبم تكون عمارتها؟ فقال: بخصال: أن تحفر (¬d) خلجانها، وتسدّ جسورها وترعها، ولا تأخذ (¬e) خراجها إلاّ من غلّتها، ولا تقبل مطل أهله، وتوفّي لهم بالشّروط، وتذر الأرزاق على العمّال لئلا يرتشوا، وترتفع عن أهله المعاون والهدايا ليكون قوّة لهم، فبذلك تعمر ويرجى خراجها. ويقال إنّ ملوك مصر من القبط كانوا يقسمون الخراج أربعة أقسام: قسم لخاصّة الملك، وقسم لأرزاق الجند، وقسم لمصالح الأرض، وقسم يدّخر لحادثة تحدث فينفق فيها.

стр. 323

ولمّا ولي عبيد اللّه بن الحبحاب خراج مصر لهشام بن عبد الملك، خرج بنفسه فمسح أرض مصر كلّها - عامرها وغامرها، ممّا يركبه النّيل - فوجد فيها مائة ألف ألف فدّان، (¬a)) ويقال إن أحمد بن مدبّر اعتبر ما يصلح للزراعة بأرض مصر فوجده أربعة وعشرين ألف ألف فدان (¬a)، والباقي استبحر وتلف؛ واعتبر مدّة الحرث فوجدها ستين يوما، والحرّاث يحرث خمسين فدّانا، فكانت (¬b) محتاجة إلى أربع مائة ألف وثمانين ألف حرّاث. ذكر مقدار خراج مصر في الزّمن الأوّل قال ابن وصيف شاه: وكان منقاوس قسم خراج البلاد أرباعا: فربع للملك خاصّة يعمل فيه ما يريد، وربع ينفق في مصالح الأرض وما تحتاج إليه من عمل الجسور وحفر الخلج وتقوية أهلها على العمارة، وربع يدفن لحادثة تحدث أو نازلة تنزل، وربع للجند. وكان خراج البلد ذلك الوقت مائة ألف ألف وثلاثة آلاف ألف دينار، وقسمها على مائة وثلاث كور بعدة الآلاف (١) - ويقال إنّ كلّ دينار عشرة مثاقيل من مثاقيلنا الإسلامية - وهي اليوم خمس وثمانون كورة: أسفل الأرض خمس وأربعون كورة، والصّعيد أربعون كورة. وفي كلّ كورة كاهن يدبّرها، وصاحب حرب (٢). وارتفع مال البلد على يد تدارس بن صا مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار، وفي أيام كلكن بن خربتّا بن ماليق بن تدارس مائة ألف ألف دينار وبضعة عشر ألف ألف دينار (٣). ولمّا زالت دولة القبط الأولى من مصر، وملكها العمالقة، اختلّ أمرها. وكان فرعون الأوّل يجبيها تسعين ألف ألف دينار، يخرج من ذلك عشرة آلاف ألف دينار لمصالح البلد، وعشرة آلاف ألف دينار لمصالح النّاس - من أولاد الملوك، وأهل التّعفّف - وعشرة آلاف ألف دينار لأولياء الأمر والجند والكتّاب، وعشرة آلاف ألف دينار لمصالح فرعون، ويكنزون لفرعون خمسين ألف ألف دينار.

стр. 324

وبلغ خراج مصر في أيّام الرّيّان بن الوليد - وهو فرعون يوسف ﵇ سبعة وتسعين ألف ألف دينار، فأحبّ أن يتمّه مائة ألف ألف دينار، فأمر بوجوه العمارات، وإصلاح جسور البلد، والزيادة في استنباط الأرض، حتى بلغ ذلك وزاد عليه (١). وقال ابن دحية: وجبيت مصر في أيّام الفراعنة فبلغت تسعين ألف ألف دينار بالدينار الفرعونى، وهو ثلاثة مثاقيل من مثقالنا المعروف الآن بمصر، الذي هو أربعة وعشرون قيراطا، كلّ قيراط ثلاث حبّات من قمح، فيكون بحساب ذلك مائتي ألف ألف وسبعين ألف ألف دينار مصرية (٢). وذكر الشّريف الجوّانيّ (٣) أنّه وجد في بعض البرابي بالصّعيد مكتوبا باللغة الصّعيدية ممّا نقل بالعربية: مبلغ ما كان يستخرج لفرعون يوسف ﵇ وهو الرّيّان بن الوليد - من أموال مصر بحقّ الخراج ممّا يوجبه الخراج وسائر وجوه الجبايات لسنة واحدة على العدل والإنصاف والرّسوم الجارية، من غير تأويل ولا اضطهاد ولا مشاحّة على عظيم فضل كان في يد المؤدّي لرسمه، وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزّمان نظرا للعاملين وتقوية لحالهم: من العين أربعة وعشرون ألف ألف دينار وأربع مائة ألف دينار (٤). وذكر باقيه (¬a) كما في خبر الحسن بن عليّ الأسديّ. وقال الحسن بن عليّ الأسديّ: أخبرني أبي، قال: وجدت في كتاب قبطي باللغة الصّعيدية - ممّا نقل إلى اللغة العربية - أنّ مبلغ ما كان يستخرج لفرعون مصر بحقّ الخراج الذي يوجد، وسائر وجوه الجبايات لسنة كاملة على العدل والإنصاف والرّسوم الجارية من غير اضطهاد ولا مناقشة على عظيم فضل كان في يد المؤدّي لرسمه، وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزّمان رفقا

стр. 325

بالعاملين وتقوية لهم: من العين أربعة وعشرين ألف ألف دينار وأربع مائة ألف دينار من جهات مصر، وذلك ما يصرف في عمارة البلاد لحفر الخلج وإتقان الجسور (¬a) وسدّ التّراع وإصلاح السّبل والسّانية (¬b)، ثم في تقوية من يحتاج التقوية من غير رجوع عليه بها، لإقامة العوامل، والتّوسعة في البذار، وغير ذلك. ومن الآلات، وأجرة من يستعان به من الأجراء لحمل الأصناف وسائر نفقات تطريق أراضيهم: من العين ثمان مائة ألف دينار. ولما يصرف في أرزاق الأولياء الموسومين بالسّلاح وحملته، والغلمان وأشياعهم، مع ألف كاتب موسومين/ بالدّواوين، سوى أتباعهم من الخزّان، ومن يجري مجراهم - وعدّتهم مائة ألف وأحد عشر ألف رجل - من العين ثمانية آلاف دينار. ولما يصرف في الأرامل والأيتام فرضا لهم من بيت المال، وإن كانوا غير محتاجين إليه، حتى لا تخلو آمالهم من برّ يصل إليهم: من العين أربع مائة ألف دينار. ولما يصرف في كهنة برابيهم وأئمّتهم، وسائر بيوت صلواتهم: من العين مائة ألف دينار. ولما يصرف في الصّدقات - وينادي في الناس: برئت الذّمّة من رجل كشف وجهه لفاقة ولم يحضر (¬c)، فلا يردّ عند ذلك أحد، والأمناء جلوس، فإذا رئي رجل لم تجر عادته بذلك أفرد بعد قبض ما يقبضه، حتى إذا فرّق المال واجتمع من هذه الطائفة عدّة، دخل أمناء فرعون إليه وهنّوه بتفرقة المال، ودعوا له بالبقاء والسّلامة، وأنهوا حال الطائفة المذكورة، فيأمر بتغيير شعثها بالحمّام واللّباس، وتمدّ الأسمطة، ويأكلون ويشربون، ثم يستعلم من كلّ واحد سبب فاقته، فإن كان من آفة الزّمان ردّ عليه مثل ما كان وأكثر، وإن كان عن سوء رأي وضعف تدبير، ضمّه إلى من يشرف عليه ويقوم بالأمر الذي يصلح له - من العين مائتا ألف دينار. فذلك جملة ما تبيّن وفصّل في هذه الجهات المذكورة: من العين تسعة آلاف ألف وثمان مائة ألف دينار؛ ويحصل بعد ذلك ما يتسلّمه فرعون في بيوت أمواله عدّة لنوائب الدّهر وحادثات الزّمان: من العين أربعة عشر ألف ألف دينار وست مائة ألف دينار (١). وقيل لبعضهم: متى عقدت مصر تسعين ألف ألف دينار؟ قال: في الوقت الذي أرسل فرعون بويبة قمح إلى أسفل الأرض وإلى الصّعيد، فلم يجد لها موضعا تبذر فيه لشغل جميع البلاد بالعمارة.

стр. 326

ذكر ما عمله المسلمون عند فتح مصر في الخراج وما كان من أمر مصر في ذلك مع القبط قال زهير بن معاوية: حدّثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشّام مدّها ودينارها، ومنعت مصر أردبّها، وعدتم من حيث بدأتم». قال أبو عبيد: قد أخبر ﷺ بما لم يكن، وهو في علم اللّه كائن، فخرج لفظه على لفظ الماضي لأنّه ماض في علم اللّه. وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه، ما دلّ على إثبات نبوّته، ودلّ على رضاه من عمر ﵁ ما وظّفه على الكفرة من الخراج في الأمصار. وفي تفسير المنع وجهان: أحدهما أنّه علم أنّهم سيسلمون ويسقط عنهم ما وظّف عليهم، فصاروا مانعين بإسلامهم ما وظّف عليهم، يدلّ عليه قوله «وعدتم من حيث بدأتم». وقيل معناه أنّهم يرجعون عن الطّاعة، والأوّل أحسن. وقال ابن عبد الحكم، عن عبد اللّه بن لهيعة: لمّا فتح عمرو بن العاص مصر، صولح على جميع من فيها من الرّجال من القبط - ممّن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا صبي ولا شيخ - على دينارين دينارين، فأحصوا لذلك (¬a) فبلغت عدّتهم ثمانية آلاف ألف. وعن هشام بن أبي رقيّة اللّخمي أنّ عمرو بن العاص لمّا فتح مصر قال لقبط مصر: إنّ من كتمني كنزا عنده فقدرت عليه قتلته. وأنّ قبطيّا من أهل (¬b) الصّعيد يقال له بطرس ذكر لعمرو أنّ عنده كنزا، فأرسل إليه فسأله فأنكر وجحد، فحبسه في السّجن وعمرو يسأل عنه: هل تسمعونه يسأل عن أحد؟ فقالوا: لا، إنّما سمعناه يسأل عن راهب في الطّور. فأرسل عمرو إلى بطرس فنزع خاتمه، ثم كتب إلى ذلك الرّاهب أن ابعث إليّ بما عندك، وختمه بخاتمه. فجاء الرّسول بقلّة شاميّة مختومة بالرّصاص، ففتحها عمرو فوجد فيها صحيفة مكتوب فيها «مالكم تحت الفسقيّة الكبيرة». فأرسل عمرو إلى الفسقيّة فحبس عنها الماء، ثم قلع البلاط الذي تحتها فوجد فيها اثنين وخمسين أردبّا ذهبا مصريّا مضروبة. فضرب عمرو رأسه عند باب المسجد، فأخرج القبط كنوزهم شفقا أن يبغى على أحد منهم فيقتل كما قتل بطرس.

стр. 327

وعن يزيد بن أبي حبيب أنّ عمرو بن العاص استحلّ مال قبطي من قبط مصر، لأنّه استقرّ عنده أنّه يظهر الرّوم على عورات المسلمين، ويكتب إليهم بذلك، فاستخرج منه بضعا وخمسين أردبّا دنانير (١). قال ابن عبد الحكم: وكان عمرو بن العاص ﵁ يبعث إلى عمر بن الخطّاب ﵁ بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه. وكانت فريضة مصر لحفر خلجها، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها، وقطع جزائرها، مائة ألف وعشرين ألفا، معهم الطّور والمساحي والأداة، يعتقبون ذلك، لا يدعون ذلك صيفا ولا شتاء. ثم كتب إليه عمر بن الخطّاب ﵁ أن تختم في رقاب أهل الذّمّة بالرّصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزّوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلاّ على من جرت عليه المواسي (¬a)، ولا يضربوا على النّساء ولا على الولدان، ولا تدعهم يتشبّهون بالمسلمين في ملبوسهم. وعن زيد (¬b) بن أسلم أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد ألاّ يضربوا الجزية إلاّ على من جرت عليه المواسي (¬a). وجزيتهم أربعون درهما على أهل الورق، وأربعة دنانير على أهل الذّهب، وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزّيت مدّان من حنطة، وثلاثة/ أقساط من زيت في كلّ شهر لكلّ إنسان من أهل الشّام والجزيرة، وودك، وعسل لا أدري كم هو. ومن كان من أهل مصر فأردبّ في كلّ شهر لكلّ إنسان، ولا أدري كم الودك والعسل، وعليهم من البزّ والكسوة التي يكسوها أمير المؤمنين النّاس، ويضيّفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيّام، وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا لكلّ إنسان، ولا أدري كم لهم من الودك. وكان لا يضرب الجزية على النّساء والصبيان، وكان يختم في أعناق رجال أهل الجزية، وكانت ويبة عمر في ولاية عمرو بن العاص ستة أمداد (٢). قال: وكان عمرو بن العاص لمّا استوثق له الأمر، أقرّ قبطها على جباية الرّوم، فكانت جبايتهم بالتّعديل: إذا عمرت القرية وكثر أهلها يزيد عليهم، وإن قلّ أهلها وخربت نقصوا؛ فيجتمع

стр. 328

عرّافو كلّ قرية وأمراؤها ورؤساء أهلها، فيتناظرون في العمارة والخراب، حتى إذا أقرّوا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور، ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى فوزّعوا ذلك على احتمال القرى وسعة المزارع. ثم ترجع كلّ قرية بقسمتهم فيجمعون قسمهم وخراج كلّ قرية وما فيها من الأرض العامرة، فيبتدئون ويخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحمّاماتهم ومعدّياتهم من جملة الأرض، ثم يخرج منها عدد الضّيافة للمسلمين ونزول السّلطان. فإذا فرغوا نظروا لما في كلّ قرية من الصّنّاع والأجراء، فقسّموا عليهم بقدر احتمالهم، فإن كانت فيهم جالية قسموا عليها بقدر احتمالها، وقلّما كانت تكون إلاّ للرجل الشّاب أو المتزوّج؛ ثم ينظرون ما بقي من الخراج فيقسّمونه بينهم على عدد الأرض، ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزّرع منهم على قدر طاقتهم: فإن عجز أحد منهم وشكا ضعفا عن زرع أرضه، وزّعوا ما عجز عنه على ذوي الاحتمال، وإن كان منهم من يريد الزّيادة أعطي ما عجز عنه أهل الضّعف، فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدّتهم. وكانت قسمتهم على قراريط الدّنانير أربعة وعشرين قيراطا، يقسمون الأرض على ذلك، ولذلك روي عن النّبيّ ﷺ : «إنّكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا»، وجعل لكلّ فدّان عليهم نصف أردبّ قمح وويبتين من شعير، إلاّ القرط فلم يكن عليه ضريبة، والويبة ستة أمداد. وكان عمر بن الخطّاب ﵁ يأخذ ممّن صالحه من المعاهدين ما سمّى على نفسه، لا يضع من ذلك شيئا ولا يزيد عليه. ومن نزل منهم على الجزّية ولم يسم شيئا يؤدّيه، نظر عمر في أمره، فإذا احتاجوا خفّف عنهم، وإن استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم (١). وقال هشام بن أبي رقيّة اللّخمي: قدم صاحب إخنا على عمرو بن العاص ﵁ فقال له: أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فنصبر لها؛ فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتني من الأرض إلى السّقف ما أخبرتك ما عليك، إنّما أنتم خزانة لنا: إن كثر علينا كثّرنا عليكم، وإن خفّف عنّا خفّفنا عنكم (٢). a بولاق: تجتمع.

стр. 329

ومن ذهب إلى هذا الحديث، ذهب إلى أنّ مصر فتحت عنوة. وعن يزيد بن أبي حبيب قال: قال عمر بن عبد العزيز: أيّما ذمّي أسلم فإنّ إسلامه يحرز له نفسه وماله، وما كان من أرض فإنّها من فيء اللّه على المسلمين؛ وأيّما قوم صالحوا على جزية يعطونها، فمن أسلم منهم كانت داره وأرضه لبقيّتهم. وقال اللّيث: كتب إليّ يحيى بن سعيد أنّ ما باع القبط في جزيتهم، وما يؤخذون به من الحقّ الذي عليهم - من عبد، أو وليدة، أو بعير، أو بقرة، أو دابّة - فإنّ ذلك جائز عليهم. فمن ابتاعه منهم، فهو غير مردود عليهم إن أيسروا، وما أكروا من أرضهم فجائز كراؤه، إلاّ أن يكون يضرّ بالجزية التي عليهم، فلعلّ الأرض أن ترّدّ عليهم إن أضرّت بجزيتهم، وإن كان فضلا بعد الجزية فإنّا نرى كراءها جائزا لمن كراها (¬a) منهم (١). قال يحيى: فنحن نقول: الجزية جزيتان: جزية على رؤوس الرّجال، وجزية جملة تكون على أهل القرية يؤخذ بها أهل القرية. فمن هلك من أهل القرية التي عليهم جزية مسمّاة على القرية ليست على رؤوس الرّجال، فإنّا نرى أنّ من هلك من أهل القرية ممّن لا ولد له ولا وارث أنّ أرضه ترجع إلى قريته في جملة ما عليهم من الجزية، ومن هلك ممّن جزيته على رؤوس الرّجال، ولم يدع وارثا، فإنّ أرضه للمسلمين. وقال اللّيث عن عمر بن عبد العزيز: الجزية على الرّؤوس وليست على الأرضين، يريد أهل الذّمّة.

стр. 330

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيّان بن شريح أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم. وهذا يدلّ على أنّ عمر كان يرى أنّ أرض مصر فتحت عنوة، وأنّ الجزية إنّما هي على القرى، فمن مات من أهل القرى كانت تلك الجزية ثابتة عليهم، وأنّ موت من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا. قال: ويحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح، فذلك الصّلح ثابت على من بقي منهم، وأنّ موت من مات منهم لا يضع عنهم ممّا صالحوا عليه شيئا (١). قال اللّيث: وضع عمر بن عبد العزيز الجزية على من أسلم من أهل الذّمّة من أهل مصر، وألحق في الدّيوان صلح من أسلم منهم في عشائر من أسلموا على يديه، وكانت تؤخذ قبل ذلك ممّن أسلم. وأوّل من أخذ الجزية ممّن أسلم من أهل الذّمّة الحجّاج بن يوسف. ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى/ عبد العزيز بن مروان أن يضع الجزية على من أسلم من أهل الذّمّة، فكلّمه ابن حجيرة في ذلك قال: أعيذك باللّه أيّها الأمير أن تكون أوّل من سنّ ذلك بمصر، فواللّه إنّ أهل الذّمّة ليتحمّلون جزية من ترهّب منهم، فكيف تضعها على من أسلم منهم؟ فتركهم عند ذلك. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيّان بن شريح: أن تضع الجزية عمّن أسلم من أهل الذّمّة، فإنّ اللّه ﵎ قال: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا اَلصَّلاةَ وَآتَوُا اَلزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اَللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الآية ٥ سورة التوبة]، وقال: ﴿قاتِلُوا اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلا بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اَللّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [الآية ٢٩ سورة التوبة] (٢). وكتب حيّان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز: «أمّا بعد، فإنّ الإسلام قد أضرّ بالجزية حتى سلفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف دينار أتممت بها عطاء أهل الدّيوان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل». فكتب إليه عمر: «أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وقد ولّيتك جند مصر، وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت رسولي بضربك على رأسك عشرين سوطا، فضع

стр. 331

الجزية عمّن أسلم، قبّح اللّه رأيك، فإنّ اللّه إنّما بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا، ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلّهم الإسلام على يديه» (١). قال: ولمّا استبطأ عمر بن الخطّاب ﵁ الخراج من قبل عمرو بن العاص، كتب إليه: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام اللّه عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد، فإنّي فكّرت في أمرك والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، وقد أعطى اللّه أهلها عددا وجلدا وقوّة في برّ وبحر، وإنّها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما، مع شدّة عتوّهم وكفرهم، فعجبت من ذلك، وأعجب ممّا عجبت أنّها لا تؤدّي نصف ما كانت تؤدّيه من الخراج قبل ذلك، على غير قحوط ولا جدوب (¬a). ولقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج، وظننت أنّ ذلك سيأتينا على غير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إليّ ذلك، فإذا أنت تأتيني بمعاريض تعبأ بها لا توافق الذي في نفسي، ولست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك، ولست أدري مع ذلك ما الذي نفّرك من كتابي وقبضك، فلئن كنت مجزئا كافئا صحيحا، إنّ البراءة لنافعة، وإن كنت مضيعا نطفا، إنّ الأمر لعلى غير ما تحدّث به نفسك. وقد تركت أن أبتلي ذلك منك في العام الماضي رجاء أن تفيق فترفع إليّ ذلك. وقد علمت أنّه لم يمنعك من ذلك إلاّ عمّالك عمّال السّوء، وما توالس عليه (¬b) وتلفّف، اتّخذوك كهفا، وعندي بإذن اللّه دواء فيه شفاء عمّا أسألك عنه (¬c). فلا تجزع أبا عبد اللّه أن يؤخذ منك الحقّ وتعطاه، فإنّ النّهر يخرج الدّرّ، والحقّ أبلج، ودعني وما عنه تلجلج، فإنّه قد برح الخفاء. والسّلام» (٢).

стр. 332

فكتب إليه عمرو بن العاص: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين، من عمرو بن العاص، سلام اللّه عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج، والذي ذكر فيها من عمل الفراعنة قبلي، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك منها مذ كان الإسلام. ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر والأرض أعمر، لأنّهم كانوا على كفرهم وعتوّهم أرغب في عمارة أرضهم منّا مذ كان الإسلام، وذكرت أنّ النّهر يخرج الدّرّ فحلبتها حلبا قطع درّها. وأكثرت في كتابك وأنّبت وعرّضت وثرّبت، وعلمت أنّ ذلك عن شيء تخفيه على غير خبر، فجئت لعمري بالمقطعات المقذعات، ولقد كان لك فيه من الصّواب من القول رصين صارم بليغ صادق. ولقد عملنا لرسول اللّه ﷺ ولمن بعده، فكنّا - بحمد اللّه - مؤدّين لأماناتنا، حافظين لما عظّم اللّه من حقّ أئمّتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيّئا. فيعرف ذلك لنا، ويصدّق فيه قيلنا. معاذ اللّه من تلك الطّعم، ومن شرّ الشّيم، والاجتراء على كلّ مأثم. فأقبض عملك، فإنّ اللّه قد نزّهني عن تلك الطّعم الدّنيّة والرّغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا، ولم تكرم فيه أخا، واللّه يا ابن الخطّاب لأنا حين يراد ذلك منّي أشد لنفسي غضبا، ولها إنزاها وإكراما، وما عملت من عمل أرى عليّ فيه متعلّقا، ولكنّي حفظت ما لم تحفظ، ولو كنت من يهود يثرب ما زدت - يغفر اللّه لك ولنا - وسكتّ عن أشياء كنت بها عالما، وكان اللّسان بها منّي ذلولا، ولكنّ اللّه عظّم من حقّك ما لا يجهل» (١). فكتب إليه عمر بن الخطّاب، ﵁: «من عمر بن الخطّاب إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو.

стр. 333

أمّا بعد، فإنّي قد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج، وكتابك إلى سيّآت (¬a) الطّرق، وقد علمت أنّي لست أرضى منك إلاّ بالحقّ البيّن، ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكني وجّهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك. فإذا أتاك كتابي هذا، فاحمل الخراج فإنّما هو فيء المسلمين، وعندي من قد تعلم قوم محصرون. والسّلام». / فكتب إليه عمرو بن العاص: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، لعمر بن الخطّاب، من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج، ويزعم أني أعند (¬b) عن الحقّ، وأنكب عن الطّريق، وإنّي واللّه ما أرغب عن صالح ما تعلم، ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلّتهم، فنظرت للمسلمين فكان الرّفق بهم خيرا من أن يخرق بهم فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه. والسّلام» (١). وقال اللّيث بن سعد ﵁: جباها عمرو بن العاص ﵁ اثني عشر ألف ألف دينار، وجباها المقوقس قبله بسنة عشرين ألف ألف دينار، فعند ذلك كتب إليه عمر بن الخطّاب بما كتب به. وجباها عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، حين استعمله عثمان ﵁ على مصر، أربعة عشر ألف ألف دينار، فقال عثمان لعمرو بن العاص بعدما عزله عن مصر: يا أبا عبد اللّه، درّت اللّقحة بأكثر من درّها الأوّل. قال: أضررتم بولدها. فقال: ذلك إن لم يمت الفصيل (٢). وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى وردان - وكان قد ولي خراج مصر - أن زد على كلّ رجل من القبط قيراطا. فكتب إليه وردان: كيف نزيد عليهم وفي عهدهم ألاّ يزاد عليهم شيء؟ فعزله معاوية، وقيل في عزل وردان غير ذلك.

стр. 334

وقال ابن لهيعة: كان الدّيوان في زمان معاوية أربعين ألفا، وكان منهم أربعة آلاف في مائتين مائتين، فأعطى مسلمة بن مخلد أهل الدّيوان أعطياتهم وأعطيات عيالهم وأرزاقهم ونوائب البلاد من الجسور وأرزاق الكتبة وحملان القمح إلى الحجاز، ثم بعث إلى معاوية بستّ مائة ألف دينار فضلا (١). وقال ابن عفير: فلمّا نهضت الإبل لقيهم برح بن حسكل (¬a) المهري، فقال: ما هذا؟ ما بال مالنا يخرج من بلادنا؟ ردّوه؛ فردّوه حتى وقف على باب المسجد فقال: أخذتم أعطياتكم وأرزاقكم وعطاء عيالكم ونوائبكم؟ قالوا: نعم؛ قال: لا بارك اللّه لهم فيه، خذوه فساروا به (٢). وقال بعضهم: جبى عمرو بن العاص عشرة آلاف ألف دينار، فكتب إليه عمر بن الخطّاب بعجزه ويقول له: جباية الرّوم عشرون ألف ألف دينار؛ فلمّا كان العام المقبل جباه عمرو اثني عشر ألف ألف دينار. وقال ابن لهيعة: جبى عمرو بن العاص الإسكندرية الجزية ستّ مائة ألف دينار، لأنّه وجد فيها ثلاث مائة ألف من أهل الذّمّة فرض عليهم دينارين دينارين (٣). ذكر انتقاض القبط وما كان من الأحداث في ذلك خرّج الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاريّ، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كيف أنتم إذا لم تجبوا دينارا ولا درهما؟ «قالوا: وكيف نرى ذلك كائنا يا أبا هريرة؟ «قال: أيّ والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصّادق المصدوق؛ قالوا: عم ذلك؟ قال: تنتهك ذمّته وذمّة رسوله فيشدّ اللّه قلوب أهل الذّمّة فيمنعون ما في أيديهم» (٤). قال أبو عمر محمد بن يوسف الكنديّ (٥) في كتاب «أمراء مصر»: وفي إمرة الحرّ بن يوسف أمير مصر كتب عبيد اللّه بن الحبحاب، صاحب خراجها، إلى هشام بن عبد الملك بأن أرض مصر تحتمل الزيادة، فزاد على كلّ دينار قيراطا، فانتقضت كورة نتو (¬b) وتميّ وقربيط وطرابية

стр. 335

وعامّة الحوف الشرقي، فبعث إليهم الحرّ بأهل الديوان، فحاربوهم فقتل منهم بشر كثير، وذلك أوّل انتقاض القبط بمصر. وكان انتقاضهم في سنة سبع ومائة، ورابط الحرّ بن يوسف بدمياط ثلاثة أشهر، ثم انتقض أهل الصّعيد (١). وحارب القبط عمّالهم في سنة إحدى وعشرين ومائة، فبعث إليهم حنظلة بن صفوان أمير مصر، أهل الديوان فقتلوا من القبط ناسا كثيرا وظفر بهم (٢). وخرج يحنّس (¬a) - رجل من القبط - في سمنّود، فبعث إليه عبد الملك بن مروان موسى بن نصير أمير مصر، فقتل يحنّس (¬a) في كثير من أصحابه (٣)، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وخالفت القبط برشيد، فبعث إليهم مروان بن محمد الجعدي - لمّا دخل مصر فارّا من بني العبّاس - بعثمان بن أبي نسعة (¬b)، فهزمهم (٤). وخرج القبط على يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة أمير مصر، بناحية سخا، ونابذوا العمّال وأخرجوهم، وذلك في سنة خمسين ومائة، وصاروا إلى شبرا سنباط، وانضمّ إليهم أهل البشرود والأوسيّة والبجوم، فأتى الخبر يزيد بن حاتم، فعقد لنصر بن حبيب المهلّبي على أهل الديوان ووجوه مصر، فخرجوا إليهم، فبيّتهم القبط وقتلوا من المسلمين، فألقى المسلمون النار في عسكر القبط، وانصرف المسلمون إلى مصر منهزمين (٥). وفي ولاية موسى بن عليّ بن رباح على مصر، خرج القبط ببلهيب في سنة ستّ وخمسين ومائة، فخرج إليهم عسكر فهزمهم (٦). ثم انتقضوا مع من انتقض في سنة ستّ عشرة ومائتين، فأوقع بهم الأفشين في ناحية البشرود، حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون، فحكم عليهم بقتل الرّجال وبيع النّساء والأطفال، فبيعوا وسبي أكثرهم (٧).

стр. 336

ومن حينئذ أذلّ اللّه القبط في جميع أرض مصر، وخذل شوكتهم فلم/ يقدر أحد منهم على الخروج ولا القيام على السّلطان، وغلب المسلمون على القرى، فعاد القبط من بعد ذلك إلى كيد الإسلام وأهله بإعمال الحيلة واستعمال المكر، وتمكّنوا من النّكاية بوضع أيديهم في كتاب الخراج. وكان للمسلمين فيهم وقائع يأتي خبرها في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى. ذكر نزول العرب بريف مصر واتّخاذهم الزّرع معاشا وما كان في نزولهم من الأحداث قال الكنديّ، في ولاية الوليد بن رفاعة الفهمي على مصر: نقلت قيس إلى مصر في سنة تسع ومائة، ولم يكن بها أحد منهم قبل ذلك إلاّ ما كان من فهم وعدوان، فوفد ابن الحبحاب على هشام بن عبد الملك، فسأله أن ينقل إلى مصر منهم أبياتا، فأذن له هشام في إلحاق ثلاثة آلاف منهم، وتحويل ديوانهم إلى مصر على ألا ينزلهم بالفسطاط، ففرض (¬a) لهم ابن الحبحاب، وقدم بهم، فأنزلهم الحوف الشّرقي وفرّقهم فيه. ويقال إنّ عبيد اللّه بن الحبحاب، لمّا ولاّه هشام بن عبد الملك مصر، قال: ما أرى لقيس فيها حظّا إلاّ لناس من جديلة وهم فهم وعدوان؛ فكتب إلى هشام: «إنّ أمير المؤمنين - أطال اللّه بقاءه - قد شرّف هذا الحيّ من قيس، ونعشهم ورفع من ذكرهم، وإنّي قدمت مصر ولم أر لهم حظّا إلاّ أبياتا من فهم، وفيها كور ليس فيها أحد، وليس يضرّ بأهلها نزولهم معهم، ولا يكسر ذلك خراجا، وهي بلبيس، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينزلها هذا الحيّ من قيس فليفعل». فكتب إليه هشام: أنت وذاك. فبعث إلى البادية، فقدم عليه مائة أهل بيت من بني نصر (¬b)، ومائة أهل بيت من بني سليم، فأنزلهم بلبيس، وأمرهم بالزّرع. ونظر إلى الصّدقة من العشور فصرفها إليهم فاشتروا إبلا، فكانوا يحملون الطّعام إلى القلزم، وكان الرجل يصيب في الشهر العشرة دنانير وأكثر. ثم أمرهم باشتراء الخيول، فجعل الرجل يشتري المهر فلا يمكث إلاّ شهرا حتى يركب، وليس عليهم مئونة في إعلاف (¬c) إبلهم ولا خيلهم لجودة مرعاهم.

стр. 337

فلمّا بلغ ذلك عامّة قومهم تحمّلوا إليهم، فوصل إليهم خمس مائة أهل بيت من البادية، فكانوا على مثل ذلك، فأقاموا سنة، فأتاهم نحو من خمس مائة أهل بيت، فصار ببلبيس ألف وخمس مائة أهل بيت من قيس. حتى إذا كان زمن مروان بن محمد، وولي الحوثرة بن سهيل الباهلي مصر، مالت إليه قيس، فمات مروان وبها ثلاثة آلاف أهل بيت، ثم توالدوا وقدم عليهم من البادية من قدم (١). وفي سنة ثمان وسبعين ومائة كشف إسحاق بن سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس أمير مصر أمر الخراج، وزاد على المزارعين زيادة أجحفت بهم، فخرج عليه أهل الحوف وعسكروا، فبعث إليهم الجيوش وحاربهم، فقتل من الجيش جماعة، فكتب إلى أمير المؤمنين هارون الرّشيد يخبره بذلك، فعقد لهرثمة بن أعين في جيش عظيم وبعث به إلى مصر، فنزل الحوف، وتلقّاه أهله بالطّاعة وأذعنوا بأداء الخراج، فقبل هرثمة منهم واستخرج خراجه كله (٢). ثم إنّ أهل الحوف خرجوا على اللّيث بن الفضل البيوردي أمير مصر، وذلك أنّه بعث بمسّاح يمسحون عليهم أراضي زرعهم، فانتقصوا من القصبة أصابع، فتظلّم الناس إلى اللّيث فلم يسمع منهم، فعسكروا وساروا إلى الفسطاط؛ فخرج إليهم اللّيث في أربعة آلاف من جند مصر، في شعبان سنة ستّ وثمانين ومائة، فالتقى معهم في رمضان، فانهزم عنه الجند في ثاني عشره، وبقي في نحو المائتين، فحمل بمن معه على أهل الحوف فهزمهم حتى بلغ بهم غيفا (٣)، وكان التقاؤهم على أرض جبّ عميرة، وبعث اللّيث إلى الفسطاط بثمانين رأسا من رؤوس القيسيّة ورجع إلى الفسطاط. وعاد أهل الحوف إلى منازلهم ومنعوا الخراج، فخرج ليث إلى أمير المؤمنين هارون الرّشيد في محرم سنة سبع وثمانين ومائة، وسأله أن يبعث معه بالجيوش فإنّه لا يقدر على استخراج الخراج من أهل الأحواف (¬a) إلاّ بجيش يبعث به معه. وكان محفوظ بن سليم (¬b) بباب الرّشيد، فرفع محفوظ إلى الرّشيد يضمن له خراج مصر عن آخره بلا سوط ولا عصا، فولاّه الخراج، وصرف ليث بن الفضل عن صلات مصر وخراجها (٤).

стр. 338

وفي ولاية الحسين بن جميل امتنع أهل الحوف من أداء الخراج (١)، فبعث أمير المؤمنين هارون الرّشيد يحيى بن معاذ في أمرهم، فنزل بلبيس في شوّال سنة إحدى وتسعين ومائة. وصرف الحسين بن جميل عن إمارة مصر في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين ومائة (٢)، وولي مالك بن دلهم. وفرغ يحيى بن معاذ من أمر الحوف، وقدم الفسطاط في جمادى الآخرة، فورد عليه كتاب الرّشيد يأمره بالخروج إليه. فكتب إلى أهل الحوف أن أقدموا حتى أوصي بكم مالك بن دلهم، وأدخل بينكم وبينه في أمر خراجكم، فدخل كلّ رئيس منهم من اليمانية والقيسية - وقد أعدّ لهم القيود - فأمر بالأبواب فأخذت، ثم دعا بالحديد فقيّدهم، وتوجّه بهم للنصف من رجب منها (٣). وفي إمارة عيسى بن يزيد الجلودي على مصر، ظلم صالح بن شيرزاد عامل الخراج النّاس وزاد عليهم في خراجهم، فانتقض أهل أسفل الأرض، وعسكروا فبعث/ عيسى بابنه محمد في جيش لقتالهم، فنزل بلبيس وحاربهم، فنجا من المعركة بنفسه ولم ينج أحد من أصحابه، وذلك في صفر سنة أربع عشرة ومائتين (٤). فعزل عيسى عن مصر وولي عمير بن الوليد التّميمي، فاستعدّ لحرب أهل الحوف، وسار في جيوشه في ربيع الآخر، فزحفوا عليه واقتتلوا، فقتل من أهل الحوف جمع وانهزموا، فتبعهم عمير في طائفة من أصحابه، فعطف عليه كمين لأهل الحوف فقتلوه لستّ عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر (٥). فولي عيسى الجلودي ثانيا، وسار إليهم فلقيهم بمنية مطر، فكانت بينهم وقعة آلت إلى أن انهزم منهم إلى الفسطاط، وأحرق ما ثقل عليه من رحله، وخندق على الفسطاط، وذلك في رجب [سنة أربع عشرة] (¬a) (٦). وقدم أبو إسحاق بن الرّشيد من العراق، فنزل الحوف وأرسل إلى أهله، فامتنعوا من طاعته، فقاتلهم في شعبان ودخل - وقد ظفر بعدّة من وجوههم - إلى الفسطاط في شوّال، ثم عاد إلى العراق في المحرم سنة خمس عشرة ومائتين بجمع من الأسارى (٧).

стр. 339

فلمّا كان في جمادى الأولى سنة ستّ عشرة ومائتين، انتقض أسفل الأرض بأسره - عرب البلاد وقبطها - وأخرجوا العمّال، وخلعوا الطّاعة لسوء سيرة عمّال السّلطان فيهم. فكانت بينهم وبين عساكر الفسطاط حروب امتدت إلى أن قدم الخليفة عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون إلى مصر، لعشر خلون من المحرّم سنة سبع عشرة ومائتين، فسخط على عيسى بن منصور الرّافقي - وكان على إمارة مصر - وأمر بحلّ لوائه وأخذه بلباس البياض عقوبة له، وقال: «لم يكن هذا الحدث العظيم إلاّ عن فعلك وفعل عمّالك، حمّلتم الناس ما لا يطيقون، وكتمتني الخبر حتى تفاقم الأمر، واضطرب البلد» (١). ثم عقد المأمون (٢) على جيش بعث به إلى الصّعيد، وارتحل هو إلى سخا، وبعث بالأفشين إلى القبط - وقد خلعوا الطّاعة - فأوقع بهم في ناحية البشرود، وحصرهم حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين، فحكم فيهم المأمون بقتل الرّجال وبيع النّساء والأطفال، فسبي أكثرهم. وتتبّع المأمون كلّ من يوما (¬a) إليه بخلاف، فقتل ناسا كثيرا، ورجع إلى الفسطاط في صفر، ومضى إلى حلوان، وعاد فارتحل لثمان عشرة خلت من صفر. وكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما (٣). وكان خراج مصر قد بلغ في أيّام المأمون - على حكم الإنصاف في الجباية - أربعة آلاف ألف دينار ومائتي ألف دينار وسبعة وخمسين ألف دينار. ويقال إنّ المأمون لمّا سار في قرى مصر، كان يبنى له بكلّ قرية دكّة يضرب عليها سرادقه والعساكر من حوله. وكان يقيم في القرية يوما وليلة، فمرّ بقرية يقال لها «طاء النّمل» فلم يدخلها لحقارتها. فلمّا تجاوزها خرجت إليه عجوز - تعرف بمارية القبطية صاحبة القرية - وهي تصيح، فظنّها المأمون مستغيثة متظلّمة، فوقف لها - وكان لا يمشي أبدا إلاّ والتراجمة بين يديه من كل جنس فذكروا له أنّ القبطية قالت: يا أمير المؤمنين، نزلت في كلّ ضيعة وتجاوزت ضيعتي، والقبط تعيّرني بذلك، وأنا أسأل أمير المؤمنين أن يشرّفني بحلوله في ضيعتي ليكون لي الشّرف والعقبى، ولا تشمت بي الأعداء، وبكت بكاء كثيرا. فرقّ لها المأمون، وثنى عنان فرسه إليها ونزل. فجاء ولدها إلى صاحب المطبخ وسأله: كم تحتاج من الغنم والدّجاج والفراخ والسّمك والتّوابل والسّكّر والعسل والطّيب والشّمع

стр. 340

والفاكهة والعلوفة وغير ذلك ممّا جرت به عادته؟ فأحضر جميع ذلك إليه بزيادة. وكان مع المأمون أخوه المعتصم، وابنه العبّاس، وأولاد أخيه الواثق والمتوكّل، ويحيى بن أكثم والقاضي أحمد بن داود، فأحضرت لكلّ واحد منهم ما يخصّه على انفراده، ولم تكل أحدا منهم ولا من القوّاد إلى غيره، ثم أحضرت للمأمون من فاخر الطّعام ولذيذه شيئا كثيرا حتى إنّه استعظم ذلك. فلمّا أصبح - وقد عزم على الرّحيل - حضرت إليه، ومعها عشر وصائف مع كلّ وصيفة طبق، فلما عاينها المأمون من بعد قال لمن حضر: قد جاءتكم القبطيّة بهديّة الرّيف: الكامخ، والصّحناة، والصّبر. فلمّا وضعت ذلك بين يديه إذا في كلّ طبق كيس من ذهب، فاستحسن ذلك وأمرها بإعادته، فقالت: لا، واللّه لا أفعل. فتأمّل الذّهب فإذا به ضرب عام واحد كلّه، فقال: هذا واللّه أعجب، ربّما يعجز بيت مالنا عن مثل ذلك! فقالت: يا أمير المؤمنين، لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا؛ فقال: إنّ في بعض ما صنعت لكفاية، ولا نحبّ التّثقيل عليك، فردّي مالك بارك اللّه فيك. فأخذت قطعة من الأرض وقالت: يا أمير المؤمنين، هذا - وأشارت إلى الذّهب - من هذا - وأشارت إلى الطّينة التي تناولتها من الأرض - ثم من عدلك يا أمير المؤمنين، وعندي من هذا شيء كثير. فأمر به فأخذ منها، وأقطعها عدّة ضياع، وأعطاها من قريتها «طاء النّمل» مائتي فدّان بغير خراج، وانصرف متعجّبا من كبر مروءتها وسعة حالها (١). ذكر قبالات أراضي مصر بعد ما فشا الإسلام في القبط، ونزلت (¬a) العرب في القرى، وما كان من ذلك إلى الرّوك الأخير النّاصريّ / وكان من خبر أراضي مصر - بعد نزول العرب بأريافها واستيطانهم وأهاليهم فيها، واتّخاذهم الزّرع معاشا وكسبا، وانقياد جمهور القبط إلى إظهار

стр. 341

الإسلام (١)، واختلاط أنسابهم بأنساب المسلمين لنكاحهم المسلمات - أنّ متولّي خراج مصر كان يجلس في جامع عمرو بن العاص من الفسطاط في الوقت الذي تتهيّأ فيه قبالة الأراضي، وقد اجتمع الناس من القرى والمدن، فيقوم رجل ينادي على البلاد صفقات صفقات، وكتّاب الخراج بين يدي متولّي الخراج يكتبون ما ينتهي إليه مبالغ الكور والصّفقات على من يتقبّلها من الناس، وكانت البلاد يتقبّلها متقبّلوها لأربع (¬a) سنين لأجل الظّمأ والاستبحار وغير ذلك. فإذا انقضى هذا الأمر، خرج كلّ من (¬b) تقبّل أرضا وضمنها إلى ناحيته، فتولّى (¬c) زراعتها وإصلاح جسورها وسائر وجوه أعمالها بنفسه وأهله ومن ينتدبه لذلك، ويحمل ما عليه من الخراج في إبانه على أقساط، ويحسب له من مبلغ قبالته وضمانه لتلك الأراضي ما ينفقه على عمارة جسورها وسدّ تراعها وحفر خلجها، بضرائب مقدّرة في ديوان الخراج (٢). ويتأخّر من مبلغ الخراج في كلّ سنة شيء (¬d) في جهات الضّمّان والمتقبّلين، ويقال لما تأخّر من مال الخراج «البواقي». وكانت الولاة تشدّد في طلب ذلك مرّة وتسامح به مرّة. فإذا مضى من الزّمان ثلاثون سنة حوّلوا السّنة، وراكوا البلاد كلّها وعدّلوها تعديلا جديدا، فزيد فيما يحتمل الزّيادة من غير ضمان البلاد، ونقص فيما يحتاج إلى التّنقيص منها. وكان (¬e) ذلك يعمل في جامع عمرو بن العاص إلى أن عمّر أحمد بن طولون جامعه، وصار العسكر منزلا لأمراء مصر، فنقل الدّيوان إلى جامع أحمد بن طولون. ثم نقل

стр. 342

في (¬a) أيّام العزيز باللّه نزار إلى دار الوزير يعقوب بن كلّس، فلمّا مات الوزير نقل الدّيوان إلى القصر بالقاهرة، فاستمرّ (¬b) به مدّة الدولة الفاطمية، ثم نقل منه بعدها. (¬c)) وسأتلو عليك من نبأ ذلك ما يتّضح به ما ذكرت (¬c). قال ابن زولاق في كتاب «أخبار الماذرائيين» (١) كتّاب مصر: وحضر أبو الحسن وهب بن إسماعيل مجلس أبي بكر محمد (¬a) بن عليّ الماذرائي في المسجد الجامع، وهو يعقد الضّياع، فقال له أبو بكر: السّاعة آمر بالنّداء على صفقة، فخذها شركة بيني وبينك. فنودي على صفقة، فقال أبو بكر: اعقدوها على أبي الحسن، فعقدت عليه وعملها (¬d)، فأفضلت له أربعين ألف دينار، فاستنضّ عشرين ألف دينار ولم يدر ما يعمل فيها إلى أن اجتمع مع أبي يعقوب - كاتب أبي بكر - ليتحدّثا، فقال أبو يعقوب: رأيت الشّيخ - يعني أبا بكر الماذرائي - في اليوم مشغول القلب، أراد جمع مال وقد عجز عنه، فقال له أبو الحسن: عندي نحو عشرين ألف دينار، فقال: جئني بها، فأنفذها إليه وجاءه خطّه بالمبلغ. فاتّفق أن مضى أبو الحسن إلى أبي بكر الماذرائيّ، فقال له: تلك الصّفقة قد غلقت ما عليها وفضل أربعون ألف دينار، وقد حصل عندي عشرون ألف دينار حملتها إلى أبي يعقوب، وأرسلت في استخراج الباقي وأحمله (¬e). فقال الماذرائي: ما هذا العجز؟ إنّما قلت لك تكون بيني وبينك خوفا من تفريطك، وإنّما أردت حفظ المال عليك. ثم أمر أبا يعقوب أن يردّ عليه ما دفعه إليه، وقال لأبي الحسن: ردّ عليه خطّه. فقبض ما دفعه إلى أبي يعقوب. وبلغ خراج مصر، في السّنة التي دخل فيها جوهر القائد: ثلاثة آلاف ألف دينار وأربع مائة ألف دينار ونيّفا.

стр. 343

وقال (١) في كتاب «سيرة المعزّ لدين اللّه معدّ»: ولستّ عشرة بقيت من المحرّم سنة ثلاث وستين وثلاث مائة، قلّد المعزّ لدين اللّه الخراج ووجوه الأموال وغير ذلك، يعقوب بن كلّس وعسلوج ابن الحسن، وجلسا غد (¬a) هذا اليوم في دار الإمارة في جامع ابن طولون للنّداء على الضّياع وسائر وجوه الأموال، وحضر الناس للقبالات، وطلبوا البقايا من الأموال ممّا على المالكين والمتقبّلين والعمّال (٢). وقال جامع «سيرة الوزير النّاصر للدين الحسن بن عليّ اليازوري» (٣): وأراد أن يعرف قدر ارتفاع الدولة (٤)، وما عليها من النّفقات، ليقايس بينهما، فتقدّم إلى أصحاب الدّواوين بأن يعمل كلّ منهم ارتفاع ما يجري في ديوانه، وما عليه من النّفقات، فعمل ذلك وسلّمه إلى متولّي ديوان المجلس - وهو زمام الدّواوين - فنظّم عليه عملا جامعا وأحضره إيّاه. فرأى ارتفاع الدّولة ألفي ألف دينار: منها الشّام ألف ألف دينار، و (¬b)) نفقاته بإزاء ارتفاعه، ومنها الرّيف وباقي الدّولة ألف ألف دينار (¬b) (٥)، يقف منها عن معلول ومنكسر عن موتى وهرّاب ومفقود مائتا ألف دينار، ويبقى ثمان مائة ألف دينار يصرف منها للرجال عن واجباتهم وكساويهم ثلاث مائة ألف دينار، وعن ثمن

стр. 344

غلّة للقصور مائة ألف دينار، وعن نفقات القصور مائتا ألف دينار، وعن عمائر وما يقام للضّيوف الواصلين من الملوك وغيرهم مائة ألف دينار، ويبقى بعد ذلك مائة ألف دينار حاصلة يحملها كلّ سنة إلى بيت المال المصون، فحظي بذلك عند سلطانه وخفّ على قلبه. قال: وانتهى ارتفاع الأرض السّفلى إلى ما لا نسبة له من ارتفاعها الأوّل - يعني بعد موت اليازوري وحدوث الفتن - وهو قبل سني الفتن. يعني في أيّام اليازوري - ستّ مائة ألف دينار/ كانت تحمل في دفعتين في السنة: في مستهلّ رجب ثلاث مائة ألف دينار، وفي مستهلّ المحرم ثلاث مائة ألف دينار، فاتّضع الارتفاع وعظمت الواجبات (١). وقال ابن ميسّر: وأمر الأفضل بن أمير الجيوش بعمل تقدير ارتفاع ديار مصر، فجاء خمسة آلاف ألف دينار، وكان متحصّل الأهراء ألف ألف أردبّ (٢). وقال الأمير جمال الملك موسى بن المأمون البطائحي، في «تاريخه» من حوادث سنة إحدى وخمس مائة: ثم رأى القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحي من (¬a)) اختلال أحوال الرّجال العسكرية والمقطعين، وتضرّرهم من كون إقطاعاتهم قد خسّ ارتفاعها، وساءت أحوالهم لقلّة المتحصّل منها، وأنّ إقطاعات الأمراء، قد تضاعف ارتفاعها وازدادت عن عبرها (٣) (¬b)، وأنّ في كلّ ناحية من الفواضل للديوان جملة تجيء بالعسف وبتردّد الرّسل من الديوان بسببها (¬a) (٤). فخاطب الأفضل بن أمير الجيوش في أن يحلّ الإقطاعات جميعها ويروكها (¬c)، وعرّفه أنّ المصلحة تعود في ذلك على المقطعين والدّيوان، لأنّ الدّيوان يتحصّل له من هذه الفواضل جملة

стр. 345

يحصل بها بلاد مقوّرة (١). فأجاب إلى ذلك، وحلّ جميع الإقطاعات وراكها (٢). وأخذ كلّ من الأقوياء والمميّزين يتضرّرون، ويذكرون أنّ لهم بساتين وأملاكا ومعاصر في نواحيهم، فقال له: من كان له ملك فهو باق عليه لا يدخل في الإقطاع، وهو محكّم: إن شاء باعه وإن شاء آجره. فلمّا حلّت الإقطاعات أمر الضّعفاء من الأجناد أن يتزايدوا فيها، فوقعت الزيادة في إقطاعات الأقوياء إلى أن انتهت إلى مبلغ معلوم، وكتبت السّجلاّت بأنّها باقية في أيديهم إلى مدّة ثلاثين سنة لا يقبل عليهم فيها زائد. وأحضر الأقوياء وقال لهم: ما تكرهون من الإقطاعات التي كانت بيد الأجناد؟ قالوا: كثرة عبرتها وقلّة متحصّلها، وخرابها وقلّة السّاكن بها؛ فقال لهم: ابذلوا في كلّ ناحية ما تحتمله وتقوّي رغبتكم فيه، ولا تنظروا في العبرة الأولى. فعند ذلك طابت نفوسهم، وتزايدوا فيها إلى أن بلغت إلى الحدّ الذي رغب كلّ منهم فيه، فأقطعوا به، وكتب لهم السّجلاّت على الحكم المتقدّم. فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم. وحصل للديوان بلاد مقوّرة، بما كان مفرّقا في الإقطاعات، بما مبلغه خمسون ألف دينار (٣). وقال في حوادث سنة خمس عشرة وخمس مائة: وكان قد تقدّم أمر الأجلّ المأمون بعمل حساب الدّولة من الهلاليّ والخراجيّ، وجعل نظمه على جملتين: إحداهما إلى سنة عشر وخمس مائة الهلالية الخراجية، والجملة الثانية إلى آخر سنة خمس عشرة وخمس مائة هلالي وما يوافقها من الخراجية؛ فانعقدت على جملة كبيرة من العين والأصناف، وشرحت بأسماء أربابها وتعيين بلادها، فلمّا أحضرت أمر بكتب سجلّ يتضمّن المسامحة بالبواقي إلى آخر سنة عشر وخمس مائة، ونسخته بعد التّصدير: «ولمّا انتهى إلينا حال المعاملين والضّمناء والمتصرّفين وما في جهاتهم من بقايا معاملاتهم، أنعمنا بما تضمّنه هذا السّجلّ من المسامحة، قصدا في استخلاص ضامن طالت غفلته وخربت ذمّته، وإنقاذ عامل أجحف به من الدّيوان طلبته، وتوفير الرّغبة على عمارتها، وجريها فيها على قديم عادتها.

стр. 346

ولمّا كان ذلك من جميل الأحدوثة التي لم تسبق إليها ولا شاركنا ملك فيها، اقتضت الحال إيرادها في هذا الكتاب وإيداعها هذا الباب، لما اطّلعنا عليه ممّا انتهت إليه أحوال الضّمناء والمعاملين بالمملكة، من الاختلال وتجمّد البقايا في جهاتهم والأموال، عطفنا عليهم برأفة ورحمة، وطالعنا المقام الأشرف النّبوي بالتّفصيل من أمورهم والجملة، واستخرجنا الأمر العالي بوضع ذلك في الحال. وإنشاء السّجلاّت الكريمة مقصورة على ذكر هذا الإحسان وتنفيذها إلى جميع البلدان ليقرأ على رؤوس الأشهاد بسائر البلاد. ومبلغ ما انتهت إليه هذه المسامحة، إلى حين ختم هذا السّجلّ: من العين ألفا ألف وسبع مائة ألف وعشرون ألفا وسبع مائة وسبعة وستون دينارا ونصف وثلث وثلثان وربع قيراط، ومن الفضّة النّقرة (١) أربعة دراهم، ومن الورق سبعة وستون ألفا وخمسة دراهم ونصف وسدس درهم. ومن الغلّة ثلاثة آلاف ألف وثمان مائة ألف وعشرة آلاف ومائتان وتسعة وثلاثون أردبّا وثمن ونصف وسدس وثلثي قيراط. ومن العنّاب ربع أردبّ، ومن ورق الصّباغ ألفان وأربع مائة وثلاثة أرادبّ ونصف، ومن زريعة الوسمة عشرة أرادب وربع، ومن الصّباغ ألف وأربع مائة وثمانون قنطارا ورطل ونصف، ومن الفوّه أربع مائة وسبعون رطلا، ومن الشّبّ تسع مائة وثلاثة عشر قنطارا ونصف، ومن الحديد خمس مائة رطل وأحد وثلاثون رطلا، ومن الزّفت ألف وثلاث مائة وثلاثة أرطال وربع وسدس، ومن القطران تسعة عشر رطلا وثلث. ومن الثّياب الحلبي ثلاثة أثواب، ومن المآزر مائة مئزر صوف، ومن الغرابيل مائة وسبعون غربالا. ومن الأغنام مائتا ألف وخمسة وثلاثون ألفا وثلاث مائة وخمسة أرؤس. ومن البسر ثلاث مائة وثلاثة عشر قنطارا وثمانية وثلاثون رطلا، ومن السّحيل ثلاث مائة ألف/ وخمسة وسبعون ألفا وخمس مائة وخمسون باعا، ومن الجريد أربع مائة ألف وثمانية وثلاثون ألفا وسبع مائة وثلاثة وخمسون جريدة، ومن السّلب ألف وأربع مائة وثلاثة وعشرون سلبة. ومن الأطراف ستة آلاف وسبع مائة وثلاثة

стр. 347

أطراف، ومن الملح ألفان وسبع مائة وثلاثة وتسعون إردبّا وثلث، ومن الأشنان أحد عشر إردبّا، ومن الرّمّان ألفا حبّة. ومن العسل النّحل خمس مائة وأحد وأربعون قنطارا وسدس، ومن الشّهد اثنان وثلاثون زيرا وقادوسا واحدا، ومن الشّمع أربع مائة وأربعون رطلا، ومن الخلايا ثلاثة آلاف وأربع مائة وخليّتان، ومن عسل القصب مائة وثمانية وثمانون قسطا (¬a). ومن الأبقار اثنان وعشرون ألفا ومائة وأربعة وستون رأسا، ومن الدّواب أربعة وسبعون رأسا. ومن السّمن ألفان وتسع مائة وستة وتسعون مطرا وسدس وثمن، ومن الجبن ثلاث مائة وعشرون رطلا. ومن الصّوف أربعة آلاف ومائة وثلاثة وعشرون جزّة، ومن الشّعر ستة آلاف وخمسون رطلا وربع، ومن بيوت الشّعر بيتان». وفصّل ذلك بجهاته ومعامليه. قال (١): ولمّا انتهى إلى المأمون ما يعتمد في الدّواوين، من قبول الزّيادات وفسخ عقود الضّمانات وانتزاعها ممّن كابد فيها المشقّة والتّعب، وتسليمها إلى باذل الزّيادة من غير كلفة ولا نصب، أنكر ذلك ومنع من ارتكابه، ونهى عن الولوج في بابه، وخرج أمره بإعفاء الكافّة أجمعين والضّمناء والمعاملين من قبول الزيادة فيما يتصرّفون فيه ويستولون عليه، ما داموا مغلقين وبأقساطهم قائمين. وتضمّن ذلك منشور قرئ في الجامعين الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وديواني المجلس والخاصّ الآمرين السّعيدين؛ ونسخته بعد التّصدير: «ولمّا انتهى إلى حضرتنا ما يعتمد في الدّواوين، ويقصده جماعة من المتصرّفين والمستخدمين، من تضمين الأبواب والرّباع والبساتين والحمّامات والقياسر والمساكن وغير ذلك من الضّمانات، للرّاغبين فيها ممّن تستمر معاملته ولا تنكر طريقته. فما هو إلاّ أن يحضر من يزيد عليه في ضمانه، حتى قد نقض عليه حكم الضّمان، وقبل ما يبذل من الزيادة كائنا من

стр. 348

كان، وقبضت يد الضّامن الأوّل عن التّصرّف، وتمكّن الضّامن الثاني من التّصرّف من غير رعاية للعقد على الضّامن الأوّل، ولا تحرّز في فسخه الذي لا يبيحه الشّرع ولا يتأوّل؛ أنكرنا ذلك على معتمديه، وذممناه من غير (¬a) قصد فاعليه ومرتكبيه، إذ كان للحقّ مجانبا، وعن مذهب الصّواب ذاهبا، وعرضنا ذلك بالمواقف المقدّسة المطهّرة - ضاعف اللّه أنوارها وأعلى أبدا منارها - واستخرجنا الأوامر المطاعة في كتب هذا المنشور إلى سائر الأعمال، بأنّه أي أحد من الناس ضمن ضمانا من باب أو ربع أو بستان أو ناحية أو كفر - وكان لأقساط ضمانه مؤدّيا، ولما يلزمه من ذلك مبديا، وللحقّ متّبعا - فإنّ ضمانه باق في يده لا تقبل زيادة عليه مدّة ضمانه على العقد المعقود، عملا بالواجب والنّظام المحمود، واتّباعا لما أمر اللّه تعالى في كتابه المجيد، إذ يقول جلّ من قائل: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [الآية ١ سورة المائدة]، إلى أن تنقضي مدّة الضّمان ويزول حكمها ويذهب وضعها ورسمها، حملا على قضيّة الواجب وسننها، واعتمادا على حكم الشّريعة التي ما ضلّ من اهتدى بفرائضها وسننها. فأمّا من ضمن ضمانا ولم يقم بما يجب عليه فيه، وأصرّ على المدافعة والمغالطة التي لا يعتمدها إلاّ كلّ ذميم الطّباع سفيه، فذلك الذي فسخ حكم ضمانه بنقضه الشّروط المشروطة عليه، وحكمه حكم من إذا زيد عليه في ضمانه نقل عنه وأخرج من يديه، لأنّه الذي بدأ بالفسخ وأوجد السّبيل إليه. فليعتمد كافّة أرباب الدّواوين، وجميع المتصرّفين والمستخدمين العمل بما تضمّنه هذا المنشور، وامتثال المأمور، وحمل هؤلاء الضّمناء والمعاملين على ما نصّ فيه، والحذر من تجاوزه وتعدّيه يعد ثبوته في ديواني المجلس والخاصّ الآمرين السّعيدين، وبحيث يثبت مثله إن شاء اللّه تعالى». قال: ووصلت المكاتبة من الوالي والمشارف، ومن كان ندب صحبته لكشف الأراضي

стр. 349

والسّواقي ومساحتها، متضمّنة ما أظهره الكشف وأوضحته المساحة على من بيده السّواقي - وهم عدّة كثيرة - من جملتها ساقية مساحتها ثلاث مائة وستون فدّانا تشتمل على النّخل والكرم وقصب السّكّر بمدينة إسنا خراجها في السنة عشرة دنانير، وما يجري في الأعمال هذا المجرى. وأنّهم وضعوا يد الدّيوان على جميعها، وطلبوا من أرباب السّواقي ما يدلّ على ما بأيديهم؛ فذكروا أنّهم انتقلت إليهم، ولم يظهروا ما يدلّ عليهم وقد سيّروا ملاّكها إلى الباب تحت الحوطة ليخرج الأمر بما يعتمد عليه في أمرهم. وعند وصولهم أوقع التّرسيم بهم إلى أن يقوموا بما يجب من الخراج عن هذه السّواقي، فإنّ الأملاك بجملتها لا تقوم بما يجب عليها. فوقف المذكورون للمأمون في يوم جلوسه للمظالم، فأمر بحضورهم بين يديه، وتقدّم إلى القاضي جلال الملك أبو الحجّاج يوسف بن أيّوب المغربي (١) - وهو يومئذ قاضي القضاة - لمحاكمتهم، فجرى له معهم/ مفاوضة أوجبت الحقّ عليهم، وألزمهم بالقيام بما يستغرق أحوالهم وأملاكهم. فحصل من تضرّرهم (¬a) ما أوجب العاطفة عليهم، وأخذهم بالخراج من بعد، وأن يضرب عمّا تقدّم صفحا، وكتب منشور نسخته. «قد علم كافّة (¬b) ما تراه من إفاضة سحب العدل عليهم والإحسان والنّظر في مصالح كلّ قاص منهم ودان، وأنّنا لا ندع ضررا يتوجّه إلى أحد من الرّعيّة إلا حسمناه، ولا نعلم صلاحا يعود نفعه عليه إلاّ قوّينا سببه ووصلناه، حسب ما يتعيّن على رعاة الأمم، وعملا بالواجب في البعيد والأمم، وسلوكا لمحجّة الدّولة الفاطميّة - خلّد اللّه ملكها - القويمة، واستمرارا على قضاياها وسجاياها الكريمة. ولمّا كنّا نرى النّظر في مصالح الرّعيّة (¬a) أمرا واجبا، ونصرف إلى

стр. 350

ولمّا كنّا نرى النّظر في مصالح الرّعيّة (¬a) أمرا واجبا، ونصرف إلى سياستهم عزما ماضيا ورأيا ثاقبا، كذلك نرى النّظر في أمور الدّواوين واستيفاء حقوقها المصروفة إلى حماية البيضة، والمحاماة عن الدّين، وجهاد الكفرة والملحدين، ليكون ما نراعيه وننظر فيه جاريا على سنن الواجب، محروسا من الخلل - بإذن اللّه تعالى - من جميع الجوانب. ومن اللّه نستمدّ مواد التّوفيق في الحلّ والعقد، ونسأله الإرشاد إلى سواء السّبيل والقصد، وما توفيقنا إلاّ باللّه، عليه نتوكّل، وهو حسبنا ونعم الوكيل». وكان القاضي الرّشيد بن الزّبير (١) - أيّام مشارفته الصّعيد الأعلى - قد طالع المجلس الأفضليّ بحال أرباب الأملاك هناك، وأنّهم قد استضافوا إلى أماكنهم من أملاك الدّواوين أراضي اغتصبوها، ومواضع مجاورة لأملاكهم تعدّوا عليها وخلطوها بها وحازوها. ورسم له كشفها ونظم المشاريح بها وارتجاعها للديوان، وأن يعتمد في ذلك ما يوجبه حكم العدل المثبوت (¬b) في كلّ قطر ومكان؛ وبآخر ذلك: «سيّرنا من الباب من يكشف ذلك على حقيقته وإنهائه على طيّته، فاعتمدوا ما أمروا به من الكشف في هذه الأملاك؛ ووردت المطالعة منهم بأنّهم التمسوا ممّن بيده ملك أو ساقية، ما يشهد بصحّة ملكه ومبلغ فدنه وذكر حدوده، فلم يحضر أحد منهم كتابا، ولا أوضح جوابا. وأصدروا إلى الدّيوان المشاريح بما كشفوه وأوضحوه، فوجد (¬c) التّعدّي فيه ظاهرا، وباب الحيف والظّلم غير متقاصر، والشّرع يوجب وضع اليد على ما هذه

стр. 351

بصحّة الملك رأسا، ولا يستند في ذلك إلى حجّة ادّخرها احترازا ممّا هذه (¬a) سبيله واحتراسا؛ لكن بحكم ما نراه من المصلحة للرّعية والعدل الذي أقمنا مناره، وأحيينا معالمه وآثاره، مع الرّغبة في عمارة البلاد ومصالح أحوالها، واستنباط الأرضين الدّاثرة، وإنشاء الغروس وإقامة السّواقي بها؛ أمرنا بكتب هذا المنشور وتلاوته بأعمال الصّعيد الأعلى، بإقرار جميع الأملاك والأرضين والسّواقي بأيدي أربابها الآن، من غير انتزاع شيء منها ولا ارتجاعه، وأن يقرّر عليها من الخراج ما يجب تقريره، ويشهد الدّيوان على أمثالهم بمثله، إحسانا إليهم لم نزل نتابع مثله ونواليه، وإنعاما ما برحنا نعيده عليهم ونبديه. وقد أنعمنا وتجاوزنا عمّا سلف، ونهينا عمّن يستأنف، وسامحنا من خرج إلى التّعدّي عن المألوف (¬b)، وجرينا على سنننا في العفو المعروف، وجعلناها توبة مقبولة من الجماعة الجانين، ومن عاد من الكافّة أجمعين فلينتقم اللّه منه، وطولب بمستأنفه وأمسه، وبرئت الذّمّة من ماله ونفسه، وتضاعفت عليه الغرامة والعقوبة، وسدّت في وجهه أبواب الشّفاعة والسّلامة. وقد فسحنا - مع ذلك - لكلّ من يرغب في عمارة أرض حلفاء داثرة وإدارة بئر مهجورة معطّلة، في أن يسلّم إليه ذلك ويقاس عليه، ولا يؤخذ منه خراج إلاّ في السّنة الرابعة من تسليمه إيّاه، وأن يكون المقرّر على كلّ فدّان ما توجبه زراعته لمثله خراجا مؤبّدا وأمرا مؤكّدا. فليعتمد ذلك النّواب وحكّام البلاد، ومن جرت العادة بحضوره عقد مجلس، وإحضار جميع أرباب الأملاك والسّواقي، وإشعارهم ما شملهم من هذا الإحسان الذي تجاوز آمالهم في إجابتهم إلى ما كانوا يسألون فيه، وتقرير ما يجب على الأملاك المذكورة من الخراج على الوضع الذي مثّلناه، ويجيز الدّيوان تقريره ويرضاه، مع تضمين الأراضي الدّاثرة والآبار المعطّلة لمن يرغب في ضمانها، ونظم المشاريح بذلك وإصدارها إلى الدّيون،

стр. 352

ليخلّد فيه على حكم أمثالها بعد ثبوت هذا المنشور بحيث يثبت مثله». قال: ولما سرت هذه المصالح إلى جميع أهل هذه الأعمال، حصل الاجتهاد في تحصيل مال الدّيوان وعمارة البلاد (١). واعلم أنّه لم يكن في الدّولة الفاطمية بديار مصر، ولا فيما مضى قبلها من دول أمراء مصر، لعساكر البلاد إقطاعات بمعنى ما عليه الحال اليوم في أجناد الدّولة التّركية (٢)، وإنّما كانت البلاد تضمّن بقبالات معروفة لمن شاء من الأمراء والأجناد والوجوه وأهل النّواحي من العرب والقبط وغيرهم (٣)، لا تعرف هذه الآبدة التي يقال لها اليوم الفلاحة، ويسمّى المزارع المقيم بالبلد «فلاحا قرارا»، فيصير عبدا قنّا لمن أقطع تلك الناحية، إلاّ أنّه لا يرجو قطّ أن يباع ولا يعتق، بل هو قنّ ما بقي ومن ولد له كذلك، بل كان من اختار زراعة أرض يقبّلها كما تقدّم، وحمل ما عليه لبيت المال؛ فإذا صار مال/ الخراج بالدّيوان، أنفق في طوائف العسكر من الخزائن. وكان مع ذلك إذا انحطّ ماء النّيل عن الأراضي، وتعلّقت نواحي مصر بأصناف الزّراعات، ندب من الحضرة من فيه نباهة، وخرج معه عدول يوثق بهم وكانت لهم معرفة بعلم الخراج، وكثيرا ما كان هذا الكاتب من النّصارى الأقباط. ويخرج إلى كلّ ناحية من ذكرنا، فيحرّرون مساحة ما شمله الرّيّ من الأراضي ممّا لعله بار أو شرق، ويكتب بذلك مكلّفات (٤) واضحة بالفدن والقطائع على جميع الأصناف المزروعة، ويحضر إلى دواوين الباب. فإذا مضى من السّنة القبطيّة أربعة أشهر، ندب من الأجناد من يعرف بالحماسة وقوّة البطش، وعيّن معه من الكتّاب العدول من قد اشتهر بالأمانة، وكاتب من نصارى القبط غير من خرج عند المساحة، وساروا إلى كلّ ناحية كذلك، فاستخرج مباشرو كلّ بلد ثلث ما وجب من مال الخراج على ما شهدت به المكلّفات، فإذا أحضر هذا الثّلث صرف في واجبات العساكر معه، وهكذا العمل في استخراج كلّ قسط طول الزّمان من كلّ سنة (١). وكانت تبقى في جهات

стр. 353

الضّمّان والمتقبّلين جملة بواق. وكانت بلاد مصر، إذ ذاك، تقبّل بعين وغلّة وأصناف، وقد عرف ذلك من نسخة المسموح الذي تضمّن ترك البواقي في أيّام الخليفة الآمر بأحكام اللّه ووزارة المأمون البطائحي. (١) ورأيت بخطّ الأسعد بن مهذّب بن زكريّا بن ممّاتي الكاتب المصري: سألت القاضي الفاضل عبد الرّحيم: كم كانت عدّة العسكر (¬a) في عرض ديوان الجيش، لمّا كان سيّدنا يتولّى ذلك في أيام رزّيك بن الصّالح؟ فقال: أربعون ألف فارس ونيفا، وثلاثين ألف راجل من السّودان (٢). وقال أبو عمرو عثمان النّابلسي في كتاب «حسن السّريرة في اتّخاذ الحصن بالجزيرة» (٣): إنّ ضرغاما لمّا ثار على شاور، وفرّ شاور إلى السّلطان نور الدين محمود بن زنكي بدمشق يستنجد به على ضرغام ويعده بأنّه يكون نائبا عنه بمصر ويحمل إليه الخراج، أنشأ لنور الدين غرما لم يكن. فجهّز ألف فارس، وقدّم عليهم أسد الدين شيركوه، وأمره بالتوجّه، فأبى وقال: لا أمضي أبدا، فإنّ هلاكي ومن معي وسوء سمعة (¬b) السّلطان معلوم من هنا، وكيف أمضي بألف فارس إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس، ومائة شيني (¬c) فيها عشرة آلاف مقاتل وأربعون ألف عبد وقوم مستوطنون في أوطانهم، قريب خزائنهم (¬d) - ونحن نأتيهم من تعب السّفر - بهذه العدّة القليلة؟

стр. 354

قال: ثمّ أجابه بعد ذلك. هذا - أعزّك اللّه - بعد ما كانت عساكر أحمد بن طولون، ما ستراه في ذكر القطائع إن شاء اللّه تعالى، ثم ما كان من عساكر الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد، وهي - على ما حكاه غير واحد، منهم ابن خلّكان - أنّها كانت أربع مائة ألف (١). ولمّا انقضت دولة الفاطميين بدخول الغزّ من بلاد الشّام، واستولى صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مملكة مصر، تغيّر الحال في ذلك كلّه (¬b). قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وستين وخمس مائة: في ثامن المحرّم خرجت الأوامر الصّلاحية بركوب العساكر قديمها وجديدها، بعد أن أنذر حاضرها وغائبها، وتوافى وصولها وتكامل سلاحها وخيولها، فحضر في هذا اليوم جموع، شهد كلّ من علا سنّة وقرطس ظنّه أنّ ملكا من ملوك الإسلام لم يحز مثلها، وشاهدت رسل الرّوم والفرنج ما أرغم أنوف الكفرة. ولم يتكامل اجتياز العساكر موكبا بعد موكب، وطلبا بعد طلب (والطّلب - بلغة الغزّ - هو الأمير المقدّم الذي له علم معقود وبوق مضروب، وعدّة من مائتي فارس إلى مائة فارس إلى سبعين فارسا) إلى أن انقضى النّهار، ودخل الليل وعاد ولم يكمل عرضهم. وكانت العدّة الحاضرة مائة وسبعة وأربعين طلبا، والغائب منها عشرون طلبا، وتقدير العدّة يناهز أربعة عشر ألف فارس (٢)، أكثرها طواشية (٣) - والطّواشي من رزقه من سبع مائة إلى الف إلى مائة وعشرين وما بين ذلك، وله برك (٤) من عشرة رؤوس إلى ما دونها ما بين فرس وبرذون وبغل وجمل، وله غلام

стр. 355

يحمل سلاحه - وقرا غلاميّة (٢) تتمّة الجملة. قال: وفي هذه السّفرة عرض العربان الخدّامين، فكانت عدّتهم سبعة آلاف فارس، واستقرّت عدّتهم على ألف وثلث مائة فارس لا غير، وأخذ بها الحكم عشر الواجب، وكان أصله ألف ألف دينار، على حكم الاعتداد الذي يتأصّل ولا يتحصّل، وكلف التّغالبة ذلك فامتعضوا ولوّحوا بالتحّيز إلى الفرنج. وقال في «متجدّدات» شهر رجب سنة سبع وسبعين وخمس مائة: استمرّ انتصاب السّلطان صلاح الدين في هذه السنة للنّظر في أمور الإقطاعات ومعرفة عبرها، والنّقص منها والزيادة فيها، وإثبات المحروم وزيادة المشكور، إلى أن استقرّت العدّة على ثمانية آلاف وستّ مائة وأربعين فارسا: أمراء مائة وأحد عشر أميرا، طواشية ستة آلاف وتسع مائة وستة وسبعون، قرا غلاميّة ألف وخمس مائة وثلاثة وخمسون. والمستقرّ لهم من المال ثلاثة آلاف ألف وستّ مائة ألف وسبعون ألفا وخمس مائة دينار، وذاك خارج عن المحلولين من الأجناد الموسومين بالحوالة على العشر، وعن عدّة العربان المقطعين بالشّرقيّة والبحيرة، وعن الكنانيين والمضريين (¬a) والفقهاء/ والقضاة والصّوفيّة، وعمّا يجري بالديوان ولا يقصر عن ألف ألف دينار (٣). وقال في «متجدّدات» سنة خمس وثمانين وخمس مائة: أوراق بما استقرّ عليه عبر البلاد من إسكندرية إلى عيذاب، إلى آخر الرابع والعشرين من شعبان سنة خمس وثمانين وخمس مائة، خارجا عن الثّغور وأبواب الأموال الدّيوانية والأحكار والحبس ومنفلوط ومنقباط وعدّة نواح
следующие страницы →