← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

مخطّط القبّة المنصورية (عن (Creswell وقصد الملوك بإقامة الخدّام في هذه القاعة، التي يتوصّل إلى القبّة منها، إقامة ناموس الملك بعد الموت كما كان في مدّة الحياة، وهم إلى اليوم لا يمكّنون أحدا من الدّخول إلى القبّة إلاّ من كان من أهلها. وللّه درّ يحيى بن حكم البكري الجياني المغربي - الملقّب بالغزال لجماله - حيث يقول: [الوافر] أرى أهل الثّراء إذا توفّوا … بنوا تلك المقابر بالصّخور أبوا إلاّ مباهاة وتيها … على الفقراء حتى في القبور وفي هذه القبّة دروس للفقهاء على المذاهب الأربعة، وتعرف بدروس وقف الصّالح. وذلك أنّ الملك الصّالح عماد الدّين إسماعيل بن محمد بن قلاوون قصد عمارة مدرسة، فاخترمته المنيّة دون بلوغ غرضه. فقام الأمير أرغون العلائي، زوج أمّه، في وقف قرية تعرف بدهمشا الحمّام من الأعمال الشّرقيّة، عن أمّ الملك الصّالح. فأثبته بطريق الوكالة عنها، ورتّب ما كان الملك الصّالح

стр. 2907

إسماعيل قرّره في حياته لو أنشأ مدرسة، وجعل ذلك الأمير أرغون مرتّبا لمن يقوم به في القبّة المنصورية. وهو وقف جليل يتحصّل منه في كلّ سنة نحو الأربعة آلاف دينار ذهبا. ثم لمّا كانت الحوادث وخربت الناحية المذكورة، تلاشى أمر وقف الصّالح وفيه إلى اليوم بقيّة. وكان لا يلي تدريس دروسه إلاّ قضاة القضاة، فوليه الآن الصّبيان ومن لا يؤهّل - لو كانت الإنصاف - له. وفي هذه القبّة أيضا قرّاء يتناوبون القراءة بالشّبابيك المطلّة على الشّارع طول الليل والنهار، وهم من جهة ثلاثة أوقاف: فطائفة من جهة وقف الملك الصّالح إسماعيل، وطائفة من جهة الوقف السّيفي وهو منسوب إلى الملك المنصور سيف الدّين أبي بكر ابن الملك الناصر محمد ابن قلاوون (١). وبهذه القبّة إمام راتب يصلّي بالخدّام والقرّاء وغيرهم الصّلوات الخمس، ويفتح له باب فيما بين القبّة والمحراب يدخل منه من يصلّي من الناس، ثم يغلق بعد انقضاء الصّلاة. وبهذه القبّة خزانة جليلة، كان فيها عدّة أحمال من الكتب في أنواع العلوم ممّا وقفه الملك المنصور وغيره، وقد ذهب معظم هذه الكتب، وتفرّق في أيدي الناس (٢). وفي هذه القبّة خزانة بها ثياب الملوك (¬a) المقبورين بها، ولهم فرّاش معلوم بمعلوم لتعهّدهم، ويوضع ما يتحصّل من مال أوقاف المارستان بهذه القبّة تحت أيدي الخدّام. وكانت العادة أنّه إذا أمّر السّلطان أحدا من أمراء مصر والشّام، فإنّه ينزل من قلعة الجبل وعليه التّشريف والشّربوش، وتوقد له القاهرة، فيمرّ إلى المدرسة الصّالحيّة بين القصرين، وعمل ذلك

стр. 2908

من عهد سلطنة المعزّ أبيك ومن بعده. فنقل ذلك (¬f) في دولة بني قلاوون (¬f) إلى القبّة المنصورية، وصار الأمير يحلف عند القبر المذكور ويحضر تحليفه/ حاجب (¬a) الحجّاب، وتمدّ أسمطة جليلة بهذه القبّة، ثم ينصرف الأمير، ويجلس له في طول شارع القاهرة إلى القلعة المغاني (¬b) لتزفّه في نزوله وصعوده. وكان هذا من جملة متنزّهات القاهرة، وقد بطل ذلك منذ انقرضت دولة بني قلاوون. ومن جملة أخبار هذه القبّة أنّه لمّا كان في يوم الخميس مستهلّ المحرّم سنة تسعين وستّ مائة، بعث الملك الأشرف صلاح الدّين خليل بن قلاوون بجملة مال تصدّق به في هذه القبّة، ثم أمر بنقل أبيه من القلعة. فخرج سائر الأمراء ونائب السّلطنة الأمير بيدرا بدر الدّين، والوزير الصّاحب شمس الدّين محمد بن السّلعوس التّنوخي وحضروا بعد صلاة العشاء الآخرة، ومشوا بأجمعهم قدّام تابوت الملك المنصور إلى الجامع الأزهر، فوجدوا (¬c) القضاة ومشايخ الصّوفية (¬d) والقرّاء قد اجتمعوا لذلك (¬d). فتقدّم قاضي القضاة تقيّ الدّين بن دقيق العيد وصلّى على الجنازة، وخرج الجميع أمامها إلى القبّة المنصوريّة حتى دفن فيها، وذلك في ليلة الجمعة ثاني المحرّم، وقيل عاشره. ثم عاد الوزير والنائب من الدّهليز خارج القاهرة إلى القبّة المنصوريّة لعمل مجتمع بسبب قراءة ختمة شريفة (¬e) (¬d) عند قبر الملك المنصور (¬d) في ليلة الجمعة ثامن عشرين صفر منها، وحضر المشايخ والقرّاء والقضاة في جمع موفور، وفرّق في الفقراء صدقات جزيلة، ومدّت أسمطة كثيرة، وتفرّقت الناس أطعمتها حتى امتلأت الأيدي بها، وكانت إحدى الليالي الغرّ كثر الدّعاء فيها للسّلطان وعساكر الإسلام بالنصر على أعداء الملّة، وحضر الملك الأشرف بكرة يوم الجمعة إلى القبّة المنصوريّة، وفرّق مالا كثيرا (١). وكان الملك الأشرف قد برز يريد المسير لجهاد الفرنج وأخذ مدينة عكّا، فسار لذلك وعاد في

стр. 2909

العشرين من شعبان - وقد فتح اللّه له مدينة عكّا عنوة بالسّيف، وخرّب أسوارها - وكان عبوره إلى القاهرة من باب النصر وقد زيّنت القاهرة زينة عظيمة (١). فعندما حاذي باب المارستان نزل إلى القبّة المنصوريّة - وقد غصّت بالقضاة والأعيان والقرّاء والمشايخ والفقهاء - فتلقّوه كلّهم بالدّعاء حتى جلس فأخذ القرّاء في القراءة، وقام نجم الدّين محمد بن فتح الدّين محمد بن عبد اللّه ابن مهلهل بن غيّاث بن نصر - المعروف بابن العنبري الواعظ (٢) - وصعد منبرا نصب له فجلس عليه، وافتتح ينشد قصيدة تشتمل على ذكر الجهاد وما فيه من الأجر، فلم يسعد فيها بحظّ، وذلك أنّه افتتحها بقوله: [الكامل] زر والديك وقف على قبريهما … فكأنّي بك قد نقلت إليهما (¬a) وكان السّلطان عنده ذكاء وفهم لمعاني الشّعر (¬a)، فعندما سمع الأشرف هذا البيت تطيّر منه، ونهض قائما وهو يسبّ الأمير بيدرا نائب السّلطنة لشدّة حنقه، وقال له (¬b): ما وجد هذا شيئا يقوله سوى هذا البيت! فأخذ بيدرا في تسكين حنقه والاعتذار له عن ابن العنبري بأنّه قد انفرد في هذا الوقت بحسن الوعظ، ولا نظير له فيه، إلاّ أنّه لم يرزق سعادة في هذا الوقت (١). فلم يصغ السّلطان إلى قوله وسار، فانفضّ المجلس على غير شيء، وصعد السّلطان إلى قلعة الجبل. ثم بعد أيّام سأل السّلطان عن وقف المارستان، وأحبّ أن يجدّد له وقفا من بلاد عكّا التي افتتحها بسيفه، فاستدعى السّلطان (¬b) القضاة، وشاورهم فيما همّ به من ذلك. فرغّبوه فيه، وحثّوه على المبادرة إليه. فعيّن أربع ضياع من ضياع عكّا وصور ليقفها على مصالح المدرسة والقبّة المنصوريّة، وما تحتاج إليه من ثمن زيت وشمع ومصابيح وبسط وكلفة السّاقية، وعلى خمسين مقرئا يرتّبون لقراءة القرآن الكريم بالقبّة، وإمام راتب يصلّي بالناس الصّلوات الخمس في محراب القبّة، وستّة خدّام يقيمون بالقبّة، وهي: الكابرة، وتلّ الشّيوخ، وكردانة وضواحيها من عكّا، ومن ساحل صور معركة وصدفين - وكتب بذلك كتاب وقف، وجعل النظر في ذلك لوزيره الصّاحب شمس الدّين محمد بن السّلعوس.

стр. 2910

فلمّا تمّ ذلك، تقدّم بعمل مجتمع بالقبّة لقراءة ختمة شريفة، وذلك ليلة الاثنين رابع ذي القعدة سنة تسعين وستّ مائة. فاجتمع القرّاء والوعّاظ والمشايخ والفقراء والقضاة لذلك، وخلع على عامّة أرباب الوظائف والوعّاظ، وفرّقت في الناس صدقات جمّة. وعمل مهمّ عظيم احتفل فيه الوزير احتفالا زائدا، وبات الأمير بدر الدّين بيدرا نائب السّلطنة والأمير الوزير شمس الدّين محمد بن السّلعوس بالقبّة. وحضر السّلطان ومعه الخليفة الحاكم بأمر اللّه أحمد وعليه سواده، فخطب الخليفة خطبة بليغة حرّض فيها على أخذ العراق من التّتار. فلمّا فرغ من المهمّ، أفاض السّلطان على الوزير تشريفا سنيّا. وفي يوم الخميس حادي عشر ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وستّ مائة، اجتمع القرّاء والوعّاظ والفقهاء والأعيان بالقبّة المنصوريّة لقراءة ختمة شريفة، ونزل السّلطان الملك الأشرف وتصدّق بمال كثير (١). وآخر من نزل إلى القبّة المنصوريّة من ملوك بني قلاوون، السّلطان الملك الناصر حسن ابن محمد بن قلاوون في سنة إحدى وستين وسبع مائة، وحضر عنده بالقبّة مشايخ العلم، وبحثوا في العلم، وزار قبر أبيه وجدّه، ثم خرج فنظر في أمر المرضى بالمارستان، وتوجّه إلى قلعة الجبل (٢). / المدرسة الناصريّة [أثر رقم ٤٤] هذه المدرسة بجوار القبّة المنصوريّة من شرقيها (٣)، كان موضعها حمّاما، فأمر السّلطان الملك العادل زين الدّين كتبغا المنصوري بإنشاء مدرسة موضعها فابتدئ في عملها ووضع أساسها،

стр. 2911

الباب الرّخامي للمدرسة الناصريّة بين القصرين الزّخارف الجصّيّة لمئذنة المدرسة الناصريّة

стр. 2912

وارتفع بناؤها عن الأرض إلى نحو الطراز المذهّب الذي بظاهرها، فكان من خلعه ما كان (١). فلمّا عاد السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى مملكة مصر (¬a) في المرّة الثانية (¬a) في سنة ثمان وتسعين وستّ مائة أمر بإتمامها، فكملت في سنة ثلاث وسبع مائة (٢). مخطّط مدرسة الناصر محمد بن قلاوون (عن (Creswell

стр. 2913

وهي من أجلّ مباني القاهرة، وبابها من أعجب ما عملته أيدي بني آدم، فإنّه (¬a) قطعة واحدة (¬a) من الرّخام الأبيض البديع الزيّ الفائق الصّناعة، ونقل إلى القاهرة من مدينة عكّا. وذلك أنّ الملك الأشرف خليل بن قلاوون، لمّا فتح عكّا عنوة في سابع عشر جمادى الأولى سنة تسعين وستّ مائة، أقام الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي لهدم أسوارها وتخريب كنائسها. فوجد هذه البوّابة على باب كنيسة من كنائس عكّا، وهي من رخام، قواعدها وأعضادها وعمدها، كلّ ذلك متّصل بعضه ببعض، فحمل الجميع إلى القاهرة، وأقام عنده إلى أن قتل الملك الأشرف (١). وتمادى الحال على هذا أيّام سلطنة الملك الناصر محمد الأولى، فلمّا خلع وتملّك كتبغا أخذ دار الأمير سيف الدّين بلبان الرّشيدي ليعملها مدرسة، فدلّ على هذه البوّابة، فأخذها من ورثة الأمير بيدرا - فإنّها كانت قد انتقلت إليه - وعملها كتبغا على باب هذه المدرسة. فلمّا خلع من الملك، وأقيم الناصر محمد، اشترى هذه المدرسة قبل إتمامها والإشهاد بوقفها، وولي شراءها وصيّة قاضي القضاة زين الدّين عليّ بن مخلوف المالكي، وأنشأ بجوار هذه المدرسة من داخل بابها قبّة جليلة، لكنّها دون قبّة أبيه، ولمّا كملت نقل إليها أمّه بنت سكباي ابن قراجين (٢). ووقف على هذه المدرسة قيساريّة أمير عليّ بخطّ الشّرابشيين من القاهرة (٣)، والرّبع الذي يعلوها - وكان يعرف بالدّهّيشة - ووقف عليها أيضا حوانيت بخطّ باب الزّهومة من

стр. 2914

محراب المدرسة الناصريّة الجانب الشّمالي الغربي من القبّة الناصريّة

стр. 2915

القاهرة، ودار الطعم خارج مدينة دمشق (١). فلمّا مات ابنه أنوك، من الخاتون طغاي، في يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين وسبع مائة وعمره ثماني عشرة سنة، دفنه بهذه القبّة، وعمل عليها وقفا يختصّ بها. وهو باق إلى اليوم يصرف لقرّاء وغير ذلك. وأوّل من رتّب في تدريس المدرسة الناصرية من المدرّسين قاضي القضاة زين الدّين عليّ ابن مخلوف المالكي (٢) ليدرّس فقه المالكية بالإيوان الكبير القبلي، وقاضي القضاة شرف الدّين عبد الغني الحرّاني (٣) ليدرّس فقه الحنابلة بالإيوان الغربي، وقاضي القضاة أحمد بن السّروجي الحنفي (٤) ليدرّس فقه الحنفيّة بالإيوان الشّرقي، والشّيخ صدر الدّين محمد بن المرحّل - المعروف بابن الوكيل - الشّافعيّ ليدرّس فقه الشّافعية بالإيوان البحري. وقرّر عند كلّ مدرّس منهم عدّة من الطلبة وأجرى عليهم المعاليم، ورتّب بها إماما يؤمّ بالناس في الصّلوات الخمس، وجعل بها خزانة كتب جليلة. وأدركت هذه المدرسة وهي محترمة إلى الغاية يجلس بدهليزها عدّة من الطواشيّة، ولا يمكّن غريب أن يصعد إليها. وكان يفرّق بها على الطلبة والقرّاء وسائر أرباب الوظائف بها السّكّر في كلّ شهر، لكلّ أحد منهم نصيب، ويفرّق عليهم لحوم الأضاحي في كلّ سنة. وقد بطل ذلك، وذهب ما كان لها من الناموس، وهي اليوم عامرة من أجلّ المدارس.

стр. 2916

المدرسة الحجازية [أثر رقم ٣٦] هذه المدرسة برحبة باب العيد من القاهرة، بجوار قصر الحجازيّة، كان موضعها بابا من أبواب القصر يعرف بباب الزّمرّد (١). أنشأتها السّتّ الجليلة الكبرى خوند تتر الحجازيّة ابنة السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، زوجة الأمير ملكتمر الحجازي (٢)، وبه عرفت. وجعلت بهذه المدرسة درسا للفقهاء الشّافعيّة قرّرت فيه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدّين عمر ابن رسلان البلقيني (٣)، ودرسا للفقهاء المالكية، وجعلت بها منبرا يخطب عليه يوم الجمعة (٤)، ورتّبت لها إماما راتبا يقيم بالناس الصّلوات الخمس، وجعلت بها خزانة كتب. وأنشأت بجوارها قبّة من داخلها لتدفن تحتها، ورتّبت بشبّاك هذه القبّة عدّة قرّاء يتناوبون قراءة القرآن الكريم ليلا ونهارا، وأنشأت بها منارا عاليا من حجارة ليؤذّن عليه. وجعلت بجوار المدرسة

стр. 2917

مكتبا للسّبيل، فيه عدّة من أيتام المسلمين، ولهم مؤدّب يعلّمهم القرآن الكريم، ويجري عليهم في كلّ يوم لكلّ منهم أرغفة من الخبز النقيّ ومبلغ من الفلوس، ويقام لكلّ منهم بكسوتي الشّتاء والصّيف. وجعلت على هذه الجهات عدّة أوقاف جليلة يصرف منها لأرباب الوظائف المعاليم السّنيّة. وكان يفرّق فيهم كلّ سنة، أيّام عيد الفطر، الكعك والخشكنانك، وفي عيد الأضحى اللحم، وفي شهر رمضان يطبخ لهم الطعام. وقد بطل ذلك، ولم يبق غير المعلوم في كلّ شهر. وهي من المدارس الكيّسة، وعهدي بها محترمة إلى الغاية،/ يجلس بها عدّة من الطواشيّة، ولا يمكّنون أحدا من عبور القبّة التي فيها قبر خوند الحجازيّة إلاّ القرّاء فقط وقت قراءتهم خاصّة. واتّفق مرّة أنّ شخصا من القرّاء كان في نفسه شيء من أحد رفقائه، فأتى إلى كبير الطواشيّة بهذه القبّة، وقال له: إنّ فلانا دخل اليوم إلى القبّة وهو بغير سراويل. فغضب الطواشيّ من هذا القول، وعدّ ذلك ذنبا عظيما وفعلا محذورا، وطلب ذلك المقرئ، وأمر به فضرب بين يديه، وصار يقول له: تدخل على خوند بغير سراويل! وهمّ بإخراجه من وظيفة القراءة لولا ما حصل من شفاعة الناس فيه. مخطّط المدرسة الحجازية (عن (Ph.Speiser

стр. 2918

الواجهة الشّمالية لمدرسة تتر الحجازيّة مئذنة مدرسة تتر الحجازيّة

стр. 2919

وكان لا يلي نظر هذه المدرسة إلاّ الأمراء الأكابر، ثم صار يليها الخدّام وغيرهم. وكان إنشاؤها في سنة إحدى وستين وسبع مائة (١). ولمّا ولي الأمير جمال الدّين يوسف البجاسي وظيفة أستادّارية السّلطان الملك الناصر فرج ابن برقوق، وعمّر بجانب هذه المدرسة داره ثم مدرسته، صار يحبس في المدرسة الحجازيّة من يصادره أو يعاقبه، حتى امتلأت بالمسجونين والأعوان المرسّمين عليهم، فزالت تلك الأبّهة وذهب ذلك الناموس. واقتدى بجمال الدّين من سكن بعده من الأستادّارية في داره، وجعلوا هذه المدرسة سجنا، ومع ذلك فهي من أبهج مدارس القاهرة إلى الآن. مسقط رأسي للمدرسة الحجازية (عن (Ph.Speiser

стр. 2920

إيوان القبلة بالمدرسة الحجازيّة (قبل التّرميم) إيوان القبلة بالمدرسة الحجازيّة (بعد ترميم سنة ١٩٨١)

стр. 2921

المدرسة الطيبرسيّة [أثر رقم ٩٧] هذه المدرسة بجوار الجامع الأزهر من القاهرة، وهي غربيه ممّا يلي الجهة البحرية (¬a). أنشأها الأمير علاء الدّين طيبرس الخازنداري نقيب الجيوش كان (¬b)، وجعلها مسجدا للّه تعالى زيادة في الجامع الأزهر (¬c) على ما رأيته في كتاب وقفها (¬c)، وقرّر بها درسا للشّافعيّة (¬d)، وأنشأ بجوارها ميضأة (¬c) والفسقيّة التي داخل المقصورة الخشب محل بابها (¬c) وحوض ماء سبيل ترده الدّوابّ (١). وتأنّق في رخامها وتذهيب سقوفها، حتى جاءت في أبدع زيّ وأحسن قالب وأبهج ترتيب، لما فيها من إتقان العمل وجودة الصّناعة، بحيث إنّه لم يقدر أحد على محاكاة ما فيها من صناعة الرّخام، فإنّ جميعه أشكال المحاريب (٢)، وبلغت النفقة عليها جملة كثيرة، وانتهت عمارتها

стр. 2922

في سنة تسع وسبع مائة. ولها بسط تفرش في يوم الجمعة كلّها منقوشة بأشكال المحاريب أيضا (¬a) ووقفها عليها وهي باقية بها إلى الآن (¬a)، وفيها خزانة كتب، ولها إمام راتب. طيبرس بن عبد اللّه الوزيري (١) - كان في ملك الأمير بدر الدّين بيلبك مملوك الخازندار الظّاهري نائب السّلطنة، ثم انتقل إلى الأمير بدر الدّين بيدرا، وتنقّل في خدمته حتى صار نائب الصّبيبة، ورأى مناما للمنصور لاجين يدلّ على أنّه يصير سلطان مصر، وذلك قبل أن يتقلّد السّلطنة وهو نائب الشّام، فوعده إن صارت إليه السّلطنة أن يقدّمه وينوّه به. فلمّا تملّك لاجين استدعاه وولاّه نقابة الجيش بديار مصر - عوضا عن بلبان الفاخري - في سنة سبع وتسعين وستّ مائة. فباشر النقابة مباشرة مشكورة إلى الغاية، من إقامة الحرمة وأداء الأمانة والعفّة المفرطة، بحيث إنّه ما عرف عنه أنّه قبل من أحد هديّة ألبتّة، مع التزام الدّيانة والمواظبة على فعل الخير والغنى الواسع. وله من الآثار الجميلة الجامع والخانقاه بأراضي بستان الخشّاب (٢) المطلّة على النيل خارج القاهرة، فيما بينها وبين مصر بجوار المنشأة. وهو أوّل من عمّر في أراضي بستان الخشّاب، وقد تقدّم ذكر ذلك، ومن آثاره أيضا هذه المدرسة البديعة الزّيّ، وله على كلّ من هذه الأماكن أوقاف جليلة. ولم يزل في نقابة الجيش إلى أن مات في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وسبع مائة، ودفن في مكان بمدرسته هذه، وقبره بها إلى وقتنا هذا.

стр. 2923

ووجد له من بعده مال كثير جدّا، وأوصى إلى الأمير علاء الدّين عليّ الكوراني، وجعل الناظر على وصيّته الأمير أرغون نائب السّلطنة. واتّفق أنّه لمّا فرغ من بناء هذه المدرسة أحضر إليه مباشروه حساب مصروفها، فلمّا قدّم إليه استدعى بطشت فيه ماء، وغسل أوراق الحساب بأسرها من غير أن يقف على شيء منها، وقال: شيء خرجنا عنه للّه تعالى لا نحاسب عليه. ولهذه المدرسة شبابيك في جدار الجامع تشرف عليه، ويتوصّل من بعضها إليه، وما عمل ذلك حتى استفتى الفقهاء فيه، فأفتوه بجواز فعله، وقد تداولت أيدي نظّار السّوء على أوقاف طيبرس هذا، فخرب أكثرها، وخرب الجامع والخانقاه، وبقيت هذه المدرسة عمّرها اللّه بذكره. المدرسة الآقبغاويّة [أثر رقم ٩٧] هذه المدرسة بجوار الجامع الأزهر، على يسرة من يدخل إليه من بابه الكبير البحري، وهي تشرف بشبابيك على الجامع مركّبة في جداره، فصارت تجاه المدرسة الطيبرسيّة. كان موضعها دار الأمير الكبير عزّ الدّين أيدمر الحلّي نائب السّلطنة في أيّام الملك الظّاهر بيبرس، وميضأة للجامع، فأنشأها الأمير علاء الدّين آقبغا عبد الواحد/ أستادّار السّلطان (¬a) الملك الناصر محمد ابن قلاوون، وجعل بجوارها قبّة ومنارة من حجر منحوت (¬b)، (¬c) وذلك في سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة (¬c) (١).

стр. 2924

وهي (¬a) أوّل مئذنة عملت بديار مصر من الحجر بعد المنصورية (١)، وإنّما كانت قبل ذلك تبنى بالآجر، بناها هي والمدرسة المعلّم ابن السّيوفي رئيس المهندسين في الأيّام الناصريّة، وهو الذي تولّى بناء جامع المارديني خارج باب زويلة، وبنى مئذنته أيضا. وهي مدرسة مظلمة ليس عليها من بهجة المساجد ولا أنس بيوت العبادات شيء ألبتّة. وذلك أنّ آقبغا عبد الواحد اغتصب أرض هذه المدرسة، بأن أقرض ورثة أيدمر الحلّي مالا وأمهل حتّى تصرّفوا فيه، ثم أعسفهم في الطلب وألجأهم إلى أن أعطوه الدّار التي لهم (¬b)، فهدمها وبنى موضعها هذه المدرسة. وأضاف إلى اغتصابه البقعة أمثال ذلك من الظّلم، فبناها بأنواع من الغصب والعسف، وأخذ قطعة من سور الجامع حتى ساوى بها المدرسة الطيبرسيّة، وحشر لعملها الصّنّاع من البنّائين والنجّارين والحجّارين والمرخّمين والفعلة (¬c) الذين كانوا في عمائر السّلطان (¬c)، وقرّر مع الجميع أن يعمل كلّ منهم فيها يوما في كلّ أسبوع بغير أجرة. فكان يجتمع فيها كلّ (¬d) أسبوع سائر الصّنّاع الموجودين بالقاهرة ومصر، فيجدّون في العمل نهارهم كلّه بغير أجرة، وعليهم مملوك من مماليكه ولاّه شدّ العمارة، لم ير الناس أظلم منه ولا أعتى ولا أشدّ

стр. 2925

بأسا، ولا أقسى قلبا ولا أكثر عنتا. فلقي العمّال منه مشقّات لا توصف، وجاء مناسبا لمولاه. وحمل مع هذا إلى هذه العمارة سائر ما يحتاج إليه من الأمتعة وأصناف الآلات، وأنواع الاحتياجات من الحجر والخشب والرّخام والدّهان وغيره، من غير أن يدفع في شيء منه ثمنا ألبتّة، وإنّما كان يأخذ ذلك إمّا بطريق الغصب من الناس، أو على سبيل الخيانة من عمائر السّلطان، فإنّه كان من جملة ما بيده شدّ العمائر السّلطانية. وناسب هذه الأفعال أنّه ما عرف عنه قطّ أنّه نزل إلى هذه العمارة إلاّ وضرب فيها من الصّنّاع عدّة ضربا مؤلما، فيصير ذلك الضّرب زيادة على عمله بغير أجرة، فيقال فيه: كملت خصالك هذه بقماري. فلمّا فرغ من بنائها، جمع فيها سائر الفقهاء وجميع القضاة. وكان الشّريف شرف الدّين عليّ بن شهاب الدّين الحسين بن محمد بن الحسين - نقيب الأشراف ومحتسب القاهرة حينئذ - يؤمّل أن يكون مدرّسها، وسعى عنده في ذلك، فعمل بسطا على قياسها بلغ ثمنها ستة آلاف درهم فضّة، ورشاه بها ففرشت هناك. ولمّا تكامل حضور الناس بالمدرسة - وفي الذّهن أنّ الشّريف يلي التّدريس، وعرف أنّه هو الذي أحضر البسط التي قد فرشت - قال الأمير آقبغا لمن حضر: لا أولّي في هذه الأيّام أحدا، وقام فتفرّق الناس. وقرّر فيها درسا للشّافعيّة ولي تدريسه … (¬a) ودرسا للحنفيّة ولي تدريسه (¬a)، وجعل فيها عدّة من الصّوفية ولهم شيخ، وقرّر بها طائفة من القرّاء يقرأون القرآن بشبّاكها، وجعل لها إماما راتبا ومؤذّنا وفراشين وقومة ومباشرين، وجعل النظر للقاضي الشّافعي بديار مصر، وشرط في كتاب وقفه أن لا (¬b) يلي النظر أحد من ذرّيته، ووقف على هذه الجهات حوانيت خارج باب زويله بخطّ تحت الرّبع، وقرية بالوجه القبلي. وهذه المدرسة عامرة إلى يومنا هذا، إلاّ أنّه تعطّل منها الميضأة، وأضيفت إلى ميضأة الجامع لتغلّب بعض الأمراء - بمواطأة بعض النظّار - على بئر السّاقية التي كانت برسمها. آقبغا عبد الواحد الأمير علاء الدّين (١) - أحضره إلى القاهرة التاجر عبد الواحد بن بدال، فاشتراه منه الملك الناصر محمد بن قلاوون ولقّبه باسم تاجره الذي أحضره، فحظي عنده وعمله شادّ العمائر، فنهض فيها نهضة أعجبت به السّلطان وعظّمه حتى

стр. 2926

عمله أستادّار السّلطان بعد الأمير مغلطاي الجمالي، في المحرّم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، وولاّه مقدّم المماليك فقويت حرمته وعظمت مهابته، حتى صار سائر من في بيت السّلطان يخافه ويخشاه. وما برح على ذلك إلى أن مات الملك الناصر، وقام من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، فقبض عليه في يوم الاثنين سلخ المحرّم سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، وأمسك أيضا ولديه (١)، وأحيط بماله وسائر أملاكه، ورسم عليه الأمير طيبغا المجدي، وبيع موجوده من الخيل والجمال والجواري والقماش والأسلحة والأواني، فظهر له شيء عظيم إلى الغاية: من ذلك أنّه أبيع بقلعة الجبل - وبها كانت تعمل حلقات مبيعه - سراويل امرأته بمبلغ مائتي ألف درهم فضّة: عنها نحو عشرة آلاف دينار ذهب، وبيع له أيضا قبقاب وسارموذة (٢) وخفّ نسائي بمبلغ خمسة وسبعين ألف درهم فضّة: عنها زيادة على ثلاثة آلاف دينار، وأبيعت بدلة مقانع بمائة ألف درهم. وكثرت المرافعات عليه من التّجّار وغيرهم، فبعث السّلطان إليه شادّ الدّواوين يعرّفه أنّه أقسم بتربة الشّهيد - يعني أباه - أنّه متى لم يعط هؤلاء حقّهم، وإلاّ سمّرتك على جمل ودفت بك المدينة، فشرع آقبغا في استرضائهم وأعطاهم نحو المائتي ألف درهم فضّة. ثم نزل إليه الوزير نجم الدّين محمود بن شروين (¬a) - المعروف بوزير بغداد - ومعه الحاج إبراهيم بن صابر مقدّم الدّولة، لمطالبته بالمال، فأخذا منه لؤلؤا وجواهر/ نفيسة، وصعدا بها إلى السّلطان. وكان سبب هذه النكبة أنّه كان قد تحكّم في سائر (¬b) أمور الدّولة السّلطانية وأرباب الأشغال، أعلاهم وأدناهم، ممّا اجتمع له من الوظائف، وكان عنده فرّاش غضب عليه وأوجعه ضربا، فانصرف من عنده، وخدم في دار الأمير أبي بكر ولد السّلطان، فبعث آقبغا يستدعي بالفرّاش إليه، فمنعه عنه أبو بكر، وأرسل إليه مع أحد مماليكه يقول له: إنّي أريد أن تهبني هذا الغلام، ولا تشوّش عليه، فلمّا بلّغه المملوك الرّسالة، اشتدّ حنقه وسبّه سبّا فاحشا، وقال له: قل لأستاذك

стр. 2927

يسيّر الفرّاش وهو جيد له. وكان قبل ذلك اتّفق أنّ الأمير أبا بكر خرج من خدمة السّلطان إلى بيته، فإذا الأمير آقبغا قد بطح مملوكا وضربه، فوقف أبو بكر بنفسه، وسأل آقبغا في العفو عن المملوك، وشفع فيه، فلم يلتفت آقبغا إليه، ولا نظر إلى وجهه، فخجل أبو بكر من الناس - لكونه وقف قائما بين يدي آقبغا وشفع عنده، فلم يقم من مجلسه لوقوفه، بل استمرّ قاعدا وأبو بكر واقف على رجليه، ولا قبل مع ذلك شفاعته - ومضى وفي نفسه منه حنق كبير. فلمّا عاد إليه مملوكه، وبلّغه كلام آقبغا بسبب هذا الفرّاش، أكّد ذلك عنده ما كان من الإحنة، وأخذ في نفسه إلى أن مات أبوه الملك الناصر، وعهد إليه من بعده، وكان قد التزم أنّه إن ملّكه اللّه ليصادرنّ آقبغا. وليضربنّه بالمقارع، وقال للفرّاش: اقعد في بيتي، وإذا حضر أحد لأخذك عرفت ما أعمل معه. وأخذ آقبغا يترقّب الفرّاش، وأقام أناسا للقبض عليه، فلم يتهيّأ له مسكه. فلمّا أفضى الأمر إلى أبي بكر، استدعى الأمير قوصون - وكان هو القائم حينئذ بتدبير أمور الدّولة - وعرّفه ما التزمه من القبض على آقبغا، وأخذ ماله وضربه بالمقارع، وذكر له ولعدّة من الأمراء ما جرى له منه. وكان لقوصون بآقبغا عناية، فقال للسّلطان: السّمع والطاعة، يرسم السّلطان بالقبض عليه ومطالبته بالمال، فإذا فرغ ماله يفعل السّلطان ما يختاره. وأراد بذلك تطاول المدّة في أمر آقبغا. فقبض عليه، ووكّل به رسل ابن صابر، حتى إنّه بات ليلة قبض عليه من غير أن يأكل شيئا. وفي صبيحة تلك الليلة تحدّث الأمراء مع السّلطان في نزوله إلى داره محتفظا به، حتى يتصرّف في ماله، ويحمله شيئا بعد شيء. فنزل مع المجدي، وباع ما يملكه، وأورد المال. فلمّا قبض على الحاج إبراهيم بن صابر، وأقيم ابن شمس موضعه، أرسله السّلطان إلى بيت آقبغا ليعصره ويضربه بالمقارع ويعذّبه. فبلغ ذلك الأمير قوصون، فمنع منه، وشنّع على السّلطان كونه أمر بضربه بالمقارع، وأمر بمراجعته. فحنق من ذلك، وأطلق لسانه على الأمير قوصون، فلم يزل به من حضره من الأمراء حتى سكت على مضض. وكان قوصون يدبّر في انتقاض دولة أبي بكر إلى أن خلعه، وأقام بعده أخاه الملك الأشرف كجك بن محمد بن قلاوون، وعمره نحو السبع سنين، وتحكّم في الدّولة. فأخرج آقبغا هو وولده من القاهرة، وجعله من جملة أمراء الدّولة بالشّام. فسار من القاهرة في تاسع ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، على حيّز الأمير مسعود بن خطير بدمشق، ومعه عياله فأقام بها،

стр. 2928

إلى أن كانت فتنة الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاوون، وعصيانه بالكرك على أخيه. الملك الصّالح عماد الدّين إسماعيل بن محمد بن قلاوون، فاتّهم آقبغا بأنّه بعث مملوكا من مماليكه إلى الكرك، وأنّ الناصر أحمد خلع عليه، وضربت البشائر بقلعة الكرك، وأشاع أنّ أمراء الشّام قد دخلوا في طاعته وحلفوا له، وأن آقبغا قد بعث إليه من مملوكه يبشّره بذلك. فلمّا وصل إلى الملك الصّالح كتاب عسّاف أخي شطا بذلك، وصل في وقت وروده كتاب نائب الشّام الأمير طقزدمر، يخبر فيه بأنّ جماعة من أمراء الشّام قد كاتبوا أحمد بالكرك وكاتبهم، وقد قبض عليهم، ومن جملتهم آقبغا عبد الواحد. فرسم بحمله مقيّدا، فحمل من دمشق إلى الإسكندرية، وقتل بها في آخر سنة أربع وأربعين وسبع مائة. وكان من الظّلم والطمع والتّعاظم على جانب كبير، وجمع من الأموال شيئا كثيرا وأقام جماعة من أهل الشّرّ لتتبّع أولاد الأمراء، وتعرّف أحوال من افتقر منهم أو احتاج إلى شيء، فلا يزالون به حتى يعطوه مالا على سبيل القرض بفائدة جزيلة إلى أجل، فإذا استحقّ المال أعسفه في الطلب، وألجأه إلى بيع ما له من الأملاك، وحلّها إن كانت وقفا بعنايته به، وعيّن لعمل هذه الحيل شخصا يعرف بابن القاهريّ، وكان إذا دخل لأحد من القضاة في شراء ملك أو حلّ وقف، لا يقدر على مخالفته، ولا يجد بدّا من موافقته. ومن غريب ما يحكى عن طمع آقبغا أنّ مشدّ الحاشية دخل عليه، وفي أصبعه خاتم بفصّ أحمر من زجاج له بريق، فقال له آقبغا: إيش هو هذا الخاتم؟ فأخذ يعظّمه، ويذكر (¬a) أنّه من تركة أبيه. فقال: بكم حسبوه عليك؟ فقال: بمبلغ (¬b) أربع مائة درهم. فقال: أرنيه. فناوله إيّاه، فأخذه وتشاغل عنه ساعة، ثم قال له: واللّه فضيحة أن نأخذ خاتمك، ولكن خذه أنت وهات (¬c) الأربع مائة درهم (¬c) ثمنه! ودفعه إليه، وألزمه بإحضار الأربع مائة درهم فما وسعه إلاّ أن/ أحضرها إليه. فعاقبه اللّه بذهاب ماله وغيره، وموته غريبا.

стр. 2929

المدرسة الحساميّة [أثر رقم ٥٩٠] هذه المدرسة بخطّ المسطاح من القاهرة، قريبا من حارة الوزيريّة، بناها الأمير حسام الدّين طرنطاي المنصوري، نائب السّلطنة بديار مصر (¬a)، إلى جانب داره، وجعلها برسم الفقهاء الشّافعيّة، وهي في وقتنا هذا تجاه سوق الرّقيق (¬b)، ويسلك منها إلى درب العدّاس وإلى حارة الوزيريّة وإلى سويقة الصّاحب وباب الخوخة وغير ذلك (١). وكان بجانبها طبقة لخيّاط، فطلبت منه بثلاثة أمثال ثمنها فلم يبعها، وقيل لطرنطاي: لو طلبته لاستحيا منك. فلم يطلبه، وتركه وطبقته، وقال: لا أشوّش عليه. طرنطاي بن عبد اللّه، الأمير حسام الدّين المنصوري (٢). ربّاه الملك المنصور قلاوون صغيرا، ورقّاه في خدمه إلى أن تقلّد سلطنة مصر، فجعله نائب السّلطنة بديار مصر. عوضا عن الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم الصّالحي، وخلع عليه في يوم الخميس رابع عشر رمضان سنة ثمان وسبعين وستّ مائة، فباشر ذلك مباشرة حسنة، إلى أن كانت سنة خمس وثمانين، فخرج من القاهرة بالعساكر إلى الكرك - وفيها الملك المسعود نجم الدّين خضر،

стр. 2930

مخطّط قبّة حسام الدّين طرنطاي تفاصيل من مقرنصات قبّة طرنطاي

стр. 2931

وأخوه بدر الدّين سلامش، ابنا الملك الظّاهر بيبرس - في رابع المحرّم وسار إليها. فوافاه الأمير بدر الدّين (¬a) الصّواني بعساكر دمشق في ألفي فارس ونازلا الكرك وقطعا الميرة عنها، واستفسدا رجال الكرك حتى أخذا خضرا وسلامش بالأمان في خامس صفر، وتسلّم الأمير عزّ الدّين أيبك الموصلي نائب الشّوبك مدينة الكرك واستقرّ في نيابة السّلطنة بها، وبعث الأمير طرنطاي بالبشارة إلى قلعة الجبل فوصل البريد بذلك في ثامن صفر. ثم قدم بابني الظّاهر، فخرج السّلطان إلى لقائه في ثاني عشر ربيع الأوّل وأكرم الأمير طرنطاي ورفع قدره، ثم بعثه إلى أخذ صهيون - وبها سنقر الأشقر - فسار بالعساكر من القاهرة في سنة ستّ وثمانين، ونازلها وحصرها حتى نزل إليه سنقر بالأمان، وسلّم إليه قلعة صهيون، وسار به إلى القاهرة، فخرج السّلطان إلى لقائه وأكرمه. ولم يزل على مكانته إلى أن مات الملك المنصور وقام في السّلطنة بعده ابنه الأشرف صلاح الدّين خليل بن قلاوون، فقبض عليه في يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وثمانين، وعوقب حتى مات يوم الاثنين خامس عشره بقلعة الجبل، وبقي ثمانية أيّام بعد قتله مطروحا بحبس القلعة. ثم أخرج في ليلة الجمعة سادس عشرين ذي القعدة وقد لفّ في حصير، وحمل على جنوبة إلى زاوية الشّيخ أبي السّعود بالقرافة (١)، فغسّله الشّيخ عمر السّعودي شيخ الزّاوية، وكفّنه من ماله ودفنه خارج الزّاوية ليلا، وبقي هناك إلى سلطنة العادل كتبغا، فأمر بنقل جثّته إلى تربته التي أنشأها بمدرسته هذه. وكان سبب القبض عليه وقتله أنّ الملك الأشرف كان يكرهه كراهة شديدة، فإنّه كان يطرح جانبه في أيّام أبيه، ويغضّ منه ويهين نوّابه، ويؤذي من يخدمه؛ لأنه كان يميل إلى أخيه الملك الصّالح علاء الدّين عليّ بن قلاوون. فلمّا مات الملك الصّالح عليّ وانتقلت ولاية العهد إلى الأشرف خليل بن قلاوون، مال إليه من كان ينحرف عنه في حياة أخيه إلاّ طرنطاي، فإنّه ازداد

стр. 2932

تماديا في الإعراض عنه، وجرى على عادته في أذى من ينسب إليه، وأغرى الملك المنصور بشمس الدّين محمد بن السّلعوس - ناظر ديوان الأشرف - حتى ضربه، وصرفه عن مباشرة ديوانه. والأشرف مع ذلك يتأكّد حنقه عليه، ولا يجد بدّا من الصّبر إلى أن صار له الأمر بعد أبيه، ووقف الأمير طرنطاي بين يديه في نيابة السّلطنة على عادته، وهو منحرف عنه لما أسلفه من الإساءة عليه. وأخذ الأشرف في التّدبير عليه إلى أن نقل له عنه أنّه يتحدّث سرّا في إفساد نظام المملكة وإخراج الملك عنه، وأنّه قصد أن يقتل السّلطان وهو راكب في الميدان الأسود الذي تحت قلعة الجبل عند ما يقرب من باب الإسطبل، فلم يحتمل ذلك. وعندها سيّر أربعة ميادين - والأمير طرنطاي ومن وافقه عند باب سارية - حتى انتهى إلى رأس الميدان، وقرب من باب الإسطبل، وفي الظّنّ أنّه يعطف إلى باب سارية ليكمل التّسيير على العادة، فعطف إلى جهة القلعة، وأسرع ودخل من باب الإسطبل. فبادر الأمير طرنطاي عندما عطف السّلطان، وساق فيمن معه ليدركوه، ففاتهم وصار بالإسطبل فيمن خفّ معه من خواصّه. وما هو إلاّ أن نزل الأشرف من الرّكوب، فاستدعى بالأمير طرنطاي، فمنعه الأمير زين الدّين كتبغا المنصوري من الدّخول إليه، وحذّره منه وقال له: واللّه إنّي أخاف عليك منه، فلا تدخل عليه إلاّ في عصبة تعلم أنّهم يمنعونك منه إن وقع أمر تكرهه. فلم يرجع إليه، وغرّه أنّ أحدا لا يجسر عليه لمهابته في القلوب ومكانته من الدّولة، وأنّ الأشرف لا يبادره بالقبض عليه، وقال لكتبغا: واللّه لو كنت نائما ما جسر خليل ينبّهني. وقام ومشى إلى السّلطان ودخل ومعه كتبغا، فلمّا وقف على عادته، بادر إليه جماعة قد أعدّهم السّلطان/ وقبضوا عليه، فأخذه اللكم من كلّ جانب والسّلطان يعدّد ذنوبه، ويذكر له إساءته ويسبّه. فقال له: يا خوند، هذا جميعه قد عملته معك، وقدّمت الموت بين يديّ، ولكن واللّه لتندمنّ من بعدي. هذا والأيدي تتناوب عليه، حتى إنّ بعض الخاصّكيّة قلع عينه وسحب إلى السّجن. فخرج كتبغا وهو يقول: إيش أعمل؟ ويكرّرها. فأدركه الطلب، وقبض عليه أيضا، ثم آل أمر كتبغا بعد ذلك إلى أن ولي سلطنة مصر. وأوقع الأشرف الحوطة على أموال طرنطاي، وبعث إلى داره الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي. فوجد له من العين ستّ مائة ألف دينار، ومن الفضّة سبعة عشر ألف رطل ومائة رطل مصري عنها زيادة على مائة وسبعين قنطارا فضّة سوى الأواني، ومن العدد والأسلحة والأقمشة والآلات والخيول والمماليك ما يتعذّر إحصاء قيمته، ومن الغلاّت والأملاك شيء كثير جدّا، ووجد له من البضائع والأموال المسفّرة على اسمه، والودائع والمقارضات، والقيود والأعمال، والأبقار والأغنام، والرّقيق وغير ذلك، شيء يجلّ وصفه، هذا سوى ما أخفاه

стр. 2933

مباشروه بمصر والشّام. فلمّا حملت أمواله إلى الأشرف جعل يقلّبها ويقول: [مجزوء الكامل] من عاش بعد عدوّه … يوما فقد بلغ المنى واتّفق بعد موت طرنطاي أنّ ابنه سأل الدّخول على السّلطان الأشرف، فأذن له. فلمّا وقف بين يديه، جعل المنديل على وجهه - وكان أعمى - ثم مدّ يده وبكى، وقال: شيء للّه! وذكر أنّ لأهله أيّاما ما عندهم ما يأكلونه؛ فرقّ له وأفرج عن أملاك طرنطاي، وقال: تبلّغوا بريعها. فسبحان من بيده القبض والبسط. المدرسة المنكوتمريّة [أثر رقم ٨] هذه المدرسة بحارة بهاء الدّين من القاهرة (١)، بناها بجوار داره الأمير سيف الدّين منكوتمر الحسامي، نائب السّلطنة بديار مصر (¬a)، (¬b) في (¬b) فكملت في صفر سنة ثمان وتسعين وستّ مائة، وعمل بها درسا للمالكية قرّر فيه الشّيخ شمس الدّين محمد بن أبي القاسم

стр. 2934

باب المدرسة المنكوتمريّة واجهة جامع المزهرية الذي نقل إليه باب المنكوتمريّة

стр. 2935

ابن عبد السّلام بن جميل التّونسي المالكي (١)، ودرسا للحنفية درّس فيه (¬a) (٢)، وجعل فيها خزانة كتب، وجعل عليها وقفا ببلاد الشّام. وهي اليوم بيد قضاة الحنفيّة يتولّون نظرها، وأمرها متلاش، وهي من المدارس الحسنة. منكوتمر (٤) هو أحد مماليك الملك المنصور حسام الدّين لاجين المنصوري، ترقّى في خدمته واختصّ به اختصاصا زائدا، إلى أن ولي مملكة مصر بعد كتبغا في سنة ستّ وتسعين وستّ مائة، فجعله أحد الأمراء بديار مصر، ثم خلع عليه خلع نيابة السّلطنة - عوضا عن الأمير شمس الدّين قراسنقر المنصوري - يوم الأربعاء النصف من ذي القعدة. فخرج سائر الأمراء في خدمته إلى دار النيابة، وباشر النيابة بتعاظم كثير، وأعطى المنصب حقّه من الحرمة الوافرة والمهابة التي تخرج عن الحدّ، وتصرّف في سائر أمور الدّولة من غير أن يعارضه السّلطان في شيء ألبتّة، وبلغت عبرة إقطاعه في السنة زيادة على مائة ألف دينار. ولمّا عمل الملك المنصور الرّوك، المعروف ب «الرّوك الحسامي» (٣)، فوّض تفرقة مثالات إقطاعات الأجناد له، فجلس في شبّاك دار النيابة بقلعة الجبل، ووقف الحجّاب بين يديه، وأعطى لكلّ تقدمة مثالات، فلم يجسر أحد أن يتحدّث في زيادة ولا نقصان، خوفا من سوء خلقه وشدّة حمقه. وبقي أيّاما في تفرقة المثالات، والناس على خوف شديد فإنّ أقلّ الإقطاعات كان في أيّام الملك المنصور قلاوون عشرة آلاف درهم في السنة، وأكثره ثلاثين ألف درهم، فرجع في الرّوك الحسامي أكثر إقطاعات الحلقة إلى مبلغ عشرين ألف درهم وما دونها. فشقّ ذلك على الأجناد وتقدّم طائفة منهم ورموا مثالاتهم التي فرّقت عليهم؛ لأنّ الواحد منهم وجد مثاله بحق النصف

стр. 2936

ممّا كان له قبل الرّوك، وقالوا لمنكوتمر: إمّا أن تعطونا ما يقوم بكلفنا، وإلاّ فخذوا أخبازكم ونحن نخدم الأمراء أو نصير بطّالين. فغضب منكوتمر وأخرق بهم، وتقدّم إلى الحجّاب فضربوهم وأخذوا سيوفهم، وأودعوهم السّجون. وأخذ يخاطب الأمراء بفحش، ويقول: أيّما قوّاد شكا من خبزه، ويقول نقول للسّلطان، فعلت به وفعلت، إيش يقول للسّلطان؟ إن رضي يخدم وإلاّ إلى لعنة اللّه. فشقّ ذلك على الأمراء، وأسرّوا له الشّرّ. ثم إنّه لم يزل بالسّلطان حتى قبض على الأمير بدر الدّين بيسري، وحسّن له إخراج أكابر الأمراء من مصر، فجرّدهم إلى سيس، وأصبح وقد خلا له الجوّ، فلم يرض بذلك حتى تحدّث مع خوشداشيته بأنّه لا بد أن ينشئ له دولة جديدة، ويخرج طغجي وكرجي من مصر. ثم إنّه جهّز حمدان بن صلغاي إلى حلب في صورة أنّه يستعجل العساكر من سيس، وقرّر معه القبض على عدّة من الأمراء، وأمّر عدّة/ أمراء جعلهم له عدّة وذخرا، وتقدّم إلى الصّاحب فخر الدّين الخليلي بأن يعمل أوراقا تتضّمن أسماء أرباب الرّواتب ليقطع أكثرها. فلم تدخل سنة ثمان وتسعين، حتى استوحشت خواطر الناس بمصر والشّام من منكوتمر، وزاد حتى أراد السّلطان أن يبعث بالأمير طغي إلى نيابة طرابلس، فتنصّل طغي من ذلك فلم يعفه السّلطان منه وألحّ منكوتمر في إخراجه، وأغلظ للأمير كرجي في القول وحطّ على سلار وبيبرس الجاشنكير أنظارهم وغضّ منهم. وكان كرجي شرس الأخلاق، ضيّق العطن، سريع الغضب، فهمّ غير مرّة بالفتك بمنكوتمر، وطغجي يسكّن غضبه. فبلغ السّلطان فساد قلوب الأمراء والعسكر فبعث قاضي القضاة حسام الدّين الحسن بن أحمد ابن الحسن الرّومي الحنفي إلى منكوتمر يحدّثه في ذلك ويرجعه عمّا هو فيه، فلم يلتفت إلى قوله وقال: «أنا ما لي حاجة بالنيابة، أريد أخرج مع الفقراء». فلمّا بلغ السّلطان عنه ذلك استدعاه، وطيّب خاطره، ووعده بسفر طغجي بعد أيّام، ثم القبض على كرجي بعده، فنقل هذا للأمراء فتحالفوا وقتلوا السّلطان، كما قد ذكر في خبره (١)، وأوّل من بلّغه خبر مقتل السّلطان الأمير منكوتمر، فقام إلى شبّاك النيابة بالقلعة فرأى باب القلّة وقد انفتح، وخرج الأمراء، والشّموع تقد، والضّجّة قد ارتفعت، فقال: واللّه قد فعلوها. وأمر فغلّقت أبواب دار النيابة، وألبس مماليكه آلة الحرب. فبعث الأمراء إليه بالأمير الحسام أستادّار، فعرّفه بمقتل السّلطان، وتلطف به حتى نزل وهو مشدود الوسط بمنديل، وسار به إلى باب القلّة والأمير طغجي قد جلس في مرتبة

стр. 2937

النيابة. فتقدّم إلى طغجي وقبّل يده، فقام إليه وأجلسه بجانبه. وقام الأمراء في أمر منكوتمر يشفعون فيه، فأمر به إلى الجبّ وأنزلوه فيه. وعندما استقرّ به أدليت له القفّة التي نزل فيها، وتصايحوا عليه بالصّعود، فطلع عليهم. وإذا كرجي قد وقف على رأس الجبّ في عدّة من المماليك السّلطانية، فأخذ يسبّ منكوتمر ويهينه، وضربه بلتّ ألقاه، وذبحه بيده على الجبّ، وتركه وانصرف؛ فكان بين قتل أستاذه وقتله ساعة من الليل، وذلك في ليلة الجمعة عاشر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين (¬a) وستّ مائة (¬a). المدرسة القراسنقريّة [أثر رقم ٣١] هذه المدرسة تجاه الخانقاه الصّلاحيّة (¬b) سعيد السّعداء (¬c)، فيما بين رحبة باب العيد وباب النصر (١)، كان موضعها وموضع الرّبع الذي بجانبها الغربي مع خانقاه بيبرس وما في صفّها إلى حمّام الأعسر وباب الجوّانية، كلّ ذلك من دار الوزارة الكبرى التي تقدّم ذكرها (¬d) (٢). أنشأها الأمير شمس الدّين قراسنقر المنصوري نائب السّلطنة في (¬e) سنة سبع مائة. (¬f) وكان قد أخذ نقض هذه الدّار - التي هي دار الوزارة - فبنى بها هذه المدرسة (¬f)، وبنى بجوار بابها مسجدا معلّقا ومكتبا لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه العزيز، وجعل بهذه المدرسة دروسا (¬g) للفقهاء، ووقف على ذلك داره التي بحارة بهاء الدّين وغيرها. ولم يزل نظر هذه المدرسة بيد ذرّية الواقف إلى سنة خمس عشرة وثمان مائة، ثم انقرضوا.

стр. 2938

مخطّط المدرسد القراسنقريّة وهي من المدارس المليحة، وكنّا نعهد البريدية إذا قدموا من الشّام وغيرها لا ينزلون إلاّ في هذه المدرسة حتى يتهيّأ سفرهم، وقد بطل ذلك من سنة تسعين وسبع مائة. قراسنقر بن عبد اللّه، الأمير شمس الدّين الجوكندار المنصوري (١). صار إلى الملك المنصور قلاوون، وترقّى في خدمته إلى أن ولاّه نيابة السّلطنة بحلب في شعبان سنة اثنتين وثمانين وستّ مائة عوضا عن الأمير علم الدّين سنجر الباشقردي، فلم يزل فيها إلى أن مات الملك المنصور، وقام من بعده ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون (¬a) فأمّره على ولاية حلب. وعمّر في ولايته قلعة حلب فلم تتم إلاّ في أيام الملك الأشرف خليل بن قلاوون (¬a). فلمّا توجّه الأشرف إلى فتح قلعة الرّوم، عاد بعد فتحها إلى حلب، وعزل قراسنقر عن نيابتها، وولّى

стр. 2939

عوضه الأمير سيف الدّين بلبان الطبّاخي، وذلك في أوائل شعبان سنة إحدى وتسعين، وكانت ولايته على حلب تسع سنين. فلمّا خرج السّلطان من مدينة حلب، خرج في خدمته، وتوجّه مع الأمير بدر الدّين بيدرا - نائب السّلطنة بديار مصر - في عدّة من الأمراء لقتال أهل جبال كسروان. فلمّا عاد سار مع السّلطان من دمشق إلى القاهرة، ولم يزل بها إلى أن ثار الأمير بيدرا على الأشرف، فتوجّه معه وأعان على قتله. فلمّا قتل بيدرا فرّ قراسنقر ولا جين في نصف المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة، واختفيا بالقاهرة، إلى أن استقرّ الأمر للملك الناصر محمد بن قلاوون، وقام في نيابة السّلطنة وتدبير الدّولة الأمير زين الدّين كتبغا، فظهرا في يوم عيد الفطر. وكانا عند فرارهما، يوم قتل بيدرا، أطلعا الأمير بنخاص (¬a) الزّيني - مملوك الأمير كتبغا نائب السّلطنة - على حالهما، فأعلم أستاذه بأمرهما، وتلطّف به حتى تحدّث في شأنهما مع السّلطان، فعفا عنهما. ثم تحدّث مع الأمير بكتاش الفخري إلى أن ضمن له التّحدّث مع الأمراء، وسعى في الصّلح بينهما/ وبين الأمراء والمماليك حتى زالت الوحشة، وظهر من بيت الأمير كتبغا، فأحضرهما بين يدي السّلطان، وقبّلا الأرض، وأفيضت عليهما التّشاريف، وجعلهما أمراء على عادتهما، ونزلا إلى دورهما، فحمل إليهما الأمراء ما جرت العادة به من التّقادم. فلم يزل قراسنقر على إمرته إلى أن خلع الملك الناصر محمد بن قلاوون من السّلطنة، وقام من بعده الملك العادل زين الدّين كتبغا، فاستمرّ على حاله إلى أن ثار الأمير حسام الدّين لا جين، نائب السّلطنة بديار مصر، على الملك العادل كتبغا بمنزله العوجاء من طريق دمشق. فركب معه قراسنقر وغيره من الأمراء إلى أن فرّ كتبغا، واستمرّ الأمر لحسام الدّين لا جين، وتلقّب ب «الملك المنصور». فلمّا استقرّ بقلعة الجبل، خلع على الأمير قراسنقر، وجعله نائب السّلطنة بديار مصر في صفر سنة ستّ وتسعين وستّ مائة. فباشر النيابة إلى يوم الثلاثاء للنصف من ذي القعدة فقبض عليه، وأحيط بموجوده وحواصله ونوّابه ودواوينه بديار مصر والشّام، وضيّق عليه، واستقرّ في نيابة السّلطنة بعده الأمير منكوتمر. وعدّ السّلطان من أسباب القبض عليه إسرافه في الطمع، وكثرة الحمايات، وتحصيل الأموال على سائر الوجوه، مع كثرة ما وقع من شكاية الناس من مماليكه، ومن كاتبه شرف الدّين

стр. 2940

يعقوب، فإنّه كان قد تحكّم في بيته تحكّما زائدا، وعظمت نعمته، وكثرت سعادته، وأسرف في اتّخاذ المماليك والخدم، وانهمك في اللعب الكثير، وتعدّى طوره، وقراسنقر لا يسمع فيه كلاما. وحدّثه السّلطان بسببه، وأغلظ في القول، وألزمه بضربه وتأديبه أو إخراجه من عنده، فلم يعبأ بذلك. وما زال قراسنقر في الاعتقال إلى أن قتل الملك المنصور لا جين، وأعيد الملك الناصر محمد ابن قلاوون إلى السّلطنة، فأفرج عنه وعن غيره من الأمراء، ورسم له بنيابة الصّبيبة. فخرج إليها، ثم نقل منها إلى نيابة حماه بعد موت صاحبها الملك المظفّر تقيّ الدّين محمود، بسفارة الأمير بيبرس الجاشنكير والأمير سلار. ثم نقل من نيابة حماه بعد ملاقاة التّتر إلى نيابة حلب. واستقرّ عوضه في نيابة حماه الأمير زين الدّين كتبغا، الذي تولّى سلطنة مصر والشّام، وذلك في سنة تسع وتسعين وستّ مائة، وشهد وقعة شقحب مع الملك الناصر محمد بن قلاوون. ولم يزل على نيابة حلب إلى أن خلع الملك الناصر، وتسلطن الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير، وكان (¬a) الناصر في الكرك، فلمّا تحرّك لطلب الملك واستدعى نوّاب الممالك، أجابه قراسنقر، وأعانه برأيه وتدبيره، ثم حضر إليه وهو بدمشق، وقدّم له شيئا كثيرا، وسار معه إلى مصر حتى جلس على تخت ملكه بقلعة الجبل، فولاّه نيابة دمشق، عوضا عن الأمير عزّ الدّين الأفرم، في شوّال سنة تسع وسبع مائة. وخرج إليها، فسار إلى غزّة في عدّة من النوّاب، وقبضوا على المظفّر بيبرس الجاشنكير، وسار به هو والأمير سيف الدّين الحاج بهادر إلى الخطارة، فتلقّاهم الأمير أسندمر كرجي، فتسلّم منهم بيبرس، وقيّده وأركبه بغلا، وأمر قراسنقر والحاج بهادر بالسّير إلى مصر. فشقّ على قراسنقر تقييد بيبرس، وتوهّم الشّرّ من الناصر، وانزعج لذلك انزعاجا كبيرا، وألقى كلّوتته عن رأسه إلى الأرض، وقال: (¬b) «لعن اللّه الدّنيا (¬b)، يا ليتنا متنا ولا رأينا هذا اليوم»، فترجّل من حضر من الأمراء، ورفعوا كلّوتته ووضعوها على رأسه. ورجع من فوره، ومعه الحاج بهادر، إلى ناحية الشّام، وقد ندم على تسليم (¬c) المظفّر بيبرس، فجدّ في سيره إلى أن عبر دمشق. وفي نفس السّلطان منه كونه لم يحضر مع بيبرس، وكان قد أراد القبض عليه، فبعث الأمير نوغاى القبجاقي أميرا بالشّام ليكون له عينا على الأمير قراسنقر،

стр. 2941

ففطن قراسنقر لذلك وشرع نوغاى يتحدّث في حقّ قراسنقر بما لا يليق، حتى ثقل عليه مقامه، فقبض عليه بأمر السّلطنة، وسجن بقلعة دمشق. ثم إنّ السّلطان صرفه عن نيابة دمشق، وولاّه نيابة حلب بسؤاله، وذلك في المحرّم سنة إحدى عشرة وسبع مائة وكتب السّلطان إلى عدّة من الأمراء بالقبض عليه مع الأمير أرغون الدّوادار، فلم يتمكّن من التّحدّث في ذلك لكثرة ما ضبط قراسنقر أموره، ولازمه عند قدومه عليه بتقليد نيابة حلب، بحيث لم يتمكّن أرغون من الحركة إلى مكان إلاّ وقراسنقر معه. فكثر الحديث بدمشق أنّ أرغون إنّما حضر لمسك قراسنقر، حتى بلغ ذلك الأمراء، وسمعه قراسنقر فاستدعى بالأمراء، وحضر الأمير أرغون، فقال قراسنقر بلغني كذا، وها أنا أقول إن كان حضر معك مرسوم بالقبض عليّ فلا حاجة إلى فتنة، أنا طائع السّلطان، وهذا سيفي خذه، ومدّ يده وحلّ سيفه من وسطه. فقال أرغون، وقد علم أنّ هذا الكلام مكيدة، وأنّ قراسنقر لا يمكّن من نفسه: إنّي لم أحضر إلاّ بتقليد الأمير نيابة حلب بمرسوم السّلطان وسؤال الأمير، وحاشا للّه أنّ السّلطان يذكر في حقّ الأمير شيئا من هذا. فقال قراسنقر: غدا نركب ونسافر. وانفضّ المجلس. فبعث إلى الأمراء ألاّ يركب أحد منهم لوداعه، ولا يخرج، وفرّق ما عنده من الحوائص ومن الدّراهم على مماليكه ليتجمّلوا به على/ أوساطهم، وأمرهم بالاحتراس، وقدّم غلمانه وحواشيه في الليل وركب وقت الصّباح في طلب عظيم - وكانت عدّة مماليكه ستّ مائة مملوك قد جعلهم حوله ثلاث حلقات - وأركب أرغون إلى جانبه. وسار على غير الجادّة حتي قارب حلب، ثم عبرها في العشرين من المحرّم، وأعاد أرغون بعدما أنعم عليه بألف دينار وخلعة وخيل وتحف، وأقام بمدينة حلب خائفا يترقّب، وشرع يعمل الحيلة في الخلاص، وصادق العربان، واختصّ بالأمير حسام الدّين مهنّا أمير العرب وبابنه موسى وأقدمه إلى حلب، وأوقفه على كتب السّلطان إليه بالقبض عليه، وأنّه لم يفعل ذلك، ولم يزل به حتى أفسد ما بينه وبين السّلطان. ثم إنّه بعث يستأذن السّلطان في الحجّ، فأعجب السّلطان ذلك، وظنّ أنّه بسفره يتمّ له التّدبير عليه لما كان فيه من الاحتراز الكبير، وأذن له في السّفر، وبعث إليه بألفي دينار مصرية، فخرج من حلب ومعه أربع مائة مملوك معدّة بالفرس والجنيب والهجن، وسار حتى قارب الكرك، فبلغه أنّ السّلطان كتب إلى النوّاب، وأخرج عسكرا من مصر إليه.

стр. 2942

فرجع من طريق السّماوة إلى حلب، وبها الأمير سيف الدّين قرطاي نائب الغيبة، فمنعه من العبور إلى المدينة، ولم يمكّن أحدا من مماليك قراسنقر أن يخرج إليه - وكانت مكاتبة السّلطان قد قدمت عليه بذلك - فرحل حينئذ إلى مهنّا أمير العرب واستجار به، فأكرمه وبعث إلى السّلطان يشفع فيه فلم يجد السّلطان بدّا من قبول شفاعة مهنّا، وخيّر قراسنقر فيما يريد، ثم أخرج عسكرا من مصر والشّام لقتال مهنّا وأخذ قراسنقر. فبلغه ذلك فاحترس على نفسه وكتب إلى السّلطان يسأله في صرخد، وقصد بذلك المطاولة، فأجابه إلى ذلك، ومكّنه من أخذ حواصله التي بحلب، وأعطى مملوكه ألف دينار، فلمّا قدم عليه لم يطمئن وعبر إلى بلاد الشّرق في سنة ثنتي عشرة وسبع مائة في عدّة من الأمراء يريد خربندا فلمّا وصل إلى الرّحبة، بعث بابنه فرج - ومعه شيء من أثقاله وخيوله وأمواله - إلى السّلطان بمصر ليعتذر من قصده خربندا، ورحل بمن معه إلى ماردين. فتلقّاه المغل، وقام له نوّاب خربندا بالإقامات إلى أن قرب من الأردوا (١). فركب خربندا إليه، وتلقّاه وأكرمه ومن معه وأنزلهم منزلا يليق بهم، وأعطى قراسنقر المراغة من عمل أذربيجان، وأعطى الأمير جمال الدّين آقوش الأفرم همدان وذلك في أوائل سنة اثنتي عشرة وسبع مائة. فلم يزل هناك إلى أن مات خربندا، وقام من بعده أبو سعيد بركة بن خربندا. فشقّ ذلك على السّلطان، وأعمل الحيلة في قتل قراسنقر والأفرم، وسيّر إليهما الفداويّة. فجرت بينهم خطوب كثيرة، ومات قراسنقر بالإسهال ببلد المراغة في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، يوم السبت سابع عشرين شوّال، قبل موت السّلطان بيسير (٢). فلمّا بلغ السّلطان موته في حادي عشر ذي القعدة عند ورود الخبر إليه، قال: ما كنت أشتهي يموت إلاّ من تحت سيفي، وأكون قد قدرت عليه وبلغت مقصودي منه. وذلك أنّه كان قد جهّز إليه عددا كثيرا من الفداوية، قتل منهم بسببه مائة وعشرون فداويّا بالسّيف سوى من فقد، ولم يوقف له على خبر. وكان قراسنقر جسيما جليلا، صاحب رأي وتدبير ومعرفة، وبشاشة وجه، وسماحة نفس، وكرم زائد، بحيث لا يستكثر على أحد شيئا، مع حسن الشّاكلة، وعظم المهابة، والسّعادة

стр. 2943

الطائلة، وبلغت عدّة مماليكه ستّ مائة مملوك، ما منهم إلاّ من له نعمة ظاهرة وسعادة وافرة. وله من الآثار بالقاهرة هذه المدرسة، ودار جليلة بحارة بهاء الدّين فيها كان سكنه (١). المدرسة الغزنويّة هذه المدرسة برأس الموضع المعروف بسويقة أمير الجيوش، تجاه المدرسة الياز كوجية (¬a) (٢). بناها الأمير حسام الدّين قايماز النجمي، مملوك نجم الدّين أيّوب والد الملوك، وأقام بها الشّيخ شهاب الدّين أبو الفضل أحمد بن يوسف بن عليّ بن محمد الغزنوي البغدادي المقرئ الفقيه الحنفي (٣)، ودرّس بها، فعرفت به؛ وكان إماما في الفقه (¬b)، وسمع على الحافظ السّلفي وغيره، وقرأ بنفسه، وسكن مصر آخر عمره. وكان فاضلا حسن الطريقة متديّنا، وحدّث بالقاهرة بكتاب «الجامع» لعبد الرّزّاق بن همّام، فرواه عنه جماعة، وجمع كتابا في الشّيب والعمر، وقرأ عليه أبو الحسن السّخاوي وأبو عمرو بن الحاجب. ومولده ببغداد في ربيع الأوّل سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة، وتوفي بالقاهرة يوم الاثنين النصف من ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وخمس مائة. وهي من مدارس الحنفيّة. المدرسة البوبكريّة (¬c) [أثر رقم ١٨٥] هذه المدرسة بجوار درب العدّاس (¬d) قريبا من حارة الوزيرية بالقاهرة. بناها الأمير سيف الدّين أسنبغا ابن الأمير/ سيف الدّين بكتمر البوبكري (¬e) الناصري، ووقفها على الفقهاء الحنفيّة، وبنى

стр. 2944

بجانبها حوض ماء للسّبيل وسقاية ومكتبا للأيتام، وذلك في سنة اثنتين وسبعين وسبع مائة (١)، وبنى قبالتها جامعا فمات قبل إتمامه (٢). مخطّط المدرسة البوبكرية (عن اللجنة) وكان يسكن دار بدر الدّين الأمير طرنطاي المجاورة للمدرسة الحسامية تجاه سوق الجواري، فلذلك أنشأ هذه المدرسة بهذا المكان لقربه منه. ثم لمّا كان سنة خمس عشرة وثمان مائة جدّد بهذه المدرسة منبرا وصار يقام بها الجمعة (٣).

стр. 2945

واجهة ومئذنة مدرسة أسنبغا البو بكري بشارع درب سعادة
следующие страницы →