ففطن قراسنقر لذلك وشرع نوغاى يتحدّث في حقّ قراسنقر بما لا يليق، حتى ثقل عليه مقامه، فقبض عليه بأمر السّلطنة، وسجن بقلعة دمشق.
ثم إنّ السّلطان صرفه عن نيابة دمشق، وولاّه نيابة حلب بسؤاله، وذلك في المحرّم سنة إحدى عشرة وسبع مائة وكتب السّلطان إلى عدّة من الأمراء بالقبض عليه مع الأمير أرغون الدّوادار، فلم يتمكّن من التّحدّث في ذلك لكثرة ما ضبط قراسنقر أموره، ولازمه عند قدومه عليه بتقليد نيابة حلب، بحيث لم يتمكّن أرغون من الحركة إلى مكان إلاّ وقراسنقر معه.
فكثر الحديث بدمشق أنّ أرغون إنّما حضر لمسك قراسنقر، حتى بلغ ذلك الأمراء، وسمعه قراسنقر فاستدعى بالأمراء، وحضر الأمير أرغون، فقال قراسنقر بلغني كذا، وها أنا أقول إن كان حضر معك مرسوم بالقبض عليّ فلا حاجة إلى فتنة، أنا طائع السّلطان، وهذا سيفي خذه، ومدّ يده وحلّ سيفه من وسطه. فقال أرغون، وقد علم أنّ هذا الكلام مكيدة، وأنّ قراسنقر لا يمكّن من نفسه: إنّي لم أحضر إلاّ بتقليد الأمير نيابة حلب بمرسوم السّلطان وسؤال الأمير، وحاشا للّه أنّ السّلطان يذكر في حقّ الأمير شيئا من هذا. فقال قراسنقر:
غدا نركب ونسافر.
وانفضّ المجلس. فبعث إلى الأمراء ألاّ يركب أحد منهم لوداعه، ولا يخرج، وفرّق ما عنده من الحوائص ومن الدّراهم على مماليكه ليتجمّلوا به على/ أوساطهم، وأمرهم بالاحتراس، وقدّم غلمانه وحواشيه في الليل وركب وقت الصّباح في طلب عظيم - وكانت عدّة مماليكه ستّ مائة مملوك قد جعلهم حوله ثلاث حلقات - وأركب أرغون إلى جانبه.
وسار على غير الجادّة حتي قارب حلب، ثم عبرها في العشرين من المحرّم، وأعاد أرغون بعدما أنعم عليه بألف دينار وخلعة وخيل وتحف، وأقام بمدينة حلب خائفا يترقّب، وشرع يعمل الحيلة في الخلاص، وصادق العربان، واختصّ بالأمير حسام الدّين مهنّا أمير العرب وبابنه موسى وأقدمه إلى حلب، وأوقفه على كتب السّلطان إليه بالقبض عليه، وأنّه لم يفعل ذلك، ولم يزل به حتى أفسد ما بينه وبين السّلطان.
ثم إنّه بعث يستأذن السّلطان في الحجّ، فأعجب السّلطان ذلك، وظنّ أنّه بسفره يتمّ له التّدبير عليه لما كان فيه من الاحتراز الكبير، وأذن له في السّفر، وبعث إليه بألفي دينار مصرية، فخرج من حلب ومعه أربع مائة مملوك معدّة بالفرس والجنيب والهجن، وسار حتى قارب الكرك، فبلغه أنّ السّلطان كتب إلى النوّاب، وأخرج عسكرا من مصر إليه.
стр. 2942
فرجع من طريق السّماوة إلى حلب، وبها الأمير سيف الدّين قرطاي نائب الغيبة، فمنعه من العبور إلى المدينة، ولم يمكّن أحدا من مماليك قراسنقر أن يخرج إليه - وكانت مكاتبة السّلطان قد قدمت عليه بذلك - فرحل حينئذ إلى مهنّا أمير العرب واستجار به، فأكرمه وبعث إلى السّلطان يشفع فيه فلم يجد السّلطان بدّا من قبول شفاعة مهنّا، وخيّر قراسنقر فيما يريد، ثم أخرج عسكرا من مصر والشّام لقتال مهنّا وأخذ قراسنقر.
فبلغه ذلك فاحترس على نفسه وكتب إلى السّلطان يسأله في صرخد، وقصد بذلك المطاولة، فأجابه إلى ذلك، ومكّنه من أخذ حواصله التي بحلب، وأعطى مملوكه ألف دينار، فلمّا قدم عليه لم يطمئن وعبر إلى بلاد الشّرق في سنة ثنتي عشرة وسبع مائة في عدّة من الأمراء يريد خربندا فلمّا وصل إلى الرّحبة، بعث بابنه فرج - ومعه شيء من أثقاله وخيوله وأمواله - إلى السّلطان بمصر ليعتذر من قصده خربندا، ورحل بمن معه إلى ماردين. فتلقّاه المغل، وقام له نوّاب خربندا بالإقامات إلى أن قرب من الأردوا (١). فركب خربندا إليه، وتلقّاه وأكرمه ومن معه وأنزلهم منزلا يليق بهم، وأعطى قراسنقر المراغة من عمل أذربيجان، وأعطى الأمير جمال الدّين آقوش الأفرم همدان وذلك في أوائل سنة اثنتي عشرة وسبع مائة. فلم يزل هناك إلى أن مات خربندا، وقام من بعده أبو سعيد بركة بن خربندا. فشقّ ذلك على السّلطان، وأعمل الحيلة في قتل قراسنقر والأفرم، وسيّر إليهما الفداويّة. فجرت بينهم خطوب كثيرة، ومات قراسنقر بالإسهال ببلد المراغة في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، يوم السبت سابع عشرين شوّال، قبل موت السّلطان بيسير (٢).
فلمّا بلغ السّلطان موته في حادي عشر ذي القعدة عند ورود الخبر إليه، قال: ما كنت أشتهي يموت إلاّ من تحت سيفي، وأكون قد قدرت عليه وبلغت مقصودي منه. وذلك أنّه كان قد جهّز إليه عددا كثيرا من الفداوية، قتل منهم بسببه مائة وعشرون فداويّا بالسّيف سوى من فقد، ولم يوقف له على خبر.
وكان قراسنقر جسيما جليلا، صاحب رأي وتدبير ومعرفة، وبشاشة وجه، وسماحة نفس، وكرم زائد، بحيث لا يستكثر على أحد شيئا، مع حسن الشّاكلة، وعظم المهابة، والسّعادة
стр. 2943
الطائلة، وبلغت عدّة مماليكه ستّ مائة مملوك، ما منهم إلاّ من له نعمة ظاهرة وسعادة وافرة. وله من الآثار بالقاهرة هذه المدرسة، ودار جليلة بحارة بهاء الدّين فيها كان سكنه (١).
المدرسة الغزنويّة
هذه المدرسة برأس الموضع المعروف بسويقة أمير الجيوش، تجاه المدرسة الياز كوجية (¬a) (٢). بناها الأمير حسام الدّين قايماز النجمي، مملوك نجم الدّين أيّوب والد الملوك، وأقام بها الشّيخ شهاب الدّين أبو الفضل أحمد بن يوسف بن عليّ بن محمد الغزنوي البغدادي المقرئ الفقيه الحنفي (٣)، ودرّس بها، فعرفت به؛ وكان إماما في الفقه (¬b)، وسمع على الحافظ السّلفي وغيره، وقرأ بنفسه، وسكن مصر آخر عمره. وكان فاضلا حسن الطريقة متديّنا، وحدّث بالقاهرة بكتاب «الجامع» لعبد الرّزّاق بن همّام، فرواه عنه جماعة، وجمع كتابا في الشّيب والعمر، وقرأ عليه أبو الحسن السّخاوي وأبو عمرو بن الحاجب.
ومولده ببغداد في ربيع الأوّل سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة، وتوفي بالقاهرة يوم الاثنين النصف من ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وخمس مائة.
وهي من مدارس الحنفيّة.
المدرسة البوبكريّة (¬c) [أثر رقم ١٨٥]
هذه المدرسة بجوار درب العدّاس (¬d) قريبا من حارة الوزيرية بالقاهرة. بناها الأمير سيف الدّين أسنبغا ابن الأمير/ سيف الدّين بكتمر البوبكري (¬e) الناصري، ووقفها على الفقهاء الحنفيّة، وبنى
стр. 2944
بجانبها حوض ماء للسّبيل وسقاية ومكتبا للأيتام، وذلك في سنة اثنتين وسبعين وسبع مائة (١)، وبنى قبالتها جامعا فمات قبل إتمامه (٢).
مخطّط المدرسة البوبكرية (عن اللجنة)
وكان يسكن دار بدر الدّين الأمير طرنطاي المجاورة للمدرسة الحسامية تجاه سوق الجواري، فلذلك أنشأ هذه المدرسة بهذا المكان لقربه منه. ثم لمّا كان سنة خمس عشرة وثمان مائة جدّد بهذه المدرسة منبرا وصار يقام بها الجمعة (٣).
стр. 2945
واجهة ومئذنة مدرسة أسنبغا البو بكري بشارع درب سعادة
стр. 2946
أسنبغا بن بكتمر البوبكري (¬a) الأمير (¬b) (١).
المدرسة البقريّة (¬c) [أثر رقم ١٨]
هذه المدرسة في الزّقاق الذي تجاه باب الجامع الحاكمي المجاور للمنبر، ويتوصّل من هذا الزّقاق إلى ناحية العطوف (¬d).
بناها الرّئيس (¬e) شمس الدّين شاكر بن غزيل (تصغير غزال) - المعروف بابن البقري - أحد مسالمة القبط وناظر الذّخيرة السّلطانية (¬f) أيّام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون (¬g)؛ وهو خال الوزير الصّاحب سعد الدّين نصر اللّه بن البقري (٢). وأصله من قرية تعرف بدار البقر (٣)،
стр. 2947
واجهة المدرسة البقرية
منبر ومحراب المدرسة البقريّة
стр. 2948
إحدى قرى الغربية، نشأ على دين النصارى، وعرف الحساب، وباشر الخراج إلى أن أقدمه الأمير شرف الدّين بن الأزكشي - أستادّار السّلطان ومشير الدّولة في أيّام الناصر حسن - فأسلم على يديه، وخاطبه بالقاضي شمس الدّين، وخلع عليه، واستقرّ به في نظر الذّخيرة السّلطانية - وكان نظرها حينئذ من الرّتب الجليلة - وأضاف إليه نظر الأوقاف والأملاك السّلطانية، ورتّبه مستوفيا بمدرسة الناصر حسن.
مخطّط المدرسة البقريّة (عن اللجنة)
فشكرت طريقته، وحمدت سيرته، وأظهر سيادة وحشمة، وقرّب أهل العلم من الفقهاء، وتفضّل بأنواع من البرّ. وأنشأ هذه المدرسة في أبدع قالب وأبهج ترتيب، وجعل بها درسا للفقهاء الشّافعيّة، وقرّر في تدريسها شيخنا سراج الدّين عمر بن عليّ الأنصاري المعروف بابن الملقّن الشّافعي، ورتّب فيها ميعادا وجعل شيخه صاحبنا الشّيخ كمال الدّين بن موسى الدّميري الشّافعي، وجعل إمام الصّلوات بها المقرئ الفاضل زين الدّين أبا بكر بن الشّهاب أحمد النحوي. وكان الناس يرحلون إليه في شهر رمضان لسماع قراءته في صلاة التّراويح،
стр. 2949
لشجا صوته، وطيب نغمته، وحسن أدائه، ومعرفته بالقراءات السّبع والعشر والشّواذ.
ولم يزل ابن البقري على حال السّيادة والكرامة إلى أن مرض مرض موته، فأبعد عنه من يلوذ به من النصارى، وأحضر الكمال الدّميري وغيره من أهل الخير. فما زالوا عنده حتى مات وهو يشهد شهادة الإسلام في سنة ستّ وسبعين (¬a) وسبع مائة، ودفن بمدرسته هذه، وقبره بها تحت قبّة في غاية الحسن، وولي نظر الذّخيرة بعده أبو غالب. (¬b) وهذه المدرسة قبالة دار شمس الدّين المذكور (¬b).
ثم استجدّ في هذه المدرسة منبر، وأقيمت بها الجمعة في تاسع جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وثمان مائة بإشارة علم الدّين داود الكويز كاتب السّرّ (١).
المدرسة القطبيّة الجديدة (¬c)
هذه المدرسة بأوّل حارة زويلة ممّا يلي الخرنشف في رحبة كوكاي، عرفت بالسّتّ الجليلة الكبرى (¬d) عصمة الدّين مؤنسة خاتون القطبية المعروفة بدار إقبال العلائي ابنة السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب بن شاذي. وكان وقفها في سنة خمس وستّ مائة، وبها درس للفقهاء الشّافعيّة، وتصدير قراءات وفقهاء يقرأون. (¬b) وهي بالقرب من المدرسة العاشورية (¬b) (٢).
مدرسة ابن المغربي
هذه المدرسة بآخر درب الصّقالبة، فيما بين سويقة المسعودي وحارة زويلة (¬d). بناها صلاح الدّين يوسف بن عبد اللّه (¬e) ابن المغربي (٣) رئيس الأطبّاء (¬b) بالدّيار المصرية (¬b) تجاه
стр. 2950
داره، (¬a) وهو الذي بنى جامع ابن المغربي الذي على شاطئ الخليج الناصري بقرب بركة قرموط (١). وتوفي صلاح الدّين المذكور قبل إتمامها فغلّقت وهي إلى الآن كذلك (٢). وكان قد دفن بها ثم نقل إلى قبّته التي بجانب جامعه المذكور فدفن فيها، فلم تزل إلى أن هدمها بعض ذرّيته وباع حجارتها في سنة أربع عشرة وثمان مائة، وبقي مكانها كوم تراب (¬a) [ثم] صار موضعها طاحونة.
المدرسة البدريّة (¬b) [أثر رقم ٢٢]
هذه المدرسة برحبة الأيدمري (٣) بالقرب من باب قصر الشّوك فيما بينه وبين المشهد الحسيني (٤)، بناها الأمير بيدمر البدري (¬c) الأيدمري (٥) (¬e) في سنة [خمس وأربعين] (¬f) وسبع مائة (¬e).
المدرسة البديريّة (¬d)
/ هذه المدرسة بجوار باب سرّ المدرسة الصّالحيّة النجميّة، كان موضعها من جملة تربة القصر
стр. 2951
التي تقدّم ذكرها (¬a) (١)، فنبش شخص من الناس يعرف بناصر الدّين محمد بن محمد بن محمد ابن بدير العبّاسيّ ما هنالك من قبور الخلفاء، وأنشأ هذه المدرسة في سنة ثمان وخمسين وسبع مائة، وعمل فيها درس فقه للفقهاء الشّافعيّة درّس فيه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدّين عمر ابن رسلان ابن نصير البلقيني، وهي مدرسة صغيرة لا يكاد يصعد إليها أحد.
والعبّاسيّ هذا من قرية بطرف الرّمل يقال لها العبّاسة (¬b)، وله في مدينة بلبيس مدرسة، وقد تلاشت بعد ما كانت عامرة مليحة.
المدرسة الملكيّة [أثر رقم ٢٤]
هذه المدرسة بخطّ المشهد الحسيني من القاهرة، بناها الأمير الحاج سيف الدّين آل ملك الجوكندار (٢) تجاه داره، وعمل فيها درسا للفقهاء الشّافعيّة وخزانة كتب معتبرة، وجعل لها عدّة أوقاف، (¬c) وكان مكانها يعرف بدار ابن كرمون صهر الملك الصّالح (¬c).
(¬d) وكان من المماليك المنصورية قلاوون وتنقّل حتى صار نائب السّلطنة بالدّيار المصرية، وكان أكبر أمراء المشورة ويعتمد عليه الملك الناصر محمد في أكثر أموره، وكان جمّاعا للمال كثير الخير بنى هذه المدرسة والجامع الذي يعرف به في الحسينيّة وعدّة مساجد، وحفر بطريق الحجاز آبارا، وهدم خزانة البنود وكان هدمها فتحا في الإسلام. وقتله الملك الكامل شعبان ابن محمد بن قلاوون بالإسكندرية في سنة سبع وأربعين وسبع مائة، فلّما عاين القتل توضّأ وصلّى وأعطى للذين حضروا لقتله ذهبا وترحّب بهم وأوصاهم بالتّرفّق به وقال: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، ثم تمدّد وغطّى وجهه وأعلن بالشّهادتين فقرّفوه حتى مات، ﵀ فلقد كان خيّرا (¬d).
стр. 2952
وهي إلى الآن من المدارس المشهورة (١)، وموضعها من جملة رحبة قصر الشّوك، وقد تقدّم ذكرها عند ذكر الرّحاب من هذا الكتاب (٢).
مخطّط المدرسة الملكية (عن (Creswell
стр. 2953
المدرسة الجماليّة [أثر رقم ٢٦]
هذه المدرسة بجوار (¬a) درب راشد من القاهرة، على باب الزّقاق المعروف قديما بدرب سيف الدّولة نادر (¬b) قبالة دار الأمير مغلطاي الجمالي (¬b) (١)، بناها الأمير الوزير علاء الدّين مغلطاي الجمالي (¬b) وكان وزير السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وأستاذداره وجمعت له هاتان الوظيفتان (¬b) - وجعلها مدرسة للحنفيّة وخانقاه للصّوفيّة (¬c) (٢). وولي تدريسها ومشيخة التّصوّف بها: الشيخ علاء الدّين عليّ بن عثمان التّركماني الحنفي (٣)، وتداولها ابنه قاضي القضاة جمال الدّين عبد اللّه التّركماني الحنفي (٤)، وابنه قاضي القضاة صدر الدّين محمد بن عبد اللّه بن عليّ
стр. 2954
التّركماني الحنفي (١)، ثم قريبهم حميد الدّين حمّاد، وهي الآن بيد ابن حميد الدّين المذكور.
وكان شأن هذه المدرسة كبيرا يسكنها أكابر فقهاء الحنفيّة، وتعدّ من أجلّ مدارس القاهرة، ولها عدّة أوقاف بالقاهرة وظواهرها وفي البلاد الشّامية. وقد تلاشى أمر هذه المدرسة لسوء ولاة أمرها وتخريبهم أوقافها، وتعطّل منها حضور الدّرس والتّصوّف، وصارت منزلا يسكنه أخلاط ممّن ينسب إلى اسم الفقه، وقرب الخراب منها، وكان بناؤها في سنة ثلاثين وسبع مائة.
مغلطاي بن عبد اللّه الجمالي، الأمير علاء الدّين (٢) -
عرف بخرز، وهي بالتركية عبارة عن الدّيك (¬a) بالعربية - اشتراه الملك الناصر محمد بن قلاوون، ونقله وهو شابّ من الجامكيّة إلى الإمرة على إقطاع الأمير صارم الدّين إبراهيم الإبراهيمي، نقيب المماليك السّلطانية - المعروف بزير أمّه (¬b) - في صفر سنة ثمان عشرة وسبع مائة، وصار السّلطان ينتدبه في التّوجّه إلى المهمّات الخاصّة به، ويطلعه على سرّه. ثم بعثه أمير الرّكب إلى الحجاز في هذه السنة. فقبض على الشّريف أسد الدّين رميثة ابن أبي نميّ صاحب مكّة، وأحضره إلى قلعة الجبل في ثامن عشر المحرّم سنة تسع عشرة وسبع مائة مع الرّكب. فأنكر عليه السّلطان سرعة دخوله، لما أصاب الحاج من المشقّة في الإسراع بهم.
ثم إنّه جعل أستادّار السّلطان، لمّا قبض على القاضي كريم الدّين عبد الكريم ابن المعلّم هبة اللّه ناظر الخواصّ، عند وصوله من دمشق بعد سفره إليها لإحضار شمس الدّين غبريال. فيوم حضر خلع عليه وجعل أستادّارا عوضا عن الأمير سيف الدّين بكتمر العلائي، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة.
ثم أضاف إليه الوزارة، وخلع عليه في يوم الخميس ثامن رمضان سنة أربع وعشرين، عوضا عن الصّاحب أمين الملك عبد اللّه بن الغنّام، بعد ما استعفي من الوزارة واعتذر بأنّه رجل غتميّ،
стр. 2955
فلم يعفه السّلطان، وقال: أنا أخلّي من يباشر معك، ويعرّفك ما تعمل. وطلب شمس الدّين غبريال ناظر دمشق منها، وجعله ناظر الدّولة رفيقا للوزير الجمالي.
فرفعت قصّة إلى السّلطان، وهو في القصر من القلعة، فيها الحطّ على السّلطان بسبب تولية الجماليّ الوزارة وألماس حاجبا، وأنّه بسبب ذلك أضاع أوضاع المملكة وأهانها، وفرّط في أموال المسلمين والجيش، وأنّ هذا لم يفعله أحد من الملوك «فقد ولّيت الحجابة لمن لا يعرف يحكم، ولا يتكلّم بالعربي، ولا يعرف الأحكام الشّرعيّة. وولّيت الوزارة والأستادّارية لشابّ لا يعرف يكتب اسمه، ولا يعرف ما يقال له، لا يتصرّف في أمور المملكة، ولا في الأموال الدّيوانية، إلاّ أرباب الأقلام، فإنّهم يأكلون المال ويحيلون على الوزير».
فلمّا وقف السّلطان عليها، أوقف عليها القاضي فخر الدّين محمد بن فضل اللّه - المعروف بالفخر ناظر الجيش - فقال: هذه ورقة الكتّاب البطّالين ممّن انقطع/ رزقه وكثر حسده. وقرّر مع السّلطان أن يلزم الوزير ناظر الدّولة وناظر الخواصّ بإحضار أوراق في كلّ يوم تشتمل على أصل الحاصل، وما حمل في ذلك اليوم من البلاد والجهات وما صرف، وأنّه لا يصرف لأحد شيء ألبتّة إلاّ بأمر السّلطان وعلمه.
فلمّا حضر الوزير الجماليّ، أنكر عليه السّلطان، وقال له: إنّ الدّواوين تلعب بك. وأمر فأحضر التّاج إسحاق وغبريال ومجد الدّين بن لفيته (¬a)، وقرّر معهم أن يحضروا آخر كلّ يوم أوراقا بالحاصل والمصروف، وقد فصّلت بأسماء ما يحتاج إلى صرفه وإلى شرائه وبيعه. فصاروا يحضرون كلّ يوم الأوراق إلى السّلطان، وتقرأ عليه، فيصرف ما يختار، ويوقف ما يريد.
ورسم أيضا أنّ مال الجيزة كلّه يحمل إلى السّلطان، ولا يصرف منه شيء.
ثم لمّا كانت الفتنة بثغر الإسكندرية بين أهلها وبين الفرنج، وغضب السّلطان على أهل الإسكندرية، بعث بالجمالي إليها. فسار من القاهرة في أثناء رجب سنة سبع وعشرين وسبع مائة، ودخل إليها، فجلس بالخمس، واستدعى بوجوه الناس (¬b)، وقبض على كثير من العامّة، ووسّط بعضهم، وقطع أيدي جماعة وأرجلهم، وصادر أرباب الأموال حتى لم يدع أحدا له ثروة حتى ألزمه بمال كثير. فباع الناس حتى ثياب نسائهم في هذه المصادرة. وأخذ من التّجّار شيئا كثيرا، مع ترفّقه بالناس فيما يرد عليه من الكتب بسفك الدّماء، وأخذ الأموال.
стр. 2956
ثم أحضر العدد التي كانت بالثّغر مرصدة برسم الجهاد، فبلغت ستة آلاف عدّة، ووضعها في حاصل، وختم عليه. وخرج من الإسكندرية بعد عشرين يوما، وقد سفك دماء كثيرة، وأخذ منها مائتي ألف دينار للسّلطان، وعاد إلى القاهرة، فلم يزل على حاله إلى أن صرف عن الوزارة في يوم الأحد ثاني شوّال سنة ثمان وعشرين. ورسم أن توفّر وظيفة الوزارة من ولاية وزير، فلم يستقرّ أحد في الوزارة، وبقي الجمالي على وظيفة الأستادّاريّة.
وكان سبب عزله عن الوزارة توقّف حال الدّولة، وقلّة الواصل إليها. فعمل عليه الفخر ناظر الجيش والتّاج إسحاق، بسبب تقديمه لمحمد بن لفيتة، فإنّه كان قد استقرّ في نظر الدّولة والصّحبة والبيوت، وتحكّم في الوزير وتسلّم قياده. فكتبت مرافعات في الوزير، وأنّه أخذ مالا كثيرا من مال الجيزة، فخرج الأمير أيتمش المجدي بالكشف عليه، وهمّ السّلطان بإيقاع الحوطة به. فقام في حقّه الأمير بكتمر السّاقي حتى عفي عنه، وقبض على كثير من الدّواوين.
ثم إنّه سافر إلى الحجاز، فلمّا عاد توفي بسطح عقبة أيلة، في يوم الأحد سابع عشر المحرّم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، فصبّر وحمل إلى القاهرة، ودفن بهذه الخانقاه في يوم الخميس حادي عشرين المحرّم المذكور، بعد ما صلّي عليه بالجامع الحاكمي. وولّى السّلطان بعده الأستادّارية الأمير آقبغا عبد الواحد. وكان ينوب عن الجمالي في الأستادّارية ألطنقش مملوك الأفرم، نقله إليها من ولاية الشّرقيّة.
وكان الجمالي حسن الطباع، يميل إلى الخير مع كثرة الحشمة، وممّا شكر عليه في وزارته أنّه لم يبخل على أحد بولاية مباشرة، وأنشأ ناسا كثيرا، وقصد من سائر الأعمال. وكان يقبل الهدايا ويحب التّقادم، فحلت له الدّنيا وجمع منها شيئا كثيرا. وكان إذا أخذ من أحد شيئا على ولاية، لا يعزله حتى يعرف أنّه قد اكتسب قدر ما وزنه له ولو أكثر عليه في السّعي، فإذا عرف أنّه أخذ ما غرمه عزله وولّى غيره، ولم يعرف عنه أنّه صادر أحدا ولا اختلس مالا. وكانت أيّامه قليلة الشّرّ، إلاّ أنّه كان يعزل ويولّي بالمال فتزايد الناس في المناصب، وكان له عقب بالقاهرة غير صالحين ولا مصلحين.
стр. 2957
المدرسة الفارسيّة
هذه المدرسة بخطّ الفهّادين (١) بأوّل العطوفيّة بالقاهرة، كان موضعها كنيسة تعرف بكنيسة الفهّادين. فلمّا كانت واقعة النصارى في سنة ستّ وخمسين (¬a) وسبع مائة، هدمها الأمير فارس الدّين البكّي - قريب الأمير سيف الدّين آل ملك الجوكندار - وبنى (¬b) في موضعها (¬b) هذه المدرسة - (¬b) أثابه اللّه الجنّة (¬b) - ووقف عليها وقفا يقوم بما تحتاج إليه (٢).
المدرسة السّابقيّة [أثر رقم ٤٥]
هذه المدرسة داخل قصر الخلفاء الفاطميين من جملة القصر الكبير الشّرقي الذي كان دار الخلافة، ويتوصّل إلى هذه المدرسة الآن من (¬c) الزّقاق المقابل (¬c) لحمّام البيسري بخطّ بين القصرين، وكان يتوصّل إليها أيضا من باب القصر المعروف بباب الرّيح - (¬d) وهو الباب المظلم الذي في آخر (¬d) الرّكن المخلّق - وموضعه الآن قيساريّة الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار (٣).
стр. 2958
مخطّط المدرسة السّابقيّة (عن (Meinecke
بنى هذه المدرسة الطواشي الأمير سابق الدّين مثقال الآنوكي مقدّم المماليك السّلطانية الأشرفيّة (١)،
стр. 2959
واجهة المدرسة السّابقيّة بدرب قرمز
منبر المدرسة السّابقيّة بعد أعمال التّرميم
стр. 2960
و (¬a) لمّا كملت في سنة اثنتين وسبعين وسبع مائة (¬a) جعل بها درسا للفقهاء الشّافعيّة قرّر في تدريسه شيخنا شيخ الشّيوخ سراج الدّين عمر بن عليّ الأنصاري المعروف بابن/ الملقّن الشّافعيّ (١)، وجعل فيها تصدير قراءات وخزانة كتب وكتّابا يقرأ فيه أيتام المسلمين، (¬a) وولّى تصديرها لشيخنا فخر الدّين إمام الجامع الأزهر (¬a)، وبنى بينها وبين داره - التي تعرف بقصر سابق الدّين - حوض ماء للسّبيل هدمه الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار لمّا بنى داره المجاورة لهذه المدرسة.
وولي سابق الدّين تقدمة المماليك بعد الطواشي شرف الدّين مختصّ الطقتمري في صفر سنة ثلاث وستين وسبع مائة، ثم تنكّر عليه الأمير يلبغا الخاصّكي القائم بدولة الملك الأشرف شعبان بن حسين وضربه ستّ مائة عصا وسجنه، ونفاه إلى أسوان في آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وستين، فلم يكن غير قليل حتى قتل الأمير يلبغا، فاستدعى الأشرف سابق الدّين من قوص، وصرف ظهير الدّين مختارا - المعروف بشاذروان - عن التّقدمة وأعاده إليها، فاستمرّ إلى أن مات سنة ستّ وسبعين وسبع مائة (٢).
المدرسة القيسرانيّة
هذه المدرسة بجوار المدرسة الصّاحبيّة، بسويقة الصّاحب، فيما بينها وبين باب الخوخة (٣).
كانت دارا يسكنها القاضي الرّئيس شمس الدّين محمّد بن إبراهيم القيسراني، أحد موقّعي
стр. 2961
إيوان القبلة وجزء من رخام الصّحن
محراب المدرسة السّابقيّة
стр. 2962
الدّست بالقاهرة، فوقفها قبل موته مدرسة وذلك في ربيع الأوّل سنة إحدى وخمسين وسبع مائة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وسبع مائة (١).
وكان حشما كبير الهمّة، سعى بالأمير سيف الدّين بهادر الدّمرداشي في كتابة السّرّ بالقاهرة مكان علاء الدّين عليّ بن فضل اللّه العمري، فلم يتم ذلك، ومات الأمير بهادر، فانحطّ جانبه، وكانت دنياه واسعة جدّا، وله عدّة مماليك يتوصّل بهم إلى السّعي في أغراضه عند أمراء الدّولة، وكان ينسب إلى شحّ كبير.
المدرسة الزّماميّة [أثر رقم ١٧٧]
هذه المدرسة بخطّ رأس البندقانيين من القاهرة، فيما بين البندقانيين وسويقة الصّاحب (٢). بناها الأمير الطواشي زين الدّين مقبل الرّومي، زمام الآدرّ الشّريفة للسّلطان الظّاهر برقوق (٣) في سنة سبع وتسعين وسبع مائة، وجعل بها درسا وصوفيّة ومنبرا يخطب عليه في كلّ جمعة، (¬a) ورتّب فيها درس حديث قرّر فيه شيخنا زين الدّين عبد الرّحيم المعروف بالعراقي المحدّث الحافظ (¬a).
стр. 2963
وبينها وبين المدرسة الصّاحبيّة دون مدى الصّوت، فيسمع كلّ من مصلّي الموضعين (¬a) تكبير الآخر. وهذا وأنظاره بالقاهرة من شنيع ما حدث في غير موضع، ولا قوّة إلاّ باللّه على إزالة هذه المبتدعات.
المدرسة الصّغيرة (¬b) المجاورة لدار القاضي محبّ الدّين ناظر الجيش (¬b) فيما بين البندقانيين وطواحين الملحيين، ويعرف خطّها ببيت محبّ الدّين ناظر الجيوش، ويعرف أيضا بخطّ بين العواميد. (¬b) وهي الآن مغلقة (¬b) بنتها السّتّ أيدكين زوجة الأمير سيف الدّين بكجا الناصري في سنة إحدى وخمسين وسبع مائة. (¬b) وهي تجاه الفندق المعروف بالعكر والإسطبل الذي خلف ظهر الدّار الكبرى المعروفة بدار كتبغا (¬b).
تربة الصّالح عليّ (¬c) [أثر رقم ٢٧٤]
هذه التّربة (¬d) بجوار المدرسة الأشرفيّة (١) بالقرب من المشهد النفيسي فيما بين القاهرة ومصر، موضعها من جملة ما كان بستانا. أنشأها السّلطان (¬e) الملك المنصور قلاوون (¬b) ونجزت عمارتها (¬b) على يد الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي في سنة اثنتين وثمانين وستّ مائة برسم أمّ الملك الصّالح علاء الدّين عليّ بن الملك المنصور قلاوون. فلمّا كمل بناؤها نزل إليها الملك المنصور ومعه ابنه الصّالح عليّ، وتصدّقا عند قبرها بمال جزيل، ورتّب لها وقفا حسنا على قرّاء وفقهاء وغير ذلك. وكانت وفاتها في سادس عشر شوّال سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة (٢).
стр. 2964
مخطّط تربة فاطمة خاتون (أمّ الصّالح) (عن (Creswell
مدرسة ابن عرّام
هذه المدرسة بجوار جامع أمير حسين بحكر جوهر النوبي من برّ الخليج الغربي خارج القاهرة (١). أنشأها (٢) الأمير صلاح الدّين خليل بن عرّام، وكان من فضلاء الناس، تولّى نيابة
стр. 2965
الإسكندرية، وكتب تاريخا، وشارك في علوم (١). فلمّا قتل الأمير بركة بسجن الإسكندرية، ثارت مماليكه على الأمير الكبير برقوق حنقا لقتله. فأنكر الأمير برقوق قتله، وبعث الأمير يونس النوروزي دواداره لكشف ذلك، فنبش عنه قبره، فإذا فيه ضربات عدّة إحداهن في رأسه، فاتّهم ابن عرّام بقتله من غير إذن له في ذلك. فأخرج بركة من قبره - وكان بثيابه من غير غسل ولا كفن - وغسّله وكفّنه.
وأحضر بابن عرّام معه، فسجن بخزانة شمائل داخل باب زويلة من القاهرة، ثم عصر، وأخرج يوم الخميس خامس عشر رجب سنة اثنتين وثمانين وسبع مائة من خزانة شمائل، وأمر به فسمّر عريانا بعد ما ضرب عند باب القلّة/ بالمقارع ستة وثمانين شيبا (¬a) بحضرة الأمير (¬b) قطلواقتمر أمير جاندار (¬b) والأمير مامور حاجب الحجّاب. فلمّا أنزل من القلعة، وهو مسمّر على الجمل، أنشد:
[مجزوء الرمل]
لك قلبي تحلّه (¬c) … فدمي لم تحلّه
لك من قلبي المكا … ن فلم لا تحلّه
قال إن كنت مالكا … فلي الأمر كلّه
وما هو إلاّ أن وقف بسوق الخيل تحت القلعة، وإذا بمماليك بركة تراكبت (¬d) عليه تضربه بسيوفها حتى تقطّع قطعا، وحزّ رأسه وعلّق على باب زويلة، وتلاعبت أيديهم به فأخذ واحد أذنه، وأخذ آخر رجله، واشتوى آخر قطعة من لحمه ولاكها، ثم جمع ما وجد منه، ودفن بمدرسته هذه. فقال في ذلك صاحبنا الأديب شهاب الدّين أحمد بن العطّار (٢):
стр. 2966
تفاصيل من قبّة تربة الصّالح علي (فاطمة خاتون)
стр. 2967
[الوافر]
بدت أجزاء ابن عرّام خليل … مقطّعة من الضّرب الثّقيل
وأبدت أبحر الشّعر المراثي … محرّرة بتقطيع الخليل
مدرسة محمود الأستاذدار (¬a) [أثر رقم ١١٧] (¬b) هي المدرسة المستجدّة التي بالموازنيين خارج باب زويلة (١) قبالة دار القردميّة، (¬c) يشبه أنّ موضعها كان في القديم من جملة الحارة التي كانت تعرف بالمنصورة (¬c). وكان الأمير جمال الدّين محمود بن علي أستاذدار السّلطان الملك الظّاهر سيف الدّين برقوق قد استأجر من السّتّ خوند المعروفة بالقردمية ابنة السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون دار القردميّة (٢)، وهي دار الأمير ألجاي الدّوادار الناصري وأصلح ما تشعّث منها ورخّمها، ثم سكنها وبنى قبالتها مدرسته هذه وبنى القبّة التي دفن فيها إلى جانبها وبنى في علوّ المدرسة ساباطا ومدّة إلى أن وصله بدار القردميّة المذكورة، وسدّ باب زقاق القاعة فكان في موضع القبّة، وفتح للزّقاق المذكور بابا من شرقي المدرسة (٣). وكانت عمارة هذه المدرسة في سنة سبع وتسعين وسبع مائة (٤)، وتوفي ولم
стр. 2968
واجهة مدرسة جمال الدّين محمود الأستادّار بالخيميّة.
стр. 2969
يرتّب بها درسا ولا غيره؛ ولعمري ما كان عاجزا عن ذلك ولكنّه كان قد صرف همّته وأخذ نفسه في تحصيل المال ومباشرة الوظيفة التي بيده، ولم يجد ذلك عليه نفعا بل جلب إليه ضررا فإنّه قبض عليه في سنة (¬a) واعتقل بخزانة شمائل إلى أن توفي بها ودفن في القبّة المذكورة. وأخذ من أمواله - على ما يقال - ثلاثة آلاف ألف دينار وضرب وأهين في يوم الأحد تاسع رجب سنة تسع وتسعين وسبع مائة (¬b).
مخطّط مدرسة محمود الأستادّار (عن صالح لمعي)
وعمل فيها خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر ولا الشّام مثلها (١)، وهي باقية إلى اليوم لا يخرج لأحد منها كتاب إلاّ أن يكون في المدرسة، وبهذه الخزانة كتب الإسلام من
стр. 2970
مدخل المدرسة المحمودية
قبّة ومئذنة المدرسة المحمودية
стр. 2971
كلّ فنّ. وهذه المدرسة من أحسن مدارس مصر.
محمود بن عليّ بن أصفر عينه -
الأمير جمال الدّين الأستادّار. ولي شدّ باب رشيد بالإسكندرية مدّة، وكانت واقعة الفرنج بها في سنة سبع وستين وسبع مائة وهو مشدّ، فيقال إنّ ماله الذي وجد له حصّله يومئذ، ثمّ إنّه سار إلى القاهرة (١).
فلمّا كانت أيّام الظّاهر برقوق خدم أستادّارا عند الأمير سودون باق، ثم استقرّ شادّ الدّواوين إلى أن مات الأمير بهادر المنجكي أستادّار السّلطان، فاستقرّ عوضا عنه في وظيفة الأستادّارية يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة سنة تسعين وسبع مائة، ثمّ خلع عليه في يوم الخميس خامسه واستقرّ مشير الدّولة؛ فصار يتحدّث في دواوين السّلطنة الثّلاثة، وهي: الدّيوان المفرد الذي يتحدّث فيه الأستادّار، وديوان الوزارة ويعرف بالدّولة، وديوان الخاصّ المتعلّق بنظر الخواصّ.
وعظم أمره ونفذت كلمته لتصرّفه في سائر أمور المملكة.
стр. 2972
فلمّا زالت دولة الملك الظّاهر برقوق بحضور الأمير يلبغا الناصري نائب حلب، في يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وسبع مائة، بعساكر الشّام إلى القاهرة واختفى الظّاهر ثم أمسكه، هرب هو وولده فنهبت دوره.
ثم إنّه ظهر من الاستتار في يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة، وقدّم للأمير يلبغا الناصري مالا كثيرا، فقبض عليه وقيّده وسجنه بقلعة الجبل. وأقيم بدله في الأستادّارية الأمير علاء الدّين آقبغا الجوهري.
فلمّا زالت دولة يلبغا الناصري بقيام الأمير منطاش عليه، قبض على آقبغا الجوهري فيمن قبض عليه من الأمراء، وأفرج عن الأمير محمود في يوم الاثنين ثامن شهر رمضان، وألبسه قباء مطرّزا بذهب، وأنزله إلى داره. ثم قبض عليه، وسجن بخزانة الخاصّ في يوم الأحد سادس عشر ذي الحجّة، في عدّة من الأمراء والمماليك، عند عزم منطاش على السّفر لحرب برقوق عند خروجه من الكرك ومسيره إلى دمشق. فكانت جملة ما حمله الأمير محمود من الذّهب العين للأمير يلبغا الناصري وللأمير منطاش، ثمانية وخمسين قنطارا من الذّهب المصري، منها ثمانية عشر قنطارا في ليلة واحدة.
فلم يزل في الاعتقال إلى أن خرج المماليك مع الأمير بوطا، في ليلة الخميس ثاني صفر سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة، فخرج معهم، وأقام بمنزله إلى أن عاد الملك الظّاهر برقوق إلى المملكة في رابع عشر صفر، فخلع عليه، واستقرّ أستادّار السّلطان على عادته في يوم الاثنين تاسع عشرين جمادى الأولى من السنة المذكورة عوضا عن الأمير قرقماس الطشتمري بعد وفاته. ثم خلع على ولده الأمير ناصر الدّين محمد بن محمود في يوم الخميس ثاني عشرين صفر سنة أربع وتسعين وسبع مائة، واستقرّ نائب السّلطنة بثغر الإسكندرية عوضا عن الأمير ألطنبغا المعلم، فقويت حرمة الأمير محمود ونفذت كلمته إلى يوم الاثنين حادي عشر رجب من السنة المذكورة. فثار عليه المماليك السّلطانية بسبب تأخّر كسوتهم، ورموه من أعلى القلعة بالحجارة،/ وأحاطوا به وضربوه يريدون قتله، لولا أنّ اللّه أغاثه بوصول الخبر إلى الأمير الكبير أيتمش - وكان يسكن قريبا من القلعة - فركب بنفسه وساق حتى أدركه، وفرّق عنه المماليك وسار به إلى منزله حتى سكنت الفتنة، ثم شيّعه إلى داره.
فكانت هذه الواقعة مبدأ انحلال أمره؛ فإنّ السّلطان صرفه عن الأستادّارية وولّى الأمير الوزير ركن الدّين عمر بن قايماز في يوم الخميس رابع عشره، وخلع على الأمير محمود قباء بطرز ذهب
стр. 2973
واستقرّ على إمرته. ثم صرف ابن قايماز عن الأستادّارية، وأعيد محمود في يوم الاثنين خامس عشر رمضان، وأنعم على ابن قايماز بإمرة طبلخاناه، فجدّد بثغر الإسكندرية دار ضرب عمل فيها فلوس ناقصة الوزن، ومن حينئذ اختلّ حال الفلوس بديار مصر.
ثم لمّا خرج الملك الظّاهر إلى البلاد الشّامية في سنة ستّ وتسعين، سار في ركابه، ثم حضر إلى القاهرة في يوم الأربعاء سابع صفر سنة سبع وتسعين وسبع مائة، قبل حضور السّلطان، وكان دخوله يوما مشهودا. فلمّا عاد السّلطان إلى قلعة الجبل، حدث منه تغيّر على الأمير محمود في يوم السبت ثالث عشرين ربيع الأوّل، وهمّ بالإيقاع به. فلمّا صار إلى داره، بعث إليه الأمير علاء الدّين علي بن الطبلاوي يطلب منه خمس مائة ألف دينار، وإن توقّف يحيط به ويضربه بالمقارع، فنزل إليه، وقرّر الحال على مائة وخمسين ألف دينار. فطلع على العادة إلى القلعة في يوم الاثنين خامس عشرينه، فسبّه المماليك السّلطانية ورجموه، ثم إنّ السّلطان غضب عليه، وضربه في يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر بسبب تأخّر النفقة، وأخذ أمره ينحلّ.
فولّى السّلطان الأمير صلاح الدّين محمدا ابن الأمير ناصر الدّين محمد ابن الأمير تنكز أستادّارية الأملاك السّلطانية في يوم الاثنين خامس رجب، وولّى علاء الدّين علي بن الطبلاوي في رمضان التّحدّث في دار الضّرب بالقاهرة والإسكندرية، والتّحدّث في المتجر السّلطاني.
فوقع بينه وبين الأمير محمود كلام كثير، ورافعه ابن الطبلاوي بحضرة السّلطان، وخرج عليه من دار الضّرب ستة آلاف درهم فضّة.
فألزم السّلطان محمودا بحمل مبلغ مائة وخمسين ألف دينار فحملها، وخلع عليه عند تكملة حملها في يوم الأحد تاسع عشرين رمضان، وخلع أيضا على ولده الأمير ناصر الدّين، وعلى كاتبه سعد الدّين إبراهيم بن غراب الإسكندراني، وعلى الأمير علاء الدّين علي بن الطبلاوي.
ثم إن محمودا وعك بدنه، فنزل إليه السّلطان في يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة يعوده، فقدّم له عدّة تقادم، قبل بعضها وردّ بعضها، وتحدّث الناس أنّه استقلّها.
فلمّا كان يوم السبت سادس صفر سنة ثمان وتسعين، بعث السّلطان إلى الأمير محمود الطواشي شاهين الحسني، فأخذ زوجتيه وكاتبه سعد الدّين إبراهيم بن غراب، وأخذ مالا وقماشا على حمالين وصار بهما إلى القلعة، هذا ومحمود مريض ملازم الفراش. ثم عاد من يومه وأخذ الأمير ناصر الدّين محمد بن محمود، وحمله إلى القلعة.
стр. 2974
ثم نزل ابن غراب ومعه الأمير ألي باي الخازندار في يوم الأحد سابعه، وأخذا من ذخيرة بدار محمود خمسين ألف دينار. وفي يوم الخميس حادي عشره، صرف محمود عن الأستادّارية، واستقرّ عوضه الأمير سيف الدّين قطلوبك العلائي أستادّار الأمير الكبير أيتمش، وقرّر سعد الدّين ابن غراب ناظر الدّيوان المفرد، فاجتمع مع ابن الطبلاوي على عداوة محمود والسّعي في إهلاكه، وسلّم ابن محمود إلى ابن الطبلاوي في تاسع عشر ربيع الأوّل ليستخلص منه مائة ألف دينار.
ونزل الطواشي صندل المنجكي والطواشي شاهين الحسني في ثالث عشرينه ومعهما ابن الطبلاوي، فأخذا من خربة خلف مدرسة محمود زيرين كبيرين وخمسة أزيار صغارا وجد فيها ألف ألف درهم فضّة، فحملت إلى القلعة، ووجد أيضا بهذه الخربة جرّتان: في إحداهما ستة آلاف دينار، وفي الأخرى أربعة آلاف درهم فضّة وخمس مائة درهم، وقبض على مباشري محمود ومباشري ولده، وعوقب محمود.
ثم أوقعت الحوطة على موجود محمود في يوم الخميس سابع جمادى الأولى، ورسم عليه ابن الطبلاوي في داره، وأخذ مماليكه وأتباعه، ولم يدع عنده غير ثلاثة مماليك صغار، وظهرت أموال محمود شيئا بعد شيء. ثم سلّم إلى الأمير فرج شادّ الدّواوين في خامس جمادى الآخرة، فنقله إلى داره وعاقبه وعصره في ليلته ثم نقل في شعبان إلى دار ابن الطبلاوي، فضربه وسعطه وعصره، فلم يعترف بشيء.
وحكي عنه أنّه قال: لو عرفت أنّي أعاقب ما اعترفت بشيء من المال. وظهر منه في هذه المحنة ثبات وجلد وصبر، مع قوّة نفس وعدم خضوع، حتى إنّه كان يسبّ ابن الطبلاوي إذا دخل إليه، ولا يرفع له قدرا. ثم إنّ السّلطان استدعاه إلى ما بين يديه يوم السبت أوّل صفر سنة تسع وتسعين، وحضر سعد الدّين بن غراب، فشافهه بكلّ سوء، ورافعه في وجهه حتى استغضب السّلطان على محمود، وأمر بمعاقبته حتى يموت. فأنزل إلى بيت الأمير حسام الدّين حسين، ابن أخت الغرس (¬a) شادّ الدّواوين - وكان أستادّار محمود - فلم يزل عنده في العقوبة. إلى أن نقل من داره إلى خزانة/ شمائل في ليلة الجمعة ثالث جمادى الأولى، وهو مريض، فمات بها في ليلة الأحد تاسع رجب سنة تسع وتسعين وسبع مائة، ودفن من الغد بمدرسته، وقد أناف على الستين سنة.
стр. 2975
وكان كثير الصّلاة والعبادة، مواظبا على قيام الليل. إلاّ أنّه كان شحيحا مسيكا، شرها في الأموال، دهي (¬a) الناس منه في رماية البضائع بدواه (¬b)، إذا نسبت إلى ما حدث من بعده كانت عاقبة ونعمة، وأكثر من ضرب الفلوس بديار مصر حتى فسد بكثرتها حال إقليم مصر (١).
وكان جملة ما حمل من ماله، بعد نكبته هذه، مائة قنطار ذهبا وأربعين قنطارا: عنها ألف ألف دينار وأربع مائة ألف دينار عينا، وألف ألف درهم فضّة. وأخذ له من البضائع والغلال والقنود والأعسال ما قيمته ألف ألف درهم وأزيد (¬c).
المدرسة المهذّبيّة
هذه المدرسة بحارة حلب خارج القاهرة عند حمّام قماري (٢)، بناها الحكيم مهذّب الدّين محمّد بن أبي الوحش - المعروف بابن أبي حليقة (تصغير حلقة) (٣) - رئيس الأطبّاء كان بالديار المصرية (¬d)، ولي رياسة الأطبّاء في حادي عشر رمضان سنة أربع وثمانين وستّ مائة، واستقرّ يدرّس الطبّ بالمارستان المنصوري.
المدرسة السّعديّة [أثر رقم ٢٦٣]
هذه المدرسة خارج القاهرة بقرب حدرة البقر على الشّارع المسلوك فيه من حوض ابن هنس إلى الصّليبة (٤)، وهي فيما بين قلعة الجبل وبركة الفيل. كان موضعها يعرف بخطّ بستان سيف الإسلام، وهي الآن في ظهر إسطبل الأمير قوصون (¬e) المقابل لباب السّلسلة من
стр. 2976
واجهة المدرسة السّعدية بالسّيوفيّة.
مدخل المدرسة السّعديّة
стр. 2977
قلعة الجبل (¬a) بجوار باب سرّ الإسطبل المذكور (¬a) (١). بناها الأمير شمس الدّين سنقر السّعدي، نقيب المماليك السّلطانية، في سنة خمس عشرة وسبع مائة، وبنى بها أيضا رباطا للنساء (٢).
مخطّط مدرسة سنقر السّعدي وقبة حسن صدقة (التكية المولوية) (عن (Creswell
وكان شديد الرّغبة في العمائر محبّا للزّراعة كثير المال ظاهر الغنى. وهو الذي عمّر القرية التي
стр. 2978
قبّة المدرسة السّعديّة (حسن صدقة)
قبّة المدرسة السّعديّة من الدّاخل
стр. 2979
تعرف اليوم بالنحريريّة من أعمال الغربيّة، وكانت إقطاعه (١). ثم إنّه أخرج من مصر بسبب نزاع وقع بينه وبين الأمير قوصون في أرض أخذها منه، فسار إلى طرابلس وبها مات في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة.
المدرسة الطغجيّة (¬a)
هذه المدرسة بخطّ حدرة البقر أيضا، أنشأها الأمير سيف الدّين طغجي (¬b) الأشرفي، ولها وقف جيّد (¬c) (٢).
стр. 2980
طغجي الأمير سيف الدّين (١) -
كان من جملة مماليك الملك الأشرف خليل ابن قلاوون، ترقّى في خدمته حتى صار من جملة أمراء ديار مصر. فلمّا قتل الملك الأشرف، قام طغجي في المماليك الأشرفيّة، وحارب الأمير بيدرا، المتولّي لقتل الأشرف، حتى أخذه وقتله.
فلمّا أقيم الملك الناصر محمد بن قلاوون في المملكة، بعد قتل بيدرا، صار طغجي من أكابر الأمراء، واستمرّ على ذلك بعد خلع الملك الناصر بكتبغا مدّة أيّامه؛ إلى أن خلع الملك العادل كتبغا، وقام في سلطنة مصر الملك المنصور لا جين، وولي مملوكه الأمير سيف الدّين منكوتمر نيابة السّلطنة بديار مصر، فأخذ يواحش أمراء الدّولة بسوء تصرّفه.
واتّفق أنّ طغجي حجّ في سنة سبع وتسعين وستّ مائة، فقرّر منكوتمر مع المنصور أنّه إذا قدم من الحجّ يخرجه إلى طرابلس، ويقبض على أخيه الأمير سيف الدين كرجي. فعندما قدم طغجي من الحجاز، في صفر سنة ثمان وتسعين وستّ مائة، رسم له بنيابة طرابلس، فثقل عليه ذلك، وسعى بإخوته الأشرفية حتى أعفاه السّلطان من السّفر.
فسخط منكوتمر، وأبى إلاّ سفر طغجي، وبعث إليه يلزمه بالسّفر - وكان لا جين منقادا لمنكوتمر لا يخالفه في شيء - فتواعد طغجي وكرجي مع جماعة من المماليك، وقتلوا لا جين.
وتولّى قتله كرجي وخرج، فإذا طغجي في انتظاره على باب القلّة من قلعة الجبل، فسرّ بذلك، وأمر بإحضار من بالقلعة من الأمراء - وكانوا حينئذ يبيتون بالقلعة دائما - وقتل منكوتمر في تلك الليلة، وعزم على أنّه يتسلطن، ويقيم كرجي في نيابة السّلطنة، فخذله الأمراء.