← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

واجهة المدرسة السّعدية بالسّيوفيّة. مدخل المدرسة السّعديّة

стр. 2977

قلعة الجبل (¬a) بجوار باب سرّ الإسطبل المذكور (¬a) (١). بناها الأمير شمس الدّين سنقر السّعدي، نقيب المماليك السّلطانية، في سنة خمس عشرة وسبع مائة، وبنى بها أيضا رباطا للنساء (٢). مخطّط مدرسة سنقر السّعدي وقبة حسن صدقة (التكية المولوية) (عن (Creswell وكان شديد الرّغبة في العمائر محبّا للزّراعة كثير المال ظاهر الغنى. وهو الذي عمّر القرية التي

стр. 2978

قبّة المدرسة السّعديّة (حسن صدقة) قبّة المدرسة السّعديّة من الدّاخل

стр. 2979

تعرف اليوم بالنحريريّة من أعمال الغربيّة، وكانت إقطاعه (١). ثم إنّه أخرج من مصر بسبب نزاع وقع بينه وبين الأمير قوصون في أرض أخذها منه، فسار إلى طرابلس وبها مات في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة. المدرسة الطغجيّة (¬a) هذه المدرسة بخطّ حدرة البقر أيضا، أنشأها الأمير سيف الدّين طغجي (¬b) الأشرفي، ولها وقف جيّد (¬c) (٢).

стр. 2980

طغجي الأمير سيف الدّين (١) - كان من جملة مماليك الملك الأشرف خليل ابن قلاوون، ترقّى في خدمته حتى صار من جملة أمراء ديار مصر. فلمّا قتل الملك الأشرف، قام طغجي في المماليك الأشرفيّة، وحارب الأمير بيدرا، المتولّي لقتل الأشرف، حتى أخذه وقتله. فلمّا أقيم الملك الناصر محمد بن قلاوون في المملكة، بعد قتل بيدرا، صار طغجي من أكابر الأمراء، واستمرّ على ذلك بعد خلع الملك الناصر بكتبغا مدّة أيّامه؛ إلى أن خلع الملك العادل كتبغا، وقام في سلطنة مصر الملك المنصور لا جين، وولي مملوكه الأمير سيف الدّين منكوتمر نيابة السّلطنة بديار مصر، فأخذ يواحش أمراء الدّولة بسوء تصرّفه. واتّفق أنّ طغجي حجّ في سنة سبع وتسعين وستّ مائة، فقرّر منكوتمر مع المنصور أنّه إذا قدم من الحجّ يخرجه إلى طرابلس، ويقبض على أخيه الأمير سيف الدين كرجي. فعندما قدم طغجي من الحجاز، في صفر سنة ثمان وتسعين وستّ مائة، رسم له بنيابة طرابلس، فثقل عليه ذلك، وسعى بإخوته الأشرفية حتى أعفاه السّلطان من السّفر. فسخط منكوتمر، وأبى إلاّ سفر طغجي، وبعث إليه يلزمه بالسّفر - وكان لا جين منقادا لمنكوتمر لا يخالفه في شيء - فتواعد طغجي وكرجي مع جماعة من المماليك، وقتلوا لا جين. وتولّى قتله كرجي وخرج، فإذا طغجي في انتظاره على باب القلّة من قلعة الجبل، فسرّ بذلك، وأمر بإحضار من بالقلعة من الأمراء - وكانوا حينئذ يبيتون بالقلعة دائما - وقتل منكوتمر في تلك الليلة، وعزم على أنّه يتسلطن، ويقيم كرجي في نيابة السّلطنة، فخذله الأمراء.

стр. 2981

وكان الأمير بدر الدّين بكتاش الفخري أمير سلاح قد خرج في غزاة وقرب حضوره، فاستمهلوه بما يريد إلى أن يحضر، فأخّر سلطنته، وبقي الأمراء في كلّ يوم يحضرون معه في باب القلّة، ويجلس في مجلس النيابة والأمراء عن يمينه وشماله، ويمدّ سماط السّلطان بين يديه. فلمّا حضر أمير سلاح بمن معه من الأمراء، نزل طغجي والأمراء إلى لقائهم بعد ما امتنع امتناعا كثيرا، وترك كرجي يحفظ القلعة بمن معه من المماليك الأشرفيّة،. وقد نوى طغجي الشّرّ للأمراء الذين قد خرج إلى لقائهم، وعرف ذلك الأمراء المقيمون عنده في القلعة، فاستعدّوا له، وسار هو والأمراء إلى أن لقوا الأمير بكتاش،/ ومعه من الأشرفيّة أربع مائة فارس تحفظه حتى يعود من اللقاء إلى القلعة. فعندما وافاه بقبّة النصر وتعانقا، أعلمه بقتل السّلطان، فشقّ عليه. وللوقت جرّد الأمراء سيوفهم، وارتفعت الضّجّة، فساق طغجي من الحلقة والأمراء وراءه إلى أن أدركه قراقوش الظّاهري، وضربه بسيف ألقاه عن فرسه إلى الأرض ميّتا، ففرّ كرجي، ثم أخذ وقتل، وحمل طغجي في مزبلة من مزابل الحمّامات على حمار إلى مدرسته هذه، فدفن بها، وقبره هناك إلى اليوم. وكان قتله في يوم الخميس سادس عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين وستّ مائة، بعد خمسة أيّام من قتل لا جين ومنكوتمر. المدرسة الجاوليّة [أثر رقم ٢٢١] هذه المدرسة بجوار الكبش، فيما بين القاهرة ومصر (١). أنشأها الأمير علم الدّين سنجر الجاولي في سنة ثلاث وسبع مائة (¬a)، وعمل بها درسا وصوفية، ولها اليوم (¬b) عدّة أوقاف.

стр. 2982

رسم للواجهة الرّئيسة للمدرسة الجاولية (عن اللجنة)

стр. 2983

مخطّط مدرسة سلار وسنجر الجاولي (عن (Creswell سنجر بن عبد اللّه - الأمير علم الدّين الجاولي، كان مملوك جاولي، أحد أمراء الملك الظّاهر بيبرس (١)، وانتقل بعد موت الأمير جاولي إلى بيت قلاوون، وخرج في أيّام الأشرف خليل بن قلاوون إلى الكرك، واستقرّ في جملة البحريّة بها إلى أيّام العادل

стр. 2984

كتبغا، فحضر من عند نائب الكرك ومعه حوائج خاناه فرفعه كتبغا وأقامه على الحوشخاناه السّلطانية. وصحب الأمير سلار وواخاه، فتقدّم في الخدمة، وبقي أستادّارا صغيرا في أيّام بيبرس وسلار، فصار يدخل على السّلطان الملك الناصر ويخرج، ويراعى مصالحه في أمر الطعام ويتقرّب إليه. فلمّا حضر من الكرك، جهّزه إلى غزّة نائبا في جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مائة، عوضا عن الأمير سيف الدّين قطلو أقتمر صهر الجالق (¬a) بعد إمساكه، وأضاف إليه مع غزّة السّاحل والقدس وبلد الخليل وجبل نابلس، وأعطاه إقطاعا كبيرا، بحيث كان للواحد من مماليكه إقطاع يعمل عشرين ألفا وخمسة وعشرين ألفا. وعمل نيابة غزّة على القالب الجائر إلى أن وقعت بينه وبين الأمير تنكز، نائب الشّام، بسبب دار كانت له تجاه جامع تنكز خارج دمشق من شمالها، أراد تنكز أن يبتاعها منه فأبى عليه. فكتب فيه إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأمسكه في ثامن عشرين شعبان سنة عشرين وسبع مائة، واعتقله نحوا من ثمان سنين، ثم أفرج عنه في سنة تسع وعشرين، وأعطاه إمرة أربعين. ثم بعد مدّة أعطاه إمرة مائة، وقدّمه على ألف، وجعله من أمراء المشورة. فلم يزل على هذا إلى أن مات الملك الناصر، فتولّى غسله ودفنه. فلمّا ولي الملك الصّالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون سلطنة مصر، أخرجه إلى نيابة حماه، فأقام بها مدّة ثلاثة أشهر. ثم نقله إلى نيابة غزّة، فحضر إليها وأقام بها نحو ثلاثة أشهر أيضا. ثم أحضره إلى القاهرة وقرّره على ما كان عليه، وولي نظر المارستان بعد نائب الكرك عندما أخرج إلى نيابة طرابلس. ثم توجّه لحصار الناصر أحمد بن الناصر (¬b) محمد بن قلاوون، وهو ممتنع في الكرك، فأشرف عليه في بعض الأيّام الناصر أحمد من قلعة الكرك، وسبّه وشيّخه. فقال له الجاولي: نعم أنا شيخ نحس، ولكن السّاعة ترى حالك مع الشّيخ النحس. ونقل المنجنيق إلى مكان يعرفه ورمى به، فلم يخطئ القلعة وهدم منها جانبا، وطلع بالعسكر وأمسك أحمد وذبح صبرا، وبعث برأسه إلى الصّالح إسماعيل. وعاد إلى مصر فلم يزل على حاله إلى أن مات في منزله بالكبش، يوم الخميس تاسع رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مائة، ودفن بمدرسته. وكانت جنازته حافلة إلى الغاية.

стр. 2985

وكان (¬a) قد سمع الحديث وروى، وصنّف شرحا كبيرا على «مسند» الشّافعيّ ﵁ (¬b) -، وأفتى في آخر عمره على مذهب الشّافعيّ، وكتب خطّه على فتاوى عديدة. وكان خبيرا بالأمور، عارفا بسياسة الملك، كفوا لما وليه من النيابات وغيرها، لا يزال يذكر أصحابه في غيبتهم عنه، ويكرمهم إذا حضروا عنده، وانتفع به جماعة من الكتّاب والعلماء والأمراء (¬a) والأكابر. وله من الآثار الفاضلة (¬c) جامع بمدينة غزّة في غاية الحسن (١)، وله بها أيضا حمّام مليح، ومدرسة للفقهاء الشّافعية، وخان للسّبيل. وهو الذي مدّن غزّة، وبنى بها أيضا مارستانا، ووقف عليه عن الملك الناصر أوقافا جليلة، وجعل نظره لنوّاب غزّة، وعمّر بها أيضا الميدان والقصر، وبنى ببلد الخليل ﵇ جامعا سقفه منه حجر نقر، وعمّر (¬d) الخان العظيم بقاقون، والخان بقرية الكتيبة، والقناطر بغابة أرسوف، وخان سلار (¬e) في حمراء بيسان، ودارا بالقرب من باب النصر داخل القاهرة (٢)، ودارا بجوار مدرسته على الكبش. وسائر عمائره ظريفة أنيقة محكمة متقنة مليحة. وكان ينتمي إلى الأمير سلار ويحمل رنكه (¬f).

стр. 2986

المدرسة الفارقانيّة / هذه المدرسة خارج باب زويلة من القاهرة فيما بين حدرة البقر وصليبة جامع ابن طولون، وهي الآن بجوار حمّام الفارقاني تجاه (¬a) التّربة والخانقاه (¬a) البندقدارية (١). بناها والحمّام المجاور لها الأمير ركن الدّين بيبرس الفارقاني (٢)، وهو غير الفارقاني المنسوب إليه المدرسة الفارقانية بحارة الوزيريّة من القاهرة (٣)، (¬a) فإنّ ذاك اسمه آق سنقر، وهذا اسمه بيبرس (¬a). المدرسة البشيريّة [أثر رقم ٢٦٩] هذه المدرسة خارج القاهرة بحكر الخازن المطلّ على بركة الفيل (٤)، كان موضعها مسجدا يعرف بمسجد سنقر السّعدي الذي بنى المدرسة السّعدية (¬b). فهدمه الأمير الطواشي سعد الدّين بشير الجمدار الناصري (¬c)، وبنى موضعه (¬d) هذه المدرسة في سنة

стр. 2987

واجهة المدرسة البشيرية بشارع نور الظّلام بالحلميّة قبل التّرميم وبعده

стр. 2988

إحدى وستين وسبع مائة، وجعل بها خزانة كتب، وهي من المدارس اللطيفة (١). المدرسة المهمنداريّة [أثر رقم ١١٥] هذه المدرسة خارج باب زويلة فيما بين جامع الصّالح وقلعة الجبل، يعرف خطّها اليوم بخطّ جامع المارديني خارج الدّرب الأحمر، وهي تجاه مصلّى الأموات على يمنة من سلك من الدّرب الأحمر طالبا جامع المارديني، ولها باب آخر من (¬a) حارة اليانسيّة (٢). بناها الأمير شهاب الدّين أحمد بن آقوش العزيزي المهمندار ونقيب الجيوش كان (¬b) في سنة خمس وعشرين وسبع مائة، وجعلها مدرسة وخانقاه (٣)، وجعل طلبة درسها من الفقهاء الحنفيّة، وبنى إلى جانبها القيساريّة والرّبع الموجودين الآن.

стр. 2989

مخطّط المدرسة المهمندارية (عن (Creswell مدرسة ألجاي (¬a) [أثر رقم ١٣١] هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل (¬b)، كان موضعها وما حولها مقبرة، ويعرف الآن خطّها بخطّ سويقة العزّي (١). أنشأها الأمير الكبير سيف الدّين ألجاي اليوسفي (¬c) في

стр. 2990

سنة ثمان وستين وسبع مائة (١)، وجعل بها درسا للفقهاء الشّافعيّة ودرسا للفقهاء الحنفيّة وخزانة كتب، وأقام بها منبرا يخطب عليه يوم الجمعة. وهي من المدارس المعتبرة الجليلة، ودرّس بها شيخنا جلال الدّين البتّاني الحنفي، وكانت سكنه. مخطّط مدرسة ألجاي اليوسفي (عن اللجنة)

стр. 2991

ألجاي بن عبد اللّه اليوسفي: الأمير سيف الدين (١) تنقّل في الخدم حتى صار من جملة الأمراء بديار مصر. فلمّا قام الأمير أسندمر الناصري بأمر الدّولة، بعد قتل الأمير يلبغا الخاصّكي العمري، في شوّال سنة ثمان وستين وسبع مائة،/ قبض على ألجاي في عدّة من الأمراء، وقيّدهم وبعث بهم إلى الإسكندرية، فسجنوا إلى عاشر صفر سنة تسع وستين. فأفرج الملك الأشرف شعبان بن حسين عنه، وأعطاه إمرة مائة وتقدمة ألف، وجعله أمير سلاح برّاني، ثم جعله أمير سلاح أتابك العساكر وناظر المارستان المنصوري عوضا عن الأمير منكلي بغا الشّمسي في سنة أربع وسبعين وسبع مائة. وتزوّج بخوند بركة أمّ السّلطان الملك الأشرف، فعظم قدره، واشتهر ذكره، وتحكّم في الدّولة تحكّما زائدا إلى يوم الثلاثاء سادس المحرّم سنة خمس وسبعين وسبع مائة. فركب يريد محاربة السّلطان بسبب طلبه ميراث أمّ السّلطان بعد موتها، فركب السّلطان وأمراؤه. وبات الفريقان ليلة الأربعاء على الاستعداد للقتال إلى بكرة نهار الأربعاء، فواقع ألجاي مع أمراء السّلطان إحدى عشرة وقعة، انكسر في آخرها ألجاي، وفرّ إلى جهة بركة الحبش، وصعد من الجبل وخرج (¬a) من عند الجبل الأحمر إلى قبّة النصر، ووقف هناك. فاشتدّ على السّلطان، فبعث إليه خلعة بنيابة حماه، فقال: لا أتوجّه إلاّ ومعي مماليكي كلّهم وجميع أموالي، فلم يوافقه السّلطان على ذلك، وبات الفريقان على الحرب، فتسلّل أكثر مماليك ألجاي في الليل إلى السّلطان. وعندما طلع النهار يوم الخميس، بعث السّلطان عساكره لمحاربة ألجاي بقبّة النصر، فلم يقاتلهم، وولّى منهزما - والطلب وراءه - إلى ناحية الخرقانية بشاطئ النيل قريبا من قليوب. فتحيّر وقد أدركه العسكر، فألقى نفسه بفرسه في البحر يريد النجاة إلى البرّ الغربي، فغرق بفرسه، ثم

стр. 2992

خلص الفرس وهلك ألجاي، فوقع النداء بالقاهرة وظواهرها على إحضار مماليكه، فأمسك منهم جماعة. وبعث السّلطان الغطّاسين إلى البحر تتطلّبه، فتتبّعوه حتى أخرجوه إلى البرّ في يوم الجمعة تاسع المحرّم سنة خمس وسبعين وسبع مائة. فحمل في تابوت على لبّاد أحمر إلى مدرسته هذه، وغسّل وكفّن ودفن بها. وكان مهابا جبّارا عسوفا عتيّا، تحدّث في الأوقاف، فشدّد على الفقهاء وأهان جماعة منهم، وكان معروفا بالإقدام والشّجاعة. المدرسة أمّ السّلطان بالتّبّانة (¬a) [أثر رقم ١٢٥] هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، يعرف خطّها الآن ب «التّبّانة» (١)، وموضعها كان قديما مقبرة لأهل/ القاهرة. أنشأتها السّتّ الجليلة الكبرى خوند (¬b) بركة، أمّ السّلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين (٢)، في سنة إحدى وسبعين وسبع مائة، وعملت بها درسا للشّافعيّة ودرسا للحنفيّة، وعلى بابها حوض ماء للسّبيل (¬c) ومكتبا للأيتام). وهي من

стр. 2993

المدارس الجليلة (¬a) حسنة الرّخام والبناء (¬a)، وفيها دفن ابنها الملك الأشرف بعد قتله (١). مخطّط مدرسة أمّ السّلطان (عن (Meinecke

стр. 2994

بركة السّتّ الجليلة خوند، أمّ الملك الأشرف شعبان بن حسين (١). كانت أمة مولّدة، فلمّا أقيم ابنها في مملكة مصر، عظم شأنها، وحجّت في سنة سبعين وسبع مائة بتجمّل كثير وبذخ (¬a) زائد، وعلى محفّتها العصائب السّلطانية والكوسات تدقّ معها. وسار في خدمتها من الأمراء المقدّمين: بشتاك العمري رأس نوبة، وبهادر الجمالي، ومائة مملوك من المماليك السّلطانية أرباب الوظائف. ومن جملة ما كان معها قطار جمال محمّلة محائر، قد زرع فيها البقل والخضراوات إلى غير ذلك ممّا يجلّ وصفه (٢). فلمّا عادت في سنة إحدى وسبعين وسبع مائة، خرج السّلطان بعساكره إلى لقائها، وسار إلى البويب في سادس عشر المحرّم. وتزوّجت بالأمير الكبير ألجاي اليوسفي وبها طال واستطال. ماتت في (¬b) يوم (¬b) ثاني عشرين ذي القعدة سنة أربع وسبعين وسبع مائة. وكانت خيّرة عفيفة، لها برّ كثير ومعروف معروف، تحدّث الناس بحجّتها عدّة سنين لما كان لها من الأفعال الجميلة في تلك المشاهد الكريمة، وكان لها اعتقاد في أهل الخير، ومحبّة في الصّالحين، وقبرها موجود بقبّة هذه المدرسة. وأسف السّلطان على فقدها، ووجد وجدا كثيرا لكثرة حبّه لها. واتّفق أنّها لمّا ماتت أنشد الأديب شهاب الدّين أحمد بن يحيى الأعرج السّعدي: [الكامل] في ثاني العشرين من ذي قعدة (٣) … كانت صبيحة موت أمّ الأشرف فاللّه يرحمها ويعظم أجره … ويكون في عاشورا موت اليوسفي

стр. 2995

فكان كما قال. وغرق ألجاي اليوسفي، كما تقدّم ذكره، في يوم عاشوراء (١). المدرسة الأيتمشيّة [أثر رقم ٢٥٠] هذه المدرسة خارج القاهرة داخل باب الوزير تحت قلعة الجبل برأس التّبّانة (¬a). أنشأها الأمير الكبير سيف الدين أيتمش البجاسي (¬b) ثم الظّاهري (¬c) أتابك العساكر (¬c) في سنة خمس وثمانين وسبع مائة، وجعل بها درس فقه للحنفيّة، وبنى بجانبها فندقا كبيرا يعلوه ربع، ومن ورائها خارج باب الوزير حوض ماء للسّبيل (¬c) ومصلّى الأموات، وبنى أيضا إلى جانب المدرسة المذكورة فندقا (¬c) وربعا كبيرا (¬d)، وهي مدرسة ظريفة (٢). أيتمش بن عبد اللّه، الأمير الكبير سيف الدّين البجّاسي ثم الظّاهري، كان أحد المماليك اليلبغاوية (¬e) (٣).

стр. 2996

واجهة المدرسة الأيتمشيّة بباب الوزير

стр. 2997

مخطّط المدرسة الأيتمشية (عن صالح لمعي) المدرسة المجديّة الخليليّة هذه المدرسة بمصر يعرف موضعها بدرب البلاط (¬a) (١)، عمّرها الشّيخ الإمام مجد الدّين أبو محمد عبد العزيز ابن الشّيخ الإمام أمين الدّين أبي عليّ الحسين بن الحسن بن إبراهيم الخليلي الدّاري، فتمّت في شهر ذي الحجّة سنة ثلاث وستين وستّ مائة، وقرّر فيها مدرّسا شافعيّا ومعيدين وعشرين نفرا طلبة، وإماما راتبا ومؤذّنا، وقيّما لكنسها وفرشها ووقود مصابيحها وإدارة ساقيتها، وإجراء (¬b) الماء إلى فسقيتها.

стр. 2998

ووقف عليها غيطا بناحية بارنبار من أعمال المزاحمتين، وبستانا بمحلّة الأمير من المزاحميّة الغربية، وغيطا بناحية نطوبس، وربع غيط بظاهر ثغر رشيد، وبستانا ونصف بستان بناحية بلقس، ورباعا بمدينة مصر (١). ومجد الدّين هذا هو والد الصّاحب الوزير فخر الدّين عمر بن الخليلي. ودرّس بهذه المدرسة الصّاحب فخر الدّين إلى حين وفاته. وتوفّي مجد الدّين بدمشق في ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثمانين وستّ مائة، وكان مشهورا بالصّلاح (٢). المدرسة الناصريّة بالقرافة هذه المدرسة بجوار قبّة الإمام محمد بن إدريس الشّافعيّ ﵁ من قرافة مصر (٣). أنشأها السّلطان الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، ورتّب بها مدرّسا يدرّس الفقه على مذهب الشّافعي، وجعل له في كلّ شهر من المعلوم عن التّدريس أربعين دينارا معاملة صرف كلّ دينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم، وعن معلوم النظر في أوقاف المدرسة عشرة دنانير، ورتّب له من الخبز في كلّ يوم ستين رطلا بالمصري وراويتين من ماء النيل، وجعل فيها معيدين وعدّة من الطلبة (٤). ووقف عليها حمّاما بجوارها، وفرنا تجاهها، وحوانيت بظاهرها، والجزيرة التي يقال لها جزيرة الفيل ببحر النيل خارج القاهرة.

стр. 2999

وولي تدريسها جماعة من الأكابر والأعيان؛ ثم خلت من مدرّس ثلاثين سنة، واكتفي فيها بالمعيدين وهم عشرة أنفس. فلمّا كانت سنة ثمان وسبعين وستّ مائة (١)،/ ولي تدريسها قاضي القضاة تقيّ الدّين محمد بن رزين الحموي بعد عزله من وظيفة القضاء، وقرّر له نصف المعلوم. فلمّا مات وليها الشّيخ تقيّ الدّين بن دقيق العيد بربع المعلوم. فلمّا ولي الصّاحب برهان الدّين الخضر السّنجاري التّدريس (٢)، قرّر له المعلوم الشّاهد به كتاب الوقف. المدرسة المسلّميّة هذه المدرسة بمدينة مصر في خطّ السّيوريين (٣)، أنشأها كبير التّجّار ناصر الدّين محمد ابن مسلّم - بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد اللام - البالسي الأصل، ابن بنت كبير التّجّار شمس الدّين محمد بن يسير - بفتح الياء آخر الحروف وكسر السين المهملة، ثم ياء آخر الحروف بعدها راء -[الكارمي] (¬a)، ومات في سنة ستّ وسبعين وسبع مائة قبل أن تتم (٤)، فوصّى بتكملتها

стр. 3000

وأفرد لها مالا، ووقف عليها دورا وأرضا بناحية قليوب، وشرط أن يكون فيها مدرّس مالكي ومدرّس شافعيّ ومؤدّب أطفال وغير ذلك. فكمّلها مولاه ووصيّه الكبير كافور الخصيّ الرّومي بعد وفاة أستاذه، وهي الآن عامرة. وبلغ ابن مسلّم هذا من وفور المال وعظم السّعادة ما لم يبلغه أحد ممّن أدركناه، بحيث إنّه جاء نصيب أحد أولاده نحو مائتي ألف دينار مصرية، وكان كثير الصّدقات على الفقراء، مقترا على نفسه إلى الغاية، وله أيضا مطهرة عظيمة بالقرب من جامع عمرو بن العاص ونفعها كبير، وله أيضا دار جليلة على ساحل النيل بمصر. وكان أبوه تاجرا سفّارا بعد ما كان حمّالا، فصاهر ابن بسير، ورزق محمدا هذا من ابنته، فنشأ على صيانة، ورزق الحظّ الوافر في التّجارة وفي العبيد. فكان يبعث أحدهم بمال عظيم إلى الهند، ويبعث آخر بمثل ذلك إلى بلاد التّكرور، ويبعث آخر إلى بلاد الحبشة، ويبعث عدّة آخرين إلى عدّة جهات من الأرض، فما منهم من يعود إلاّ وقد تضاعفت فوائد ماله أضعافا مضاعفة. مدرسة إينال [أثر رقم ١١٨] هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من باب حارة الهلاليّة بخطّ القمّاحين (¬a). كان موضعها في القديم من حقوق حارة المنصورة، أوصى بعمارتها الأمير الكبير سيف الدّين إينال اليوسفي، أحد المماليك اليلبغاوية، فابتدأ بعملها في سنة أربع وتسعين، وفرغت في سنة خمس وتسعين وسبع مائة (١).

стр. 3001

مخطّط مدرسة إينال (عن صالح لمعي) ولم يعمل فيها سوى قرّاء يتناوبون قراءة القرآن على قبره، فإنّه لمّا مات في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وسبع مائة، دفن خارج باب النصر حتى انتهت عمارة هذه المدرسة، فنقل إليها ودفن فيها. إينال هذا ولي نيابة حلب، وصار في آخر عمره أتابك العساكر بديار مصر حتى مات. وكانت جنازته كثيرة الجمع مشى فيها السّلطان الملك الظّاهر برقوق والعساكر (١).

стр. 3002

واجهة مدرسة إينال بالخيميّة قبّة مدرسة إينال

стр. 3003

مدرسة الأمير جمال الدّين الأستادّار [أثر رقم ٣٥] هذه المدرسة برحبة باب العيد من القاهرة، كان موضعها قيساريّة يعلوها طباق كلّها وقف فأخذها وهدمها (١)، وابتدأ بشقّ الأساس في يوم السبت خامس جمادى الأولى سنة عشر وثمان مائة، وجمع لها الآلات من الأحجار والأخشاب والرّخام وغير ذلك. وكان بمدرسة الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، التي كانت بالصّوّة تجاه الطبلخاناه من قلعة الجبل، بقيّة من حاصلها (¬a) فيها شبابيك من نحاس مكفّت بالذّهب والفضّة، وأبواب مصفّحة بالنحاس البديع الصّنعة المكفّت، ومن المصاحف وكتب الحديث (¬b) والفقه وغيره من أنواع العلوم جملة. فاشترى ذلك من الملك الصّالح المنصور حاجي بن الأشرف بمبلغ ستّ مائة دينار - وكانت قيمتها عشرات أمثال ذلك - ونقلها إلى داره (٢). فكان ممّا فيها عشرة مصاحف، طول كلّ مصحف منها أربعة أشبار إلى خمسة في عرض يقرب من ذلك، أحدها بخطّ ياقوت وآخر بخطّ ابن البوّاب، وباقيها بخطوط منسوبة (٣)، ولها جلود في غاية الحسن معمولة في أكياس الحرير الأطلس؛ ومن الكتب النفيسة عشرة أحمال جميعها مكتوب في أوّله الإشهاد على الملك الأشرف بوقف ذلك، ومقرّه في مدرسته (٤).

стр. 3004

مخطّط مدرسة جمال الدّين الأستادّار (عن المجلس الأعلى للآثار) فلمّا كان يوم الخميس ثالث شهر رجب سنة إحدى عشرة وثمان مائة، وقد انتهت عمارتها، جمع بها الأمير جمال الدّين القضاة والأعيان، وأجلس الشّيخ همّام الدّين محمد بن أحمد الخوارزمي الشّافعيّ على سجّادة المشيخة، وعمله شيخ التّصوّف ومدرّس الشّافعيّة، ومدّ سماطا جليلا أكل عليه كلّ من حضر، وملأ البركة التي بوسط المدرسة ماء قد أذيب فيه سكّر مزج بماء الليمون، وكان يوما مشهودا.

стр. 3005

وقرّر في تدريس الحنفيّة بدر الدّين/ محمود بن محمد المعروف بالشّيخ زاده الخرزياني (١)، وفي تدريس المالكية شمس الدّين محمد بن (¬a) البساطي، وفي تدريس الحنابلة فتح الدّين أبا الفتح محمد بن نجم الدّين محمد بن الباهي (¬b)، وفي تدريس الحديث النبوي شهاب الدّين أحمد ابن عليّ بن حجر (٢)، وفي تدريس التّفسير شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدّين عبد الرحمن ابن البلقيني. فكان يجلس من ذكرنا واحدا بعد واحد في كلّ يوم إلى أن كان آخرهم شيخ التّفسير، فكان مسك الختام، وما منهم إلاّ من يحضر معه، ويلبسه ما يليق به من الملابس الفاخرة. وقرّر عند كلّ من المدرّسين الستة طائفة من الطلبة، وأجرى لكلّ واحد ثلاثة أرطال من الخبز في كلّ يوم، وثلاثين درهما فلوسا في كلّ شهر، وجعل لكلّ مدرّس ثلاث مائة درهم في كلّ شهر (٣)، ورتّب بها إماما وقومة ومؤذّنين وفرّاشين ومباشرين، وأكثر من وقف الدّور عليها، وجعل فائض وقفها مصروفا لذرّيّته. فجاءت في أحسن هندام وأتمّ قالب وأفخر زيّ وأبدع رخام (¬c). إلاّ أنّها وما فيها من الآلات، وما وقف عليها، أخذ من الناس غصبا، وعمل فيها الصّنّاع بأبخس أجرة مع العسف الشّديد. فلمّا قبض عليه السّلطان وقتله في جمادى الأوّل سنة اثنتي عشرة وثمان مائة (٢) واستولى على أمواله، حسّن جماعة للسّلطان أن يهدم هذه المدرسة، ورغّبوه في رخامها فإنّه غاية في الحسن؛ وأن يسترجع أوقافها فإنّ متحصّلها كثير، فمال إلى ذلك وعزم عليه. فكره ذلك (¬d) الرّئيس فتح الدّين فتح اللّه كاتب السّرّ، واستشفع أن يهتدّ بيت بني على اسم اللّه يعلن فيه بالأذان خمس مرّات في اليوم والليلة، وتقام به الصّلوات الخمس في جماعة عديدة، ويحضره في عصر كلّ يوم مائة وبضعة عشر رجلا يقرأون القرآن في وقت التّصوّف، ويذكرون اللّه ويدعونه، ويتحلّق به الفقهاء لتدريس (¬e) تفسير القرآن الكريم وحديث (¬f) رسول اللّه ﷺ وفقه الأئمّة الأربعة، ويعلّم فيه

стр. 3006

أيتام المسلمين كتاب اللّه ، ويجرى على أهله (¬a) المذكورين الأرزاق (¬b) من الخبز (¬b) في كلّ يوم ومن المال في كلّ شهر. ورأى أنّ إزالة مثل هذا وصمة في الدّين، فتجرّد له، وما زال بالسّلطان يرغّبه في إبقائها - على أن يزال منها اسم جمال الدّين وتنسب إليه، فإنّه من الغبن (¬c) هدم مثلها ونحو ذلك - حتى رجع إلى قوله، وفوّض أمرها إليه، فدبّر ذلك أحسن تدبير. وهو أنّ موضع هذه المدرسة كان وقفا على بعض التّرب، فاستبدل به جمال الدّين (١) أرضا من جملة أراضي الخراج بالجيزيّة (¬d)، وحكم له قاضي القضاة كمال الدّين عمر بن العديم الحنفيّ (٢) (¬e) بصحّة الاستبدال (¬b)، وهدم البناء وبنى موضعه هذه المدرسة، وتسلّم متولّي موضعها الأرض المستبدل بها، إلى أن قتل جمال الدّين وأحيط بأمواله، دخل فيما أحيط به هذه الأرض المستبدل بها. وادّعى السّلطان أنّ جمال الدّين افتات عليه في أخذ هذه الأرض، وأنّه لم يأذن في بيعها من بيت المال. فأفتى حينئذ قاضي القضاة شمس الدّين محمد المدني (¬f) المالكي بأنّ بناء هذه المدرسة - الذي وقفه جمال الدّين على الأرض التي لم يملكها بوجه صحيح - لا يصحّ، وأنّه باق على ملكه إلى حين موته. فندب عند ذلك شهود القيمة إلى تقويم بناء المدرسة، فقوّموها باثني عشر ألف دينار ذهبا، وأثبتوا محضر القيمة على بعض القضاة. فحمل المبلغ إلى أولاد (¬g) جمال الدّين حتى تسلّموه

стр. 3007

وباعوا بناء المدرسة للسّلطان، ثم استردّ السّلطان منهم المبلغ المذكور، وأشهد عليه أنّه وقف أرض هذه المدرسة بعد ما استبدل بها، وحكم حاكم حنفيّ بصحّة الاستبدال. ثم وقف البناء الذي اشتراه وحكم بصحّته أيضا، ثم استدعى بكتاب وقف جمال الدّين ولخّصه ثم مزّقه، وجدّد كتاب وقف يتضمّن جميع ما قرّره جمال الدّين في كتاب وقفه من أرباب الوظائف، وما لهم من الخبز في كلّ يوم ومن المعلوم في كلّ شهر، وأبطل ما كان لأولاد جمال الدّين من فائض الوقف. وأفرد لهذه المدرسة ممّا كان جمال الدّين جعله وقفا عليها عدّة مواضع تقوم بكفاية مصروفها، وزاد في أوقافها أرضا بالجيزيّة، وجعل ما بقي من أوقاف جمال الدّين على هذه المدرسة: بعضه وقفا على أولاده، وبعضه وقفا على التّربة التي أنشأها على قبر (¬a) أبيه الملك الظّاهر برقوق خارج باب النصر. وحكم قضاة القضاة الأربع (¬b) بصحّة هذا الكتاب، بعد ما حكموا بصحّة كتاب وقف جمال الدّين، ثم حكموا ببطلانه. فلمّا تمّ ذلك محي من هذه المدرسة اسم جمال الدّين ورنكة (١)، وكتب اسم السّلطان الملك الناصر فرج بدائر صحنها من أعلاه، وعلى قناديلها وبسطها وسقوفها. ثم نظر السّلطان في كتبها العلمية الموقوفة بها، فأقرّ بها (¬c) منها جملة كتب بظاهر كلّ سفر منها فصل يتضمّن وقف السّلطان له، وحمل كثير من كتبها إلى قلعة الجبل، وصارت هذه المدرسة تعرف ب «الناصريّة» بعد ما كان يقال لها «الجماليّة» (٢). ولم تزل على ذلك حتى قتل الناصر وقدم الأمير شيخ إلى القاهرة، واستولى على أمور الدّولة، فتوصّل شمس الدّين محمد، أخو جمال الدّين، وزوج ابنته شرف الدّين أبي بكر بن العجمي، موقّع الأستادّار بالأمير شيخ، حتى أحضر قضاة القضاة، وحكم الصّدر على ابن الأدمي قاضي القضاة الحنفيّة بردّ/ أوقاف جمال الدّين إلى ورثته، من غير استيفاء الشّروط في الحكم، بل تهوّر فيه وجازف. ولذلك أسباب منها: عناية الأمير شيخ بجمال الدّين الأستادّار، فإنّه لما انتقل إليه

стр. 3008

إقطاع الأمير بجاس بعد موت الملك الظّاهر برقوق، استقرّ جمال الدّين أستادّاره كما كان أستادّار بجاس، فخدمه خدمة بالغة، وخرج الأمير شيخ إلى بلاد الشّام واستقرّ في نيابة طرابلس ثم في نيابة الشّام، وخدمة جمال الدّين له ولحاشيته ومن يلوذ به مستمرّة. وأرسل مرّة الأمير شيخ من دمشق بصدر الدّين بن الأدمي المذكور في الرّسالة إلى الملك الناصر، وجمال الدّين حينئذ عزيز مصر، فأنزله وأكرمه وأنعم عليه وولاّه قضاء الحنفيّة وكتابة السّرّ بدمشق، وأعاده إليه. وما زال معتنيا بأمور الأمير شيخ، حتى اتّهم بأنّه (¬a) قد مالأه على السّلطان، فقبض عليه الملك الناصر بسبب ذلك ونكبه. فلمّا قتل الناصر، واستولى الأمير شيخ على الأمور بديار مصر، ولّى قضاء القضاة (¬b) الحنفيّة بديار مصر لصدر الدّين عليّ بن الأدمي المذكور، وولّي أستادّاره بدر الدّين حسن بن محبّ الدّين الطرابلسي أستادّار السّلطان. فخدم شرف الدّين أبو بكر بن العجمي - زوج ابنة أخي جمال الدّين - عنده موقّعا وتمكّن منه، فأغراه بفتح الدّين فتح اللّه كاتب السّرّ، حتى أثخن جراحه عند الملك المؤيّد شيخ، ونكبه بعد ما تسلطن. واستعان أيضا بقاضي القضاة صدر الدّين ابن الأدمي، فإنّه كان عشيره وصديقه من أيّام جمال الدّين، ثم استمال ناصر الدّين محمد ابن البارزي، موقّع الأمير الكبير شيخ. فقام الثلاثة مع شمس الدّين، أخي جمال الدّين، حتى أعيد إلى مشيخة خانكاه بيبرس وغيرها من الوظائف التي أخذت منه عند ما قبض عليه الملك الناصر وعاقبه، وتحدّثوا مع الأمير الكبير في ردّ أوقاف جمال الدّين إلى أخيه وأولاده، فإنّ الناصر غصبها منهم، وأخذ أموالهم وديارهم بظلمه إلى أن فقدوا القوت، ونحو هذا من القول حتى حرّكوا منه حقدا كامنا على الناصر، ونبّهوا منه عصبيّته (¬c) لجمال الدّين؛ هذا وغرض القوم في الباطن تأخير فتح اللّه (¬d) والإيقاع به، فإنّه ثقل عليهم وجوده معهم. فأمر عند ذلك الأمير الكبير بعقد مجلس حضره قضاة القضاة والأمراء وأهل الدّولة، عنده بالحرّاقة من باب السّلسلة (١)، في يوم السبت تاسع عشرين شهر رجب سنة خمس عشرة، وتقدّم أخو جمال الدّين ليدّعي على فتح الدّين فتح اللّه

стр. 3009

كاتب السّرّ، وكان قد علم بذلك، ووكّل بدر الدّين حسنا البرديني - أحد نوّاب الشّافعيّة - في سماع الدّعوى وردّ الأجوبة. فعند ما جلس البرديني للمحاكمة مع أخي جمال الدّين، نهره الأمير الكبير وأقامه، وأمر بأن يكون فتح اللّه هو الذي يدّعي عليه، فلم يجد بدّا من جلوسه. فما هو إلاّ أن ادّعى عليه أخو جمال الدّين بأنّه وضع يده على مدرسة أخيه جمال الدّين وأوقافه بغير طريق، بادر قاضي القضاة صدر الدّين عليّ بن الآدمي الحنفي، وحكم برفع يده وعود أوقاف جمال الدّين ومدرسته إلى ما نصّ عليه جمال الدّين، ونفّذ بقيّة القضاة حكمه، وانفضّوا على ذلك. فاستولى أخو جمال الدّين وصهره شرف الدّين على حاصل كبير كان قد اجتمع بالمدرسة من فاضل ريعها ومن مال بعثه الملك الناصر إليها، وفرّقوه، حتى كتبوا كتابا اخترعوه من عند أنفسهم، جعلوه كتاب وقف للمدرسة، زادوا فيه: أنّ جمال الدّين اشترط النظر على المدرسة لأخيه شمس الدّين المذكور وذرّيته، إلى غير ذلك ممّا لفّقوه بشهادة قوم استمالوهم فمالوا. ثم أثبتوا هذا الكتاب على قاضي القضاة صدر الدّين بن الأدمي، ونفّذه بقيّة القضاة. فاستمرّ الأمر على هذا البهتان المختلق والإفك المفترى مدّة، ثم ثار بعض صوفيّة هذه المدرسة، وأثبت محضرا بأنّ النظر لكاتب السّرّ، فلمّا ثبت ذلك، نزعت يد أخي جمال الدّين عن التّصرّف في المدرسة، وتولّى نظرها ناصر الدّين محمد بن البارزي كاتب السّرّ، واستمرّ الأمر على هذا. فكانت قصّة هذه المدرسة من أعجب ما سمع به في تناقض القضاة وحكمهم بإبطال ما صحّحوه، ثم حكمهم بتصحيح ما أبطلوه، كلّ ذلك ميلا مع الجاه، وحرصا على بقاء رئاستهم ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ [الآية ١٩ سورة الزخرف]. المدرسة الصّرغتمشيّة [أثر رقم ٢١٨] هذه المدرسة خارج القاهرة بجوار جامع الأمير أبي العبّاس أحمد بن طولون، فيما بينه وبين قلعة الجبل (١). كان موضعها قديما من جملة قطائع ابن طولون، ثم صار عدّة مساكن فأخذها الأمير سيف الدّين صرغتمش الناصري رأس نوبة النوب وهدمها، وابتدأ في بناء

стр. 3010

المدرسة (١) يوم الخامس (¬a) من شهر رمضان سنة ستّ وخمسين وسبع مائة، وانتهت في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين (٢). وقد جاءت من أبدع المباني وأجلّها، وأحسنها قالبا، وأبهجها. فركب إليها الأمير صرغتمش في يوم الثلاثاء تاسعه وحضر إليه الأمير سيف الدّين شيخو العمري مدبّر/ الدّولة، والأمير طاشتمر القاسمي حاجب الحجّاب، والأمير توقتاني الدّوادار، وعامّة أمراء الدّولة، وقضاة القضاة الأربع، ومشايخ العلم. ورتّب مدرّس الفقه بها قوام الدّين أمير كاتب بن أمير عمر العميد بن العميد أمير غازي الأتقائي، فألقى القوام الدّرس، ثم مدّ سماط جليل بالهمّة الملوكية، وملئت البركة التي بها سكّرا قد أذيب بالماء، فأكل الناس وشربوا، وأبيح ما بقي من ذلك للعامّة فانتهبوه. وجعل الأمير

стр. 3011

صرغتمش هذه المدرسة وقفا على الفقهاء الحنفية الأفاقيّة، ورتّب بها درسا للحديث النبوي، وأجرى لهم جميعا المعاليم من وقف رتّبه لهم (١). مخطّط المدرسة الصّرغتمشية (عن (Golvin

стр. 3012

وقال أدباء العصر فيها شعرا كثيرا، فقال العلاّمة شمس الدّين محمد بن عبد الرّحمن ابن الصّائغ الحنفي: [الطويل] ليهنك يا صرغتمش ما بنيته … لأخراك في دنياك من حسن بنيان به يزدهي التّرخيم كالزّهر بهجة … فللّه من زهر وللّه من بان وخلع في هذا اليوم على القوام خلعة سنيّة، وأركبه بغلة رائعة، وأجازه بعشرة آلاف درهم على أبيات مدحه بها في غاية السّماجة، وهي: [المتدارك] أرأيتم من حوا النوبا … وأتى قربا ونفى ريبا فبدا علما وسما كرما … ونما قدما ولقد غلبا بتقى وهدى وندى وجدا … فغدا وسدى وجبى وحبا أبدى سننا أحيا سننا … حلّى زمنا عند الأربا هذا لك صرغتمش سكبت … أيّام إمارته السّحبا وأزال الجدب إلى خصب … والضّنك إلى رغد قلبا بإعانة جبّار ربّى … ذى العرش وقد بذل النشبا ملك فطن ركن لسن … حسن بسن ربّي الأدبا ملك الكبرا ملك الأمرا … ملك العلما ملك الأدبا بحر طام غيث هام … قدر سام حامي الغربا ببشاشته وسماحته … وحماسته جلّى الكربا وديانته وصيانته … وأمانته حاز الرّتبا أبهى أصلا أسنى نسلا … أحظى خصلا بلا الغربا نعم المأوى مصر لمّا … شملت قوما قبلا نجبا فنمت نورا وسمت نورا … وعلت دررا ورأت طربا نسقت دررا وسقت دررا … ووعت غررا وحوت أدبا وخطابة افتخرت وعنت … وسمت وزرت وحوت أربا خذ درّتنا ثم اجن جنا … منها ومنّي فمعي طلبا من كان عنا نسبي علنا … فأراب لنا نعمت نسبا كنون أبا لحنيفة ث … م قوام الدّين بذا لقبا عش في رجب تر من عجب … من منتجب عجبا عجبا

стр. 3013

صرغتمش الناصري - الأمير سيف الدّين رأس نوبة (١)، جلبه الخواجا (¬a) الصّوّاف في سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، واشتراه السّلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون بثمانين (¬b) ألف درهم فضّة، عنها يومئذ نحو أربعة آلاف مثقال ذهبا، وخلع على الخواجا تشريفا كاملا بحياصة ذهب، وكتب له توقيعا بمسامحة مائة ألف درهم من متجره، فلم يعبأ به السّلطان وصار في أيّامه من جملة الجمدارية. وحكي عن القاضي شرف الدّين عبد الوهّاب ناظر الخاصّ، أنّ السّلطان أنعم على صرغتمش هذا بعشر طاقات أديم طائفي، فلمّا جاء إلى النشو، تردّد إليه مرارا حتى دفعها إليه. ولم يزل خامل الذّكر إلى أن كانت أيّام المظفّر حاجي بن محمد بن قلاوون، فبعثه مسفرا مع الأمير فخر الدّين إياز السّلاح دار، لمّا استقرّ في نيابة حلب، فلمّا عاد من حلب ترقّى في الخدمة، وتمكّن من (¬c) المظفّر، وتوجّه في خدمة الصّالح بن محمد بن قلاوون إلى دمشق في نوبة بيبغا روس (¬d)، وصار السّلطان يرجع إلى رأيه. فلمّا عاد من دمشق، أمسك/ الوزير علم الدّين عبد اللّه بن زنبور بغير أمر السّلطان وأخذ أمواله، وعارض في أمره الأمير شيخو والأمير طاز. ومن حينئذ عظم، ولم يزل حتى خلع السّلطان الملك الصّالح، وأعيد الناصر حسن بن محمد بن قلاوون. فلمّا أخرج الأمير شيخو، انفرد صرغتمش بتدبير أمور المملكة، وفخم قدره، ونفذت كلمته، فعزل قضاة مصر والشّام، وغيّر النوّاب بالمماليك. والسّلطان يحقد عليه، إلى أن أمسكه في العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين، وقبض معه على الأمير طشتمر القاسمي حاجب الحجّاب، والأمير ملكتمر المحمّدي وجماعة، وحملهم إلى الإسكندرية، فسجنوا بها، وبها مات صرغتمش بعد شهرين واثني عشر يوما من سجنه في (¬e) ذي الحجّة سنة تسع وخمسين وسبع مائة.

стр. 3014

وكان جميل الصّورة، مليح (¬a) الهيئة، يقرأ القرآن الكريم، ويشارك في الفقه على مذهب الحنفيّة، ويبالغ في التّعصّب لمذهبه، ويقرّب العجم ويكرمهم، ويجلّهم إجلالا زائدا، ويشدو طرفا من النحو. وكانت أخلاقه شرسة، ونفسه قويّة، فإذا بحث في الفقه أو اللغة اشتطّ. ولمّا تحدّث في الأوقاف وفي البريد، ضاق (¬b) الناس معه، فلم يكن أحد يركب خيل البريد إلاّ بمرسومه. ومنع كلّ من يركب البريد أن يحمل معه قماشا ودراهم على خيل البريد، واشتدّ في أمر الأوقاف، فعمرت في مباشرته. ولمّا قبض عليه أخذ السّلطان أمواله فكانت شيئا كثيرا (¬c). (¬d) المدرسة القيسرانيّة هذه المدرسة خارج باب زويلة بأوّل الموازنيّين بالشّارع الأعظم على رأس زقاق القاعة، وهي مسجد أنشأه الشّيخ أبو القاسم بن أبي الحسن القيسراني البزّاز في سنة (¬e) وستّ مائة، وجعل به ميعاد الرقائق (¬f) ومكتب أيتام وقرّاء. وكان لهذا المسجد باب شارع بالموازنيّين وعلوّ ربع جوهر النوبي، فهدم ذلك كلّه الأمير جمال الدّين محمود بن علي أستاذدار السّلطان الملك الظّاهر سيف الدّين برقوق حين عمّر مدرسته التي على رأس زقاق القاعة، وعمّر في موضع ذلك سقاية السّبيل، وأراد أن يجعل بابه من داخل زقاق القاعة (١)، فلم يفلح بعدها وقبض عليه عقيب ذلك واعتقل بخزانة شمائل إلى أن مات بها. واستمرّ هذا المسجد خرابا إلى الآن. وهذا المسجد المذكور يعرف ب «المدرسة القيسرانيّة»، وكانت إمامته بيد الشّيخ (¬e). مدرسة محمود بن علي المؤذّن هذه المدرسة وجدت ذكرها في كتب الأملاك القديمة وأنّها بخطّ الموازنيين، والذي يظهر لي أنّها هي «المسجد المعلّق» الذي على رأس الزّقاق الذي بجوار دار القردميّة التي كان يسكنها الأمير جمال الدّين محمود الأستادّار (٢).

стр. 3015

مدرسة [قطلوبغا] الذّهبي [أثر رقم ٢٤٢] قبالة داره؛ أنشأها الأمير سيف الدّين قطلوبغا الذّهبي في سنة ثمان وأربعين وسبع مائة (١). وهي مخطّط مدرسة قطلوبغا الذّهبي (عن اللجنة)
следующие страницы →