← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

الشّاذروان الموجود بالمارستان المنصوري

стр. 3047

بسفارة الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي مدبّر الممالك، ورسم بعمارتها مارستانا وقبّة ومدرسة، فتولّى الشّجاعيّ أمر العمارة، وأظهر من الاهتمام والاحتفال ما لم يسمع بمثله، حتى تمّ الغرض في أسرع مدّة وهي أحد عشر شهرا وأيّام. وكان ذرع هذه الدّار عشرة آلاف وستّ مائة ذراع (١). وخلّفت ستّ الملك بها ثمانية آلاف جارية، وذخائر جليلة منها قطعة ياقوت أحمر زنتها عشرة مثاقيل (٢)، (¬a) وعرفت هذه الدّار بالأمير فخر الدّين جهاركس وموسك في أيّام الغزّ، والمسجد الذي على بابها يعرف بموسك فيه تصدير للقرآن (¬a). وكان الشّروع في بنائها مارستانا أوّل ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة. وكان سبب بنائه أنّ الملك المنصور لمّا توجّه وهو أمير إلى غزاة الرّوم، في أيّام الظّاهر بيبرس سنة خمس وسبعين وستّ مائة، أصابه بدمشق قولنج عظيم، فعالجه الأطبّاء بأدوية أخذت له من مارستان نور الدّين الشّهيد فبرأ، وركب حتى شاهد المارستان فأعجب به، ونذر إن آتاه اللّه الملك أن يبني مارستانا. (٣) (¬a) وقال في كتاب «سيرة الملك المنصور قلاوون»، ومنه لخّصت (¬a): فلمّا تسلطن، أخذ في عمل ذلك، فوقع الاختيار على الدّار القطبيّة، وعوّض أهلها عنها قصر الزّمرّد. وولي الأمير علم

стр. 3048

الدّين سنجر الشّجاعي أمر عمارته، فأبقى القاعة على حالها، وعملها مارستانا، وهي ذات إيوانات أربعة، بكلّ إيوان شاذروان (١)، وبدور قاعتها فسقيّة يصير إليها من الشاذروانات الماء. (¬a) وكانت قبل ذلك دارا من حقوق القصر، وسكنها أخيرا الأمير قراسنقر المعزّي وتحته موطؤة الملك الصّالح نجم الدّين خازنداره شجر الدّرّ، وكانت موسرة غنيّة، فحملها الخوف من قراسنقر المذكور على أن دفنت مالها في الدّار المذكورة وماتت (¬a). واتّفق أنّ بعض الفعلة كان يحفر في أساس المدرسة المنصورية، فوجد حقّ أشنان من نحاس، ووجد رفيقه قمقما نحاسا مختوما برصاص، فأحضر ذلك إلى الشّجاعي، فإذا في الحقّ فصوص ماس وياقوت وبلخش ولؤلؤ ناصع يدهش الأبصار، ووجد في القمقم ذهبا - كان جملة ذلك نظير ما غرم على العمارة - فحمله إلى أسعد الدّين كوهيا الناصري العدل، فرفعه إلى السّلطان (٢). مخطّط المارستان المنصوري (عن Herz Pacha)

стр. 3049

ولمّا نجزت العمارة، وقف عليها الملك المنصور من الأملاك - بديار مصر وغيرها - ما يقارب ألف ألف درهم في كلّ سنة؛ ورتّب مصارف المارستان والقبّة والمدرسة ومكتب الأيتام. ثم استدعى قدحا من شراب المارستان وشربه وقال: (¬a) اشهدوا عليّ أنّي (¬a) قد وقفت هذا المارستان (¬b) على من هو مثلي إلى من هو دوني (¬c)، وجعلته وقفا على الملك والمملوك والجندي والأمير والكبير والصّغير والحرّ والعبد، الذّكور والإناث. ورتّب فيه العقاقير والأطبّاء وسائر ما يحتاج إليه من به مرض من الأمراض. وجعل السّلطان فيه فرّاشين من الرّجال والنساء لخدمة المرضى، وقرّر لهم المعاليم، ونصب الأسرّة للمرضى، وفرشها بجميع الفرش المحتاج إليها في المرض، وأفرد لكلّ طائفة من المرضى موضعا: فجعل أواوين المارستان الأربعة للمرضى بالحمّيّات ونحوها، وأفرد قاعة للرّمدى، وقاعة للجرحى، وقاعة لمن به إسهال، وقاعة للنساء، ومكانا للمبرورين ينقسم قسمين: قسم للرّجال، وقسم للنساء. وجعل الماء يجري في جميع هذه الأماكن، وأفرد مكانا لطبخ الطعام والأدوية والأشربة ومكانا لتركيب المعاجين والأكحال والشّيافات (١) ونحوها، ومواضع تخزّن فيها الحواصل، وجعل مكانا تفرّق فيه الأشربة والأدوية، ومكانا يجلس فيه رئيس الأطبّاء لإلقاء درس طبّ، ولم يحصر/ عدّة المرضى، بل جعله سبيلا لكلّ من يرد عليه من غني وفقير، ولا حدّد مدّة إقامة المريض به، بل يرتّب منه لمن هو مريض بداره سائر ما يحتاج إليه. ووكّل الأمير عزّ الدّين أبيك الأفرم الصّالحي أمير جندار (٢)، في وقف ما عيّنه من المواضع وترتيب أرباب الوظائف وغيرهم. وجعل النظر لنفسه أيّام حياته، ثم من بعده لأولاده، ثم من بعدهم لحاكم المسلمين الشّافعيّ. فضمّن وقفه كتابا تأريخه (٣) يوم الثلاثاء ثالث عشرين صفر سنة

стр. 3050

ثمانين وستّ مائة (١). ولمّا قرئ عليه كتاب الوقف، قال للشّجاعي: ما رأيت خطّ الأسعد كاتبي مع خطوط القضاة، أبصر إيش فيه زغل حتى ما كتب عليه. فما زال يقرّب لذهنه أنّ هذا ممّا لا يكتب عليه إلاّ قضاة الإسلام حتى فهم ذلك. فبلغ مصروف الشّراب منه في كلّ يوم خمس مائة رطل سوى السّكّر. ورتّب فيه عدّة ما بين أمين ومباشر، وجعل مباشرين للإدارة - وهم الذين يضبطون ما يشترى من الأصناف، وما يحضر منها إلى المارستان - ومباشرين لاستخراج مال الوقف، ومباشرين في المطبخ، ومباشرين في عمارة الأوقاف التي تتعلّق به. وقرّر في القبّة خمسين مقرئا يتناوبون قراءة القرآن ليلا ونهارا، ورتّب بها إماما راتبا، وجعل بها رئيسا للمؤذّنين عندما يؤذّنون فوق منارة ليس في إقليم مصر أجلّ منها. ورتّب بهذه القبّة درسا لتفسير القرآن فيه مدرّس ومعيدان وثلاثون طالبا، ودرس حديث نبويّ، وجعل بها خزانة كتب (١) وستة خدّام طواشيّة لا يزالون بها. ورتّب بالمدرسة إماما راتبا، ومتصدّرا لإقراء القرآن، ودروسا أربعة للفقه على المذاهب الأربعة. ورتّب بمكتب السّبيل معلّمين يقرئان الأيتام، ورتّب للأيتام رطلين من الخبز في كلّ يوم لكلّ يتيم مع كسوة الشّتاء والصّيف. فلمّا ولي الأمير جمال الدّين آقوش نائب الكرك نظر المارستان (¬a) في سنة ستّ وعشرين وسبع مائة (¬a)، أنشأ به قاعة للمرضى، ونحت الحجارة المبني بها الجدر كلّها حتى صارت كأنّها جديدة، وجدّد تذهيب الطراز بظاهر المدرسة والقبّة، وعمل خيمة (¬b) ذرعها مائة ذراع، نشرها من أوّل جدار القبّة بجوار المدرسة الناصرية إلى آخر حدّ المدرسة المنصورية بحذاء الصّاغة، لأجل مقاعد الأقفاص حتى تظلهم من حرّ الشمس، وصنع لها حبالا تمدّ بها وقت الحرّ وتجمع إذا زالت عنهم الشّمس، وجعلها مرتفعة في الجوّ (¬b) ونقل أيضا حوض ماء كان برسم شرب البهائم من جانب باب المارستان وأبطله لتأذّي الناس بنتن رائحة ما يجتمع قدّامه من الأوساخ، وأنشأ سبيل ماء (¬a) بباب المارستان (¬a) يشرب منه الناس عوض الحوض المذكور (٢). (¬a) وصرف كلفة ذلك كلّه من ماله، ولم يصرف عليه شيئا من مال الوقف (¬a).

стр. 3051

وقد تورّع طائفة من أهل الدّيانة عن الصّلاة في المدرسة المنصورية والقبّة، وعابوا المارستان لكثرة عسف الناس في عمله. وذلك أنّه لمّا وقع اختيار السّلطان على عمل الدّار القطبيّة مارستانا، ندب الطواشي حسام الدّين بلالا المغيثي للكلام في شرائها. فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها، على أن تعوّض عنها بدار تلمّها وعيالها، فعوضّت قصر الزّمرّد برحبة باب العيد مع مبلغ مال حمل إليها، ووقع البيع على هذا. فندب السّلطان الأمير سنجر الشّجاعي للعمارة، فأخرج النساء من القطبيّة من غير مهلة، وأخذ ثلاث مائة أسير، وجمع صنّاع القاهرة ومصر، وتقدّم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدّار القطبيّة، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا، وشدّد عليهم في ذلك - وكان مهابا - فلازموا العمل عنده، ونقل من قلعة الرّوضة ما احتاج إليه من العمد الصّوّان والعمد الرّخام والقواعد والأعتاب والرّخام البديع وغير ذلك (١). وصار يركب إليها كلّ يوم، وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان، ويعود إلى المارستان، فيقف مع الصّنّاع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم. وأوقف مماليكه بين القصرين، فكان إذا مرّ أحد - ولو جلّ - ألزموه أن يرفع حجرا ويلقيه في موضع العمارة، فينزل الجندي والرّئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك. فترك أكثر الناس المرور من هناك، ورتّبوا - بعد الفراغ من العمارة وترتيب الوقف - فتيا صورتها: «ما يقول أئمّة الدّين في موضع أخرج أهله منه كرها، وعمّر بمستحثّين يعسفون الصّنّاع، وأخرب ما عمّره الغير ونقل إليه ما كان فيه فعمّر به؛ هل تجوز الصّلاة فيه أم لا؟». فكتب جماعة من الفقهاء: «لا تجوز فيه الصّلاة». فما زال المجد عيسى بن الخشّاب حتى أوقف الشّجاعي على ذلك، فشقّ عليه؛ وجمع القضاة ومشايخ العلم بالمدرسة المنصورية، وأعلمهم بالفتيا. فلم يجبه أحد منهم بشيء سوى الشّيخ محمد المرجاني، فإنّه قال: أنا أفتيت بمنع الصّلاة فيها، وأقول الآن إنه يكره الدّخول من بابها، ونهض قائما، فانفضّ الناس. واتّفق أيضا أنّ الشّجاعي ما زال بالشّيخ محمد المرجاني يلحّ في سؤاله أن يعمل ميعاد وعظ بالمدرسة المنصورية، حتى أجاب بعد تمنّع شديد. فحضر الشّجاعي والقضاة، وأخذ المرجاني في ذكر ولاة الأمور من الملوك والأمراء والقضاة، وذمّ من يأخذ الأراضي غصبا ويستحثّ العمّال في

стр. 3052

عمائره، وينقص من أجورهم، وختم بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ اَلظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً * * يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الآية ٢٧ سورة الفرقان]، وقام فسأله الشّجاعيّ الدّعاء له، فقال: يا علم الدّين/ قد دعا لك ودعا عليك من هو خير منّي، وذكر قول النبيّ ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمّتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن شقّ عليهم فاشقق عليه». وانصرف. فصار الشّجاعيّ من ذلك في قلق، وطلب الشّيخ تقيّ الدّين محمد بن دقيق العيد - وكان له فيه اعتقاد حسن - وفاوضه في حديث الناس في منع الصّلاة في المدرسة، وذكر له أنّ السّلطان إنّما أراد محاكاة نور الدّين الشّهيد والاقتداء به، لرغبته في عمل الخير، فوقع الناس في القدح فيه، ولم يقدحوا في نور الدّين. فقال له: إنّ نور الدّين أسر بعض ملوك الفرنج وقصد قتله، ففدى نفسه بتسليم خمسة قلاع، وخمس مائة ألف دينار حتى أطلقه، فمات في طريقه قبل وصوله مملكته، وعمّر نور الدّين بذلك المال مارستانه بدمشق من غير مستحث. فمن أين يا علم الدّين تجد مالا مثل هذا المال، وسلطانا مثل نور الدّين؟ غير أنّ السّلطان له نيّته، وأرجو له الخير بعمارة هذا الموضع. وأنت إن كان وقوفك في عمله بنيّة نفع الناس فلك الأجر، وإن كان لأجل أن يعلم أستاذك علوّ همّتك فما حصلت على شيء. فقال الشّجاعيّ: اللّه المطّلع على النيّات. وقرّر ابن دقيق العيد في تدريس القبّة. قال مؤلّفه: إن كان التّحرّج من الصّلاة لأجل أخذ الدّار القطبيّة من أهلها بغير رضاهم، وإخراجهم منها بعسف، واستعمال أنقاض القلعة بالرّوضة؛ فلعمري ما تملّك بني أيّوب الدّار القطبيّة وبناؤهم قلعة الرّوضة وإخراجهم أهل القصور من قصورهم التي كانت بالقاهرة، وإخراج سكّان الرّوضة من مساكنهم، إلاّ كأخذ قلاوون الدّار المذكورة وبنائها بما هدمه من القلعة المذكورة، وإخراج مؤنسة وعيالها من الدّار القطبيّة. وأنت إن أمعنت النظر وعرفت ما جرى، تبيّن لك أنّ ما القوم إلاّ سارق من سارق، وغاصب من غاصب. وإن كان التّحرّج من الصّلاة لأجل عسف العمّال وتسخير الرّجال فشيء آخر. باللّه عرّفني - فإنّي غير عارف - من منهم لم يسلك في أعماله هذا السّبيل؟ غير أنّ بعضهم أظلم من بعض (١). وقد مدح غير واحد من الشّعراء هذه العمارة، منهم شرف الدّين البوصيري فقال:

стр. 3053

[الطويل] ومدرسة ودّ الخورنق أنّه … لديها حظير والسّديد غدير مدينة علم والمدارس حولها … قرى أو نجوم بدرهنّ منير تبدّت فأخفى الظّاهريّة نورها … وليس بظهر للنجوم ظهور بناء كأنّ النحل هندس شكله … ولانت له كالشّمع فيه صخور بناها سعيد في بقاع سعيدة … بها سعدت قبل المدارس نور ومن حيث ما وجّهت وجهك نحوها … تلقّتك منها نضرة وسرور إذا قام يدعو اللّه فيها مؤذّن … فما هو إلاّ للنجوم سمير (¬a) وفي سنة سبع وأربعين وسبع مائة بنى الأمير أرغون العلائي، لمّا ولي نظر المارستان كتّاب الأيتام والحانوت المعدّ لسبيل الماء تحته على يسرة الدّاخل من باب المارستان، وجعل لذلك وقفا استجدّه. وما زال أمر هذا المارستان في زيادة من القوّة ووفور من الحرمة، بحيث أنّه إذا تأمّر أحد من الأمراء - جليلا كان فيهم أو حقيرا - لابدّ أن ينزل من القلعة عندما يخلع عليه ليحلف عند قبر الملك المنصور بالقبّة من المارستان، ويكون ليوم التّحليف اجتماع واهتمام في المآكل والمشارب بقدر محلّ ذلك الأمير وكبر منزلته وعظم رتبته. ولم يزل ذلك رسما جاريا وحكما ماضيا إلى أن زالت دولة بني قلاوون. وكان من رسوم هذا المارستان رعاية سكّانه وخدّامه فلا يمكّن وال ولا محتسب أن يحكم في أحد منهم ولا من التّعرّض إليهم، وإنّما يرجع أمرهم إلى الناظر ولا بدّ أن يكون أكبر أمراء الدّولة، ويليه ناظر آخر من أرباب العمائم يعدّ من أكابر رؤساء الدّولة - ويقال لها «الوزارة الصّغرى» - إلاّ أنّه منذ ولي الظّاهر برقوق المملكة بطلت أكثر رسومه واتّضعت عامّة أحواله لا سيما منذ كانت الحوادث والمحن سنة ستّ وثمان مائة، وتواترت فتن البلاد الشّامية وتغلّب عليها المارقون، بطل ما كان يصل إليه من مغلاّت بلاد الشّام وكانت جملة كبيرة، وكثر خراب أوقافه التي بالقاهرة وارتفعت أسعار المبيعات فنقص ما كان به وبطل الخبز الذي كان يفرّق فيه كلّ يوم على طوائف من أرباب السّتر، وبطل ما كان يصرف منه في كلّ يوم من السّكّر وأنواع الأشربة وأصناف العقاقير والأكحال والأدوية والدّجاج واللحوم للطوارئ من الناس، وكانت جملة كبيرة (¬a)،

стр. 3054

(¬a) واقتصد في مصروفه وصار فيما لا بدّ منه للمرضى وأرباب الجوامك، ومنع منه ما كان يصرف للطوارئ إلاّ لذي جاه (¬a) (١). المارستان المؤيّدي [أثر رقم ٢٥٧] هذا المارستان فوق الصّوّة، تجاه طبلخاناه قلعة الجبل - حيث كانت مدرسة الأشرف شعبان ابن حسين التي هدمها الناصر فرج بن برقوق (٢) - وبابه هو حيث كان باب المدرسة، إلاّ أنّه ضيّق عمّا كان. أنشأه المؤيّد شيخ في مدّة أوّلها جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثمان مائة، وآخرها رجب سنة ثلاث وعشرين، ونزل فيه المرضى في نصف شعبان، وعملت مصارفه من جملة أوقاف الجامع المؤيّدي المجاور لباب زويلة. فلمّا مات الملك المؤيّد في ثامن المحرّم سنة أربع وعشرين تعطّل قليلا، ثم سكنه طائفة من العجم المستجدين في ربيع الأوّل منها، وصار منزلا للرّسل الواردين من البلاد إلى السّلطان. ثم عمل فيه منبر، ورتّب له خطيب وإمام ومؤذّنون وبوّاب وقومة، وأقيمت به الجمعة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمان مائة (٣). فاستمرّ جامعا تصرف معاليم أرباب وظائفه المذكورين من وقف الجامع المؤيّدي.

стр. 3055

مخطّط المارستان المؤيّدي (عن لجنة حفظ الآثار)

стр. 3056

ذكر المساجد قال ابن سيده: المسجد: الموضع الذي يسجد فيه. وقول (¬a) الزّجّاج: كلّ موضع يتعبّد فيه فهو مسجد، ألا ترى أنّ النبيّ ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، وقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اَللّهِ﴾ [الآية ١١٤ من سورة البقرة]. المعنى على هذا المذهب أنّه: من أظلم ممّن خالف قبلة الإسلام. وقد كان حكمه أن لا يجيء على «مفعل»؛ لأنّ حقّ اسم المكان والمصدر من فعل يفعل أن يجيء على «مفعل»، ولكنه أحد الحروف التي شذّت فجاءت/ على «مفعل». قال سيبويه: وأمّا المسجد فإنّهم جعلوه اسما للبيت، ولم يأت على «فعل يفعل». كما قال في المدقّ: إنّه اسم للجلمود (¬b)، يعني أنّه ليس على الفعل، ولو كان على الفعل لقيل مدقّ لأنّه آلة، والآلات تجيء على «مفعل» كمخرز (¬c) ومكنس ومكسح. والمسجدة الخمرة المسجود عليها، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اَلْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ [الآية ١٨ سورة الجن] قيل هو مواضع السّجود من الإنسان: الجبهة، واليدان، والرّكبتان، والرّجلان (١).

стр. 3057

وقال الشّريف: محمّد بن أسعد الجوّاني في كتاب «النقط على الخطط» عن القاضي أبي عبد اللّه القضاعي: إنّه كان في مصر الفسطاط من المساجد ستة وثلاثون ألف مسجد (١). وقال المسبّحي في حوادث سنة ثلاث وأربع مائة: وأحصى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه المساجد التي لا غلّة لها، فكانت ثمان مائة مسجد. فأطلق لها في كلّ شهر من بيت المال تسعة آلاف ومائتين وعشرين درهما. وفي سنة خمس وأربع مائة حبس الحاكم بأمر اللّه سبع ضياع، منها إطفيح وطوخ، على القرّاء والمؤذّنين بالجوامع، وعلى ملء المصانع والمارستان، وفي ثمن الأكفان (٢). وذكر ابن المتوّج أنّ عدّة المساجد بمصر في زمنه أربع مائة وثمانون مسجدا، ذكرها. المسجد بجوار دير البغل قد تقدّم (٣) في أخبار الكنائس والدّيارات من هذا الكتاب خبر البغل، وأنّه يعرف بدير القصير (¬a) (٤). ولمّا كان في سنة خمس وسبعين وستّ مائة، خرج جماعة من المسلمين إلى دير البغل، فرأوا آثار محاريب بجوار الدّير، فعرّفوا الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا ذلك، فسيّر المهندسين لكشف ما ذكر، فعادوا إليه وأخبروه أنّه آثار مسجد. فشاور الملك الظّاهر بيبرس، وعمّره مسجدا بجانب الدّير. وهو عامر إلى الآن وبتّ به، وهو من أحسن مشترفات مصر، وله وقف جيّد ومرتّب، يقوم به نصارى الدّير.

стр. 3058

مسجد ابن الجبّاس هذا المسجد خارج باب زويلة بالقرب من مصلّى الأموات دون باب اليانسيّة (١)، عرف بالشّيخ أبي عبد اللّه محمد بن عليّ بن أحمد بن محمد بن جوشن، المعروف بابن الجبّاس - بجيم وباء موحّدة بعدها ألف وسين مهملة - القرشي العقيلي، الفقيه الشّافعيّ المقرئ (٢). كان فاضلا صالحا زاهدا عابدا مقرئا، كتب بخطّه كثيرا (¬a)، وسمع الحديث النبويّ. ومولده يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وستّ مائة بالقاهرة، ووفاته (¬b) (٣). مسجد ابن البنّاء هذا المسجد داخل باب زويلة، وتسمّيه العوامّ سام بن نوح النبيّ ﵇، وهو من مختلقاتهم التي لا أصل لها، وإنّما يعرف ب «مسجد ابن البنّاء» (٤). وسام بن نوح لعلّه لم يدخل أرض مصر ألبتّة، فإنّ اللّه - سبحانه - لمّا نجّى نبيّه نوحا من الطوفان، خرج معه من السّفينة أولاده الثلاثة، وهم: سام وحام ويافث. ومن هذه الثلاثة ذرأ اللّه سائر بني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْباقِينَ﴾ [الآية ٧٧ سورة الصافات]. فقسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة: فصار لسام بن نوح العراق وفارس إلى الهند، ثم إلى حضرموت وعمان والبحرين وعالج ويبرين ووبار والدو والدّهنا، وسائر أرض اليمن والحجاز. ومن نسله الفرس والسّريانيون والعبرانيون والعرب والنبط والعماليق.

стр. 3059

وصار لحام بن نوح الجنوب ممّا يلي أرض مصر مغربا إلى المغرب الأقصى، ومن نسله الحبشة والزّنج، والقبط سكّان مصر وأهل النوبة، والأفارقة وأهل إفريقية، وأجناس البربر. وصار ليافث بن نوح بحر الخزر مشرقا إلى الصّين، ومن نسله الصّقالبة والفرنج والرّوم والغوط، وأهل الصّين واليونانيون والتّرك. (¬a) وقد بلغني أنّ هذا المسجد كان كنيسة لليهود القرّائيين، تعرف بسام بن نوح، وأنّ الحاكم بأمر اللّه أخذ هذه الكنيسة لمّا هدم الكنائس وجعلها مسجدا. وتزعم اليهود القرّائيون الآن بمصر أنّ سام بن نوح مدفون هنا، وهم إلى الآن يحلّفون من أسلم منهم بهذا المسجد، أخبرني به قاضي اليهود إبراهيم بن فرج اللّه بن عبد الكافي الدّاودي العاناني (¬a). وليس هذا بأوّل شيء اختلقته العامّة. وابن البنّاء هذا - هو محمد بن عمر بن أحمد بن جامع بن البنّاء، أبو عبد اللّه الشّافعيّ المقري (١)؛ سمع من القاضي مجلّى وأبي عبد اللّه الكيزاني (٢) وغيره، وحدّث وأقرأ القرآن، وانتفع به جماعة وهو منقطع بهذا المسجد. وكان يعرف خطّه بخطّ بين البابين، ثم عرف بخطّ الأقفاليين، ثم هو الآن يعرف بخطّ الضّببيين وباب/ القوس. ومات ابن البنّاء هذا في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وخمس مائة. واتّفق لي عند هذا المسجد أمر عجيب، وهو أنّي مررت من هناك يوما أعوام بضع وثمانين وسبع مائة - والقاهرة يومئذ لا يمرّ الإنسان بشارعها حتى يلقى عناء من شدّة ازدحام الناس، لكثرة مرورهم ركبانا ومشاة - فعندما حاذيت أوّل هذا المسجد إذا برجل يمشي أمامي وهو يقول لرفيقه: واللّه يا أخي ما مررت بهذا المكان قطّ إلاّ وانقطع نعلي؛ فو اللّه ما فرغ من كلامه حتى وطئ شخص، من كثرة الزّحام، على مؤخّر نعله - وقد مدّ رجله ليخطو - فانقطع تجاه باب المسجد. فكان هذا من عجائب الأمور وغرائب الاتّفاق.

стр. 3060

مسجد الحلبيّين هذا المسجد فيما بين باب الزّهومة ودرب شمس الدّولة، على يسرة من سلك من حمّام خشيبة طالبا البندقانيين. بني على المكان الذي قتل فيه الخليفة الظّافر نصر بن عبّاس الوزير، ودفنه تحت الأرض. فلمّا قدم طلائع بن رزّيك من الأشمونين إلى القاهرة، باستدعاء أهل القصر له ليأخذ بثأر الخليفة، وغلب على الوزارة، استخرج الظّافر من هذا الموضع ونقله إلى تربة القصر، وبنى موضعه هذا المسجد وسمّاه «المشهد»، وعمل له بابين: أحدهما هذا الباب الموجود (¬a) بدرب شمس الدّولة (¬a)، والباب الثّاني كان يتوصّل منه إلى دار المأمون البطائحي - التي هي اليوم مدرسة تعرف بالسّيوفيّة (١) - وقد سدّ هذا الباب. وما برح هذا المسجد يعرف بالمشهد إلى أن انقطع فيه محمد بن أبي الفضل بن سلطان ابن عمّار بن تمّام، أبو عبد اللّه الحلبي الجعبري المعروف بالخطيب (٢). وكان صالحا كثير العبادة، زاهدا منقطعا عن الناس ورعا، وسمع الحديث وحدّث. وكان مولده في شهر رجب سنة أربع وعشرين وستّ مائة بقلعة جعبر، ووفاته بهذا المسجد - وقد طالت إقامته فيه - يوم الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مائة، ودفن بمقابر باب النصر - (¬a) ظاهر القاهرة (¬a) ﵀. وهذا المسجد من أحسن مساجد القاهرة وأبهجها (¬b) (٣).

стр. 3061

مسجد الكافوري هذا المسجد كان في البستان الكافوري من القاهرة، بناه الوزير المأمون أبو عبد اللّه محمد ابن فاتك البطائحي في سنة ستّ عشرة وخمس مائة، وتولّى عمارته وكيله أبو البركات محمد ابن عثمان، وكتب اسمه عليه. وهو باق إلى اليوم بخطّ الكافوري، ويعرف هناك ب «مسجد الخلفاء»، وفيه نخل وشجر، وهو مرخّم رخاما حسنا (¬a) (١). مسجد رشيد (¬b) الدّين البهائي (¬b) هذا المسجد خارج باب زويلة بخطّ تحت الرّبع، على يسرة من سلك من دار التّفّاح يريد قنطرة الخرق، بناه رشيد الدّين البهائي (٢). المسجد المعروف بزرع النوى هذا المسجد خارج باب زويلة بخطّ سوق الطيور، على يسرة من سلك من رأس المنجبيّة طالبا جامع قوصون والصّليبة (٣). وتزعم العامّة أنّه بني على قبر رجل يعرف بزرع النوى، وهو من أصحاب رسول اللّه ﷺ . وهذا أيضا من افتراء العامّة الكذب، فإنّ الذين أفردوا أسماء الصّحابة ﵃ كالإمام أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري في «تاريخه الكبير»، وابن

стр. 3062

أبي خيثمة، والحافظ أبي عبد اللّه بن منذر، والحافظ أبي نعيم الأصفهاني، والحافظ أبي عمر ابن عبد البرّ، والفقيه الحافظ أبي محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم، لم يذكر أحد منهم صحابيّا يعرف بزرع النوى. وقد ذكر في أخبار القرافة من هذا الكتاب «من قبر بمصر من الصّحابة»، وذكر في أخبار مدينة فسطاط مصر أيضا «من دخل مصر من الصّحابة»، وليس هذا منهم. وهذا إن كان هناك قبر فهو لأمين الأمناء أبي عبد اللّه الحسين بن طاهر الوزّان. وكان من أمره أنّ الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبا عليّ منصور بن العزيز باللّه، خلع عليه للوساطة بينه وبين الناس، والتّوقيع (١) عن الحضرة، في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربع مائة. وكان قبل ذلك يتولّى بيت المال، فاستخدم فيه أخاه أبا الفتح مسعودا. وكان قد ظفر بمال يكون عشرات ألوف (¬a) وضياعات وأمتعة وطرائف وفرش وغير ذلك، في عدّة آدرّ بمصر، وجميعه ممّا خلّفه قائد القوّاد الحسين بن جوهر القائد. فباع المتاع، وأضاف ثمنه إلى العين، فحصل منه مال كثير، وطالع به (¬b) الحاكم بأمر اللّه فأمر (¬a) به أجمع لورثة/ قائد القوّاد، ولم يتعرّض منه لشيء. وكثرت صلات الحاكم وعطاؤه وتوقيعاته بما يطلق في ذلك. فاتّصل به عن أمين الأمناء بعض التّوقّف، فخرجت إليه رقعة بخطّه في الثامن والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وأربع مائة، نسختها: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. الحمد للّه كما هو أهله: [السريع] أصبحت لا أرجو ولا أتّقي … إلاّ إلهي وله الفضل جدّي نبييّ وإمامي أبي … وديني الإخلاص والعدل ما عندكم ينفد، وما عند اللّه باق، المال مال اللّه ، والخلق عيال اللّه، ونحن أمناؤه في الأرض، أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها، والسّلام». ولم يزل على ذلك إلى أن بطل أمره في جمادى الآخرة من سنة خمس وأربع مائة، وذلك أنّه

стр. 3063

ركب مع الحاكم على عادته، فلمّا حصل بحارة كتامة خارج القاهرة (١)، ضرب رقبته هناك، ودفن في هذا الموضع تخمينا. واستحضر الحاكم جماعة الكتّاب بعد قتله، وسأل رؤساء الدّواوين عمّا يتولاّه كلّ واحد منهم، وأمرهم بلزوم دواوينهم وتوفّرهم على الخدمة (٢). وكانت مدّة نظر ابن الوزّان في الوساطة والتوقيع عن الحضرة - وهي رتبة الوزارة - سنتين وشهرين وعشرين يوما. وكان توقيعه عن الحضرة الإمامية: «الحمد للّه وعليه توكّلي» (٣). مسجد الذّخيرة هذا المسجد تحت قلعة الجبل (¬a) (٤) بأوّل الرّميلة تجاه شبابيك مدرسة السّلطان حسن بن محمد ابن قلاوون التي تلي بابها الكبير الذي سدّه الملك الظّاهر برقوق (٥). أنشأه ذخيرة الملك جعفر متولّي الشّرطة (٦). قال ابن المأمون في «تاريخه»: وفي هذه السّنة - يعني سنة عشر (¬b) وخمس مائة - استخدم ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة والحسبة بسجلّ أنشأه ابن الصّيرفي، وجرى من عسفه وظلمه

стр. 3064

ما هو مشهور، وبنى المسجد الذي ما بين الباب الجديد (١) إلى الجبل الذي هو به معروف. وسمّي «مسجد لا باللّه» بحكم أنّه كان يقبض الناس من الطريق ويعسفهم، فيحلّفونه ويقولون له: «لا باللّه»، فيقيّدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة، ولم يعمل فيه منذ أنشأه إلاّ صانع مكره أو فاعل مقيّد. وكتب عليه هذه الأبيات المشهورة: [الطويل] بنى مسجدا للّه من غير حلّه … وكان بحمد اللّه غير موفّق كمطعمة الأيتام من كدّ فرجها … لك الويل لا تزني ولا تتصدّقي وكان قد أبدع في عذاب الجناة وأهل الفساد، وخرج عن حكم الكتاب، فابتلي بالأمراض الخارجة عن المعتاد، ومات بعدما عجّل اللّه له ما قدّمه، وتجنّب الناس تشييعه والصّلاة عليه، وذكر عنه في حالتي غسله وحلوله بقبره ما يعيذ اللّه كلّ مسلم من مثله (٢). وقال ابن عبد الظّاهر: مسجد الذّخيرة تحت قلعة الجبل، وذكر ما تقدّم عن ابن المأمون (٣).

стр. 3065

مسجد رسلان هذا المسجد بحارة اليانسيّة، عرف بالشّيخ الصّالح رسلان (¬a) بن (¬a) لإقامته به، وقد حكيت عنه كرامات، ومات به في سنة إحدى وتسعين وخمس مائة، وكان يتقوّت من أجرة خياطته للثياب. (¬a) وابنه محمد بن رسلان كان يخيط الثّياب ويروي عنه كرامات (¬a)، وابنه عبد الرّحمن بن محمد بن رسلان، أبو القاسم كان فقيها محدّثا مقرئا، مات في سنة سبع وعشرين وستّ مائة (١). مسجد ابن الشّيخي هذا المسجد بآخر (¬b) خطّ الكافوري، ممّا يلي باب القنطرة وجهة الخليج، مجاور لدار ابن الشّيخي، أنشأه المهتار (٢) ناصر الدّين محمد بن علاء الدّين عليّ الشّيخي، مهتار السّلطان بالإسطبلات السّلطانية، وقرّر فيه شيخنا تقيّ الدّين محمد بن حاتم. فكان يعمل فيه ميعادا يجتمع الناس فيه لسماع وعظه. وكان ابن الشّيخي هذا حشما فخورا خيّرا، يحبّ أهل العلم والصّلاح ويكرمهم، ولم نر بعده في رتبته مثله، ومات ليلة الثلاثاء أوّل يوم من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وتسعين وسبع مائة.

стр. 3066

مسجد يانس هذا المسجد كان تجاه باب سعادة خارج القاهرة (١). قال ابن المأمون في «تاريخه»: وكان الأجلّ المأمون - يعني الوزير/ محمد بن فاتك البطائحي - قد ضمّ إليه عدّة من مماليك الأفضل بن أمير الجيوش من جملتهم يانس، وجعله مقدّما على صبيان مجلسه، وسلّم إليه بيت ماله، وميّزه في رسومه. فلمّا رأى المذكور في ليلة النصف من شهر رجب - يعني سنة ستّ عشرة وخمس مائة - ما عمل في المسجد المستجدّ قبالة باب الخوخة (٢) من الهمّة ووفور الصّدقات وملازمة الصّلوات، وما حصل فيه من المثوبات، كتب رقعة يسأل فيها أن يفسح له في بناء مسجد بظاهر باب سعادة؛ فلم يجب المأمون إلى ذلك، وقال له: ما ثمّ مانع من عمارة المساجد وأرض اللّه واسعة، وإنّما هذا السّاحل فيه معونة للمسلمين وموردة للسّقّائين، وهو مرسى مراكب الغلّة، والمضرّة في مضايقة المسلمين فيه منه، ولو لم يكن المسجد المستجدّ قبالة باب الخوخة محرسا لما استجدّ، حتى إنّا لم نخرج عن مساحته (¬a) الأولى، فإن أردت أن تبني قبليّ مسجد الرّيفي، أو على شاطئ الخليج، فالطريق ثمّ سهلة. فقبّل الأرض وامتثل الأمر. فلمّا قبض على المأمون، وأمّر الخليفة يانس المذكور، ولم يزل ينقله إلى أن استخدمه في حجبة بابه، سأله في مثل ذلك، فلم يجبه إلى أن أخذ الوزارة، فبناه في المكان المذكور. وكانت مدّته يسيرة، فتوفي قبل إتمامه وإكماله، وكمّله أولاده بعد وفاته (٣). انتهى. وقد تقدّم خبر وزارة أبي الفتح ناظر الجيوش يانس الأرمنيّ هذا عند ذكر الحارة اليانسيّة من هذا الكتاب (٤).

стр. 3067

مسجد باب الخوخة هذا المسجد تجاه باب الخوخة بجوار مدرسة أبي غالب (١)، (¬a) على شاطئ الخليج وهو باق إلى الآن (¬a). قال ابن المأمون في «تاريخه» من حوادث سنة ستّ عشرة وخمس مائة: ولمّا سكن المأمون الأجلّ دار الذّهب (٢) وما معها - يعني في أيّام النيل للنزهة عند سكن الخليفة الآمر بأحكام اللّه بقصر اللؤلؤة المطلّ على الخليج (٣) - رأى قبالة باب الخوخة محرسا، فاستدعى وكيله (٤) وأمره بأن يزيل المحرس المذكور، ويبني موضعه مسجدا. وكان الصّنّاع يعملون فيه ليلا ونهارا، حتى إنّه تفطّر بعد ذلك واحتيج إلى تجديده (٥). المسجد المعروف بمعبد موسى هذا المسجد بخطّ الرّكن المخلّق من القاهرة، تجاه باب الجامع الأقمر المجاور لحوض السّبيل، وعلى يمنة من سلك من بين القصرين طالبا رحبة باب العيد. أوّل من اختطّه القائد جوهر عندما وضع القاهرة. قال ابن عبد الظّاهر: ولمّا بنى القائد جوهر القصر، دخل فيه دير العظام - وهو المكان المعروف الآن بالرّكن المخلّق، قبالة حوض الجامع الأقمر وقريب دير العظام، والمصريون يقولون بئر العظمة

стр. 3068

- فكره أن يكون في القصر دير، فنقل العظام التي كانت به والرّمم إلى دير بناه في الخندق؛ لأنه كان يقال إنّها كانت عظام جماعة من الحواريين، وبنى مكانها مسجدا من داخل السّور (١) - يعني سور القصر. وقال جامع «السّيرة الظّاهرية بيبرس»: وفي ذي الحجّة سنة ستين وستّ مائة، ظهر بالمسجد الذي بالرّكن المخلّق من القاهرة حجر مكتوب عليه: «هذا معبد موسى بن عمران ﵇» فجدّدت عمارته وصار يعرف بمعبد موسى من حينئذ، ووقف عليه ربع بجانبه (٢)، وهو باق إلى وقتنا هذا. مسجد نجم الدّين هذا المسجد ظاهر باب النصر، أنشأه الملك الأفضل نجم الدّين أبو سعيد أيّوب بن شاذي ابن يعقوب بن مروان الكردي، والد السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وجعل إلى جانبه

стр. 3069

حوض ماء للسّبيل ترده الدّوابّ في سنة ستّ وستين وخمس مائة (١). ونجم الدّين هذا قدم هو وأخوه أسد الدّين شيركوه من بلاد الأكراد إلى بغداد، وخدم بها، وترقّى في الخدم حتى صار برددار (¬a) (٢) بقلعة تكريت ومعه أخوه. ثم إنّه انتقل عنها إلى خدمة الملك المنصور عماد الدّين أتابك زنكي بالموصل، فخدمه حتى مات، فتعلّق بخدمة ابنه الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي، فرقّاه وأعطاه بعلبك، وحجّ من دمشق سنة خمس وخمس مائة (٣). فلمّا قدم ابنه صلاح الدّين يوسف بن أيّوب مع عمّه أسد الدّين شيركوه، من عند نور الدّين محمود إلى القاهرة، وصار إلى وزارة العاضد بعد موت شيركوه، قدم عليه أبوه نجم الدّين في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وخمس مائة، وخرج العاضد إلى لقائه، وأنزله بمناظر اللؤلؤة (٤). فلمّا استبدّ صلاح الدّين بسلطنة مصر بعد موت الخليفة العاضد، أقطع أباه نجم الدّين الإسكندرية والبحيرة، إلى أن مات بالقاهرة في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة ثمان وستين وخمس مائة - وقيل في ثامن عشره - من سقطة عن ظهر فرسه خارج باب النصر، فحمل إلى داره، فمات بعد أيّام (٥).

стр. 3070

وكان خيّرا جوادا، متديّنا، محبّا لأهل العلم والخير،/ وما مات حتى رأى من أولاده عدّة ملوك، وصار يقال له «أبو الملوك». ومدحه العماد الأصبهاني بعدّة قصائد، ورثاه الفقيه عمارة بقصيدته التي أوّلها: [الطويل] هي الصّدمة الأولى فمن بان صبره … على هول ملقاه تعاظم أجره (١) مسجد صواب هذا المسجد خارج القاهرة بخطّ الصّليبة، عرف بالطواشي شمس الدّين صواب، مقدّم المماليك السّلطانية، ومات في ثامن رجب سنة اثنتين وأربعين وستّ مائة، ودفن به، وكان خيّرا ديّنا فيه صلاح. المسجد بجوار المشهد الحسيني هذا المسجد، أنهي (¬a) في مستهلّ شهر رجب من (¬b) سنة اثنتين وستين وستّ مائة للملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس - وهو بدار العدل - أنّ مسجدا على باب مشهد السيّد الحسين ﵇ وإلى جانبه مكان من حقوق القصور (¬c)، بيع وحمل ثمنه للدّيوان، وهو ستة آلاف درهم. فسأل السّلطان عن صورة المسجد وهذا الموضع، وهل كلّ منهما بمفرده أو عليهما حائط دائر؟ فقيل له: إنّ بينهما زرب قصب، فأمر بردّ المبلغ، وأبقى الجميع مسجدا، وأمر بعمارة ذلك مسجدا للّه تعالى (٢). مسجد الفجل هذا المسجد بخطّ بين القصرين، تجاه باب البيسرية (¬d)، أصله من مساجد الخلفاء الفاطميين.

стр. 3071

أنشأه على ما هو عليه الآن الأمير بشتاك لمّا أخذ قصر أمير سلاح ودار أقطوان السّاقي وأحد عشر مسجدا وأربعة معابد كانت من عمارة الخلفاء، وأدخلها في عمارته التي تعرف اليوم بقصر بشتاك، ولم يترك من المساجد والمعابد سوى هذا المسجد فقط، ويجلس فيه بعض نوّاب القضاة المالكية للحكم بين الناس (١). وتسمّيه العامّة «مسجد الفجل»، وتزعم أنّ النيل الأعظم كان يمرّ بهذا المكان، وأنّ الفجل كان يغسل موضع هذا المسجد فعرف بذلك. وهذا القول كذب لا أصل له. وقد تقدّم في هذا الكتاب ما كان عليه موضع القاهرة قبل بنائها، وما علمت أنّ النيل كان يمرّ هناك أبدا، وبلغني أنّه عرف ب «مسجد الفجل» من أجل أنّ الذي كان يقوم به كان يعرف بالفجل، واللّه أعلم. مسجد تبر هذا المسجد خارج القاهرة ممّا يلي الخندق. عرف قديما بالبئر والجمّيزة، وعرف ب «مسجد تبر»، وتسمّيه العامّة «مسجد التّبن» وهو خطأ. وموضعه خارج القاهرة قريب من المطريّة (٢).

стр. 3072

قال القضاعيّ: مسجد تبر بني على رأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن حسن (¬a) بن عليّ ابن أبي طالب ﵁ (١). أنفذه المنصور فسرقه أهل مصر، ودفنوه هناك، وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة، ويعرف بمسجد البئر والجمّيزة. وقال الكنديّ في كتاب «الأمراء»: ثم قدمت الخطباء إلى مصر برأس إبراهيم بن عبد اللّه ابن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، في ذي الحجّة سنة خمس وأربعين ومائة، لينصبوه (¬b) في المسجد الجامع، وقامت الخطباء فذكروا أمره (٢). وتبر هذا أحد الأمراء الأكابر في أيّام الأستاذ كافور الإخشيدي. فلمّا قدم جوهر القائد من المغرب بالعساكر، ثار تبر الإخشيدي هذا في جماعة من الكافورية والإخشيدية وحاربه، فانهزم بمن معه إلى أسفل الأرض. فبعث جوهر يستعطفه، فلم يجب، وأقام على الخلاف، فسيّر إليه عسكرا حاربه بناحية صهرجت فانكسر، وصار إلى مدينة صور التي كانت على السّاحل في البحر. فقبض عليه بها، وأدخل إلى القاهرة على فيل، فسجن إلى صفر سنة ستين وثلاث مائة. فاشتدّت المطالبة عليه، وضرب بالسّياط، وقبضت أمواله، وحبس عدّة من أصحابه بالمطبق في القيود إلى ربيع الآخر منها. فجرح نفسه، وأقام أيّاما مريضا ومات، فسلخ بعد موته، وصلب عند كرسي الجسر (¬c) (٣). وقال ابن عبد الظّاهر: إنّه حشي جلده تبنا وصلب، فربّما سمّت العامّة مسجده بذلك لما ذكرناه (٤). وقيل إنّ تبرا هذا خادم الدّولة المصرية، وقبره بالمسجد المذكور،

стр. 3073

قال كاتبه (¬a): هذا وهم، وإنّما هو تبر الإخشيدي. مسجد القطبيّة هذا المسجد كان حيث المدرسة المنصورية بين القصرين بالقاهرة (¬b). (¬ c) مسجد ابن البابا بحكر الخازن بناه الأمير بدر الدّين جنكلي بن البابا، أحد أكابر الأمراء في أيّام السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، في سنة (¬d) خمس وثلاثين (¬d) وسبع مائة بجوار داره، وجعل فيه درس حديث، وهو مستمرّ به إلى الآن (١). مسجد مرشد قبالة باب الحمّام المعروف الآن بحمّام الكويك (٢)، ويعرف قديما بحمّام عبّاس. وبهذا المسجد درس للمالكيّة. مسجد الزّيالعة علو باب حارة برجوان، عرف بإبراهيم بن الحسين بن علي بن يونس، أبو إسحاق اليمني الزّيلعي المقرئ زين الدّين. قرأ القراءات السّبع على أبي القاسم عبد الرّحمن الصّفراوي وأبي القاسم عيسى بن عبد العزيز ابن عيسى، وتصدّر بالجامع الظّافري مدّة، وأعاد في المدرسة القطبيّة بالبندقانيين وكان مفتيا وله معرفة بالقراءات والنحو. ومولده بزبيد من اليمن في سنة ستّ مائة تخمينا، وتوفي بالقاهرة ليلة الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وسبعين وسبع مائة، وكان دفن [كذا] بهذا المسجد فعرف بمسجد الزّيالعة (¬c).

стр. 3074

ذكر الخوانك الخوانك جمع خانكاه (¬a) بالكاف بعد النون (¬a)، وهي كلمة فارسيّة معناها: بيت (¬a) [أو] دار الصّوفية، ثم كثر استعمالها على الألسنة فقيل: «خانقاه» بالقاف بدلا من الكاف؛ وهذا كما اتّفق في لفظ المقس، فإنّ أصله المكس ثم قيل المقس، على ما ذكره القاضي القضاعي في كتاب «خطط مصر» (¬a). وقيل أصلها خرنقاه (¬b)، أي الموضع الذي يأكل فيه الملك. والخوانك حدثت في الإسلام في حدود الأربع مائة من سني الهجرة، وجعلت لتتخلّي الصّوفيّة فيها لعبادة اللّه تعالى (١).

стр. 3075

قال الأستاذ عبد الكريم أبو القاسم بن هوازن القشيري، ﵀: اعلموا أنّ المسلمين بعد رسول اللّه ﷺ ، لم يتسمّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى «صحبة رسول اللّه» ﷺ ، إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم «الصّحابة». ولمّا أدرك أهل العصر الثّاني، سمّي من صحب الصّحابة «التّابعين»، ورأوا ذلك أشرف سمة، ثم قيل لمن بعدهم «أتباع التّابعين». ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواصّ خواصّ الناس ممّن لهم شدّة عناية بأمر الدّين «الزّهّاد» و «العبّاد». ثم ظهرت البدع، وحصل التّداعي بين الفرق، فكلّ فريق ادّعوا أنّ فيهم زهّادا. فانفرد خواصّ أهل السّنّة - المراعون أنفسهم مع اللّه، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة - باسم «التّصوّف»، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة (١). قال: وهذه التّسمية غلبت على هذه الطائفة. فيقال: «رجل صوفيّ»، وللجماعة: «الصّوفيّة»، ومن يتوصّل إلى ذلك يقال له: «متصوّف»، وللجماعة: «المتصوّفة». وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنّه كاللقب. فأمّا قول من قال إنّه من الصّوف، وتصوّف، إذا لبس الصّوف - كما يقال تقمّص، إذا لبس القميص - فذلك وجه، ولكنّ القوم لم يختصّوا بلبس الصّوف. ومن قال إنّهم ينسبون إلى صفّة مسجد رسول اللّه ﷺ ، فالنسبة إلى الصّفّة لا تجيء على نحو الصّوفي. ومن قال إنّه من الصّفاء، فاشتقاق الصّوفي من الصّفاء بعيد في مقتضى اللغة. وقول من قال إنّه مشتقّ من الصّفّ، فكأنّهم في الصّفّ الأوّل بقلوبهم من حيث المحاضرة مع اللّه تعالى، فالمعنى صحيح لكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة من الصّفّ. ثم إنّ هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق (٢)، واللّه أعلم. وقال الشّيخ شهاب الدّين أبو حفص عمر بن محمد السّهروردي، ﵀: والصّوفيّ يضع الأشياء في مواضعها، ويدير الأوقات والأحوال كلّها. بالعلم يقيم الخلق مقامهم، ويقيم أمر الحقّ مقامه، ويستر ما ينبغي أن يستر، ويظهر ما ينبغي أن يظهر، ويأتي بالأمور من مواضعها بحضور عقل، وصحّة توحيد، وكمال معرفة، ورعاية صدق وإخلاص. فقوم من المفتونين لبسوا ألبسة الصّوفيّة لينسبوا إليهم، وما هم منهم بشيء، بل هم في غرور وغلط يتستّرون بلبسة الصّوفية توقّيا تارة ودعوى أخرى، وينتهجون مناهج أهل الإباحة،

стр. 3076

ويزعمون أنّ ضمائرهم خلصت إلى اللّه تعالى، وأنّ هذا هو الظّفر بالمراد، والارتسام بمراسم الشّريعة رتبة العوامّ والقاصرين الأفهام، وهذا هو عين الإلحاد والزّندقة والإبعاد (١). وللّه درّ القائل: [البسيط] تنازع الناس في الصّوفيّ واختلفوا … فيه، وظنّوه مشتقّا من الصّوف ولست أنحل هذا الاسم غير فتى … صافى وصوفي حتّى سمّي الصّوفي قال كاتبه (¬a): ذهب واللّه ما هنالك، وصارت الصّوفيّة كما قال الشّيخ فتح الدّين محمد ابن محمد بن سيّد الناس اليعمري (٢): [الخفيف] ما شروط الصّوفي في عصرنا اليو … م سوى ستّة بغير زياده وهي نيك العلوق والسّكر والسّط … لة والرّقص والغنا والقياده وإذا ما هذى وأبدى اتّحادا … وحلولا من جهله أو إعاده وأتى المنكرات عقلا وشرعا … فهو شيخ الشّيوخ ذو السّجاده ثم تلاشى الآن حال الصّوفيّة ومشايخها حتى صاروا من سقط المتاع، لا ينسبون إلى علم ولا ديانة، وإلى اللّه المشتكى (٣)! وأوّل من اتّخذ بيتا للعبادة زيد بن صوحان بن صبرة، وذلك أنّه عمد إلى رجال من أهل البصرة قد تفرّغوا للعبادة - وليس لهم تجارات ولا غلاّت - فبنى لهم دورا، وأسكنهم فيها، وجعل لهم ما يقوم بمصالحهم من مطعم ومشرب وملبس وغيره. فجاء يوما ليزورهم (¬b) فلم يجدهم (¬b) فسأل عنهم، فإذا عبد اللّه بن عامر، عامل البصرة لأمير المؤمنين عثمان بن عفّان -

стр. 3077

﵁ قد دعاهم، فأتاه، فقال له: يا ابن عامر، ما تريد من هؤلاء القوم؟ قال: أريد أن أقرّبهم فيتشفّعوا فأشفّعهم، ويسألوا فأعطيهم، ويشيروا عليّ فأقبل منهم. فقال: لا، ولا كرامة! فتأتي إلى قوم قد انقطعوا إلى اللّه تعالى، فتدنّسهم بدنياك، وتشركهم في أمرك. حتى إذا ذهبت أديانهم، أعرضت عنهم، فطاحوا لا إلى الدّنيا ولا إلى الآخرة، قوموا فارجعوا إلى مواضعكم. فقاموا، فأمسك ابن عامر، فما نطق بلفظة. ذكره أبو نعيم. / الخانكاه الصّلاحيّة دار سعيد السّعداء دويرة الصّوفيّة [أثر رقم ٤٨٠] هذه الخانكاه بخطّ رحبة باب العيد من القاهرة، كانت أوّلا دارا تعرف في الدّولة الفاطمية بدار سعيد السّعداء - وهو الأستاذ قنبر، ويقال عنبر، وذكر ابن ميسّر أنّ اسمه بيان، ولقبه سعيد السّعداء - أحد الأستاذين المحنّكين خدّام القصر، عتيق الخليفة المستنصر. قتل في سابع شعبان سنة أربع وأربعين وخمس مائة، ورمي برأسه من القصر، ثم صلبت جثّته بباب زويلة من ناحية الخرق (١). وكانت هذه الدّار مقابل دار الوزارة، فلمّا كانت وزارة العادل رزّيك بن الصّالح طلائع ابن رزّيك سكنها، وفتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض ليمرّ فيه. ثم سكنها الوزير شاور ابن مجير في أيّام وزارته، ثم ابنه الكامل (٢). فلمّا استبدّ الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب ابن شاذي بملك مصر بعد موت الخليفة العاضد، وغيّر رسوم الدّولة الفاطميّة، ووضع من قصر الخلافة وأسكن فيه أمراء دولته الأكراد، عمل هذه الدّار برسم الفقراء الصّوفيّة الواردين من البلاد الشّاسعة، ووقفها عليهم في سنة تسع وستين وخمس مائة، وولّى عليهم شيخا، ووقف عليهم بستان الحبّانيّة بجوار بركة الفيل خارج القاهرة، وقيساريّة الشّرب بالقاهرة، وناحية دهمرو من البهنساوية (٣). وشرط أنّ من مات من الصّوفيّة وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء، ولا

стр. 3078

يتعرّض لها الدّيوان السّلطاني، ومن أراد منهم السّفر يعطى تسفيره. ورتّب للصّوفيّة في كلّ يوم طعاما ولحما وخبزا، وبنى لهم حمّاما بجوارهم (١). مخطّط خانقاه سعيد السّعداء (عن (Sylvie Denoix وكانت أوّل خانكاه عملت بديار مصر، وعرفت ب «دويرة الصّوفيّة» (٢)، ونعت شيخها

стр. 3079

ب «شيخ الشّيوخ»، (¬a) وما زال ينعت بذلك إلى أن بنى الناصر محمد بن قلاوون خانكاه سرياقوس فدعا شيخها بشيخ الشّيوخ (¬a) (١). واستمرّ ذلك بعده إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ سنة ستّ وثمان مائة، واتّضعت الأحوال، وتلاشت الرّتب، تلقّب (¬b) كلّ شيخ خانكاه ب «شيخ الشّيوخ». وكان سكّانها من الصّوفيّة يعرفون بالعلم والصّلاح، وترجى بركتهم. وولي مشيختها الأكابر والأعيان - كأولاد شيخ الشّيوخ ابن حمويه - مع ما كان لهم من الوزارة والإمارة، وتدبير الدّولة، وقيادة الجيوش، وتقدمة العساكر. ووليها ذو الرّياستين الوزير الصّاحب قاضي القضاة تقيّ الدّين عبد الرّحمن ابن ذي الرياستين الوزير الصّاحب قاضي القضاة تاج الدّين بن بنت الأعزّ (¬c) والشّيخ شمس الدّين الأيكي الصّوفي المشهور وغيرهما. وممّن تولاّها في عصرنا قاضي القضاة جلال الدّين جار اللّه الحنفي والشّيخ برهان الدّين إبراهيم الأبناسي الشّافعي والحافظ زين الدّين عبد الرّحيم العراقي وغيرهم. وممّن أقام بها ممّن شاهدناه من أهل الخير والصّلاح الشّيخ محمد العجمي المعروف ب «صائم الدّهر»، فإنّه أقام بها ما يقارب ثلاثين سنة وكان يصوم الدّهر ويفطر كلّ ليلة على حمّص مسلوق بلا زيت إلى أن توفي إلى رحمة اللّه تعالى. ومن مشايخ القرآن شيخنا فخر الدّين البلبيسي إمام الجامع الأزهر وغيره (¬c). ونزل بها الأكابر من الصّوفية. وأخبرني الشّيخ أحمد بن عليّ القصّار (٢) ﵀ أنّه أدرك الناس في يوم الجمعة يأتون من مصر إلى القاهرة، ليشاهدوا صوفيّة خانقاه سعيد السّعداء، عندما يتوجّهون منها إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكمي، كي تحصل لهم البركة والخير بمشاهدتهم. وكان لهم في يوم الجمعة هيئة فاضلة، وذلك أنّه يخرج شيخ الخانقاه منها، وبين يديه خدّام الرّبعة الشّريفة - قد حملت على رأس أكبرهم - والصّوفيّة مشاة بسكون وخفر إلى باب الجامع

стр. 3080

الحاكمي الذي يلي المنبر، فيدخلون إلى مقصورة كانت هناك على يسرة الدّاخل من الباب المذكور - تعرف بمقصورة البسملة، فإنّه بها إلى اليوم بسملة قد كتبت بحروف كبار - فيصلّي الشّيخ تحيّة المسجد تحت سحابة منصوبة له دائما، وتصلّي الجماعة. ثم يجلسون، وتفرّق عليهم أجزاء الرّبعة، فيقرأون القرآن حتى يؤذّن المؤذّنون، فتؤخذ الأجزاء منهم، ويشتغلون بالتّركّع واستماع الخطبة وهم منصتون خاشعون. فإذا قضيت الصّلاة والدّعاء بعدها، قام قارئ من قرّاء الخانقاه، ورفع صوته بقراءة ما تيسّر من القرآن، ودعا للسّلطان صلاح الدّين ولواقف الجامع ولسائر المسلمين. فإذا فرغ قام الشّيخ من مصلاّه، وسار من الجامع إلى الخانقاه والصّوفيّة معه كما كان توجّهم إلى الجامع؛ فيكون هذا من أجمل عوايد أهل (¬a) القاهرة. وما برح الأمر على ذلك إلى أن ولي الأمير يلبغا السّالمي نظر الخانقاه المذكورة في يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وسبع مائة، فنزل إليها وأخرج كتاب الوقف، وأراد العمل بما فيه من شرط الواقف؛ فقطع من الصّوفيّة المنزّلين بها عشرات ممّن له منصب ومن هو مشهور بمال، وزاد الفقراء المجرّدين - وهم المقيمون بها - في كلّ يوم رغيفا من الخبز، فصار لكلّ مجرّد أربعة أرغفة بعدما كانت ثلاثة، ورتّب بالخانقاه وظيفتي ذكر بعد صلاة العشاء الآخرة، وبعد صلاة الصّبح. فكثر النكير على السّالمي ممّن أخرجهم، وزاد الأشلاّء، فقال بعض أدباء العصر في ذلك: [الكامل] يا أهل خانقاه الصّلاح أراكم … ما بين شاك للزّمان وشاتم يكفيكم ما قد أكلتم باطلا … من وقفها وخرجتم بالسّالم وكان سبب ولاية السّالمي نظر الخانقاه المذكورة، أنّ العادة كانت قديما أنّ الشّيخ هو الذي يتحدّث في نظرها. فلمّا كانت أيّام الظّاهر برقوق ولي مشيختها شخص يعرف بالشّيخ محمد البلالي، قدم من البلاد الشّامية، وصار للأمير سودون الشّيخوني - نائب السّلطنة بديار مصر - فيه اعتقاد. فلمّا سعى له في المشيخة،/ واستقرّ فيها بتعيينه، سأله أن يتحدّث في النظر إعانة له، فتحدّث. وكانت عدّة الصّوفيّة بها نحو الثلاث مائة رجل: لكلّ منهم في اليوم ثلاثة أرغفة زنتها ثلاثة أرطال خبز، وقطعة لحم زنتها ثلث رطل في مرق، وتعمل لهم الحلوى في كلّ شهر، ويفرّق

стр. 3081

فيهم الصّابون، ويعطى كلّ منهم في السنة عن ثمن كسوة قدر أربعين درهما. فنزّل الأمير سودون عندهم جماعة كثيرة عجز ريع الوقف عن القيام لهم بجميع ما ذكر، فقطعت الحلوى والصّابون والكسوة. ثم إنّ ناحية دهمرو شرقت في سنة تسع وتسعين لقصور ماء النيل، فوقع العزم على غلق مطبخ الخانقاه وإبطال الطعام، فلم تحتمل الصّوفيّة ذلك، وتكرّرت شكواهم للملك الظّاهر برقوق، فولّى الأمير يلبغا السّالمي النظر، وأمره أن يعمل بشرط الواقف. فلمّا نزل إلى الخانقاه وتحدّث فيها، اجتمع بشيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني، وأوقفه على كتاب الوقف. فأفتاه بالعمل بشرط الواقف، وهو أنّ الخانقاه تكون وقفا على الطائفة الصّوفية الواردين من البلاد الشّاسعة والقاطنين بالقاهرة ومصر، فإن لم يوجدوا كانت على الفقراء من الفقهاء الشّافعية والمالكيّة الأشعريّة الاعتقاد. ثم إنّه جمع القضاة وشيخ الإسلام وسائر صوفيّة الخانقاه بها، وقرأ عليهم كتاب الوقف وسأل القضاة عن حكم اللّه فيه. فانتدب للكلام رجلان من الصّوفيّة هما زين الدّين أبو بكر القمني وشهاب الدّين أحمد العبّادي الحنفي، وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط. فأشار القضاة على السّالمي أن يعمل بشرط الواقف، وانصرفوا. فقطع منهم نحو الستين رجلا منهم المذكوران. فامتعض العبّادي، وغضب من ذلك، وشنّع بأنّ السّالمي قد كفر، وبسط لسانه بالقول فيه، وبدت منه سماجات، فقبض عليه السّالمي وهو ماش بالقاهرة، فاجتمع عدّة من الأعيان وفرّقوا بينهما، فبلغ ذلك السّلطان، فأحضر القضاة والفقهاء، وطلب العبّادي في يوم الخميس ثامن شهر رجب، وادّعى عليه السّالمي. فاقتضى الحال تعزيره، فعزّر وكشف رأسه، وأخرج من القلعة ماشيا بين يدي القضاة ووالي القاهرة إلى باب زويلة، فسجن بحبس الدّيلم، ثم نقل منه إلى حبس الرّحبة. فلمّا كان يوم السبت حادي عشره، استدعي إلى دار قاضي القضاة جمال الدّين محمود القيصري الحنفي، وضرب بحضرة الأمير علاء الدّين عليّ بن الطبلاوي، والي القاهرة، نحو الأربعين ضربة بالعصا تحت رجليه. ثم أعيد إلى الحبس، وأفرج عنه في ثامن عشره بشفاعة شيخ الإسلام فيه. ولمّا جدّد الأمير يلبغا السّالمي الجامع الأقمر، وعمل له منبرا، وأقيمت به الجمعة في شهر ربيع

стр. 3082

الأوّل سنة إحدى وثمان مائة (١). ألزم الشّيخ بالخانقاه والصّوفيّة أن يصلّوا الجمعة به. فصاروا يصلّون الجمعة فيه إلى أن زالت أيّام السّالمي، فتركوا الاجتماع بالجامع الأقمر، ولم يعودوا إلى ما كانوا عليه من الاجتماع بالجامع الحاكمي، ونسي ذلك. ولم يكن بهذه الخانقاه مئذنة، والذي بنى هذه المئذنة شيخ ولي مشيختها في سنة بضع وثمانين وسبع مائة، يعرف بشهاب الدّين أحمد الأنصاري. وكان الناس يمرّون في صحن الخانقاه بنعالهم، فجدّد شخص من الصّوفيّة بها - يعرف بشهاب الدّين أحمد العثماني - هذا الدّرابزين، وغرس فيه هذه الأشجار، وجعل عليها وقفا لمن يتعاهدها بالخدمة. الخانقاه الرّكنيّة بيبرس (¬a) [أثر رقم ٣٦] هذه الخانقاه من جملة دار الوزارة الكبرى، التي تقدّم ذكرها عند ذكر القصر من هذا الكتاب (٢)، وهي أجلّ خانقاه بالقاهرة بنيانا وأوسعها مقدارا وأتقنها صنعة. بناها الملك المظفّر ركن الدّين بيبرس الجاشنكير المنصوري قبل أن يلي السّلطنة وهو أمير، فبدأ في بنائها في سنة ستّ وسبع مائة، وبنى بجانبها رباطا كبيرا يتوصّل إليه من داخلها، (¬b) ومن باب آخر يسلك إليه من الزّقاق المقابل لخانقاه سعيد السّعداء (¬b)، وجعل بجانب الخانقاه قبّة بها قبره. ولهذه القبّة شبابيك تشرف على الشّارع المسلوك فيه من رحبة باب العيد إلى باب النصر. من جملتها الشّبّاك الكبير الذي حمله الأمير أبو الحارث البساسيري من بغداد لمّا غلب الخليفة القائم العبّاسي، وأرسل بعمامته وشبّاكه الذي كان بدار الخلافة في بغداد وتجلس الخلفاء فيه، وهو هذا الشّبّاك - كما ذكر في أخبار دار الوزارة من هذا الكتاب (٢) - فلمّا ورد هذا الشّبّاك من بغداد، عمل بدار الوزارة، واستمرّ فيها إلى أن عمّر الأمير بيبرس الخانقاه المذكورة، فجعل هذا الشّبّاك بقبّة الخانقاه، وهو بها إلى يومنا هذا، وإنّه لشبّاك جليل القدر حشم، يكاد تتبيّن عليه أبّهة الخلافة (٣).

стр. 3083

مخطّط الخانقاه الرّكبيّة بيبرس (عن (Creswell ولمّا شرع في بنائها رفق بالناس ولا طفهم، ولم يعسف فيها أحدا في بنائها، ولا أكره صانعا، ولا غصب من آلاتها شيئا، وإنّما اشترى دار الأمير عزّ الدّين الأفرم التي كانت بمدينة مصر، واشترى دار الوزير هبة اللّه بن صاعد الفائزي، وأخذ ما كان فيهما من الأنقاض، واشترى أيضا

стр. 3084

دار الأنماط التي كانت برأس حارة الجوذريّة من القاهرة ونقضها وما حولها، واشترى أملاكا كانت قد/ بنيت في أرض دار الوزارة من ملاّكها بغير إكراه وهدمها. فكان قياس أرض الخانقاه والرّباط والقبّة نحو فدّان وثلث. وعندما شرع في بنائها حضر إليه الأمير ناصر الدّين محمد ابن الأمير بكتاش الفخري أمير سلاح، وأراد التّقرّب لخاطره وعرّفه أنّ بالقصر الذي فيه سكن أبيه مغارة تحت الأرض كبيرة، يذكر أنّ فيها ذخيرة من ذخائر الخلفاء الفاطميين، وأنّهم لمّا فتحوها لم يجدوا بها سوى رخام كثير، فسدّوها ولم يتعرّضوا لشيء ممّا فيها. فسرّ بذلك، وبعث عدّة من الأمراء فتحوا المكان، فإذا فيه رخام جليل القدر عظيم الهيئة، فيه ما لا يوجد مثله لعظمه، فنقله من المغارة، ورخّم منه الخانقاه والقبّة وداره التي بالقرب من البندقانيين وحارة زويلة، وفضل منه شيء كثير عهدي أنّه مختزن بالخانقاه، وأظنّه أنّه باق هناك. ولمّا كملت في سنة تسع وسبع مائة (١)، قرّر بالخانقاه أربع مائة صوفي، وبالرّباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت، وجعل بها مطبخا يفرّق على كلّ منهم في كلّ يوم اللحم والطعام وثلاثة أرغفة من خبز البرّ، وجعل لهم الحلوى، ورتّب بالقبّة درسا للحديث النبويّ له مدرّس وعنده عدّة من المحدّثين، ورتّب القرّاء بالشّبّاك الكبير يتناوبون القراءة فيه ليلا ونهارا، ووقف عليها عدّة ضياع بدمشق وحماة، ومنية المخلص بالجيزة من أرض مصر، وبالصّعيد والوجه البحري، والرّبع والقيساريّة بالقاهرة (٢).

стр. 3085

الواجهة الفخمة للخانكاه الرّكنيّة بيبرس ومدخلها التّذكاري
следующие страницы →