← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

فيهم الصّابون، ويعطى كلّ منهم في السنة عن ثمن كسوة قدر أربعين درهما. فنزّل الأمير سودون عندهم جماعة كثيرة عجز ريع الوقف عن القيام لهم بجميع ما ذكر، فقطعت الحلوى والصّابون والكسوة. ثم إنّ ناحية دهمرو شرقت في سنة تسع وتسعين لقصور ماء النيل، فوقع العزم على غلق مطبخ الخانقاه وإبطال الطعام، فلم تحتمل الصّوفيّة ذلك، وتكرّرت شكواهم للملك الظّاهر برقوق، فولّى الأمير يلبغا السّالمي النظر، وأمره أن يعمل بشرط الواقف. فلمّا نزل إلى الخانقاه وتحدّث فيها، اجتمع بشيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني، وأوقفه على كتاب الوقف. فأفتاه بالعمل بشرط الواقف، وهو أنّ الخانقاه تكون وقفا على الطائفة الصّوفية الواردين من البلاد الشّاسعة والقاطنين بالقاهرة ومصر، فإن لم يوجدوا كانت على الفقراء من الفقهاء الشّافعية والمالكيّة الأشعريّة الاعتقاد. ثم إنّه جمع القضاة وشيخ الإسلام وسائر صوفيّة الخانقاه بها، وقرأ عليهم كتاب الوقف وسأل القضاة عن حكم اللّه فيه. فانتدب للكلام رجلان من الصّوفيّة هما زين الدّين أبو بكر القمني وشهاب الدّين أحمد العبّادي الحنفي، وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط. فأشار القضاة على السّالمي أن يعمل بشرط الواقف، وانصرفوا. فقطع منهم نحو الستين رجلا منهم المذكوران. فامتعض العبّادي، وغضب من ذلك، وشنّع بأنّ السّالمي قد كفر، وبسط لسانه بالقول فيه، وبدت منه سماجات، فقبض عليه السّالمي وهو ماش بالقاهرة، فاجتمع عدّة من الأعيان وفرّقوا بينهما، فبلغ ذلك السّلطان، فأحضر القضاة والفقهاء، وطلب العبّادي في يوم الخميس ثامن شهر رجب، وادّعى عليه السّالمي. فاقتضى الحال تعزيره، فعزّر وكشف رأسه، وأخرج من القلعة ماشيا بين يدي القضاة ووالي القاهرة إلى باب زويلة، فسجن بحبس الدّيلم، ثم نقل منه إلى حبس الرّحبة. فلمّا كان يوم السبت حادي عشره، استدعي إلى دار قاضي القضاة جمال الدّين محمود القيصري الحنفي، وضرب بحضرة الأمير علاء الدّين عليّ بن الطبلاوي، والي القاهرة، نحو الأربعين ضربة بالعصا تحت رجليه. ثم أعيد إلى الحبس، وأفرج عنه في ثامن عشره بشفاعة شيخ الإسلام فيه. ولمّا جدّد الأمير يلبغا السّالمي الجامع الأقمر، وعمل له منبرا، وأقيمت به الجمعة في شهر ربيع

стр. 3082

الأوّل سنة إحدى وثمان مائة (١). ألزم الشّيخ بالخانقاه والصّوفيّة أن يصلّوا الجمعة به. فصاروا يصلّون الجمعة فيه إلى أن زالت أيّام السّالمي، فتركوا الاجتماع بالجامع الأقمر، ولم يعودوا إلى ما كانوا عليه من الاجتماع بالجامع الحاكمي، ونسي ذلك. ولم يكن بهذه الخانقاه مئذنة، والذي بنى هذه المئذنة شيخ ولي مشيختها في سنة بضع وثمانين وسبع مائة، يعرف بشهاب الدّين أحمد الأنصاري. وكان الناس يمرّون في صحن الخانقاه بنعالهم، فجدّد شخص من الصّوفيّة بها - يعرف بشهاب الدّين أحمد العثماني - هذا الدّرابزين، وغرس فيه هذه الأشجار، وجعل عليها وقفا لمن يتعاهدها بالخدمة. الخانقاه الرّكنيّة بيبرس (¬a) [أثر رقم ٣٦] هذه الخانقاه من جملة دار الوزارة الكبرى، التي تقدّم ذكرها عند ذكر القصر من هذا الكتاب (٢)، وهي أجلّ خانقاه بالقاهرة بنيانا وأوسعها مقدارا وأتقنها صنعة. بناها الملك المظفّر ركن الدّين بيبرس الجاشنكير المنصوري قبل أن يلي السّلطنة وهو أمير، فبدأ في بنائها في سنة ستّ وسبع مائة، وبنى بجانبها رباطا كبيرا يتوصّل إليه من داخلها، (¬b) ومن باب آخر يسلك إليه من الزّقاق المقابل لخانقاه سعيد السّعداء (¬b)، وجعل بجانب الخانقاه قبّة بها قبره. ولهذه القبّة شبابيك تشرف على الشّارع المسلوك فيه من رحبة باب العيد إلى باب النصر. من جملتها الشّبّاك الكبير الذي حمله الأمير أبو الحارث البساسيري من بغداد لمّا غلب الخليفة القائم العبّاسي، وأرسل بعمامته وشبّاكه الذي كان بدار الخلافة في بغداد وتجلس الخلفاء فيه، وهو هذا الشّبّاك - كما ذكر في أخبار دار الوزارة من هذا الكتاب (٢) - فلمّا ورد هذا الشّبّاك من بغداد، عمل بدار الوزارة، واستمرّ فيها إلى أن عمّر الأمير بيبرس الخانقاه المذكورة، فجعل هذا الشّبّاك بقبّة الخانقاه، وهو بها إلى يومنا هذا، وإنّه لشبّاك جليل القدر حشم، يكاد تتبيّن عليه أبّهة الخلافة (٣).

стр. 3083

مخطّط الخانقاه الرّكبيّة بيبرس (عن (Creswell ولمّا شرع في بنائها رفق بالناس ولا طفهم، ولم يعسف فيها أحدا في بنائها، ولا أكره صانعا، ولا غصب من آلاتها شيئا، وإنّما اشترى دار الأمير عزّ الدّين الأفرم التي كانت بمدينة مصر، واشترى دار الوزير هبة اللّه بن صاعد الفائزي، وأخذ ما كان فيهما من الأنقاض، واشترى أيضا

стр. 3084

دار الأنماط التي كانت برأس حارة الجوذريّة من القاهرة ونقضها وما حولها، واشترى أملاكا كانت قد/ بنيت في أرض دار الوزارة من ملاّكها بغير إكراه وهدمها. فكان قياس أرض الخانقاه والرّباط والقبّة نحو فدّان وثلث. وعندما شرع في بنائها حضر إليه الأمير ناصر الدّين محمد ابن الأمير بكتاش الفخري أمير سلاح، وأراد التّقرّب لخاطره وعرّفه أنّ بالقصر الذي فيه سكن أبيه مغارة تحت الأرض كبيرة، يذكر أنّ فيها ذخيرة من ذخائر الخلفاء الفاطميين، وأنّهم لمّا فتحوها لم يجدوا بها سوى رخام كثير، فسدّوها ولم يتعرّضوا لشيء ممّا فيها. فسرّ بذلك، وبعث عدّة من الأمراء فتحوا المكان، فإذا فيه رخام جليل القدر عظيم الهيئة، فيه ما لا يوجد مثله لعظمه، فنقله من المغارة، ورخّم منه الخانقاه والقبّة وداره التي بالقرب من البندقانيين وحارة زويلة، وفضل منه شيء كثير عهدي أنّه مختزن بالخانقاه، وأظنّه أنّه باق هناك. ولمّا كملت في سنة تسع وسبع مائة (١)، قرّر بالخانقاه أربع مائة صوفي، وبالرّباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت، وجعل بها مطبخا يفرّق على كلّ منهم في كلّ يوم اللحم والطعام وثلاثة أرغفة من خبز البرّ، وجعل لهم الحلوى، ورتّب بالقبّة درسا للحديث النبويّ له مدرّس وعنده عدّة من المحدّثين، ورتّب القرّاء بالشّبّاك الكبير يتناوبون القراءة فيه ليلا ونهارا، ووقف عليها عدّة ضياع بدمشق وحماة، ومنية المخلص بالجيزة من أرض مصر، وبالصّعيد والوجه البحري، والرّبع والقيساريّة بالقاهرة (٢).

стр. 3085

الواجهة الفخمة للخانكاه الرّكنيّة بيبرس ومدخلها التّذكاري

стр. 3086

جانب آخر لواجهة الخانكاه الرّكنيّة بيبرس وشريط الكتابة الموجود عليها

стр. 3087

باب الخانكاه الرّكنيّة بيبرس مئذنة الخانكاه الرّكنيّة بيبرس

стр. 3088

فلمّا خلع من السّلطنة وقبض عليه الملك الناصر محمد بن قلاوون وقتله، أمر بغلقها فغلّقت، وأخذ سائر ما كان موقوفا عليها، ومحا اسمه من الطراز الذي بظاهرها فوق الشّبابيك، وأقامت نحو عشرين سنة معطّلة. ثم إنّه أمر بفتحها في أوّل سنة ستّ وعشرين وسبع مائة ففتحت، وأعاد إليها ما كان موقوفا عليها. واستمرّت إلى أن شرقت أراضي مصر لقصور مدّ النيل أيّام الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة ستّ وسبعين وسبع مائة، فبطل طعامها، وتعطّل مطبخها، واستمرّ الخبز ومبلغ سبعة دراهم لكلّ واحد في الشهر بدل الطعام، ثم صار لكلّ واحد منهم في الشهر عشرة دراهم. فلمّا قصر مدّ النيل في سنة ستّ وتسعين وسبع مائة بطل الخبز أيضا، وغلّق المخبز من الخانقاه، وصار الصّوفيّة يأخذون في كلّ شهر مبلغا من الفلوس معاملة القاهرة، وهم على ذلك إلى اليوم. وقد أدركتها ولا يمكّن بوّابها غير أهلها من العبور إليها والصّلاة فيها لما لها في النفوس من المهابة، ويمنع الناس من دخولها حتى الفقهاء والأجناد، وكان لا ينزل بها أمرد، وفيها جماعة من أهل العلم والخير. وقد ذهب ما هنالك، فنزل بها اليوم عدّة من الصّغار ومن الأساكفة وغيرهم من العامّة، إلاّ أنّ أوقافها عامرة، وأرزاقها دارّة بحسب نقود مصر. (¬a) وممّن ولي مشيختها في عصرنا الشّيخ ضياء الدّين عبيد اللّه القرمي الشّافعي، وقاضي القضاة ولي الدّين بن خلدون المغربي المالكي، والشّريف النسّابة وغيرهم (¬a). ومن حسن بناء هذه الخانقاه [أنّه] لم يحتج فيها إلى مرمّة منذ بنيت إلى وقتنا هذا. وهي مبنية بالحجر، وكلّها عقود محكمة بدل السّقوف الخشب، وقد سمعت غير واحد يقول: إنّه لم تبن خانقاه أحسن من بنائها.

стр. 3089

بيبرس الجاشنكير الملك المظفّر ركن الدّين بيبرس الجاشنكير المنصوري (١) - اشتراه الملك المنصور قلاوون صغيرا، ورقّاه في الخدم السّلطانية إلى أن جعله أحد الأمراء، وأقامة جاشنكيرا، وعرف بالشّجاعة. فلمّا مات الملك المنصور، خدم ابنه الملك الأشرف خليلا إلى أن قتله الأمير بيدرا بناحية ترّوجة. فكان أوّل من ركب على بيدرا في طلب ثأر الملك الأشرف، وكان مهابا بين خشداشيته، فركبوا معه، وكان من نصرتهم على بيدرا وقتله ما قد ذكر في موضعه. فاشتهر ذكره، وصار أستادّار السّلطان في أيّام الملك الناصر محمد بن قلاوون في سلطنته الثانية، رفيقا للأمير سلار نائب السّلطنة، وبه قويت الطائفة البرجيّة من المماليك، واشتدّ بأسهم، وصار الملك الناصر تحت حجر بيبرس وسلار إلى أن أنف من ذلك، وصار إلى الكرك. فأقيم بيبرس في السّلطنة يوم السبت ثالث عشرين شوّال سنة ثمان وسبع مائة؛ فاستضعف جانبه، وانحطّ قدره، ونقصت مهابته، وتغلّب عليه الأمراء والمماليك، واضطّربت أمور المملكة لمكان الأمير سلار، وكثرة حاشيته، وميل القلوب إلى الملك الناصر. وفي أيّامه عمل الجسر من قليوب إلى مدينة دمياط، وهو مسيرة يومين طولا في عرض أربع قصبات من أعلاه وستّ قصبات من أسفله، حتى إنه كان يسير عليه ستّة من الفرسان معا بحذاء بعضهم بعضا (¬a). وأبطل سائر الخمّارات من السّواحل وغيرها من بلاد الشّام، وسامح بما كان من المقرّر عليها للسّلطان، وعوّض الأجناد بدله، وكبست أماكن الرّيب والفواحش بالقاهرة ومصر، وأريقت الخمور، وضرب أناس كثير في ذلك بالمقارع، وتتبّع أماكن الفساد، وبالغ في إزالته، ولم يراع في ذلك أحدا من الكتّاب ولا من الأمراء. فخفّ المنكر، وخفي الفساد. إلاّ أنّ اللّه أراد

стр. 3090

زوال دولته، فسوّلت له نفسه أن بعث إلى الملك الناصر بالكرك يطلب منه ما خرج به معه من الخيل والمماليك، وحمّل الرّسول إليه بذلك مشافهة أغلظ عليه فيها. فحنق من ذلك، وكاتب نوّاب الشّام وأمراء مصر في السّرّ يشكو ما حلّ به، وترفّق بهم وتلطف بهم/ فرقّوا له، وامتعضوا لما به. ونزل الناصر من الكرك، وبرز عنها، فاضطرب الأمر بمصر، واختلّ الحال من بيبرس، وأخذ العسكر يسير من مصر إلى الناصر شيئا بعد شيء، وسار الناصر من ظاهر الكرك يريد دمشق في غرّة شعبان سنة تسع وسبع مائة. فعندما نزل الكسوة، خرج الأمراء وعامّة أهل دمشق إلى لقائه ومعهم شعار السّلطنة، ودخلوا به إلى المدينة - وقد فرحوا به فرحا كثيرا - في ثاني عشر شعبان، ونزل بالقلعة، وكاتب النوّاب، فقدموا عليه، وصارت ممالك الشّام كلّها تحت طاعته، يخطب له بها، ويجبى إليه مالها. ثم خرج من دمشق بالعساكر يريد مصر، وأمر بيبرس كلّ يوم في نقص، إلى أن كان يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان فترك بيبرس المملكة، ونزل من قلعة الجبل ومعه خواصّه إلى جهة باب القرافة، والعامّة تصيح عليه وتسبّه، وترجمه بالحجارة - عصبيّة للملك الناصر، وحبّا له - حتى سار عن القرافة. ودعا الحرس بالقلعة في يوم الأربعاء للملك الناصر، فكانت مدّة سلطنة بيبرس عشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما. وقدم الملك الناصر إلى قلعة الجبل أوّل يوم من شوّال وجلس على تخت المملكة، واستولى على السّلطنة مرّة ثالثة. ونزل بيبرس بإطفيح، ثم صار منها إلى إخميم، فلمّا صار بها تفرّق عنه من كان معه من الأمراء والمماليك، فصاروا إلى الملك الناصر، فتوجّه في نفر يسير على طريق السويس يريد بلاد الشّام، فقبض عليه شرقي غزّة، وحمل مقيّدا إلى الملك الناصر. فوصل قلعة الجبل يوم الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة، وأوقف بين يدي السّلطان، وقبّل الأرض، فعنّفه، وعدّد عليه ذنوبا ووبّخه، ثم أمر به فسجن في موضع إلى ليلة الجمعة خامس عشره، وفيها لحق بربّه تعالى، فحمل إلى القرافة ودفن في تربة الفارس أقطاي (١)، ثم نقل منها بعد مدّة إلى تربته بسفح المقطّم فقبر بها زمانا طويلا، ثم نقل منها ثالث مرّة إلى خانقاهه ودفن بقبّتها، وقبره هناك إلى يومنا هذا. وأدركت بالخانقاه المذكورة شيخا من صوفيّتها أخبرني أنّه حضر نقله من تربته بالقرافة إلى قبّة الخانقاه، وأنّه تولّى وضعه في مدفنه بنفسه.

стр. 3091

وكان ﵀ خيّرا عفيفا، كثير الحياء، وافر الحرمة، جليل القدر، عظيما في النفوس، مهاب السّطوة في أيّام إمرته، فلما تلقّب بالسّلطنة ووسم باسم الملك، اتّضع قدره، واستضعف جانبه، وطمع فيه، وتغلّب عليه الأمراء والمماليك، ولم تنجح مقاصده، ولا سعد في شيء من تدبيره إلى أن انقضت أيّامه، وأناخ به حمامه، غفر اللّه ذنوبه (¬a). الخانقاه الجماليّة [أثر رقم ٢٦] هذه الخانقاه بالقرب من درب راشد يسلك إليها من رحبة باب العيد، بناها الأمير الوزير (¬b) علاء الدين (¬b) مغلطاي الجمالي في سنة ثلاثين (¬c) وسبع مائة. وقد تقدّم ذكرها عند ذكر المدارس من هذا الكتاب (١). الخانقاه الظّاهريّة المستجدّة [أثر رقم ١٨٧] هذه الخانقاه بخطّ بين القصرين، فيما بين المدرسة الناصريّة ودار الحديث الكامليّة، أنشأها الملك الظّاهر برقوق في سنة ستّ وثمانين وسبع مائة. وقد ذكرت عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب (٢). (¬d) وأنّ السّلطان الملك الظّاهر سيف الدّين برقوق جعلها جامعا ومدرسة وخانقاه، ورتّب بها صوفية وأقرّ لهم بها الرّواتب الواسعة من الخبز والطعام والحلوى والزّيت والصّابون والكسوة والمعلوم من الدّراهم في كلّ شهر خارجا عن ذلك، فصارت تضاهي خانقاه الأمير شيخو، ﵀ (¬d).

стр. 3092

الخانقاه الشّرابشيّة هذه الخانقاه فيما بين الجامع الأقمر وحارة برجوان، في آخر المنحر الذي كان للخلفاء (١)، وهو يعرف اليوم بالدّرب الأصفر (٢)، ويتوصّل منها إلى الدّرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، وبابها الأصلي من زقاق ضيّق بوسط سوق حارة برجوان (¬a) (٣). أنشأها الصّدر الأجلّ نور الدّين عليّ ابن محمد بن محاسن الشّرابشي، وكان من ذوي الغنى واليسار، صاحب ثراء متّسع، وله عدّة أوقاف على جهات البرّ والقربات، ومات في (¬b). الخانقاه المهمنداريّة [أثر رقم ١١٥] هذه الخانقاه خارج باب زويلة فيما بين رأس (¬c) اليانسيّة وجامع المارديني (¬d). بناها الأمير شهاب الدّين أحمد بن آقوش العزيزي، المهمندار ونقيب الجيوش، في سنة خمس وعشرين وسبع مائة. وقد ذكرت في المدارس من هذا الكتاب (٤).

стр. 3093

أطلال الخانكاه الظّاهريّة المستجدّة

стр. 3094

خانقاه بشتاك / هذه الخانقاه خارج القاهرة على جانب الخليج من البرّ الشّرقي (١)، تجاه جامع بشتاك (¬a) مطلّة على الخليج الكبير (¬a) (٢). أنشأها الأمير سيف الدّين بشتاك الناصري (٣)، وكان فتحها أوّل يوم من ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين وسبع مائة، واستقرّ في مشيختها شهاب الدّين (¬b) القدسي، وتقرّر عنده عدّة من الصّوفيّة، وأجرى لهم الخبز والطعام في كلّ يوم. فاستمرّ ذلك مدّة ثم بطل، وصار يصرف لأربابها عوضا عن ذلك في كلّ شهر مبلغ، وهي عامرة إلى وقتنا هذا. وقد نسب إليها جماعة منهم الشّيخ الأديب البارع بدر الدّين محمد بن إبراهيم، المعروف بالبدر البشتكي. خانقاه ابن غراب [أثر رقم ٣١٢] هذه الخانقاه خارج القاهرة على الخليج الكبير من برّه الشّرقي، بجوار جامع بشتاك من غربيه (٤). أنشأها القاضي الأمير سعد الدّين إبراهيم بن عبد الرّزّاق بن غراب الإسكندراني

стр. 3095

ناظر الخاصّ وناظر الجيوش وأستادّار السّلطان وكاتب السّرّ وأحد أمراء الألوف الأكابر (١). أسلم جدّه غراب، وباشر بالإسكندرية حتى ولي نظر الثّغر، ونشأ ابنه عبد الرّزّاق هناك، فولي أيضا نظر الإسكندرية، وولد له ماجد وإبراهيم. فلمّا تحكّم الأمير جمال الدّين محمود بن عليّ في الأموال أيّام الملك الظّاهر برقوق، اختصّ بإبراهيم، وحمله إلى القاهرة وهو صبي، واعتنى به، واستكتبه في خاصّ أمواله حتى عرفها. فتنكّر محمود عليه لأمر بدا منه في ماله، وهمّ به، فبادر إلى الأمير علاء الدّين عليّ بن الطبلاوي، وترامى عليه - وهو يومئذ قد نافس محمودا - فأوصله بالسّلطان، وأمكنه من سماع كلامه، فملأ أذنه بذكر أموال محمود، ووغر صدره عليه حتى نكبه، واستصفى أمواله كما ذكر في خبره عند ذكر مدرسة محمود من هذا الكتاب (٢).

стр. 3096

مخطّط خانقاه ابن غراب (عن صالح لمعي) وولي ابن غراب نظر الدّيوان المفرد في حادي عشر صفر سنة ثمان وتسعين وسبع مائة وعمره عشرون سنة أو نحوها - وهي أوّل وظيفة وليها - فاختصّ بابن الطبلاوي ولازمه وملأ عينه بكثرة المال. فتحدّث له في وظيفة نظر الخاصّ، عوضا عن سعد الدّين أبي الفرج بن تاج الدّين موسى، فوليها في تاسع عشر ذي القعدة، وغصّ بمكان ابن الطبلاوي، فعمل عليه عند السّلطان حتى غيّره عليه، وولاّه أمره، فقبض عليه في داره وعلى سائر أسبابه في شعبان في سنة ثمان مائة. ثم أضيف إليه نظر الجيوش، عوضا عن شرف الدّين محمد الدّماميني في تاسع ذي القعدة سنة ثمان مائة، فعفّ عن تناول الرّسوم وأظهر من الفخر والحشمة والمكارم أمرا كبيرا. وقدّر اللّه موت السّلطان في شوّال سنة إحدى وثمان مائة، بعد ما جعله من جملة أوصيائه، فباطن الأمير يشبك الخازندار على إزالة الأمير الكبير أيتمش القائم بدولة الناصر فرج بن برقوق، وعمل لذلك أعمالا، حتى كانت الحرب - بعد موت السّلطان الملك الظّاهر - بين الأمير أيتمش وبين الأمير يشبك، في ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمان مائة، التي انهزم فيها أيتمش وعدّة من الأمراء إلى الشّام.

стр. 3097

واجهة خانقاه ابن غراب قبل التّرميم وبعده

стр. 3098

وتحكّم الأمير يشبك، فاستدعى عند ذلك ابن غراب أخاه فخر الدّين ماجدا من الإسكندرية، وهو يلي نظرها، إلى قلعة الجبل، وفوّضت إليه وزارة الملك الناصر فرج بن برقوق، فقاما بسائر أمور الدّولة إلى أن ولي الأمير يلبغا السّالمي الأستادّارية، فسلك معه عادته من المنافسة، وسعى به عند الأمير يشبك حتى قبض عليه، وتقلّد وظيفة الأستادّارية عوضا عن السّالمي، في رابع عشر رجب سنة ثلاث وثمان مائة، مضافا إلى نظر الخاصّ ونظر الجيوش. فلم يغيّر زيّ الكتّاب، وصار له ديوان كدواوين الأمراء، ودقّت الطبول على بابه، وخاطبه الناس وكاتبوه بالأمير، وسار في ذلك سيرة ملوكية من كثرة العطاء، وزيادة الأسمطة، والاتّساع في الأمور، والازدياد من المماليك والخيول، والاستكثار من الخول والحواشي حتى لم يكن أحد يضاهيه في شيء من أحواله. إلى أن تنازع الأميران جكم وسودون طاز مع الأمير يشبك، فكان هو المتولّي كبر تلك الحروب. ثم إنّه خرج من القاهرة مغاضبا لأمراء الدّولة، وصار إلى ناحية ترّوجة يريد جمع العربان ومحاربة الدّولة، فلم يتمّ له ذلك وعاد، فدخل القاهرة على حين غفلة، فنزل عند جمال الدّين يوسف الأستادّار، فقام بإصلاح أمره مع الأمراء حتى حصل له الغرض، فظهر واستولى على ما كان عليه، إلى أن تنكّرت رجال الدّولة على الملك الناصر فرج، فقام مع الأمير يشبك بحرب السّلطان إلى أن انهزم الأمير يشبك بأصحابه إلى الشّام، فخرج معه في سنة تسع وثمان مائة، وأمدّه ومن معه بالأموال العظيمة حتى صاروا عند الأمير شيخ نائب الشّام، واستنفر العساكر لقتال الملك الناصر، وحرّضهم على المسير إلى حربه وخرج من دمشق مع العساكر يريد القاهرة؛ فكان من وقعة السّعيدية ما كان، على ما هو مذكور في خبر الملك الناصر، عند ذكر «الخانقاه الناصريّة» من هذا الكتاب (١). فاختفى الأمير يشبك وطائفة من الأمراء بالقاهرة، ولحق ابن غراب

стр. 3099

المدخل التّذكاري لخانقاه ابن غراب محراب خانقاه ابن غراب قبل التّرميم وبعده

стр. 3100

بالأمير إينال باي بن قجماس - وهو يومئذ كبير الأمراء/ الناصريّة - وملأ عينه بالمال. فتوسّط له مع الملك الناصر حتى أمّنه، وأصبح في داره وجميع الناس على بابه. ثم تقلّد وظيفة نظر الجيوش، واختصّ بالسّلطان، وما زال به حتى استرضاه على الأمير يشبك ومن معه من الأمراء، وظهروا من الاستتار، وصاروا بقلعة الجبل، فخلع عليهم السّلطان وأمّرهم، وصاروا إلى دورهم. فثقل على ابن غراب مكان فتح الدّين فتح اللّه كاتب السّرّ، فسعى به حتى قبض عليه وولي مكانه كتابة السّرّ ليتمكّن من أغراضه. فلمّا استقرّ في كتابة السّرّ أخذ في نقض دولة الناصر، إلى أن تمّ له مراده فصارت الدّولة كلّها على الناصر، فخلا به، وخيّله وحسّن له الفرار فانقاد له، وترامى عليه، فأعدّ له رجلين أحدهما من مماليكه ومعهما فرسان، ووقفا بهما وراء القلعة. وخرج الناصر وقت القائلة ومعه مملوك من مماليكه يقال له بيغوت وركبا الفرسين، وسارا إلى ناحية طرا، ثم عادا مع قاصدي ابن غراب في مركب من المراكب النيلية ليلا إلى دار ابن غراب، ونزلا عنده، وقد خفي ذلك على جميع أهل الدّولة.

стр. 3101

وقام ابن غراب بتولية عبد العزيز بن برقوق، وأجلسه على تخت الملك عشاء، ولقّبه ب «الملك المنصور»، ودبّر الدّولة كما أحبّ مدّة سبعين يوما، إلى أن أحسّ من الأمراء بتغيّر، فأخرج الناصر ليلا، وجمع عليه عدّة من الأمراء والمماليك، وركب معه بلأمة الحرب إلى القلعة. فلم يلبث أصحاب المنصور وانهزموا، ودخل الناصر إلى القلعة واستولى على المملكة ثانيا، فألقى مقاليد الدّولة إلى ابن غراب وفوّض إليه ما وراء سريره، ونظمه في خاصّته وجعله من أكابر الأمراء، وناط به جميع الأمور (١). فأصبح مولى نعمة كلّ من السّلطان والأمراء، يمنّ عليهم بأنّه أبقى لهم مهجهم، وأعاد إليهم سائر ما كانوا قد سلبوه من ملكهم، وأمدّهم بماله وقت حاجتهم وفاقتهم إليه، ويفخر ويتكثّر بأنّه أقام دولة وأزال دولة، ثم أزال ما أقام وأقام ما أزال، من غير حاجة ولا ضرورة ألجأته إلى شيء من ذلك، وأنّه لو شاء أخذ الملك لنفسه. وترك كتابة السّرّ لغلامه وأحد كتّابه فخر الدّين بن المزوّق، ترفّعا عنها واحتقارا لها، ولبس هيئة الأمراء - وهي الكلّوتة والقباء - وشدّ السّيف في وسطه، وتحوّل من داره التي على بركة الفيل إلى دار بعض الأمراء بحدرة البقر. فغاضبه القضاة، وكان عند الانتهاء الانحطاط. ونزل به مرض الموت، فنال في مرضه من السّعادة ما لم يسمع بمثله لأحد من أبناء جنسه، وصار الأمير يشبك ومن دونه من الأمراء يتردّدون إليه، وأكثرهم إذا دخل عليه وقف قائما على قدميه حتى ينصرف، إلى أن مات يوم الخميس تاسع عشر شهر رمضان سنة ثمان وثمان مائة، ولم يبلغ ثلاثين سنة. وكانت جنازته أحد الأمور العجيبة بمصر، لكثرة من شهدها من الأمراء والأعيان وسائر أرباب الوظائف، بحيث استأجر الناس السّقائف والحوانيت لمشاهدتها، ونزل السّلطان للصّلاة عليه وصعد إلى القلعة، فدفن خارج باب المحروق (٢). وكان من أحسن الناس شكلا، وأحلاهم منظرا، وأكرمهم يدا، مع تديّن وتعفّف عن القاذورات، وبسط يد بالصّدقات، إلاّ أنّه كان غدّارا، لا يتوانى عن طلب عدوّه، ولا يرضى

стр. 3102

من نكبته بدون إتلاف النفس. فكم ناطح كبشا، وثلّ عرشا، وعالج جبالا شامخة، واقتلع دولا من أصولها الرّاسخة. وهو أحد من قام بتخريب إقليم مصر، فإنّه ما زال يرفع سعر الذّهب حتى بلغ كلّ دينار إلى مائتي درهم وخمسين درهما من الفلوس، بعد ما كان بنحو خمسة وعشرين درهما، ففسدت بذلك معاملة الإقليم، وقلّت أمواله، وغلت أسعار المبيعات، وساءت أحوال الناس؛ إلى أن زالت البهجة، وانطوى بساط الرّقّة، وكاد الإقليم يدمّر - كما ذكر ذلك عند ذكر الأسباب التي نشأ عنها خراب مصر من هذا الكتاب (١) - عفا اللّه عنه وسامحه، فلقد قام بمواراة آلاف من الناس الذين هلكوا في زمان المحنة سنة ستّ وسنة سبع وثمان مائة وتكفينهم، فلم ينس اللّه له ذلك، وستره كما ستر المسلمين: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [الآية ٦٤ سورة مريم]. الخانقاه البندقدرايّة [أثر رقم ١٤٦] هذه الخانقاه بالقرب من الصّليبة، كان موضعها يعرف قديما بدويرة مسعود، وهي الآن تجاه المدرسة الفارقانية وحمّام الفارقاني (٢). أنشأها الأمير علاء الدّين أيدكين البندقدار (¬a) الصّالحي النجمي، وجعلها مسجدا للّه تعالى وخانقاه، (¬b) على ما شاهدته في كتاب وقفها (¬b)، ورتّب فيها

стр. 3103

الخانقاه البندقدارية (قبّة أيدكين) قبّة أيدكين من الدّاخل ويبدو بها التّابوت الخشبي

стр. 3104

صوفيّة وقرّاء في سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة. وفي سنة ثمان وأربعين وستّ مائة (١)، استنابه الملك المعزّ أيبك، فواظب الجلوس بالمدارس الصّالحيّة مع نوّاب دار العدل. مخطّط الخانقاه البندقدارية (زاوية الأبار) (عن (Creswell وإلى أيدكين هذا ينسب الملك الظّاهر بيبرس البندقداري؛ لأنّه كان أوّلا مملوكه، ثم انتقل منه إلى الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، فعرف بين المماليك البحرية ببيبرس البندقداري.

стр. 3105

قبّة زوجة أيدكين من الخارج ومن الدّاخل

стр. 3106

وعاش أيدكين إلى أن صار بيبرس سلطان مصر، وولاّه نيابة السّلطنة بحلب في سنة تسع وخمسين وستّ مائة - وكان الغلاء بها شديدا - فلم تطل أيّامه وفارقها بدمشق، بعد محاربة سنقر الأشقر/ والقبض عليه، في حادي عشر صفر سنة تسع وخمسين وستّ مائة، فأقام في النيابة نحو شهر، وصرفه الأمير علاء الدّين طيبرس الوزيري. فلمّا خرج السّلطان إلى الشّام في سنة إحدى وستين وستّ مائة، وأقام بالطور، أعطاه إمرة بمصر وطبلخاناه في ربيع الآخر منها. ومات في ربيع الآخر سنة أربع وثمانين وستّ مائة (١)، ودفن بقبّة هذه الخانقاه (٢). خانقاه شيخو [أثر رقم ١٥٢] هذه الخانقاه (¬a) بسويقة منعم (¬a) في خطّ الصّليبة خارج القاهرة تجاه جامع شيخو، أنشأها الأمير الكبير سيف الدّين شيخو العمري (٣) في سنة ستّ (¬b) وخمسين وسبع مائة، (¬a) وجعلها مدرسة وخانقاه (¬a). كان موضعها من جملة قطائع أحمد بن طولون، وآخر ما عرف من خبره أنّه كان مساكن للناس، فاشتراها الأمير شيخو من أربابها، وهدمها في المحرّم من هذه السنة (٤). فكانت

стр. 3107

مساحة أرضها زيادة على فدّان، فاختطّ فيها الخانقاه وحمّامين وعدّة حوانيت يعلوها بيوت لسكنى العامّة (١)، ورتّب بها دروسا عدّة: منها أربعة دروس لطوائف الفقهاء الأربعة - وهم الشّافعيّة والحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - ودرسا للحديث النبوي، ودرسا لإقراء القرآن بالرّوايات السّبع، وجعل لكلّ درس مدرّسا وعنده جماعة من الطلبة، وشرط عليهم حضور الدّرس وحضور وظيفة التّصوّف. مخطّط الخانقاه الشّيخونية (عن اللجنة)

стр. 3108

صحن خانقاه شيخو وتبدو فيه خلاوي الصّوفيّة

стр. 3109

وأقام شيخنا أكمل الدّين محمد بن محمود في مشيخة الخانقاه ومدرّس الحنفيّة، وجعل إليه النظر في أوقاف الخانقاه، وقرّر في تدريس الشّافعيّة الشّيخ بهاء الدّين أحمد بن علي [بن عبد الكافي] (¬a) السّبكي، وفي تدريس المالكيّة الشّيخ خليلا - وهو متجنّد الشّكل وله إقطاع في الحلقة - وفي تدريس الحنابلة قاضي القضاة موفّق الدّين [عبد اللّه] (¬a) الحنبلي (١)، ورتّب لكلّ من الطلبة في اليوم الطعام واللحم والخبز، وفي الشهر الحلوى والزّيت والصّابون، ووقف عليها الأوقاف الجليلة؛ فعظم قدرها، واشتهر في الأقطار ذكرها، وتخرّج بها كثير من أهل العلم، وأربت في العمارة على كلّ وقف بديار مصر؛ إلى أن مات الشّيخ أكمل الدّين في شهر رمضان سنة ستّ وثمانين وسبع مائة، فوليها من بعده جماعة. ولمّا حدثت المحن كان بها مبلغ كبير من المال الذي فاض عن مصروفها، فأخذه الملك الناصر فرج، وأخذت أحوالها تتناقص حتى صار المعلوم يتأخّر صرفه لأرباب الوظائف بها عدّة أشهر، وهي إلى اليوم على ذلك.

стр. 3110

الخانقاه الجاوليّة [أثر رقم ٢٢١] هذه الخانقاه على جبل يشكر بجوار مناظر الكبش، فيما بين القاهرة ومصر. أنشأها الأمير علم الدّين سنجر الجاولي في سنة ثلاث (¬a) وسبع مائة، وقد تقدّم ذكرها في المدارس (١). خانقاه ألجيبغا المظفّري هذه الخانقاه بالصّحراء (¬b) خارج باب النصر فيما بين قبّة النصر وتربة عثمان بن جوشن السّعودي، أنشأها الأمير سيف الدّين ألجيبغا المظفّري، وكان بها عدّة من الفقراء يقيمون بها، ولهم فيها شيخ، ويحضرون في كلّ يوم وظيفة التّصوّف، ولهم الطعام والخبز. وكان بجانبها حوض ماء لشرب الدّوابّ، وسقاية بها الماء العذب لشرب الناس، وكتّاب يقرأ فيه أطفال المسلمين الأيتام كتاب اللّه تعالى ويتعلّمون الخطّ، ولهم في كلّ يوم الخبز وغيره. وما برحت على ذلك إلى أن أخرج الأمير برقوق أوقافها فتعطّلت، وأقام بها جماعة من الناس مدّة، ثم تلاشى أمرها. وهي الآن باقية من غير أن يكون فيها سكّان، وقد تعطّل حوضها، وبطل مكتب السّبيل (٢). ألجيبغا المظفّري الخاصّكي - تقدّم في أيّام الملك المظفّر حاجي ابن الملك الناصر محمّد ابن قلاوون (٣) تقدّما كثيرا، بحيث لم يشاركه أحد في رتبته. فلمّا قام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون في السّلطنة، أقرّه على رتبته، وصار أحد أمراء المشورة الذين يصدر عنهم الأمر والنهي.

стр. 3111

فلمّا اختلف أمراء الدّولة، أخرج إلى دمشق في ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين وسبع مائة، وأقام بدمشق إلى شعبان، وسار إلى نيابة طرابلس - عوضا عن الأمير بدر الدّين مسعود بن الخطيري - فلم يزل على نيابتها إلى شهر ربيع الأوّل سنة خمس وسبع مائة. فكتب إلى الأمير أرغون شاه نائب دمشق يستأذنه في الصّيد إلى الناعم، فأذن له، وسار من طرابلس، وأقام على بحيرة حمص أيّاما يتصيّد. ثم ركب ليلا بمن معه، وساق إلى خان لاجين ظاهر دمشق، فوصله أوّل النهار، وأقام به يومه. ثم ركب منه بمن معه ليلا، وطرق أرغون شاه وهو بالقصر الأبلق، وقبض عليه وقيّده في ليلة الخميس ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل، وأصبح وهو/ بسوق الخيل فاستدعى الأمراء وأخرج لهم كتاب السّلطان بإمساك أرغون شاه، فأذعنوا له، واستولى على أموال أرغون شاه. فلمّا كان يوم الجمعة رابع عشرينه، أصبح أرغون شاه مذبوحا، فأشاع ألجيبغا أنّ أرغون شاه ذبح نفسه. وفي يوم الثلاثاء أنكر الأمراء أمره، وثاروا لحربه، فركب وقاتلهم، وانتصر عليهم، وقتل جماعة منهم، وأخذ الأموال، وخرج من دمشق وسار إلى طرابلس فأقام بها. وورد الخبر من مصر إلى دمشق بإنكار كلّ ما وقع، والاجتهاد في مسك ألجيبغا. فخرجت عساكر الشّام إليه، ففرّ من طرابلس، فأدركه عسكر طرابلس عند بيروت، وحاربوه حتى قبضوا عليه، وحمل إلى عسكر دمشق، فقيّد وسجن بقلعة دمشق في ليلة السبت سادس عشر ربيع الآخر، هو وفخر الدّين إياس، ثم وسّط بمرسوم السّلطان تحت قلعة دمشق بحضرة (¬a) عساكر دمشق، ووسّط معه الأمير فخر الدّين إياس، وعلّقا على الخشب في ثامن عشر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مائة، وعمره دون العشرين سنة، فما طرّ شاربه وكأنّه البدر حسنا والغصن اعتدالا.

стр. 3112

الخانقاه الناصريّة (¬a) بسرياقوس هذه الخانقاه (١) خارج القاهرة من شماليها، على نحو بريد منها، بأوّل تيه بني إسرائيل بسماسم سرياقوس. أنشأها السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وذلك أنّه لمّا بنى الميدان والأحواش في بركة الجبّ - كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر بركة الجبّ (٢) - اتّفق أنّه ركب على عادته للصّيد هناك، فأخذه ألم عظيم في جوفه كاد يأتي عليه، وهو يتجلّد ويكتم ما به حتى عجز. فنزل عن الفرس والألم يتزايد به، فنذر للّه إن عافاه اللّه ليبنينّ في هذا الموضع موضعا يعبد اللّه تعالى فيه، فخفّ عنه ما يجده، وركب فقضى نهمته من الصّيد، وعاد إلى قلعة الجبل، فلزم الفراش مدّة أيّام، ثم عوفي. فركب بنفسه، ومعه عدّة من المهندسين، واختطّ على قدر ميل من ناحية سرياقوس هذه الخانقاه، وجعل فيها مائة خلوة لمائة صوفي، وبنى بجانبها مسجدا تقام

стр. 3113

به الجمعة، وبنى بها حمّاما ومطبخا. وكان ذلك في ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة. (¬a) وكانت عمارة هذه الخانقاه والقصور والميدان سببا لحفر الخليج الناصري بظاهر القاهرة (¬a). فلمّا كانت سنة خمس وعشرين وسبع مائة، كمل ما أراد من بنائها، وخرج إليها بنفسه ومعه الأمراء والقضاة ومشايخ الخوانك، ومدّت هناك أسمطة عظيمة بداخل الخانقاه في يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة. وتصدّر قاضي القضاة بدر الدّين محمد بن جماعة الشّافعي لإسماع الحديث النبويّ، وقرأ عليه ابنه عزّ الدّين عبد العزيز عشرين حديثا تساعيّا، وسمع السّلطان ذلك، وكان جمعا موفورا، وأجاز قاضي القضاة الملك الناصر ومن حضر برواية ذلك وجميع ما يجوز له روايته. وعندما انقضى مجلس السّماع، قرّر السّلطان في مشيخة هذه الخانكاه الشّيخ مجد الدّين موسى بن أحمد بن محمود الأقصرائي (١)، ولقّبه ب «شيخ الشّيوخ»؛ فصار يقال له ذلك ولكلّ من ولي بعده، وكان قبل ذلك لا ينعت (¬b) بشيخ الشّيوخ إلاّ شيخ خانقاه سعيد السّعداء (٢). وأحضرت التّشاريف السّلطانية، فخلع على قاضي القضاة بدر الدّين، وعلى ولده عزّ الدّين وعلى قاضي القضاة المالكية، وعلى الشّيخ مجد الدّين أبي حامد موسى بن أحمد بن محمود الأقصرائي شيخ الشّيوخ، وعلى الشّيخ علاء الدّين القونوي شيخ خانقاه سعيد السّعداء، وعلى الشّيخ قوام الدّين أبي محمد عبد المجيد بن أسعد بن محمد الشّيرازي شيخ الصّوفيّة بالجامع

стр. 3114

الجديد الناصري خارج مدينة مصر، وعلى جماعة كثيرة، وخلع على سائر الأمراء وأرباب الوظائف، وفرّق بها ستين ألف درهم فضّة، وعاد إلى قلعة الجبل. فرغب الناس في السّكنى حول هذه الخانقاه وبنوا الدّور والحوانيت والخانات، حتى صارت بلدة كبيرة تعرف ب «خانقاه سرياقوس»، وتزايد الناس بها حتى أنشئ فيها سوى حمّام الخانقاه عدّة حمّامات. وهي إلى اليوم بلدة عامرة، ولا يؤخذ بها مكس ألبتّة ممّا يباع من سائر الأصناف احتراما لمكان الخانقاه، ويعمل هناك في يوم الجمعة سوق عظيم، ترد الناس إليه من الأماكن البعيدة، يباع فيه الخيل والجمال والحمير والبقر والغنم والدّجاج والإوزّ وأصناف الغلاّت وأنواع الثّياب وغير ذلك. وكانت معاليم هذه الخانكاه من أسنى معلوم بديار مصر: يصرف لكلّ صوفي في اليوم من لحم الضّأن السّليخ رطل قد طبخ في طعم شهيّ، ومن الخبز النقي أربعة أرطال. ويصرف له في كلّ شهر مبلغ أربعين درهما فضّة: عنها ديناران، ورطل حلوى، ورطلان زيتا من زيت الزّيتون، ومثل ذلك من الصّابون. ويصرف له ثمن كسوة في كلّ سنة، وتوسعة في كلّ شهر رمضان وفي العيدين وفي مواسم رجب وشعبان وعاشوراء وكلّما قدمت فاكهة يصرف له مبلغ لشرائها. وبالخانقاه خزانة بها السّكّر والأشربة والأدوية، وبها الطبائعي والجرائحي والكحّال ومصلح الشّعر. وفي كلّ رمضان يفرّق/ على الصّوفية كيزان لشرب الماء، وتبيّض لهم قدورهم النحاس، ويعطون حتى الأشنان لغسل الأيدي من وضر اللحم، يصرف ذلك من الوقف لكلّ منهم. وبالحمّام الحلاّق لتدليك أبدانهم وحلق رءوسهم. فكان المنقطع بها لا يحتاج إلى شيء غيرها، ويتفرّغ للعبادة، ثم استجدّ بعد سنة تسعين وسبع مائة بها حمّام أخرى برسم النساء. وما برحت على ما ذكرنا، إلى أن كانت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فبطل الطعام، وصار يصرف لهم في ثمنه مبلغ من نقد مصر، وهي الآن على ذلك. وأدركت من صوفيتها شخصا شيخا، يعرف بأبي طاهر، ينام أربعين يوما بلياليها لا يستيقظ فيها ألبتّة، ثم يستيقظ أربعين يوما لا ينام في ليلها ولا نهارها، أقام على ذلك عدّة أعوام، وخبره مشهور عند أهل الخانقاه، وأخبرني أنّه لم يكن في النوم إلاّ كغيره من الناس، ثم كثر نومه حتى بلغ ما تقدّم ذكره، ومات بهذه الخانقاه في نحو سنة ثمان مائة. وممّا قيل في الخانقاه وما أنشأه السّلطان بها: [الرجز] سر نحو سرياقوس وانزل بفنا … أرجائها ياذا النهى والرّشد

стр. 3115

تلق محلاّ للسّرور والهنا … فيه مقام للتّقى والزّهد نسيمه يقول في مسيره … تنبّهي يا عذبات الرّند وروضه الرّيّان من خليجه … يقول دع ذكر أراضي نجد خانقاه أرسلان هذه الخانقاه (¬a) على شاطئ النيل (¬a) فيما بين القاهرة ومصر، من جملة أراضي منشأة المهراني. أنشأها الأمير بهاء الدّين أرسلان الدّوادار. أرسلان الأمير بهاء الدّين الدّوادار الناصري - كان أوّلا عند الأمير سلار أيّام نيابته مصر، خصيصا به حظيّا عنده. فلمّا قدم الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك بعساكر الشّام، ونزل بالرّيدانية ظاهر القاهرة في شهر رمضان سنة تسع وسبع مائة، اطّلع أرسلان على أنّ جماعة قد اتّفقوا على أن يهجموا على السّلطان، ويفتكوا به يوم العيد أوّل شوّال، فجاء إليه وعرّفه الحال، وقال له: اخرج السّاعة واطلع القلعة واملكها. فقام السّلطان وفتح باب سرّ الدّهليز، وخرج من غير الباب، وصعد قلعة الجبل، وجلس على سرير الملك، فرعى السّلطان له هذه المناصحة. ولمّا أخرج الأمير عزّ الدّين أيدمر الدّوادار من وظيفته، رتّب أرسلان في الدّوادارية. وكان يكتب خطّا مليحا، ودرّبه القاضي علاء الدّين بن عبد الظّاهر وخرّجه وهذّبه، فصار يكتب بخطّه إلى كتّاب السّرّ عن السّلطان في المهمّات بعبارة مسدّدة وافية بالمقصود، واستولى على السّلطان بحيث لم يكن لغيره في أيّامه ذكر، ولم يشتهر فخر الدّين وكريم الدّين بعظمة إلاّ بعده، واجتهدا في إبعاده فما قدرا على ذلك. وفي أيّام توليته الدّوادارية السّلطانية، أنشأ هذه الخانكاه على شاطئ النيل. وكان ينزل في كلّ ليلة ثلاثاء إليها من القلعة ويبيت بها، ويحتفل الناس للحضور إليها، ويرسل عن السّلطان إلى مهنّا أمير العرب، ونفع الناس نفعا كبيرا، وقلّدهم مننا جسيمة، ومات في ثالث عشرين شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مائة، فوجد في تركته ألف ثوب أطلس، ونفائس كثيرة،

стр. 3116

وعدّة تواقيع ومناشير معلّمة. فأنكر السّلطان معرفتها، ونسب إليه اختلاسها (١). وأوّل من ولي مشيختها تقيّ الدّين أبو البقاء محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرّحيم الشّريف الحسيني القنائي الشّافعي، جدّ الشّيخ عبد الرّحيم القنائي الصّالح المشهور، وأبوه ضياء الدّين جعفر كان فقيها شافعيّا، وكان أبو البقاء هذا عالما عارفا زاهدا، قليل التكلّف، متقلّلا من الدّنيا، سمع الحديث وأسمعه. وولد في سن خمس وأربعين وستّ مائة، ومات ليلة الاثنين رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، ودفن بالقرافة (٢). فتداول مشيختها القضاة الإخنائية، إلى أن كانت آخرا بيد شيخنا قاضي القضاة بدر الدّين (¬a) عبد الوهّاب بن أحمد الإخنائي (٣)؛ فلمّا مات في سنة تسع وثمانين وسبع مائة، تلقّاها عنه عزّ الدّين بن الصّاحب، ثم وليها من بعده ابنه شمس الدّين محمد بن الصّاحب، ﵀. خانقاه بكتمر هذه الخانقاه (¬b) بآخر القرافة الصّغرى (١) (¬b) في سفح الجبل ممّا يلي بركة الحبش (٤)؛ (¬c) أدركناها ومشيختها تعدّ من المناصب الجليلة؛ لكثرة ما كان بها من المعلوم في اليوم والشهر من اللحم والطعام والحمام والحلوى (¬c). أنشأها الأمير بكتمر السّاقي، وابتدأ الحضور بها في يوم الثلاثاء ثامن

стр. 3117

شهر رجب سنة ستّ وعشرين وسبع مائة. وأوّل من استقرّ في مشيختها الشّيخ شمس الدّين (¬a) الرّومي، ورتّب له عن معلوم المشيخة في كلّ شهر مائة درهم، وعن معلوم الإمامة مبلغ خمسين درهما، ورتّب معه عشرين صوفيّا: لكلّ منهم في الشهر مبلغ ثلاثين درهما، فجاءت من أجلّ ما بني بمصر. ورتّب بها صوفيّة وقرّاء، وقرّر لهم الطعام والخبز في كلّ يوم، والدّراهم والحلوى والزّيت والصّابون في كلّ شهر، وبنى بجانبها حمّاما، وأنشأ/ هناك بستانا. فعمرت تلك الخطّة، وصار بها سوق كبير وعدّة سكّان، وتنافس الناس في مشيختها، إلى أن كانت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فبطل الطعام والخبز منها، وانتقل السكّان منها إلى القاهرة وغيرها، وخربت الحمّام والبستان، وصار يصرف لأرباب وظائفها مبلغ من نقد مصر، وأقام فيها رجل يحرسها، وتمزّق ما كان فيها من الفرش والآلات النحاس والكتب والرّبعات والقناديل النحاس المكفّت والقناديل الزّجاج المذهّب، وغير ذلك من الأمتعة والنفائس الملوكية، وخرب ما حولها لخلوّه من السّكّان (١). بكتمر السّقي الأمير سيف الدّين [المظفّري] (¬b)، كان أحد مماليك الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير. فلمّا استقرّ الملك الناصر محمد بن قلاوون في المملكة بعد بيبرس، أخذه في جملة من أخذ من مماليك بيبرس، ورقّاه حتى صار أحد الأمراء الأكابر، وكتب

стр. 3118

إلى الأمير تنكز، نائب السّلطنة بدمشق، بعد أن قبض على الأمير سيف الدّين طغاي الكبير يقول له: هذا بكتمر السّاقي يكون لك بدلا من طغاي، اكتب إليه بما تريد من حوائجك (١). فعظم بكتمر، وعلا محلّه، وطار ذكره. وكان السّلطان لا يفارقه ليلا ولا نهارا إلاّ إذا كان في الدّور

стр. 3119

السّلطانية، ثم زوّجه بجاريته وحظيّته، فولدت لبكتمر ابنه أحمد، وصار السّلطان لا يأكل إلاّ في بيت بكتمر ممّا تطبخه له أمّ أحمد في قدر من فضّة، وينام عندهم، ويقوم، واعتقد الناس أنّ أحمد ولد السّلطان لكثرة ما يطيل حمله وتقبيله. ولمّا شاع ذكر بكتمر، وتسامع الناس به، قدّموا إليه غرائب كلّ شيء، وأهدوا إليه كلّ نفيس، وكان السّلطان إذا حمل إليه أحد من النوّاب تقدمة لا بد أن يقدّم لبكتمر مثلها أو قريبا منها، والذي يصل إلى السّلطان يهب له غالبه. فكثرت أمواله، وصارت إشارته لا تردّ، وهو عبارة عن الدّولة، وإذا ركب كان بين يديه مائتا عصا نقيب، وعمّر له السّلطان القصر على بركة الفيل (١). ولمّا مات بطريق الحجاز في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة، خلّف من الأموال والقماش والأمتعة والأصناف والزّردخاناه ما يزيد على العادة والحدّ، ويستحي العاقل من ذكره. فأخذ السّلطان من خيله أربعين فرسا، وقال: هذه لي ما وهبته إيّاها. وبيع الباقي من الخيل على ما أخذه الخاصّكية بثمن بخس بمبلغ ألف ألف درهم فضّة ومائتي ألف درهم وثمانين ألف درهم فضّة، خارجا عمّا في الجشارات. وأنعم السّلطان بالزّردخاناه والسّلاحّ خاناه التي له على الأمير قوصون بعدما أخذ منها سرجا واحدا وسيفا: القيمة عن ذلك ستّ مائة ألف دينار. وأخذ له السّلطان ثلاثة صناديق جوهرا مثمّنا لا تعلم قيمة ذلك. وبيع له من الصّيني والكتب والختم والرّبعات ونسخ البخاري، والدّوايات الفولاذ والمطعّمة، والبصم بسقط الذّهب وغير ذلك، ومن الوبر والأطلس، وأنواع القماش السّكندري والبغدادي وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية المفرطة. ودام البيع لذلك مدّة شهور. وامتنع القاضي شرف الدّين النشو ناظر الخاصّ، من حضور البيع، واستعفى من ذلك، فقيل له: لأي شيء فعلت ذلك؟ قال: ما أقدر أصبر على غبن ذلك؛ لأنّ المائة درهم تباع بدرهم.

стр. 3120

ولمّا خرج مع السّلطان إلى الحجاز، خرج بتجمّل زائد وحشمة عظيمة، وهو ساقة الناس كلهم، وكان ثقله وحاله (¬a) نظير ما للسّلطان، ولكن يزيد عليه بالزّركش وآلات الذّهب. ووجد في خزانته بطريق الحجاز بعد موته خمس مائة تشريف: منها ما هو أطلس بطرز زركش (¬b) وحوائص ذهب وكلّوتات زركش (¬b)، وما دون ذلك من خلع أرباب السّيوف وأرباب الأقلام، ووجد معه قيود وجنازير. وتنكّر السّلطان له في طريق الحجاز، واستوحش كلّ منهما من صاحبه. فاتّفق أنّهم في العود مرض ولده أحمد، ومرض من بعده، فمات ابنه قبله بثلاثة أيّام، فحمل في تابوت مغشّى بجلد جمل، ولمّا مات بكتمر دفن مع ولده بنخل، وحثّ السّلطان في المسير. وكان لا ينام في تلك السّفرة إلاّ في برج خشب، وبكتمر عنده وقوصون على الباب، والأمراء المشايخ كلّهم حول البرج بسيوفهم، فلمّا مات بكتمر، ترك السّلطان ذلك، فعلم الناس أنّ احترازه كان خوفا من بكتمر. ويقال إنّ السّلطان دخل عليه، وهو مريض في درب الحجاز، فقال له: بيني وبينك اللّه. فقال له: كل من فعل شيئا يلتقيه. ولمّا مات صرخت زوجته أمّ ابنه أحمد، وبكت وأعولت إلى أن سمعها الناس تتكلّم بالقبيح في حقّ السّلطان، من جملته: أنت تقتل مملوكك، أنا ابني إيش كان [بينك وبينه] (¬c)؟ فقال لها: بسّ، تفشرين، هاتي مفاتيح صناديقه، فأنا أعرف كلّ شيء أعطيته من الجواهر، فرمت بالمفاتيح إليه، فأخذها. ولمّا وصل السّلطان إلى قلعة الجبل أظهر الحزن والندامة عليه، وأعطى أخاه قمارى إمرة مائة وتقدمة ألف، وكان يقول: ما بقي يجيئنا مثل بكتمر. وأمر فحملت جثّته وجثّة ابنه إلى خانقاهه هذه، ودفنتا بقبّتها. وبدت من السّلطان أمور منكرة بعد موت بكتمر. فإنّه كان يحجر على السّلطان، ويمنعه من مظالم كثيرة، وكان يتلطف بالناس، ويقضي حوائجهم، ويسوسهم أحسن سياسة، ولا يخالفه السّلطان في شيء، ومع ذلك فلم يكن له حماية ولا رعاية، ولا لغلمانه ذكر، ومن المغرب يغلق باب/ إسطبله.
следующие страницы →