← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وعدّة تواقيع ومناشير معلّمة. فأنكر السّلطان معرفتها، ونسب إليه اختلاسها (١). وأوّل من ولي مشيختها تقيّ الدّين أبو البقاء محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرّحيم الشّريف الحسيني القنائي الشّافعي، جدّ الشّيخ عبد الرّحيم القنائي الصّالح المشهور، وأبوه ضياء الدّين جعفر كان فقيها شافعيّا، وكان أبو البقاء هذا عالما عارفا زاهدا، قليل التكلّف، متقلّلا من الدّنيا، سمع الحديث وأسمعه. وولد في سن خمس وأربعين وستّ مائة، ومات ليلة الاثنين رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، ودفن بالقرافة (٢). فتداول مشيختها القضاة الإخنائية، إلى أن كانت آخرا بيد شيخنا قاضي القضاة بدر الدّين (¬a) عبد الوهّاب بن أحمد الإخنائي (٣)؛ فلمّا مات في سنة تسع وثمانين وسبع مائة، تلقّاها عنه عزّ الدّين بن الصّاحب، ثم وليها من بعده ابنه شمس الدّين محمد بن الصّاحب، ﵀. خانقاه بكتمر هذه الخانقاه (¬b) بآخر القرافة الصّغرى (١) (¬b) في سفح الجبل ممّا يلي بركة الحبش (٤)؛ (¬c) أدركناها ومشيختها تعدّ من المناصب الجليلة؛ لكثرة ما كان بها من المعلوم في اليوم والشهر من اللحم والطعام والحمام والحلوى (¬c). أنشأها الأمير بكتمر السّاقي، وابتدأ الحضور بها في يوم الثلاثاء ثامن

стр. 3117

شهر رجب سنة ستّ وعشرين وسبع مائة. وأوّل من استقرّ في مشيختها الشّيخ شمس الدّين (¬a) الرّومي، ورتّب له عن معلوم المشيخة في كلّ شهر مائة درهم، وعن معلوم الإمامة مبلغ خمسين درهما، ورتّب معه عشرين صوفيّا: لكلّ منهم في الشهر مبلغ ثلاثين درهما، فجاءت من أجلّ ما بني بمصر. ورتّب بها صوفيّة وقرّاء، وقرّر لهم الطعام والخبز في كلّ يوم، والدّراهم والحلوى والزّيت والصّابون في كلّ شهر، وبنى بجانبها حمّاما، وأنشأ/ هناك بستانا. فعمرت تلك الخطّة، وصار بها سوق كبير وعدّة سكّان، وتنافس الناس في مشيختها، إلى أن كانت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فبطل الطعام والخبز منها، وانتقل السكّان منها إلى القاهرة وغيرها، وخربت الحمّام والبستان، وصار يصرف لأرباب وظائفها مبلغ من نقد مصر، وأقام فيها رجل يحرسها، وتمزّق ما كان فيها من الفرش والآلات النحاس والكتب والرّبعات والقناديل النحاس المكفّت والقناديل الزّجاج المذهّب، وغير ذلك من الأمتعة والنفائس الملوكية، وخرب ما حولها لخلوّه من السّكّان (١). بكتمر السّقي الأمير سيف الدّين [المظفّري] (¬b)، كان أحد مماليك الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير. فلمّا استقرّ الملك الناصر محمد بن قلاوون في المملكة بعد بيبرس، أخذه في جملة من أخذ من مماليك بيبرس، ورقّاه حتى صار أحد الأمراء الأكابر، وكتب

стр. 3118

إلى الأمير تنكز، نائب السّلطنة بدمشق، بعد أن قبض على الأمير سيف الدّين طغاي الكبير يقول له: هذا بكتمر السّاقي يكون لك بدلا من طغاي، اكتب إليه بما تريد من حوائجك (١). فعظم بكتمر، وعلا محلّه، وطار ذكره. وكان السّلطان لا يفارقه ليلا ولا نهارا إلاّ إذا كان في الدّور

стр. 3119

السّلطانية، ثم زوّجه بجاريته وحظيّته، فولدت لبكتمر ابنه أحمد، وصار السّلطان لا يأكل إلاّ في بيت بكتمر ممّا تطبخه له أمّ أحمد في قدر من فضّة، وينام عندهم، ويقوم، واعتقد الناس أنّ أحمد ولد السّلطان لكثرة ما يطيل حمله وتقبيله. ولمّا شاع ذكر بكتمر، وتسامع الناس به، قدّموا إليه غرائب كلّ شيء، وأهدوا إليه كلّ نفيس، وكان السّلطان إذا حمل إليه أحد من النوّاب تقدمة لا بد أن يقدّم لبكتمر مثلها أو قريبا منها، والذي يصل إلى السّلطان يهب له غالبه. فكثرت أمواله، وصارت إشارته لا تردّ، وهو عبارة عن الدّولة، وإذا ركب كان بين يديه مائتا عصا نقيب، وعمّر له السّلطان القصر على بركة الفيل (١). ولمّا مات بطريق الحجاز في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة، خلّف من الأموال والقماش والأمتعة والأصناف والزّردخاناه ما يزيد على العادة والحدّ، ويستحي العاقل من ذكره. فأخذ السّلطان من خيله أربعين فرسا، وقال: هذه لي ما وهبته إيّاها. وبيع الباقي من الخيل على ما أخذه الخاصّكية بثمن بخس بمبلغ ألف ألف درهم فضّة ومائتي ألف درهم وثمانين ألف درهم فضّة، خارجا عمّا في الجشارات. وأنعم السّلطان بالزّردخاناه والسّلاحّ خاناه التي له على الأمير قوصون بعدما أخذ منها سرجا واحدا وسيفا: القيمة عن ذلك ستّ مائة ألف دينار. وأخذ له السّلطان ثلاثة صناديق جوهرا مثمّنا لا تعلم قيمة ذلك. وبيع له من الصّيني والكتب والختم والرّبعات ونسخ البخاري، والدّوايات الفولاذ والمطعّمة، والبصم بسقط الذّهب وغير ذلك، ومن الوبر والأطلس، وأنواع القماش السّكندري والبغدادي وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية المفرطة. ودام البيع لذلك مدّة شهور. وامتنع القاضي شرف الدّين النشو ناظر الخاصّ، من حضور البيع، واستعفى من ذلك، فقيل له: لأي شيء فعلت ذلك؟ قال: ما أقدر أصبر على غبن ذلك؛ لأنّ المائة درهم تباع بدرهم.

стр. 3120

ولمّا خرج مع السّلطان إلى الحجاز، خرج بتجمّل زائد وحشمة عظيمة، وهو ساقة الناس كلهم، وكان ثقله وحاله (¬a) نظير ما للسّلطان، ولكن يزيد عليه بالزّركش وآلات الذّهب. ووجد في خزانته بطريق الحجاز بعد موته خمس مائة تشريف: منها ما هو أطلس بطرز زركش (¬b) وحوائص ذهب وكلّوتات زركش (¬b)، وما دون ذلك من خلع أرباب السّيوف وأرباب الأقلام، ووجد معه قيود وجنازير. وتنكّر السّلطان له في طريق الحجاز، واستوحش كلّ منهما من صاحبه. فاتّفق أنّهم في العود مرض ولده أحمد، ومرض من بعده، فمات ابنه قبله بثلاثة أيّام، فحمل في تابوت مغشّى بجلد جمل، ولمّا مات بكتمر دفن مع ولده بنخل، وحثّ السّلطان في المسير. وكان لا ينام في تلك السّفرة إلاّ في برج خشب، وبكتمر عنده وقوصون على الباب، والأمراء المشايخ كلّهم حول البرج بسيوفهم، فلمّا مات بكتمر، ترك السّلطان ذلك، فعلم الناس أنّ احترازه كان خوفا من بكتمر. ويقال إنّ السّلطان دخل عليه، وهو مريض في درب الحجاز، فقال له: بيني وبينك اللّه. فقال له: كل من فعل شيئا يلتقيه. ولمّا مات صرخت زوجته أمّ ابنه أحمد، وبكت وأعولت إلى أن سمعها الناس تتكلّم بالقبيح في حقّ السّلطان، من جملته: أنت تقتل مملوكك، أنا ابني إيش كان [بينك وبينه] (¬c)؟ فقال لها: بسّ، تفشرين، هاتي مفاتيح صناديقه، فأنا أعرف كلّ شيء أعطيته من الجواهر، فرمت بالمفاتيح إليه، فأخذها. ولمّا وصل السّلطان إلى قلعة الجبل أظهر الحزن والندامة عليه، وأعطى أخاه قمارى إمرة مائة وتقدمة ألف، وكان يقول: ما بقي يجيئنا مثل بكتمر. وأمر فحملت جثّته وجثّة ابنه إلى خانقاهه هذه، ودفنتا بقبّتها. وبدت من السّلطان أمور منكرة بعد موت بكتمر. فإنّه كان يحجر على السّلطان، ويمنعه من مظالم كثيرة، وكان يتلطف بالناس، ويقضي حوائجهم، ويسوسهم أحسن سياسة، ولا يخالفه السّلطان في شيء، ومع ذلك فلم يكن له حماية ولا رعاية، ولا لغلمانه ذكر، ومن المغرب يغلق باب/ إسطبله.

стр. 3121

وكان ممّا له على السّلطان من المرتّب في كلّ يوم مخفيّتان، يأخذ عنهما من بيت المال كلّ يوم سبع مائة درهم: عن كلّ مخفيّة ثلاث مائة وخمسين درهما. وكان السّلطان إذا أنعم على أحد بشيء أو ولاّه وظيفة، قال له: «روح إلى الأمير بكتمر وبوس يده». وكان جيّد الطباع، حسن الأخلاق، ليّن الجانب، سهل الانقياد، ﵀. خانكاه (¬a) قوصون هذه الخانكاه (¬a) (١) في شمالي القرافة، ممّا يلي قلعة الجبل، تجاه جامع قوصون (¬b) بباب القرافة (¬b). أنشأها الأمير سيف الدّين قوصون، وكملت عمارتها في سنة ستّ وثلاثين وسبع مائة (٢)، وقرّر في مشيختها الشّيخ شمس الدّين أبا الثّناء محمود بن أبي القاسم أحمد الأصفهاني، ورتّب له معلوما سنيّا من الدّراهم والخبز واللحم والصّابون والزّيت، وسائر ما يحتاج إليه حتى جامكيّة غلام بغلته، واستقرّ ذلك في الوقف من بعده لكلّ من ولي المشيخة بها. وقرّر بها جماعة كثيرة من الصّوفيّة، ورتّب لهم الطعام واللحم والخبز في كلّ يوم، وفي الشهر المعلوم من الدّراهم ومن الحلوى والزّيت والصّابون. وما زالت على ذلك إلى أن كانت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فبطل الطعام والخبز منها، وصار يصرف لمستحقيها مال من نقد مصر، وتلاشى أمرها من بعد ما كانت من أعظم جهات البرّ وأكثرها نفعا وخيرا. وقد تقدّم ذكر قوصون عند ذكر جامعه من هذا الكتاب (٣).

стр. 3122

مخطّط خانكاه قوصون (عن (Meinecke خانكاه طغاي تمر النجمي (¬a) هذه الخانكاه (¬b) بالصّحراء خارج باب البرقيّة، فيما بين قلعة الجبل وقبّة النصر (١). أنشأها الأمير طغاي تمر النجمي فجاءت من المباني الجليلة، ورتّب بها عدّة من الصّوفيّة، وجعل شيخهم الشّيخ

стр. 3123

برهان الدّين الرّشيدي، وبنى بجانبها حمّاما، وغرس في قبليها بستانا، وعمل بجانب الحمّام حوض ماء للسّبيل ترده الدّواب، ووقف على ذلك عدّة أوقاف. ثم إنّ الحمّام والحوض تعطّلا مدّة، فلمّا ماتت أرزباي زوجة القاضي فتح الدّين فتح اللّه كاتب السّرّ (١) في سنة ثمان وثمان مائة، دفنها خارج باب النصر، وأحبّ أن يبنى على قبرها ويوقف عليها أوقافا. ثم بدا له فنقلها إلى هذه الخانقاه ودفنها بالقبّة التي فيها، وأدار السّاقية، وملأ الحوض، ورتّب لقرّاء هذه الخانقاه معلوما، وعزم على تجديد ما تشعّث من بنائها وإدارة حمّامها. ثم بدا له فأنشأ بجانب هذه الخانقاه تربة، ونقل زوجته مرّة ثالثة إليها، وجعل أملاكه وقفا على تربته. طغاي تمر النجمي - كان دوادار الملك الصّالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون (٢)، فلمّا مات الصّالح، استقرّ على حاله في أيّام أخويه الملك الكامل شعبان والملك المظفّر حاجي. وكان من أحسن الأشكال، وأبدع الوجوه، تقدّم في الدّول، وصارت له وجاهة عظيمة، وخدمه الناس. ولم يزل على حاله إلى أن لعب به أغرلو (٣) فيمن لعب، وأخرجه إلى الشّام، وألحقه بمن أخذه من غزّة، وذلك في أوائل جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مائة. وطغاي هذا أوّل دوادار أخذ إمرة مائة وتقدمة ألف، وذلك في أوّل دولة المظفّر حاجي. ولمّا كانت واقعة الأمير ملكتمر الحجازي والأمير آق سنقر وعدّة من الأمراء، في تاسع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، رمى طغايتمر سيفه، وبقي بغير سيف بعض يوم، ثم إنّ

стр. 3124

المظفّر أعطاه سيفه (١). واستمرّ في الدّوادارية نحو شهر، وأخرج هو والأمير نجم الدّين محمود الوزير، والأمير سيف الدّين بيدمر البدريّ على الهجن إلى الشّام، فأدركهم الأمير سيف الدّين منجك وقتلهم في الطريق. خانكاه أمّ أنوك [أثر رقم ٨١] هذه الخانكاه (¬a) خارج باب البرقيّة بالصّحراء، التي أنشأتها الخاتون طغاي، تجاه تربة الأمير طاشتمر السّاقي (٢)، فجاءت من أجلّ المباني، وجعلت بها صوفيّة وقرّاء، ووقفت عليها الأوقاف الكثيرة، وقرّرت لكلّ جارية من جواريها مرتّبا يقوم بها (٣).

стр. 3125

خانكاه وقبّة أمّ آنوك (خوند طغاي) مدخل خانكاه أم أنوك (خوند طغاي)

стр. 3126

مخطّط خانقاه أمّ أنوك (عن اللجنة) طغاي الخوندة الكبرى (١) زوجة السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأمّ ابنه الأمير آنوك، كانت من جملة إمائه، فأعتقها وتزوّجها، ويقال إنّها أخت الأمير آقبغا عبد الواحد. وكانت بديعة الحسن، باهرة الجمال، رأت من السّعادة ما لم يره غيرها من نساء الملوك التّرك بمصر، وتنعّمت في ملاذّ ما وصل سواها لمثلها، ولم يدم السّلطان على محبّة امرأة سواها، وصارت خوندة بعد ابنة نوكاي، وأكبر نسائه حتى من ابنة الأمير تنكز. وحجّ بها القاضي كريم الدّين الكبير، واحتفل بأمرها، وحمل لها البقول في محاير طين على ظهور الجمال، وأخذ لها الأبقار الحلاّبة، فسارت معها طول الطريق لأجل اللبن الطري وعمل

стр. 3127

قبّة خوند طغاي مقرنصات قبّة خوند طغاي

стр. 3128

الجبن، وكان يقلي لها الجبن في الغداء/ والعشاء. وناهيك بمن وصل إلى مداومة البقل والجبن في كلّ يوم - وهما أخسّ ما يذكر (¬a) - فما عساه يكون بعد ذلك! وكان القاضي كريم الدّين والأمير مجليس وعدّة من الأمراء، يترجّلون عند النزول، ويمشون بين يدي محفّتها، ويقبّلون الأرض لها كما يفعلون بالسّلطان. ثم حجّ بها الأمير بشتاك في سنة تسع وثلاثين وسبع مائة (١). وكان الأمير تنكز إذا جهّز من دمشق تقدمة إلى السّلطان، لا بد أن يكون لخوند طغاي منها جزء وافر. فلمّا مات السّلطان الملك الناصر، استمرّت عظمتها من بعده إلى أن ماتت في شهر شوّال سنة تسع وأربعين وسبع مائة أيّام الوباء، عن ألف جارية وثمانين خادما خصيّا وأموال كثيرة جدّا. وكانت عفيفة طاهرة، كثيرة الخير والصّدقات والمعروف. جهّزت سائر جواريها، وجعلت على قبر ابنها - بقبّة المدرسة الناصريّة بين القصرين - قرّاء، ووقفت على ذلك وقفا، وجعلت من جملته خبزا يفرّق على الفقراء، ودفنت بهذه الخانقاه، وهي من أعمر الأماكن إلى يومنا هذا. خانكاه (¬b) يونس [أثر رقم ١٥٧] هذه الخانكاه (¬b) من جملة ميدان القبق، بالقرب من قبّة النصر خارج باب النصر (٢). أدركت

стр. 3129

قبّة يونس الدّودار بالقرافة الشّرقيّة قبّة يونس الدّوادار خارج باب الوزير

стр. 3130

موضعها وبه عواميد تعرف بعواميد السّباق، وهي أوّل مكان بني هناك (١). أنشأها الأمير يونس النوروزي الدّوادار، كان من مماليك الأمير سيف الدّين جرجي الإدريسي، أحد الأمراء الناصريّة وأحد عتقائه، فترقّى في الخدم من آخر أيّام الملك الناصر محمد ابن قلاوون إلى أن صار من جملة الطائفة اليلبغاوية. فلمّا قتل الأمير يلبغا الخاصّكي، خدم بعده الأمير أسندمر الناصري الأتابك، وصار من جملة دواداريته. وما زال يتنقّل في الخدم إلى أن قام الأمير برقوق - بعد قتل الملك الأشرف شعبان - فكان ممّن أعانه وقاتل معه، فرعى له ذلك ورقّاه إلى أن جعله أمير مائة مقدّم ألف، وجعله دواداره لمّا تسلطن. فسلك في رياسته طريقة جليلة، ولزم حالة جميلة: من كثرة الصيام والصّلاة، وإقامة الناموس الملوكي، وشدّة المهابة، والإعراض عن اللعب، ومداومة العبوس، وطول الجلوس، وقوّة البطش لسرعة غضبه، ومحبّة الفقراء، وحضور السّماع والشّغف به، وإكرام الفقهاء وأهل العلم. وأنشأ بالقاهرة ربعا وقيساريّة بخطّ البندقانيين، وتربة خارج باب الوزير تحت القلعة (٢)، وأنشأ بظاهر دمشق مدرسة بالشّرف الأعلى، وأنشأ خانا عظيما خارج مدينة غزّة. وجعل بجانب هذه الخانكاه مكتبا يقرأ فيه أيتام المسلمين كتاب اللّه تعالى، وبنى بها صهريجا ينقل إليه ماء النيل. وما زال على وفور حرمته ونفوذ كلمته، إلى أن خرج الأمير يلبغا الناصري، نائب حلب، على الملك الظّاهر برقوق في سنة إحدى وتسعين وسبع مائة. وجهّز السّلطان الأمير أيتمش، والأمير يونس هذا، والأمير جهاركس الخليلي، وعدّة من الأمراء والمماليك لقتاله. فلقوه بدمشق وقاتلوه فهزمهم، وقتل الخليلي، وفرّ أيتمش إلى دمشق. ونجا يونس بنفسه يريد مصر، فأخذه الأمير غيفا بن شطا أمير الأمراء، وقتله يوم الثلاثاء ثاني عشرين شهر ربيع الآخر سنة إحدى

стр. 3131

وتسعين وسبع مائة، ولم يعرف له قبر بعد ما أعدّ لنفسه عدّة مدافن في غير ما مدينة من مصر والشّام (١). (¬a) قبّة كمشبغا هذه التّربة خارج الباب المحروق تحت الجبل (٢)، أنشأها الأمير كمشبغا الحموي - أحد المماليك اليلبغاوية - تنقّل في الخدم حتى صار أحد الأمراء في أيّام أستاذه الأمير يلبغا الخاصّكي العمريّ، وصار بعده من الأمراء المقدّمين وولي نيابة حلب. وكانت له في نصرة الظّاهر برقوق - عند محاصرته لدمشق بعد خروجه من الكرك - يد جليلة، ثم إنّه انهزم عنه يوم شقحب إلى حلب ففاز فيها بحروب عظيمة حتى خلّصها لنظام وقفه عليه في سنة ثلاث وتسعين، فأعظم مقدمه وأنعم عليه وجعله أميرا كبيرا أتابك العساكر. ثم قبض عليه بعد مدّة وسجنه بالإسكندرية، ومات بها مسجونا لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة إحدى وثمان مائة، فلم يعش برقوق بعده غير سبعة عشر يوما ومات. وكان من المترفين المنعّمين في حياته، كثير الأكل نهما إلى الغاية، يحكى عنه في ذلك أمور غريبة (¬a) (٣).

стр. 3132

خانقاه طيبرس هذه الخانقاه من جملة أراضي بستان الخشّاب، فيما بين القاهرة ومصر، على شاطئ النيل (١). أنشأها الأمير علاء الدّين طيبرس الخازندار نقيب الجيوش، في سنة سبع وسبع مائة، بجوار جامعه المقدّم ذكره عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب (٢)، وقرّر بها عدّة من الصّوفيّة، وجعل لهم شيخا، وأجرى لهم المعاليم. ولم تزل عامرة إلى أن حدثت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فابتاع شخص الوكالة والرّبعين - المعروفين بربع بكتمر - والحمّامين، ونقض ذلك فخرب الخطّ، وصار مخوفا. فلمّا كان في سنة أربع عشرة وثمان مائة، نقل الحضور من هذه الخانقاه إلى المدرسة الطيبرسيّة بجوار الجامع الأزهر (٣)، وهي الآن بصدد أن تدثر وتمحى آثارها. خانقاه آقبغا هذه الخانقاه هي موضع من المدرسة الآقبغاوية بجوار الجامع الأزهر، أفرده الأمير آقبغا عبد الواحد، وجعل فيه طائفة يحضرون وظيفة التّصوّف، وأقام لهم شيخا، وأفرد لهم وقفا يختصّ بهم، وهي باقية إلى يومنا هذا (٤). وله أيضا خانقاه بالقرافة. الخرّوبيّة / هذه الخانكاه بساحل الجيزة، تجاه المقياس، كانت منظرة من أعظم الدّور وأحسنها (٥). أنشأها زكيّ الدّين أبو بكر بن عليّ الخرّوبي كبير التّجّار، ثم توارثها من بعده أولاد الخرّوبي التّجّار بمصر، فلم تزل بأيديهم إلى أن نزلها السّلطان المؤيّد شيخ، في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وثمان مائة، وأقام بها. فاقتضى رأيه أن يجعلها خانكاه، فاستدعى بابن الخرّوبي ليشتريها منه، فتبرّع بما يخصّه منها، وصار إليه باقيها.

стр. 3133

فتقدّم إلى الأمير سيف الدّين أبي بكر بن المزوّق (¬a) الأستادّار بعملها خانكاه، وسار منها في يوم الأربعاء سادس عشره، فأخذ الأمير أبو بكر (¬b) في عملها حتى كملت في آخر السنة. واستقرّ في مشيختها شمس الدّين محمد (¬b) بن الحمتى الدّمشقي الحنبلي، وخلع عليه يوم السبت سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة، ورتّب له في كلّ يوم عشرة مؤيّدية: عنها مبلغ سبعين درهما فلوسا، سوى الخبز والسّكن، وقرّر عنده عشرة من الفقراء، لكلّ منهم مع الخبز مؤيّدي في كلّ يوم، فجاءت من أحسن شيء. ذكر الرّبط الرّبط: جمع رباط، وهو دار يسكنها أهل طريق اللّه. قال ابن سيده: الرّباط من الخيل: الخمس فما فوقها، والرّباط، والمرابطة: ملازمة ثغر العدوّ، وأصله أن يربط كلّ واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثّغر رباطا، وربّما سمّيت الخيل أنفسها رباطا. والرّباط المواظبة على الأمر، قال الفارسيّ: هو ثان من لزوم الثّغر، ولزوم الثّغر ثان من رباط الخيل. وقوله تعالى: ﴿وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾ [الآية ٢٠٠ سورة آل عمران]، قيل: معناه: جاهدوا، وقيل: واظبوا على مواقيت الصّلاة (١). وقال أبو حفص السّهروردي في كتاب «عوارف المعارف»: وأصل الرّباط ما تربط فيه الخيول، ثم قيل لكلّ ثغر يدفع أهله عمّن وراءهم رباط، فالمجاهد المرابط يدفع عمّن وراءه، والمقيم في الرّباط على طاعة اللّه يدفع به وبدعائه البلاء عن العباد والبلاد (٢). وروى داود بن صالح، قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرّحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾؟ قلت: لا. قال: يا ابن أخي، لم يكن

стр. 3134

في زمن رسول اللّه ﷺ غزو تربط فيه الخيل، ولكنّه انتظار الصّلاة بعد الصّلاة. فالرّباط جهاد النفس، والمقيم في الرّباط مرابط مجاهد نفسه. واجتماع أهل الرّبط إذا صحّ على الوجه الموضوع له الرّبط، وتحقّق أهل الرّبط بحسن المعاملة ورعاية الأوقات وتوقّي ما يفسد الأعمال ويصحّح الأحوال، عادت البركة على العباد والبلاد. وشرائط سكّان الرّباط قطع المعاملة مع الخلق، وفتح المعاملة مع الحقّ، وترك الاكتساب اكتفاء بكفالة مسبّب الأسباب، وحبس النفس عن المخالطات، واجتناب التّبعات، ومواصلة الليل والنهار بالعبادة متعوّضا بها عن كلّ عادة، والاشتغال بحفظ الأوقات، وملازمة الأوراد، وانتظار الصّلوات، واجتناب الغفلات، ليكون بذلك مرابطا مجاهدا (١). والرّباط هو بيت الصّوفيّة ومنزلهم (¬a)، ولكلّ قوم دار، والرّباط دارهم، وقد شابهوا أهل الصّفّة في ذلك. فالقوم في الرّباط مرابطون متّفقون على قصد واحد وعزم واحد وأحوال متناسبة، ووضع الرّباط لهذا المعنى (٢). قال كاتبه (¬b): ولاتّخاذ الرّبط والزّوايا أصل من السّنّة، وهو أنّ رسول اللّه ﷺ اتّخذ لفقراء الصّحابة، الذين لا يأوون إلى أهل ولا مال، مكانا من مسجده كانوا مقيمين به (¬c)، عرفوا بأهل الصّفّة.

стр. 3135

رباط الصّاحب هذا الرّباط مطلّ على بركة الحبش، أنشأه الصّاحب فخر الدّين أبو عبد اللّه محمد ابن الوزير الصّاحب بهاء الدّين أبي الحسن عليّ بن محمد بن سليم بن حنّا، ووقف عليه أبوه الصّاحب بهاء الدّين بعد موته عقارا بمدينة مصر، وشرط أن يسكنه عشرة من الفقراء المجرّدين غير المتأهّلين، وذلك في ذي الحجّة سنة ثمان وستين وستّ مائة. وهو باق إلى يومنا هذا، وليس فيه أحد، ويستأدي ريع وقفه من لا يقوم بمصالحه (١). رباط الفخري هذا الرّباط خارج باب الفتوح فيما بينه وبين باب النصر، بناه الأمير عزّ الدّين أيبك الفخري (¬a) الملكي الظّاهري السّعيدي (¬a)، أحد أمراء الملك الظّاهر بيبرس. رباط (¬b) البغداديّة هذا الرّباط بداخل الدّرب الأصفر، تجاه خانقاه بيبرس، حيث كان المنحر الذي ذكر عند ذكر القصر من هذا/ الكتاب (٢)، ومن الناس من يقول «رواق البغدادية» (٣). وهذا الرّباط بنته السّتّ الجليلة تذكار باي خاتون ابنة الملك الظّاهر بيبرس، في سنة أربع وثمانين وستّ مائة، للشّيخة الصّالحة زينب ابنة أبي البركات، المعروفة ببنت البغدادية، فأنزلتها به ومعها النساء الخيّرات. وما برح إلى وقتنا هذا يعرف سكّانه من النساء بالخير، وله دائما شيخة تعظ النساء وتذكّرهن وتفقّههن.

стр. 3136

وآخر من أدركنا فيه الشّيخة الصّالحة، سيّدة نساء زمانها، أمّ زينب فاطمة بنت عبّاس البغدادية، توفّيت في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مائة، وقد أنافت على الثمانين. وكانت فقيهة وافرة العلم، زاهدة قانعة باليسير، عابدة واعظة، حريصة على النفع والتّذكير، ذات إخلاص وخشية وأمر بالمعروف، انتفع بها كثير من نساء دمشق ومصر، وكان لها قبول زائد، ووقع في النفوس (١). وصار بعدها كلّ من قام بمشيخة هذا الرّباط من النساء يقال لها «البغدادية». وأدركنا الشّيخة الصّالحة البغدادية أقامت به عدّة سنين على أحسن طريقة، إلى أن ماتت يوم السبت لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين وسبع مائة. وأدركنا هذا الرّباط، وتودع فيه النساء اللاتي طلّقن أو هجرن، حتى يتزوّجن أو يرجعن إلى أزواجهن، صيانة لهن لما كان فيه من شدّة الضّبط، وغاية الاحتراز، والمواظبة على وظائف العبادات. حتى إنّ خادمة الفقيرات به كانت لا تمكّن أحدا من استعمال إبريق ببزبوز، وتؤدّب من خرج عن الطريق بما تراه. ثم لمّا فسدت الأحوال من عهد حدوث المحن بعد سنة ستّ وثمان مائة (¬a)، تلاشت أمور هذا الرّباط، ومنع مجاوروه من سجن النساء المعتدّات به، وفيه إلى الآن بقايا من خير، ويلي النظر عليه قاضي القضاة الحنفي. رباط السّتّ كليه (¬b) هذا الرّباط خارج درب بطّوط، من جملة حكر سنجر اليمني، ملاصق السّور الحجر بخطّ سوق الغنم وجامع أصلم. وقفه الأمير علاء الدّين (¬c) بن (¬c) البرواناه (¬d) على السّت كليه (¬b)، المدعوة دولاي، ابنة عبد اللّه التّترية، زوج الأمير سيف الدّين اليرلي (¬e) السّلاحدار الظّاهري، وجعله مسجدا ورباطا، ورتّب فيه (¬c) صوفيّة و (¬c) إماما ومؤذّنا، وذلك في ثالث عشر (¬f) شوّال سنة

стр. 3137

أربع وتسعين وستّ مائة (١). رباط الخازن [هذا الرّباط] (¬a) بقرب قبّة الإمام الشّافعي - رحمة اللّه عليه - من قرافة مصر. بناه الأمير علم الدّين سنجر بن عبد اللّه الخازن، والي القاهرة، وفيه دفن (٢). وهذا الخازن هو الذي ينسب إليه حكر الخازن خارج القاهرة (٣). الرّباط المعروف برواق ابن سليمان [أثر رقم ٢٤٥] هذا الرّواق بحارة الهلاليّة، خارج باب زويلة (٤)، عرف بأحمد بن سليمان بن أحمد ابن سليمان بن إبراهيم بن أبي المعالي أبي العبّاس الرّحبي البطائحي الرّفاعي، شيخ الفقراء الأحمديّة

стр. 3138

الرّفاعية بديار مصر. كان عبدا صالحا، له قبول عظيم من أمراء الدّولة وغيرهم، وينتمي إليه كثير من الفقراء الأحمديّة، وروى الحديث عن سبط السّلفي وحدّث، وكانت وفاته ليلة الاثنين سادس ذي الحجّة سنة إحدى وتسعين وستّ مائة بهذا الرّواق (١). مخطّط رباط أحمد بن سليمان (عن (Creswell رباط داود بن إبراهيم بخطّ بركة الفيل، بني في سنة ثلاث وستين وستّ مائة. رباط ابن أبي المنصور هذا الرّباط بقرافة مصر، عرف بالشّيخ صفيّ الدّين الحسين بن عليّ بن أبي المنصور الصّوفي المالكي (٢)، كان من بيت وزارة، فتجرّد وسلك طريق أهل اللّه على يد الشّيخ أبي العبّاس أحمد

стр. 3139

رباط أحمد بن سليمان بحارة حلوات التّابوت الخشبي لأحمد بن سليمان الرّفاعي

стр. 3140

ابن أبي بكر الحرّار (¬a) التّجيبي المغربي (¬b) (١)، وتزوّج ابنته، وعرف بالبركة، وحكيت عنه كرامات، وصنّف كتاب «الرّسالة»، ذكر فيها عدّة من المشايخ (٢)، وروى الحديث وحدّث، وشارك في الفقه وغيره. وكانت ولادته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وخمس مائة، ووفاته برباطه هذا، يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وستّ مائة. رباط المشتهى / هذا الرّباط بروضة مصر يطلّ على النيل، وكان به الشّيخ المسلّك [بهاء الدّين محمد ابن الكازروني] (¬c) (٣). وللّه درّ شيخنا العارف الأديب شهاب الدّين أحمد بن أبي العبّاس الشّاطر الدّمنهوري، حيث يقول: [السريع] بروضة المقياس صوفيّة … هم منية الخاطر والمشتهى لهم على البحر أياد علت … وشيخهم ذاك له المنتهى

стр. 3141

وقال الإمام العلاّمة شمس الدّين محمد بن عبد الرّحمن بن الصّائغ الحنفي: [السريع] يا ليلة مرّت بنا حلوة … إن رمت تشبيها لها عبتها لا يبلغ الواصف في وصفها … حدّا ولا يلقى له منتهى بتّ مع المعشوق في روضة … ونلت من خرطومه المشتهى رباط الآثار هذا الرّباط خارج مصر بالقرب من بركة الحبش، مطلّ على النيل، ومجاور للبستان المعروف بالمعشوق (١). قال ابن المتوّج: هذا الرّباط عمّره الصّاحب تاج الدّين محمد بن الصّاحب فخر الدّين محمد، ولد الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا، بجوار بستان المعشوق (٢)، ومات ﵀ قبل تكملته، ووصّى أن يكمل من ريع بستان المعشوق، فإذا كملت عمارته يوقف عليه، ووصّى الفقيه عزّ الدّين بن مسكين، فعمّر فيه شيئا يسيرا وأدركه الموت إلى رحمة اللّه تعالى، وشرع الصّاحب ناصر الدّين محمد ولد الصّاحب تاج الدّين في تكملته، فعمّر فيه شيئا جيدا (٣). انتهى. وإنّما قيل له «رباط الآثار»، لأنّ فيه قطعة خشب وحديدة (٤) - يقال إنّ ذلك من آثار رسول اللّه

стр. 3142

ﷺ اشتراها الصّاحب تاج الدّين المذكور بمبلغ ستين ألف درهم فضّة (١) من بني إبراهيم أهل ينبع، وذكروا أنّها لم تزل عندهم موروثة من واحد إلى آخر إلى رسول اللّه ﷺ ، وحملها إلى هذا الرّباط، وهي به إلى اليوم يتبرّك الناس بها، ويعتقدون النفع بها. وأدركنا لهذا الرّباط بهجة، وللناس فيه اجتماعات، ولسكّانه عدّة منافع ممّن يتردّد إليه أيّام كان ماء النيل تحته دائما. فلمّا انحسر الماء من تجاهه، وحدثت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، قلّ تردّد الناس إليه، وفيه إلى اليوم بقيّة. ولمّا كانت أيّام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، قرّر فيه درسا للفقهاء الشّافعيّة، وجعل له مدرّسا وعنده عدّة من الطلبة، ولهم جار في كلّ شهر من وقف وقفه عليهم، وهو باق أيضا. وفي أيّام الملك الظّاهر برقوق، وقف قطعة أرض لعمل الجسر المتّصل بالرّباط، وبهذا الرّباط خزانة كتب، وهو عامر بأهله (٢). الوزير الصّاحب تاج الدّين محمد بن الصّاحب فخر الدّين محمد ابن الوزير الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن سليم بن حنّا (٣). ولد في سابع شعبان سنة أربعين وستّ مائة، وسمع

стр. 3143

من سبط السّلفي وحدّث، وانتهت إليه رياسة عصره. وكان صاحب صيانة وسؤدد ومكارم وشاكلة حسنة وبزّة فاخرة إلى الغاية. وكان يتناهى في المطاعم والملابس والمناكح والمساكن، ويجود بالصّدقات الكثيرة، مع التّواضع ومحبّة الفقراء وأهل الصّلاح، والمبالغة في اعتقادهم. ونال في الدّنيا من العزّ والجاه ما لم يره جدّه الصّاحب الكبير بهاء الدّين، بحيث إنّه لمّا تقلّد الوزير الصّاحب فخر الدّين بن الخليلي الوزارة، سار من قلعة الجبل - وعليه تشريف الوزارة - إلى بيت الصّاحب تاج الدّين، وقبّل يده وجلس بين يديه، ثم انصرف إلى داره. وما زال على هذا القدر من وفور العزّ، إلى أن تقلّد الوزارة في يوم الخميس رابع عشرين صفر سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة، بعد قتل الوزير الأمير سنجر الشّجاعي، فلم ينجب، وتوقّفت الأحوال في أيّامه، حتى احتاج إلى إحضار تقاوي النواحي المرصدة بها للتّخضير واستهلكها. ثم صرف في يوم الثلاثاء خامس عشرين جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وستّ مائة، بفخر الدّين عثمان بن الخليلي. وأعيد إلى الوزارة مرّة ثانية فلم ينجح، وعزل وسلّم مرّة للشّجاعي، فجرّده من ثيابه، وضربه شيبا واحدا بالمقارع فوق قميصه، ثم أفرج عنه على مال، ومات في رابع جمادى الآخرة سنة سبع وسبع مائة، ودفن في تربتهم بالقرافة، وكان له شعر جيّد. وللّه درّ شيخنا الأديب جلال الدّين محمد بن خطيب داريّا الدّمشقي البيساني، حيث يقول في الآثار (١): [الكامل] يا عين إن بعد الحبيب وداره … ونأت مرابعه وشطّ مزاره فلقد ظفرت من الزّمان بطائل … إن لم تريه فهذه آثاره وقد سبقه لذلك الصّلاح خليل بن أيبك الصّفدي، فقال: [الكامل] / أكرم بآثار النبيّ محمد … من زاره استوفى السّرور مزاره يا عين دونك فانظري وتمتّعي … إن لم تريه فهذه آثاره

стр. 3144

واقتدى بهما في ذلك أبو الحزم المدني فقال: [الكامل] يا عين كم ذا تسفحين مدامعا … شوقا لقرب المصطفى ودياره إن كان صرف الدّهر عاقك عنهما … فتمتّعي يا عين في آثاره (¬a) وكان شيخنا سراج الدّين عمر بن علي الأنصاري المعروف بابن الملقّن الشّافعي يطعن في الآثار، وذكر لي أنّ له فيها مصنّفا ولم أقف عليه (¬a) (١). رباط الأفرم هذا الرّباط بسفح الجرف الذي عليه الرّصد، وهو يشرف على بركة الحبش، وكان من أحسن متنزّهات أهل مصر. أنشأه الأمير عزّ الدّين أيبك الأفرم، أمير خازندار الصّالحي النجمي، ورتّب فيه صوفيّة وشيخا وإماما، وجعل فيه منبرا يخطب عليه الجمعة والعيدين، وقرّر لهم معاليم من أوقاف أرصدها لهم، وذلك في سنة ثلاث وستين وستّ مائة. وهو باق، إلاّ أنّه لم يبق به ساكن لخراب ما حوله، وله إلى اليوم متحصّل من وقفه. والأفرم هذا هو الذي ينسب إليه «جسر الأفرم» خارج مصر، وقد ذكر عند ذكر الجسور من هذا الكتاب (٢).

стр. 3145

الرّباط العلائي هذا الرّباط خارج مصر، بخطّ بين الزّقاقين شرقي الخليج الكبير - يعرف اليوم ب «خانقاه المواصلة» - وهو آيل إلى الدّثور لخراب ما حوله. أنشأه الملك علاء الدّين أبو الحسن عليّ ابن الملك المجاهد سيف الدّين إسحاق صاحب الجزيرة ابن السّلطان (¬a) الملك الرّحيم بدر الدّين لؤلؤ صاحب الموصل، بجوار داره وحمّامه وطاحونه، وجعل له فيه مدفنا، ووقف عليه بستان الجرف، وبستانا بناحية شبرا، وعدّة حصص من قرى فلسطين والسّاحل، وأحكارا ودورا بجانب الرّباط (١). ومات يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبع مائة، ومولده يوم الجمعة ثامن عشرين المحرّم سنة سبع وخمسين وستّ مائة بجزيرة ابن عمر، وكان من الحلقة، وسمع الحديث من النجيب الحرّاني وابن عرفة وابن علاق، ودفن فيه. وبه إلى الآن بقيّة، ويحضره الفقهاء يوما في الأسبوع، وهم عشرة، شيخهم منهم، ومنهم قارئ ميعاد وقرّاء. وكان أوّلا معمورا بسكنى أهله دائما فيه، وفي هذا الوقت لا يمكن سكناه لكثرة الخوف من السّرّاق. زاوية الدّمياطي (¬b) هذه الزّاوية فيما بين خطّ السّبع سقايات وقنطرة السّدّ خارج مصر (٢)، إلى جانب حوض السّبيل المعدّ لشرب الدّواب (٣). أنشأها الأمير عزّ الدّين أيبك الدّمياطي الصّالحي

стр. 3146

النجمي (١)، أحد الأمراء المقدّمين الأكابر في أيّام الملك الظّاهر بيبرس، وبها دفن لمّا مات بالقاهرة ليلة الأربعاء تاسع شعبان سنة ستّ وتسعين وستّ مائة. وإلى الآن يعرف الحوض المجاور لها بحوض الدّمياطي. زاوية الشّيخ خضر هذه الزّاوية خارج باب الفتوح من القاهرة بخطّ زقاق الكحل (٢)، تشرف على الخليج الكبير (٣)، عرفت بالشّيخ خضر بن أبي بكر بن موسى المهراني العدوي، شيخ السّلطان الملك الظّاهر بيبرس (٤). كان أوّلا قد انقطع بجبل المزّة خارج دمشق، فعرفه الأمير سيف الدّين قشتمر العجمي، وتردّد إليه، فقال له: لا بد أن يتسلطن الأمير بيبرس البندقداري، فأخبر بيبرس بذلك. فلمّا صارت المملكة إليه بعد قتل الملك المظفّر قطز، اشتمل على اعتقاده وقرّبه، وبنى له زاوية بجبل

стр. 3147

المزّة، وزاوية بظاهر بعلبكّ، وزاوية بحماه، وزاوية بحمص، وهذه الزّاوية خارج القاهرة، ووقف عليها أحكارا تغلّ في السنة نحو الثلاثين ألف درهم، وأنزله بها. وصار ينزل إليه في الأسبوع مرّة أو مرّتين، ويطلعه على غوامض أسراره، ويستشيره في أموره، ولا يخرج عمّا يشير به، ويأخذه معه في أسفاره، وأطلق يده، وصرّفه في مملكته. فهدم كنيسة اليهود بدمشق، وهدم كنيسة للنصارى بالقدس، كانت تعرف بالمصلّبة، وعملها زاوية، وقتل قسّيسها بيده، وهدم كنيسة للرّوم بالإسكندرية - كانت من كراسي النصارى، ويزعمون أنّ بها رأس يحيى بن زكريا - وعملها مسجدا سمّاه الحضرا (¬a). فاتّقى جانبه الخاصّ والعامّ، حتى الأمير بدر الدّين بيلبك الخازندار نائب السّلطنة، والصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا، وملوك الأطراف. وكان يكتب إلى صاحب حماه، وجميع الأمراء إذا طلب حاجة، ما مثاله:/ «الشّيخ خضر نيّاك الحمارة». وكان ربع القامة كثّ اللحية، يتعمّم عشراويّ (١)، وفي لسانه عجمة، مع سعة صدر، وكرم شمائل، وكثرة عطاء من تفرقة الذّهب والفضّة، وعمل الأسمطة الفاخرة. وكانت أحواله عجيبة لا يتكيّف، وأقوال الناس في مختلفة: منهم من يثبت صلاحه ويعتقده، ومنهم من يرميه بالعظائم. وكان يخبر السّلطان بأمور تقع، منها أنّه لمّا حاصر أرسوف - وهي أوّل فتوحاته - قال له: متى نأخذ هذه المدينة؟ فعيّن له يوما يأخذها فيه، فأخذها في ذلك اليوم بعينه، واتّفق له مثل ذلك في فتح قيساريّة، فلذلك كثر اعتقاده فيه. وما أحسن قول الشّريف (¬b) شرف الدّين (¬b) محمد بن رضوان الناسخ في ملازمة السّلطان له في أسفاره (٢): [الكامل] ما الظّاهر السّلطان إلاّ مالك ال … دنيا بذاك لنا الملاحم تخبر ولنا دليل واضح كالشّمس في … وسط السّماء بكلّ عين تنظر

стр. 3148

لمّا رأينا الخضر يقدم جيشه … أبدا علمنا أنّه الإسكندر وما برح على رتبته إلى ثامن عشر شوّال سنة إحدى وسبعين وستّ مائة، فقبض عليه واعتقل بقلعة الجبل، ومنع الناس من الاجتماع به. ويقال إنّ ذلك بسبب أنّ السّلطان كان أعطاه تحفا قدمت من اليمن، منها كرّ (١) يمني مليح إلى الغاية، فأعطاه خضر لبعض المردان. فبلغ ذلك الأمير بدر الدّين الخازندار النائب - وكان قد ثقل عليه بكثرة تسلّطه، حتى لقد قال له مرّة بحضرة السّلطان: كأنّك تشفق على السّلطان وعلى أولاده مثل ما فعل قطز بأولاد المعزّ - فأسرّها في نفسه، وبلّغ خبر الكرّ اليمني إلى السّلطان. فاستدعاه، وحضر جماعة حاققوه على أمور كثيرة منكرة - كاللواط والزّنا ونحوه - فاعتقله، ورتّب له ما يكفيه من مأكول وفاكهة وحلوى. ولمّا سافر السّلطان إلى بلاد الرّوم، قال خضر لبعض أصحابه: إنّ السّلطان يظهر على الرّوم - ويرجع إلى دمشق فيموت بها بعد أن أموت أنا بعشرين يوما. فكان كذلك، ومات خضر في محبسه بقلعة الجبل في سادس المحرّم، أو سابعه، من سنة ستّ وسبعين وستّ مائة، وقد أناف على الخمسين، فسلّم إلى أهله، وحملوه إلى زاويته هذه، ودفنوه فيها. وكان السّلطان قد كتب بالإفراج عنه، فقدم البريد بعد موته، ومات السّلطان بدمشق، في سابع عشرين المحرّم المذكور، بعد خضر بعشرين يوما. وهذه الزّاوية باقية إلى الآن (¬a). زاوية ابن منظور هذه الزّاوية خارج القاهرة بخطّ الدّكّة بجوار المقس، عرفت بالشّيخ جمال الدّين محمد ابن أحمد بن منظور بن ياسين بن خليفة بن عبد الرّحمن، أبو عبد اللّه الكناني العسقلاني الشّافعيّ الصّوفي، الإمام الزّاهد (٢). كانت له معارف وأتباع ومريدون ومعرفة بالحديث؛ حدّث عن أبي الفتوح الجلاجلي (¬b)، وروى عنه الدّمياطي والدّواداري وعدّة من الناس، ونظر في الفقه، واشتهر

стр. 3149

بالفضيلة، وكانت له ثروة وصدقات. ومولده في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وخمس مائة، ووفاته بزاويته في ليلة الثاني والعشرين من شهر رجب الفرد سنة ستّ وتسعين وستّ مائة. وكانت هذه الزّاوية أوّلا تعرف بزاوية شمس الدّين بن كر البغدادي. زاوية الظّاهري هذه الزّاوية (١) خارج باب البحر، ظاهر القاهرة عند حمّام طرغاي على الخليج الناصري. كانت أوّلا تشرف طاقاتها على بحر النيل الأعظم، فلمّا انحسر الماء عن ساحل المقس، وحفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج الناصريّ، صارت تشرف على الخليج المذكور من برّه الشّرقي، واتّصلت المناظر هناك؛ إلى أن كانت الحوادث من سنة ستّ وثمان مائة، فخربت حمّام طرغاي، وبيعت أنقاضها وأنقاض كثير ممّا كان هناك من المناظر، وأنشئ موضعها (¬a) بستان عرف أوّلا بعبد الرّحمن، صيرفيّ الأمير جمال الدّين الأستادّار، لأنّه أوّلا أنشأه، ثم انتقل عنه. والظّاهري هذا هو أحمد بن محمّد بن عبد اللّه، أبو العبّاس جمال الدّين الظّاهريّ. كان أبوه محمّد بن عبد اللّه عتيق الملك الظّاهر شهاب الدّين غازي، وبرع حتى صار إماما حافظا، وتوفّي ليلة الثلاثاء لأربع بقين من ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين وستّ مائة بالقاهرة، ودفن بتربته خارج باب النصر (٢). وابنه عثمان بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه فخر الدّين بن جمال الدّين الظّاهري الحلبي، الإمام العلاّمة المحدّث الصّالح، ولد في سنة سبعين وستّ مائة، وأسمعه أبوه بديار مصر والشّام، وكان مكثرا، ومات بزاويته (¬b) هذه خارج باب البحر (¬b) في سنة ثلاثين وسبع مائة، (¬b) ودفن بمقابر باب النصر (¬b) (٣).

стр. 3150

زاوية الجمّيزة / هذه الزّاوية موضعها من جملة أراضي الزّهري، وهي الآن خارج باب زويلة بالقرب من معدّيّة فريج (١)، أنشأها الأمير سيف الدّين جيرك السّلاح دار المنصوري، أحد أمراء الملك المنصور قلاوون، في سنة اثنتين وثمانين وستّ مائة، وجعلها (¬a) مسجدا ورباطا، وقرّر (¬a) فيها عدّة من الفقراء الصّوفيّة. زاوية الحلاوي (٢) هذه الزّاوية بخطّ الأبّارين من القاهرة، بالقرب من الجامع الأزهر، أنشأها الشّيخ مبارك الهندي السّعودي الحلاوي، أحد الفقراء من أصحاب الشّيخ أبي السّعود بن أبي العشائر الباريني الواسطي، في سنة ثمان وثمانين وستّ مائة، وأقام بها إلى أن مات ودفن فيها. فقام من بعده ابنه الشّيخ عمر بن عليّ بن مبارك، وكانت له سماعات ومرويات، ثم قام من بعده ابنه شيخنا جمال الدّين عبد اللّه ابن الشّيخ عمر بن عليّ ابن الشّيخ مبارك الهندي، وحدّث، فسمعنا عليه بها إلى أن مات في صفر سنة ثمان وثمان مائة، وبها الآن ولده، وهي من الزّوايا المشهورة بالقاهرة، (¬a) تقصد لسماع الحديث النبوي بها (¬a). زاوية الشّيخ (¬b) نصر هذه الزّاوية خارج باب النصر من القاهرة، أنشأها الشّيخ نصر بن سليمان أبو الفتح المنبجي، الناسك القدوة، وحدّث بها عن إبراهيم بن خليل وغيره. وكان فقيها معتزلا عن الناس، متخلّيا للعبادة، يتردّد إليه أكابر الدّولة وأعيان الناس (¬c).

стр. 3151

وكان للأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير فيه اعتقاد كبير، فلمّا ولي سلطنة مصر، أجلّ قدره وأكرم محلّه، فهرع الناس إليه، وتوسّلوا به في حوائجهم. وكان يتغالى في محبّة العارف محيي الدّين محمد بن عربي الصّوفي، ولذلك كانت بينه وبين شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية مناكرة كبيرة، ومات ﵀ عن بضع وثمانين سنة في ليلة السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مائة، ودفن بها. زاوية الخدّام [هذه الزّاوية] (¬a) خارج باب النصر، فيما بين شقّة باب الفتوح من الحسينيّة وبين شقّة الحسينيّة خارج باب النصر، أنشأها الطواشي بلال القراجي (¬b)، وجعلها وقفا على الخدّام الحبش الأجناد في سنة سبع وأربعين وستّ مائة (١). زاوية تقيّ الدّين [أثر رقم ٣٢٦] هذه الزّاوية تحت قلعة الجبل، أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون، بعد سنة عشرين وسبع مائة، لسكنى الشّيخ تقيّ الدّين رجب بن أشيرك العجمي. وكان وجيها محترما عند أمراء الدّولة، ولم يزل بها إلى أن مات يوم السبت ثامن شهر رجب سنة أربع وعشرين (¬c) وسبع مائة. وما زالت منزلا لفقراء العجم إلى وقتنا هذا (٢).

стр. 3152

زاوية الشّريف مهدي هذه الزّاوية بجوار زاوية الشّيخ تقيّ الدّين المذكورة، جدّدها (¬a) الأمير صرغتمش في سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة. زاوية الطراطريّة هذه الزّاوية بالقرب من موردة البلاط، بناها الملك الناصر محمد بن قلاوون، بوساطة القاضي شرف الدّين النشو ناظر الخاصّ، برسم الشّيخين الأخوين محمد وأحمد - المعروفين بالطراطريّة - في سنة أربعين وسبع مائة. وكانا من أهل الخير والصّلاح، ونزلا أوّلا في مقصورة بالجامع الأزهر، فعرفت بهما. ثم عرفت بعدهما بمقصورة الحسام الصّقري (¬b)، والد الأمير الوزير ناصر الدّين محمد بن الحسام (¬c)، وهذه المقصورة بآخر الرّواق الأوّل ممّا يلي الرّكن الغربي. ولم تزل هذه الزّاوية عامرة، إلى أن كانت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، وخرب خطّ زربيّة قوصون وما في قبليّه إلى منشأة المهراني، وما في بحريه إلى قرب بولاق. زاوية القلندريّة القلندريّة طائفة تنتمي إلى الصّوفيّة، وتارة تسمّي أنفسها «ملامتيّة» (١). وحقيقة القلندريّة أنّهم قوم طرحوا التّقيّد بآداب المجالسات والمخالطات (¬d)، وقلّت أعمالهم من الصّوم والصّلاة إلاّ الفرائض، ولم يبالوا بتناول شيء من اللذّات/ المباحة، واقتصروا على رعاية الرّخصة، ولم يطلبوا

стр. 3153

حقائق العزيمة، والتزموا ألاّ يدّخروا شيئا، وتركوا الجمع والاستكثار من الدّنيا، ولم يتقشّفوا، ولا زهدوا ولا تعبّدوا، وزعموا أنّهم قد قنعوا بطيب قلوبهم مع اللّه تعالى، واقتصروا على ذلك، وليس عندهم تطلّع إلى طلب مزيد سوى ما هم عليه من طيب القلوب. والفرق بن الملامتي والقلندري: أنّ الملامتي يعمل في كتم العبادات، والقلندري يعمل في تخريب العادات. والملامتي متمسّك بكلّ أبواب البرّ والخير، ويرى الفضل فيه، إلاّ أنّه يخفي أعماله وأحواله (¬a)، ويوقف نفسه موقف العوامّ في هيئته وملبوسه، سترا للحال حتى لا يفطن له، وهو مع ذلك متطلّع إلى طلب (¬b) المزيد من العبادات. والقلندري لا يتقيّد بهيئة، ولا يبالي بما يعرف من حاله وما لا يعرف، ولا ينعطف إلاّ على طيب القلوب وهو رأس ماله (١). وهذه الزّاوية خارج باب النصر من القاهرة، من الجهة التي فيها التّرب والمقابر التي تلي المساكن، أنشأها الشّيخ حسن الجوالقي القلندري، أحد فقراء العجم القلندريّة على رأي الجوالقة (٢). ولمّا قدم إلى ديار مصر، تقدّم عند أمراء الدّولة التركية، وأقبلوا عليه واعتقدوه، فأثرى ثراء زائدا في سلطنة الملك العادل كتبغا، وسافر معه من مصر إلى الشّام. فاتّفق أنّ السّلطان اصطاد غزالا، ودفعه إليه ليحمله إلى صاحب حماه. فلمّا أحضره إليه، ألبسه تشريفا من حرير طرد وحش (¬c) (٣) وكلّوتة زركش، فقدم بذلك على السّلطان، فأخذ الأمراء في مداعبته، وقالوا له على سبيل الإنكار: كيف تلبس الحرير والذّهب وهما حرام على الرّجال؟ فأين التّزهّد وسلوك طريق الفقر؟ ونحو ذلك.

стр. 3154

فعندما حضر صاحب حماه إلى مجلس السّلطان على العادة، قال له: يا خوند، إيش عملت معي؟ الأمراء أنكروا عليّ، والفقراء تطالبني. فأنعم عليه بألف دينار. فجمع الفقراء والناس، وعمل وقتا عظيما بزاوية الشّيخ عليّ الحريريّ خارج دمشق. وكان سمح النفس، جميل العشرة، لطيف الرّوح، يحلق لحيته ولا يعتمّ، ثم إنّه ترك الحلق، وصارت له لحية، وتعمّم عمامة صوفيّة، وكانت له غضبة (¬a)، وفيه مروءة وعصبيّة، ومات بدمشق في سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة. وما برحت (¬b) هذه الزّاوية منزلا لطائفة القلندريّة، ولهم بها شيخ، وفيها منهم عدد موفور. وفي شهر ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبع مائة، حضر السّلطان الملك الناصر حسن ابن محمد بن قلاوون بخانقاه أبيه الملك الناصر، في ناحية سرياقوس خارج القاهرة، ومدّ له شيخ الشّيوخ سماطا كان من جملة من وقف عليه بين يدي السّلطان الشّريف عليّ، شيخ زاوية القلندريّة هذه، فاستدعاه السّلطان، وأنكر عليه حلق لحيته واستتابه، وكتب له توقيعا سلطانيّا منع فيه هذه الطائفة من تحليق لحاهم، وأنّ من تظاهر بهذه البدعة قوبل على فعله المحرّم، وأن يكون شيخا على طائفته كما كان ما دام وداموا متمسّكين بالسّنّة النبويّة. وهذه البدعة لها منذ ظهرت ما يزيد على أربع مائة سنة، وأوّل ما ظهرت بدمشق في سنة بضع عشرة وخمس مائة (¬c)، وكتب إلى بلاد الشّام بإلزام القلندريّة بترك زيّ الأعاجم والمجوس، ولا يمكّن أحد من الدّخول إلى بلاد الشّام حتى يترك هذا الزّيّ المبتدع واللباس المستبشع المستشنع (¬d)، ومن لا يلتزم بذلك يعزّر شرعا، ويقلع من قراره قلعا. فنودي بذلك في دمشق وأرجائها يوم الأربعاء سادس عشر ذي الحجّة. قبّة النصر هذه القبّة زاوية يسكنها فقراء العجم، وهي خارج القاهرة بالصّحراء تحت الجبل الأحمر، بآخر ميدان القبق من بحريه (١) (¬e). جدّدها الملك الناصر محمد بن

стр. 3155

قلاوون على يد الأمير جمال الدّين آقوش نائب الكرك. زاوية الرّكراكي هذه الزّاوية خارج القاهرة في أرض المقس. عرفت بالشّيخ المعتقد أبي عبد اللّه محمد الرّكراكي، المغربي المالكي، لإقامته بها. وكان فقيها مالكيّا، متصدّيا لأشغال المغاربة، يتبرّك الناس به، إلى أن مات بها يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وسبع مائة، ودفن فيها (١). والرّكراكي نسبة إلى ركراكة، بلدة بالمغرب، هي أحد مراسي سواحل المغرب بقرب البحر المحيط، تنزل فيه السّفن، فلا تخرج إلاّ بالرّياح العاصفة في زمن الشّتاء عند تكدّر الهواء. زاوية الشّيخ (¬a) إبراهيم الصّائغ هذه الزّاوية بوسط الجسر الأعظم، تطلّ على بركة الفيل، عمّرها الأمير سيف الدّين طغاي بعد سنة عشرين (¬b)/ وسبع مائة، وأنزل فيها فقيرا عجميّا من فقراء الشّيخ تقيّ الدّين رجب، يعرف بالشّيخ عزّ الدين العجمي، وكان يعرف علم (¬a) صناعة الموسيقى، وله نغمة لذيذة وصوت مطرب وغناء جيّد، فأقام بها إلى أن مات في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة. فغلب عليها الشيخ (¬c) برهان الدّين (¬c) إبراهيم الصّائغ، إلى أن مات يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب سنة أربع
следующие страницы →