← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

وكان للأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير فيه اعتقاد كبير، فلمّا ولي سلطنة مصر، أجلّ قدره وأكرم محلّه، فهرع الناس إليه، وتوسّلوا به في حوائجهم. وكان يتغالى في محبّة العارف محيي الدّين محمد بن عربي الصّوفي، ولذلك كانت بينه وبين شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية مناكرة كبيرة، ومات ﵀ عن بضع وثمانين سنة في ليلة السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مائة، ودفن بها. زاوية الخدّام [هذه الزّاوية] (¬a) خارج باب النصر، فيما بين شقّة باب الفتوح من الحسينيّة وبين شقّة الحسينيّة خارج باب النصر، أنشأها الطواشي بلال القراجي (¬b)، وجعلها وقفا على الخدّام الحبش الأجناد في سنة سبع وأربعين وستّ مائة (١). زاوية تقيّ الدّين [أثر رقم ٣٢٦] هذه الزّاوية تحت قلعة الجبل، أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون، بعد سنة عشرين وسبع مائة، لسكنى الشّيخ تقيّ الدّين رجب بن أشيرك العجمي. وكان وجيها محترما عند أمراء الدّولة، ولم يزل بها إلى أن مات يوم السبت ثامن شهر رجب سنة أربع وعشرين (¬c) وسبع مائة. وما زالت منزلا لفقراء العجم إلى وقتنا هذا (٢).

стр. 3152

زاوية الشّريف مهدي هذه الزّاوية بجوار زاوية الشّيخ تقيّ الدّين المذكورة، جدّدها (¬a) الأمير صرغتمش في سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة. زاوية الطراطريّة هذه الزّاوية بالقرب من موردة البلاط، بناها الملك الناصر محمد بن قلاوون، بوساطة القاضي شرف الدّين النشو ناظر الخاصّ، برسم الشّيخين الأخوين محمد وأحمد - المعروفين بالطراطريّة - في سنة أربعين وسبع مائة. وكانا من أهل الخير والصّلاح، ونزلا أوّلا في مقصورة بالجامع الأزهر، فعرفت بهما. ثم عرفت بعدهما بمقصورة الحسام الصّقري (¬b)، والد الأمير الوزير ناصر الدّين محمد بن الحسام (¬c)، وهذه المقصورة بآخر الرّواق الأوّل ممّا يلي الرّكن الغربي. ولم تزل هذه الزّاوية عامرة، إلى أن كانت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، وخرب خطّ زربيّة قوصون وما في قبليّه إلى منشأة المهراني، وما في بحريه إلى قرب بولاق. زاوية القلندريّة القلندريّة طائفة تنتمي إلى الصّوفيّة، وتارة تسمّي أنفسها «ملامتيّة» (١). وحقيقة القلندريّة أنّهم قوم طرحوا التّقيّد بآداب المجالسات والمخالطات (¬d)، وقلّت أعمالهم من الصّوم والصّلاة إلاّ الفرائض، ولم يبالوا بتناول شيء من اللذّات/ المباحة، واقتصروا على رعاية الرّخصة، ولم يطلبوا

стр. 3153

حقائق العزيمة، والتزموا ألاّ يدّخروا شيئا، وتركوا الجمع والاستكثار من الدّنيا، ولم يتقشّفوا، ولا زهدوا ولا تعبّدوا، وزعموا أنّهم قد قنعوا بطيب قلوبهم مع اللّه تعالى، واقتصروا على ذلك، وليس عندهم تطلّع إلى طلب مزيد سوى ما هم عليه من طيب القلوب. والفرق بن الملامتي والقلندري: أنّ الملامتي يعمل في كتم العبادات، والقلندري يعمل في تخريب العادات. والملامتي متمسّك بكلّ أبواب البرّ والخير، ويرى الفضل فيه، إلاّ أنّه يخفي أعماله وأحواله (¬a)، ويوقف نفسه موقف العوامّ في هيئته وملبوسه، سترا للحال حتى لا يفطن له، وهو مع ذلك متطلّع إلى طلب (¬b) المزيد من العبادات. والقلندري لا يتقيّد بهيئة، ولا يبالي بما يعرف من حاله وما لا يعرف، ولا ينعطف إلاّ على طيب القلوب وهو رأس ماله (١). وهذه الزّاوية خارج باب النصر من القاهرة، من الجهة التي فيها التّرب والمقابر التي تلي المساكن، أنشأها الشّيخ حسن الجوالقي القلندري، أحد فقراء العجم القلندريّة على رأي الجوالقة (٢). ولمّا قدم إلى ديار مصر، تقدّم عند أمراء الدّولة التركية، وأقبلوا عليه واعتقدوه، فأثرى ثراء زائدا في سلطنة الملك العادل كتبغا، وسافر معه من مصر إلى الشّام. فاتّفق أنّ السّلطان اصطاد غزالا، ودفعه إليه ليحمله إلى صاحب حماه. فلمّا أحضره إليه، ألبسه تشريفا من حرير طرد وحش (¬c) (٣) وكلّوتة زركش، فقدم بذلك على السّلطان، فأخذ الأمراء في مداعبته، وقالوا له على سبيل الإنكار: كيف تلبس الحرير والذّهب وهما حرام على الرّجال؟ فأين التّزهّد وسلوك طريق الفقر؟ ونحو ذلك.

стр. 3154

فعندما حضر صاحب حماه إلى مجلس السّلطان على العادة، قال له: يا خوند، إيش عملت معي؟ الأمراء أنكروا عليّ، والفقراء تطالبني. فأنعم عليه بألف دينار. فجمع الفقراء والناس، وعمل وقتا عظيما بزاوية الشّيخ عليّ الحريريّ خارج دمشق. وكان سمح النفس، جميل العشرة، لطيف الرّوح، يحلق لحيته ولا يعتمّ، ثم إنّه ترك الحلق، وصارت له لحية، وتعمّم عمامة صوفيّة، وكانت له غضبة (¬a)، وفيه مروءة وعصبيّة، ومات بدمشق في سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة. وما برحت (¬b) هذه الزّاوية منزلا لطائفة القلندريّة، ولهم بها شيخ، وفيها منهم عدد موفور. وفي شهر ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبع مائة، حضر السّلطان الملك الناصر حسن ابن محمد بن قلاوون بخانقاه أبيه الملك الناصر، في ناحية سرياقوس خارج القاهرة، ومدّ له شيخ الشّيوخ سماطا كان من جملة من وقف عليه بين يدي السّلطان الشّريف عليّ، شيخ زاوية القلندريّة هذه، فاستدعاه السّلطان، وأنكر عليه حلق لحيته واستتابه، وكتب له توقيعا سلطانيّا منع فيه هذه الطائفة من تحليق لحاهم، وأنّ من تظاهر بهذه البدعة قوبل على فعله المحرّم، وأن يكون شيخا على طائفته كما كان ما دام وداموا متمسّكين بالسّنّة النبويّة. وهذه البدعة لها منذ ظهرت ما يزيد على أربع مائة سنة، وأوّل ما ظهرت بدمشق في سنة بضع عشرة وخمس مائة (¬c)، وكتب إلى بلاد الشّام بإلزام القلندريّة بترك زيّ الأعاجم والمجوس، ولا يمكّن أحد من الدّخول إلى بلاد الشّام حتى يترك هذا الزّيّ المبتدع واللباس المستبشع المستشنع (¬d)، ومن لا يلتزم بذلك يعزّر شرعا، ويقلع من قراره قلعا. فنودي بذلك في دمشق وأرجائها يوم الأربعاء سادس عشر ذي الحجّة. قبّة النصر هذه القبّة زاوية يسكنها فقراء العجم، وهي خارج القاهرة بالصّحراء تحت الجبل الأحمر، بآخر ميدان القبق من بحريه (١) (¬e). جدّدها الملك الناصر محمد بن

стр. 3155

قلاوون على يد الأمير جمال الدّين آقوش نائب الكرك. زاوية الرّكراكي هذه الزّاوية خارج القاهرة في أرض المقس. عرفت بالشّيخ المعتقد أبي عبد اللّه محمد الرّكراكي، المغربي المالكي، لإقامته بها. وكان فقيها مالكيّا، متصدّيا لأشغال المغاربة، يتبرّك الناس به، إلى أن مات بها يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وسبع مائة، ودفن فيها (١). والرّكراكي نسبة إلى ركراكة، بلدة بالمغرب، هي أحد مراسي سواحل المغرب بقرب البحر المحيط، تنزل فيه السّفن، فلا تخرج إلاّ بالرّياح العاصفة في زمن الشّتاء عند تكدّر الهواء. زاوية الشّيخ (¬a) إبراهيم الصّائغ هذه الزّاوية بوسط الجسر الأعظم، تطلّ على بركة الفيل، عمّرها الأمير سيف الدّين طغاي بعد سنة عشرين (¬b)/ وسبع مائة، وأنزل فيها فقيرا عجميّا من فقراء الشّيخ تقيّ الدّين رجب، يعرف بالشّيخ عزّ الدين العجمي، وكان يعرف علم (¬a) صناعة الموسيقى، وله نغمة لذيذة وصوت مطرب وغناء جيّد، فأقام بها إلى أن مات في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة. فغلب عليها الشيخ (¬c) برهان الدّين (¬c) إبراهيم الصّائغ، إلى أن مات يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب سنة أربع

стр. 3156

وخمسين وسبع مائة، فعرفت به (١). زاوية الجعبري هذه الزّاوية (٢) خارج باب النصر من القاهرة، تنسب إلى الشيخ برهان الدّين إبراهيم بن معضاد ابن شدّاد بن ماجد الجعبري، المعتقد الواعظ، كان يجلس للوعظ، فتجتمع إليه الناس، ويذكّرهم ويروي الحديث، ويشارك في علم الطبّ وغيره من العلوم، وله شعر حسن، وروى عن السّخاوي، وحدّث عنه البرزالي (¬a). وكان له أصحاب يبالغون في اعتقاده، ويغلون في أمره، وكان لا يراه أحد إلاّ عظّم (¬b) قدره وأجلّه وأثنى عليه، وحفظت عنه كلمات طعن عليه بسببها، وعمّر حتى جاوز الثّمانين سنة. فلمّا مرض أمر أن يخرج به إلى مكان قبره، فلمّا وقف عليه قال: قبير جاك دبير (¬c). ومات بعد ذلك بيوم في يوم السبت رابع عشرين المحرّم سنة سبع وثمانين وستّ مائة (٣). والجعابرة عدّة، منهم (¬d).

стр. 3157

زاوية أبي السّعود [هذه الزّاوية] (¬a) خارج باب القنطرة من القاهرة، على حافة الخليج، عرفت بالشّيخ المبارك أيّوب السّعودي. كان يذكر أنّه رأى الشّيخ أبا السّعود بن أبي العشائر، وسلك على يديه، وانقطع بهذه الزّاوية، وتبرّك الناس به، واعتقدوا إجابة دعائه، وعمّر وصار يحمل لعجزه عن الحركة (¬b) لحضور الجماعة (¬b). حتى مات، عن مائة سنة، أوّل صفر سنة أربع وعشرين وسبع مائة (١). زاوية الحمصي هذه الزّاوية خارج القاهرة، بخطّ حكر خزائن السّلاح والأوسية، على شاطئ خليج الذّكر من أرض المقس بجوار الدّكّة. أنشأها الأمير ناصر الدّين محمد - ويدعى طيقوش - ابن الأمير فخر الدّين ألطنبغا (¬c) الحمصي، أحد الأمراء في الأيّام الناصريّة. كان أبوه من أمراء الظّاهر بيبرس. ورتّب بهذه الزّاوية عشرة من الفقراء القادريّة (¬d) شيخهم منهم، ووقف عليها عدّة أماكن بجوارها (¬e) وحصّة من قرية بورين من قرى ساحل الشّام، وغير ذلك في سنة تسع وسبع مائة. فلمّا خرب ما حولها، وارتدم خليج الذّكر، تعطّلت. وهي الآن قد عزم مستحقّو ريعها على هدمها، لكثرة ما أحاط بها من الخراب من سائر جهاتها، وصار السّلوك إليها مخوفا بعد ما كانت تلك الخطّة في غاية العمارة، وفي جمادى سنة عشرين وثمان مائة (¬f) هدمت.

стр. 3158

زاوية المغربل هذه الزّاوية خارج القاهرة، بدرب الزّرّاق من الحكر، عرفت بالشّيخ المعتقد عليّ المغربل، ومات في يوم الجمعة خامس جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة، (¬a) ودفن بها (¬a). ولمّا كانت الحوادث من سنة ستّ وثمان مائة، خربت الحكورة، وهدم درب الزّرّاق وغيره (١). زاوية القصري هذه الزّاوية بخطّ المقس خارج القاهرة. عرفت بالشّيخ أبي عبد اللّه محمد بن موسى عبد اللّه ابن حسن القصري، الرّجل الصّالح الفقيه المالكي المغربي، قدم من قصر كتامة بالمغرب إلى القاهرة، وانقطع بهذه الزّاوية، على طريقة جميلة من العبادة وطلب العلم، إلى أن مات بها في التاسع من شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين وستّ مائة. زاوية الجاكي هذه الزّاوية في سويقة الرّيش، من الحكورة خارج القاهرة، بجانب الخليج الغربي. عرفت بالشّيخ المعتقد حسين بن إبراهيم بن عليّ الجاكي، ومات بها في يوم الخميس العشرين من شوّال سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، ودفن خارج باب النصر، وكانت جنازته عظيمة جدّا. وأقام الناس يتبرّكون بزيارة قبره إلى أن كانت سنة سبع عشرة وثمان مائة، فأقبل الناس إلى زيارة قبره، وصار (¬b) لهم هناك مجتمع عظيم في كلّ يوم، ويحملون إلى/ قبره النذور (¬c)، ويزعمون أنّ الدّعاء عنده لا يردّ، فتنة أضلّ الشّيطان بها كثيرا من الناس، وهم على ذلك إلى يومنا.

стр. 3159

زاوية الأبناسي هذه الزّاوية بخطّ المقس (١). عرفت (¬a) بالشّيخ الفقيه برهان الدّين إبراهيم [بن حسن] (¬b) بن موسى بن أيّوب الأبناسي الشّافعي (٢). قدم من الرّيف، وبرع في الفقه، واشتهر بسلامة الباطن، وعرف بالخير والصّلاح، وكتب على الفتوى، ودرّس بالجامع الأزهر وغيره، وتصدّى لأشغال الطلبة عدّة سنين، وولي مشيخة الخانقاه الصّلاحية سعيد السّعداء. وطلبه الأمير سيف الدّين برقوق - وهو يومئذ أتابك العساكر - حتى يقلّده قضاء القضاة بديار مصر. فتغيّب (¬c) فرارا من ذلك، وتنزّها عنه، إلى أن ولّي غيره. وكانت ولادته قبيل سنة خمس وعشرين وسبع مائة، ووفاته بمنزلة المويلحة من طريق الحجاز - بعد عوده من الحج - في ثامن المحرّم سنة اثنتين وثمان مائة، ودفن بعيون القصب. زاوية اليونسيّة هذه الزّاوية خارج القاهرة، بالقرب من باب اللوق، تنزلها الطائفة اليونسيّة: واحدهم يونسي - بضم الياء المعجمة باثنتين من تحتها، وبعد الياء واو، ثم نون بعدها سين

стр. 3160

مهملة، في آخرها ياء آخر الحروف - نسبة إلى يونس. ويونس المنسوب إليه الطائفة اليّونسية غير واحد: فمنهم يونس بن عبد الرّحمن القمّي، مولى آل يقطين، وهو الذي يزعم أنّ معبوده على عرشه، تحمله ملائكته وإن كان هو أقوى منها، كالكركي تحمله رجلاه وهو أقوى منهما. وقد كفر من زعم ذلك، فإنّ اللّه تعالى هو الذي يحمل العرش وحملته. وهذه الطائفة اليونسية من غلاة الشّيعة. واليونسيّة أيضا فرقة من المرجئة ينتمون إلى يونس السّمري (¬a). وكان يزعم أنّ الإيمان هو المعرفة باللّه والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه والمحبّة له، فمن اجتمعت فيه هذه الخلال فهو مؤمن (١). وزعم أنّ إبليس كان عارفا باللّه، غير أنّه كفر باستكباره عليه. ولهم يونس بن يوسف (¬b) بن مساعد الشّيباني ثم المخارقي، شيخ الفقراء اليونسية، شيخ صالح له كرامات مشهورة، ولم يكن له شيخ، بل كان مجذوبا، جذب إلى طريق الخير. توفي بأعمال دارا، في سنة تسع عشرة وستّ مائة (¬c)، وقد ناهز تسعين سنة، وقبره مشهور يزار ويتبرّك به، وإليه تنسب هذه الطائفة اليونسيّة. زاوية الخلاطي هذه الزّاوية خارج باب النصر من القاهرة، بالقرب من زاوية الشّيخ نصر المنبجي. عرفت (¬d) وكانت لهم وجاهة: منهم ناصر الدّين محمّد بن علاء الدّين علي ابن محمّد بن حسين الخلاطي؛ مات في نصف جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، ودفن بها.

стр. 3161

الزّاويّة العدويّة بالقرافة [أثر رقم ١٧٢] هذه الزّاوية تنسب إلى الشّيخ عديّ بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن ابن مروان الهكّاري القرشي الأموي، وكان قد صحب عدّة من المشايخ - كعقيل المنبجي، وحمّاد الدّبّاس، وعبد القادر السّهروردي (١)، وعبد القادر الجيلي - ثم انقطع في جبل الهكّاريّة من أعمال الموصل، وبنى له زاوية، فمال إليه أهل تلك النواحي كلّها ميلا لم يسمع لأرباب الزّوايا مثله، حتى مات سنة سبع - وقيل سنة خمس - وخمسين وخمس مائة، ودفن في زاويته. مخطّط زاوية الشيخ زين الدّين يوسف (عن (Creswell

стр. 3162

وقدم ابن أخيه إلى هذه البلاد - وهو زين الدّين - فأكرم وأنعم عليه بإمرة، ثم تركها وانقطع في قرية بالشّام - تعرف ببيت فار - على هيئة الملوك: من اقتناء الخيول المسوّمة والمماليك والجواري والملابس، وعمل الأسمطة الملوكية. فافتتنت به بعض نساء الطائفة القيمريّة، وبالغت في تعظيمه، وبذلت له أموالا عظيمة، وحاشيتها تلومها فيه، فلا تصغي إلى قولهم. فاحتالوا حتى أوقفوها عليه، وهو عاكف على المنكرات، فما زادها ذلك إلاّ ضلالا، وقالت: أنتم تنكرون هذا عليه، إنّما الشّيخ يتدلّل على ربّه. وأتاه الأمير الكبير علم الدّين سنجر الدّوادار ومعه الشّهاب محمود لتحليفه في أوّل دولة الأشرفية خليل بن قلاوون، إلى قريته. فإذا هو كالملك في قلعته: للتّجمّل الظّاهر والحشمة الزّائدة، والفرش الأطلس، وآنية الذّهب والفضّة، والنضار الصّيني وأشياء تفوت العدّ إلى غير ذلك من الأشربة المختلفة الألوان، والأطعمة المنوّعة. فلمّا دخلا عليه لم يحتفل بهما، وقبّل الأمير سنجر يده وهو جالس لم يقم، وبقي قائما قدّامه يحدّثه، وزين الدّين يسأله ساعة، ثم أمره أن يجلس، فجلس على ركبتيه متأدّبا بين يديه، فلمّا حلّفاه،/ وأنعم عليهما بما يقارب خمسة عشر ألف درهم. وتخلّف من طائفة الشّيخ عزّ الدّين أميران، وأنعم عليه بإمرة دمشق، ثم نقل إلى إمرة بصفد، ثم أعيد إلى دمشق، وترك الإمرة وانقطع بالمزّة، وتردّد إليه الأكراد من كلّ قطر، وحملوا إليه الأموال. ثم إنّه أراد أن يخرج على السّلطان بمن معه من الأكراد في كلّ بلد، فباعوا أموالهم، واشتروا الخيل والسّلاح، ووعد رجاله بنيابات البلاد، ونزل بأرض اللجّون. فبلغ ذلك السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فكتب إلى الأمير تنكز نائب الشّام بكشف أخبارهم، وأمسك (١) (٢)

стр. 3163

السّلطان من كان بهذه الزّاوية العدويّة، ودرك على أمير طبر، واختلفت الأخبار: فقيل إنّهم يريدون سلطنة مصر، وقيل يريدون ملك اليمن. فقلق السّلطان لأمرهم وأهمّه، إلى أن أمسك الأمير تنكز عز الدّين المذكور، وسجنه في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة حتى مات، وفرّق الأكراد، ولو لم يتدارك لأوشك أن يكون لهم نوبة. زاوية السّدّار هذه الزّاوية برأس حارة الدّيلم (١)، بناها الفقير المعتقد علي بن السّدّار في سنة سبعين وسبع مائة، وتوفي سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة (٢).

стр. 3164

ذكر المشاهد التي يتبرّك الناس بزيارتها مشهد زين العابدين [أثر رقم ٥٩٩] هذا المشهد فيما بين الجامع الطولوني ومدينة مصر، تسمّيه العامّة «مشهد زين العابدين»، وهو خطأ، وإنّما هو مشهد (¬a) زيد بن عليّ، المعروف بزين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵇ ويعرف في القديم بمسجد محرس الخصّ (¬b) (١). قال القضاعيّ: مسجد محرس الخصّ (¬b) بني على رأس زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، حين أنفذه هشام بن عبد الملك إلى مصر، ونصب على المنبر بالجامع، فسرقه أهل مصر، ودفنوه في هذا الموضع. وقال الكنديّ في كتاب «الأمراء»: وقدم إلى مصر، في سنة اثنتين وعشرين ومائة، أبو الحكم ابن أبي الأبيض العبسي (¬c) خطيبا برأس زيد بن عليّ - رضوان اللّه عليه - يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة، واجتمع الناس إليه في المسجد [الجامع] (¬d) (٢).

стр. 3165

وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني في كتاب «الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون»: وبنو زيد بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈ الشّهيد بالكوفة، ولم يبق له ﵇ غير رأسه التي بالمشهد الذي بين الكومين بمصر، بطريق جامع ابن طولون وبركة الفيل، وهو من الخطط يعرف بمسجد محرس الخصّ (¬a). ولمّا صلب، كشفوا عورته، فنسج العنكبوت فسترها، ثم إنّه بعد ذلك أحرق، وذرّي في الرّيح، ولم يبق منه إلاّ رأسه التي بمصر. وهو مشهد صحيح لأنّه طيف بها بمصر، ثم نصبت على المنبر بالجامع بمصر في سنة اثنتين وعشرين ومائة، فسرقت ودفنت في هذا الموضع إلى أن ظهرت، وبني عليها مشهد. وذكر ابن عبد الظّاهر أنّ الأفضل بن أمير الجيوش، لمّا بلغته حكاية رأس زيد، أمر بكشف المسجد - وكان وسط الأكوام، ولم يبق من معالمه إلاّ محراب - فوجد هذا العضو الشّريف. قال محمد بن منجب بن الصّيرفي: حدّثني الشّريف فخر الدّين أبو الفتوح ناصر الزّيدي خطيب مصر - وكان من جملة من حضر الكشف - قال: لمّا خرج هذا العضو رأيته، وهو هامة وافرة، وفي الجبهة أثر في سعة الدّرهم، فضمّخ وعطّر، وحمل إلى دار حتى عمّر هذا المشهد. وكان وجدانه في (¬b) يوم الأحد تاسع عشرين ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين وخمس مائة. وكان الوصول به في يوم أحد، ووجدانه في يوم أحد (١). زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب - كنيته أبو الحسن - الإمام الذي تنسب إليه «الزّيديّة»، إحدى طوائف الشّيعة، سكن المدينة، وروى عن أبيه عليّ بن الحسين - الملقّب زين العابدين - وعن أبان بن عثمان، وعبيد اللّه بن أبي رافع، وعروة بن الزّبير. وروى عنه محمد بن شهاب الزّهري، وزكريا بن أبي زائدة، وخلق، ذكره ابن حبّان في «الثّقات»، وقال: رأى جماعة من الصّحابة (٢).

стр. 3166

وقيل لجعفر بن محمد الصّادق عن الرّافضة: إنّهم يتبرّأون من عمّك زيد. فقال: برئ اللّه ممّن تبرّأ من عمّي، كان واللّه أقرأنا لكتاب اللّه، وأفقهنا في دين اللّه، وأوصلنا للرّحم، واللّه ما ترك فينا لدنيا ولا لآخرة مثله. وقال أبو إسحاق السّبيعي: رأيت زيد بن عليّ، فلم أر في أهله مثله، ولا أعلم منه ولا أفضل، وكان أفصحهم لسانا، وأكثرهم زهدا وبيانا. وقال الشّعبيّ: واللّه ما ولد النساء أفضل من زيد بن عليّ، ولا أفقه ولا أشجع ولا أزهد. وقال أبو حنيفة: شاهدت زيد بن عليّ كما شاهدت أهله، فما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أعلم، ولا أسرع جوابا ولا أبين قولا، لقد كان منقطع القرين. وقال الأعمش:/ ما كان في أهل زيد بن عليّ مثل زيد، ولا رأيت فيهم أفضل منه، ولا أفصح ولا أعلم ولا أشجع، ولقد وفّى له من تابعه لإقامتهم على المنهج الواضح. وسئل جعفر بن محمد الصّادق عن خروجه، فقال: خرج على ما خرج عليه آباؤه. وكان يقال لزيد «حليف القرآن»، وقال: خلوت بالقرآن ثلاث عشرة سنة أقرؤه وأتدبّره، فما وجدت في طلب الرّزق رخصة، وما وجدت ﴿اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللّهِ﴾ [الآية ١٠ سورة الجمعة] إلاّ العبادة والفقه. وقال عاصم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب: لقد أصيب عندكم رجل ما كان في زمانكم مثله، ولا أراه يكون بعده مثله: زيد بن علي. لقد رأيته وهو غلام حدث، وإنّه ليسمع الشيء من ذكر اللّه فيغشى عليه، حتى يقول القائل: ما هو بعائد إلى الدّنيا! وكان نقش خاتم زيد «اصبر تؤجر، اصدق تنج». وقرأ مرّة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [الآية ٣٨ سورة محمد]. فقال: إنّ هذا لوعيد وتهديد من اللّه. ثم قال: اللهم لا تجعلنا ممّن تولّى عنك فاستبدلت به بدلا. وكان إذا كلّمه إنسان وخاف أن يهجم على أمر يخاف منه مأثما، قال له: يا عبد اللّه، أمسك أمسك، كفّ كفّ، إليك إليك، عليك بالنظر لنفسك. ثم يكفّ عنه ولا يكلّمه.

стр. 3167

وقد اختلف في سبب قيام زيد، وطلبه الأمر لنفسه. فقيل: إنّ زيد بن علي، وداود بن علي ابن عبد اللّه بن عبّاس، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، قدموا على خالد بن عبد اللّه القسري بالعراق، فأجازهم ورجعوا إلى المدينة. فلمّا ولي يوسف بن عمر العراق، بعد عزل خالد، كتب إلى هشام بن عبد الملك، وذكر له أن خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم ردّ الأرض عليه. فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيّرهم إليه، ففعل، فسألهم هشام عن ذلك، فأقرّوا بالجائزة، وأنكروا ما سوى ذلك، وحلفوا. فصدقهم وأمرهم بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالدا، فساروا على كره، وقابلوا خالدا، فصدقهم، وعادوا نحو المدينة. فلمّا نزلوا القادسيّة، راسل أهل الكوفة زيدا، فعاد إليهم. وقيل: بل ادّعى خالد القسري أنّه أودع زيدا وداود بن علي ونفرا من قريش مالا، فكتب يوسف بن عمر بذلك إلى الخليفة هشام بن عبد الملك، فأحضرهم هشام من المدينة، وسيّرهم إلى يوسف ليجمعهم وخالدا، فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إنّ خالدا زعم أنّه أودع عندك مالا. فقال زيد: كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره؟ فأرسل إلى خالد، فأحضره في عباءة، وقال له: هذا زيد قد أنكر أنّك أودعته شيئا. فنظر خالد إليه وإلى داود، وقال ليوسف: أتريد أن تجمع إثمك مع إثمنا في هذا؟ كيف أودعه وأنا أشتم آباءه وأشتمه على المنبر؟ فقال زيد لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: شدّد عليّ العذاب، فادّعيت ذلك، وأمّلت أن يأتي اللّه بفرج قبل قدومك. فرجعوا، وأقام زيد وداود بالكوفة. وقيل: إنّ يزيد بن خالد القسري هو الذي ادّعى أنّ المال وديعة عند زيد. فلمّا أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف، استقالوه خوفا من شرّ يوسف وظلمه، فقال: أنا أكتب إليه بالكفّ عنكم. وألزمهم بذلك. فصاروا على كره، فجمع يوسف بينهم وبين يزيد، فقال يزيد: ليس لي عندهم قليل ولا كثير. فقال له يوسف: أتهزأ بأمير المؤمنين؟ فعذّبه يومئذ عذابا كاد يهلكه، ثم أمر بالقرشيين فضربوا، وترك زيدا، ثم استحلفهم وأطلقهم، فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بالكوفة. وكان زيد قال لهشام لمّا أمره بالمسير إلى يوسف: واللّه ما آمن إن بعثني إليه ألاّ نجتمع أنا وأنت حبيبين أبدا. قال: لا بدّ من المسير إليه، فسار إليه. وقيل: كان السّبب في ذلك أنّ زيدا كان يخاصم ابن عمّه جعفر بن الحسن بن الحسين ابن علي في وقوف علي، ﵁: فزيد يخاصم عن بني حسين، وجعفر يخاصم عن بني

стр. 3168

حسن، فكانا يبلغان كلّ غاية، ويقومان فلا يعيدان ممّا كان بينهما حرفا. فلمّا مات جعفر، نازعه عبد اللّه بن الحسن بن الحسن. فتنازعا يوما بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة، فأغلظ عبد اللّه لزيد، وقال: يا ابن السّنديّة. فضحك زيد، وقال: قد كان إسماعيل ﵇ ابن أمة، ومع ذلك فقد صبرت أمّي بعد وفاة سيّدها، ولم يصبر غيرها - يعني فاطمة بنت الحسين أم عبد اللّه - فإنّها تزوّجت بعد أبيه الحسن بن الحسن. ثم إنّ زيدا ندم، واستحيى من فاطمة فإنّها عمّته، ولم يدخل إليها زمانا. فأرسلت إليه: يا ابن أخي، إنّي لأعلم أنّ أمّك عندك، كأمّ عبد اللّه عنده. وقالت لعبد اللّه: بئس ما قلت لأمّ زيد، أما واللّه لنعم دخيلة القوم كانت. وذكر أنّ خالدا قال لهما: اغدوا علينا غدا فلست ابن عبد الملك إن لم أفصل بينكما. فباتت المدينة تغلي كالمرجل: يقول قائل قال زيد كذا، ويقول قائل قال عبد اللّه كذا. فلمّا كان من الغد، جلس خالد في المسجد، واجتمع الناس، فمن بين شامت ومهموم. فدعا بهما خالد وهو يحبّ أن يتشاتما. فذهب عبد اللّه يتكلّم، فقال زيد: لا تعجل يا أبا محمد، أعتق زيد كلّ ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا. ثم أقبل إلى خالد، فقال له: لقد جمعت ذرّيّة رسول اللّه، ﷺ ، لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر. فقال خالد: أما لهذا السّفيه أحد؟ فتكلّم رجل من الأنصار من آل/ عمرو بن حزم، فقال: يا ابن أبي تراب وابن حسين السّفيه، أما ترى لوال عليك حقّا ولا طاعة؟! فقال زيد: اسكت أيها القحطاني، فإنّا لا نجيب مثلك. قال: ولم ترغب عنّي؟ فو اللّه إنّي لخير منك وخير من أبيك، وأمّي خير من أمّك. فتضاحك زيد، وقال: يا معشر قريش، هذا الدّين قد ذهب، أفتذهب الأحساب؟ فو اللّه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. فقام عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، فقال: كذبت واللّه أيّها القحطاني، فو اللّه لهو خير منك نفسا وأبا وأمّا ومحتدا. وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفّا من حصباء وضرب بها الأرض، وقال: واللّه إنّه ما لنا على هذا من صبر، وقام. ثم شخص زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، وهو يرفع إليه القصص. فكلّما يرفع قصّة، يكتب هشام في أسفلها «ارجع إلى منزلك»، فيقول زيد: واللّه لا أرجع إلى خالد أبدا. ثم إنّه أذن له يوما بعد طول حبس، فصعد زيد - وكان بادنا - فوقف في بعض الدّرج وهو يقول: واللّه لا يحبّ الدّنيا أحد إلاّ ذلّ. ثم صعد - وقد جمع له هشام أهل الشّام - فسلّم، ثم جلس. ورمى عليه هشام طويلة، فحلف لهشام على شيء، فقال هشام: لا أصدّقك. فقال:

стр. 3169

يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه لم يرفع أحدا عن أن يرضى باللّه، ولم يضع أحدا عن ألاّ يرضى بذلك منه. فقال هشام: أنت زيد المؤمّل للخلافة وما أنت والخلافة - لا أمّ لك - وأنت ابن أمة؟ فقال زيد: لا أعلم أحدا عند اللّه أفضل من نبيّ بعثه، ولقد بعث اللّه نبيّا وهو ابن أمة، ولو كان به تقصير عن منتهى غاية لم يبعث، وهو إسماعيل بن إبراهيم، والنبوّة أعظم منزلة من الخلافة عند اللّه، ثم لم يمنعه اللّه من أن جعله أبا للعرب، وأبا لخير البشر محمّد ﷺ ، وما يقصر برجل أبوه رسول اللّه ﷺ ، وبعد أمّي فاطمة لا أفخر بأمّ. فوثب هشام من مجلسه، وتفرّق الشّاميون عنه، وقال لحاجبه: لا يبيت هذا في عسكري أبدا. فخرج زيد وهو يقول: ما كره قوم قطّ جرّ السّيوف إلاّ ذلّوا. وسار إلى الكوفة، فقال له محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب: أذكّرك اللّه يا زيد لما لحقت بأهلك، ولا تأت أهل الكوفة، فإنّهم لا يفون لك. فلم يقبل، وقال: خرج بنا هشام أسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشّام، ثم إلى الجزيرة، ثم إلى العراق، ثم إلى تيس ثقيف يلعب بنا. وأنشد: [الكامل] بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني … أصبحت عن عرض الحياة بمعزل فأجبتها إنّ المنيّة منزل … لا بد أن أسقى بكأس المنهل إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت … مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل فاقني حباك (¬a) لا أبا لك واعلمي … إنّي امرؤ سأموت إن لم أقتل أستودعك اللّه، وإنّي أعطي اللّه عهدا إن دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت. وفارقه، وأقبل إلى الكوفة، فأقام بها مستخفيا يتنقّل في المنازل. فأقبلت الشّيعة تختلف إليه تبايعه، فبايعه جماعة من وجوه أهل الكوفة. وكانت بيعته: «إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه، وجهاد الظالمين، والدّفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسّواء، وردّ المظالم، وأفعال الخير، ونصرة أهل البيت، أتبايعون على ذلك؟». فإذا قالوا: نعم، وضع يده على أيديهم ويقول: «عليك عهد اللّه وميثاقه وذمّته وذمّة رسول اللّه ﷺ : لتؤمننّ بيعتي، ولتقاتلنّ عدوّي، ولتنصحنّ لي في السّرّ والعلانية.

стр. 3170

فإذا قال: نعم، مسح يده على يده، ثم قال: اللهم فاشهد. فبايعه خمسة عشر ألفا - وقيل أربعون ألفا - وأمر أصّحابه بالاستعداد. فأقبل من يريد أن يفي ويخرج معه يستعد ويتهيّأ. فشاع أمره في الناس. هذا على قول من زعم أنّه أتى الكوفة من الشّام، واختفى بها يبايع الناس. وأمّا على قول من زعم أنّه أتى إلى يوسف بن عمر، لمرافعة خالد بن عبد اللّه القسري، أو ابنه يزيد بن خالد، فإنّه قال: أقام زيد بالكوفة ظاهرا، ومعه داود بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس، وأقبلت الشّيعة تختلف إليه، وتأمره بالخروج ويقولون: إنّا لنرجو أن تكون أنت المنصور، وإنّ هذا الزّمان الذي يهلك فيه بنو أميّة. فأقام بالكوفة، ويوسف بن عمر يسأل عنه، فيقال هو هاهنا، ويبعث إليه ليسير، فيقول: نعم، ويعتل بالوجع. فمكث ما شاء اللّه. ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة، فاحتجّ بأنّه يحاكم آل طلحة بن عبيد اللّه بملك بينهما بالمدينة. فأرسل إليه ليوكّل وكيلا ويرحل عنها. فلمّا رأى الجدّ من يوسف في أمره، سار حتّى أتى القادسيّة - وقيل الثّعلبيّة - فتبعه أهل الكوفة، وقالوا له: نحن أربعون ألفا، لم يتخلّف عنك أحد، نضرب عنك بأسيافنا، وليس هاهنا من أهل الشّام إلاّ عدّة يسيرة، وبعض قبائلنا يكفيهم بإذن اللّه، وحلفوا له بالأيمان المغلّظة. فجعل يقول: إنّي أخاف أن تخذلوني وتسلّموني، كفعلكم بأبي وجدّي. فيحلفون له. فقال له داود بن علي: لا يغرّك يا ابن عمّي هؤلاء، أليس قد خذلوا من كان أعزّ عليهم منك: جدّك علي بن أبي/ طالب حتّى قتل، والحسن من بعده بايعوه، ثم وثبوا عليه وانتزعوا رداءه وجرحوه؟ أوليس قد أخرجوا جدّك الحسين، وحلفوا له، ثم خذلوه وأسلموه، ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه؟ فلا ترجع معهم. فقالوا: يا زيد، إنّ هذا لا يريد أن تظهر أنت، ويزعم أنّه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم. فقال زيد لداود: إنّ عليّا كان يقاتله معاوية بذهبه، وإنّ الحسين قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم. فقال له داود: إنّي أخاف إن رجعت معهم ألاّ يكون أحد أشدّ عليك منهم، وأنت أعلم. ومضى داود إلى المدينة، ورجع زيد إلى الكوفة فأتاه سلمة بن كهيل، فذكر له قرابته من رسول اللّه ﷺ وحقّه، فأحسن، ثم قال له: نشدتك اللّه، كم بايعك؟ قال: أربعون ألفا. قال: فكم بايع جدّك؟ قال: ثمانون ألفا. قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاث مائة. قال: نشدتك اللّه، أنت خير أم جدّك؟ قال: جدّي. قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدّك؟ قال: قد بايعوني،

стр. 3171

ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم. قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد، فلا آمن أن يحدث حدث فأهلك نفسي؟ فأذن له، فخرج إلى اليمامة. وكتب عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى زيد: «أمّا بعد، فإنّ أهل الكوفة نفج العلانية، حور السّريرة، هوج في الرّدّ، أجزع في اللقا، تقدمهم ألسنتهم، ولا تتابعهم قلوبهم، ولقد تواترت كتبهم إليّ بدعوتهم، فصمّمت عن ندائهم، وألبست قلبي عشاء من ذكرهم، يأسا منهم، واطّراحا لهم. وما لهم مثل إلاّ ما قال عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه: إن أهملتم خضتم، وإن خوّرتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم». فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك، وأقام على حاله يبايع الناس، ويتجهّز للخروج، وتزوّج بالكوفة امرأتين، وكان ينتقل تارة عند هذه في بني سلمة قومها، وتارة عند هذه في الأزد قومها، وتارة في بني عبس، وتارة في بني تغلب وغيرهم، إلى أن ظهر في سنة اثنتين وعشرين ومائة، فأمر أصحابه بالاستعداد، وأخذ من كان يريد الوفاء بالبيعة يتجهّز. فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث في طلب زيد، فلم يوجد. وخاف زيد أن يؤخذ، فتعجّل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن الصّلت في ناس من أهل الشّام، ويوسف بن عمر بالحيرة. فلمّا علم أصحاب زيد أنّ يوسف بن عمر قد بلغه الخبر، وأنّه يبحث عن زيد، اجتمع إلى زيد جماعة من رءوسهم، فقالوا: رحمك اللّه، ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال زيد: رحمهما اللّه وغفر لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يقول فيهما إلاّ خيرا، وإنّ أشدّ ما أقول فيما ذكرتم: إنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول اللّه ﷺ من الناس أجمعين، فدفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، وقد ولوا فعدلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسّنّة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم يظلموا؟ وإذا كان هؤلاء لم يظلموا فلم تدعو إلى قتالهم؟ فقال: إنّ هؤلاء ليسوا كأولئك، هؤلاء ظالمون لي ولأنفسهم ولكم، وإنّما ندعوهم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه محمد ﷺ ، وإلى السّنن أن تحيى، وإلى البدع أن تطفأ، فإن أجبتمونا سعدتم، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل.

стр. 3172

ففارقوه ونكثوا بيعته، وقالوا: قد سبق الإمام - يعنون محمّدا الباقر، وكان قد مات - وقالوا: جعفر ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه. فسمّاهم زيد «الرّافضة»، وهم يزعمون أنّ المغيرة سمّاهم الرّافضة حين فارقوه. وكانت طائفة قد أتت جعفر بن محمد الصّادق قبل قيام زيد، وأخبروه ببيعته، فقال: بايعوه لهو واللّه أفضلنا وسيّدنا. فعادوا وكتموا ذلك. وكان زيد قد واعد أصحابه أوّل ليلة من صفر. فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث إلى الحكم عامله على الكوفة يأمره بأن يجمع الناس بالمسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم وطلبوا زيدا، فخرج ليلا من دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وكان بها، ورفعوا النيران، ونادوا: يا منصور، حتى طلع الفجر. فلمّا أصبحوا نادى أصحاب زيد بشعارهم وثاروا، فأغلق الحكم دروب السّوق وأبواب المسجد على الناس، وبعث إلى يوسف بن عمر وهو بالحيرة، فأخبره الخبر، فأرسل إليه خمسين فارسا ليعرفوا الخبر، فساروا حتى عرفوا الخبر، وعادوا إليه. فسارت الحيرة بأشراف الناس، وبعث ألفين من الفرسان وثلاث مائة رجّالة معهم النشّاب. وأصبح زيد، فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا، فقال: سبحان اللّه! أين الناس؟ فقيل: إنّهم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: واللّه ما هذا بعذر لمن بايعنا. وأقبل فلقيه على جبّانة الصّايديين خمس مائة من أهل الشّام، فحمل عليهم فيمن معه حتى هزمهم، وانتهى إلى دار أنس بن عمر الأزدي - وكان فيمن بايعه وهو في الدّار - فنودي فلم يجب، فناداه زيد فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم؟ قد فعلتموها، اللّه حسيبكم. (¬a) ثم سار إلى الكناسة فحمل على من بها من أهل الشّام فهزمهم (¬a) ثم سار ويوسف بن عمر ينظر إليه، وهو في مائتي رجل، فلو قصده زيد لقتله. والرّيان يتبع آثار زيد بالكوفة في أهل الشّام، فأخذ زيد في المسير، حتى دخل الكوفة، فسار بعض أصحابه إلى الجبّانة، وواقعوا أهل/ الشّام، فأسر أهل الشّام منهم رجلا، ومضوا به إلى يوسف بن عمر فقتله. فلمّا رأى زيد خذلان الناس إيّاه، قال: قد فعلوها حسينيّة (¬b)، وسار، وهو يهزم من لقيه، حتى انتهى إلى باب المسجد، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الباب، ويقولون: يا أهل المسجد اخرجوا من الذّلّ إلى العزّ،

стр. 3173

اخرجوا إلى الدّين والدّنيا، فإنّكم لستم في دين ولا دنيا. وزيد يقول: واللّه ما خرجت، ولا قمت مقامي هذا، حتى قرأت القرآن، وأتقنت الفرائض، وأحكمت السّنن والآداب، وعرفت التأويل كما عرفت التّنزيل، وفهمت الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والخاصّ والعامّ، وما تحتاج إليه الأمّة في دينها ممّا لا بدّ لها منه ولا غنى لها عنه، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي. فرماهم أهل المسجد بالحجارة من فوق المسجد، فانصرف زيد فيمن معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرّزق، فأتاه الرّيّان وقاتله، وخرج أهل الشّام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنّا. فلمّا كان من الغد، أرسل يوسف بن عمر عدّة عليهم العبّاس بن سعد المزني، فلقيهم زيد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب العبّاس، وقتل منهم نحو من سبعين. فلمّا كان العشي، عبّأ يوسف بن عمر الجيوش وسرّحهم، فالتقاهم زيد بمن معه، وحمل عليهم حتى هزمهم وهو يتبعهم. فبعث يوسف طائفة من الناشبة (¬a)، فرموا أصحاب زيد، وهو يقاتل حتى دخل الليل، فرمي بسهم في جبهته اليسرى ثبت في دماغه. فرجع أصحابه، ولا يظنّ أهل الشّام أنّهم رجعوا للمساء والليل، فأنزلوا زيدا في دار، وأتوه بطبيب فانتزع النصل، فضجّ زيد ومات ﵀، لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، وعمره اثنتان وأربعون سنة. ولمّا مات اختلف أصحابه في أمره، فقال بعضهم: نطرحه في الماء، وقال بعضهم: بل نحزّ رأسه ونلقيه في القتلى، فقال ابنه يحيى بن زيد: واللّه لا يأكل لحم أبي الكلاب، وقال بعضهم: ندفنه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماء، ففعلوا ذلك وأجروا عليه الماء. وكان معه مولى سندي فدلّ عليه، وقيل رآهم قصّار فدلّ عليه. وتفرّق الناس من أصحاب زيد، وسار ابنه يحيى نحو كربلاء، وتتبّع يوسف بن عمر الجرحى في الدّور حتى دلّ على زيد في يوم جمعة، فأخرجه، وقطع رأسه وبعث به إلى هشام بن عبد الملك، فدفع لمن وصل به عشرة آلاف درهم، ونصبه على باب دمشق، ثم أرسله إلى المدينة، وسار منها إلى مصر. وأمّا جسده فإنّ يوسف بن عمر صلبه بالكناسة، ومعه ثلاثة ممّن كانوا معه، وأقام الحرس عليه. فمكث زيد مصلوبا أكثر من سنتين حتى مات هشام، وولي الوليد من بعده، وبعث إلى

стр. 3174

يوسف بن عمر أن أنزل زيدا وأحرقه بالنار، فأنزله وأحرقه، وذرّى رماده في الرّيح. وكان زيد لمّا صلب وهو عريان، استرخى بطنه على عورته حتى ما يرى من سوءته شيء. ومرّ زيد مرّة بمحمد ابن الحنفيّة، فنظر إليه وقال: أعيذك باللّه أن تكون زيد بن علي المصلوب بالعراق. وقال عبد اللّه بن حسين بن علي بن الحسين بن علي: سمعت أبي يقول: «اللهم إنّ هشاما رضي بصلب زيد فاسلبه ملكه، وإنّ يوسف بن عمر أحرق زيدا، اللهم فسلّط عليه من لا يرحمه، اللهم وأحرق هشاما في حياته إن شئت، وإلاّ فأحرقه بعد موته». قال: فرأيت واللّه هشاما محرقا لمّا أخذ بنو العبّاس دمشق، ورأيت يوسف بن عمر بدمشق مقطّعا على كلّ باب من أبواب دمشق منه عضو، فقلت: يا أبتاه وافقت دعوتك ليلة القدر. فقال: لا يا بني، بل صمت ثلاثة أيّام من شهر رجب، وثلاثة أيّام من شعبان، وثلاثة أيّام من شهر رمضان، كنت أصوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم أدعو اللّه عليهما من صلاة العصر يوم الجمعة حتى أصلّي المغرب. وبعد قتل زيد، انتقض ملك بني أميّة وتلاشى، إلى أن أزالهم اللّه تعالى ببني العبّاس. وهذا المشهد باق بين كيمان مدينة مصر، يتبرّك الناس بزيارته ويقصدونه، لا سيّما في يوم عاشوراء، والعامّة تسمّيه «زين العابدين»، وهو وهم، وإنّما زين العابدين أبوه، وليس قبره بمصر، بل قبره بالبقيع. ولمّا قتل الإمام زيد سوّدت الشّيعة - أي لبست السّواد - وكان أوّل من سوّد على زيد شيخ بني هاشم في وقته الفضل بن عبد الرّحمن بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم، ورثاه بقصيدة طويلة، وشعره حجّة احتجّ به سيبويه، توفي سنة تسع وعشرين ومائة. مشهد السّيّدة نفيسة قال الشّريف النقيب النسّابة شرف الدّين أبو عليّ محمد بن أسعد بن عليّ بن معمر بن عمر الحسيني الجوّاني المالكي في كتاب «الزّورة (¬a) الأنيسة بفضل مشهد السّيّدة نفيسة، ﵂»: نفيسة بنت (¬b) الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵈ أمّها أمّ

стр. 3175

ولد، وإخوتها: القاسم ومحمّد وعليّ وإبراهيم وزيد وعبيد اللّه ويحيى وإسماعيل وإسحاق وأمّ كلثوم، أولاد الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ، فأمّهم أمّ سلمة، واسمها زينب ابنة الحسن ابن الحسن بن عليّ، وأمّها أم ولد (١). تزوّج أمّ كلثوم، أخت نفيسة، عبد اللّه بن عليّ بن/ عبد اللّه بن عبّاس ﵃ ثم خلف عليه الحسن بن زيد بن عليّ بن الحسن بن عليّ. وأمّا عليّ وإبراهيم وزيد، إخوة نفيسة من أبيها، فأمّهم أمّ ولد تدعى أمّ عبد الحميد. وأمّا عبيد اللّه بن الحسن بن زيد، فأمّه الزّائدة بنت بسطام بن عمير بن قيس الشّيباني. وأمّا إسماعيل وإسحاق فهما لأمّي ولد. وكان إسماعيل من أهل الفضل والخير، صاحب صوم ونسك، وكان يصوم يوما ويفطر يوما. وأمّا يحيى بن زيد فله مشهد معروف بالمشاهد، يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى (٢). وتزوّج بنفيسة ﵂ إسحاق بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈ وكان يقال له إسحاق المؤتمن، وكان من أهل الصّلاح والخير والفضل والدّين، روي عنه الحديث، وكان ابن كاسب إذا حدّث عنه يقول: حدّثني الثّقة الرّضي إسحاق بن جعفر. وكان له عقب بمصر منهم بنو الرّقّى، وبحلب بنو زهرة. ولدت نفيسة من إسحاق ولدين، هما القاسم وأمّ كلثوم، لم يعقبا. وأمّا جدّ نفيسة، وهو زيد بن الحسن بن عليّ، فروى عن أبيه وعن جابر وابن عبّاس، وروى عنه ابنه. وكانت بينه وبين عبد اللّه بن محمد ابن الحنفيّة خصومة، وفدا لأجلها على الوليد ابن عبد الملك، وكان يأتي الجمعة من ثمانية أميال، وكان إذا ركب نظر الناس إليه، وعجبوا من عظم خلقه، وقالوا: جدّه رسول اللّه. وكتب إليه الوليد بن عبد الملك يسأله أن يبايع لابنه عبد العزيز، ويخلع سليمان بن عبد الملك، ففرق منه وأجابه. فلمّا استخلف سليمان، وجد كتاب زيد بذلك إلى الوليد، فكتب إلى

стр. 3176

أبي بكر بن حزم أمير المدينة: «ادع زيد بن الحسن فأقره الكتاب، فإن عرفه فاكتب إليّ، وإن هو نكل فقدّمه، فاحلف (¬a) يمينه عند منبر رسول اللّه ﷺ أنّه ما كتبه، ولا أمر به». فخاف زيد اللّه واعترف، فكتب بذلك أبو بكر، فكتب سليمان أن يضربه مائة سوط، وأن يدرعه عباءة ويمشيه حافيا. فحبس عمر بن عبد العزيز الرّسول، وقال: حتى أكلّم أمير المؤمنين فيما كتب به في حقّ زيد. فقال للرّسول: لا تخرج فإنّ أمير المؤمنين مريض. فمات سليمان، وأحرق عمر الكتاب. وأمّا والد نفيسة، وهو الحسن بن زيد، فهو الذي كان والي المدينة النبويّة من قبل أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، وكان فاضلا أديبا عالما، وأمّه أمّ ولد، توفي أبوه وهو غلام، وترك عليه دينا أربعة آلاف دينار، فحلّف الحسن ولده ألاّ يظلّ رأسه سقف إلاّ سقف مسجد رسول اللّه ﷺ ، أو بيت رجل يكلّمه في حاجة، حتى يقضي دين أبيه. فوفّاه، وقضاه بعد ذلك. ومن كرمه أنّه أتي بشاب شارب متأدّب، وهو عامل على المدينة، فقال: يا ابن رسول اللّه لا أعود، وقد قال رسول اللّه ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»، وأنا ابن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف، وقد كان أبي مع أبيك كما قد علمت. قال: صدقت، فهل أنت عائد؟ قال: لا واللّه. فأقاله، وأمر له بخمسين دينارا، وقال له: تزوّج بها وعد إليّ. فتاب الشّابّ، وكان الحسن ابن زيد يجري عليه النفقة. وكانت نفيسة من الصّلاح والزّهد على الحدّ الذي لا مزيد عليه، فيقال إنّها حجّت ثلاثين حجّة. وكانت كثيرة البكاء، تديم قيام الليل وصيام النهار، فقيل لها: ألا ترفقين بنفسك؟ فقالت: كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلاّ الفائزون. وكانت تحفظ القرآن وتفسيره. وكانت لا تأكل إلاّ في كلّ ثلاث ليال أكلة واحدة، ولا تأكل من غير زوجها شيئا. وقد ذكر أنّ الإمام الشّافعي محمد بن إدريس كان زارها، وهي من وراء الحجاب، وقال لها: «ادعي لي»، وكان صحبته عبد اللّه بن عبد الحكم. وماتت ﵂ بعد موت الإمام الشّافعي - رحمة اللّه عليه - بأربع سنين، لأنّ الشّافعي توفيّ سلخ شهر رجب سنة أربع ومائتين، يقال إنّها فيمن (¬b) صلّى على الإمام الشّافعي.

стр. 3177

وتوفّيت السّيّدة نفيسة في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين، (¬a) وقيل توفّيت أوّل يوم من رجب، وقد أقامت بمصر سبع سنين (¬a)، ودفنت في منزلها، وهو الموضع الذي به قبرها الآن، ويعرف بخطّ درب السّباع ودرب يزرب. وأراد إسحاق بن الصّادق - وهو زوجها - أن يحملها ليدفنها بالمدينة، فسأله أهل مصر أن يتركها، ويدفنها عندهم لأجل البركة. وقبر السّيّدة نفيسة أحد المواضع المعروفة بإجابة الدّعاء بمصر، وهي أربعة مواضع: سجن نبيّ اللّه يوسف الصّدّيق ﵇، ومسجد موسى صلوات اللّه عليه وهو الذي بطرا، ومشهد السّيّدة نفيسة ﵂، والمخدع الذي على يسار المصلّى في قبلة مسجد الأقدام بالقرافة. فهذه المواضع لم يزل المصريون، ممّن أصابته مصيبة أو لحقته فاقة أو جائحة، يمضون إلى أحدها، فيدعون اللّه تعالى، فيستجيب لهم، مجرّب ذلك. انتهى. ويقال إنّها حفرت قبرها هذا، وقرأت فيه تسعين ومائة ختمة، وإنّها لمّا احتضرت خرجت من الدّنيا، وقد انتهت في حزبها إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ﴾ [الآية ١٢ سورة الأنعام]. ففاضت نفسها - رحمها اللّه تعالى - مع قوله ﴿اَلرَّحْمَةَ﴾. ويقال إنّ الحسن بن زيد - والد السّيّدة نفيسة - كان مجاب الدّعوة ممدوحا، وإنّ شخصا وشى به إلى أبي جعفر المنصور أنّه يريد الخلافة/ لنفسه، فإنّه كان قد انتهت إليه رياسة بني حسن، فأحضره من المدينة، وسلبه ماله، ثم إنّه ظهر له كذب الناقل عنه، فمنّ عليه وردّه إلى المدينة مكرّما. فلمّا قدمها بعث إلى الذي وشى به بهديّة، ولم يعتبه على ما كان منه. ويقال إنّه كان مجاب الدّعوة، فمرّت به امرأة، وهو في الأبطح، ومعها ابن لها على يدها، فاختطفه عقاب، فسألت الحسن بن زيد أن يدعو اللّه لها بردّه، فرفع يديه إلى السّماء ودعا ربّه، فإذا بالعقاب قد ألقى الصّغير من غير أن يضرّه بشيء، فأخذته أمّه. وكان يعدّ بألف من الكرام.

стр. 3178

ولمّا قدمت السّيّدة نفيسة إلى مصر، مع زوجها إسحاق بن جعفر، نزلت بالممصوصة (¬a)، وكان بجوارها دار فيها قوم من أهل الذّمّة، ولهم ابنة مقعدة لم تمش قط. فلمّا كان في يوم من الأيّام، ذهب أهلها في حاجة من حوائجهم، وتركوا المقعدة عند السّيّدة نفيسة، فتوضّأت محراب مشهد السّيّدة نفيسة وصبّت من فضل وضوئها على الصّبيّة المقعدة، وسمّت اللّه تعالى، فقامت تسعى على قدميها ليس بها بأس ألبتّة. فلمّا قدم أهلها وعاينوها تمشي، أتوا إلى السّيّدة نفيسة - وقد تيقّنوا أنّ مشي ابنتهم كان ببركة دعائها - وأسلموا بأجمعهم على يديها، فاشتهر بذلك بمصر، وعرف أنّه من بركاتها. وتوقّف النيل عن الزّيادة في زمنها، فحضر الناس إليها، وشكوا إليها ما حصل من توقّف النيل، فدفعت قناعها إليهم، وقالت لهم: ألقوه في النيل، فألقوه فيه، فزاد حتى بلّغ اللّه به المنافع. وأسر ابن لامرأة ذمّيّة في بلاد الرّوم، فأتت إلى السّيّدة نفيسة، وسألتها الدّعاء أن يردّ اللّه ابنها عليها. فلمّا كان الليل لم تشعر الذّمّيّة إلاّ بابنها وقد هجم عليها دارها، فسألته عن خبره، فقال: يا أمّاه لم أشعر إلاّ ويد قد وقعت على القيد الذي كان في رجلي، وقائل يقول: أطلقوه قد شفعت فيه نفيسة بنت الحسن، فو الذي يحلف به يا أمّاه، لقد كسر قيدي، وما شعرت بنفسي إلاّ وأنا واقف بباب هذه الدّار. فلمّا أصبحت الذّمّيّة، أتت إلى السّيّدة نفيسة، وقصّت عليها الخبر، وأسلمت هي وابنها، وحسن إسلامهما.

стр. 3179

وذكر غير واحد من علماء الأخبار (١) بمصر أنّ هذا قبر السّيّدة نفيسة بلا خلاف، وقد زار قبرها من العلماء والصّالحين خلق لا يحصى عددهم. ويقال إنّ أوّل من بنى على قبر السّيّدة نفيسة عبيد اللّه بن السّريّ بن الحكم أمير مصر. ومكتوب في اللوح الرّخام الذي على باب ضريحها - وهو الذي كان مصفّحا بالحديد - بعد البسملة ما نصّه: «نصر من اللّه وفتح قريب لعبد اللّه ووليّه، معدّ أبي تميم الإمام المستنصر باللّه، أمير المؤمنين، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرّمين. أمر بعمارة هذا الباب السّيّد الأجلّ أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام (¬a)، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضّد اللّه به الدّين، وأمتع بطول بقائه أمير (¬b) المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، وشدّ عضده بولده الأجلّ الأفضل، سيف الإمام، جلال الإسلام، شرف الأنام، ناصر الدّين خليل أمير المؤمنين، زاد اللّه في علائه، وأمتع المؤمنين (¬b ٢) بطول بقائه، في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة» (٢).

стр. 3180

والقبّة التي على الضّريح جدّدها الخليفة الحافظ لدين اللّه في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة، وأمر بعمل الرّخام الذي بالمحراب (١). مشهد السّيّدة كلثم (¬a) [أثر رقم ٥١٦] هي كلثم (¬a) بنت القاسم بن محمد بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب. موضعه بمقابر قريش بمصر بجوار الخندق. وهي أمّ جعفر ابن موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق؛ كانت من الزّاهدات العابدات (٢).

стр. 3181

مخطّط مشهد السّيّدة كلثم سنا وثنا يقال إنّهما من أولاد جعفر بن محمد الصّادق. كانتا تتلوان القرآن الكريم في كلّ ليلة فماتت إحداهما، فصارت الأخرى تتلو وتهدي ثواب قراءتها لأختها حتى ماتت (١).

стр. 3182

ذكر مقابر مصر والقاهرة المشهورة القبر مدفن الإنسان، وجمعه قبور؛ والمقبرة موضع القبر. قال سيبويه: المقبرة ليس على الفعل، ولكنه اسم، وقبره يقبره: دفنه، وأقبره: جعل له قبرا (١). واعلم أنّ لأهل مدينة مصر ولأهل القاهرة عدّة مقابر، وهي «القرافة»، فما كان منها في سفح الجبل يقال له «القرافة الصّغرى»، وما كان منها في شرق مصر بجوار المساكن يقال له «القرافة الكبرى». وفي القرافة الكبرى كانت مدافن أموات المسلمين منذ افتتحت أرض مصر، واختطّ العرب مدينة الفسطاط، ولم يكن لهم مقبرة سواها. فلمّا قدم القائد جوهر من قبل المعزّ لدين اللّه وبنى القاهرة وسكنها الخلفاء، اتّخذوا بها تربة/ عرفت ب «تربة الزّعفران»، قبروا فيها أمواتهم (٢)، ودفن رعيّتهم من مات منهم في القرافة، إلى أن ختطّت الحارات خارج باب زويلة، فقبر سكانها موتاهم خارج باب زويلة ممّا يلي الجبل (¬a)، فيما بين جامع الصّالح وقلعة الجبل، وكثرت المقابر بها عند حدوث الشّدّة العظمى أيّام الخليفة المستنصر. ثم لمّا مات أمير الجيوش بدر الجمالي دفن خارج باب النصر، فاتّخذ الناس هنالك مقابر موتاهم، وكثرت مقابر أهل الحسينيّة في هذه الجهة (٣). ثم دفن الناس الأموات خارج القاهرة في الموضع الذي عرف بميدان القبق، فيما بين قلعة الجبل وقبّة النصر، وبنوا هناك التّرب الجليلة (٤)، ودفن الناس أيضا خارج القاهرة فيما بين باب الفتوح والخندق.

стр. 3183

ولكلّ مقبرة من هذا المقابر أخبار، سوف أقصّ عليك من أنبائها ما انتهت إلى معرفته قدرتي إن شاء اللّه تعالى. * ** ويذكر أهل العناية بالأمور المتقادمة أنّ الناس في الدّهر الأوّل لم يكونوا يدفنون موتاهم إلى أن كان زمن دوناي - الذي يدعى سيّد البشر، لكثرة ما علّم الناس من المنافع - فشكا إليه أهل زمانه ما يتأذّون به من خبث موتاهم، فأمرهم أن يدفنوهم في خوابي، ويسدّوا رءوسها، ففعلوا ذلك. فكان دوناي أوّل من دفن الموتى. وذكر أنّ دوناي هذا كان قبل آدم بدهر طويل، مبلغه عشرون ألف سنة، وهي دعوى لا تصحّ. وفي القرآن الكريم ما يقتضي أنّ قابيل بن آدم أوّل من دفن الموتى، واللّه أصدق القائلين (١). وقد قال الشّافعيّ، ﵀: وأكره أن يعظّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده. ذكر القرافة روى التّرمذيّ من حديث أبي طيبة عبد اللّه بن مسلم، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه - رفعه -: «من مات من أصحابي بأرض، بعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة». قال: وهذا حديث غريب، وقد روي عن أبي طيبة عن ابن بريدة مرسلا، وهذا أصحّ (٢). قال أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب «فتوح مصر»: حدّثنا عبد اللّه بن صالح، حدّثنا الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطّم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك، وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين. فكتب بذلك إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر: «سله لم أعطاك به ما

стр. 3184

أعطاك، وهي لا تزدرع، ولا يستنبط بها ماء، ولا ينتفع بها؟». فسأله فقال: إنّا لنجد صفتها في الكتب أنّ فيها غراس الجنّة. فكتب بذلك إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر: «إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلاّ المؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء». فكان أوّل من دفن فيها رجل من المعافر (¬a)، يقال له عامر، فقيل عمرت. فقال المقوقس لعمرو: ما ذلك، ولا على هذا عاهدتنا. فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم (١). وعن ابن لهيعة: أنّ المقوقس قال لعمرو: «إنّا لنجد في كتابنا أنّ ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم، ينبت فيه شجر الجنّة». فكتب بقوله إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فقال: «صدق، فاجعلها مقبرة للمسلمين» (٢). فقبر فيها ممّن عرف من أصحاب رسول اللّه ﷺ خمسة نفر: عمرو بن العاص السّهميّ، وعبد اللّه بن حذافة السّهمي، وعبد اللّه بن جزء الزّبيدي، وأبو بصرة (¬b) الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني، ويقال: ومسلمة بن مخلد الأنصاري (٣). انتهى. ويقال: إنّ عامرا هو الذي كان أوّل من دفن بالقرافة، قبره الآن تحت حائط مسجد الفتح الشّرقي، وقالت فيه امرأة من العرب: [السريع] قامت تبكيه (¬c) على قبره … من لي من بعدك يا عامر تركتني في الدّار ذا غربة … قد ذلّ من ليس له ناصر وروى أبو سعيد عبد الرّحمن بن أحمد بن يونس في «تاريخ مصر»، من حديث حرملة ابن عمران، قال: حدّثني عمير بن أبي مدرك الخولاني، عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: بينا نحن نسير مع عمرو بن العاص في سفح هذا الجبل، ومعنا المقوقس، فقال له عمرو: يا مقوقس، ما بال جبلكم هذا أقرع، ليس عليه نبات ولا شجر على نحو بلاد الشّام؟ فقال: لا أدري،

стр. 3185

ولكن اللّه أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك، ولكنه نجد تحته ما هو خير من ذلك. قال: وما هو؟ قال: ليدفنن تحته - أو ليقبرن تحته - قوم يبعثهم اللّه يوم القيامة لا حساب عليهم. قال عمرو: اللهم اجعلني منهم. قال حرملة بن عمران: فرأيت قبر عمرو بن العاص، وقبر أبي بصرة (¬a)، وقبر عقبة بن عامر فيه. وخرّج أبو عيسى التّرمذيّ، من حديث أبي طيبة عبد اللّه بن مسلم، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه - رفعه -: «من مات من أصحابي بأرض بعث قائدا لهم ونورا لهم (¬b) يوم القيامة» (١). وقال القاضي أبو عبد اللّه بن محمد بن سلامة القضاعيّ: القرافة هم بنو غضّ بن سيف ابن وائل من (¬c) المعافر (¬d)، وفي نسخة بنو غصن (٢). وقال أبو عمر (¬d) الكندي: بنو محصن بن سيف بن وائل بن الجيزي بن شراحبيل/ ابن المعافر (¬d) بن يعفر، وقيل إنّ قرافة اسم أمّ عزافر وجحض ابني سيف بن وائل بن الجيزي (٣)، قد صحّف القضاعي في قوله «غصن» بالغين المعجمة، والأقرب ما قاله الكندي؛ لأنّه أقعد بذلك. وقال ياقوت: والقرافة - بفتح القاف وراء مخفّفة وألف خفيفة وفاء - الأوّل: مقبرة بمصر مشهورة، مسمّاة بقبيلة من المعافر يقال لهم «بنو قرافة». الثّاني: القرافة محلّة بالإسكندرية، منسوبة إلى القبيلة أيضا (٤). وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني في كتاب «النقط» - وقد ذكر جامع القرافة الذي يقال له اليوم جامع الأولياء -: وكان جماعة من الرّؤساء يلزمون النوم بهذا الجامع، ويجلسون في ليالي

стр. 3186

الصّيف يتحدّثون في القمر في صحنه، وفي الشّتاء ينامون عند المنبر، وكان يحصل لقيمه الأشوية (¬a) والحلوى والجرايات. وكان الناس يحبّون هذا الموضع، ويلزمونه لأجل من يحضر من الرّؤساء، وكانت الطفيليّة يلزمون المبيت فيه ليالي الجمع، وكذلك أكثر المساجد التي بالقرافة والجبل والمشاهد، لأجل ما يحمل إليها، ويعمل فيها من الحلاوات واللحومات والأطعمة (١). وقال (¬b) علي بن (¬b) موسى بن محمد بن سعيد في كتاب «المغرب في أخبار المغرب»: وبتّ ليالي كثيرة بقرافة الفسطاط، وهي في شرقيها، بها منازل الأعيان بالفسطاط والقاهرة، وقبور عليها مبان معتنى بها، وفيها القبّة العالية العظيمة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشّافعيّ ﵁ وبها مسجد جامع، وترب كثيرة عليها أوقاف للقرّاء، ومدرسة كبيرة للشّافعية. ولا تكاد تخلو من طرب، ولا سيّما في الليالي المقمرة، وهي معظم مجتمعات أهل مصر، وأشهر متنزّهاتهم، وفيها أقول: [الكامل] إنّ القرافة قد حوت ضدّين من … دنيا وأخرى فهي نعم المنزل يغشى الخليع بها السّماع مواصلا … ويطوف حول قبورها المتبتّل كم ليلة بتنا بها ونديمنا … لحن يكاد يذوب منه الجندل والبدر قد ملأ البسيطة نوره … فكأنّما قد فاض منه جدول وبدا يضاحك أوجها حاكينه … لمّا تكامل وجهه المتهلّل (٢) وفوق القرافة من شرقيها جبل المقطّم، وليس له علوّ ولا عليه اخضرار، وإنّما يقصد للبركة، وهو نبيه الذّكر في الكتب، وفي سفحه مقابر أهل الفسطاط والقاهرة (٣). والإجماع على أنّه ليس في الدّنيا مقبرة أعجب منها، ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحجرها، ولا أعجب تربة منها كأنّها الكافور والزّعفران، مقدّسة في جميع الكتب، وحين تشرف عليها تراها مدينة بيضاء، والمقطّم عال عليها كأنّه حائط من ورائها.

стр. 3187

وقال شافع بن عليّ (١): [الطويل] تعجّبت من أمر القرافة إذ غدت … على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو فألفيتها مأوى الأحبّة كلّهم … ومستوطن الأحباب يصبو له القلب وقال الأديب أبو سعد (¬a) محمد بن أحمد العميدي (٢): [الوافر] إذا ما ضاق صدري لم أجد لي … مقرّ عبادة إلاّ القرافه لئن لم يرحم المولى اجتهادي … وقلّة ناصري لم ألق رافه (٣) واعلم أنّ الناس في القديم إنّما كانوا يقبرون موتاهم فيما بين مسجد الفتح وسفح المقطّم، واتّخذوا التّرب الجليلة أيضا فيما بين مصلّى خولان وخطّة المعافر (¬b) - التي موضعها الآن كيمان تراب - وتعرف الآن ب «القرافة الكبرى» (٤).

стр. 3188

فلمّا دفن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب ابنه، في سنة ثمان وستّ مائة، بجوار قبر الإمام محمد بن إدريس الشّافعيّ، وبنى القبّة العظيمة على قبر الشّافعيّ (١)، وأجرى لها الماء من بركة الحبش بقناطر متّصلة منها (٢)، نقل الناس الأبنية من القرافة الكبرى إلى ما حول الشّافعيّ، وأنشأوا هناك التّرب، فعرفت ب «القرافة الصّغرى»، وأخذت عمائرها في الزّيادة، وتلاشى أمر تلك (٣). وأمّا القطعة التي تلي قلعة الجبل فتجدّدت بعد السبع مائة من سني الهجرة. وكان ما بين قبّة الإمام الشّافعيّ - رحمة اللّه عليه - وباب القرافة ميدانا واحدا تتسابق فيه الأمراء والأجناد، ويجتمع الناس هنالك للتّفرّج على السّباق، فتصير الأمراء تسابق على حدة، والأجناد تسابق في جهة وهم منفردون عن الأمراء، والشّرط في السّباق من تربة الأمير بيدرا إلى باب القرافة. ثم استجدّ أمراء دولة الناصر محمد بن قلاوون في هذه الجهة التّرب، فبنى الأمير بيبغا (¬a) التّركماني، والأمير طقتمر الدّمشقي، والأمير قوصون وغيرهم من الأمراء. وتبعهم الجند وسائر الناس، فبنوا التّرب والخوانك والأسواق والطواحين والحمّامات، حتى صارت العمارة من بركة الحبش إلى باب القرافة، ومن حدّ مساكن مصر إلى الجبل (٤).

стр. 3189

وانقسمت الطرق في القرافة، وتعدّدت بها/ الشّوارع، ورغب كثير من الناس في سكناها، لعظم القصور التي أنشئت بها، وسمّيت ب «التّرب»، ولكثرة تعاهد أصحاب التّرب لها، وتواتر صدقاتهم ومبرّاتهم لأهل القرافة. وقد صنّف الناس فيمن قبر بالقرافة، وأكثروا من التأليف في ذلك، ولست بصدد شيء ممّا صنّفوا في ذلك (١)، وإنّما غرضي أن أذكر ما تشتمل عليه القرافة. * ** وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة ظهر بالقرافة شيء، يقال له القطربة، تنزل من جبل المقطّم، فاختطفت جماعة من أولاد سكّانها، حتى رحل أكثرهم خوفا منها. وكان شخص من أهل كبارة مصر - يعرف بحميد الفوّال - خرج من إطفيح على حماره، فلمّا وصل إلى حلوان عشاء، رأى امرأة جالسة على الطريق، فشكت إليه ضعفا وعجزا فحملها خلفه، فلم يشعر بالحمار إلاّ وقد سقط، فنظر إلى المرأة، فإذا بها قد أخرجت جوف الحمار بمخاليبها، ففرّ وهو يعدو إلى والي مصر، وذكر له الخبر، فخرج بجماعته إلى الموضع، فوجد الدّابّة قد أكل جوفها. ثم صارت بعد ذلك تتبع الموتى بالقرافة، وتنبش قبورهم، وتأكل أجوافهم، وتتركهم مطروحين، فامتنع الناس من الدّفن في القرافة زمنا حتى انقطعت تلك الصّورة.

стр. 3190

ذكر المساجد الشهيرة بالقرافة الكبيرة اعلم أنّ القرافة بمصر اسم لموضعين: «القرافة الكبيرة»، حيث الجامع الذي يقال له جامع الأولياء (١)، و «القرافة الصّغيرة» وبها قبر الإمام الشّافعيّ (٢). وكانتا في أوّل الأمر خطّتين لقبيلة من اليمن، هم من المعافر (¬a) بن يعفر، يقال لهم «بنو قرافة». ثم صارت «القرافة الكبيرة» جبّانة، وهي حيث مصلّى خولان والنقعة (¬b) (٣)، وما هو حول جامع الأولياء، فإنّه كان يشتمل على مساجد وربط وسوق وعدّة مساكن: منها ما خرب، ومنها ما هو باق، وسترى من ذلك ما يتيسّر ذكره. مسجد الأقدام هذا المسجد بالقرافة (¬c) في خطّة (¬c) المعافر (¬a)، قال القضاعيّ: ذكر الكندي أنّ الجند بنوه، وليس من الخطط. وسمّي بالأقدام لأنّ مروان بن الحكم لمّا دخل مصر، وصالح أهلها وبايعوه، امتنع من بيعته ثمانون رجلا من المعافر (¬a) سوى غيرهم، وقالوا: لا ننكث بيعة ابن الزّبير. فأمر مروان بقطع أيديهم وأرجلهم، وقتلهم على بئر بالمعافر (¬a) في هذا الموضع، فسمّي المسجد بهم لأنّه بني على آثارهم. والآثار: الأقدام، يقال جئت على قدم فلان، أي على أثره. وقيل بل أمرهم بالبراءة من عليّ بن أبي طالب ﵁ فلم يتبرّأوا منه، فقتلهم هناك (٤).
следующие страницы →