الصّيف يتحدّثون في القمر في صحنه، وفي الشّتاء ينامون عند المنبر، وكان يحصل لقيمه الأشوية (¬a) والحلوى والجرايات.
وكان الناس يحبّون هذا الموضع، ويلزمونه لأجل من يحضر من الرّؤساء، وكانت الطفيليّة يلزمون المبيت فيه ليالي الجمع، وكذلك أكثر المساجد التي بالقرافة والجبل والمشاهد، لأجل ما يحمل إليها، ويعمل فيها من الحلاوات واللحومات والأطعمة (١).
وقال (¬b) علي بن (¬b) موسى بن محمد بن سعيد في كتاب «المغرب في أخبار المغرب»: وبتّ ليالي كثيرة بقرافة الفسطاط، وهي في شرقيها، بها منازل الأعيان بالفسطاط والقاهرة، وقبور عليها مبان معتنى بها، وفيها القبّة العالية العظيمة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشّافعيّ ﵁ وبها مسجد جامع، وترب كثيرة عليها أوقاف للقرّاء، ومدرسة كبيرة للشّافعية. ولا تكاد تخلو من طرب، ولا سيّما في الليالي المقمرة، وهي معظم مجتمعات أهل مصر، وأشهر متنزّهاتهم، وفيها أقول:
[الكامل]
إنّ القرافة قد حوت ضدّين من … دنيا وأخرى فهي نعم المنزل
يغشى الخليع بها السّماع مواصلا … ويطوف حول قبورها المتبتّل
كم ليلة بتنا بها ونديمنا … لحن يكاد يذوب منه الجندل
والبدر قد ملأ البسيطة نوره … فكأنّما قد فاض منه جدول
وبدا يضاحك أوجها حاكينه … لمّا تكامل وجهه المتهلّل (٢)
وفوق القرافة من شرقيها جبل المقطّم، وليس له علوّ ولا عليه اخضرار، وإنّما يقصد للبركة، وهو نبيه الذّكر في الكتب، وفي سفحه مقابر أهل الفسطاط والقاهرة (٣).
والإجماع على أنّه ليس في الدّنيا مقبرة أعجب منها، ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحجرها، ولا أعجب تربة منها كأنّها الكافور والزّعفران، مقدّسة في جميع الكتب، وحين تشرف عليها تراها مدينة بيضاء، والمقطّم عال عليها كأنّه حائط من ورائها.
стр. 3187
وقال شافع بن عليّ (١):
[الطويل]
تعجّبت من أمر القرافة إذ غدت … على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو
فألفيتها مأوى الأحبّة كلّهم … ومستوطن الأحباب يصبو له القلب
وقال الأديب أبو سعد (¬a) محمد بن أحمد العميدي (٢):
[الوافر]
إذا ما ضاق صدري لم أجد لي … مقرّ عبادة إلاّ القرافه
لئن لم يرحم المولى اجتهادي … وقلّة ناصري لم ألق رافه (٣)
واعلم أنّ الناس في القديم إنّما كانوا يقبرون موتاهم فيما بين مسجد الفتح وسفح المقطّم، واتّخذوا التّرب الجليلة أيضا فيما بين مصلّى خولان وخطّة المعافر (¬b) - التي موضعها الآن كيمان تراب - وتعرف الآن ب «القرافة الكبرى» (٤).
стр. 3188
فلمّا دفن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب ابنه، في سنة ثمان وستّ مائة، بجوار قبر الإمام محمد بن إدريس الشّافعيّ، وبنى القبّة العظيمة على قبر الشّافعيّ (١)، وأجرى لها الماء من بركة الحبش بقناطر متّصلة منها (٢)، نقل الناس الأبنية من القرافة الكبرى إلى ما حول الشّافعيّ، وأنشأوا هناك التّرب، فعرفت ب «القرافة الصّغرى»، وأخذت عمائرها في الزّيادة، وتلاشى أمر تلك (٣).
وأمّا القطعة التي تلي قلعة الجبل فتجدّدت بعد السبع مائة من سني الهجرة.
وكان ما بين قبّة الإمام الشّافعيّ - رحمة اللّه عليه - وباب القرافة ميدانا واحدا تتسابق فيه الأمراء والأجناد، ويجتمع الناس هنالك للتّفرّج على السّباق، فتصير الأمراء تسابق على حدة، والأجناد تسابق في جهة وهم منفردون عن الأمراء، والشّرط في السّباق من تربة الأمير بيدرا إلى باب القرافة. ثم استجدّ أمراء دولة الناصر محمد بن قلاوون في هذه الجهة التّرب، فبنى الأمير بيبغا (¬a) التّركماني، والأمير طقتمر الدّمشقي، والأمير قوصون وغيرهم من الأمراء. وتبعهم الجند وسائر الناس، فبنوا التّرب والخوانك والأسواق والطواحين والحمّامات، حتى صارت العمارة من بركة الحبش إلى باب القرافة، ومن حدّ مساكن مصر إلى الجبل (٤).
стр. 3189
وانقسمت الطرق في القرافة، وتعدّدت بها/ الشّوارع، ورغب كثير من الناس في سكناها، لعظم القصور التي أنشئت بها، وسمّيت ب «التّرب»، ولكثرة تعاهد أصحاب التّرب لها، وتواتر صدقاتهم ومبرّاتهم لأهل القرافة.
وقد صنّف الناس فيمن قبر بالقرافة، وأكثروا من التأليف في ذلك، ولست بصدد شيء ممّا صنّفوا في ذلك (١)، وإنّما غرضي أن أذكر ما تشتمل عليه القرافة.
* ** وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة ظهر بالقرافة شيء، يقال له القطربة، تنزل من جبل المقطّم، فاختطفت جماعة من أولاد سكّانها، حتى رحل أكثرهم خوفا منها. وكان شخص من أهل كبارة مصر - يعرف بحميد الفوّال - خرج من إطفيح على حماره، فلمّا وصل إلى حلوان عشاء، رأى امرأة جالسة على الطريق، فشكت إليه ضعفا وعجزا فحملها خلفه، فلم يشعر بالحمار إلاّ وقد سقط، فنظر إلى المرأة، فإذا بها قد أخرجت جوف الحمار بمخاليبها، ففرّ وهو يعدو إلى والي مصر، وذكر له الخبر، فخرج بجماعته إلى الموضع، فوجد الدّابّة قد أكل جوفها.
ثم صارت بعد ذلك تتبع الموتى بالقرافة، وتنبش قبورهم، وتأكل أجوافهم، وتتركهم مطروحين، فامتنع الناس من الدّفن في القرافة زمنا حتى انقطعت تلك الصّورة.
стр. 3190
ذكر المساجد الشهيرة بالقرافة الكبيرة
اعلم أنّ القرافة بمصر اسم لموضعين: «القرافة الكبيرة»، حيث الجامع الذي يقال له جامع الأولياء (١)، و «القرافة الصّغيرة» وبها قبر الإمام الشّافعيّ (٢). وكانتا في أوّل الأمر خطّتين لقبيلة من اليمن، هم من المعافر (¬a) بن يعفر، يقال لهم «بنو قرافة».
ثم صارت «القرافة الكبيرة» جبّانة، وهي حيث مصلّى خولان والنقعة (¬b) (٣)، وما هو حول جامع الأولياء، فإنّه كان يشتمل على مساجد وربط وسوق وعدّة مساكن: منها ما خرب، ومنها ما هو باق، وسترى من ذلك ما يتيسّر ذكره.
مسجد الأقدام
هذا المسجد بالقرافة (¬c) في خطّة (¬c) المعافر (¬a)، قال القضاعيّ: ذكر الكندي أنّ الجند بنوه، وليس من الخطط.
وسمّي بالأقدام لأنّ مروان بن الحكم لمّا دخل مصر، وصالح أهلها وبايعوه، امتنع من بيعته ثمانون رجلا من المعافر (¬a) سوى غيرهم، وقالوا: لا ننكث بيعة ابن الزّبير. فأمر مروان بقطع أيديهم وأرجلهم، وقتلهم على بئر بالمعافر (¬a) في هذا الموضع، فسمّي المسجد بهم لأنّه بني على آثارهم. والآثار: الأقدام، يقال جئت على قدم فلان، أي على أثره. وقيل بل أمرهم بالبراءة من عليّ بن أبي طالب ﵁ فلم يتبرّأوا منه، فقتلهم هناك (٤).
стр. 3191
وقيل إنّما سمّي «مسجد الأقدام» لأنّ قبيلتين اختلفتا فيه: كلّ تدّعي أنّه من خطّتها، فقيس ما بينه وبين كلّ قبيلة بالأقدام، وجعل لأقربهما منه.
والقديم من هذا المسجد هو محرابه، والأروقة المحيطة به، وأمّا خارجه فزيادة الإخشيد، والزّيادة الجديدة التي في بحريه لسهنون (¬a) - الملقّب بسهم الدّولة - متولّي السّتارة، وكان من أهل السّنّة والخير.
ويقال إنّما سمّي «مسجد الأقدام» لأنّه كان يتداوله العباد، وكانت حجارته كدّانا، فأثّر فيها موضع أقدامهم، فسمّي لذلك «مسجد الأقدام».
مسجد الرّصد
هذا المسجد بناه الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، بعد بنائه للجامع المعروف بجامع الفيلة، لأجل رصد الكواكب بالآلة التي يقال لها ذات الحلق، كما ذكر فيما تقدّم (١).
مسجد شقيق الملك
هذا المسجد بجوار مسجد الرّصد، بناه شقيق الملك خسروان صاحب بيت المال، أحد خدّام القصر في أيّام الخليفة الحافظ لدين اللّه، في سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، وعمل فيه للحافظ ضيافة عظيمة حضر فيها بنفسه ومعه الأمراء والأستاذون وكافّة الرّؤساء.
وكان فيه كرم وسموّ همّة، وكان لمساجد القرافة والجبل عنده روزنامج بأسماء أربابها، فينفذ إليهم في أيّام العنب والتّين لكلّ مسجد (¬b) قفص تين وقفص عنب، ويرسل في أيّام الرّطب لكلّ مسجد (¬b) قفص رطب، ويرسل في كلّ ليلة من ليالي الوقود لكلّ مسجد خروف شواء وسطل جوذآب وجام حلوى، ولا سيّما إذا كان بائتا في هذا المسجد، فإنّه لا يأكل حتى يسيّر ذلك لمن اسمه عنده.
стр. 3192
وكان يعمل جفان القطائف المحشوّة باللوز والسّكّر والكافور والمسك، وفيها ما فيه بدل اللوز الفستق، ويستدعي من لا يقدر على ذلك من أهل الجبل والقرافة وذوي البيوت المنقطعين، ويأمر/ إذا حضروا بسكب الحلو والسّيرج عليه بالجرار، ويأمرهم بالأكل منه والحمل معهم وكان أحبّهم إليه من يأكل طعامه، ويستدعي برّه وإنعامه، ﵀.
مسجد الأنطاكي
هذا المسجد كان أيضا بالرّصد.
وما برحت هذه المساجد الثّلاثة بالرّصد يسكنها الناس إلى ما بعد سنة ثمانين وسبع مائة. ثم خربت، وصار الرّصد من الأماكن المخوفة بعد ما أدركته متنزّها للعامّة.
مسجد النارنج
هذا المسجد عامر إلى يومنا هذا، فيما بين الرّصد والقرافة الكبرى، بجانب سقاية ابن طولون - المعروفة بعفصة الكبرى - غربيها إلى البحري قليلا، وهو المطلّ على بركة الحبش شرقي الكنعي (¬a) وقبلي القرافة. بنته الجهة الآمرية، المعروفة بجهة الدّار الجديدة، في سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة، أخرجت له اثني عشر ألف دينار على يد الأستاذين: افتخار الدّولة يمن، ومعزّ الدّولة الطويل، المعروف بالوحش.
وتولّى العمارة والإنفاق عليه الشّريف أبو طالب موسى بن عبد اللّه بن هاشم بن مشرف ابن جعفر بن المسلم بن عبيد اللّه بن جعفر بن محمد بن إبراهيم بن محمد اليماني بن عبيد اللّه ابن موسى الكاظم، الحسيني الموسوي، المعروف بابن أخيّ الطيّب بن أبي طالب الورّاق. وسمّي «مسجد النارنج» لأنّ نارنجه لا ينقطع أبدا.
стр. 3193
مسجد الأندلس
هذا المسجد في شرقيّ القرافة الصّغرى بجانب مسجد الفتح (١)، في الموضع الذي يعرف عند الزّوّار بالنقعة (¬a)، وهو مصلّى المعافر على الجنائز (٢). ويقال إنّه بني عند فتح مصر، وقيل بني في خلافة معاوية بن أبي سفيان. ثم بنته جهة مكنون - واسمها علم الآمريّة - أمّ ابنة الآمر، التي يقال لها ستّ القصور، في سنة ستّ وعشرين وخمس مائة، على يد المعروف بالشّيخ أبي تراب (٣).
وجهة مكنون
هذه كان الخليفة الآمر بأحكام اللّه كتب صداقها، وجعل المقدّم منه أربعة عشر ألف دينار، وكان لها صدقات وبرّ وخير وفضل، وعندها خوف من اللّه، وكانت تبعث إلى الأشراف بصلات جزيلة، وترسل إلى أرباب البيوت والمستورين أموالا كثيرة.
ولمّا وهب الآمر لهزّار الملوك ولبرغش، في كلّ يوم، مائتي ألف دينار عينا؛ لكلّ منهما مائة ألف دينار؛ حضر إليها عشاء على عادته، فأغلقت باب مقصورتها قبل دخوله، وقالت له: واللّه ما تدخل إليّ، أو تهب لي مثل ما وهبت لواحد من غلاميك؛ فقال: السّاعة؛ ثم استدعى بالفرّاشين فحضروا، فقال: هاتوا مائة ألف دينار السّاعة. ولم يزل واقفا إلى أن حضرت عشرة كيسة، في كلّ كيس عشرة آلاف دينار، ويحمله عشرة من الفرّاشين؛ ففتحت له الباب ودخل إليها.
ومكنون هذا هو الأستاذ الذي كان برسم خدمتها، ويقال له مكنون القاضي لسكونه وهدوئه، وكان فيه خير وبرّ كبير.
وبجانب مسجد الأندلس هذا «رباط» من غربيه، بنته جهة مكنون هذه في سنة ستّ وعشرين وخمس مائة، برسم العجائز الأرامل. فلمّا كان في سنة أربع وسبعين (¬b) وخمس مائة،
стр. 3194
بنى الحاجب لؤلؤ العادلي، برحبة الأندلس والرّباط، بستانا وأحواضا ومقعدا، وجمع بين مصلّى الأندلس وبين الرّباط بحائط بينهما (¬a) (١)، وعمل ذلك لحلول العفيف حاتم بن مسلم المقدسي الشّافعيّ به.
ولمّا مات السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري بدمشق، في المحرّم سنة ستّ وسبعين وستّ مائة، وقام من بعده في السّلطنة ابنه الملك السّعيد محمد بركه خان، عمل لأبيه عزاء بالأندلس هذا. فاجتمع هناك القرّاء والفقهاء، وأقيمت المطابخ، وهيّئت المطاعم الكثيرة، وفرّقت على الزّوايا، ومدّت أسمطة عظيمة بالخيام التي ضربت حول الأندلس. فأكل الناس على اختلاف طبقاتهم، وقرأ القرّاء ختمة شريفة، وعدّ هذا الوقت من المهمّات العظيمة المشهودة (¬b) بديار مصر. وكان ذلك في المحرّم سنة سبع وسبعين وستّ مائة، على رأس سنة من موت الملك الظّاهر، فقال في ذلك القاضي محيي الدّين عبد اللّه بن عبد الظّاهر:
[مجزوء الرجز]
يا أيّها الناس اسمعوا … قولا بصدق قد كسي
إنّ عزا السّلطان في … غرب وشرق ما نسي
أليس ذا مأتمه … يعمل في الأندلس
/ ثم عمل بعد ذلك مجتمع في المدرسة الناصرية بجوار قبّة الشّافعي من القرافة، ومجتمع بجامع ابن طولون، ومجتمع بجامع الظّاهر من الحسينيّة خارج القاهرة، ومجتمع بالمدرسة الظّاهريّة بين القصرين، ومجتمع بالمدرسة الصّالحيّة، ومجتمع بدار الحديث الكاملية، ومجتمع بالخانقاه الصّلاحية سعيد السّعداء، ومجتمع بالجامع الحاكمي (٢).
وأقيم في كلّ واحد من هذه المجتمعات الأطعمة الكثيرة، وعمل للتّكاررة خوان، وللفقراء خوان حضره كثير من أهل الخير والصّلاح، فقيل في ذلك:
[الطويل]
فشكرا لها أوقات برّ تقبّلت … لقد كان فيها الخير والبرّ أجمعا
стр. 3195
لقد عمّت النعمى بها كلّ موطن … سقتها الغوادي مربعا ثم مربعا
ولمّا مضى السّلطان لم يمض جوده … وخلّف فينا برّه متنوّعا
فتى عيش في معروفه بعد موته … كما كان بعد السّيل مجراه مرتعا
فدام له منّا الدّعاء مكرّرا … مدى دهرنا، واللّه يسمع من دعا (١)
مسجد النقعة (¬a)
هذا المسجد مجاور لمسجد الفتح من غربيه، بناه الأمير أبو منصور صافي الأفضلي.
مسجد الفتح
هذا المسجد مشهور بجوار قبر الناطق، بناه شرف الإسلام سيف الإمام يانس الرّومي وزير مصر. وسمّي بالفتح لأنّ منه كان انهزام الرّوم إلى قصر الشّمع، حين قدم الزّبير بن العوّام والمقداد بن الأسود في سواهم، مددا لعمرو بن العاص، وكان الفتح.
ويقال إنّ محرابه اللطيف الذي بجانبه الشّرقي قديم، وإنّ تحت حائطه الشّرقي قبر عامر الذي كان أوّل من دفن بالقرافة (٢). ومحراب مسجد الفتح منحرف عن خطّ سمت القبلة إلى جهة الجنوب انحرافا كثيرا كما ذكر عند ذكر محاريب مصر من هذا الكتاب (٣)، واستشهد يومئذ جماعة دفنوا في مجر الحصا، فكان يرى على قبورهم في الليل نور.
مسجد أمّ عبّاس جهة العادل بن سلار
هذا المسجد كان بجوار مصلّى خولان بالمعافر (¬b) غربي المقابر (٤). بنته بلاّرة (¬c) زوج العادل ابن السّلار، سلطان مصر في خلافة الظّافر، سنة سبع وأربعين وخمس مائة، على يد المعروف بالشّريف عزّ الدّولة الرّضوي بن القفّاص، وكانت بلاّرة (¬c) مغربية، وهي أمّ الوزير عبّاس
стр. 3196
الصّنهاجي الباديسي. وقد دثر هذا المسجد.
مسجد الصّالح
هذا المسجد كان بخطّ جامع القرافة، المعروف بجامع الأولياء، عرف بمسجد بني عبيد اللّه، وبمسجد القبّة، وبمسجد القرّاء (¬a) (١). والذي بناه الصّالح طلائع بن رزّيك وزير مصر، وكان في أعلاه مناظر، وعمارته متقنة الزّيّ، وأدركته عامرا إلى ما بعد سنة ثمان مائة.
مسجد وليّ عهد المؤمنين (¬b)
الأمير أبي هاشم (¬c) العبّاس بن شعيب بن داود المهدي، أحد الأقارب في الأيّام الحاكميّة. كان إلى جانب مسجد الصّالح، وبجانبه تربته. وكان المسجد من حجر، وبابه محمول على أربع حنايا، وتحت الحنايا باب المسجد، وفي شرقية أيضا أربع حنايا.
وكانت دار أبي هاشم هذا بمصر دار الأفراح، ومن ولده الشّريف الأمير الكبير أبو الحسن عليّ ابن الأمير عبّاس بن شعيب بن (¬d) مسلم بن (¬d) أبي هاشم المذكور، ويعرف بالشّريف الطويل وبالنبّاس.
مسجد الرّحمة
كان (¬e) في صدر القرافة الكبرى، بالقرب من تربة ركن الإسلام محمود ابن أخت الملك الصّالح طلائع بن رزّيك (٢).
قال الكنديّ: ومنها مسجد القرافة، وهم بنو محصن بن سيف بن وائل بن الجيزي، قبلي القرافة على يمينك إذا أممت مسجد الأقدام، مقابله فسقيّة صغيرة، وله منارة، يعرف بمسجد
стр. 3197
الرّحمة. وعرف هذا المسجد بأبي تراب/ الصّوّاف، وكيل الجهة التي بنت الأندلس (¬a) ورباطه ومشهد رقيّة (¬b). وهذا أبو تراب تولّى بناءه (١)، وكان يقوم بخدمته الشّيخ نسيم.
مخطّط مشهد السّيّدة رقيّة (عن (Creswell
وأبو تراب هو الذي أخرج إليه ولد الآمر في ققّة من خوص فيها حوائج طبيخ من كرّاث وبصل وجزر، وهو طفل في القماط، في أسفل القفّة والحوائج فوقه، ووصل به إلى القرافة، وأرضعته المرضعة بهذا المسجد، وخفي أمره عن الحافظ حتى كبر وصار يسمّى قفيفة. فلمّا حان نفعه، نمّ عليه أبو عبد اللّه الحسين بن أبي الفضل عبد اللّه بن الحسين الجوهري الواعظ، بعد ما مات الشّيخ أبو تراب، عند الحافظ. فأخذ الصّبي وفصده فمات، وخلع على ابن الجوهري، ثم
стр. 3198
نفي إلى دمياط، فمات بها في جمادى سنة ثمان وعشرين وخمس مائة (١).
مسجد مكنون
هو بجانب مسجد الرّحمة، بناه الأستاذ مكنون القاضي، الذي تقدّم ذكره في مسجد الأندلس (٢).
مسجد ريحان (¬a)
هذا المسجد كان في وجه مسجد أبي تراب، قبالة دار البقر من القرافة الكبرى. وجدّده أستاذ الجهة الحافظيّة، واسمه ريحان في سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة.
مسجد جهة بيان
هذا المسجد كان في بطحاء مسجد الأقدام بجوار ترب الماذرائيّين، بنته الجهة الحافظية، المعروفة بجهة بيان الحسامي، على يد أبي الفضل الصّعيدي المعروف بابن موفّق (¬b).
وحكى الخليفة عن هذه الجهة خبرا عجيبا، قال القاضي المكين أبو الطاهر إسماعيل ابن سلامة: قال لي أمير المؤمنين الحافظ يوما: يا قاضي أبا الطاهر؛ قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين؛ قال: أحدّثك بحديث عجيب؟ قلت: نعم؛ قال: لمّا جرى من أبي عليّ بن الأفضل ما جرى، بينا أنا في الموضع الذي كنت معتقلا فيه، رأيت كأنّي قد جلست في مجلس من مجالس القصر أعرفه، وكأنّ الخلافة قد أعيدت إليّ، وكأنّ المغنّيات قد دخلن يهنّئنني ويغنين بين يديّ، وفي جملتهن جارية معها عود - يعني هذه الجارية المذكورة - فأنشأت تغنّي قول أبي العتاهية (٣):
стр. 3199
[المتقارب]
أتته الخلافة منقادة … إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلاّ له … ولم يك يصلح إلاّ لها
ولو نالها أحد غيره … لزلزلت الأرض زلزالها
وكأنّي قمت إلى خزانة بالمجلس أخذت منها حقّة فيها جوهر فملأت فمها منه، ثم استيقظت. فو اللّه يا قاضي ما كان إلاّ يومان حتى كسر عليّ الحبس، لمّا قتل أبو عليّ ابن الأفضل، وقيل لي: السّلام على أمير المؤمنين. فلمّا خرجت، وأقمت أيّاما، جلست في ذلك المجلس الذي رأيته في النوم، ودخل الجواري يهنئنني، فغنّت إحداهنّ - وهي ذات عود - ذلك الصّوت بعينه، فقلت لها: على رسلك حتى نقضي نحن أيضا من حقّك ما يجب علينا، وقمت إلى الخزانة، وأخذت الحقّ الذي فيه الجوهر، ثم جئت إليها وقلت لها: افتحي فاك، ففتحته وحشوته جوهرا، وقلت لها: إنّ لك علينا في كلّ سنة في مثل هذا اليوم مثل ذلك.
مسجد توبة
ابن (¬a) ميسرة الكتامي مغنّي المستنصر، كان في شرقي الأقهوب، وقبالته تربة نشب الطبّالة (¬b) صاحبة أرض الطبّالة، وكلاهما في القرافة الكبرى (١).
مسجد درّي
كان (¬c) في القرافة الكبرى في رحبة الأقهوب، بناه شهاب الدّولة درّي، غلام المظفّر أخي الأفضل بن أمير الجيوش، في سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة، وكان أرمنيّا فأسلم، وصار من المتشدّدين في مذهب الإمامية، وقرأ «الجمل» للزّجّاجي في النحو، و «اللمع» لابن جنّي. وكانت له خرائط من القطن الأبيض يعملها (¬d) في يديه ورجليه، وكان يتولّى خزائن الكسوات، ولا يدخل على بسط السّلاطين، ولا على بسط الخليفة الحافظ لدين اللّه، ولا يدخل/ مجلسه إلاّ بالخرائط في رجليه، ولا يأخذ من أحد رقعة إلاّ وفي يده خريطة، يظنّ أنّ من لمسه نجّسه،
стр. 3200
وسوسة منه. فإن اتّفق أنّه صافح أحدا، أو أمسك رقعة بيده من غير خريطة، لا يمسّ ثوبه ولا بدنه حتى يغسلها، فإن مسّ ثوبه غسل الثّوب. وكان الأستاذون يعبثون به، ويرمون في بساط الخليفة الحافظ العنب، فإذا مشى عليه وانفجر، ووصل ماؤه إلى رجليه، سبّهم وحرد، فيضحك الخليفة منه (¬a) ولا يؤاخذه (١).
وعمل مرّة الوزير رضوان بن ولخشي دواة حليتها ألف دينار مرصّعة، فدخل عليه شهاب الدّولة درّي الصّغير هذا، وقد أحضرت الدّواة المذكورة، فقال له: يا مولانا أحسن ما مدّ من (¬b) هذه الدّواة، ووقّع على هذه، فيكون ذلك زكاتها، إذ للّه فيه رضا ولنبيّه. وناوله رقعة الشّريف القاضي سناء الملك أسعد الجوّاني النحوي، يطلب فيها راتبا لابنه الشّريف أبي عبد اللّه محمد في الشهر ثلاثة دنانير، فوقّع عليها. فلمّا كان في الليل رأى في نومه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ وهو يقول: جزاك اللّه خيرا على فعلك اليوم.
مسجد ستّ غزال
هذا المسجد كان في القرافة الكبرى بجوار تربة النعمان (٢)، بنته ستّ غزال في سنة ستّ وثلاثين وخمس مائة. وكانت غزال هذه صاحبة دواة الخليفة، لا تعرف شيئا إلاّ أحكام الدّوي والليق ومسح الأقلام والدّواة، وكان برسم خدمتها الأستاذ مأمون الدّولة الطويل.
مسجد رياض
وقّافة (¬c) الحافظ لدين اللّه، كانت تقف بين يديه بالقصر. وكان بجوار المصنعة الصّغرى الطولونية التي يجيء الماء إليها من عفصة الكبرى، وكان فيه حوش به عدّة بيوت للنساء المنقطعات.
стр. 3201
مسجد عظيم الدّولة
كان (¬a) معلّقا بخطّ سوق القرافة الكبرى، وكان عظيم الدّولة هذا صقلبيا، صاحب السّتر وحامل المظلّة. وكان بجوار هذا المسجد مسجد التّمساح، ومسجد السّدرة، ومسجد جهة مراد.
وكان القاضي أبو عبد اللّه محمد بن أبي الفرج هبة اللّه بن الميسّر، لمّا عمل قدّامه منارة النحاس الرّومية ذات السّواعد، واجتاز بها من تحت سدرة المسجد في ليلة الوقود، نصف شهر رجب سنة ثلاثين وخمس مائة، عاقتها السّدرة، فأمر بقطع بعضها، فقيل له: لا تفعل فإنّ قطع السّدر محذور، وقد روى أبو داود في كتاب «السّنن» له أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «من قطع سدرة صوّب اللّه رأسه في النار» (١)، فقطعها على ركوب نصف شعبان، فما أسنى، وصرف في المحرّم، ونفيّ إلى تنّيس وقتل (٢).
مسجد أبي صادق
هذا المسجد كان غربي مسجد الأقدام، بناه ابن سعدون، أبو الحسن عليّ بن محمد البغدادي، بعد سنة عشرين وأربع مائة، وجدّده أخوه أبو عبد اللّه الحسين بن محمد بن الحسن ابن سعدون البغدادي، سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة.
وهو مسجد أبي صادق مرشد المديني المالكيّ المحدّث، وكان قارئ المصحف بالجامع ومصلّيا به، ومصدّرا فيه لإقراء السّبع، وكان فيه حنّة على الحيوانات، لا سيّما على القطط والكلاب، وكان مشارف الجامع، وجعل عليه جاريا من الغدد كلّ يوم لأجل القطط. وكان عند داره بزقاق الأقفال من مصر، كلاب يطعمها ويسقيها، وربّما تبع دابّته منها شيء معه في الأسواق.
قال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النسّابة في كتاب «النقط على الخطط»: حدّثني الشّيخ منجب، غلام أبي صادق، قال: كان لمولاي الشّيخ أبي صادق كلب لا يفارقه
стр. 3202
أبدا: إذا كان راكبا يمشي خلفه، فإذا وقفت بغلته قام تحت يديها، فإذا رآه الناس قالوا:
هذا أبو صادق وكلبه.
وحدّثني قال: ولدت كلبة في مستوقد حمّام، وكان المؤذّن يأتي خلف مولاي سحرا كلّ يوم لقراءة المصحف، وكان مولاي يأخذ في كمّه كلّ يوم رغيفا. فإذا حاذى موضع الكلبة، قلع طيلسانه، وقطع الخبز للكلبة، ويرمي لها بنفسه إلى أن تأكل، ثم يستدعي الوقّاد ويعطيه قيراطا، ويقول له: اغسل قدحها واملأه ماء حلوا، ويستحلفه على ذلك./ فلمّا كبر أولادها، صار يأخذ بعد رغيفين إلى أن كبروا وتفرّقوا.
وحدّثني قال: كان قد جعل كراء حانوت، برسم القطاط بالجامع العتيق، من الأحباس.
وكان يؤتى بالغدد مقطّعة فيجلس ويقسم عليها، وإن قطّة كانت تحمل شيئا من ذلك وتمضي به، وفعلت ذلك مرارا. فقال مولاي للشيخ أبي الحسن بن فرج: امض خلف هذه القطّة، وانظر إلى أين تؤدّي ذلك. فمضى ابن فرج فإذا بها تؤدّيه إلى أولادها، فعاد إليه وأخبره. فكان بعد ذلك يقطع غددا صغارا على قدر مساغ القطط الصّغار، وغددا كبارا للكبار، ويرسل بجزء الصّغار إليهم إلى أن كبروا.
مسجد الفرّاش
كان (¬a) بالقرافة الكبرى، بناه أحمد فرّاش الأفضل بن أمير الجيوش. وبجواره مسجد بني يزيد (¬b) بن حسام، ومسجد الإجابة القديم، وتربة العطّار، ودار البقر، وقناطر الإطفيحي كلّ ذلك بالقرب من جامع القرافة.
مسجد تاج الملوك
هذا المسجد قدّام دار النعمان وتربته من القرافة الكبرى (١)، بناه تاج الملوك بدران بن أبي الهيجاء الكردي المارواني (¬c)، وهو أخو سيف الدّين حسين بن أبي الهيجاء، صهر
стр. 3203
بني رزّيك، وكان مجتمع أهل مصر عنده في الأعياد والمواسم وليالي الوقود.
مسجد الثّمار
كان (¬a) ملاصقا للزّيادة التي في بحري مسجد الأقدام، وفيه قبور بني الثّمّار.
مسجد الحجر
كان (¬a) بحريّ مسجد عمّار بن يونس مولى المعافر (¬b)، وشرقيّ قصر الزّجاج من القرافة الكبرى. بنته مولاة علي بن يحيى بن طاهر - المعروف بابن أبي الخارجي الموصلي - في ربيع الأوّل سنة ثلاثين وأربع مائة.
مسجد القاضي يونس
كان (¬a) غربي مسجد الحجر المذكور. بناه الشّيخ عديّ الملك [أبو البركات محمد] (¬c) ابن عثمان، صاحب دار الضّيافة (١)، ثم صار بيد قاضي القضاة بمصر الموفّق كمال الدّين أبي الفضائل يونس بن محمد ابن الحسن - المعروف بجوامرد - خطيب القدس القرشي. وكان من الأعيان، ولم يشرب قطّ من ماء النيل بل من ماء الآبار، ولم يأكل قطّ للسّلطان خبزا، وكان يروي الحديث عن جدّه.
مسجد الوزيريّة
كان (¬a) بالقرافة الكبرى وله منارة بجوار باب رباط الحجازيّة وكانت الحجازيّة واعظة زمانها، وكانت من الخيّرات لها القبول التّام، وتدعى أمّ الخير، وكان لها من الصّيت كما كان لابن الجوهري، وكانت على غاية من الكرم وحسن الأخلاق والشّيم.
стр. 3204
ومن مكارم أخلاقها، وحسن طباعها وكياسة انطباعها، ما حكاه الجوّاني النسّابة في كتاب «النقط على الخطط»، قال: حدّثني الشّيخ أبو الحسن بن السّرّاج، المؤذّن بالجامع بمصر، قال:
كان قدّام الباب الأوّل من أبواب جامع مصر بيّاع رطب يقعد على الأرض وبين يديه أقفاص رطب من أحسن الأرطاب. فبينا الحجازيّة الواعظة هذه ذات يوم قد قاربت الخروج من باب الجامع، وهي في حفدتها وجواريها، وإذا ذلك الرّطّاب ينادي على قفص رطب قدّامه: معاشر الناس، اشتروا الطيبة الحجازيّة على أربعة، على أربعة، يريد على أربعة أرطال رطب بدرهم.
فلمّا سمعته الحجازيّة، وقفت قبل أن تخرج من باب الجامع، وأنفذت إليه بعض الجواري فصاحت به، فلمّا أتاها قالت له: يا أخي قولك «الحجازيّة على أربعة» مشكل، لا ترجع تنادي كذا، وهذا رباعي هديّة منّي لك، ربح هذا القفص، ولا تناد كذا. فأخذه وقبّل يدها، وقال:
السّمع والطاعة.
مسجد ابن العكر
/ غربي (¬a) مسجد أبي صادق، بحضرة مسجد الأقدام مقابل (¬b) قصر الكنعي (¬c)، وبحذاء مسجد النارنج، بناه القاضي العادل ابن العكر.
مسجد ابن كبّاس
كان (¬d) مجاورا للقناطر الإطفيحيّة، على يسار من أمّ طريق الجامع. بناه القاضي ابن كبّاس.
مسجد السّهمية
كان (¬d) شرقي مسجد الأقدام، وغربي قناطر ابن طولون، مجاورا لتربة القاضي ابن قابوس.
كان يعرف بمسجد الفقّاعة من الكلاع، ويعرف أيضا بمسجد شاذن الفضلي، غلام الوزير جعفر ابن الفضل بن الفرات.
стр. 3205
مسجد زكناده (¬a)
كان (¬b) غربي مسجد عمّار بن يونس. بناه زكناده (¬a) المخنّث، بعد ما تاب، في سنة خمس وثلاثين وخمس مائة.
جامع القرافة
هذا الجامع يعرف اليوم ب «جامع الأولياء». وهو مسجد بني عبد اللّه بن مانع بن مزروع، ويعرف بمسجد القبّة، وقد ذكر عند ذكر الجوامع من هذا الكتا (١).
مسجد الإطفيحي
هذا المسجد كان في البطحاء، بحري مجرى جامع الفيلة إلى الشّرق، مخالطا لخطط الكلاع ورعين والأكنوع والأكحول. ويقال له «مسجد وحاظة بن سعد الإطفيحي»، من أهل إطفيح، شيخ له سمت، وكتب الحديث في سنة ثمان وخمسين وأربع مائة وما قبلها، وسمع من الحبّال (٢)، وهو في طبقته، وهو رفيق الفرّاء، وابن مشرف، وابن الحظيّة، وأبي صادق، وسلك طريق أهل القناعة والزّهد والعزلة كأبي العبّاس ابن الحظيّة.
стр. 3206
وكان الأفضل الكبير شاهنشاه، صاحب مصر، قد لزمه، واتّخذ السّعي إليه مفترضا، والحديث معه شهوة وغرضا لا ينقطع عنه. وكان فكه الحديث، قد وقف من أخبار الناس والدّول على القديم والحديث، وقصده الناس لأجل حلول السّلطان عنده لقضاء حوائجهم، فقضاها. وصار مسجده موئلا للحاضر والبادي، وصدى لإجابة صوت النادي.
وشكا الشّيخ إلى الأفضل تعذّر الماء ووصوله إليه، فأمر ببناء «القناطر»، التي كانت في عرض القرافة، من المجرى الكبيرة الطولونيّة. فبنيت إلى المسجد الذي به الإطفيحي، ومضى عليها من النفقة خمسة آلاف دينار، وعمل الإطفيحي صهريج ماء شرقي المسجد عظيما محكم الصّنعة، وحمّاما وبستانا كان به نخلة سقطت بعد سنة خمس (¬a) وخمس مائة.
وعمل الأفضل له مقعدا بحذاء المسجد إلى الشّرق، علوّ زيادة في المسجد شرقيه، وقاعة صغيرة مرخّمة. إذا جاء إلى (¬b) عنده جلس فيها، وخلا بنفسه، واجتمع معه وجالسه (¬c)، وكان هذا المقعد على هيئة المنظرة بغير ستائر، كلّ من قصد الإطفيحي من الكنعي (¬d) يراه.
وكان الأفضل لا يأخذه عنه القرار. يخرج في أكثر الأوقات من دار الملك - باكرا أو ظهرا أو عصرا - بغتة، فيترجّل، ويدقّ الباب وقارا للشّيخ - كما كان الصّحابة ﵃ يقرعون أبواب النبي ﷺ بظفر الإبهام والمسبحة، كما يحصب بهما الحاصب.
فإن كان الشّيخ يصلّي، لا يزال واقفا حتى يخرج من الصّلاة ويقول: من؟ فيقول: ولدك شاهنشاه، فيقول: نعم. ثم يفتح فيصافحه الأفضل، ويمرّ بيده التي لمس بها يد الشّيخ على وجهه، ويدخل. فيقول الشّيخ: نصرك اللّه، أيّدك اللّه، سدّدك اللّه، هذه الدّعوات الثّلاث لا غير أبدا. فيقول الأفضل. آمين.
وبنى له الأفضل المصلّى ذات المحاريب الثّلاثة، شرقي المسجد إلى القبلي قليلا، ويعرف بمصلّى الإطفيحي. كان يصلّى فيه على جنائز موتى القرافة.
وكان سبب اختصاص الأفضل بهذا الشّيخ، أنّه لمّا كان محاصرا نزار بن المستنصر بالإسكندرية، وناصر الدّولة أفتكين الأرمنيّ، أحد مماليك أمير الجيوش بدر، وكانت أمّ الأفضل
стр. 3207
إذ ذاك - وهي عجوز لها سمت ووقار - تطوف كلّ يوم وفي الجمعة الجوامع والمساجد والرّباطات والأسواق، وتستقصي الأخبار، وتعلم محبّ ولدها الأفضل من مبغضه.
وكان الإطفيحي قد سمع بخبرها، فجاءت يوم/ جمعة إلى مسجده، وقالت له: يا سيّدي ولدي في العسكر مع الأفضل، اللّه يأخذ لي الحقّ منه، فإنّي خائفة على ولدي، فادع اللّه لي أن يسلّمه. فقال لها الشّيخ: يا أمة اللّه، أما تستحيين تدعين على سلطان اللّه في أرضه، المجاهد عن دينه؟ اللّه تعالى ينصره ويظفّره ويسلّمه ويسلّم ولدك، ما هو إن شاء اللّه إلاّ منصور مؤيّد مظفّر كأنّك به وقد فتح الإسكندرية، وأسر أعداءه، وأتى على أحسن قضيّة وأجمل طويّة، فلا تشغلي لك سرّا، فما يكون إلاّ خيرا إن شاء اللّه تعالى.
ثم إنّها اجتازت بعد ذلك بالفار الصّيرفي بالقاهرة بالسّرّاجين، وهو والد الأمير عبد الكريم الآمري صاحب السّيف، وكان عبد الكريم قد ولي مصر بعد ذلك في الأيّام الحافظيّة، وكان عبد الكريم هذا له في أيّام الآمر وجاهة عظيمة وصولة، ثم افتقر.
فوقفت أمّ الأفضل على الصّيرفي تصرف دينارا، وتسمع ما يقول لأنّه كان إسماعيليّا متغاليا، فقالت له: ولدي مع الأفضل، وما أدري ما خبره؟ فقال لها الفار المذكور: لعن اللّه المذكور الأرمنيّ الكلب، العبد السوء ابن العبد السّوء، مضى يقاتل مولاه ومولى الخلق. كأنّك واللّه يا عجوز برأسه جائزا من هاهنا على رمح، قدّام مولاه نزار ومولاي ناصر الدّولة، إن شاء اللّه تعالى، واللّه يلطف بولدك، من قال لك تخلّيه يمضي مع هذا الكلب المنافق؟ وهو لا يعرف من هي.
ثم وقفت على ابن بابان الحلبي - وكان بزّازا بسوق القاهرة - فقالت له مثل ما قالت للفار الصّيرفي، وقال لها مثل ما قال لها.
فلمّا أخذ الأفضل نزارا وناصر الدّولة، وفتح الإسكندرية حدّثته والدته الحديث، وقالت: إن كان لك أب بعد أمير الجيوش، فهذا الشّيخ الإطفيحي. فلمّا خلع عليه المستعلي بالقصر، وعاد إلى دار الملك بمصر، اجتاز بالبزّازين يوما، فلمّا نظر إلى ابن بابان الحلبي، قال: انزلوا بهذا، فنزلوا به، فقال: رأسه، فضربت عنقه تحت دكّانه، ثم قال لعبد على أحد مقدّمي ركابه الحلقف هاهنا، لا يضيع له شيء إلى أن يأتي أهله، فيتسلّموا قماشه.
ثم وصل إلى دكّان الفار الصّيرفي، فقال: انزلوا بهذا، فنزلوا به، فقال رأسه، فضربت عنقه تحت دكّانه. وقال ليوسف الأصغر، أحد مقدّمي الرّكاب. اجلس على حانوته إلى أن يأتي أهله
стр. 3208
ويتسلّموا موجوده، وإيّاك وماله وصندوقه، وإن ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه، كان لنا خصم أخذناه، وقد فعلنا به ما يردع غيره عن فعله، وما لنا ماله ولا فقر أهله.
ثم أتى الأفضل إلى الشّيخ أبي طاهر الإطفيحي، وقرّبه وخصّصه، إلى أن كان من أمره ما شرحناه.
مسجد الزّيّات
مجاور (¬a) بيت الخوّاص غربيه.
ومسجد ابن أبي الرّدّاد يعرف بمسجد الأنطاكي، ومسجد الفاخوري يعرف بمسجد البطحاء، ومسجد ابن أبي الصّغير، قبلي مسجد بني مانع، وهو جامع القرافة. ومسجد الشّريفة بني في سنة إحدى وخمس مائة، ومسجد ابن أبي كامل الطرابلسي كان بحارة الفرن، بناه الأعزّ بن أبي كامل. والمعبد الذي كان على رأس العقبة التي يتوصّل منها إلى الرّصد، بناه أبو محمد عبد اللّه الطبّاخ، ويقال إنّه كان بالقرافة الكبرى اثنا عشر ألف مسجد.
القصر المعروف بباب ليون بالشّرف
هذا القصر كان على طرف الجبل، بالشّرف الذي يعرف اليوم بالرّصد (¬b)، وجاء الفتح وهو مبنيّ بالحجارة، ثم صار في موضعه مسجد عرف بمسجد المقس.
والمقس ضيعة كانت تعرف بأمّ دنين، سمّيت المقس لأنّ العاشر كان يقعد بها وصاحب المكس، فقلب فقيل «المقس»، وليون اسم بلد بمصر، بلغة السّودان والرّوم. وقد ذكر المقس عند ذكر ظواهر القاهرة من هذا الكتاب (١).
стр. 3209
ذكر الجواسق التي بالقرافة
قال ابن سيدة: الجوسق: الحصن، وقيل هو شبيه بالحصن، معرّب (١).
وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النسّابة في «كتاب النقط على الخطط»: الجواسق بالقرافة والجبّانة كانت تسمّى القصور، وكان بالقرافة قصر الكنعي (¬a)، وقصر بني كعب، وقصر بني عقبة، وقصر أبي قبيل، وقصر العزيز، وقصر البغدادي، وقصر يشب، وقصر ابن كرامة.
جوسق بني عبد الحكم
كان جوسقا كبيرا له حوش، وكان في وسط القرافة، بحضرة مسجد بني سريع، الذي يقال له الجامع العتيق، وهو أحد الجواسق الثلاثة، وهو جوسق عبد اللّه بن عبد الحكم الفقيه الإمام، وجدّد هذا الجوسق ابن اللهيب المغربي.
/ جوسق بني غالب
ويعرف ببني بابشاذ، كان بالمعافر (¬b)، بني في سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة، وإلى جانبه قبر الشّيخ أبي الحسن طاهر بن بابشاذ.
جوسق ابن ميسّر
كان بجوار جوسق بني غالب. بناه أبو عبد اللّه بن محمد ابن القاضي أبي الفرج هبة اللّه.
وكان أبو الفرج هو الخطيب بجامع مصر ويوم الغدير، وهو شافعي المذهب، وهو هبة اللّه ابن هبة اللّه بن الميسّر، وذلك في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وخمس مائة.
стр. 3210
وأبو عبد اللّه هذا هو الذي كان بعد ذلك قاضي القضاة بمصر، وهو الذي حبس القياسر التي كانت في القشّاشين بمصر، وكان يحمل قدّامه المنارة الرّومية النحاس ذات السّواعد التي عليها الشّمع ليالي الوقودات.
وكان فيه كرم، سمع بأنّ الماذرائي (¬a) عمل في أيّامه الكعك الصّغير، المحشو بالسّكّر - المسمّى «افطن له» - فأمر هو بعمل لبّ الفستق الملبّس بالسّكّر الأبيض الفانيذ المطيّب بالمسك، وعمل منه في أوّل الحال شيئا عوض لبّه لبّ ذهب في صحن واحد، فمضى فيه جملة، وخطف قدّامه، تخاطفه الحاضرون، ولم يعد لعمله بل الفستق الملبّس، وهو أوّل من أخرجه بمصر. وكان قد سمع في سيرة أبي بكر الماذرائي (¬a) أنّه عمل هذا الافطن له، وجعل في كلّ واحد خمسة دنانير، ووقف أستاذ على السّماط، فقال لأحد الجلساء: «افطن له»، وكان على السّماط عدّة صحون من ذلك الجنس، لكن ما فيها ما فيه دنانير إلاّ صحن واحد. فلمّا رمز الأستاذ لأحد الجلساء على سماط الماذرائي (¬a) بقوله «افطن له» - وأشار إلى الصّحن - تناول الرّجل منه، فأصاب ذلك فاعتمد له، فحصل له جملة. ورآه الناس وهو إذا أكل يخرج شيئا من فمه ويجمع بيده، ويحطّ في حجره، فتنبّهوا وتزاحموا عليه، فقيل لذلك المعمول من ذلك الوقت: «افطن له».
وقتل هذا القاضي في تنّيس، في أيّام بهرام الوزير النصراني الأرمنيّ، سنة (¬b) وعشرين وخمس مائة. (١)
جوسق ابن مقسر (¬c)
كان جوسقا طويلا ذا تربة إلى جانبه.
جوسق الشّيخ أبي محمّد
عامل ديوان الأشراف الطالبيين. و «جوسق ابن عبد المحسن» بخطّ الأكحول. و «جوسق البغدادي الجرجرائي» - كان قبره إلى جانبه - خرب في سنة عشرين وخمس مائة، و «جوسق الشّريف أبي إسماعيل إبراهيم بن نسيب الدّولة الكلثمي الموسوي» نقيب مصر.
стр. 3211
جوسق الماذرائي (¬a)
هذا الجوسق لم يبق من جواسق القرافة غيره. وهو جوسق كبير جدّا على هيئة الكعبة، بالقرب من مصلّى خولان في بحريه، على جانبيه الممرّ من مقطع الحجارة؛ بناه أبو بكر محمد ابن علي الماذرائي (¬a) في وسط قبورهم من الجبّانة.
وكان الناس يجتمعون عند هذا الجوسق في الأعياد، ويوقد جميعه في ليلة النصف من شعبان كلّ سنة وقودا عظيما، ويتحلّق القرّاء حوله لقراءة القرآن، فيمرّ للناس هنالك أوقات، في تلك الليلة وفي الأعياد، بديعة حسنة.
جوسق حبّ الورقة
كان هذا الجوسق بحضرة تربة ابن طباطبا. أدركته عامرا، وقد خرب فيما خرّبه السّفهاء من ترب القرافة وجواسقها، زعما منهم أنّ فيها خبايا.
وكان أكابر أمراء المعافر (¬b)، ومن بعدهم ومن يجري مجراهم، لكلّ منهم جوسق بالقرافة يتنزّه فيه، ويعبد اللّه تعالى هناك، وكان من هذه الجواسق ما تحته حوض ماء لشرب الدّواب وفسقيّة وبستان.
وكان بالقرافة عدّة قصور، وهي التي تسمّى ب «الجواسق»، لها مناظر وبساتين، إلاّ أنّ الجواسق أكثرها بغير بساتين، ولا بئر، بل مناظر مرتفعة، ويقال لها كلّها «قصور»:
قصر القرافة
بنته السّيّدة تغريد (¬c)، أمّ العزيز باللّه، في سنة ستّ وستين وثلاث مائة، على يد الحسن ابن عبد العزيز الفارسي المحتسب، هو والحمّام الذي كان في غربيه، وبنت البئر والبستان المعروف بالتّاج، المعروف بحصن أبي المعلوم، وبنت جامع القرافة.
стр. 3212
ثم جدّده الآمر بأحكام اللّه، وبيّضه في سنة عشرين وخمس مائة، وعمل شرقي بابه مصطبة للصّوفيّة، وكان مقدّمهم الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم المعروف بالمادح، وكان الآمر يجلس في الطاق بالمنظر الذي بناه بأعلى القصر، ويرقص أهل الطريقة قدّامه.
وقد ذكر هذا القصر عند ذكر مناظر الخلفاء من هذا الكتاب (١). ولم يزل هذا القصر إلى ربيع الآخر سنة سبع وستين وخمس مائة.
ذكر الرّباطات التي كانت بالقرافة
/ كان بالقرافة الكبيرة عدّة دور، يقال للدّار منها «رباط»، على هيئة ما كانت عليه بيوت أزواج النبيّ ﷺ ، يكون فيها العجائز والأرامل العابدات، وكانت لها الجرايات والفتوحات، وكان لها المقامات المشهورة من مجالس الوعظ.
رباط بنت الخوّاص
كان تجاه مسجد بيد الفقيه مجلّى بن جميع بن نجا الشّافعي، مؤلّف كتاب «الذّخائر»، وقاضي القضاة بمصر.
رباط الأشراف
كان برحبة جامع القرافة يعرف بالقرّاء، وببني عبد اللّه، وبمسجد القبّة، وهو شرقي بستان ابن نصر. بناه أبو بكر محمد بن علي الماذرائي (¬a)، ووقفه على نساء الأشراف.
رباط الأندلس
بنته الجهة المعروفة بجهة مكنون الآمريّة كما تقدّم.
стр. 3213
رباط ابن العكاري
كان بحضرة مسجد بني سريع، المعروف بالجامع العتيق.
رباط الحجازيّة
بنته، وحبسته على الحجازية، فوز؛ جارية علي بن أحمد الجرجرائي الوزير، هو والمسجد الذي تقدّم ذكره.
رباط رياض
كان بجوار مسجد الحاجّة رياض.
ذكر المصلّيّات والمحاريب التي بالقرافة
وكان في القرافة عدّة مصلّيّات وعدّة محاريب، منها:
مصلّى المعافر (¬a) وهو الأندلس
جدّده ابن برك الإخشيدي، ثم بنته جهة مكنون الآمريّة في سنة ستّ وعشرين وخمس مائة.
مصلّى الشّريفة
كان بدرب القرافة بحدرة الجبّاسين وخطّة الصّدف. بناه أبو محمد عبد اللّه بن الأرسوفي الشّامي التّاجر سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
стр. 3214
مصلّى عقبة القرافة
يعرف ب «مصلّى الأندلس»، كان ذا مصطبة مربّعة على يسرة الطالع إلى القرافة. بناه يوسف ابن أحمد الأندلسي الأنصاري في شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمس مائة.
مصلّى القرافة
جدّده الفقيه ابن الصّبّاغ المالكي في سنة عشرين وخمس مائة، وكان بحضرة مسجد أبي تراب تجاه دار التّبر.
مصلّى الفتح
كان ملاصقا لمسجد الفتح. بناه أبو محمد القلعي المغربي المنجّم الحافظي.
مصلّى جهة العادل
أبي الحسن بن السّلار وزير مصر.
مصلّى الإطفيحي
بجوار مسجد الإطفيحي الذي تقدّم ذكره.
مصلّى الجرجرائي (¬a)
بناه الوزير علي بن أحمد الجرجرائي (¬a).
وكانت بالقرافة الكبرى والجبّانة عدّة محاريب خربت كلّها (¬b).
مصلّى خولان
هذه المصلّى عرفت بطائفة من العرب الذين شهدوا فتح مصر، يقال لهم خولان، وهم من
стр. 3215
قبائل اليمن، واسمه نكل بن عمرو بن مالك بن زيد بن عريب. وفي هذه المصلّى مشهد الأعياد، ويؤمّ الناس ويخطب لهم بها في يوم العيد، خطيب جامع عمرو بن العاص. وليست هذه المصلّى هي التي أنشأها المسلمون عند فتح أرض مصر، وإنّما كانت مصلّى العيد في أوّل الإسلام غير هذه.
قال القضاعي: «مصلّى العيد»، كان مصلّى عمرو بن العاص مقابل اليحموم، وهو الجبل المطلّ على القاهرة، فلمّا ولي عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر، أمر بتحويله، فحوّل إلى موضعه، المعروف اليوم ب «المصلّى القديم»، عند درب السّباع، ثم زاد فيه عبد اللّه بن طاهر سنة عشر ومائتين، ثم بناه أحمد بن طولون في سنة ستّ وخمسين ومائتين، واسمه باق عليه إلى اليوم.
قال الكندي: ولمّا قدم شفي الأصبحي إلى مصر، وأهل مصر قد اتّخذوا مصلّى بحذاء ساقية أبي عون عند العسكر، قال: ما لهم وضعوا مصلاّهم في الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدّس، يعني المقطّم؟
قال [الحسن بن ثوبان] (¬a): فقدّموا مصلاّهم إلى/ موضعه الذي هو به اليوم، يعني المصلّى القديم المذكور.
وقال الكندي: ثم ضاق المصلّى بالناس في إمارة عنبسة بن إسحاق الضّبّي على مصر، في أيّام المتوكّل على اللّه، فأمر عنبسة بابتناء المصلّى الجديد. فابتدئ ببنائه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة أربعين ومائتين، وصلّي فيه يوم النحر من هذه السنة (١).
وعنبسة هو آخر عربي ولي مصر، وآخر أمير صلّى بالناس في المسجد (٢)، وهو المصلّى الذي بالصّحراء عند الجارودي. ثم جدّده الحاكم وزاد فيه، وجعل له قبّة، وذلك في سنة ثلاث وأربع مائة.
стр. 3216
وكان أمراء مصر إذا خرجوا إلى صلاة العيد بالمصلّى، أوقفوا جيشا في سفح الجبل - ممّا يلي بركة الحبش - ليراعي الناس حتى ينصرفوا من الصّلاة، خوفا من البجة. فإنّهم قدموا غير مرّة، ركبانا على النجب، حتى كبسوا الناس في مصلاّهم، وقتلوا ونهبوا، ثم رجعوا من حيث أتوا.
فخرج عبد الحميد بن عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، غضبا للّه وللمسلمين ممّا أصابهم من البجة، فكمن لهم بالصّعيد في طريقهم، حتى أقبلوا، كعادتهم في أخذ الناس في مصلّى العيد، فكبسهم، وقتل الأعور رئيسهم. بعد ما أقبلوا إلى المصلّى في العيد في سنة ستّ وخمسين ومائتين - وأمير مصر أحمد بن طولون - على النجب، وكبسوا الناس في مصلاّهم، وقتلوا ونهبوا منهم، وعادوا سالمين.
ثم دخل العمري إلى بلاد البجة غازيا، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وضايقهم في بلادهم إلى أن أعطوه الجزية - ولم يكونوا أعطوا أحدا قبله الجزية - وسار في المسلمين وأهل الذّمّة سيرة حسنة، وسالم النوبة إلى أن بدأ النوبة بالغدر في الموضع المعروف بالمريس (١). فمال عليهم وحاربهم، وخرّب ديارهم، وسبى منهم عالما كبيرا، حتى كان الرّجل من أصحابه يبتاع الحاجة من الزّيّات والبقّال بنوبي أو نوبية لكثرتهم معهم. فجاءوا إلى أحمد بن طولون، وشكوا له من العمري، فبعث إليه جيشا ليحاربه، فأوقع بالجيش وهزمهم، وكانت له أنباء وقصص. إلى أن قتله غلامان من أصحابه، وأحضرا رأسه إلى أحمد بن طولون، فأنكر فعلهما، وضرب أعناقهما، وغسل الرّأس ودفنه (٢).
стр. 3217
ذكر المساجد والمعابد التي بالجبل والصّحراء
وكان بجبل المقطّم وبالصّحراء - التي تعرف اليوم بالقرافة الصّغرى - عدّة مساجد وعدّة مغاير ينقطع العبّاد بها، منها ما قد دثر، ومنه شيء قد بقي أثره.
التّنّور (¬a)
هذا المسجد في أعلى جبل المقطّم من وراء قلعة الجبل في شرقيها أدركته عامرا، وفيه من يقيم به.
قال القضاعيّ: المسجد المعروف بالتّنّور بالجبل، هو موضع تنّور فرعون. كان يوقد له عليه (¬b)، فإذا رأوا النار علموا بركوبه، فاتّخذوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. ثم بناه أحمد بن طولون مسجدا في صفر سنة تسع وخمسين ومائتين. ووجدت في كتاب قديم أن يهوذا بن يعقوب، أخا يوسف ﵇ لمّا دخل مع إخوته على يوسف، وجرى من أمر الصّواع ما جرى، تأخّر عن إخوته، وأقام في ذروة الجبل المقطّم في هذا المكان، وكان مقابلا لتنّور فرعون الذي كان يوقد له فيه النار.
ثم خلا ذلك الموضع إلى زمن أحمد بن طولون، فأخبر بفضل الموضع، وبمقام يهوذا فيه، فابتنى فيه هذا المسجد والمنارة التي فيه، وجعل فيه صهريجا فيه الماء، وجعل الإنفاق عليه ممّا وقفه على البيمارستان بمصر والعين التي بالمعافر (¬c) وغير ذلك.
ويقال: إنّ تنّور فرعون لم يزل في هذا الموضع بحاله، إلى أن خرج إليه قائد من قوّاد أحمد ابن طولون، يقال له وصيف قاطرميز (¬d)، فهدمه وحفر تحته، وقدّر أنّ تحته مالا، فلم يجد فيه شيئا، وزال رسم التّنّور وذهب (١).
стр. 3218
وأنشد أبو عمر الكندي في كتاب «أمراء مصر» من أبيات لسعيد القاصّ (١):
[الطويل]
وتنّور فرعون الذي فوق قلّة … على جبل عال على شاهق وعر (¬a)
بنى مسجدا فيه يروق (¬b) بناؤه … ويهدي به في الليل إن ضلّ من يسري
تخال سنا قنديله وضياءه … سهيلا إذا ما لاح في الليل للسّفر
القرقوبي
قال القضاعيّ: المسجد المعروف بالقرقوبي هو على قرنة الجبل المطلّ على كهف السّودان.
بناه أبو الحسن القرقوبي الشّاهد، وكيل التّجّار بمصر، في سنة خمس عشرة وأربع مائة (٢). وكان في موضعه محراب حجارة يعرف بمحراب ابن الفقّاعي، الرّجل الصّالح، وهو على يسار المحراب (٣).
/ مسجد أمير الأمراء بدر المستنصري (¬c) [أثر رقم ٣٠٤]
على قرنة الجبل البحرية، المطلّة على وادي مسجد موسى، ﵇ (٤).
стр. 3219
Section A.B
مسجد بدر المستنصري أو المشهد الجيوشي، المخطّط والمنظور (عن (Creswell
стр. 3220
المشهد الجيوشي بالمقطّم قبل التّرميم، وبعد ترميم طائفة البهرة له
стр. 3221
كهف السّودان [أثر رقم ٥١٧]
مغار في الجبل لا يعلم من أحدثه (¬a)، ويقال إنّ قوما من السّودان نقروه فنسب إليهم، وكان صغيرا مظلما، فبناه الأحدب الأندلسي القزّاز، وزاد في سفله مواضع نقرها، وبنى علوه. ويقال إنّه أنفق فيه أكثر من ألف دينار، ووسّع المجاز الذي يسلك منه إليه، وعمل الدّرج النقر التي يصعد عليها إليه، وبدأ بنيانه (¬b) مستهلّ سنة إحدى وعشرين وأربع مائة، وفرغ منه في شعبان من هذه السنة (١).
стр. 3222
العارض
هذا المكان مغارة في الجبل، عرفت بأبي بكر محمد جدّ مسلم القاري لأنّه نقرها، ثم عمّرت بأمر الحاكم بأمر اللّه (١)، وأنشئت فيها مغارة هي باقية إلى اليوم. وتحت العارض قبر الشّيخ العارف عمر بن الفارض (٢) ﵀ وللّه درّ القائل (٣):
[الكامل]
جز بالقرافة تحت ذيل العارض … وقل السّلام عليك يا ابن الفارض
وقد ذكر القضاعيّ أربع عشرة مغارة في الجبل، منها ما هو باق، وليس في ذكرها فائدة.
اللؤلؤة [أثر رقم ٥١٥]
هذا المكان مسجد في سفح الجبل باق إلى يومنا هذا. كان مسجدا خرابا، فبناه الحاكم بأمر اللّه، وسمّاه «اللؤلؤة». قيل كان بناؤه في سنة ستّ وأربع مائة، وهو بناء حسن (٤).
مخطّط مسجد اللؤلؤة (عن (Creswell
стр. 3223
مسجد الدّعاء (¬a)
فيما بين اللؤلؤة ومسجد محمود، وهو مسجد قديم يتبرّك بالصّلاة فيه (١)، وقد ذكر مسجد محمود عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب؛ لأنّه تقام فيه الجمعة (٢).
دكّة القضاة
قال القضاعيّ: هي دكّة مرتفعة عن المساجد في الجبل، كان القضاة بمصر يخرجون إليها لنظر الأهلّة كلّ سنة، ثم بني عليها مسجد.
مسجد فايق
مولى خمارويه بن أحمد بن طولون: كان في سفح الجبل ممّا يلي طريق مسجد موسى، ﵇.
مسجد موسى
بناه الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات (٣).
стр. 3224
مسجد زهرون بالصّحراء
هو مسجد أبي محمد الحسن بن عمر الخولاني، ثم عرف بابن المبيّض. وكان زهرون قيّمه، فنسب إليه (١).
مسجد الفقّاعي
هو أبو الحسن علي بن الحسن بن عبد اللّه، كان أبوه فقّاعيّا بمصر، وهو مسجد كبير، بناه كافور الإخشيدي (٢)، ثم جدّده وزاد فيه مسعود بن محمد صاحب الوزير أبي القاسم عليّ ابن أحمد الجرجرائي.
وكان في وسط هذا المسجد محراب مبني بطوب، يقال إنّه من بناء حاطب بن أبي بلتعة رسول رسول اللّه ﷺ إلى المقوقس، ويقال إنّه أوّل محراب اختطّ في مصر، وكان أبو الحسن التّميمي قد زاد فيه بناء قبل ذلك.
مسجد الكنز
هذا المسجد كان شرقي الخندق، وبحري قبر ذي النون المصري (٣). وكان مسجدا صغيرا يعرف بالدّعام (¬a)، ومات قبل تمامه، فهدمه أبو طاهر محمد بن علي القرشي القرقوبي، ووسّعه وبناه.
وحكي أنّه لمّا هدمه رأى قائلا يقول في المنام: على أذرع من هذا المسجد كنز.
فاستيقظ وقال: هذا من الشّيطان، فرأى هذا القائل ثلاث مرّات. فلمّا أصبح أمر بحفر
стр. 3225
الموضع فإذا فيه قبر، وظهر له لوح كبير تحته ميّت في لحد، كأعظم ما يكون من الناس جثّة ورأسا، وأكفانه طريّة لم تبل منها إلاّ ما يلي جمجمة الرأس، فإنّه رأى شعر رأسه قد خرج من الكفن، وإذا له جمّة (١). فراعه ما رأى، وقال: هذا هو الكنز بلا شك، وأمر بإعادة اللوح والتّراب كما كان، وأخرج القبر عن سائر الحيطان، وأبرزه للناس، فصار يزار ويتبرّك به (٢).
مسجد في غربي الخندق
أنشأه أبو الحسن بن النجّار الزّيّات في سنة إحدى وأربعين وأربع مائة.
مسجد لؤلؤ الحاجب بالقرافة الصّغرى
بنى بجانبه مقبرة، وحفر عندها بئرا حتى انتهى الحفّار إلى قرب الماء، فقال الحفّار: إنّي أجد في البئر شيئا كأنّه حجر. فقال له لؤلؤ: تسبّب في قلعه. فلمّا قلعه فار الماء وأخرجه، وإذا هو/ اسطام مركب، وهو الخشبة التي تبنى عليها السّفينة (٣).
وهذا يصدّق ما قاله أرسطا طاليس في كتاب «الآثار العلوية»؛ قال: إنّ أهل مصر يسكنون فيما انحسر عنه البحر الأحمر (٤)، يعني بحر الشّام.
وقد ذكر خبر لؤلؤ هذا عند ذكر حمّام لؤلؤ (٥).