كهف السّودان [أثر رقم ٥١٧]
مغار في الجبل لا يعلم من أحدثه (¬a)، ويقال إنّ قوما من السّودان نقروه فنسب إليهم، وكان صغيرا مظلما، فبناه الأحدب الأندلسي القزّاز، وزاد في سفله مواضع نقرها، وبنى علوه. ويقال إنّه أنفق فيه أكثر من ألف دينار، ووسّع المجاز الذي يسلك منه إليه، وعمل الدّرج النقر التي يصعد عليها إليه، وبدأ بنيانه (¬b) مستهلّ سنة إحدى وعشرين وأربع مائة، وفرغ منه في شعبان من هذه السنة (١).
стр. 3222
العارض
هذا المكان مغارة في الجبل، عرفت بأبي بكر محمد جدّ مسلم القاري لأنّه نقرها، ثم عمّرت بأمر الحاكم بأمر اللّه (١)، وأنشئت فيها مغارة هي باقية إلى اليوم. وتحت العارض قبر الشّيخ العارف عمر بن الفارض (٢) ﵀ وللّه درّ القائل (٣):
[الكامل]
جز بالقرافة تحت ذيل العارض … وقل السّلام عليك يا ابن الفارض
وقد ذكر القضاعيّ أربع عشرة مغارة في الجبل، منها ما هو باق، وليس في ذكرها فائدة.
اللؤلؤة [أثر رقم ٥١٥]
هذا المكان مسجد في سفح الجبل باق إلى يومنا هذا. كان مسجدا خرابا، فبناه الحاكم بأمر اللّه، وسمّاه «اللؤلؤة». قيل كان بناؤه في سنة ستّ وأربع مائة، وهو بناء حسن (٤).
مخطّط مسجد اللؤلؤة (عن (Creswell
стр. 3223
مسجد الدّعاء (¬a)
فيما بين اللؤلؤة ومسجد محمود، وهو مسجد قديم يتبرّك بالصّلاة فيه (١)، وقد ذكر مسجد محمود عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب؛ لأنّه تقام فيه الجمعة (٢).
دكّة القضاة
قال القضاعيّ: هي دكّة مرتفعة عن المساجد في الجبل، كان القضاة بمصر يخرجون إليها لنظر الأهلّة كلّ سنة، ثم بني عليها مسجد.
مسجد فايق
مولى خمارويه بن أحمد بن طولون: كان في سفح الجبل ممّا يلي طريق مسجد موسى، ﵇.
مسجد موسى
بناه الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات (٣).
стр. 3224
مسجد زهرون بالصّحراء
هو مسجد أبي محمد الحسن بن عمر الخولاني، ثم عرف بابن المبيّض. وكان زهرون قيّمه، فنسب إليه (١).
مسجد الفقّاعي
هو أبو الحسن علي بن الحسن بن عبد اللّه، كان أبوه فقّاعيّا بمصر، وهو مسجد كبير، بناه كافور الإخشيدي (٢)، ثم جدّده وزاد فيه مسعود بن محمد صاحب الوزير أبي القاسم عليّ ابن أحمد الجرجرائي.
وكان في وسط هذا المسجد محراب مبني بطوب، يقال إنّه من بناء حاطب بن أبي بلتعة رسول رسول اللّه ﷺ إلى المقوقس، ويقال إنّه أوّل محراب اختطّ في مصر، وكان أبو الحسن التّميمي قد زاد فيه بناء قبل ذلك.
مسجد الكنز
هذا المسجد كان شرقي الخندق، وبحري قبر ذي النون المصري (٣). وكان مسجدا صغيرا يعرف بالدّعام (¬a)، ومات قبل تمامه، فهدمه أبو طاهر محمد بن علي القرشي القرقوبي، ووسّعه وبناه.
وحكي أنّه لمّا هدمه رأى قائلا يقول في المنام: على أذرع من هذا المسجد كنز.
فاستيقظ وقال: هذا من الشّيطان، فرأى هذا القائل ثلاث مرّات. فلمّا أصبح أمر بحفر
стр. 3225
الموضع فإذا فيه قبر، وظهر له لوح كبير تحته ميّت في لحد، كأعظم ما يكون من الناس جثّة ورأسا، وأكفانه طريّة لم تبل منها إلاّ ما يلي جمجمة الرأس، فإنّه رأى شعر رأسه قد خرج من الكفن، وإذا له جمّة (١). فراعه ما رأى، وقال: هذا هو الكنز بلا شك، وأمر بإعادة اللوح والتّراب كما كان، وأخرج القبر عن سائر الحيطان، وأبرزه للناس، فصار يزار ويتبرّك به (٢).
مسجد في غربي الخندق
أنشأه أبو الحسن بن النجّار الزّيّات في سنة إحدى وأربعين وأربع مائة.
مسجد لؤلؤ الحاجب بالقرافة الصّغرى
بنى بجانبه مقبرة، وحفر عندها بئرا حتى انتهى الحفّار إلى قرب الماء، فقال الحفّار: إنّي أجد في البئر شيئا كأنّه حجر. فقال له لؤلؤ: تسبّب في قلعه. فلمّا قلعه فار الماء وأخرجه، وإذا هو/ اسطام مركب، وهو الخشبة التي تبنى عليها السّفينة (٣).
وهذا يصدّق ما قاله أرسطا طاليس في كتاب «الآثار العلوية»؛ قال: إنّ أهل مصر يسكنون فيما انحسر عنه البحر الأحمر (٤)، يعني بحر الشّام.
وقد ذكر خبر لؤلؤ هذا عند ذكر حمّام لؤلؤ (٥).
стр. 3226
(¬a) مدرسة السّنجاري بالقرافة
هذه المدرسة بجانب جامع القرافة المجاور لتربة الشّافعي (١)، ﵀، أنشأها بدر الدّين أبو المحاسن يوسف بن الحسن بن علي بن الخضر المعروف بالسّنجاري. ومولده في سنة ثمان وسبعين وخمس مائة بسواد إربل، ومات يوم السّبت رابع عشر رجب سنة ثلاث وستين وستّ مائة بالقاهرة (٢)، وذلك أنّه دخل الحمّام وأكل بعد خروجه مطجّنا أصفر وسكنجبينا وأراد أن يتقيّأ فلم يقدر ومات، فحضر تاج الدّين عبد الوهّاب بن بنت الأعزّ العلائي دفنه وحضر ولد بدر الدّين فأخذه تاج الدّين وجعله في محراب المدرسة، وقال له: إن كنت عاقلا فهذا موضعك وإلاّ فلا تلومنّ إلاّ نفسك (٣).
مسجد الأشعوب بالقرافة
قال الشّريف النقيب محمد بن أسعد بن علي بن [معمر بن عمر] (¬b) الحسيني الجوّاني النسّابة في كتاب «الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون»: الأشعوب فخذ من حمير، وهم بنو أشعبان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن قطن بن عريب بن زهير ابن أيمن بن هميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ولهم خطّة مسجد بالقرافة معروف بالأشعوب مجاور لقناطر المجراة التي عملها الأفضل بن أمير الجيوش سلطان مصر، لتوصّل الماء إلى مسجد الرّجل الصّالح الإطفيحي. وكان هذا الأشعوب بيد الفقيه الصّدر العالم أبي الحسين يحيى بن زهير بن الصّوّاف المالكي ﵀ (¬a).
стр. 3227
مقام المؤمن
قيل إنّه مؤمن آل فرعون لأنّه أقام فيه (١). وهذا بعيد من الصّحّة.
قناطر ابن طولون وبئره [أثر رقم ٣٠٦]
هذه القناطر قائمة إلى اليوم من بئر أحمد بن طولون التي عند بركة الحبش، وتعرف هذه البئر في زمننا (¬a) ببئر عفصة، ولا تزال هذه القناطر إلى أثناء القرافة الكبرى، ومن هناك خفيت لتهدّمها، وهي من أعظم المباني (٢).
قال القضاعيّ: «قناطر أحمد بن طولون وبئره بظاهر المعافر»، كان السّبب في بناء هذه القناطر أنّ أحمد بن طولون ركب فمرّ بمسجد الأقدام وحده، وتقدّم عسكره وقد كدّه العطش، وكان في المسجد خيّاط، فقال: يا خيّاط، أعندك ماء؟ قال: نعم. فأخرج له كوزا فيه ماء وقال: اشرب ولا تمدّ، يعني لا تشرب كثيرا. فتبسّم أحمد بن طولون، وشرب فمدّ فيه حتى شرب أكثره، ثم ناوله إيّاه، وقال: يا فتى سقيتنا وقلت لا تمدّ! فقال: نعم، أعزّك اللّه، موضعنا
стр. 3228
ههنا منقطع، وإنّما أخيّط جمعتي حتى أجمع ثمن راوية. فقال له: والماء عندكم هاهنا معوز؟ فقال: نعم.
فمضى أحمد بن طولون. فلمّا حصل في داره قال: جيئوني السّاعة (¬a) بخيّاط في مسجد الأقدام، فما كان بأسرع من أن جاءوا به. فلمّا رآه قال: سرّ مع المهندسين حتى يخطّوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء، وهذه ألف دينار خذها.
وابتدأ في الإنفاق، وأجرى على الخيّاط في كلّ شهر عشرة دنانير، وقال له: بشّرني ساعة يجري الماء فيها. فجدّوا في العمل، فلمّا جرى الماء أتاه مبشّرا، فخلع عليه وحمله، واشترى له دارا يسكنها، وأجرى عليه الرّزق السّنيّ الدّارّ.
وكان قد أشير عليه بأن يجري الماء من عين أبي خليد المعروفة بالنعش. فقال: هذه العين لا تعرف أبدا إلاّ بأبي خليد، وإنّي أريد أن أستنبط بئرا. فعدل عن العين إلى الشّرق، فاستنبط بئره هذه، وبنى عليها القناطر، وأجرى الماء إلى الفسقيّة التي بقرب درب سالم (١).
وقال جامع «السّيرة الطولونيّة»: وأمّا رغبته في أبواب الخير فكانت ظاهرة بيّنة واضحة. فمن ذلك: بناء الجامع والبيمارستان، ثم العين التي بناها بالمعافر (¬b)، وبناها بنيّة صحيحة ورغبة قويّة، حتى إنها ليس لها نظير، ولهذا اجتهد الماذرائيّون وأنفقوا الأموال الخطيرة ليحكوها، فأعجزهم ذلك، لأنّها وقعت في موضع جيرانه كلّهم محتاجون إليها. وهي مفتوحة طول النهار لمن كشف وجهه للأخذ منها، ولمن كان له غلام أو جارية، والليل للفقراء والمساكين فهي جباة ومعونة. واتّخذ لها مستغلاّ فيه فضل وكفاية لمصالحها.
والذي تولّى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصرانيّ، حسن الهندسة حاذق بها، وأنه دخل إلى أحمد بن طولون في عشيّة من العشايا، فقال له: إذا فرغت ممّا تحتاج إليه فيها (¬a)، فأعلمني لنركب إليها لنراها (¬c). فقال: يركب الأمير - (¬d) أيّده اللّه (¬d) - إليها في غد فقد فرغت.
стр. 3229
وتقدّم النصرانيّ فرأى موضعا بها يحتاج إلى قصريّة جير وأربع طوبات، فبادر إلى عمل ذلك. وأقبل أحمد بن طولون يتأمّل العين، فاستحسن جميع ما شاهده فيها، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصريّة الجير، فوقف بالاتّفاق عليها، فلرطوبة الجير غاصت يد الفرس فيه فكبا بأحمد، ولسوء ظنّه قدّر أن ذلك لمكروه أراد به النصرانيّ، فأمر به فشقّ عنه ما عليه من الثّياب، وضربه خمس مائة سوط، وأمر به إلى المطبق، وكان المسكين يتوقّع من الجائزة مثل ذلك دنانير، فاتّفق له اتّفاق سوء.
وانصرف أحمد بن طولون وأقام النصرانيّ، إلى أن أراد أحمد بن طولون بناء الجامع، فقدّر له ثلاث مائة عمود، فقيل له: ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضّياع الخراب فتحمل ذلك، فأنكره ولم يختره، وتعذّب قلبه بالفكر في أمره.
وبلغ النصرانيّ وهو في المطبق الخبر، فكتب إليه: أنا أبنيه لك كما تحبّ وتختار بلا عمد إلاّ عمودي القبلة، فأحضره - وقد طال شعره حتى تدلّى على وجهه - فبناه (١).
قال: ولمّا بنى أحمد بن طولون هذه السّقاية. بلغه أنّ قوما لا يستحلّون شرب مائها. قال محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم الفقيه: كنت ليلة في داري، إذ طرقت بخادم من خدّام أحمد ابن طولون، فقال لي: الأمير يدعوك. فركبت مذعورا مرعوبا، فعدل بي عن الطريق، فقلت:
أين تذهب بي؟ فقال: إلى الصّحراء والأمير فيها. فأيقنت بالهلاك، وقلت للخادم: اللّه اللّه فيّ، فإنّي شيخ كبير ضعيف مسنّ، فتدري ما يراد منّي فارحمني. فقال لي: احذر أن يكون لك في السّقاية قول.
وسرت معه وإذا بالمشاعل في الصّحراء، وأحمد بن طولون راكب على باب السّقاية وبين يديه الشّمع، فنزلت وسلّمت عليه، فلم يردّ عليّ، فقلت: أيّها الأمير إنّ الرّسول أعنتني وكدّني وقد عطشت، فيأذن لي الأمير في الشّرب، فأراد الغلمان أن يسقوني، فقلت: أنا آخذ لنفسي فاستقيت وهو يراني، وشربت وازددت في الشّرب حتى كدت أنشق، ثم قلت: أيّها الأمير، سقاك اللّه من أنهار الجنّة فلقد أرويت/ وأغنيت، ولا أدري ما أصف: أطيب الماء في حلاوته وبرده، أم صفاءه، أم طيب ريح السّقاية؟ قال: فنظر إليّ وقال: أريدك لأمر وليس هذا وقته، فاصرفوه، فصرفت. فقال لي الخادم: أصبت. فقلت: أحسن اللّه جزاءك، فلولاك لهلكت (٢).
стр. 3230
وكان مبلغ النفقة على هذه العين في بنائها ومستغلّها أربعين ألف دينار.
وأنشد أبو عمر (¬a) الكندي في كتاب «الأمراء» لسعيد القاصّ أبياتا في رثاء دولة بني طولون، منها في العين والسّقاية:
[الطويل]
وعين معين الشّرب غير (¬b) زكيّة … وعين أجاج للرّواة وللطهر
كأنّ وفود النيل في جنباتها … تروح وتغدو بين مدّ إلى جزر
فارقها (¬c) مستنبطا لمعينها … من الأرض من بطن عميق إلى ظهر
بناء لو أنّ الجنّ جاءت بمثله … لقيل لقد جاءت بمستفظع نكر
تمرّ على أرض المعافر كلّها … وشعبان والأحمور والحيّ من بشر
قبائل لا نوء السّحاب يمدّها … ولا النيل يرويها ولا جدول يجري (١)
وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النسّابة في كتاب «الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون»: سريع فخذ من الأشعريين، وهم ولد سريع بن ماتع، من بني الأشعر بن أدد بن زيد ابن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهم رهط أبي قبيل التّابعي الذي خطّته اليوم الكوم، شرقي قناطر سقاية أحمد بن طولون - المعروفة بعفصة الكبيرة - بالقرافة.
الخندق
هذا الخندق كان بقرافة مصر قد دثر، وعلى شفيره الغربي قبر الإمام الشّافعيّ ﵁ وكان من النيل إلى الجبل. حفر مرّتين: مرّة في زمن مروان بن الحكم، ومرّة في خلافة الأمين محمد بن هارون الرّشيد (٢)، ثم حفره أيضا القائد جوهر.
стр. 3231
قال القضاعيّ: الخندق، هو الخندق الذي في شرقي الفسطاط في المقابر. كان الذي أثار حفره مسير مروان بن الحكم إلى مصر، وذلك في سنة خمس وستين، وعلى مصر يومئذ عبد الرّحمن بن عقبة بن جحدم الفهري، من قبل عبد اللّه بن الزّبير ﵁. فلمّا بلغه مسير مروان إلى مصر، أعدّ واستعدّ وشاور الجند في أمره. فأشاروا عليه بحفر الخندق، والذي أشار به عليه ربيعة بن حبيش الصّدفي. فأمر ابن جحدم بإحضار المحاريث (¬a) من الكور لحفر الخندق على الفسطاط، فلم يبق قرية من قرى مصر إلاّ حضر من أهلها النفر.
وكان ابتداء حفره غرّة المحرّم سنة خمس وستين، فما كان شيء أسرع من فراغهم منه، حفروه في شهر واحد. وكانت الحرب من ورائه يغدون إليها ويروحون، فسمّيت تلك الأيّام «أيّام الخندق والتّراويح» لرواحهم إلى القتال. وكانت المعافر (¬b) أكثر قبائل أهل مصر عددا، كانوا عشرين ألفا.
ونزل مروان عين شمس، لعشر خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، في اثني عشر ألفا، وقيل عشرين ألفا، فخرج أهل مصر إلى مروان، فحاربوه يوما واحدا بعين شمس، ثم تحاجزوا، ورجع أهل مصر إلى خندقهم فتحصّنوا به، وصحبهم جيوش مروان على باب الخندق. فاصطفّ أهل مصر على الخندق، فكانوا يخرجون إلى أصحاب مروان فيقاتلونهم نوبا نوبا، وأقاموا على ذلك عشرة أيّام، ومروان مقيم بعين شمس (١).
وكتب مروان إلى شيعته من أهل مصر - كريب بن أبرهة بن الصّبّاح الحميري، وزياد ابن حناطة التّجيبي، وعايش (¬c) بن سعيد المرادي - يقول: إنّكم ضمنتم لي ضمانا لم تقوموا به، وقد طالت الأيّام والممانعة. فقام كريب وزياد وعايش (¬c) إلى ابن جحدم، فقالوا له: أيّها الأمير، إنّه لا قوام لنا بما ترى، وقد رأينا أن نسعى في الصّلح بينك وبين مروان، وقد ملّ الناس الحرب وكرهوها وقد خفنا أن يسلّمك الناس إلى مروان فيكون محكّما فيك. فقال: ومن لي بذلك؟ فقال كريب: أنا لك به.
стр. 3232
فسفر (¬a) كريب وصاحباه في الصّلح على أمان كتبه مروان لأهل مصر وغيرهم ممّن شرب ماء النيل، وعلى أن يسلّم لابن جحدم من بيت المال عشرة آلاف دينار، وثلاث مائة ثوب بقطرية، ومائة ريطة، وعشرة أفراس، وعشرين بغلا، وخمسين بعيرا. فتمّ الصّلح على ذلك.
ودخل مروان الفسطاط مستهلّ جمادى الأولى سنة خمس وستين، فنزل دار الفلفل، ودفع إلى ابن جحدم جميع ما صالحه عليه، وسار ابن جحدم إلى الحجاز، ولم يلق كلّ واحد منهما الآخر (١).
وتفرّق المصريون، وأخذوا في دفن قتلاهم والبكاء عليهم، فسمع مروان البكاء، فقال: ما هذه النوادب؟ فقيل على القتلى، قال: لا أسمع نائحة تنوح إلاّ أحللت بمن هي في داره العقوبة.
فسكتن عند ذلك.
ودفن أهل مصر قتلاهم فيما بين الخندق والمقطّم، وهي المقابر التي يسمّيها المصريون «مقابر الشّهداء»، ودفن أهل الشّام قتلاهم فيما بين الخندق ومنية الأصبغ (٢). وكان قتلى أهل مصر ما بين الستّ مائة إلى السبع مائة، وقتلى أهل الشّام/ نحوا من الثماني مائة (¬b).
ولمّا برز مروان من الفسطاط سائرا إلى الشّام، سمع رحبة (¬c) النساء يندبن قتلاهن، قال:
ويحهن، ما هذا؟ قالوا: النساء على مقابرهن يندبن قتلاهن، فعرج عليهن، فأمر بالانصراف.
قالوا: كذا هنّ كلّ يوم. قال: فامنعوهنّ إلاّ من سبت إلى سبت (¬d).
وخرج مروان من مصر إلى الشّام لهلال رجب سنة خمس وستين، وكان مقامه بالفسطاط شهرين، واستخلف ابنه عبد العزيز على مصر، وضمّ إليه بشر بن مروان - وكان حدثا - ثم ولّى عبد الملك بشرا بعد ذلك البصرة.
قال: ثم دثر هذا الخندق إلى أيّام خلع الأمين بمصر، وبيعة المأمون، وولى البلد عباد بن محمد ابن حبّان - مولى كندة - من قبل المأمون. فكتب الأمين بمصر إلى أهل الحوفين في القيام ببيعته، وقتال عباد وأهل مصر، فتجمّع أهل الحوف لذلك واستعدّوا.
стр. 3233
وبلغ أهل مصر، فأشاروا على عباد بحفر الخندق، فحفروا خندقا من النيل إلى الجبل، واحتفروا هذا الخندق العتيق. فكان القتال عليه أيّاما متفرّقة إلى أن قتل الأمين، وتمّت بيعة المأمون. ثم لم يحفر بعد ذلك إلى يومنا هذا (١).
وذكر ابن زولاق أنّ القائد جوهرا لمّا اختطّ القاهرة، وكثر الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر، حفر خندق السّريّ بن الحكم بباب مدينة مصر، وعمل عليه بابا في ذي القعدة سنة ستين وثلاث مائة، وحفر خندقا في وسط مقبرة مصر، وهو الخندق الذي حفره ابن جحدم. ابتدأ حفره من بركة الحبش حتى وصله بخندق عبد الرّحمن بن جحدم، حتى بلغ به قبر محمد بن إدريس الشّافعيّ، ثم حفر من الجبل إلى أن وصل لخندق ابن جحدم وسط المقابر، وبدأ به يوم السبت التاسع من شوّال سنة إحدى وستين وثلاث مائة، وفرغ منه في مدّة يسيرة.
القباب السّبع [أثر رقم ٤٧٣]
هذه القباب بآخر القرافة الكبرى ممّا يلي مدينة مصر (٢). قال ابن سعيد في كتاب «المغرب»:
والقباب السّبع، المشهورة بظاهر الفسطاط، هي مشاهد على سبعة من بني المغربي، قتلهم الخليفة الحاكم بعد فرار الوزير أبي القاسم الحسين بن عليّ بن المغربي إلى أبي الفتوح حسن ابن جعفر بمكّة. وفي ذلك يقول أبو القاسم بن المغربي:
стр. 3234
[الطويل]
إذا شئت أن ترنو إلى الطفّ باكيا … فدونك فانظر نحو أرض المقطّم
تجد من رجال المغربي عصابة … مضمّخة الأجسام من حلل الدّم
فكم تركوا محراب آي معطّل … وكم تركوا من سورة لم تختّم (١)
وقد ذكرت أخبار بني المغربي عند ذكر بساتين الوزير من بركة الحبش (٢).
ويتعلّق بهذا الموضع من خبرهم أنّ أبا الحسن، عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمد ابن المغربي، لمّا خرج من بغداد وصار إلى مصر في أيّام العزيز باللّه بن المعزّ لدين اللّه، في سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، رتّب له في كلّ سنة ستة آلاف دينار، وصار من شيوخ الدّولة.
فقال يوما لمؤدّب ولده أبي القاسم حسين - وهو عليّ بن منصور بن طالب، المعروف بأبي الحسن دوخلة ابن القارح (¬a) - سرّا: أنا أخاف همّة ابني أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا موردا لا صدر عنه، فإن كانت الأنفاس ممّا تحفظ وتكتب، فاكتبها واحفظها وطالعني بها.
فقال أبو القاسم في بعض الأيّام لمؤدّبه هذا: إلى متى نرضى بالخمول الذي نحن فيه؟ فقال له: وأيّ خمول هذا؟ تأخذون من مولانا في كلّ سنة ستّة آلاف دينار، وأبوكم من شيوخ الدّولة. فقال: أريد أن تصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب، ولا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان والنسوان.
стр. 3235
فأعاد ذلك على أبيه، فقال: ما أخوفني أن يخضّب أبو القاسم هذه من هذه. وقبض على لحيته وهامته وعلم ذلك أبو القاسم، فصارت بينه وبين مؤدّبه وحشة؛ وكان ذلك في خلافة الحاكم بأمر اللّه منصور بن العزيز.
وتحدّث القائد أبي عبد اللّه الحسين بن جوهر، وكان الحاكم قد أكثر من قتل رؤساء دولته، وصار يبعث إلى القائد كلّما قتل رئيسا برأسه، ويقول: هذا عدوّي وعدوّك. فقبض على أبي الحسن علي بن الحسين المغربي، والد الوزير أبي القاسم الحسين، وعلى أخيه أبي عبد اللّه محمد ابن الحسين، وعلى محسن ومحمد أخوي الوزير المذكور لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع مائة، وفرّ الوزير أبو القاسم الحسين بن المغربي من مصر، في زيّ حمّال، لليال من ذي القعدة، ولحق بحسّان بن الجرّاح، وكان من أمره ما كان.
ذكر الأحواض والآبار التي بالقرافة
حوض القرافة
أمر ببنائه السّيّدة ستّ الملك، عمّة الحاكم بأمر اللّه ابنة المعزّ لدين اللّه، في شعبان سنة ستّ/ وستين وثلاث مائة، واختلّ في أيّام العادل أبي الحسن ابن السّلار، وزير مصر في سنة ستّ وأربعين وخمس مائة، فأمر بعمارته.
ثم انشقّ في سنة ثمانين وخمس مائة. فجدّده القاضي السّعيد ثقة الثّقات ذو الرّياستين أبو الحسن علي بن عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن أحمد بن يعقوب بن مسلم بن منبّه، أحد بني عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم المخزومي، صاحب النظر في ديوان مصر، ومصنّف كتاب «المنهاج في أحكام الخراج»، وهو كتاب جليل الفائدة (١).
стр. 3236
ولم تزل آثار هذا القاضي حميدة، ومقاصده سديدة، وعنده نخوة قرشيّة ومروءة وعصبيّة.
وهو وإن طاب أصولا فقد زكا فروعا، وإن تفرّقت في سواه فضائل فقد جمعها اللّه جميعا، ولم يزل مذ كان يسعى في الأمانة على صراط مستقيم، آخذا بقوله تعالى إخبارا عن الكريم ابن الكريم: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية ٥٥ سورة يوسف].
الحوض بجوار قصر القرافة
في ظهر الحمّام العزيزي، بحضرة فرن القرافة، أمرت ببنائه أمّ الخليفة الظّاهر لإعزاز دين اللّه - واسمها السّيّدة رصد - على يد وكيلها الشّريف المحدّث أبي إبراهيم أحمد بن القاسم ابن الميمون ابن حمزة الحسيني العبدلي، شيخ القرّاء (¬a) وابن الخطّاب التككي (¬b).
حوض بحضرة الأشعوب
وهو قصر بني عقيب (¬c).
حوض في داخل قصر أبي المعلوم
مجاور للبئر الكبيرة ذات الدّواليب. بناه المحتسب الفارسي، مع بنائه (¬d) البئر والميضأة، في أيّام السّيّدة أمّ العزيز. ويقال إنّ الحوض والبئر من بناء الماذرائي (¬e)، وإنّما جدّدته عمّة الحاكم.
حوض بقصر بني كعب وبجانبه بئر
أنشأه الحاجب لؤلؤ، وهو من حقوق قصر بني كعب. وقد خربت هذه الأحواض ودثرت.
стр. 3237
ذكر الآبار التي ببركة الحبش والقرافة
بئر أبي سلامة
وتعرف ببئر الغنم، وهي قبلي البوينة، وموضعها أحسن موضع في البركة، وهي التي عنى أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز بقوله:
[السريع]
للّه يومي ببركة الحبش … والأفق بين الضّياء والغبش
والنيل تحت الرّياح مضطرب … كصارم في يمين مرتعش
ونحن في روضة مفوّفة … دبّج بالنور عطفها ووشّي
قد نسجتها يد الغمام لما … فنحن من نسجها على فرش
وأثقل الناس كلّهم رجل … دعاه داعي الهوى فلم يطش
فعاطني الرّاح إنّ تاركها … من سورة الهمّ غير منتعش
واسقني بالكبار مترعة … فهن أسفي لشدّة العطش
بئر غربي دير مرحنّا وبستان العبيدي
ودير مرحنّا يعرف اليوم في زماننا بدير الطين، وهو عامر بالنصارى (١).
بئر الدّرج
شرقي بساتين الوزير، لها درج ينزل به إليها، عملها الحاكم بأمر اللّه، وشرقيها قبور النصارى، وبعدهم إلى جهة الجبل قبور اليهود، والبستان المجاور لعفصة الصّغرى - أوّل بركة الحبش - على لسان الجبل الخارج إلى البركة، مجاورة لبئر النعش وبئر السّقّايين، وهي المعروفة ببئر أبي موسى خليد، وقد صار هذا البستان إلى المهذّب بن الوزير (٢).
стр. 3238
بئر الزّقاق
شرقي عفصة الصّغرى، والزّقاق معروف إذ ذاك في الجبل، وفي أوّله بئر مربّعة كان يسقى منها البقر والغنم.
ذكر السّبعة التي تزار بالقرافة (١)
اعلم أنّ زيارة القرافة كانت أوّلا يوم الأربعاء، ثم صارت ليلة الجمعة، وأمّا زيارة يوم السبت فقيل إنّها قديمة، وقيل/ متأخّرة. وأوّل من زار يوم الأربعاء، وابتدأ بالزّيارة من مشهد السّيّدة نفيسة، الشّيخ الصّالح أبو محمد عبد اللّه بن رافع بن ترجم بن رافع، الشّارعي الشّافعي المقابري، الزّوّار المعروف بعابد. ومولده سنة إحدى وستين وخمس مائة، ووفاته بالهلاليّة خارج باب زويلة في ليلة الثّاني والعشرين من شعبان سنة ثمان وثلاثين وستّ مائة، ودفن بسفح المقطّم على تربة بني نهار بحري تربة الرّديني.
وأوّل من زار ليلة الجمعة الشّيخ الصّالح المقرئ أبو الحسن علي بن أحمد بن جوشن - المعروف بابن الجبّاس - والد شرف الدّين محمد بن علي بن أحمد بن الجبّاس، فجمع الناس وزار بهم في ليلة الجمعة في كلّ أسبوع، وزار معه في بعض الليالي السّلطان الملك الكامل ناصر الدّين أبو المعالي محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، ومشى معه أكابر العلماء.
وكان سبب تجرّد أبي الحسن بن الجبّاس وانقطاعه إلى اللّه تعالى، أنّه دولب مطبخ سكّر شركة رجل، فوقف عليهما مال للدّيوان فسجنا بالقصر، فقرأ ابن الجبّاس في بعض الليالي سورة الرّعد، فسمعه السّلطان الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، فقام حتى وقف عليه وسأله عن خبره، فأعلمه بأنّه سجن على مبلغ كذا، فأمر بالإفراج عنه، فأبى إلاّ أن يفرج عن رفيقه أيضا، فأفرج عنهما جميعا.
واتّفق أنّه مرّ في بعض ليالي الزّيارة بزاوية الفخر الفارسي، فخرج وقال له: ما هذه البدعة؟ في غد أبطلها. ثم دخل الزّاوية وخرج بعد ساعة، وأمر بردّ ابن الجبّاس، فلمّا جاءه قال: دم على ما
стр. 3239
أنت عليه، فإنّي رأيت قوما السّاعة، فقالوا: هل تعطينا ما يعطينا ابن الجبّاس في ليالي الجمع؟ فعلمت أنّ ذلك هو الدّعاء والقراءة.
وأمّا زيارة يوم السّبت، فقد تقدّم أنّه اختلف فيها، وحكى الموفّق بن عثمان، عن القضاعيّ، أنّه كان يحثّ على زيارة سبعة قبور، وأنّ رجلا شكا إليه ضيق حاله والدّين، فقال له: عليك بزيارة سبعة قبور (١).
أوّلهم: الشّيخ أبو الحسن علي بن محمد بن سهل بن الصّائغ الدّينوري، وتوفي ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة.
والثّاني: عبد الصّمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم البغدادي، صاحب الخلفاء، وتوفي سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة.
والثّالث: أبو إبراهيم إسماعيل ابن المزني، وتوفي سنة أربع وستين ومائتين.
والرّابع: القاضي بكّار بن قتيبة، وتوفي سنة سبعين ومائتين.
والخامس: القاضي المفضّل بن فضالة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
والسّادس: القاضي أبو بكر عبد الملك بن الحسن القمني، وتوفي في ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين وأربع مائة.
والسّابع: أبو الفيض ذو النون ثوبان بن إبراهيم المصري، وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
وكانوا أوّلا يزورون بعد صلاة الصّبح، وهم مشاة على أقدامهم، إلى أن كانت أيّام شيخ الزّوّار محمد العجمي السّعودي، فزار راكبا في يوم السبت بعد طلوع الشّمس، لأنّ رجليه كانتا معوّجتين لا يستطيع المشي عليهما، وذلك في أواخر سنة ثمان مائة. وتوفي في عاشر شهر رمضان سنة تسع وثمان مائة.
فجاء بعده الزائر شمس الدّين محمد بن عيسى المرجوشي السّعودي، ومحيي الدّين عبد القادر بن علاء الدّين محمد بن علم الدّين بن عبد الرّحمن - الشهير بابن عثمان - ففعلا ذلك، ومات ابن عثمان في سابع شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وثمان مائة. فاستمرّت الزّيارة على ذلك.
وقد حكى صاحب كتاب «محاسن الأبرار ومجالس الأخيار» سبعة غير من ذكرنا، وسمّاهم المحقّقين، وهم: صلة بن مؤمّل، وأبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن علي بن جعفر الخوارزمي، وسالم العفيف، وأبو الفضل بن الجوهري، وأبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن الحسين - عرف
стр. 3240
بالبزّار -، وأبو الحسن علي - عرف بطير الوحش -، وأبو الحسن علي بن صالح الأندلسي الكحّال.
وذكر أيضا سبعة أخر، وهم: عقبة بن عامر الجهني، والإمام أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشّافعي، وأبو بكر الدّقّاق، وأبو إبراهيم إسماعيل المزني، وأبو العبّاس أحمد الجزّار، والفقيه ابن دحية، والفقيه ابن فارس اللخمي. وزيارتهم يوم الجمعة بعد صلاة الصّبح، والعمل عليها في الزّيارة الآن، إلاّ إنّهم يجتمعون طوائف، لكلّ طائفة شيخ، ويقيمون مناور كبارا وصغارا، ويخرجون في ليالي الجمع، وفي كلّ سبت بكرة النهار، وفي كلّ يوم أربعاء بعد الظّهر، وهم يذكرون اللّه، فيزورون، ويجتمع معهم من الرّجال والنساء خلائق لا تحصى، ومنهم من يعمل ميعاد وعظ، ويقال لشيخ كلّ طائفة «الشّيخ الزائر». فتمرّ لهم في الزّيارة أمور منها ما يستحسن، ومنها ما ينكر، ولكلّ عبد ما نوى.
فمن أشهر مزارات القرافة.
قبر الإمام أبي عبد اللّه محمّد بن إدريس الشّافعي (١) رحمة اللّه ورضوانه عليه [أثر رقم ٢٨١]
وتوفّي يوم الجمعة آخر يوم من شهر رجب سنة أربع ومائتين بفسطاط مصر، وحمل على الأعناق حتّى دفن في مقبرة بني زهرة، أولاد عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهري ﵁ وعرفت أيضا بتربة أولاد ابن عبد الحكم.
وقال القضاعيّ: وقد جرّب الناس خير هذه التّربة المباركة والقبر المبارك.
وينقل عن المزنيّ أنّه قال فيه:
[الطويل]
سقى اللّه هذا القبر من أجل من به (¬a) … من العفو ما يغنيه عن طلل المزن
стр. 3241
لقد كان كفوا للعداة ومعقلا … وركنا لهذا الدّين، بل أيّما ركن
هكذا وقفت عليه، ثم رأيت بعد ذلك أنّ المزنيّ ﵀ لمّا دفن، مرّ رجل على قبره، وإذا بهاتف يقول … فذكر البيتين.
وقال آخر:
[البسيط]
للّه درّ الثّرى ما ضمّ من كرم … بالشّافعي حليف العلم والأثر
يا جوهر الجوهر المكنون من مضر … ومن قريش ومن ساداتها الأخر
لمّا توفّيت ولّى العلم مكتئبا … وضرّ موتك أهل البدو والحضر (١)
ولآخر:
[البسيط]
أكرم به رجلا ما مثله رجل … مشارك لرسول اللّه في نسبه
أضحى بمصر دفينا في مقطّمها … نعم المقطّم والمدفون في تربه
ومناقب الشّافعيّ ﵀ كثيرة، قد صنّف الأئمّة فيها عدّة مصنّفات (٢)، وله في «تاريخي الكبير المقفّى» ترجمة كبيرة (٣).
ومن أبدع ما حكي من مناقبه: أنّ الوزير نظام الملك، أبا عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق، لمّا بنى المدرسة النظاميّة ببغداد، في سنة أربع وسبعين وأربع مائة، أحبّ أن ينقل الإمام الشّافعي من مقبرته بمصر إلى مدرسته، وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي - وزير الإمام المستنصر باللّه معدّ - يسأله في ذلك، وجهّز له هديّة جليلة. فركب أمير الجيوش في موكبه، ومعه أعيان الدّولة ووجوه المصريين من العلماء وغيرهم، وقد اجتمع الناس لرؤيته. فلمّا نبش القبر، شقّ ذلك على الناس وماجوا، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، وهمّوا برجم أمير الجيوش والثّورة به، فسكّتهم، وبعث يعلم الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بصورة الحال. فأعاد جوابه بإمضاء ما أراد نظام الملك، فقرئ كتابه بذلك على الناس عند القبر، وطردت العامّة والغوغاء من حوله، ووقع الحفر حتى انتهوا إلى اللحد. فعندما أرادوا قلع ما عليه من اللبن، خرج من اللحد رائحة عطرة أسكرت من حضر فوق القبر حتى وقعوا صرعى، فما أفاقوا إلاّ بعد
стр. 3242
ساعة، فاستغفروا ممّا كان منهم، وأعادوا ردم القبر كما كان، وانصرفوا.
وكان يوما من الأيّام المذكورة، وتزاحم الناس على قبر الشّافعيّ يزورونه مدّة أربعين يوما بلياليها، حتى كان من شدّة الازدحام لا يتوصّل إليه إلاّ بعناء ومشقّة زائدة. وكتب أمير الجيوش محضرا بما وقع، وبعث به وبهديّة عظيمة مع كتابه إلى نظام الملك، فقرئ هذا المحضر والكتاب بالمدرسة النظاميّة (¬a) ببغداد وقد اجتمع العالم على اختلاف طبقاتهم لسماع ذلك، فكان يوما مشهودا ببغداد.
وكتب نظام الملك إلى عامّة بلدان المشرق - من حدود الفرات إلى ما وراء النهر - بذلك، وبعث مع كتبه بالمحضر وكتاب أمير الجيوش، فقرئت في تلك الممالك بأسرها، فزاد قدر الإمام الشّافعيّ عند كافّة أهل الأقطار وعامّة جميع أهل الأمصار بذلك.
وقد أوردت في كتاب «إمتاع الأسماع بما للرّسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع ﷺ » نظير هذه الواقعة، وقع لضريح رسول اللّه ﷺ .
ولم يزل قبر الشّافعيّ يزار ويتبرّك به، إلى أن كان يوم الأحد لسبع خلت من جمادى الأولى سنة ثمان وستّ مائة، فانتهى بناء هذه القبّة التي على ضريحه، وقد أنشأها الملك الكامل المظفّر المنصور أبو المعالي ناصر الدّين محمد، ظهير أمير المؤمنين، ابن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب، وبلغت النفقة عليها خمسين ألف دينار مصرية، وأخرج في وقت بنائها بعظام كثيرة من مقابر كانت هناك، ودفنت في موضع من القرافة (١).
стр. 3243
مخطّط قبّة الإمام الشّافعي
وبهذه القبّة أيضا قبر السّلطان الملك العزيز عثمان ابن السّلطان صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب، وقبر أمّه شمسة. وقيل فيها عدّة أشعار، منها قول الأديب الكاتب ضياء الدّين أبي الفتح موسى بن ملهم:
[المتقارب]
مررت على قبّة الشّافعيّ … فعاين طرفي عليها العشاري
فقلت لصحبي لا تعجبوا … فإنّ المراكب فوق البحار (١)
/ وقال علاء الدّين أبو عمرو (¬a) عثمان بن إبراهيم النابلسي:
стр. 3244
قبّة الإمام الشّافعي
قبّة الإمام الشافعي وضريحه من الدّاخل
стр. 3245
[المتقارب]
لقد أصبح الشّافعيّ الإما … م فينا له مذهب مذهب
ولو لم يكن بحر علم لما … غدا وعلى قبره مركب
وقال آخر:
[الطويل]
أتيت لقبر الشّافعيّ أزوره … فعارضنا فلك وما عنده بحر
فقلت تعالى اللّه تلك إشارة … تشير بأنّ البحر قد ضمّه القبر
وقال شرف الدّين أبو عبد اللّه محمد بن سعيد بن حمّاد البوصيري صاحب البردة:
[الطويل]
بقبّة قبر الشّافعيّ سفينة … رست في بناء محكم فوق جلمود
ومذ غاض طوفان العلوم بقبره اس … توى الفلك من ذاك الضّريح على الجودي (١)
ومنها:
قبر الإمام الليث بن سعد ﵀ (٢)
قد اشتهر قبره عند المتأخّرين. وأوّل ما عرفته من خبر هذا القبر: أنّه وجدت مصطبة في آخر قباب الصّدف (٣) - وكانت قباب الصّدف أربع مائة قبّة فيما يقال - عليها مكتوب:
«الإمام الفقيه الزّاهد العالم الليث بن سعد بن عبد الرّحمن أبو الحارث المصري، مفتي أهل مصر».
стр. 3246
كما ذكر في كتاب «هادي الرّاغبين في زيارة قبور الصّالحين» لأبي محمد عبد الكريم ابن عبد اللّه بن عبد الكريم بن عليّ بن محمد بن عليّ بن طلحة (١)، وفي كتاب «مرشد الزّوّار» للموفّق ابن عثمان (٢). وذكر الشّيخ محمد الأزهري في كتابه «في الزّيارة» أنّ أوّل من بنى عليه وحيّز، كبير التّجّار أبو زيد المصري، بعد سنة أربعين وستّ مائة.
ولم يزل البناء يتزايد إلى أن جدّد الحاج سيف الدّين المقدّم عليه قبّته، في أيّام الأشرف شعبان ابن حسين بن محمد بن قلاوون، قبيل سنة ثمانين وسبع مائة، ثم جدّدت في أيّام الناصر فرج ابن الظّاهر برقوق، على يد الشّيخ أبي الخير محمد ابن الشيخ سليمان المادح، في محرّم سنة إحدى عشرة وثمان مائة.
ثم جدّدت في سنة اثنتين وثلاثين وثمان مائة على يد امرأة قدمت من دمشق، في أيّام المؤيّد شيخ، عرفت بمرحبا بنت إبراهيم بن عبد الرّحمن أخت عبد الباسط، وكان لها معروف وبرّ، توفّيت في تاسع عشرين ذي القعدة سنة أربعين وثمان مائة.
ويجتمع بهذه القبّة، في ليلة كلّ سبت، جماعة من القرّاء، فيتلون القرآن الكريم تلاوة حسنة حتى يختموا ختمة كاملة عند السّحر. ويقصد المبيت عندهم، للتّبرّك بقراءة القرآن، عدّة من الناس. ثم تفاحش الجمع، وأقبل النساء والأحداث والغوغاء، فصار أمرا منكرا، لا ينصتون لقراءة، ولا يتّعظون بمواعظ، بل يحدث منهم على القبور ما لا يجوز. ثم زادوا في التّعدّي حتى حفروا ما هنالك خارج القبّة من القبور، وبنوا مباني اتّخذوها مراحيض وسقايات ماء.
ويزعم من لا علم عنده أنّ هذه القراءة، في كلّ ليلة سبت عند قبر الليث بزعمهم، قديمة من عهد الإمام الشّافعي. وليس ذلك بصحيح، وإنّما حدثت بعد السبع مائة من سني الهجرة بمنام ذكر بعضهم أنّه رآه، وكانوا إذ ذاك يجتمعون للقراءة عند قبر أبي بكر الأدفوي.
стр. 3247
ذكر المقابر خارج باب النصر
اعلم أنّ المقابر، التي هي الآن خارج باب النصر، إنّما حدثت بعد سنة ثمانين وأربع مائة. وأوّل تربة بنيت هناك «تربة أمير الجيوش بدر الجمالي» لمّا مات ودفن فيها، وكان خطّها يعرف برأس الطابية (١).
Section A-B
مخطّط قبّة بدر الجمالي (الشّيخ يونس) (عن (Creswell
стр. 3248
قبّة بدر الجمالي (يونس السّعدي) خارج باب النصر
قبّة طشتمر حمّص أخضر خارج باب البرقيّة
стр. 3249
قال الشّريف أمين الدّولة، أبو جعفر محمد بن محمد بن هبة اللّه العلوي الأفطسي، وقد مرّ بتربة الأفضل:
[مجزوء الكامل]
أجرى دما أجفانيه … حدث برأس الطابيه (¬a) لأعزّ مفقود به (¬a) … صدع الزّمان صفاتيه
بال وما بليت أيا … ديه عليّ الباقيه
وبخارج باب النصر، في أوائل المقابر، قبر زينب بنت أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن جعفر ابن الحنفيّة يزار، وتسمّيه العامّة «مشهد السّت زينب».
ثم تتابع دفن الناس موتاهم في الجهة التي هي اليوم من بحريّ مصلّى الأموات إلى نحو الرّيدانيّة. وكان ما في شرقيّ هذه المقبرة إلى الجبل براحا واسعا - يعرف بميدان القبق، وميدان العيد، والميدان الأسود - وهو ما بين قلعة الجبل إلى قبّة النصر تحت الجبل الأحمر (١).
فلمّا كان بعد سنة عشرين/ وسبع مائة، ترك الملك الناصر محمد بن قلاوون النزول إلى هذا الميدان وهجره. فأوّل من ابتدأ فيه بالعمارة الأمير شمس الدّين قراسنقر، فاختطّ تربته التي تجاور اليوم تربة الصّوفيّة، وبنى حوض ماء للسّبيل، وجعل فوقه مسجدا. وهذا الحوض بجوار باب تربة الصّوفيّة، أدركته عامرا هو وما فوقه، وقد تهدّم وبقيت منه بقيّة (٢). ثم عمّر بعده نظام الدّين آدم، أخو الأمير سيف الدّين سلار، تجاه تربة قراسنقر مدفنا وحوض ماء للسّبيل ومسجدا معلّقا (٣). وتتابع الأمراء والأجناد وسكّان الحسينيّة في عمارة التّرب هناك، حتى انسدّت طريق الميدان، وعمّروا بجوانبه أيضا (¬b).
стр. 3250
وأخذ صوفيّة الخانقاه الصّلاحيّة سعيد السّعداء قطعة كبيرة (¬a) قدر فدّانين وأداروا عليها سورا من حجر، وجعلوها مقبرة لمن يموت منهم، (¬b) فسمّيت «تربة الصّوفيّة» (¬b)، وهي باقية إلى يومنا هذا، وقد وسّعوا فيها بعد سنة تسعين وسبع مائة بقطعة من تربة قراسنقر (١).
وما برح الناس يقصدون «تربة الصّوفيّة» هذه لزيارة من فيها من الأموات، ويرغبون في الدّفن بها، إلى أن تولّى مشيخة الخانقاه الشّيخ شمس الدّين محمد البلالي، فسمح لكلّ أحد أن يقبر ميّته بها على مال يأخذه منه، فقبر بها كثير من أعوان الظّلمة ومن لم تشكر طريقته، فصارت مجمع نسوان ومجلس لعب.
وعمّر أيضا بجوار «تربة الصّوفيّة» الأمير مسعود بن خطير تربة، وعمل لها منارة من حجارة لا نظير لها في هيئتها، وهي باقية (٢). وعمّر أيضا مجد الدّين السّلاّمي تربة (٣)، وعمّر الأمير سيف الدّين كوكاي تربة (¬b) مقابل تربة الصّوفية (¬b) (٤)، وعمّر الأمير طاجار (¬c) الدّوادار على رأس المطبق (¬d) مقابل قبّة النصر، تربة (٥). وعمّر الأمير سيف الدّين طشتمر السّاقي على الطريق تربة (٦). وبنى
стр. 3251
الأمراء إلى جانبه عدّة ترب، وبنى الطواشي محسن البهائي تربة عظيمة، وبنت خوند طغاي تربة تجاه تربة طشتمر السّاقي، وجعلت لها وقفا (١). وبنى الأمير (¬a) سيف الدّين (¬a) طغاي تمر النجمي الدّوادار تربة وجعلها خانقاه، وأنشأ بجوارها حمّاما وحوانيت، وأسكنها للصّوفيّة والقراء (¬b) (٢).
وبنى الأمير منكلي بغا الفخري تربة (٣)، والأمير طشتمر طلليه تربة (٤)، والأمير أرنان تربة. وبنى كثير من الأمراء وغيرهم التّرب، حتى اتّصلت العمارة من ميدان القبق إلى تربة الرّوضة خارج باب البرقيّة. و (¬a) عمّرت بميدان القبق أيضا عدّة ترب (¬a).
فما مات الملك الناصر (¬a) محمد بن قلاوون (¬a) حتّى بطل من الميدان السّباق بالخيل (¬c)، ومنعت طريقه من كثرة العمائر. (¬a) قال كاتبه (¬a): وأدركت بعد سنة ثمانين وسبع مائة عدّة عواميد من رخام منصوبة - يقال لها عواميد السّباق - فيما بين قبّة النصر (¬a) وموضع تربة الملك الظّاهر برقوق (¬a) وقريب من القلعة (٥).
وأوّل من أدركناه (¬d) عمّر في البراح الذي كان فيه عواميد السّباق الأمير يونس الدّوادار، في أيّام الملك الظّاهر، تربته الموجودة هناك (٦) (¬a) والمكتب السّبيل (¬a). ثم عمّر الأمير قجماس ابن عمّ الملك الظّاهر برقوق، تربة بجانب تربة يونس. وأحيط على قطعة كبيرة حائط، وقبر فيها من مات من مماليك السّلطان، وقبر فيها الشّيخ علاء الدّين السّيرامي شيخ الخانقاه الظّاهرية، والشّيخ المعتقد طلحة، والشّيخ المعتقد أبو بكر البجائي (٧).
فلمّا مرض الملك الظّاهر برقوق، أوصى أن يدفن تحت أرجل هؤلاء الفقراء، وأن يبنى على قبره تربة، فدفن حيث أوصى، وأخذت قطعة مساحتها عشرة آلاف ذراع، وجعلت خانقاه،
стр. 3252
وجعل فيها قبّة على قبر السّلطان وقبور الفقراء المذكورين، وتجدّد من حينئذ هناك عدّة ترب جليلة، حتى صار الميدان شوارع وأزقّة (¬a).
و (¬b) كان عزم (¬b) الملك الناصر فرج بن برقوق (¬c) أن يتّخذ حول تربة أبيه عدّة مساكن، فبنى سوقا وربعا بجوارها، وبنى حمّاما تجاهها، ونقل (¬c) سوق الجمال وسوق الحمير من الرّميلة (¬d) تحت القلعة إلى تجاه باب (¬d) التربة التي عمّرها على قبر أبيه، فاستمرّ ذلك أيّاما في سنة أربع عشرة وثمان مائة، ثم أعيدت الأسواق إلى مكانها. وكان قصده أن يبني هناك خانا كبيرا ينزل فيه المسافرون، ويجعل بجانبه سوقا، وبنى طاحونا وحمّاما وفرنا لتعمر تلك الجهة بالناس، فمات قبل بناء الخان، وخلت الحمّام والطاحون والفرن بعد قتله (١).
(¬c) ولقد قال لي شيخنا أستاذ الزّمان قاضي القضاة أبو زيد عبد الرّحمن بن خلدون غير مرّة:
لا بدّ أن يصير هذا المكان مدينة. وكان ﵀ في هذا الباب عجبا، يقول أمورا جرّبناها عليه فلم تخطئ، فكنت أرى أنّه محدّث! وأخبرني صاحبنا الخطيب زين الدّين أبو هريرة عبد الرّحمن بن النقّاش قال: (¬c).
стр. 3253
ذكر كنائس اليهود (١)
قال اللّه : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اَللّهِ اَلنّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اَللّهِ كَثِيراً﴾ [الآية ٤٠ سورة الحج]، قال المفسّرون: الصّوامع للصّابئين، والبيع للنصارى، والصّلوات كنائس اليهود، والمساجد للمسلمين؛ قاله ابن قتيبة (٢). والكنيس كلمة عبرانيّة معناها بالعربية: الموضع الذي يجتمع فيه للصّلاة.
ولهم بديار مصر عدّة كنائس: منها كنيسة دموه بالجيزة، وكنيسة جوجر من القرى الغربية، وبمصر الفسطاط كنيسة بخطّ المصّاصة في درب الكرمة، وكنيستان بخطّ قصر الشّمع، وبالقاهرة كنيسة بالجوذريّة، وفي حارة زويلة خمس كنائس.
كنيسة دموه (٣)
هذه الكنيسة أعظم معبد لليهود بأرض مصر. فإنّهم لا يختلفون في أنّها الموضع الذي كان يأوي إليه موسى بن عمران - صلوات اللّه عليه - حين كان يبلّغ رسالات اللّه إلى فرعون، مدّة/ مقامه بمصر، منذ قدم من مدين إلى أن خرج ببني إسرائيل من مصر. ويزعم يهود أنّها بنيت هذا البناء الموجود، بعد خراب بيت المقدس الخراب الثّاني على يد طيطش ببضع وأربعين سنة، وذلك قبل ظهور الملّة الإسلامية بما ينيف على خمس مائة سنة.
وبهذه الكنيسة شجرة زيزلخت في غاية الكبر، لا يشكّون في أنّها من زمن موسى ﵇ ويقولون: إنّ موسى ﵇ غرس عصاه في موضعها، فأنبت اللّه هناك هذه
стр. 3254
الشّجرة، وأنّها لم تزل ذات أغصان نضرة، وساق صاعد في السّماء، مع حسن استواء وثخن في استقامة (١)، إلى أن أنشأ الملك الأشرف شعبان بن حسين مدرسته تحت القلعة، فذكر له حسن هذه الشّجرة، فتقدّم بقطعها لينتفع بها في العمارة، فمضوا إلى ما أمروا به من ذلك، فأصبحت وقد تكوّرت وتعقّفت، وصارت شنيعة المنظر، فتركوها، واستمرّت كذلك مدّة (٢). فاتّفق أن زنى يهودي بيهودية تحتها، فتهدّلت أغصانها، وتحاتّ ورقها، وجفّت حتى لم يبق بها ورقة خضراء، وهي باقية كذلك إلى يومنا هذا.
ولهذه الكنيسة عيد يرحل اليهود بأهاليهم إليها في «عيد الخطاب»، وهو في شهر سيوان، ويجعلون ذلك بدل حجّهم إلى القدس (٣).
وقد كان لموسى ﵇ أنباء قد قصّها اللّه تعالى في القرآن الكريم وفي التّوراة، وروى أهل الكتاب وعلماء الأخبار من المسلمين كثيرا منها (٤). وسأقصّ عليك في هذا الموضع منها ما فيه كفاية، إذ كان ذلك من شرط هذا الكتاب.
موسى بن عمران
وفي التّوراة: عمرام بن قاهت (¬a) بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن، صلوات اللّه وسلامه عليهم، أمّه يونابذ (¬b) بنت لاوي، فهي عمّة عمران والد موسى (٥). ولد بمصر في اليوم السابع من شهر آذار سنة ثلاثين ومائة لدخول يعقوب على يوسف، ﵉ بمصر (٦).
стр. 3255
وكان بنو إسرائيل - منذ مات لاوي بن يعقوب في سنة أربع وتسعين لدخول يعقوب مصر (١) - في البلاء مع القبط، وذلك أنّ يوسف ﵇ لمّا مات في سنة ثمانين من قدوم يعقوب مصر، كان الملك إذ ذاك بمصر دارم بن الرّيّان - وهو الفرعون الرّابع عندهم، وتسمّيه القبط دريموس - فاستوزر بعده رجلا من الكهنة يقال له بلاطس، فحمله على أذى الناس، وخالف ما كان عليه يوسف (٢).
وساءت سيرة الملك حتى اغتصب كلّ امرأة جميلة بمدينة منف وغيرها من النواحي فشقّ ذلك من فعله على الناس، وهمّوا بخلعه من الملك. فقام الوزير بلاطس في الوساطة بينه وبين الناس، وأسقط عنهم الخراج لثلاث سنين، وفرّق فيهم مالا حتى سكنوا (٣).
واتّفق أنّ رجلا من الإسرائيليين ضرب بعض سدنة الهياكل فأدماه، وعاب دين الكهنة، فغضب القبط، وسألوا الوزير أن يخرج بني إسرائيل من مصر، فأبى. وكان دارم الملك قد خرج إلى الصّعيد، فبعث إليه يخبره بأمر الإسرائيلي، وما كان من القبط في طلبهم إخراج بني إسرائيل من مصر، فأرسل إليه ألاّ يحدث في القوم حدثا دون موافاته؛ فشغب القبط، وأجمعوا على خلع الملك وإقامة غيره.
فسار إليهم الملك، وكانت بينه وبينهم حروب قتل فيها خلق كثير، ظفر فيها الملك، وصلب ممّن خالفه بحافتي النيل طوائف لا تحصى، وعاد إلى أكثر ممّا كان عليه من ابتزاز النساء، وأخذ الأموال، واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ومن بني إسرائيل فأجمع الكلّ على ذمّه. واتّفق أنّه ركب في النيل، فهاجت به الرّيح، وأغرقه اللّه ومن معه، ولم توجد جثّته إلاّ عند شطنوف (٤).
فأقام الوزير من بعده في الملك ابنه معاديوس، وكان صبيّا - ويسمّيه بعضهم معدان - فاستقام الأمر له، وردّ النساء اللاتي اغتصبهن أبوه، وهو خامس الفراعنة. فكثر بنو إسرائيل في زمنه، ولهجوا بثلب الأصنام وذمّها (٥).
стр. 3256
وهلك بلاطس الوزير، وقام من بعده في الوزارة كاهن يقال له أملاده، فأمر بإفراد بني إسرائيل ناحية في البلد، بحيث لا يختلط بهم غيرهم، فأقطعوا موضعا في قبلي مدينة منف صاروا إليه، وبنوا فيه معبدا كانوا يتلون به صحف إبراهيم، ﵇ (١).
فخطب رجل من القبط بعض نسائهم، فأبوا أن ينكحوه - وقد كان هويها - فأكبر القبط فعلهم، وصاروا إلى الوزير، وشكوا من بني إسرائيل، وقالوا: هؤلاء قوم يعيبوننا، ويرغبون عن مناكحتنا، ولا نحبّ أن يجاورنا ما لم يدينوا بديننا. فقال لهم الوزير: قد علمتم إكرام طوطيس الملك لجدّهم، ونهراوش من بعده، وقد علمتم بركة يوسف، حتى جعلتم قبره وسط النيل، فأخصب جانبا مصر بمكانه. وأمرهم بالكفّ عن بني إسرائيل؛ فأمسكوا، إلى أن احتجب معدان وقام من بعده في الملك ابنه أكسامس - الذي يسمّيه بعضهم كاسم - بن معدان بن الرّيّان ابن الوليد بن دومع العمليقي، وهو السّادس من فراعنة مصر، وكان أوّلهم يقال له فرعان، فصار ذلك اسما لكلّ من تجبّر وعلا أمره (٢).
وطالت أيّام كاسم، ومات وزير أبيه، فأقام من بعده رجلا من بيت المملكة/ يقال له طلما ابن قومس. وكان شجاعا ساحرا، كاهنا كاتبا حكيما، دهيّا متصرّفا في كلّ فنّ، وكانت نفسه تنازعه الملك - ويقال إنّه من ولد أشمون الملك، وقيل من ولد صا - فأحبّه الناس، وعمّر الخراب، وبنى مدنا من الجانبين، ورأى في نجومه أنّه سيكون حدث وشدّة (٣).
وشكا القبط إليه من الإسرائيليين، فقال: «هم عبيدكم». فكان القبطي إذا أراد حاجة، سخّر الإسرائيلي وضربه، فلا يغير عليه أحد ولا ينكر عليه ذلك، فإن ضرب الإسرائيليّ أحدا من القبط قتل ألبتّة، وكذلك كانت تفعل نساء القبط بالنساء الإسرائيليات. فكانت أوّل شدّة وذلّ أصاب بني إسرائيل، وكثر ظلمهم وأذاهم من القبط (٤).
واستبدّ الوزير طلما بأمر البلد، كما كان العزيز مع نهراوش، وتوفي أكسامس الملك، فاتّهم طلما بأنّه سمّه، فركب في سلاحه، وأقام لا طس الملك مكان أبيه. وكان ابنه جريئا معجبا، فصرف طلما بن قومس عمّا كان عليه من خلافته، واستخلف رجلا يقال له «لاهوق» من ولد صا، وأنفذ طلما عاملا على الصّعيد، وسيّر معه جماعة من الإسرائيليين، وزاد تجبّره وعتوّه، وأمر
стр. 3257
الناس جميعا أن يقوموا على أرجلهم في مجلسه، ومدّ يده إلى الأموال، ومنع الناس من فضول ما بأيديهم، وقصرهم على القوت، وابتزّ كثيرا من النساء، وفعل أكثر ممّا فعله ملك تقدّمه، واستعبد بني إسرائيل، فأبغضه الخاصّ والعامّ.
وكان طلما، لمّا صرف عن الوزارة وخرج إلى الصّعيد، أراد إزالة الملك والخروج عن طاعته.
فجبى المال، وامتنع من حمله، وأخذ المعادن لنفسه، وهمّ أن يقيم ملكا من ولد قبطرين ويدعو الناس إلى طاعته، ثم انصرف عن ذلك، ودعا لنفسه، وكاتب الوجوه والأعيان، فافترق الناس، وتطاول كلّ واحد من أبناء الملوك إلى الملك، وطمع فيه. ويقال: إنّ روحانيّا ظهر لطلما، وقال له: إن أطعتني قلّدتك مصر زمانا طويلا، فأجابه وقرّب إليه أشياء، منها غلام من بني إسرائيل، فصار عونا له (١).
وبلغ الملك خبر خروج طلما عن طاعته، فوجّه إليه قائدا قلّده مكانه، وأمره أن يقبض على طلما، ويبعث به إليه موثقا، فصار إليه، وخرج طلما للقائه، وحاربه فظفر به، واستولى على ما معه، فجهّز إليه الملك قائدا آخر فهزمه، وسار في إثره - وقد كثّف جمعه - فبرز إليه الملك، واحتربا، فكانت لطلما على الملك فقتله، واستولى على مدينة منف، ونزل قصر المملكة (٢).
وهذا هو فرعون موسى ﵇ وبعضهم يسمّيه الوليد بن مصعب، وقيل هو من العمالقة، وهو سابع الفراعنة. ويقال إنّه كان قصيرا، طويل اللحية، أشهل العينين، صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وكان أعرج. وقيل إنّه كان يكنى بأبي مرّة، وإنّ اسمه الوليد ابن مصعب، وإنّه أوّل من خضّب بالسّواد لمّا شاب؛ دلّه عليه إبليس (٣).
وقيل إنّه كان من القبط، وقيل إنّه دخل منف على أتان يحمل النطرون ليبيعه، وكان الناس قد اضطربوا في تولية الملك، فحكّموه ورضوا بتولية من يولّيه عليهم. وذلك أنّهم خرجوا إلى ظاهر مدينة منف ينتظرون أوّل من يظهر عليهم ليحكّموه، فكان هو أوّل من أقبل بحماره، فلمّا
стр. 3258
حكّموه ورضوا بحكمه، أقام نفسه ملكا عليهم. وأنكر قوم هذا، وقالوا: كان القوم أدهى من أن يقلّدوا ملكهم من هذه سبيله.
فلمّا جلس في الملك اختلف الناس عليه، فبذل لهم الأموال، وقتل من خالفه بمن أطاعه حتى اعتدل أمره، ورتّب المراتب، وشيّد الأعمال، وبنى المدن، وخندق الخنادق، وبنى بناحية العريش حصنا، وكذلك على جميع حدود مصر، واستخلف هامان - وكان يقرب منه في نسبه - وأثار الكنوز، وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خليج سردوس وغيره، وبلغ الخراج بمصر في زمنه سبعة وتسعين ألف ألف دينار، بالدّينار الفرعوني، وهو ثلاثة مثاقيل (١).
وفرعون هو أوّل من عرّف العرفاء على الناس. وكان ممّن صحبه من بني إسرائيل رجل يقال له إمري - وهو الذي يقال له بالعبرانية عمرام وبالعربية عمران - بن قاهث بن لاوي، وكان قدم مصر مع يعقوب ﵇ فجعله حرسا لقصره يتولّى حفظه وعنده مفاتيحه وإغلاقه بالليل. وكان فرعون قد رأى في كهانته ونجومه أنّه يجري هلاكه على يد مولود من الإسرائيليين، فمنعهم من المناكحة ثلاث سنين التي رأى أنّ ذلك المولود يولد فيها. فأتت امرأة إمري إليه في بعض الليالي بشيء قد أصلحته له، فواقعها، فاشتملت منه على هارون، وولدته لثلاث وسبعين من عمره، في سنة سبع وعشرين ومائة لقدوم يعقوب إلى مصر، ثم أتته مرّة أخرى، فحملت بموسى لثمانين سنة من عمره (٢).
ورأى فرعون في نجومه أنّه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح الذّكران من بني إسرائيل، وتقدّم إلى القوابل بذلك، فولد موسى ﵇ في سنة ثلاثين ومائة لقدوم يعقوب إلى مصر، وفي سنة أربع وعشرين وأربع مائة لولادة إبراهيم الخليل ﵇ ولمضيّ ألف وخمس مائة وستّ سنين من الطوفان.
وكان من أمره ما قصّه اللّه سبحانه من قذف أمّه له في التّابوت، فألقاه النيل إلى تحت قصر الملك، وقد أرصدت أمّه أخته على بعد لتنظر من يلتقطه فجاءت ابنة/ فرعون إلى البحر مع جواريها، فرأته واستخرجته من التابوت، فرحمته وقالت: هذا من العبرانيين من لنا بظئر (٣) ترضعه؟ فقالت لها أخته: أنا آتيك بها. وجاءت بأمّه، فاسترضعتها له ابنة فرعون إلى أن
стр. 3259
فصل، فأتت به إلى ابنة فرعون، وسمّته «موسى»، وتبنّته ونشأ عندها (١).
وقيل بل أخذته امرأة فرعون، واسترضعت أمّه، ومنعت فرعون من قتله، إلى أن كبر وعظم شأنه، فردّ إليه فرعون كثيرا من أمره، وجعله من قوّاده - وكانت له سطوة - ثم وجّهه لغزو الكوثانيين (¬a)، وقد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف وأوقع بهم، فأظفره اللّه، وقتل منهم كثيرا وأسر كثيرا، وعاد غانما، فسرّ ذلك فرعون، وأعجب به هو وامرأته (٢). واستولى موسى، وهو غلام، على كثير من أمر فرعون، فأراد فرعون أن يستخلفه؛ حتّى قتل رجلا من أشراف القبط له قرابة من فرعون، فطلبه (٣).
وذلك أنّه خرج يوما يمشي في الناس - وله صولة بما كان له في بيت فرعون من المربى والرّضاع - فرأى عبرانيّا يضرب، فقتل المصري الذي ضربه ودفنه، وخرج يوما آخر فإذا برجلين من بني إسرائيل، وقد سطا أحدهما على الآخر، فزجره، فقال له: ومن جعل لك هذا؟ أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري بالأمس (٤)؟ ونما الخبر إلى فرعون فطلبه، وألقى اللّه في نفسه الخوف لما يريد من كرامته، فخرج من منف، ولحق بمدين عند عقبة أيلة - وبنو مدين أمّة عظيمة، من بني إبراهيم ﵇ كانوا ساكنين هناك - وكان فراره وله من العمر أربعون سنة، فنزل عند يترون (¬b) (٥)، وهو شعيب ﵇ من ولد مدين بن إبراهيم، وكان من تزويجه ابنته، ورعايته غنمه، ما كان له، فأقام هنالك تسعا وثلاثين سنة، نكح فيها صفّوراء ابنة شعيب (٦). وبنو إسرائيل مع
стр. 3260
فرعون وأهل مصر - كما قال اللّه تعالى: .. يسومونهم سوء العذاب ويستعبدونهم (١).
فلمّا مضى من سنة الثمانين لموسى شهر وأسبوع، كلّمه اللّه جلّ اسمه - وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من شهر نيسان - وأمره أن يذهب إلى فرعون، وشدّ عضده بأخيه هارون، وأيّده بآيات: منها قلب العصا حيّة، وبياض يده من غير سوء، وغير ذلك من الآيات العشر التي أحلّها اللّه بفرعون وقومه، وكان مجيء الوحي من اللّه تعالى إليه وهو ابن ثمانين سنة.
ثم قدم مصر في شهر أيار، ولقي أخاه هارون، فسرّ به، وأطعمه جلبانا فيه ثريد، وتنبّأ هارون وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وغدا به إلى فرعون، وقد أوحي إليهما أن يأتيا إلى فرعون ليبعث معهما بني إسرائيل، فيستنقذانهم من هلكة القبط وجور الفراعنة، ويخرجون إلى الأرض المقدّسة التي وعدهم اللّه بملكها على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأبلغا ذلك بني إسرائيل عن اللّه، فآمنوا بموسى واتّبعوه.
ثم حضرا إلى فرعون، فأقاما ببابه أيّاما - وعلى كلّ منهما جبّة صوف، ومع موسى عصاه - وهما لا يصلان إلى فرعون لشدّة حجّابه. حتى دخل عليه مضحك كان يلهو به، فعرّفه أنّ بالباب رجلين يطلبان الإذن عليك، يزعمان أنّ إلههما قد أرسلهما إليك، فأمر بإدخالهما. فلمّا دخلا عليه خاطبه موسى بما قصّه اللّه في كتابه، وأراه آية العصا وآيته في بياض اليد (٢).
فغاظ فرعون ما قاله موسى، وهمّ بقتله، فمنعه اللّه سبحانه بأن رأى صورة قد أقبلت، ومسحت على أعينهم فعموا. ثم إنّه لما فتح عن عينيه، أمر قوما آخرين بقتل موسى، فأتتهم نار أحرقتهم، فازداد غيظه، وقال لموسى: من أين لك هذه النواميس العظام؟ أسحرة بلدي علّموك هذا، أم تعلّمته بعد خروجك من عندنا؟ فقال: هذا ناموس السّماء، وليس من نواميس الأرض.
قال فرعون: ومن صاحبه؟ قال: صاحب البنية العليا. قال: بل تعلّمتها من بلدي.
وأمر بجمع السّحرة والكهنة وأصحاب النواميس، وقال: اعرضوا عليّ أرفع أعمالكم، فإنّي أرى نواميس هذا السّاحر رفيعة جدّا. فعرضوا عليه أعمالهم، فسرّه ذلك، وأحضر موسى، وقال له: لقد وقفت على سحرك، وعندي من يفوق عليك. فواعدهم «يوم الزّينة». وكان جماعة من البلد قد اتّبعوا موسى فقتلهم فرعون. ثم إنّه جمع بين موسى وبين سحرته، وكانوا مائتي ألف