← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بصحّة الملك رأسا، ولا يستند في ذلك إلى حجّة ادّخرها احترازا ممّا هذه (¬a) سبيله واحتراسا؛ لكن بحكم ما نراه من المصلحة للرّعية والعدل الذي أقمنا مناره، وأحيينا معالمه وآثاره، مع الرّغبة في عمارة البلاد ومصالح أحوالها، واستنباط الأرضين الدّاثرة، وإنشاء الغروس وإقامة السّواقي بها؛ أمرنا بكتب هذا المنشور وتلاوته بأعمال الصّعيد الأعلى، بإقرار جميع الأملاك والأرضين والسّواقي بأيدي أربابها الآن، من غير انتزاع شيء منها ولا ارتجاعه، وأن يقرّر عليها من الخراج ما يجب تقريره، ويشهد الدّيوان على أمثالهم بمثله، إحسانا إليهم لم نزل نتابع مثله ونواليه، وإنعاما ما برحنا نعيده عليهم ونبديه. وقد أنعمنا وتجاوزنا عمّا سلف، ونهينا عمّن يستأنف، وسامحنا من خرج إلى التّعدّي عن المألوف (¬b)، وجرينا على سنننا في العفو المعروف، وجعلناها توبة مقبولة من الجماعة الجانين، ومن عاد من الكافّة أجمعين فلينتقم اللّه منه، وطولب بمستأنفه وأمسه، وبرئت الذّمّة من ماله ونفسه، وتضاعفت عليه الغرامة والعقوبة، وسدّت في وجهه أبواب الشّفاعة والسّلامة. وقد فسحنا - مع ذلك - لكلّ من يرغب في عمارة أرض حلفاء داثرة وإدارة بئر مهجورة معطّلة، في أن يسلّم إليه ذلك ويقاس عليه، ولا يؤخذ منه خراج إلاّ في السّنة الرابعة من تسليمه إيّاه، وأن يكون المقرّر على كلّ فدّان ما توجبه زراعته لمثله خراجا مؤبّدا وأمرا مؤكّدا. فليعتمد ذلك النّواب وحكّام البلاد، ومن جرت العادة بحضوره عقد مجلس، وإحضار جميع أرباب الأملاك والسّواقي، وإشعارهم ما شملهم من هذا الإحسان الذي تجاوز آمالهم في إجابتهم إلى ما كانوا يسألون فيه، وتقرير ما يجب على الأملاك المذكورة من الخراج على الوضع الذي مثّلناه، ويجيز الدّيوان تقريره ويرضاه، مع تضمين الأراضي الدّاثرة والآبار المعطّلة لمن يرغب في ضمانها، ونظم المشاريح بذلك وإصدارها إلى الدّيون،

стр. 352

ليخلّد فيه على حكم أمثالها بعد ثبوت هذا المنشور بحيث يثبت مثله». قال: ولما سرت هذه المصالح إلى جميع أهل هذه الأعمال، حصل الاجتهاد في تحصيل مال الدّيوان وعمارة البلاد (١). واعلم أنّه لم يكن في الدّولة الفاطمية بديار مصر، ولا فيما مضى قبلها من دول أمراء مصر، لعساكر البلاد إقطاعات بمعنى ما عليه الحال اليوم في أجناد الدّولة التّركية (٢)، وإنّما كانت البلاد تضمّن بقبالات معروفة لمن شاء من الأمراء والأجناد والوجوه وأهل النّواحي من العرب والقبط وغيرهم (٣)، لا تعرف هذه الآبدة التي يقال لها اليوم الفلاحة، ويسمّى المزارع المقيم بالبلد «فلاحا قرارا»، فيصير عبدا قنّا لمن أقطع تلك الناحية، إلاّ أنّه لا يرجو قطّ أن يباع ولا يعتق، بل هو قنّ ما بقي ومن ولد له كذلك، بل كان من اختار زراعة أرض يقبّلها كما تقدّم، وحمل ما عليه لبيت المال؛ فإذا صار مال/ الخراج بالدّيوان، أنفق في طوائف العسكر من الخزائن. وكان مع ذلك إذا انحطّ ماء النّيل عن الأراضي، وتعلّقت نواحي مصر بأصناف الزّراعات، ندب من الحضرة من فيه نباهة، وخرج معه عدول يوثق بهم وكانت لهم معرفة بعلم الخراج، وكثيرا ما كان هذا الكاتب من النّصارى الأقباط. ويخرج إلى كلّ ناحية من ذكرنا، فيحرّرون مساحة ما شمله الرّيّ من الأراضي ممّا لعله بار أو شرق، ويكتب بذلك مكلّفات (٤) واضحة بالفدن والقطائع على جميع الأصناف المزروعة، ويحضر إلى دواوين الباب. فإذا مضى من السّنة القبطيّة أربعة أشهر، ندب من الأجناد من يعرف بالحماسة وقوّة البطش، وعيّن معه من الكتّاب العدول من قد اشتهر بالأمانة، وكاتب من نصارى القبط غير من خرج عند المساحة، وساروا إلى كلّ ناحية كذلك، فاستخرج مباشرو كلّ بلد ثلث ما وجب من مال الخراج على ما شهدت به المكلّفات، فإذا أحضر هذا الثّلث صرف في واجبات العساكر معه، وهكذا العمل في استخراج كلّ قسط طول الزّمان من كلّ سنة (١). وكانت تبقى في جهات

стр. 353

الضّمّان والمتقبّلين جملة بواق. وكانت بلاد مصر، إذ ذاك، تقبّل بعين وغلّة وأصناف، وقد عرف ذلك من نسخة المسموح الذي تضمّن ترك البواقي في أيّام الخليفة الآمر بأحكام اللّه ووزارة المأمون البطائحي. (١) ورأيت بخطّ الأسعد بن مهذّب بن زكريّا بن ممّاتي الكاتب المصري: سألت القاضي الفاضل عبد الرّحيم: كم كانت عدّة العسكر (¬a) في عرض ديوان الجيش، لمّا كان سيّدنا يتولّى ذلك في أيام رزّيك بن الصّالح؟ فقال: أربعون ألف فارس ونيفا، وثلاثين ألف راجل من السّودان (٢). وقال أبو عمرو عثمان النّابلسي في كتاب «حسن السّريرة في اتّخاذ الحصن بالجزيرة» (٣): إنّ ضرغاما لمّا ثار على شاور، وفرّ شاور إلى السّلطان نور الدين محمود بن زنكي بدمشق يستنجد به على ضرغام ويعده بأنّه يكون نائبا عنه بمصر ويحمل إليه الخراج، أنشأ لنور الدين غرما لم يكن. فجهّز ألف فارس، وقدّم عليهم أسد الدين شيركوه، وأمره بالتوجّه، فأبى وقال: لا أمضي أبدا، فإنّ هلاكي ومن معي وسوء سمعة (¬b) السّلطان معلوم من هنا، وكيف أمضي بألف فارس إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس، ومائة شيني (¬c) فيها عشرة آلاف مقاتل وأربعون ألف عبد وقوم مستوطنون في أوطانهم، قريب خزائنهم (¬d) - ونحن نأتيهم من تعب السّفر - بهذه العدّة القليلة؟

стр. 354

قال: ثمّ أجابه بعد ذلك. هذا - أعزّك اللّه - بعد ما كانت عساكر أحمد بن طولون، ما ستراه في ذكر القطائع إن شاء اللّه تعالى، ثم ما كان من عساكر الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد، وهي - على ما حكاه غير واحد، منهم ابن خلّكان - أنّها كانت أربع مائة ألف (١). ولمّا انقضت دولة الفاطميين بدخول الغزّ من بلاد الشّام، واستولى صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مملكة مصر، تغيّر الحال في ذلك كلّه (¬b). قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وستين وخمس مائة: في ثامن المحرّم خرجت الأوامر الصّلاحية بركوب العساكر قديمها وجديدها، بعد أن أنذر حاضرها وغائبها، وتوافى وصولها وتكامل سلاحها وخيولها، فحضر في هذا اليوم جموع، شهد كلّ من علا سنّة وقرطس ظنّه أنّ ملكا من ملوك الإسلام لم يحز مثلها، وشاهدت رسل الرّوم والفرنج ما أرغم أنوف الكفرة. ولم يتكامل اجتياز العساكر موكبا بعد موكب، وطلبا بعد طلب (والطّلب - بلغة الغزّ - هو الأمير المقدّم الذي له علم معقود وبوق مضروب، وعدّة من مائتي فارس إلى مائة فارس إلى سبعين فارسا) إلى أن انقضى النّهار، ودخل الليل وعاد ولم يكمل عرضهم. وكانت العدّة الحاضرة مائة وسبعة وأربعين طلبا، والغائب منها عشرون طلبا، وتقدير العدّة يناهز أربعة عشر ألف فارس (٢)، أكثرها طواشية (٣) - والطّواشي من رزقه من سبع مائة إلى الف إلى مائة وعشرين وما بين ذلك، وله برك (٤) من عشرة رؤوس إلى ما دونها ما بين فرس وبرذون وبغل وجمل، وله غلام

стр. 355

يحمل سلاحه - وقرا غلاميّة (٢) تتمّة الجملة. قال: وفي هذه السّفرة عرض العربان الخدّامين، فكانت عدّتهم سبعة آلاف فارس، واستقرّت عدّتهم على ألف وثلث مائة فارس لا غير، وأخذ بها الحكم عشر الواجب، وكان أصله ألف ألف دينار، على حكم الاعتداد الذي يتأصّل ولا يتحصّل، وكلف التّغالبة ذلك فامتعضوا ولوّحوا بالتحّيز إلى الفرنج. وقال في «متجدّدات» شهر رجب سنة سبع وسبعين وخمس مائة: استمرّ انتصاب السّلطان صلاح الدين في هذه السنة للنّظر في أمور الإقطاعات ومعرفة عبرها، والنّقص منها والزيادة فيها، وإثبات المحروم وزيادة المشكور، إلى أن استقرّت العدّة على ثمانية آلاف وستّ مائة وأربعين فارسا: أمراء مائة وأحد عشر أميرا، طواشية ستة آلاف وتسع مائة وستة وسبعون، قرا غلاميّة ألف وخمس مائة وثلاثة وخمسون. والمستقرّ لهم من المال ثلاثة آلاف ألف وستّ مائة ألف وسبعون ألفا وخمس مائة دينار، وذاك خارج عن المحلولين من الأجناد الموسومين بالحوالة على العشر، وعن عدّة العربان المقطعين بالشّرقيّة والبحيرة، وعن الكنانيين والمضريين (¬a) والفقهاء/ والقضاة والصّوفيّة، وعمّا يجري بالديوان ولا يقصر عن ألف ألف دينار (٣). وقال في «متجدّدات» سنة خمس وثمانين وخمس مائة: أوراق بما استقرّ عليه عبر البلاد من إسكندرية إلى عيذاب، إلى آخر الرابع والعشرين من شعبان سنة خمس وثمانين وخمس مائة، خارجا عن الثّغور وأبواب الأموال الدّيوانية والأحكار والحبس ومنفلوط ومنقباط وعدّة نواح

стр. 356

أوردت أسماؤها ولم يعيّن لها في الدّيوان عبرة، من جملة أربعة آلاف ألف وستّ مائة ألف وثلاثة وخمسين ألفا وتسعة عشر دينارا، بعد ما يجري في الدّيوان العادلي السّعيد وغيره عن الشّرقيّة والمرتاحيّة والدّقهليّة وبوش وغير ذلك، وهو ألف ألف ومائة ألف وتسعون ألفا وتسع مائة وثلاثة وعشرون دينارا، تفصيل ذلك: الدّيوان العادليّ: سبع مائة ألف وثمانية وعشرون ألفا ومائتان وثمانية وأربعون دينارا. الأمراء والأجناد المرسوم بإبقاء إقطاعاتهم بالأعمال المذكورة: مائة ألف وثمانية وخمسون ألفا ومائتان وثلاثة دنانير. ديوان السّور المبارك والأشراف: ثلاثة عشر ألفا وثمان مائة وأربعة دنانير. العربان: مائتا ألف وأربعة وثلاثون ألفا ومائتان وستة وتسعون دينارا. الكنانيّة: خمسة وعشرون ألفا وأربع مائة واثنا عشر دينارا. القضاة والشّيوخ: سبعة آلاف وأربع مائة وثلاثة دنانير. القيمازيّة والصّالحيّة والأجناد المصريون: اثنا عشر ألفا وخمس مائة وأربعة دنانير. الغزاة والعساقلة المركّزة بدمياط وتنّيس وغيرهم: عشرة آلاف وسبع مائة وخمسة وعشرون دينارا. البارز: ثلاثة آلاف ألف وأربع مائة ألف واثنان وستون ألفا وخمسة وتسعون دينارا. الوجه البحريّ: ألف ألف ومائة ألف وأحد وخمسون ألفا وستّ مائة وثلاثة وخمسون دينارا، تفصيله: ضواحي ثغر الإسكندرية: ثمان مائة ألف ومائة وثمانية وثلاثون دينارا. ثغر رشيد: ألفا دينار. البحيرة: مائة ألف وخمسة عشر ألفا وخمس مائة وستة وسبعون دينارا. حوف رمسيس: اثنان وتسعون ألفا وأربع مائة وثلاثة دنانير. فوّه والمزاحمتان: عشرة آلاف ومائة وخمسة وعشرون دينارا. النّستراوية: خمسة عشر ألفا وثلاث مائة وخمسة دنانير. جزيرة بني نصر: مائة ألف واثنا عشر ألفا وست مائة وستة وأربعون دينارا. جزيرة قوسنيا: مائة ألف وثلاثون ألفا وخمس مائة واثنان وتسعون دينارا. الغربيّة: ستّ مائة ألف وأربعة وسبعون ألفا وستّ مائة وخمسة دنانير. السّمنّوديّة: مائتا ألف وخمسة وأربعون ألفا وأربع مائة وتسعة وسبعون دينارا. الدّنجاويّة: ستة وأربعون ألفا ومائتان وأربعة وسبعون دينارا. المنوفيّة: مائة ألف وثمانية وأربعون ألفا وثلاث مائة وسبعة وأربعون دينارا. الوجه القبليّ: ألف ألف وستّ مائة ألف وعشرة آلاف وأربع مائة وأحد وأربعون دينارا، تفصيل ذلك: الجيزة: مائة ألف وثلاثة وخمسون ألفا ومائتان وأربعة دنانير. الإطفيحيّة: تسعة وخمسون ألفا وسبع مائة وثمانية وعشرون دينارا. البوصيريّة: ستون ألفا وأربع مائة وستة وستون دينارا. الفيّوميّة: مائة ألف واثنان وخمسون ألفا وستّ مائة وأربعة وثلاثون دينارا. البهنساويّة:

стр. 357

ثلاث مائة ألف واثنان وخمسون ألفا وست مائة وأربعة وثلاثون دينارا. الواحات الدّاخلة والخارجتين وواح البهنسا: خمسة وعشرون ألف دينار. الأشمونين: مائة ألف وسبعة وأربعون ألفا وسبع مائة واثنان وثلاثون دينارا. السّيوطية خارجا عن منفلوط ومنقباط: اثنان وسبعون ألفا وخمس مائة وأربعة دنانير. الإخميمية: مائة ألف وثمانية آلاف وثمان مائة واثنا عشر دينارا. الأعمال القوصيّة: ثلاث مائة ألف واثنان وستون ألفا وخمس مائة دينار. ثغر أسوان: خمسة وعشرون ألف دينار. ثغر عيذاب يجري في غير هذا الدّيوان. وقال في «متجدّدات» سنة ثمان وثمانين وخمس مائة: والذي انعقد عليه ارتفاع الدّيوان السّلطاني ثلاث مائة ألف وأربعة وخمسون ألفا وأربعة وأربعون دينارا (١). والذي يميّز زائد الارتفاع، لسنة سبع وثمانين وخمس مائة على ارتفاع سنة ستّ وثمانين، اثنان وعشرون ألفا وأربع مائة وخمسة وأربعون دينارا. والذي انساق من البواقي للسنّة المذكورة أحد وثلاثون ألفا وستّ مائة واثنان وعشرون دينارا. والذي اشتمل عليه متحصّل ديوان الخاصّ الملكي النّاصري بالديار المصرية لسنة سبع وثمانين وخمس مائة: ثلاث مائة ألف وأربعة وخمسون ألفا وأربع مائة وأربعة وخمسون دينارا ونصف وثلث وثمن (٢). ذكر الرّوك (٣) الأخير النّاصرىّ وكان الجنديّ إقطاعه بمفرده وله تبع واحد، من عشرين ألف درهم إلى ثلاثين، وفيهم من إقطاعه خمسة عشر ألفا، وأقلهّم عشرة آلاف، وذلك سوى الضّيافة، وبلغ خمسة آلاف درهم في الإقطاع الثّقيل. وكان الجنديّ يخرج إلى البيكار بطوالة خيل، ويخرج مقدّم الحلقة كأمير عشرة، وتكون مضافته إذا نزل حوله، وأكثرهم يأكل على سماطه/. ولا يمكّن الأمير أن يأكل إلاّ وجميع أجناده معه، ويأخذ غلمان أجناده كلّ يوم الطّعام من مطبخه، وإذا رأى نارا توقد

стр. 358

إلاّ وجميع أجناده معه، ويأخذ غلمان أجناده كلّ يوم الطّعام من مطبخه، وإذا رأى نارا توقد سأل عنها فيقال: إنّ فلانا اشتهى كذا، فيغضب ممّن لا يأكل عنده؛ ومع ذلك كانت أشكالهم شنيعة، وملابسهم غير طائلة. فلمّا أفضت السّلطنة إلى المنصور لاجين، راك البلاد؛ وذلك أنّ أرض مصر كانت أربعة وعشرين قيراطا: فيختصّ السّلطان منها بأربعة قراريط، ويختصّ الأجناد بعشرة قراريط، ويختصّ الأمراء بعشرة قراريط. وكان الأمراء يأخذون كثيرا من إقطاعات الأجناد فلا يصل إلى الأجناد منها شيء. ويصير ذلك الإقطاع في دواوين الأمراء، ويحتمي بها قطّاع الطريق، وتثور بها الفتن ويقوم بها الهوشات، ويمنع منها الحقوق والمقرّرات الدّيوانية، وتصير مأكلة لأعوان الأمراء ومستخدميهم ومضرّة على أهل البلاد التي تجاورها. فأبطل السّلطان ذلك، وردّ تلك الإقطاعات على أربابها، وأخرجها بأسرها من دواوين الأمراء؛ وأوّل ما بدأ به ديوان الأمير سيف الدين منكوتمر نائب السّلطنة (١)، فأخرج منه ما كان فيه من هذه الإقطاعات، وكان يتحصّل له منها مائة ألف أردب غلّة في كلّ سنة، واقتدى به جميع الأمراء، وأخرجوا ما في إقطاعاتهم من ذلك، فبطلت الحمايات (٢). وجعل السّلطان في هذا الرّوك للأمراء والأجناد أحد عشر قيراطا، وأفرد تسعة قراريط ليخدم بها عسكرا ويقطعهم إيّاها، ثم رتّب أوراقا بتكفية الأمراء والأجناد بعشرة قراريط، ووفّر قيراطا

стр. 359

وأفرد للنّائب منكوتمر (¬a) إقطاعا جليلا، فانتهى عمل ذلك في ثامن شهر رجب سنة سبع وتسعين وستّ مائة وجلس النائب منكوتمر (¬a) لتفرقة المثالات (١) في تاسعه (¬b). فتنكّرت قلوب الأمراء، حتى كان من قتل (¬c) المنصور لاجين ونائبه منكوتمر ما كان. فلمّا كانت الأيّام النّاصريّة محمّد (¬c)، راك (¬d) البلاد؛ قال جامع «السّيرة النّاصرّية» (٢): وفي سنة خمس عشرة وسبع مائة، اختار السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون أن يروك الديار المصرية، وأن يبطل منها مكوسا كثيرة، ويفضل لخاصّ مملكته شيئا كثيرا من أراضي مصر. وكان سبب ذلك أنّه اعتبر كثيرا من أخباز (٣) المماليك والحاشية الذين كانوا للملك المظفّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير والأمير سلار وسائر المماليك البرجيّة، فإذا هي ما بين ألف دينار إلى ثمان مائة دينار، وخشي من قطع أخباز المذكورين، فولد له الرأي مع القاضي فخر الدين محمد بن فضل اللّه ناظر الجيش، أن يروك ديار مصر، ويقرّر إقطاعات ممّا يختار، ويكتب بها مثالات سلطانية. فتقدّم الفخر ناظر الجيش فعمل أوراقا بما عليه عبر النّواحي ومساحتها. وعيّن السّلطان لكلّ إقليم من أقاليم ديار مصر أناسا، وكتب مرسوما للأمير بدر الدين جنكلي بن البابا أن يخرج لناحية الغربية ومعه آقول الحاجب، ومن الكتّاب المكين بن قزوينة. وأن يخرج الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيري إلى ناحية الشّرقية ومعه الأمير أيتمش المحمّدي ومن الكتّاب أمين الدين قرموط. وأن يخرج الأمير بلبان الصّرخدي و [طرنطاي] (¬c) القلنجقي و [محمد] (¬c) بن طرنطاي وبيبرس الجمدار إلى ناحية المنوفية والبحيرة. وأن يخرج [أيدغدي] (¬a)) التّليلي و [مغلطاي] (¬a) المرتيني إلى

стр. 360

الوجه القبلي. وندب معهم كتّابا ومستوفين وقيّاسين، فساروا إلى حيث ذكر. فكان كلّ منهم إذا نزل بأوّل عمله، طلب مشايخ كلّ بلد ودلّلاءها وعدولها وقضاتها وسجلاّتها التي بأيدي مقطعيها، وفحص عن متحصّلها من عين وغلّة وأصناف، ومقدار ما تحتوي عليه من الفدن، ومزروعها وبورها وما فيها من برايب وباق وخرس (¬b) ومستبحر، وعبرة الناحية وما عليها لمقطعيها من غلّة ودجاج وخراف وبرسيم وكشك وكعك وغير ذلك من الضّيافة. فإذا حرّر ذلك كلّه، ابتدأ بقياس تلك النّاحية، وضبط بالعدول والقيّاسين وقاضي العمل ما يظهر بالقياس الصّحيح، وطلب مكلّفات تلك القرية وقنداقها (¬c) وفضل ما فيها (¬d)) من الخاصّ السّلطاني وبلاد الأمراء وإقطاعات (¬d) الأجناد والرّزق، حتى ينتهي إلى آخر عمله (١). ثم حضروا بعد خمسة وسبعين يوما، وقد تحرّر في الأوراق المحضرة حال جميع ضياع أرض مصر ومساحتها وعبرة أراضيها، وما يتحصّل عن كلّ قرية من عين وغلّة وصنف. فطلب السّلطان الفخر ناظر الجيش والتّقيّ الأسعد بن أمين الملك المعروف بكاتب برلغي (¬e) وسائر مستوفي الدّولة، وألزمهم بعمل أوراق تشتمل على بلاد الخاصّ السّلطاني التي عيّنها لهم وعلى إقطاعات الأمراء، وأضاف على عبرة كلّ بلد ما كان على فلاّحيها من ضيافة لمقطعيها، وأضاف إلى العبرة ما في الإقطاع من الجوالي، وكتب مثالات للأجناد بإقطاعات على هذا a ما بين المعقوفتين من السلوك والنجوم الزاهرة.

стр. 361

الحكم، فاعتدّ منها بما كان يصرف في كلف حمل الغلال من النّواحي إلى ساحل القاهرة وما كان عليها من المكس (١). وأبطل السّلطان عدّة مكوس (٢) منها «مكس ساحل الغلّة»، وكان جلّ متحصّل الدّيوان، وعليه إقطاعات الأمراء والأجناد، ويتحصّل منه في السنة أربعة آلاف ألف وستّ مائة ألف درهم، وعليه أربع مائة مقطع لكلّ منهم من عشرة آلاف إلى ثلاثة آلاف، ولكلّ من الأمراء من أربعين ألفا إلى عشرة آلاف. وكانت جهة عظيمة لها متحصّل كثير جدّا، وينال القبط/ منها منافع كثيرة لا تحصى، ويحلّ بالناس من ذلك بلاء شديد وتعب عظيم من المغارم والظّلم، فإنّ مظالمها كانت تتعدّد ما بين نواتيّة تسرق وكيّالين تبخس وشادّين وكتّاب يريد كلّ منهم شيئا، وكان مقرّر الأردبّ درهمين للسّلطان ويلحقه نصف درهم، غير ما ينهب ويسرق. وكان لهذه الجهة مكان يعرف ب «خصّ الكيّالة» في ساحل بولاق، يجلس فيه شادّ وستون متعمّما ما بين كتّاب ومستوفين وناظر ومعنى (¬a) وثلاثون جنديّا مباشرون، ولا يمكن أحدا من الناس أن يبيع قدحا من غلّة في سائر النّواحي، بل تحمل الغلاّت حتى تباع في خصّ الكيّالة ببولاق. وممّا أبطل أيضا «نصف السّمسرة»: وهو عبارة عن أن من باع شيئا من الأشياء فإنّه يعطي أجرة الدّلاّل - على ما تقرّر من قديم - عن كلّ مائة درهم درهمين، فلمّا ولي ناصر الدين الشّيخي الوزارة قرّر على كلّ دلاّل من دلالته درهما من كلّ درهمين، فصار الدّلاّل يعمل معدّله ويجتهد حتى ينال عادته وتصير الغرامة على البائع، فتضرّر الناس من ذلك وأوذوا فلم يغاثوا حتى أبطل ذلك السّلطان. وممّا أبطل «رسوم الولاية» وكانت جهة تتعلّق بالولاة والمقدّمين فيجبيها المذكورون من عرفاء الأسواق وبيوت الفواحش، ولهذه الجهة ضامن وتحت يده عدّة صبيان وعليها جند مستقطعون وأمراء وغيرهم، وكانت تشتمل على ظلم شنيع وفساد قبيح وهتك قوم مستورين وهجم بيوت أكثر الناس. وممّا أبطل «مقرّر الحوائص والنّعال» (¬a) من المدينة وسائر أعمال مصر كلّها من الوجه القبلي

стр. 362

والبحري، فكان على كلّ من الولاة والمقدّمين مقرّر يحمل في كلّ قسط من أقساط السّنة إلى بيت المال، عن ثمن حياصة ثلاث مائة درهم، وعن ثمن نعل (¬b) خمس مائة درهم، وعلى هذه الجهة عدّة مقطعين ويفضل منها ما يحمل. وكان يصيب الناس من هذه الجهة ما لا يوصف، ويحلّ بهم من عسف الرّقّاصين ما يهون معه الموت. ومن ذلك «مقرّر السّجون» (¬c) وهو عبارة عمّا يؤخذ من كلّ من يسجن، فللسّجّان على حكم المقرّر ستة دراهم سوى كلف أخرى، وعلى هذه الجهة عدّة مقطعين، ويرغب فيها الضّمّان ويتزايدون في مبلغ ضمانها لكثرة ما يتحصّل منها، فإنّه لو كان تخاصم رجل مع امرأته أو ابنه رفعه الوالي إلى السّجن، فبمجرّد ما يدخل السّجن - ولو لم يقم به إلاّ لحظة واحدة - أخذ منه المقرّر، وكذلك كان على سجن القضاة أيضا. ومن ذلك «مقرّر طرح الفراريج» ولها ضمّان عدّة، في سائر نواحي أرض مصر، يطرحون على الناس الفراريج، فيمرّ بضعفاء الناس من ذلك بلاء عظيم، وتقاسي الأرامل من العسف والظّلم شيئا نكرا (¬d). وكان على هذه الجهة عدّة مقطعين، ولا يمكّن أحد من الناس في جميع الأقاليم أن يشتري فرّوجا فما فوقه إلاّ من الضّامن، ومن عثر عليه أنّه اشترى أو باع فرّوجا من سوى الضّامن جاءه الموت من كلّ مكان وما هو بميّت. ومن ذلك «مقرّر الفرسان» وهو عبارة عمّا يجبيه ولاة النّواحي من سائر البلاد، فلا يؤخذ درهم مقرّر حتى يغرم عليه صاحبه درهمين، ويقاسي الناس فيه أهوالا صعبة. ومن ذلك «مقرّر الأقصاب والمعاصر» وهو ما يجبى من مزارعي قصب السّكّر ومن المعاصر ورجال المعاصر. ومن ذلك «مقرّر رسوم الأفراح» ويجبى من سائر النّواحي، ولهذه الجهة عدّة ضمّان، ولا يعرف لهذه الجهة أصل ألبتّة، وإنّما يجبى بضرائب ينال الناس فيها مع المقرّر غرامات وروعات. ومن ذلك «حماية المراكب»، وهي عبارة عمّا يؤخذ من كلّ مركب بتقرير معيّن يعرف ب «مقرّر الحماية»، وكانت هذه الجهة أشدّ ما ظلم به الناس، فيؤخذ من كلّ من ركب البحر للسّفر، حتى من السّؤّال والمكدّفين. ومن ذلك «حقوق القينات»، وهو عبارة عمّا يجمع من الفواحش والمنكرات، فيجبيه مهتار a بولاق: البغال.

стр. 363

الطّشتخاناه السّلطانية من أوباش الناس. ومن ذلك «شدّ الزّعماء» وهي جهة مفردة، وحقوق السّودان وكشف المراكب، ومقرّر ما على كلّ جارية أو عبد حين نزولهم بالخانات لعمل الفاحشة، فيؤخذ من كلّ ذكر وأنثى مقرّر معيّن. و «متوفّر الجراريف»، وهو ما يجبى من سائر النّواحي، فيحمل ذلك مهندسو البلاد إلى بيت المال بإعانة الولاة لهم في تحصيل ذلك. وعلى هذه الجهة عدّة مقطعين من الجند. و «مقرّر المشاعليّة» وهو عبارة عمّا يؤخذ عن كسح الأقنية وحمل ما يخرج منها من الوسخ إلى الكيمان، فكان إذا امتلأ سرب (¬a)) حمّام أو مسمط أو (¬a) جامع أو مدرسة أو تربة أو منزل من منازل سائر النّاس، لا يمكنه - ولو بلغ من العظمة ما عسى أن يبلغ - التعرّض لذلك حتى يأتيه ضامن الجهة ويقاوله على كسح ذلك بما يريد. وكان من عادة الضّامن الإشطاط في السّوم، وطلب أضعاف القيمة، فإن لم يرض ربّ المنزل بما طلب الضّامن وإلاّ تركه وانصرف، فلا يقدر على مقاساة ترك الوسخ ويضطرّ إلى سؤاله ثانيا، فيعظم تحكّمه ويشتدّ بأسه إلى أن يرضيه بما يختار حتى يتمكّن من كسح قناته (¬b) ورفع ما هنالك من الأقذار (١). ومن ذلك «إبطال المباشرين من النّواحي» وكانت بلاد مصر كلّها، من الوجهين القبلي/ والبحري، ما من بلد صغير وكبير إلاّ وفيه عدّة من كتّاب وشادّ ونحو ذلك، فأبطل السّلطان المباشرين، وتقدّم بمنعهم من مباشرة النّواحي إلاّ من بلد فيها مال للسّلطان فقط، فأراح اللّه سبحانه الخلق بإبطال هذه الجهات من بلاء لا يقدّر قدره ولا يمكن وصفه (٢). ولمّا أبطل السّلطان هذه الجهات، وفرغ من تعيين إقطاعات الأمراء وأخباز الأجناد (¬c)، أفرز لخاصّ السّلطان من بلاد أرض مصر عدّة نواح ممّا كان في إقطاعات البرجيّة، وهي الجيزة وأعمالها وهو والكوم الأحمر ومنفلوط والمرج والخصوص، وغير ذلك ممّا بلغ عشرة قراريط من الإقليم، وصار لإقطاعات الأمراء والأجناد وغيرهم أربعة عشر قيراطا. ومكر الأقباط فيما أمكنهم المكر فيه، فبدأوا بأن أضعفوا عسكر مصر، ففرّقوا الإقطاع الواحد

стр. 364

في عدّة جهات، فصار بعض الجبي في الصّعيد، وبعضه في الشّرقيّة، وبعضه في الغربيّة، إتعابا للجندي وتكثيرا للكلفة. وأفردوا جوالي الذّمّة من الخاصّ، وفرّقوها في البلاد التي أقطعت للأمراء والأجناد، فإنّ النّصارى كانوا مجتمعين في ديوان واحد - كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى - فصار نصارى كلّ بلد يدفعون جاليتهم إلى مقطع تلك الضّيعة. فاتّسع مجال النّصارى، وصاروا يتنقّلون في القرى ولا يدفعون من جزيتهم إلاّ ما يريدون، فقلّ متحصّل هذه بعد كثرته، وأفردوا ما بقي من جهات المكوس برسم الحوائجخاناه التي تصرف للسّماط، ليتناولوا ذلك ويوردوا منه ما شاءوا، ثم يتولّوا صرف ما يحصّل منه في جهات تستهلك بالأكل. وصارت جهات المكوس ممّا يتحدّث فيه الوزير وشادّ الدّواوين. ثم نظر السّلطان فيما كان بيد الأميرين بيبرس الجاشنكيز وسلار نائب السّلطنة من البلاد، فأخذ ما كان باسم كلّ منهما وباسم حواشيه، ولم يدع من ذلك شيئا ممّا كانوا قد وقفوه حتى حلّه، وجعل الجميع إقطاعات، واعتدّ في سائر الإقطاعات بما كان يستهديه المقطع من فلاّحه، فحسب ذلك وأقامه من جملة عبر الإقطاع، وأبطل الهديّة، فلم يتهيّأ له الفراغ من ذلك إلى آخر السّنة. فلمّا أهلّ المحرّم من سنة ستّ عشرة وسبع مائة، وقد نظمت الحسبانات على ثلث مغلّ سنة خمس عشرة، جلس السّلطان في الإيوان الذي استجدّه بقلعة الجبل (١)، وقد تقدّم لسائر نقباء الأجناد على لسان نقيب الجيش بالحضور بأجنادهم، وجعل للعرض في كلّ يوم أميرين من الأمراء المقدّمين بمضافيهما. فكان الأمير مقدّم الألف يقف ومعه مضافوه، وناظر الجيش يستدعيهم من تقدمة ذلك الأمير بأسمائهم على قدر منازلهم، فيقدّم نقيب الجيش الواحد من يد نقيبه إلى ما بين يديّ السّلطان، فإذا مثل بحضرته سأله السّلطان بنفسه من غير واسطة عن اسمه وأصله وجنسه ووقت حضوره إلى ديار مصر، ومع من قدم، وإلى من صار من الأمراء وغيرهم، وعن مشاهده التي حضرها في الغزو، وعمّا يعرفه من صناعة الحرب وغير ذلك من الاستقصاء. فإذا انتهى استفهامه إيّاه ناوله بيده مثالا من غير تأمّل بحسب ما قسم اللّه له، فلم يمرّ به في مدّة العرض أحد إلاّ وقد عرفه، وأشار إلى الأمراء بذكر شيء من خبره. هذا، وقد تقدّم إلى سائر الأمراء بأسرهم بأن يحضروا إلى الإيوان عند العرض، ولا يعارض أحد منهم السّلطان في شيء يفعله، فكانوا يحضرون وهم سكوت لا يتكلّم أحد منهم خوفا من مخالفة السّلطان لما يقوله. وأخذ السّلطان في مواربة الأمراء، فما أثنوا على أحد في مجلس

стр. 365

العرض إلاّ وأعطاه السّلطان مثالا بإقطاع رديء. فلمّا علموا ذلك أمسكوا عن الكلام معه جملة. وانفرد بالاستبداد بأموره دونهم، فما عرف منه أنّه قدم إليه أحد إلاّ وسأله: إن كان مملوكا عمّن أقدمه من التّجّار وسائر ما تقدّم، وإن كان شيخا فعن أصله وسنّه وكم مصافّ حضرها، حتى أتى على الجميع. وأفرد المشايخ العاجزين فلم يعطهم إقطاعات، وجعل لكلّ منهم مرتّبا يقوم به، فانتهى العرض في طول المحرّم، وتوفّر كثير من مثالات الأجناد فبلغ عدّة مائتي مثال. ثم أخذ في عرض أطباق المماليك السّلطانية، ووفّر من جوامكهم كثيرا، وقطع عدّة رواتب من رواتبهم، وعوّضهم عن ذلك إقطاعات، وجعل جهة مكس قطيا (١) لضعفاء الأجناد ممّن قطع خبزه، فجعل لكلّ منهم في السّنة ثلاث آلاف درهم. وكان لبيبرس وسلار الجوكندار تعلّقات كثيرة في بيت المال، وفي الأعمال كالجيزة والإسكندرية، من متجر وحمايات، فارتجع ذلك وأبطله وما شابهه، وأضاف ما لم يقطعه إلى ديوان الخاصّ. وممّا أمر به في مدّة العرض ألاّ يردّ أحد مثالا أخذه من السّلطان ولو استقلّه، ولا يشفّع أمير في جندي، وأن من خالف ذلك ضرب وحبس ونفي وقطع خبزه، فعظمت مهابة السّلطان وقويت حرمته، ولم يجسر أحد أن يرد عليه مثالا أخذ من السّلطان، ولا استطاع أمير أن يتكلّم لأحد. وصار كثير ممّن كان إقطاعه مثلا ألف دينار إلى إقطاع مائتي دينار ونحوها، وكثير ممّن كان إقطاعه قليلا إلى إقطاع معتبر، فإنّه كان يعطي المثال/ من غير تأمّل كيفما وقعت يده عليه. وقدّر اللّه أنّ السّلطان كان من جملة صبيان مطبخه رجل مضحك يهزل بحضرته، فيضحك منه ويعجب به ولا يعترض فيما يقول من السّخف. فجلس السّلطان في بعض أيّام العرض في البستان بقلعة الجبل وعنده الخاصّة من الأمراء، فدخل هذا المضحك وأخذ في السّخريّة على عادته ليضحك السّلطان، إلى أن قال: وجدت بعض أجناد الرّوك النّاصري وهو راكب الإكديش وخرجه خلفه ورمحه فوق كتفه، يقصد بهذا السّخرية والطّنز (¬a)؛ فغضب السّلطان غضبا شديدا، وصاح: خذوه وعرّوه ثيابه؛ فتبادره الأعوان، وجرّوه برجله ونزعوا

стр. 366

ثيابه، وربطوه في السّاقية مع القواديس، وأكثروا من ضرب الأبقار حتى أسرعت بدوران السّاقيّة؛ فصار المسكين ينقلب مع القواديس، ويغطس في الماء تارة ويرقى أخرى، ثم ينتكس والماء يمرّ عليه مقدار ساعة، إلى أن انقطع حسّه وأشرف على الهلاك؛ واشتدّ رعب الأمراء لما رأوه من قوّة غضب السّلطان. ثم تقدّم الأمير طغاي الدّوادار في طائفة من الأمراء الخاصّكية، واعتذروا عن هذا المسكين بأنّه لم يرد إلاّ يضحك السّلطان من كلامه، ولم يقصد عيب الأجناد ولا انتقاصهم، ونحو هذا من القول إلى أن أمر بحلّه، فإذا ليس فيه حركة فسحب، ورسم السّلطان بأنّه إن كان حيّا لا يبيت بديار مصر؛ فأخرج من وقته منفيّا. وحمد اللّه كلّ من الأمراء على ما وفّقه من السّكوت عن الكلام في حال العرض. وما زال الأمر بمصر على ما رسمه الملك النّاصر في هذا الرّوك، إلى أن زالت دولة بني قلاوون بالملك الظّاهر برقوق في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبع مائة، فأبقى الأمر على ذلك إلاّ أنّ أشياء منه أخذت تتلاشى قليلا قليلا إلى أن كانت الحوادث والمحن في سنة ستّ وثمان مائة حيث حدث من أنواع التّغييرات وتنوّع الظّلم ما لم يخطر ببال أحد. وسيمرّ بك جمل من ذلك عند ذكر أسباب خراب إقليم مصر إن شاء اللّه تعالى. وكانت لأراضي مصر تقاوي مخلّدة في نواحيها وهي على قسمين: تقاوي سلطانيّة، وتقاوي بلديّة، فالتّقاوي السّلطانيّة وضعها الملوك في النّواحي؛ وكان الأمير أو الجنديّ عندما يستقرّ على الإقطاع يقبض ما له من التّقاوي السّلطانية، فإذا خرج عنه طولب بها. فلمّا كان الرّوك النّاصري خلّدت تقاوي كلّ ناحية بها، وضبطت في الدّيوان السّلطاني، فبلغت جملتها مائة ألف وستين ألف أردب سوى التّقاوي البلديّة. ذكر الدّيوان (١) قال أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي: الدّيوان محفوظ بحفظ ما تعلّق بحقوق السّلطنة من الأعمال والأموال، ومن يقوم بها من الجيوش والعمّال. وفي تسميته ديوانا وجهان: أحدهما أنّ كسرى اطّلع ذات يوم على كتّاب ديوانه فرآهم

стр. 367

يحسبون مع أنفسهم، فقال: «ديوانه»، أي مجانين (١)، فسمّي موضعهم بهذا الاسم، ثم حذفت الهاء عند كثرة الاستعمال تخفيفا للاسم فقيل ديوان. والثّاني: أنّ الدّيوان اسم بالفارسية للشّيّاطين، فسمّي الكتّاب باسمهم لحذقهم بالأمور، ووقوفهم على الجليّ والخفيّ، وجمعهم لما شذّ وتفرّق، واطّلاعهم على ما قرب وبعد. ثم سمّي مكان جلوسهم باسمهم فقيل ديوان (٢). انتهى. واعلم أنّ كتابة الدّيوان على ثلاثة أقسام: كتابة الجيوش، وكتابة الخراج، وكتابة الإنشاء والمكاتبات. ولا بدّ لكلّ دولة من استعمال هذه الأقسام الثّلاثة. وقد أفرد العلماء في كتابة الخراج وفي كتابة الإنشاءات عدّة مصنّفات (٣)، ولم أر أحدا جمع شيئا في كتابة الجيوش والعساكر. وكانت كتابة الدّواوين في صدر الإسلام أن يجعل ما يكتب فيه صحفا مدرجة؛ فلمّا انقضت أيّام بني أميّة، وقام عبد اللّه بن محمد أبو العبّاس السّفّاح، استوزر خالد بن برمك بعد أبي سلمة حفص بن سليمان الخلاّل، فجعل الدّفاتر في الدّواوين من الجلود، وكتب فيها وترك الدّروج إلى أن تصرّف جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك في الأمور أيّام الرّشيد، فاتّخذ الكاغد، وتداوله الناس من بعده إلى اليوم (٤). وذكر أبو النّمر الورّاق قال: حدّثني أبو حازم القاضي قال: قال لي أبو الحسن بن المدبّر: لو عمرت مصر كلّها لوفّت بأعمال الدّنيا. وقال: إنّ أرض مصر مساحتها للزّراعة ثمانية وعشرون ألف ألف فدّان، وإنّما يعمّر (¬a) منها ألف ألف فدّان. قال: وقال لي ابن المدبّر: إنّه كان متعمّلا بالعراق (¬b) ديوان المشرق وديوان المغرب، قال: ولم أبت قطّ ليلة من اللّيالي وعليّ عمل أو بقيّة منه (¬c)، وتقلّدت مصر فكنت ربّما نمت وقد بقي عليّ شيء من العمل فأستتمّه إذا أصبحت.

стр. 368

ذكر ديوان العساكر والجيوش يقال: إنّ أوّل من وضع ديوان الجند بخيلهم كيلهراسف أحد ملوك الطبقة الثانية من الفرس، وإنّ كيقباذ قبله/ كان قد أخذ العشر من الغلاّت وصرفه في أرزاق جنده. وأمّا في الإسلام فما خرّجه البخاريّ ومسلم، من حديث حذيفة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «اكتبوا إليّ من تلفّظ بالإسلام من الناس»، فكتبنا له ألف وخمس مائة رجل … الحديث، ذكره البخاريّ في باب كتابة الإمام الناس. وللبخاريّ من حديث عبد اللّه بن عبّاس ﵄، قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول اللّه، إنّي اكتتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجّة، قال: «ارجع فاحجج مع امرأتك» (١). وقال عمر بن شبّة (¬a) عن معمر عن قتادة قال: آخر مال أتي به النّبيّ ﷺ ثمان مائة ألف درهم من البحرين، فما قام من مجلسه حتى أمضاه. ولم يكن للنّبيّ ﷺ بيت مال ولا لأبي بكر، وأوّل من اتّخذ بيت مال عمر بن الخطّاب ﵁. فقال ابن شهاب: عمر أوّل من دوّن الدّواوين (٢). وروى ابن سعد، عن عائشة ﵂ قالت: قسم أبي الفيء عام أوّل، فأعطي الحرّ عشرة، والمملوك عشرة، والمرأة عشرة، وأمتها عشرة؛ ثم قسم العام الثاني، فأعطاهم عشرين عشرين. فقيل: إنّ سببه أنّ أبا هريرة ﵁ قدم على عمر ﵁ بمال من البحرين، فقال له عمر: ماذا جئت به؟ فقال: خمس مائة ألف درهم؛ فاستكثره عمر وقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم! مائة ألف خمس مرّات؛ فقال عمر: أطيّب هو؟ قال: لا أدري.

стр. 369

فصعد عمر المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلا، وإن شئتم عددنا لكم عدّا. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدوّنون ديوانا لهم، فدوّن أنت ديوانا، فدوّن عمر (١). وقيل: بل سببه أنّ عمر بعث بعثا وعنده الهرمزان، فقال لعمر: هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلّف منهم رجل من أين يعلم صاحبك به؟ فأثبت لهم ديوانا؛ فسأله عن الدّيوان حتى فسّره له. فاستشار المسلمين في تدوين الدّواوين، فقال له عليّ بن أبي طالب: تقسم كلّ سنة ما اجتمع عندك من المال، ولا تمسك منه شيئا. وقال عثمان، ﵁: أرى مالا كثيرا يسع الناس، فإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممّن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر. وقال خالد بن الوليد، ﵁: قد كنت بالشّام فرأيت ملوكها دوّنوا ديوانا وجنّدوا جنودا، فدوّن ديوانا وجنّد جنودا؛ فأخذ بقوله ودعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير ابن مطعم - وكانوا كتّاب قريش - فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فبدءوا ببني هاشم وكتبوهم، ثم أتبعوهم أولاد أبي بكر وقومه، ثم عمر وقومه، وكتبوا القبائل ووضعوها على الخلافة، ثم رفعوا ذلك إلى عمر ﵁ فلمّا نظر فيه قال: لا! ولكن ابدأوا بقرابة رسول اللّه ﷺ ، الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه اللّه. فشكره العبّاس ﵁ على ذلك، وقال: وصلتك رحم (¬a) (٢). وقد اختلف في السّنة التي فرض فيها عمر ﵁ الأعطية ودوّن الدّواوين، فقال الكلبي: في سنة خمس عشرة. وحكى ابن سعد عن عمر الواقدي أنّه جعل ذلك في سنة عشرين. قال الزّهريّ: وكان ذلك في المحرّم سنة عشرين من الهجرة. وقيل: لمّا فتح اللّه على المسلمين القادسيّة، وقدمت على عمر ﵁ الفتوح من الشّام، جمع المسلمين وقال: ما يحلّ للوالي من هذا المال؟ فقالوا جميعا: أمّا لخاصّته (¬b) فقوته وقوت عياله لا وكس ولا شطط، وكسوته وكسوتهم للشّتاء والصّيف، ودابّتان إلى جهاده وحوائجه وحملانه إلى حجّه (¬c) وعمرته، والقسم بالسّويّة، وأن يعطى أهل البلاء على قدر

стр. 370

بلائهم، ويرمّ أمور الناس بعد، ويتعاهدهم في الشّدائد والنّوازل حتى تنكشف، ويبدأ بأهل الفيء ثم يجوزهم إلى كلّ مغلوب ما بلغ الفيء (١). وقال الضّحّاك عن ابن عبّاس ﵄: لمّا افتتحت القادسيّة وصالح من صالح من أهل السّواد، وافتتحت دمشق وصالح أهل الشّام، قال عمر ﵁ للناس: اجتمعوا فأحضروني علمكم فيما أفاء اللّه على أهل القادسيّة وأهل الشّام. فاجتمع رأي عليّ وعمر ﵄ أن يأخذوه من قبل القرآن، فقالوا: ﴿ما أَفاءَ اَللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى﴾ - يعني من الخمس - ﴿فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ يعني من اللّه الأمر وعلى الرّسول القسم ﴿وَلِذِي اَلْقُرْبى وَاَلْيَتامى وَاَلْمَساكِينِ﴾؛ ثم فسّروا ذلك بالآية الأخرى التي تليها ﴿لِلْفُقَراءِ اَلْمُهاجِرِينَ … ﴾ الآية، فأخذوا الأربعة أخماس على ما قسم عليه الخمس فيمن بدئ به وثنّي وثلّث، وأربعة أخماس لمن أفاء اللّه عليه المغنم. ثم استشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ [الآية ٤١ سورة الأنفال] من تلك الطّبقات الثّلاث، وأربعة أخماس لمن أفاء اللّه عليه، فقسم الأخماس على ذلك. فاجتمع على ذلك عمر وعليّ، وعمل به المسلمون بعد ذلك، فبدأ بالمهاجرين ثم بالأنصار ثم التّابعين الذين شهدوا معهم وأعانوهم، ثم فرض الأعطية من الجزاء على من صالح أو دعا إلى الصّلح من جزائه (¬a)، فردّه عليهم بالمعروف. وليس في الجزاء أخماس، والجزاء لمن منع الذّمّة. ووفّى لهم ممّن ولي ذلك منهم، ولمن لحق بهم/ فأعانهم بأسوة، إلاّ أن يؤاسوا بفضله عن طيب أنفس منهم من لم ينل مثل الذي نالوا (٢). وعن أبي سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف، قال عمر ﵁: إنّي مجنّد المسلمين على الأعطية، ومدوّنهم ومتحرّي الحقّ. فقال عبد الرّحمن بن عوف وعثمان وعليّ ﵃: ابدأ بنفسك. قال: لا أبدأ إلاّ بعمّ رسول اللّه ﷺ ، ثم الأقرب فالأقرب منهم من رسول اللّه؛ ففرض للعبّاس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر - رضي

стр. 371

اللّه عنه - عن أهل الرّدّة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف؛ ودخل في ذلك من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر ومن ولي الأيّام قبل القادسيّة، كلّ هؤلاء على ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف. ثمّ فرض لأهل القادسيّة وأهل الشّام أصحاب اليرموك ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاء البارع (¬a) منهم ألفين وخمس مائة ألفين وخمس مائة؛ فقيل له: لو ألحقت أهل القادسيّة بأهل الأيّام! فقال: لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا، لاها اللّه إذا. وقيل له: قد سوّيتهم - على بعد دارهم - بمن قد قربت داره وقاتلهم (¬b) عن فنائه؛ فقال: هم كانوا أحقّ بالزيادة لأنّهم كانوا ردءا للّحوق وشجي للعدو، وأيم اللّه ما سوّيتهم حتى استطبتهم، فهلاّ قال المهاجرون مثل قولهم حين سوّينا بين السّابقين من المهاجرين وبين الأنصار، وقد كانت نصرة الأنصار بفنائهم، وهاجر إليهم المهاجرون من بعد. وفرض للرّوادف - الذين ردفوا بعد افتتاح القادسيّة واليرموك بعد الفتح -[المثنى خمس مائة خمس مائة، ثم للرّوادف الثّليث بعدهم] (¬c) - ثلاث مائة ثلاث مائة، سوّى كلّ طبقة في العطاء ليس بينهم تفاضل، قويّهم وضعيفهم، غريبهم وأعجميّهم في طبقاتهم سواء. حتى إذا حوى أهل الأمصار من حووا من سباياهم، وردفت المربع من الرّوادف، فرض لهم على خمسين ومائتين، وفرض لمن ردف من الرّوادف الخمس على مائتين. فكان آخر من فرض له عمر ﵁ أهل هجر على مائتين. ومات عمر على ذلك، وأدخل في أهل بدر أربعة من غير أهل بدر، الحسن والحسين وأبا ذرّ وسلمان. وقال أبو سلمة: فرض عمر للعبّاس على خمس وعشرين ألفا، وقال الزّهريّ: على اثنى عشر ألفا (١). وجعل نساء أهل بدر [في خمس مائة خمس مائة، ونساء من بعدهم] (¬c) إلى الحديبية على أربع مائة أربع مائة، ونساء من بعد ذلك إلى الأيّام قبل القادسيّة على ثلاث مائة ثلاث مائة، ثم نساء أهل القادسيّة على مائتين مائتين، ثم سوّى بين النّساء بعد ذلك. وجعل للصّبيان من أهل

стр. 372

بدر وغيرهم مائة مائة، ثم دعا ستين مسكينا فأطعمهم خبزا بملح، فأحصوا ما أكلوه فوجدوه يخرج من جريتين (¬a)، ففرض لكلّ إنسان يقوم بالأمر له ولعياله جريتين جريتين (¬a) في كلّ شهر، مسلمهم وكافرهم (١). وفرض لأزواج النّبيّ ﷺ عشرة آلاف عشرة آلاف، إلاّ من جرى عليه البيع، فقالت أمّهات المؤمنين: ما كان رسول اللّه ﷺ يفضّلنا عليهن في القسمة ولكن كان يسوّي بيننا فسوّ بيننا؛ فجعلهن على عشرة آلاف عشرة آلاف، وفضّل عائشة ﵂ بألفين، فأبت، فقال: لفضل منزلتك عند رسول اللّه ﷺ ، فإذا أخذتها فشأنك (٢). وكان الناس أعشارا، فكانت العرفاء ثلاثة آلاف عريف، كلّ عريف على عشرة، ورزق الخيل على أعرافها (٣). فما زالوا كذلك حتى اختطّت الكوفة والبصرة، فغيّرت العرفاء والأعشار، وجعلت أسباعا، وجعل مائة عريف، على كلّ مائة ألف درهم عريف. وكانت كلّ عرافة من القادسيّة خاصّة، ثلاثة وأربعين رجلا وثلاثا وأربعين امرأة وخمسين من العيال، لهم مائة ألف درهم. وكلّ عرافة من أهل الأيّام عشرين رجلا على ثلاثة آلاف وعشرين امرأة، ولكل عيّل مائة على مائة ألف درهم. وكلّ عرافة من الرّادفة الأولى ستين رجلا وستين امرأة وأربعين من العيال، ممّن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمس مائة، على مائة ألف درهم. وكان العطاء يدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرّايات - والرّايات على أيادي العرب - فيدفعونه إلى العرفاء والنّقباء والأمناء، فيدفعونه إلى أهله في دورهم (٣). فمات عمر ﵁ والأمر على ذلك. وقد عزم قبل موته أن يجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف، وقال: لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف: ألف يخلّفها الرجل في أهله، وألف يتزوّدها معه في سفره، وألف

стр. 373

يتجهّز بها، وألف يترفّق بها، فمات وهو في ارتياد ذلك قبل أن يفعل (١). وكان يقري البعوث على قدر المسافة: إن كان بعيدا فسنة، وإن كان دون ذلك فستة أشهر؛ فإذا أخلّ الرجل بثغره، نزعت عمامته وأقيم في مسجد حيّه، فقيل: هذا فلان قد أخلّ. وقال سيف بن عمر (٢): أوّل عطاء أخذ سنة خمس عشرة. وكان عمرو بن العاص ﵁ يبعث من مصر إلى عمر بن الخطّاب ﵁ بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه. فلمّا استخلف عثمان ﵁ لثلاث مضين من المحرّم سنة أربع وعشرين، زاد الناس مائة؛ وكان أوّل من زاد ورفد أهل الأمصار، وهو أوّل من رفدهم وصنع فيهم الصّنائع، فاستنّ به الخلفاء في الزّيادة. وكان عمر قد فرض لكلّ نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان/ درهما في كلّ يوم، وفرض لأمّهات المؤمنين درهمين، فقيل له: لو صنعت لهم به طعاما فجمعتهم عليه؟ فقال: أشبعوا الناس في بيوتهم. فأقرّ عثمان ﵁ ذلك، وزاد فوضع لهم طعام رمضان، وقال: هو للمتعبّد الذي يتخلّف في المسجد، ولابن السّبيل، وللمغترين بالناس في رمضان، فاقتدى به الخلف (¬a) من بعده.

стр. 374

وكان ديوان (¬a) مصر، في خلافة معاوية بن أبي سفيان، أربعون ألفا؛ وكان منهم أربعة آلاف في مائتين مائتين. وكان إنّما يحمل إلى معاوية ستّ مائة ألف دينار عن فضل أعطيات الجند وما يصرف إلى الناس (١). وكان معاوية قد جعل على كلّ قبيلة من قبائل العرب بمصر رجلا يصبح كلّ يوم، فيدور على المجالس فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام ولفلان جارية، فيكتب أسماءهم، ويقال: نزل بهم رجل من أهل كذا بعياله، فيسمّيه وعياله. فإذا فرغ من القبيل (¬b)، أتى الدّيوان حتى يثبت ذلك. وأعطى مسلمة بن مخلد الأنصاري، أمير مصر، أهل الدّيوان أعطياتهم وأعطيات عيالهم وأرزاقهم ونوائبهم ونوائب البلاد من الجسور، وأرزاق الكتبة وحملان القمح إلى الحجاز، وبعث إلى معاوية ستّ مائة ألف دينار فضلا. وأوّل تدوين كان بمصر على يد عمرو بن العاص ﵁، ثم دوّن عبد العزيز بن مروان تدوينا ثانيا، ودوّن قرّة بن شريك التّدوين الثّالث، ثم دوّن بشر بن صفوان تدوينا رابعا، ثم لم يكن بعد تدوين بشر شيء له ذكر، إلاّ ما كان من إلحاق قيس بالدّيوان في خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان (٢). فلمّا انقرضت دولة بني أميّة، وغلبت المسوّدة بنو العبّاس، أحدثوا أشياء حتى إذا مات عبد اللّه المأمون بن هارون الرّشيد لسبع خلون من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبويع أخوه المعتصم أبو إسحاق محمد بن هارون الرّشيد (¬c)، كتب إلى كيدر (¬d) بن نصر الصّغدي (¬e) أمير مصر، يأمره بإسقاط من في ديوان مصر من العرب وقطع العطاء عنهم، ففعل ذلك. وكان مروان بن محمد الجعدي، آخر خلائف بني أميّة، قطع عن أهل مصر العطاء سنة، ثم كتب إليهم كتابا يعتذر [إليهم] (¬f) فيه: «إنّي إنّما حبست عنكم العطاء في السنة الماضية لعدوّ

стр. 375

حضرني فاحتجت [فيه] (¬a) إلى المال، وقد وجّهت إليكم بعطاء السنة الماضية وعطاء هذه السنة فكلوه هنيئا مريئا، وأعوذ باللّه أن أكون أنا الذي يجري اللّه قطع العطاء على يديه». ولمّا قطع كيدر (¬b) عطاء أهل مصر، خرج يحيى بن الوزير الجرويّ في جمع من لخم وجذام، وقال له: هذا أمر لا يقوم فينا أفضل منه لأنّا منعنا حقّنا وفيئنا، فاجتمع إليه نحو خمس مائة رجل. ومات كيدر (¬b) في ربيع الآخر سنة تسع عشرة ومائتين؛ وولي ابنه المظفّر مصر من بعده، فسار إلى يحيى وقاتله في بحيرة تنّيس وأخذه أسيرا (١). فانقرضت دولة العرب من مصر، وصار جندها العجم والموالي من عهد المعتصم إلى أن ولي الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون مصر، فاستكثر من العبيد، وبلغت عدّتهم زيادة على أربعة وعشرين ألف غلام تركي وأربعين ألف أسود وسبعة آلاف حرّ مرتزق. ثم استجدّ ابنه الأمير أبو الجيش خمارويه بعد عدّة من شناترة حوف مصر. فلمّا كانت إمارة الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد على مصر، بلغت عدّة عساكر بمصر والشّام أربع مائة ألف، تشتمل على عدّة طوائف. ثم إنّ الأستاذ أبا المسك كافورا الإخشيدي استجدّ عدّة من السّودان في أيام تحكّمه بمصر. فلمّا تغلّب الإمام المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ الفاطميّ على مصر، صارت عساكرها ما بين كتامة وزويلة ونحوها من طوائف البربر، وفيهم الرّوم الصّقالبة وهم في العدد كما قيل: «ومنهم معدّ، ولم تكن جيوشه تعدّ، ولا لما أوتيه كان حد، من كلّ ما يسعد فيه جد». وحتى قيل: إنّه لم يطأ الأرض - جيش الإسكندر بن فيلبش المقدونيّ - أكثر عددا من جيوش المعزّ. فلمّا قام في الخلافة بمصر من بعده ابنه العزيز باللّه أبو منصور نزار، استخدم الدّيلم والأتراك، واختصّ بهم (٢). وذكر الأمير المختار عزّ الملك (¬c) المسبّحي في «تاريخه»: أنّ خزانة الخاصّ حملها - لمّا خرج العزيز إلى الشّام - عشرون ألف جمل، خارجا عن خزائن القوّاد وأكابر الدّولة.

стр. 376

وذكر ابن ميسّر في «تاريخه»: أنّ عبيد السّيّدة أم المستنصر باللّه أبي تميم معدّ بن الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه أبي عليّ منصور بن العزيز باللّه خاصّة، كانت عدّتهم خمسين ألف عبد سوى طوائف العسكر (١). ورأيت بخطّ الأسعد بن ممّاتي: أنّ عدّة الجيوش بمصر، في أيام رزّيك بن الصّالح طلائع بن رزّيك، كانت أربعين ألف فارس وستة وثلاثين ألف راجل (٢). وزاد غيره «وعشرة شواني بحرية فيها عشرة آلاف مقاتل»، وهذا عند انقراض الدولة الفاطمية. فلمّا زالت دولتهم على يد السّلطان الملك النّاصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب، أزال جند مصر من العبيد السّود والأمراء المصريين والعربان والأرمن وغيرهم، واستجدّ عسكرا من الأكراد والأتراك خاصّة، وبلغت عدّة عساكره بمصر إلى (¬a) اثني عشر ألف فارس لا غير. فلمّا مات افترقت من بعده، ولم يبق بمصر مع ابنه الملك/ العزيز عثمان سوى ثمانية آلاف فارس وخمس مائة فارس، إلاّ أنّ فيهم من له عشرة أتباع، وفيهم من له عشرون، وفيهم من له أكثر من ذلك إلى مائة تبع لرجل واحد من الجند، فكانوا إذا ركبوا ظاهر القاهرة يزيدون على مائتي ألف. ثم لم يزالوا في افتراق واختلاف حتى زالت دولتهم بقيام عبيدهم المماليك الأتراك، فحذوا حذو مواليهم بني أيّوب، واقتصروا على الأتراك وشيء من الأكراد، واستجدّوا من المماليك التي تجلب من بلاد التّرك شيئا كثيرا، حتى يقال: إنّ عدّة مماليك الملك المنصور قلاوون كانت سبعة آلاف مملوك، ويقال: اثني عشر ألفا. وكانت عدّة مماليك ولده الأشرف خليل بن قلاوون اثني عشر ألف مملوك. ثم لم تبلغ بعد ذلك قريبا من هذا، إلى أن زالت دولة بني قلاوون، في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبع مائة، بالملك الظّاهر برقوق، فأخذ في محو المماليك الأشرفيّة، وأنشأ لنفسه دولة من المماليك الجركسيّة بلغت عدّتهم - ما بين مشترى ومستخدم - أربعة آلاف

стр. 377

أو تزيد قليلا. فلمّا قام من بعده ابنه (¬a) النّاصر فرج افترقوا واختلفوا، فلم يقتل حتى هلك كثير منهم بالقتل وغيره (١). وعساكر مصر في الدولة التّركية على قسمين: أجناد الحلقة، والمماليك السّلطانيّة (٢). وأكثر ما كانت أجناد الحلقة في أيّام النّاصر محمد بن قلاوون، فإنّها بلغت - على ما رأيته في جرائد ديوان الجيش بأوراق الرّوك النّاصري - أربعة وعشرين ألف فارس؛ ثم ما زالت تنقص حتى صارت اليوم - مع قلّة عدّتها - سواء منها الألف والواحد، فإنّها لا تنفع ولا تدفع. وأمّا المماليك فإنّها اليوم قليل عددها، بحيث لو جمعت أجناد الحلقة مع المماليك السّلطانية، لا تكاد أن تبلغ خمسة آلاف فارس، يصلح منها لأن يباشر القتال ألف أو دونها. وهي اليوم قسمان: أجناد الحلقة، والمماليك السّلطانيّة. والمماليك السّلطانيّة ثلاثة أقسام: ظاهريّة، وناصريّة، ومؤيّديّة. والمؤيّديّة ما بين حكميّة ونوروزية ومن استجدّه المؤيّد. (¬b)) وإنّ خوفي ليكثر أن يكون الحال بعد الملك المؤيّد أبي النّصر شيخ - خلّد اللّه ملكه (٣) - يتلاشى، إلى أن يؤيّد اللّه الملك بابنه الأمير صارم الدين إبراهيم - شدّ اللّه به أزره - فإنّه فتح من البلاد الرّومية ما لا ملكه أحد من ملوك مصر في الدولة الإسلامية قبله. «والشّبل في المخبر مثل الأسد». «وابن السري إذا سرى أسراهما». «ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده». بأبه اقتدى عدىّ في الكرم … ومن يشابه أبه فما ظلم «إنّ الأصول عليها ينبت الشّجر» (¬b)

стр. 378

ثم لمّا ملك الأشرف برسباى، صارت المماليك سبع طوائف: ظاهرية، وناصريّة، ومؤيّديّة، ونوروزيّة، وحكميّة، وططريّة، وأشرفيّة، كلّ طائفة منها مباينة لجميعها، فلذلك اضمحلّت شوكتهم وانكسرت حدّتهم، وأمنت على السّلطان غائلتهم، ولم يخف ثورتهم لتفرّقهم وإن كانوا مجتمعين، وتباينهم وإن كانوا في الظاهر متّفقين. واعلم أنّه كانت عادة الخلفاء من بني أميّة وبني العبّاس والفاطميين، من لدن أمير المؤمنين عمر ابن الخطّاب ﵁ أن تجبى أموال الخراج، ثم تفرّق من الدّيوان في الأمراء أو العمّال والأجناد على قدر رتبهم وبحسب مقاديرهم. وكان يقال لذلك في صدر الإسلام «العطاء» (١). وما زال الأمر على ذلك إلى أن كانت دولة العجم، فغيّر هذا الرّسم، وفرّقت الأراضي إقطاعات على الجند. وأوّل من عرف أنّه فرّق الإقطاعات على الجند، نظام الملك أبو عليّ الحسن ابن عليّ بن إسحاق بن العبّاس الطّوسي، وزير ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق، ثم وزير ابنه ملكشاه بن ألب أرسلان (٢). وذلك أنّ مملكته اتّسعت فرأى أن يسلّم إلى كلّ مقطع قرية أو أكثر أو أقلّ على قدر إقطاعه، لأنّه رأى أنّ في تسليم الأراضي إلى المقطعين عمارتها لاعتناء مقطعيها بأمرها بخلاف ما إذا شمل جميع أعمال المملكة ديوان واحد، فإنّ الخرق يتّسع ويدخل الخلل في البلاد (٣) ففعل نظام الملك ذلك، وعمرت به البلاد وكثرت الغلاّت. واقتدى بفعله من جاء بعده من الملوك، من أعوام بضع وثمانين وأربع مائة إلى يومنا هذا.

стр. 379

وكانت الخلفاء ترزق من بيت المال، فذكر عطاء بن السّائب في حديث، أنّ أبا بكر ﵁ لمّا استخلف، فرض له كلّ يوم شطر شاة وما تكسوه في الرأس والبطن. وذكر عن حميد بن هلال، أنّه فرض له بردان إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف. وذكر ابن الأثير في «تاريخه» أنّ الذي فرضوا له ستة آلاف درهم في السّنة. وفرض لعمر بن الخطّاب ﵁ لمّا استخلف، ما يصلحه ويصلح عياله بالمعروف، وقاله له عليّ ﵁: ليس لك غيره، فقال القوم: القول ما قال عليّ، يأخذ قوته. وفرض عمر لمعاوية ابن أبي سفيان، على عمله في الشّام، عشرة آلاف دينار في السّنة، وقيل: بل رزقه ألف دينار، وهو أشبه. ذكر القطائع والإقطاعات يقال: اقتطع طائفة من الشيء: أخذها. والقطيعة: ما اقتطعه منه، وأقطعني إيّاها: أذن لي في اقتطاعها، واستقطعه إيّاها/: سأله أن يقطعه إيّاها، وأقطعه نهرا وأرضا: أباح له ذلك. وقد أقطع رسول اللّه ﷺ ، وتألّف على الإسلام قوما؛ وأقطع الخلفاء من بعده من رأوا في إقطاعه صلاحا. روى ابن أبي نجيح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، أنّ رسول اللّه ﷺ أقطع أناسا من مزينة (أو جهينة) أرضا فلم يعمّروها، فجاء قوم فعمّروها. فخاصمهم الجهينيون (أو المزينيون) إلى عمر ابن الخطّاب ﵁ فقال عمر: لو كانت منّي أو من أبي بكر لرددتها، ولكنّها قطيعة من رسول اللّه ﷺ . ثم قال: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين لا يعمّرها، فعمّرها قوم آخرون فهم أحقّ بها. وقال هشام بن عروة عن أبيه: أقطع رسول اللّه ﷺ الزّبير أرضا فيها نخل من أموال بني النّضير، وذكر أنّها أرض يقال لها: الجرف. وذكر أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ أقطع العقيق أجمع الناس حتى جازت قطيعة عروة، فقال ابن الزّبير: المستقطعون منذ اليوم، فإن يك فيه خير فتحت قدمي، قال خوّات بن جبير: أقطعنيه. فأقطعه إيّاه. وقال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: لمّا قدم النّبيّ ﷺ المدينة أقطع أبا بكر وأقطع عمر بن الخطّاب ﵄. وقال أشعث بن سوّار، عن حبيب بن أبي ثابت، عن صلت المكي، عن أبي رافع قال: أعطى

стр. 380

النّبيّ ﷺ قوما أرضا فعجزوا عن عمارتها فباعوها في زمن عمر بن الخطّاب ﵁ بثمانية آلاف دينار، أو بثمانية آلاف درهم، فوضعوا أموالهم عند عليّ بن أبي طالب ﵁ فلمّا أخذوها وجدوها ناقصة، فقالوا: هذا ناقص، قال: احسبوا زكاته؛ قال: فحسبوا زكاته، فوجدوه وافيا، فقال: أحسبتم أن أمسك مالا ولا أزكّيه. وقد سأل تميم الدّاري رسول اللّه ﷺ ، أن يقطعه عينون (¬a) البلد الذي كان منه بالشّام قبل فتحه، ففعل (١). وسأله أبو ثعلبة الخشني، أن يقطعه أرضا كانت بيد الرّوم، فأعجبه ذلك وقال: ألا تسمعون ما يقول؟ فقال: والذي بعثك بالحقّ ليفتحنّ عليك، فكتب له بذلك كتابا (٢). وقال ثابت بن سعد، عن أبيه عن جدّه: إنّ الأبيض بن حمّال استقطع رسول اللّه ﷺ ، ملح مأرب، فأقطعه؛ فقال الأقرع بن حابس التّميمي: يا رسول اللّه، إنّي وردت هذا الملح في الجاهلية، وهو بأرض ليس فيها ملح من ورده أخذه، وهو مثل الماء العدّ (¬b) (٣) بالأرض، فاستقال الأبيض، فقال: قد أقلتك على أن تجعله منّي صدقة. فقال النّبيّ ﷺ : «هو منك صدقة، وهو مثل الماء العدّ (¬b) من ورده أخذه». وقال كثيّر بن عبد اللّه بن عوف المزني، عن أبيه عن جدّه: أقطع رسول اللّه ﷺ بلال بن الحارث المعادن القبلية خليسها وغوريها (٤). وقال مالك، عن ربيعة، عن قوم من علمائهم: إنّ رسول اللّه ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن بناحية الفرع.

стр. 381

وعن ربيعة، عن الحارث بن بلال، عن أبيه بلال بن الحارث، أنّ النّبيّ ﷺ أقطعه العقيق أجمع. وعن حمّاد بن سلمة، عن أبي مكين، عن أبي عكرمة مولى بلال بن الحارث، قال: أقطع رسول اللّه ﷺ بلالا أرضا فيها جبل معدن، فباع بنو بلال عمر بن عبد العزيز أرضا منها، فظهر فيها معدن (أو قال: معدنان)، فقالوا: إنّما بعناك أرض حرث ولم نبعك المعادن، وجاءوا بكتاب النّبيّ ﷺ لهم في جريدة. فقبّلها عمر وفتح ومسح بها عينيه، وقال لقيّمه: انظر ما خرج منها وما أنفقت، فقاصّهم بالنّفقة، وردّ عليهم الفضل. واصطفى عمر بن الخطّاب ﵁ من أرض السّواد أموال كسرى وأهل بيته، وما هرب عنه أربابه أو هلكوا، فكان مبلغ غلّته تسعة آلاف درهم، كان يصرفها في مصالح المسلمين ولم يقطع شيئا منها. ثم إنّ عثمان ﵁ أقطعها - لأنّه رأى إقطاعها أوفر لغلّتها من تعطيلها، وشرط على من أقطعها أن يأخذ منه حقّ الفيء، فكان مبلغ غلّته خمسين ألف ألف درهم، كان منها صلاته وعطاياه؛ ثم تناقلها الخلفاء بعده. فلمّا كان عام الجماجم سنة اثنتين وثمانين، في فتنة عبد الرّحمن بن الأشعث، أحرق الدّيوان، وأخذ كلّ قوم ما يليهم. وأقطع عمر بن الخطّاب ﵁ ابن سندر منية الأصبغ، فحاز منها لنفسه ألف فدّان. وقال وكيع، عن سفيان، عن جابر الجعفي، عن عامر: لم يقطع أبو بكر ولا عمر ولا عليّ ﵃ وأوّل من أقطع القطائع عثمان ﵁ وبيعت الأرضون في خلافة عثمان. قال اللّيث بن سعد: ولم يبلغنا أنّ عمر بن الخطّاب أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر إلاّ ابن سندر، فإنّه أقطعه أرض منية الأصبغ، فلم تزل له حتى مات، فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان من ورثته فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل (١).

стр. 382

وقال الأعمش، عن إبراهيم بن المهاجر، عن موسى بن طلحة، قال: أقطع عثمان ﵁ عبد اللّه بن مسعود في (¬a) النّهرين، وعمّار بن ياسر إستنيا (¬b)، وأقطع خبّابا صعنبا (¬c)، وأقطع سعد بن أبي وقّاص قرية هرمز (١)، وكان عبد اللّه بن مسعود وسعد يعطيان أرضهما بالثّلث والرّبع. وقال سيف بن عمر، عن عمرو بن محمّد، عن عامر/ قال: أقطع الزّبير وخبّاب وعبد اللّه بن مسعود وعمّار بن ياسر وابن هبّار أزمان عثمان؛ فإن يكن عثمان أخطأ، فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأ (¬d)، وهم الذين أخذنا عنهم ديننا. وأقطع عمر بن الخطّاب ﵁ طلحة وجرير ابن عبد اللّه والرّبيل بن عمرو، وأقطع أبا مفرّز دار النّيل في عدّة ممّن أخذنا عنه، وإنّما القطائع على وجه النّفل من خمس ما أفاء اللّه. وكتب عمر ﵁ إلى عثمان بن حنيف، مع جرير بن عبد اللّه البجلي: «أمّا بعد، فأقطع جرير بن عبد اللّه قدر ما يقوّته، لا وكس ولا شطط»، فكتب عثمان إلى عمر: «إنّ جريرا قدم عليّ بكتاب منك نقطعه ما يقوّته، فكرهت أن أمضي ذلك حتى أراجعك فيه». فكتب إليه: «[أن قد] (¬e) صدق جرير، فأنفذ ذلك، وقد أحسنت في مؤامرتي». وأقطع أبا موسى الأشعري، وأقطع عليّ بن أبي طالب رحبة كردوس بن هانئ (¬f)، وأقطع سويد بن غفلة الجعفي. قال سيف، عن ثابت بن هريم (¬g)، عن سويد بن غفلة، قال: استقطعت عليّا، فقال: اكتب «هذا ما أقطع عليّ سويدا: أرضا لذاوذويه (¬h) ما بين كذا إلى كذا وما شاء اللّه» (٢). وذكر أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم ما أقطعه معاوية بن أبي سفيان ومن بعده من الخلفاء، من دور مصر، فأورد شيئا كثيرا.

стр. 383

وقد كانت خلائف (¬a) بني أميّة، وخلفاء بني العبّاس، يقطعون الأراضي من أرض مصر، النّفر من خواصّهم، لا كما هو الحال اليوم، بل يكون مال خراج أرض مصر، يصرف منه أعطية الجند وسائر الكلف، ويحمل ما يفضل إلى بيت المال. وما أقطع من الأراضي فإنّه بيد من أقطعه (١). وأمّا منذ كانت أيّام السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب إلى يومنا هذا، فإنّ أراضي مصر كلّها صارت تقطع للسّلطان وأمرائه وأجناده (٢). وأرض مصر اليوم على سبعة أقسام: قسم يجري في ديوان السّلطان، وهذا القسم ثلاثة أقسام: منه ما يجري في ديوان (¬b)) الوزارة ومنه ما يجري في ديوان (¬b) الخاصّ، ومنه ما يجري في الدّيوان المفرد. وقسم من أراضي مصر قد أقطع للأمراء والأجناد، وقد ذكر تفصيل ذلك عند ذكر الرّوك النّاصريّ (٣). وقسم ثالث جعل وقفا محبّسا على الجوامع والمدارس والخوانك، وعلى جهات البرّ، وعلى ذراري واقفي تلك الأراضي وعتقائهم. وقسم رابع يقال له الأحباس، ويجري فيه أراض بأيدي قوم يأكلونها، إمّا عن قيامهم بمصالح مسجد أو جامع، وإمّا يكون لهم لا في مقابلة عمل. وقسم خامس قد صار ملكا يباع ويشترى ويورّث ويوهب، لكونه اشتري من بيت المال. وقسم سادس لا يزرع للعجز عن زراعته، فترعاه المواشي أو ينبت الحطب ونحوه. وقسم سابع لا يشمله ماء النّيل فهو قفر: وهذا القسم منه ما لم يزل كذلك منذ عرفت أحوال الخليقة، ومنذ (¬c) ما كان عامرا في الدّهر الأوّل ثم خرب.

стр. 384

وسائر هذه الأقسام مذكورة أخبارها في هذا الكتاب، تجدها إن أنت تأمّلته إن شاء اللّه تعالى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم (١) في كتاب «الأموال»، في الكلام على حديث معمر عن عبد اللّه بن طاووس عن أبيه طاووس، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «عاديّ الأرض للّه ولرسوله، ثم هي لكم». فإن (¬a) قلت: ما يعني ذلك؟ قال: «يكون إقطاعا»، هذا الخبر أصل في الإقطاع. والعاديّ: كلّ أرض كان لها سكّان فانقرضوا، أي فصارت خرابا، فإنّ حكمها إلى الإمام. قال: وأمّا الأرض التي جعلها النّبيّ ﷺ لبعض الناس - وهي عامرة لها أهل - فإعطاء الإمام يكون على وجه النّفل. ومن ذلك ما أعطاه رسول اللّه ﷺ تميما الدّاري، فإنّه أعطاه أرضا بالشّام من قبل أن تفتح الشّام وقبل أن يملكها المسلمون، فجعلها له نفلا من أموال أهل الحرب إذا ظهر عليهم، كما فعل بابنة بقيلة (¬b) لمّا وهبها الشّيباني قبل افتتاح الحيرة، فأمضاها له خالد بن الوليد ﵁. وكذلك أمضى عمر بن الخطّاب ﵁ لتميم الدّاري، لمّا افتتحت فلسطين، ما كان النّبيّ ﷺ نفله (٢)، انتهى. وقد خرّج أبو عبيد (¬c) هذه العطيّة المعلّقة مخرج النّفل الذي ينفله الإمام بعض المقاتلة. وقال أبو الحسن عليّ بن محمد بن حبيب (¬d) الماوردي في «الأحكام السّلطانية»: والإقطاع ضربان: إقطاع استغلال، وإقطاع تمليك. والثاني ينقسم إلى موات وعامر، والثاني ضربان:

стр. 385

أحدهما ما يتعيّن مالكه ولا نظر للسّلطان فيه، إلاّ ما يتعلّق بتلك الأرض في حقّ لبيت المال إذا كانت في دار الإسلام. فإن كانت في دار الحرب، حيث لم يثبت للمسلمين عليها يد، فأراد الإمام أن يقطعها ليملكها المقطع عند الظّفر بها، فإنّه يجوز. فقد سأل تميم الدّاري رسول اللّه ﷺ أن يقطعه عينون (¬a) البلد الذي كان منه قبل أن يفتح الشّام، ففعل. وسأله أبو ثعلبة الخشني أن يقطعه أرضا كانت بيد الرّوم، فأعجبه ذلك، وقال: «ألا تسمعون ما يقول هذا؟» (١). فقال: والذي بعثك بالحقّ ليفتحنّ عليك وكتب له بذلك كتابا. قال الماوردي: وهكذا لو استوهب أحد من الإمام مالا في دار الحرب وهو على ملك أهلها، أو استوهبه شيئا من سبيها أو ذراريها ليكون أحقّ به إذا فتحت، جاز وصحّت العطيّة منه - مع الجهالة بها - لتعلّقها بالأمور العامّة. وقد روى الشّعبي أنّ خريم (¬b) بن أوس الطّائي قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه/ وسلّم: إن فتح اللّه عليك الحيرة فأعطني بنت نفيلة. فلمّا أراد خالد صلح أهل الحيرة، قال له خريم (¬b): إنّ رسول اللّه ﷺ أعطاني بنت نفيلة، فلا تدخلها في صلحك، فشهد له بشر بن سعد ومحمد بن مسلمة، فاستثناها من الصّلح ودفعها إلى خريم (¬b)؛ فاشتريت بألف درهم - وكانت عجزت وحالت عمّا عهد منها - فقيل له: قد أرخصتها، وكان أهلها يدفعون لك أضعاف ما سألت بها. فقال: ما كنت أظنّ أنّ عددا يكون أكثر من ألف (٢). قال الماوردي: وإذا صحّ الإقطاع والتّمليك على هذا الوجه، نظر حال الفتح: فإن كان صلحا، خلصت الأرض لمقطعها، وكانت خارجة عن حكم الصّلح بالإقطاع السّابق. وإن كان الفتح عنوة، كان المقطع والمستوهب أحقّ بما استقطعه واستوهبه من الغانمين، ونظر في الغانمين: فإن كانوا علموا بالإقطاع أو الهبة قبل الفتح، فليس لهم المطالبة بعوض [ما استقطع ووهب] (¬c). وإن لم يعلموا حتى فتحوا، عاوضهم الإمام بما يستطيب به نفوسهم كما يستطيب نفوسهم من غير ذلك من الغنائم.

стр. 386

وقال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى: لا يلزم الإمام استطابة نفوسهم منه ولا من غيره من الغنائم، إذا رأى المصلحة في ذلك (١). ذكر ديوان الخراج والأموال يقال لكتابة الخراج: قلم التّصريف، وأوّل ما دوّن هذا الدّيوان في الإسلام بدمشق والعراق على ما كان عليه قبل الإسلام. وكان ديوان الشّام بالرّوميّة، وديوان العراق بالفارسيّة، وديوان مصر بالقبطيّة، فنقلت دواوين هذه الأمصار إلى العربية. والذي نقل ديوان مصر من القبطيّة إلى العربيّة عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان أمير مصر، في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة سبع وثمانين، ونسخها بالعربية، وصرف أثيناس عن الدّيوان، وجعل عليه (¬a)) مولى لبني سعد ثم لبني الذيال - بطن منهم عمرو بن حرموز (¬a) - بن يربوع الفزاري من أهل حمص (٢). وأوّل من نقل الدّواوين من الفارسيّة إلى العربية الوليد بن هشام بن قحزم (¬b) بن سليمان بن ذكوان، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. والأكثرون على أنّ الذي نقل ديوان العراق إلى العربية صالح بن عبد الرّحمن كاتب الحجّاج، وكان مولى لبني سعد، وهو يومئذ صاحب دواوين العراق، وذلك بعد سنة ثمانين. وسبب ذلك أنّ صالح بن عبد الرّحمن هذا كان أبوه من سبي سجستان، ومهر صالح في الكتابة، وكتب لزادان فرّوخ كاتب الحجّاج بن يوسف الثّقفي، وخطّ بين يديه بالفارسيّة والعربية؛ فخفّ على قلب الحجّاج، فخاف من زادان وقال له: أنت الذي رقّيتني حتى وصلت إلى الأمير، وأراه قد استخفّني ولا آمن أن يقدّمني عليك فتسقط منزلتك؛ فقال زادان: لا تظنّ ذلك، هو أحوج إليّ منّي إليه، لأنّه لا يجد من يكفيه حسابه غيري. فقال صالح: واللّه لو شئت أن أحوّل الحساب إلى العربية لحوّلته، قال: فحوّل منه أسطرا حتى

стр. 387

أرى، ففعل. فقال له: تمارض فتمارض، فبعث إليه الحجّاج بطبيبه، فشقّ ذلك على زادان، وأمره ألاّ يظهر للحجّاج (١). فاتّفق عقيب ذلك أنّ زادان قتل في فتنة عبد الرّحمن بن محمد بن الأشعث، وهو خارج من موضع كان فيه إلى منزله، فاستكتب الحجّاج بعده صالحا، فأعلم الحجّاج بما جرى له مع زادان في نقل الدّيوان، فأعجبه ذلك وعزم عليه في إمضائه، فنقله من الفارسيّة إلى العربية. وشقّ ذلك على الفرس، وبذلوا له مائة ألف درهم على ألاّ يظهر النّقل، فأبى عليهم، فقال له مروان شاه بن زادان فرّوخ: قطع اللّه أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسيّة. وكان عبد الحميد بن يحيى يقول: للّه درّ صالح، ما أعظم منّته على الكتّاب. وأمّا ديوان الشّام فإنّ الذي نقله من الرّوميّة إلى العربيّة أبو ثابت سليمان بن سعد كاتب الرّسائل؛ واختلف في وقت نقله، فقيل: نقل في خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل: في خلافة هشام بن عبد الملك (٢). وكان الذي يكتب على ديوان الشّام سرجون بن منصور النّصراني في أيّام معاوية بن أبي سفيان، ثم كتب بعده ابنه منصور بن سرجون. ذكر خراج مصر في الإسلام أوّل من جبى خراج مصر (٣) في الإسلام عمرو بن العاص ﵁ فكانت جبايته اثني عشر ألف ألف دينار، بفريضة دينارين دينارين من كلّ رجل. ثم جبى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر أربعة عشر ألف ألف دينار؛ فقال عثمان بن عفّان ﵁ لعمرو بن العاص: يا أبا عبد اللّه، درّت اللّقحة بأكثر من درّها الأوّل؛ فقال: أضررتم بولدها.

стр. 388

وهذا الذي جباه عمرو ثم عبد اللّه، إنّما هو من الجماجم خاصّة دون الخراج. وانحطّ خراج مصر بعدهما، لنموّ الفساد مع الزّمان وسريان الخراب في أكثر الأرض ووقوع الحروب، فلم يجبها بنو أميّة وخلفاء بني العبّاس إلاّ دون الثلاثة آلاف ألف، ما خلا أيام هشام بن عبد الملك، فإنّه وصّى عبد اللّه بن الحبحاب عامل مصر بالعمارة./ فيقال: إنّه لم يظهر من خراج مصر، بعد تناقصه، كثرة إلاّ في وقتين: أحدهما في خلافة هشام بن عبد الملك، عندما ولي الخراج عبيد اللّه بن الحبحاب، فخرج بنفسه ومسح العامر من أراضي مصر والغامر ممّا يركبه ماء النّيل، فوجد قانون ذلك ثلاثين ألف ألف فدّان سوى ارتفاع الجرف ووسخ الأرض، فراكها (١) كلّها وعدّلها غاية التعديل، فعقدت معه أربعة آلاف ألف دينار، هذا والسّعر راخ والبلد بغير مكس ولا ضريبة. وفي سنة سبع ومائة لأوّل أيّام هشام بن عبد الملك، وصّف ابن الحبحاب بمصر طبقات معلومة منسوبه في الدّواوين، ولم تزل إلى ما بعد ذهاب بني أميّة، ومبلغها ألف ألف دينار وسبع مائة ألف دينار وثمان مائة وسبعة وثلاثون دينارا، منها على كور الصّعيد ألف ألف وأربع مائة دينار وعشرون دينارا ونصف، والباقي على كور أسفل الأرض. ويقال: إنّ أسامة بن زيد جباها في خلافة سليمان بن عبد الملك مبلغ اثني عشر ألف ألف دينار. والوقت الثاني في إمارة أحمد بن طولون، لمّا تسلّم أرض مصر من أحمد بن محمد بن مدبّر، وقد خرّب (¬a) أرض مصر حتى بقي خراجها ثمان مائة ألف ألف دينار، فاستقصى أحمد بن

стр. 389

طولون في العمارة وبالغ فيها، فعقدت معه أربعة آلاف ألف دينار وثلاث مائة ألف دينار. وجباها ابنه الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد أربعة آلاف ألف دينار مع رخاء الأسعار أيامئذ، فإنّه ربّما أبيع في الأيام الطّولونية القمح: كلّ عشرة أرادب بدينار. وذكر ابن خرداذبة أنّ خراج مصر في أيام فرعون، كان ستة وتسعين ألف ألف دينار، وأنّ ابن الحبحاب جباها [في أيّام بني أميّة] (¬a) ألفي ألف وسبع مائة ألف وثلاثة وعشرين ألفا وثمان مائة وتسعة وثلاثين دينارا (١). وهذا وهم منه، فإنّ هذا القدر هو ما حمله إلى بيت المال بدمشق بعد أعطية أهل مصر وكلفها. قال: وحمل منها موسى بن عيسى الهاشمي [في دولة بني العبّاس] (¬a) ألفي ألف ومائة ألف وثمانين ألف دينار (٢)، يعني بعد العطاء والمؤن وسائر الكلف. قال: وكان خراج مصر، إذا بلغ النّيل سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع، أربعة آلاف ألف دينار ومائتي ألف وسبعة وخمسين ألف دينار، والمقبوض عن الفدّان دينارين في خلافة المأمون وغيره. وبلغ خراج مصر، في أيّام الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد، ألفي ألف دينار سوى ضياعه التي كانت ملكا له. والإخشيد أوّل من عمل الرّواتب بمصر. وكان كاتبه ابن كلا قد عمل تقديرا عجز فيه المرتّب عن الارتفاع مائتي ألف دينار، فقال له الإخشيد: كيف نعمل؟ قال: حطّ من الجرايات والأرزاق، فليس هؤلاء أولى من الواجب؛ فقال: غدا تجيئني وندبّر هذا. فلمّا أتاه من الغد، قال له الإخشيد: قد فكّرت فيما قلت، فإذا أصحاب الرّواتب ضعفاء وفيهم المستورون وأبناء النّعم، ولست آخذ هذا النّقص إلاّ منك؛ فقال ابن كلا: سبحان اللّه! فقال: تسبيحا! وما زال به الإخشيد حتى أخذ خطّة بالقيام بذلك. فعوتب على ما صنعه، فقال: يا قوم اسمعوا إيش كان يعمل جاه أحمد بن محمد بن الماذرائي، فقال له: ما بيني وبين السّلطان معاملة، ولا للإخشيد عليّ طريق، وهذه هديّة عشرة

стр. 390

آلاف دينار للإخشيد، وألف دينار لك. فجاءني وقال: لك قبل ابن الماذرائي مطالبة؟ فقلت: لا، فقال: هذه ألف دينار قد جاءتك على وجه الماء، فأعطاني ألفا وأخذ عشرة آلاف دينار. وأهدى إليّ محمد بن علي الماذرائي في وقت عشرين ألف دينار على يده، فاستقللتها. فلمّا اجتمعنا عاتبته، فقال لي: أرسلت إليك مائة ألف دينار، ولابن كلا كاتبك عشرين ألف دينار، فأخذ المائة وأعطاني العشرين ألفا. فذكرت قول محمد بن عليّ له، فقال: ما أبرد هذا! حفظت لك المائة ألف لوقت حاجتك، تريدها؟ خذها وأنا أعلم أنّك تتلفها! وبلغت الرّواتب في أيّام كافور الإخشيدي خمس مائة ألف دينار في السنة لأرباب النّعم والمستورين وأجناس الناس، ليس فيهم أحد من الجيش ولا من الحاشية ولا من المتصرّفين في الأعمال، فحسّن له عليّ بن صالح الرّوذباري الكاتب أن يوفّر من مال الرّواتب شيئا ينتقصه من أرزاق الناس. فساعة جلس يعمل ذلك، حكّه جبينه فحكّه بقلمه، والحكاك يزيد به، إلى أن قطع العمل وقام لما به، فعولج حينئذ بالحديد حتى مات في رمضان سنة تسع (¬a) وأربعين وثلاث مائة. وهذه موعظة من اللّه لمن توسّط للناس بالسّوء، قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلّا بِأَهْلِهِ﴾ [الآية ٤٣ سورة فاطر]. ولمّا مات كافور، نزلت محن شديدة كثيرة بمصر من الغلاء والفناء والفتن، فاتّضع خراجها إلى أن قدم جوهر القائد من بلاد المغرب بعساكر مولاه المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، فجبى الخراج لسنة ثمان وخمسين وثلاث مائة: ثلاثة آلاف ألف دينار (¬b)) ومائتي ألف دينار جباها في سنة تسع وخمسين وثلاث مائة ثلاثة آلاف ألف (¬b) وأربع مائة ألف دينار ونيفا. وأمر الوزير النّاصر للدين أبو [محمد] (¬c) الحسن [بن عليّ بن] (¬c) عبد الرّحمن اليازوريّ، وزير مصر في خلافة المستنصر باللّه بن الظّاهر، أن يعمل قدر ارتفاع الدّولة وما عليها من النّفقات، فعمل أرباب كلّ ديوان ارتفاعه وما عليه، وسلّم الجميع لمتولّي ديوان المجلس وهو زمام الدّواوين، فنظم عليه عملا جامعا وأتاه به، فوجد ارتفاع/ الدّولة ألفي ألف دينار: منها الشّام ألف ألف دينار، ونفقاته بإزاء ارتفاعه والرّيف وباقي الدّولة ألف ألف دينار (١).
следующие страницы →