وهلك بلاطس الوزير، وقام من بعده في الوزارة كاهن يقال له أملاده، فأمر بإفراد بني إسرائيل ناحية في البلد، بحيث لا يختلط بهم غيرهم، فأقطعوا موضعا في قبلي مدينة منف صاروا إليه، وبنوا فيه معبدا كانوا يتلون به صحف إبراهيم، ﵇ (١).
فخطب رجل من القبط بعض نسائهم، فأبوا أن ينكحوه - وقد كان هويها - فأكبر القبط فعلهم، وصاروا إلى الوزير، وشكوا من بني إسرائيل، وقالوا: هؤلاء قوم يعيبوننا، ويرغبون عن مناكحتنا، ولا نحبّ أن يجاورنا ما لم يدينوا بديننا. فقال لهم الوزير: قد علمتم إكرام طوطيس الملك لجدّهم، ونهراوش من بعده، وقد علمتم بركة يوسف، حتى جعلتم قبره وسط النيل، فأخصب جانبا مصر بمكانه. وأمرهم بالكفّ عن بني إسرائيل؛ فأمسكوا، إلى أن احتجب معدان وقام من بعده في الملك ابنه أكسامس - الذي يسمّيه بعضهم كاسم - بن معدان بن الرّيّان ابن الوليد بن دومع العمليقي، وهو السّادس من فراعنة مصر، وكان أوّلهم يقال له فرعان، فصار ذلك اسما لكلّ من تجبّر وعلا أمره (٢).
وطالت أيّام كاسم، ومات وزير أبيه، فأقام من بعده رجلا من بيت المملكة/ يقال له طلما ابن قومس. وكان شجاعا ساحرا، كاهنا كاتبا حكيما، دهيّا متصرّفا في كلّ فنّ، وكانت نفسه تنازعه الملك - ويقال إنّه من ولد أشمون الملك، وقيل من ولد صا - فأحبّه الناس، وعمّر الخراب، وبنى مدنا من الجانبين، ورأى في نجومه أنّه سيكون حدث وشدّة (٣).
وشكا القبط إليه من الإسرائيليين، فقال: «هم عبيدكم». فكان القبطي إذا أراد حاجة، سخّر الإسرائيلي وضربه، فلا يغير عليه أحد ولا ينكر عليه ذلك، فإن ضرب الإسرائيليّ أحدا من القبط قتل ألبتّة، وكذلك كانت تفعل نساء القبط بالنساء الإسرائيليات. فكانت أوّل شدّة وذلّ أصاب بني إسرائيل، وكثر ظلمهم وأذاهم من القبط (٤).
واستبدّ الوزير طلما بأمر البلد، كما كان العزيز مع نهراوش، وتوفي أكسامس الملك، فاتّهم طلما بأنّه سمّه، فركب في سلاحه، وأقام لا طس الملك مكان أبيه. وكان ابنه جريئا معجبا، فصرف طلما بن قومس عمّا كان عليه من خلافته، واستخلف رجلا يقال له «لاهوق» من ولد صا، وأنفذ طلما عاملا على الصّعيد، وسيّر معه جماعة من الإسرائيليين، وزاد تجبّره وعتوّه، وأمر
стр. 3257
الناس جميعا أن يقوموا على أرجلهم في مجلسه، ومدّ يده إلى الأموال، ومنع الناس من فضول ما بأيديهم، وقصرهم على القوت، وابتزّ كثيرا من النساء، وفعل أكثر ممّا فعله ملك تقدّمه، واستعبد بني إسرائيل، فأبغضه الخاصّ والعامّ.
وكان طلما، لمّا صرف عن الوزارة وخرج إلى الصّعيد، أراد إزالة الملك والخروج عن طاعته.
فجبى المال، وامتنع من حمله، وأخذ المعادن لنفسه، وهمّ أن يقيم ملكا من ولد قبطرين ويدعو الناس إلى طاعته، ثم انصرف عن ذلك، ودعا لنفسه، وكاتب الوجوه والأعيان، فافترق الناس، وتطاول كلّ واحد من أبناء الملوك إلى الملك، وطمع فيه. ويقال: إنّ روحانيّا ظهر لطلما، وقال له: إن أطعتني قلّدتك مصر زمانا طويلا، فأجابه وقرّب إليه أشياء، منها غلام من بني إسرائيل، فصار عونا له (١).
وبلغ الملك خبر خروج طلما عن طاعته، فوجّه إليه قائدا قلّده مكانه، وأمره أن يقبض على طلما، ويبعث به إليه موثقا، فصار إليه، وخرج طلما للقائه، وحاربه فظفر به، واستولى على ما معه، فجهّز إليه الملك قائدا آخر فهزمه، وسار في إثره - وقد كثّف جمعه - فبرز إليه الملك، واحتربا، فكانت لطلما على الملك فقتله، واستولى على مدينة منف، ونزل قصر المملكة (٢).
وهذا هو فرعون موسى ﵇ وبعضهم يسمّيه الوليد بن مصعب، وقيل هو من العمالقة، وهو سابع الفراعنة. ويقال إنّه كان قصيرا، طويل اللحية، أشهل العينين، صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وكان أعرج. وقيل إنّه كان يكنى بأبي مرّة، وإنّ اسمه الوليد ابن مصعب، وإنّه أوّل من خضّب بالسّواد لمّا شاب؛ دلّه عليه إبليس (٣).
وقيل إنّه كان من القبط، وقيل إنّه دخل منف على أتان يحمل النطرون ليبيعه، وكان الناس قد اضطربوا في تولية الملك، فحكّموه ورضوا بتولية من يولّيه عليهم. وذلك أنّهم خرجوا إلى ظاهر مدينة منف ينتظرون أوّل من يظهر عليهم ليحكّموه، فكان هو أوّل من أقبل بحماره، فلمّا
стр. 3258
حكّموه ورضوا بحكمه، أقام نفسه ملكا عليهم. وأنكر قوم هذا، وقالوا: كان القوم أدهى من أن يقلّدوا ملكهم من هذه سبيله.
فلمّا جلس في الملك اختلف الناس عليه، فبذل لهم الأموال، وقتل من خالفه بمن أطاعه حتى اعتدل أمره، ورتّب المراتب، وشيّد الأعمال، وبنى المدن، وخندق الخنادق، وبنى بناحية العريش حصنا، وكذلك على جميع حدود مصر، واستخلف هامان - وكان يقرب منه في نسبه - وأثار الكنوز، وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خليج سردوس وغيره، وبلغ الخراج بمصر في زمنه سبعة وتسعين ألف ألف دينار، بالدّينار الفرعوني، وهو ثلاثة مثاقيل (١).
وفرعون هو أوّل من عرّف العرفاء على الناس. وكان ممّن صحبه من بني إسرائيل رجل يقال له إمري - وهو الذي يقال له بالعبرانية عمرام وبالعربية عمران - بن قاهث بن لاوي، وكان قدم مصر مع يعقوب ﵇ فجعله حرسا لقصره يتولّى حفظه وعنده مفاتيحه وإغلاقه بالليل. وكان فرعون قد رأى في كهانته ونجومه أنّه يجري هلاكه على يد مولود من الإسرائيليين، فمنعهم من المناكحة ثلاث سنين التي رأى أنّ ذلك المولود يولد فيها. فأتت امرأة إمري إليه في بعض الليالي بشيء قد أصلحته له، فواقعها، فاشتملت منه على هارون، وولدته لثلاث وسبعين من عمره، في سنة سبع وعشرين ومائة لقدوم يعقوب إلى مصر، ثم أتته مرّة أخرى، فحملت بموسى لثمانين سنة من عمره (٢).
ورأى فرعون في نجومه أنّه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح الذّكران من بني إسرائيل، وتقدّم إلى القوابل بذلك، فولد موسى ﵇ في سنة ثلاثين ومائة لقدوم يعقوب إلى مصر، وفي سنة أربع وعشرين وأربع مائة لولادة إبراهيم الخليل ﵇ ولمضيّ ألف وخمس مائة وستّ سنين من الطوفان.
وكان من أمره ما قصّه اللّه سبحانه من قذف أمّه له في التّابوت، فألقاه النيل إلى تحت قصر الملك، وقد أرصدت أمّه أخته على بعد لتنظر من يلتقطه فجاءت ابنة/ فرعون إلى البحر مع جواريها، فرأته واستخرجته من التابوت، فرحمته وقالت: هذا من العبرانيين من لنا بظئر (٣) ترضعه؟ فقالت لها أخته: أنا آتيك بها. وجاءت بأمّه، فاسترضعتها له ابنة فرعون إلى أن
стр. 3259
فصل، فأتت به إلى ابنة فرعون، وسمّته «موسى»، وتبنّته ونشأ عندها (١).
وقيل بل أخذته امرأة فرعون، واسترضعت أمّه، ومنعت فرعون من قتله، إلى أن كبر وعظم شأنه، فردّ إليه فرعون كثيرا من أمره، وجعله من قوّاده - وكانت له سطوة - ثم وجّهه لغزو الكوثانيين (¬a)، وقد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف وأوقع بهم، فأظفره اللّه، وقتل منهم كثيرا وأسر كثيرا، وعاد غانما، فسرّ ذلك فرعون، وأعجب به هو وامرأته (٢). واستولى موسى، وهو غلام، على كثير من أمر فرعون، فأراد فرعون أن يستخلفه؛ حتّى قتل رجلا من أشراف القبط له قرابة من فرعون، فطلبه (٣).
وذلك أنّه خرج يوما يمشي في الناس - وله صولة بما كان له في بيت فرعون من المربى والرّضاع - فرأى عبرانيّا يضرب، فقتل المصري الذي ضربه ودفنه، وخرج يوما آخر فإذا برجلين من بني إسرائيل، وقد سطا أحدهما على الآخر، فزجره، فقال له: ومن جعل لك هذا؟ أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري بالأمس (٤)؟ ونما الخبر إلى فرعون فطلبه، وألقى اللّه في نفسه الخوف لما يريد من كرامته، فخرج من منف، ولحق بمدين عند عقبة أيلة - وبنو مدين أمّة عظيمة، من بني إبراهيم ﵇ كانوا ساكنين هناك - وكان فراره وله من العمر أربعون سنة، فنزل عند يترون (¬b) (٥)، وهو شعيب ﵇ من ولد مدين بن إبراهيم، وكان من تزويجه ابنته، ورعايته غنمه، ما كان له، فأقام هنالك تسعا وثلاثين سنة، نكح فيها صفّوراء ابنة شعيب (٦). وبنو إسرائيل مع
стр. 3260
فرعون وأهل مصر - كما قال اللّه تعالى: .. يسومونهم سوء العذاب ويستعبدونهم (١).
فلمّا مضى من سنة الثمانين لموسى شهر وأسبوع، كلّمه اللّه جلّ اسمه - وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من شهر نيسان - وأمره أن يذهب إلى فرعون، وشدّ عضده بأخيه هارون، وأيّده بآيات: منها قلب العصا حيّة، وبياض يده من غير سوء، وغير ذلك من الآيات العشر التي أحلّها اللّه بفرعون وقومه، وكان مجيء الوحي من اللّه تعالى إليه وهو ابن ثمانين سنة.
ثم قدم مصر في شهر أيار، ولقي أخاه هارون، فسرّ به، وأطعمه جلبانا فيه ثريد، وتنبّأ هارون وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وغدا به إلى فرعون، وقد أوحي إليهما أن يأتيا إلى فرعون ليبعث معهما بني إسرائيل، فيستنقذانهم من هلكة القبط وجور الفراعنة، ويخرجون إلى الأرض المقدّسة التي وعدهم اللّه بملكها على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأبلغا ذلك بني إسرائيل عن اللّه، فآمنوا بموسى واتّبعوه.
ثم حضرا إلى فرعون، فأقاما ببابه أيّاما - وعلى كلّ منهما جبّة صوف، ومع موسى عصاه - وهما لا يصلان إلى فرعون لشدّة حجّابه. حتى دخل عليه مضحك كان يلهو به، فعرّفه أنّ بالباب رجلين يطلبان الإذن عليك، يزعمان أنّ إلههما قد أرسلهما إليك، فأمر بإدخالهما. فلمّا دخلا عليه خاطبه موسى بما قصّه اللّه في كتابه، وأراه آية العصا وآيته في بياض اليد (٢).
فغاظ فرعون ما قاله موسى، وهمّ بقتله، فمنعه اللّه سبحانه بأن رأى صورة قد أقبلت، ومسحت على أعينهم فعموا. ثم إنّه لما فتح عن عينيه، أمر قوما آخرين بقتل موسى، فأتتهم نار أحرقتهم، فازداد غيظه، وقال لموسى: من أين لك هذه النواميس العظام؟ أسحرة بلدي علّموك هذا، أم تعلّمته بعد خروجك من عندنا؟ فقال: هذا ناموس السّماء، وليس من نواميس الأرض.
قال فرعون: ومن صاحبه؟ قال: صاحب البنية العليا. قال: بل تعلّمتها من بلدي.
وأمر بجمع السّحرة والكهنة وأصحاب النواميس، وقال: اعرضوا عليّ أرفع أعمالكم، فإنّي أرى نواميس هذا السّاحر رفيعة جدّا. فعرضوا عليه أعمالهم، فسرّه ذلك، وأحضر موسى، وقال له: لقد وقفت على سحرك، وعندي من يفوق عليك. فواعدهم «يوم الزّينة». وكان جماعة من البلد قد اتّبعوا موسى فقتلهم فرعون. ثم إنّه جمع بين موسى وبين سحرته، وكانوا مائتي ألف
стр. 3261
وأربعين ألفا، يعملون من الأعمال ما يحيّر العقول، ويأخذ القلوب، من دخن ملوّنات ترى الوجوه مقلوبة مشوّهة، منها الطويل والعريض، والمقلوب جبهته إلى أسفل ولحيته إلى فوق، ومنها ما له قرون، ومنها ما له خرطوم وأنياب ظاهرة كأنياب الفيلة، ومنها ما هو عظيم في قدر التّرس الكبير، ومنها ما له آذان عظام، وشبه وجوه القرود بأجساد عظيمة تبلغ السّحاب، وأجنحة مركّبة على حيّات عظيمة تطير في الهواء ويرجع بعضها على بعض فيبتلعه، وحيّات يخرج من أفواهها نار تنتشر في الناس، وحيّات تطير وترجع في الهواء، وتنحدر على كلّ من حضر لتبتلعه، فيتهارب الناس منها، وعصيّ تحلّق في الهواء، فتصير حيّات برؤوس وشعور وأذناب تهمّ بالناس أن تنهشهم، ومنها ما له قوائم، ومنها تماثيل مهولة. وعملوا له دخنا تغشي أبصار الناس عن النظر فلا يرى بعضهم بعضا، ودخنا تظهر صورا كهيئة الثّيران في الجوّ على دوابّ يصدم بعضها بعضا، ويسمع لها ضجيج، وصورا خضرا على/ دوابّ خضر، وصورا سودا على دوابّ سود هائلة. فلمّا رأى فرعون ذلك، سرّه ما رأى هو ومن حضره، واغتمّ موسى ومن آمن به، حتّى أوحى اللّه إليه ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلى * * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ [الآيتان ٦٨، ٦٩ سورة طه].
وكان للسّحرة ثلاثة رؤساء - ويقال بل كانوا سبعين رئيسا - فأسرّ إليهم موسى: قد رأيت ما صنعتم، فإن قهرتكم أتؤمنون باللّه؟ قالوا: نفعل. فغاظ فرعون مسارّة موسى لرؤساء السّحرة؛ هذا والناس يسخرون من موسى وأخيه، ويهزأون بهما وعليهما درّاعتان من صوف، وقد احتزما بليف.
فلوّح موسى بعصاه حتى غابت عن الأعين، وأقبلت في هيئة تنّين عظيم له عينان تتوقّدان، والنار تخرج من فيه ومنخريه، فلا يقع على أحد إلا برص، ووقع من ذلك على ابنة فرعون فبرصت. وصار التّنيّن فاغرا فاه، فالتقط جميع ما عملته السّحرة، ومائتي مركب كانت مملوءة حبالا وعصيّا وسائر من فيها من الملاّحين - وكانت في النهر الذي يتّصل بدار فرعون - وابتلع عمدا كثيرة وحجارة قد كانت حملت إلى هناك ليبنى بها.
ومرّ التّنّين إلى قصر فرعون ليبتلعه - وكان فرعون جالسا في قبّة على جانب القصر ليشرف على عمل السّحرة - فوضع نابه تحت القصر، ورفع نابه الآخر إلى أعلاه، ولهب النار يخرج من فيه حتى أحرق مواضع من القصر، فصاح فرعون مستغيثا بموسى ﵇ فزجر موسى التّنّين، فانعطف ليبتلع الناس، ففرّوا كلّهم من بين يديه، وانساب يريدهم، فأمسكه موسى، وعاد في يده عصا كما كان.
стр. 3262
ولم ير الناس من تلك المراكب، وما كان فيها من الحيال والعصيّ والناس، ولا من العمد والحجارة، وما شربه من ماء النهر حتى بانت أرضه أثرا. فعند ذلك قالت السّحرة: ما هذا من عمل الآدميين، وإنّما هو من فعل جبّار قدير على الأشياء! فقال لهم موسى: أوفوا بعهدكم، وإلاّ سلّطته عليكم يبتلعكم كما ابتلع غيركم. فآمنوا بموسى، وجاهروا فرعون، وقالوا: هذا من فعل إله السّماء، وليس هذا من فعل أهل الأرض. فقال: قد عرفت أنّكم قد واطأتموه عليّ وعلى ملكي حسدا منكم لي. وأمر فقطّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبوا (١)، وجاهرته امرأته، والمؤمن الذي كان يكتم إيمانه (٢).
وانصرف موسى، فأقام بمصر يدعو فرعون أحد عشر شهرا، من شهر آيار إلى شهر نيسان المستقبل، وفرعون لا يجيبه، بل اشتدّ جوره على بني إسرائيل واستعبادهم، واتّخاذهم سخريّا في مهنة الأعمال. فأصابت فرعون وقومه الجوائح العشر (٣)، واحدة بعد أخرى، وهو يتثبّت لهم عند وقوعها، ويفزع إلى موسى في الدّعاء بانجلائها، ثم يلحّ عند انكشافها، فإنّها كانت عذابا من اللّه عدّب اللّه بها فرعون وقومه.
فمنها أنّ ماء مصر صار دما حتى هلك أكثر أهل مصر عطشا، وكثرت عليهم الضّفادع حتى وسّخت جميع مواضعهم، وقذّرت عليهم عيشهم وجميع مآكلهم، وكثر البعوض حتى حبس الهواء ومنع النسيم، وكثر عليهم ذباب الكلاب حتى جرّح أبدانهم ونغّص عليهم حياتهم، وماتت دوابّهم وأغنامهم فجأة، وعمّ الناس الجرب، والجدري حتى زاد منظرهم قبحا على مناظر الجذمى.
ونزل من السّماء برد مخلوط بصواعق أهلك كلّ ما أدركه من الناس والحيوانات، وذهب بجميع الثّمار، وكثر الجراد والجنادب التي أكلت الأشجار، واستقصت أصول النبات، وأظلمت الدّنيا ظلمة سوداء غليظة حتى كانت من غلظها تحسّ بالأجسام. وبعد ذلك كلّه نزل الموت فجأة على بكور أولادهم، بحيث لم يبق لأحد منهم ولد بكر إلاّ فجع به في تلك الليلة، ليكون لهم في ذلك شغل عن بني إسرائيل.
стр. 3263
وكانت الليلة الخامسة عشرة، من شهر نيسان سنة إحدى وثمانين لموسى، فعند ذلك سارع فرعون إلى ترك بني إسرائيل، فخرج موسى ﵇ من ليلته هذه، ومعه بنو إسرائيل، من عين شمس.
وفي «التّوراة» أنّهم أمروا عند خروجهم أن يذبح أهل كلّ بيت حملا من الغنم إن كان كفايتهم، أو يشتركوا مع جيرانهم إن كان أكثر، وأن ينضحوا من دمه على أبوابهم ليكون علامة، وأن يأكلوا شواة رأسه وأطرافه ومعاه، ولا يكسروا منه عظما، ولا يدعوا منه شيئا خارج البيوت، وليكن خبزهم فطيرا، وذلك في اليوم الرابع عشر من فصل الرّبيع، وليأكلوا بسرعة، وأوساطهم مشدودة وخفافهم في أرجلهم وعصيّهم في أيديهم، ويخرجوا ليلا، وما فضل من عشائهم ذلك أحرقوه بالنار. وشرع هذا عيدا لهم ولأعقابهم، ويسمّى هذا «عيد الفصح» (١).
وفيها أنّهم أمروا أن يستعيروا منهم حليّا كثيرا يخرجون به، فاستعاروه وخرجوا في تلك الليلة بما معهم من الدّوابّ والأنعام، وأخرجوا معهم تابوت يوسف ﵇ استخرجه موسى من المدفن الذي كان فيه بإلهام من اللّه تعالى. وكانت عدّتهم ستّ مائة ألف رجل محارب، سوى النساء والصّبيان والغرباء (٢)، وشغل القبط عنهم بالمآتم التي كانوا فيها على موتاهم، فساروا ثلاث مراحل ليلا ونهارا، حتى وافوا إلى فوّهة الجبروت - وتسمّى نار موسى - وهو ساحل البحر بجانب الطور.
فانتهى خبرهم إلى فرعون في يومين وليلة، فندم بعد خروجهم، وجمع قومه، وخرج في كثرة، كفاك/ عن مقدارها قول اللّه ، إخبارا عن فرعون، أنّه قال عن بني إسرائيل - وعدّتهم ما قد ذكر، على ما جاء في التّوراة -: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * * وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الآيتان ٥٤، ٥٥ سورة الشعراء]. ولحق بهم في اليوم الحادي والعشرين من نيسان، فأقام العسكران ليلة الواحد والعشرين على شاطئ البحر.
وفي صبيحة ذلك اليوم، أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه ويقتحمه، ففلق اللّه لبني إسرائيل البحر اثني عشر طريقا، عبر كلّ سبط من طريق، وصارت المياه قائمة عن جانبهم كأمثال الجبال، وصيّر قاع البحر طريقا مسلوكا لموسى ومن معه، وتبعهم فرعون وجنوده فلمّا خاض بنو
стр. 3264
إسرائيل إلى عدوة الطور، انطبق البحر على فرعون وقومه، فأغرقهم اللّه جميعا، ونجا موسى وقومه (١).
ونزل بنو إسرائيل جميعا في الطور، وسبّحوا مع موسى بتسبيح طويل قد ذكر في التّوراة.
وكانت مريم، أخت موسى وهارون، تأخذ الدّفّ بيديها، ونساء بني إسرائيل في أثرها بالدّفوف والطبول، وهي ترتّل التّسبيح لهن. ثم ساروا في البرّ ثلاثة أيّام، وأقفرت مصر من أهلها ومرّ موسى بقومه، ففنى زادهم في اليوم الخامس من آيار، فضجّوا إلى موسى، فدعا ربّه، فنزل لهم المنّ من السّماء. فلمّا كان اليوم الثالث والعشرون من آيار عطشوا وضجّوا إلى موسى، فدعا ربّه، ففجّر له [اثنتي عشرة] (¬a) عينا من الصّخرة (٢).
ولم يزل يسير بهم حتى وافوا طور سينين غرّة الشهر الثالث لخروجهم من مصر، فأمر اللّه موسى بتطهير قومه، واستعدادهم لسماع كلام اللّه سبحانه، فطهّرهم ثلاثة أيّام. فلمّا كان في اليوم الثالث - وهو السّادس من الشهر - رفع اللّه الطور وأسكنه نوره، وظلّل حواليه بالغمام، وأظهر في الآفاق الرّعود والبروق والصّواعق (٣)، وأسمع القوم من كلامه عشر كلمات، وهي:
«أنا اللّه ربّكم واحد، لا يكن لكم معبود من دوني، لا تحلف باسم ربّك كاذبا، اذكر يوم السّبت واحفظه، برّ والديك وأكرمهما، لا تقتل النفس، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بشهادة زور، لا تحسد أخاك فيما رزقه».
فصاح القوم وارتعدوا، وقالوا لموسى: لا طاقة لنا باستماع هذا الصّوت العظيم، كن السّفير بيننا وبين ربّنا، وجميع ما يأمرنا به سمعنا وأطعنا (٤). فأمرهم بالانصراف، وصعد موسى إلى الجبل في اليوم الثاني عشر، فأقام فيه أربعين يوما، ودفع اللّه إليه اللوحين الجوهر المكتوب عليهما العشر كلمات، ونزل في اليوم الثاني والعشرين من شهر تمّوز، فرأى العجل، فارتفع الكتاب وثقلا على يديه، فألقاهما وكسرهما، ثم برّد العجل وذرّاه على الماء، وقتل من القوم من استحقّ القتل (٥).
стр. 3265
وصعد إلى الجبل في اليوم الثّالث والعشرين من تمّوز، ليشفع في الباقين من القوم، ونزل في اليوم الثاني من أيلول بعد الوعد من اللّه له بتعويضه لوحين آخرين مكتوبا عليهما ما كان في اللوحين الأوّلين. فصعد إلى الجبل، وأقام أربعين ليلة أخرى، وذلك من ثالث أيلول إلى اليوم الثاني عشر من تشرين (١).
ثم أمره اللّه بإصلاح القبّة، وكان طولها ثلاثين ذراعا في عرض عشرة أذرع، وارتفاع عشرة أذرع، ولها سرادق مضروب حواليها مائة ذراع في خمسين ذراعا، وارتفاع خمسة أذرع فأخذ القوم في إصلاحها، وما تزيّن به من السّتور من الذّهب والفضّة والجواهر، ستة أشهر الشّتاء كلّه.
ولمّا فرغ منها نصبت في اليوم الأوّل من نيسان في أوّل السنة الثانية.
ويقال إنّ موسى ﵇ حارب هنالك العرب، مثل طسم وجديس والعماليق وجرهم وأهل مدين، حتى أفناهم جميعا، وإنّه وصل إلى جبل فاران، وهو مكّة، فلم ينج منهم إلاّ من اعتصم بملك اليمن، أو انتمى إلى بني إسماعيل، ﵇.
وفي ثلثي الشهر الثّاني (¬a) من هذه السّنة، ظعن القوم في برّيّة الطور بعد أن نزلت عليهم التّوراة، وجملة شرائعها ستّ مائة وثلاث عشرة شريعة.
وفي آخر الشهر الثّالث حرّمت عليهم أرض الشّام أنّ يدخلوها، وحكم اللّه تعالى عليهم أن يتيهوا في البرّية أربعين سنة لقولهم: نخاف أهلها لأنّهم جبّارون. فأقاموا تسع عشرة سنة في رقيم (٢)، وتسع عشرة سنة في أحد وأربعين موضعا مشروحة في التّوراة.
وفي اليوم السّابع من شهر أيلول من السنة الثانية، خسف اللّه بقارون وبأوليائه - بدعاء موسى ﵇ عليهم - لمّا كذّبوا (٣). وفي شهر نيسان من السنة الأربعين، توفّيت مريم ابنة عمران، أخت موسى ﵇ ولها مائة وستّ وعشرون سنة. وفي شهر آب منها، مات هارون ﵇ وله مائة وثلاث وعشرون سنة (٤).
стр. 3266
ثم كان حرب الكنعانيين وسيجون، والعوج صاحب البثنيّة من أرض حوران، في الشّهور التي بعد ذلك إلى شهر شباط.
فلمّا أهلّ شباط أخذ موسى في إعادة التّوراة على القوم، وأمر بكتب نسختها وقراءتها، وحفظ ما شاهدوه من آثاره، وما أخذوه عنه من الفقه، وكان نهاية ذلك في اليوم السّادس من آذار. وقال لهم في اليوم السّابع منه: إنّى في يومي هذا استوفيت عشرين ومائة سنة، وإنّ اللّه قد عرّفني أنّه يقبضني فيه، وقد أمرني أن أستخلف عليكم يوشع بن نون، ومعه السّبعون رجلا الذين اخترتهم قبل هذا الوقت، ومعهم إلعازر بن هارون/ أخي، فاسمعوا له وأطيعوا، وأنا أشهد عليكم اللّه الذي لا إله إلاّ هو والأرض والسّموات أن تعبدوا اللّه، ولا تشركوا به شيئا، ولا تبدّلوا شرائع التّوراة بغيرها. ثم فارقهم، وصعد الجبل، فقبضه اللّه تعالى هناك، وأخفاه، ولم يعلم أحد منهم قبره، ولا شاهده (١).
وكان بين وفاة موسى وبين الطوفان ألف وستّ مائة وستّ وعشرون سنة، وذلك في أيّام منوجهر ملك الفرس.
وزعم قوم أنّ موسى كان ألثغ. فمنهم من جعل ذلك خلقة، ومنهم من زعم أنّه إنّما اعتراه حين قالت امرأة فرعون لفرعون: لا تقتل طفلا لا يعرف الجمر من التّمر. فلمّا دعا له فرعون بهما جميعا، تناول جمرة فأهوى بها إلى فيه، فاعتراه من ذلك ما اعتراه. وذكر محمد بن عمر الواقدي أنّ لسان موسى كانت عليه شامة فيها شعرات، ولا يدلّ القرآن على شئ من ذلك، فليس في قوله تعالى: ﴿وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ [الآية ٢٧ سورة طه]. دليل على شيء من ذلك دون شيء.
فأقاموا بعده ثلاثين يوما يبكون عليه، إلى أن أوحى اللّه تعالى إلى يوشع بن نون بترحيلهم، فقادهم وعبر بهم الأردن في اليوم العاشر من نيسان، فوافوا أريحا، فكان منهم ما هو مذكور في مواضعه. فهذه جملة خبر موسى، ﵇ (٢).
стр. 3267
كنيسة جوجر
هذه الكنيسة من أجلّ كنائس اليهود. ويزعمون أنّها تنسب لنبي اللّه إلياس ﵇ وأنّه ولد بها، وكان يتعاهدها في طول إقامته بالأرض إلى أن رفعه اللّه إليه.
إلياس
هو فينحاس بن إلعازر بن هارون ﵇ (١) - ويقال إلياسين بن ياسين بن عيزار بن هارون، ويقال هو إلياهو - وهي عبرانية معناها قادر أزلي - وعرّب فقيل إلياس (٢).
ويذكر أهل العلم من بني إسرائيل أنّه ولد بمصر، وخرج به أبوه إلعازر من مصر مع موسى ﵇ وعمره نحو الثلاث سنين، وأنّه هو الخضر الذي وعده اللّه بالحياة، وأنّه لمّا خرج بلعام بن باعورا ليدعو على موسى صرف اللّه لسانه حتى يدعو على نفسه وقومه.
وكان من زنى بني إسرائيل بنساء الأمورانيين وأهل مؤاب ما كان، فغضب اللّه تعالى عليهم، وأوقع فيهم الوباء، فمات منهم أربعة وعشرون ألفا، إلى أن هجم فينحاس هذا على خباء فيه رجل على امرأة يزني بها، فنظمهما جميعا برمحه، وخرج وهو رافعهما، وشهرهما غضبا للّه، فرحمهم اللّه سبحانه، ورفع عنهم الوباء وكانت له أيضا آثار مع نبيّ اللّه يوشع بن نون، ولمّا مات يوشع قام من بعده فينحاس هذا هو وكالاب ابن يوفنا، فصار فينحاس إماما، وكالاب يحكم بينهم.
وكانت الأحداث في بني إسرائيل، فساح إلياس، ولبس المسوح، ولزم القفار، وقد وعده اللّه في التّوراة بدوام السّلامة فأوّل ذلك بعضهم بأنّه لا يموت فامتدّ عمره إلى أن ملك يهو شافاط بن آسا بن أفيا بن رحبعم (¬a) بن سليمان بن داود ﵉ على سبط يهوذا في
стр. 3268
بيت المقدس، وملك آخاب (¬a) بن عمري على الأسباط من بني إسرائيل بمدينة شمرون المعروفة اليوم بنابلس (١).
وساءت سيرة آخاب (¬a) حتى زادت في القبح على جميع من مضى قبله من ملوك بني إسرائيل، وكان أشدّهم كفرا، وأكثرهم ركونا للمنكر، بحيث أربى في الشّرّ على أبيه وعلى سائر من تقدّمه، وكانت له امرأة يقال لها سيصيال (¬b) ابنة أشاعل ملك صيدا، أكفر منه باللّه وأشدّ عتوّا واستكبارا، فعبدا وثن بعال (٢) الذي قال اللّه جلّ ذكره فيه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ اَلْخالِقِينَ * * اَللّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [الآيتان ١٢٥، ١٢٦ سورة الصافات]، وأقاما له مذبحا بمدينة شمرون.
فأرسل اللّه إلى آخاب (¬a) عبده إلياس رسولا لينهاه عن عبادة وثن بعل، ويأمره بعبادة اللّه تعالى وحده، وذلك قول اللّه - عزّ من قائل: ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ * * إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ اَلْخالِقِينَ * * اَللّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ * * فَكَذَّبُوهُ … ﴾ الآيات ١٢٣ - ١٢٧ سورة الصافات]، ولمّا أيس من إيمانهم باللّه وتركهم عبادة الوثن، أقسم في مخاطبته آخاب (¬a) أن لا يكون مطر ولا ندى، ثم تركه.
فأمره اللّه سبحانه أن يذهب ناحية الأردن. فمكث هناك مختفيا - وقد منع اللّه قطر السّماء حتى هلكت البهائم وغيرها - فلم يزل إلياس مقيما في استتاره إلى أن جفّ ما كان عنده من الماء.
وفي طول إقامته كان اللّه ﷻ يبعث إليه بغربان تحمل له الخبز واللحم، فلمّا جفّ ماؤه الذي كان يشرب منه لامتناع المطر، أمره اللّه أن يسير إلى بعض مدائن صيدا.
فخرج حتى وافى باب المدينة، فإذا امرأة تحتطب، فسألها ماء يشربه وخبزا يأكله، فأقسمت له أنّ ما عندها إلاّ مثل غرفة دقيق في إناء وشيء من زيت في جرّة، وأنّها تجمع الحطب لتقتات منه هي وابنها. فبشّرها إلياس ﵇ وقال لها: لا تجزعي وافعلي ما قلت لك، واعملي لي خبزا قليلا قبل أن تعملي لنفسك ولولدك، فإنّ الدّقيق لا يعجز من الإناء ولا الزّيت من الجرّة
стр. 3269
حتى ينزل المطر، ففعلت ما أمرها به، وأقام عندها، فلم ينقص الدّقيق ولا الزّيت بعد ذلك، إلى أن مات ولدها، وجزعت عليه، فسأل إلياس ربّه تعالى فأحيا الولد (١).
وأمره اللّه أن يسير إلى آخاب (¬a) ملك بني إسرائيل لينزل المطر عند إخباره له بذلك، فسار إليه، وقال له: اجمع بني/ إسرائيل وأبناء بعال. فلمّا اجتمعوا قال لهم إلياس: إلى متى هذا الضّلال؟ إن كان الرّبّ اللّه فاعبدوه، وإن كان بعال هو اللّه، فارجعوا بنا إليه. وقال: ليقرّب كلّ منّا قربانا، فأقرّب أنا للّه، وقرّبوا أنتم لبعال، فمن تقبّل منه قربانه، ونزلت نار من السّماء فأكلته، فإلهه الذي يعبد. فلمّا رضوا بذلك، أحضروا ثورين، واختاروا أحدهما وذبحوه، وصاروا ينادون عليه: يال بعال، يال بعال، وإلياس يسخر بهم ويقول: لو رفعتم أصواتكم قليلا فلعلّ إلهكم نائم أو مشغول. وهم يصرخون ويجرحون أيديهم بالسّكاكين ودماؤهم تسيل، فلمّا أيسوا من أن تنزل النار وتأكل قربانهم، دعا إلياس القوم إلى نفسه، وأقام مذبحا، وذبح ثوره وجعله على المذبح، وصبّ الماء فوقه ثلاث مرّات، وجعل حول المذبح خندقا محفورا. فلم يزل يصبّ الماء فوق اللحم حتى امتلأ الخندق من الماء، وقام يدعو اللّه - عزّ اسمه - وقال في دعائه:
اللهم أظهر لهذه الجماعة أنّك الرّبّ، وأنّي عبدك عامل بأمرك. فأنزل اللّه سبحانه نارا من السّماء أكلت القربان، وحجارة المذبح التي كان فوقها اللحم، وجميع الماء الذي صبّ حوله. فسجد القوم أجمعون، وقالوا: نشهد أنّ الرّبّ اللّه، فقال إلياس: خذوا أنبياء (¬b) بعال، فأخذوا وجيء بهم، فذبحهم كلّهم ذبحا، وقال لآخاب (¬a): انزل وكل واشرب، فإنّ المطر نازل، فنزل المطر على ما قال.
وكان الجهد قد اشتدّ، لانقطاع المطر مدّة ثلاث سنين وأشهر، وغزر المطر حتى لم يستطع آخاب (¬a) أن ينصرف لكثرته، فغضبت سيصيال، امرأة آخاب (¬a)، لقتل أنبياء (¬b) بعال، وحلفت بآلهتها لتجعلن روح إلياس عوضهم (٢). ففزع إلياس، وخرج إلى المفاوز وقد اغتمّ غمّا شديدا، فأرسل اللّه إليه ملكا معه خبز ولحم وماء، فأكل وشرب، وقوّاه اللّه حتى مكث بعد هذه الأكلة
стр. 3270
أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب. ثم جاءه الوحي بأن يمضي إلى دمشق، فسار إليها، وصحب إليسع بن شافات (¬a) - ويقال بن حظور - فصار تلميذه. فخرج من أريحا ومعه إليسع حتى وقف على الأردن، فنزع رداءه ولفّه، وضرب به ماء الأردن، فافترق الماء عن جانبيه وصار طريقا.
فقال إلياس حينئذ لإليسع: اسأل ما شئت قبل أن يحال بيني وبينك، فقال إليسع: أسأل أن يكون روحك فيّ مضاعفا، فقال: لقد سألت جسيما، ولكن إن أبصرتني إذا رفعت عنك يكون ما سألت، وإن لم تبصرني لم يكن. وبينما هما يتحدّثان إذ ظهر لهما كالنار فرّق بينهما، ورفع إلياس إلى السّماء وإليسع ينظره، فانصرف وقام في النبوّة مقام إلياس.
وكان رفع إلياس في زمن يهورام بن يهوشافاط، وبين وفاة موسى ﵇ وبين آخر أيّام يهورام خمس مائة وسبعون سنة، ومدّة نبوّة موسى ﵇ أربعون سنة. فعلى هذا يكون مدّة عمر إلياس، من حين ولد بمصر إلى أن رفع بالأردن إلى السّماء، ستّ مائة سنة وبضع سنين.
والذي عليه علماء أهل الكتاب، وجماعة من علماء المسلمين، أنّ إلياس حيّ لم يمت. إلاّ أنّهم اختلفوا فيه، فقال: بعضهم إنّه هو فينحاس كما تقدّم ذكره، ومنع هذا جماعة وقالوا: هما اثنان، واللّه أعلم.
كنيسة المصّاصة
هذه الكنيسة يجلّها اليهود، وهي بخطّ المصّاصة من مدينة مصر، ويزعمون أنّها رمّمت في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ وموضعها يعرف بدرب الكرمة، وبنيت في سنة خمس عشرة وثلاث مائة للإسكندر، وذلك قبل الملّة الإسلامية بنحو ستّ مائة وإحدى وعشرين سنة، ويزعم اليهود أنّ هذه الكنيسة كانت مجلسا لنبيّ اللّه إلياس (١).
стр. 3271
كنيسة الشّاميين
هذه الكنيسة بخطّ قصر الشّمع من مدينة مصر. وهي قديمة مكتوب على بابها بالخطّ العبراني - حفرا في الخشب - أنّها بنيت في سنة ستّ وثلاثين وثلاث مائة للإسكندر، وذلك قبل خراب بيت المقدس الخراب الثّاني - الذي خرّبه طيطش - بنحو خمس وأربعين سنة، وقبل الهجرة بنحو ستّ مائة سنة، وبهذه الكنيسة نسخة من التّوراة لا يختلفون في أنّها كلّها بخطّ عزرا النبي، الذي يقال له بالعربية العزيز (١).
كنيسة العراقيين
هذه الكنيسة أيضا بخطّ قصر الشّمع (٢).
كنيسة بالجوذريّة
هذه الكنيسة بحارة الجوذريّة من القاهرة. وهي خراب منذ أحرق الخليفة الحاكم بأمر اللّه حارة الجوذريّة على اليهود، كما تقدّم ذكر ذلك في الحارات، فانظره (٣).
стр. 3272
كنيسة القرّائين
هذه الكنيسة كان يسلك إليها من تجاه باب سرّ المارستان المنصوري في حدرة ينتهى إليها بحارة زويلة (١)، وقد سدّت الخوخة التي كانت هناك، فصار لا يتوصّل إليها إلاّ من حارة زويلة.
وهي كنيسة تختصّ بطائفة اليهود القرّائين.
كنيسة دار الحدرة
هذه الكنيسة بحارة زويلة، في درب يعرف الآن بدرب الرّايض، وهي من كنائس ال (¬a).
كنيسة الرّبّانيين
هذه الكنيسة بحارة زويلة، بدرب يعرف الآن بدرب البنّادين، يسلك منه إلى تجاه السّبع قاعات وإلى سويقة المسعودي وغيرها وهي كنيسة تختصّ بالرّبّانيين من اليهود.
كنيسة ابن شميخ
هذه الكنيسة بجوار المدرسة العاشوريّة من حارة زويلة. وهي ممّا يختصّ به طائفة القرّائين.
كنيسة السّمرة
هذه الكنيسة بحارة زويلة، في خطّ درب ابن الكوراني، تختصّ بالسّمرة.
وجميع كنائس القاهرة المذكورة محدّثة في الإسلام بلا خلاف.
стр. 3273
ذكر تاريخ اليهود وأعيادهم (١)
قد كانت اليهود أوّلا تؤرّخ بوفاة موسى ﵇ ثم صارت تؤرّخ بتأريخ الإسكندر ابن فيلبس. وشهور سنتهم اثنا عشر شهرا، وأيّام السّنة ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوما. فأمّا الشّهور فإنّها: تشري، مرحشوان، كسليو، طيبت، شفط، آذر، نيسن، أيار، سيوان، تمّوز، آب، أيلول (٢).
وأيّام سنتهم أيّام سنة القمر، ولو كانوا يستعملونها على حالها لكانت أيّام سنتهم وعدد شهورهم شيئا واحدا، ولكنه لمّا خرج بنو إسرائيل من مصر مع موسى ﵇ إلى التّيه، وتخلّصوا من عذاب فرعون وما كانوا فيه من العبودية، وائتمروا بما أمروا به - كما وصف في السّفر الثّاني من التّوراة - اتّفق ذلك ليلة اليوم الخامس عشر من نيسن، والقمر تامّ الضّوء، والزّمان
стр. 3274
ربيع. فأمروا بحفظ هذا اليوم، كما قال في السّفر الثّاني من التّوراة: احفظوا هذا اليوم سنّة، لخلوفكم إلى الدّهر في أربعة عشر من الشهر الأوّل، وليس معنى الشّهر الأوّل هذا شهر تشري، ولكنّه عنى به شهر نيسن، من أجل أنّهم أمروا أن يكون شهر الباسخ (¬a) رأس شهورهم، ويكون أوّل السّنة. فقال موسى ﵇ للشّعب: «اذكروا اليوم الذي حرجتم فيه من التّعبّد، فلا تأكلوا خميرا في هذا اليوم، في الشهر الذي ينضر فيه الشّجر» (١). فلذلك اضطرّوا إلى استعمال سنة الشّمس، ليقع اليوم الرّابع عشر من شهر نيسن في أوان الرّبيع حين تورق الأشجار وتزهر (¬b) الثّمار، وإلى استعمال سنة (¬c) القمر ليكون جرمه فيه بدرا تامّ الضّوء في برج الميزان.
وأحوجهم ذلك إلى إلحاق الأيّام التي يتقدّم بها عن الوقت المطلوب بالشّهور إذا استوفت أيّام شهر واحد، فألحقوها بها شهرا تامّا سمّوه آذار الأوّل وسمّوا آذار الأصلي آذار الثّاني لأنّه ردف سميّا له وتلاه، وسمّوا السّنة الكبيسة «عبّورا» اشتقاقا من معبارث وهي المرأة الحبلى بالعبرانية، لأنّهم شبّهوا دخول الشّهر الزّائد في السّنة بحمل المرأة ما ليس من جملتها (٢)، ولهم في استخراج ذلك حسابات كثيرة مذكورة في الأزياج.
وهم في عمل الأشهر مفترقون فرقتين:
إحداهما الرّبّانيّة: واستعمالهم إيّاها على وجه الحساب بمسيري الشّمس والقمر الوسط، سواء رئي الهلال أو لم ير، فإنّ الشهر عندهم هو مدّة مفروضة تمضي من لدن الاجتماع الكائن بين الشّمس والقمر في كلّ شهر. وذلك أنّهم كانوا - وقت عودهم من الجالية ببابل إلى بيت المقدس - ينصبون على رؤوس الجبال ديادب، ويقيمون رقباء للفحص عن الهلال، وألزموهم بإيقاد النار، وتدخين دخان يكون علامة لحصول الرّؤية.
وكانت بينهم وبين السّامرة العداوة المعروفة، فذهبت السّامرة ورفعوا الدّخان فوق الجبل قبل الرّؤية بيوم، ووالوا بين ذلك شهورا اتّفق في أوائلها أنّ السّماء كانت متغيّمة حتى فطن لذلك من في بيت المقدس، ورأوا الهلال غداة اليوم الرّابع أو الثّالث من الشهر مرتفعا عن الأفق من جهة المشرق، فعرفوا أنّ السّامرة فتنتهم، فالتجأوا إلى أصحاب التّعاليم في ذلك الزّمان ليأمنوا بما
стр. 3275
يتلقّونه من حسابهم مكايد الأعداء، واعتلّوا لجواز العمل بالحساب، ونيابته عن العمل بالرّؤية، بعلل ذكروها. فعمل أصحاب الحساب لهم الأدوار، وعلّموهم استخراج الاجتماعات ورؤية الهلال (١).
وأنكر بعض الرّبّانيّة حديث الرّقباء ورفعهم الدّخان، وزعموا أنّ سبب استخراج هذا الحساب هو أنّ علماءهم علموا أنّ آخر أمرهم إلى الشّتات، فخافوا إذا تفرّقوا في الأقطار، وعوّلوا على الرّؤية، أن تختلف عليهم في البلدان المختلفة، فيتشاجروا، فلذلك استخرجوا هذه الحسبانات، واعتنى بها إليعازر بن فروح، وأمروهم بالتزامها والرّجوع إليها حيث كانوا (٢).
والفرقة الثّانية هم المباديّة (¬a) الذين يعملون (¬b) مبادئ الشّهور من الاجتماع (¬c)، ويسمّون القرّاء والأشمعيّة، لأنّهم يراعون العمل بالنصوص دون الالتفات إلى النظر والقياس (٣).
ولم يزالوا على ذلك إلى أن قدم عانان رأس الجالوت من بلاد المشرق، في نحو الأربعين ومائة من الهجرة، إلى دار السّلام بالعراق، فاستعمل الشّهور برؤية الأهلّة، على مثل ما شرع في الإسلام، ولم يبال/ أيّ يوم وقع من الأسبوع، وترك حساب الرّبّانيين، وكبس الشّهور بأن نظر كلّ سنة إلى زرع الشّعير بنواحي العراق والشّام، فيما بين أوّل شهر نيسن إلى أن يمضي منه أربعة عشر يوما، فإن وجد باكورة تصلح للفريك والحصاد ترك السّنة بسيطة، وإن وجدها لم تصلح لذلك كبسها حينئذ.
وتقدّمت المعرفة بهذه الحالة أنّ من أخذ برأيه يخرج لسبعة تبقى من شفط، فينظر بالشّام والبقاع المشابهة له في المزاج إلى زرع الشّعير، فإن وجد السّفا - وهو شوك السّنبل - قد طلع عدّ منه إلى الباسح (¬d) خمسين يوما، وإن لم يره طالعا كبسها بشهر: فبعضهم يردف الكبس بشفط، فيكون في السّنة شفط وشفط مرّتين، وبعضهم يردفه بآذر، فيكون آذر وآذر في السنة مرّتين.
وأكثر استعمال العانانية لشفط دون آذر، كما أنّ الرّبّانية تستعمل آذر دون غيره (٤).
стр. 3276
فمن يعتمد من الرّبانيّة عمل الشّهور بالحساب، يقول: إنّ شهر تشري لا يكون أوّله يوم الأحد والأربعاء، وعدّته عندهم ثلاثون يوما أبدا، وفيه «عيد رأس السّنة»، وهو عيد البشارة بعتق الأرقّاء، وهذا العيد في أوّل يوم منه (١).
ولهم أيضا في اليوم العاشر منه «صوم الكبور»، ومعناه «الاستغفار». وعند الرّبّانيين أنّ هذا الصّوم لا يكون أبدا يوم الأحد ولا الثلاثاء ولا الجمعة، وعند من يعتمد في الشّهور الرّؤية أنّ ابتداء هذا الصّوم من غروب الشّمس في ليلة العاشر إلى غروبها من ليلة الحادي عشر، وذلك أربع وعشرون ساعة. والرّبّانيّون يجعلون مدّة الصّوم خمسا وعشرين ساعة إلى أن تشتبك النجوم، ومن لم يصم منهم هذا الصّوم قتل شرعا، وهم يعتقدون أنّ اللّه يغفر لهم فيه جميع الذّنوب، ما خلا الزّنا بالمحصنات، وظلم الرّجل أخاه، وجحد الرّبوبيّة (٢).
وفيه أيضا «عيد المظلّة» (¬a)، وهو سبعة أيّام، يعيّدون في أوّلها، ولا يخرجون من بيوتهم كما هو العمل يوم السّبت. وعدّة أيّام المظلّة إلى آخر اليوم الثّاني والعشرين تمام سبعة أيّام، واليوم الثامن يقال له «عيد الاعتكاف»، وهم يجلسون في هذه الأيّام السّبعة - التي أوّلها خامس عشر تشري - تحت ظلال سعف النخل الأخضر وأغصان الزّيتون، ونحوها من الأشجار التي لا يتناثر ورقها على الأرض، ويرون أنّ ذلك تذكار منهم لإظلال اللّه آباءهم في التّيه بالغمام. وفيه أيضا، عند القرّائين خاصّة، صوم في اليوم الرّابع والعشرين منه، يعرف ب «صوم كدليا»، وعند الرّبّانيين يكون هذا الصّوم في ثالثه (٣).
وشهر مرحشوان ربّما كان ثلاثين يوما، وربّما كان تسعة وعشرين يوما، وليس فيه عيد (٤).
وكسليو ربّما كان ثلاثين يوما، وربّما كان تسعة وعشرين يوما، وليس فيه عيد، إلاّ أنّ الرّبّانيين
стр. 3277
يسرجون على أبوابهم ليلة الخامس والعشرين منه، وهو مدّة أيّام يسمّونها «الحنكة» (١)، وهو أمر محدث عندهم، وذلك أنّ بعض الجبابرة (٢) تغلّب على بيت المقدس، وقتل من كان فيه من بني إسرائيل، وافتضّ أبكارهم. فوثب عليه أولاد كاهنهم (¬a) - وكانوا ثمانية - فقتله أصغرهم، وطلب اليهود زيتا لوقود الهيكل، فلم يجدوا إلاّ يسيرا وزّعوه على عدد ما يوقدونه من السّرج في كلّ ليلة إلى ثمان ليال، فاتّخذوا هذه الأيّام عيدا، وسمّوها «أيّام الحنكة»، وهي كلمة مأخوذة من التّنظيف، لأنّهم نظّفوا فيها الهيكل من أقذار أشياع ذلك الجبّار. والقرّاءون لا يعملون ذلك، لأنّهم لا يعوّلون على شيء من أمر البيت الثّاني (٣).
وشهر طيبث عدد أيّامه تسعة وعشرون يوما. وفي عاشره صوم، سببه أنّه في ذلك اليوم كان ابتداء محاصرة بخت نصّر لمدينة بيت المقدس، ومحاصرة طيطش لها أيضا في الخراب الثّاني (٤).
وشفط أيّامه أبدا ثلاثون يوما، وليس فيه عيد (٥).
وشهر آذر عند الرّبّانيين - كما تقدّم - يكون مرّتين في كلّ سنة: فآذر الأوّل عدد أيّامه ثلاثون يوما إن كانت السّنة كبيسة، وإن كانت بسيطة فأيّامه تسعة وعشرون يوما، وليس فيه عيد عندهم. وآذر الثّاني أيّامه تسعة وعشرون يوما أبدا، وفيه عند الرّبّانيين صوم البوري [ومعناه المساهمة] في اليوم الثالث عشر منه، والفور في اليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر.
وأمّا القرّاءون فليس عندهم في السّنة شهر آذر سوى مرّة واحدة، ويجعلون صوم الفور في ثالث عشره، وبعده إلى الخامس عشره، وهذا أيضا محدث. وذلك أن بخت نصّر لمّا أجلى بني إسرائيل من بيت المقدس وخرّبه، ساقهم جلاية إلى بلاد العراق، وأسكنهم في مدينة جي التي يقال لها أصبهان. فلمّا ملك أردشير بن بابك ملك الفرس - وتسمّيه اليهود إحشوارس (¬b) - كان له وزير يسمّى هيمون، وكان لليهود حينئذ حبر يقال له مردوخاي، فبلغ أردشير أنّ له ابنة عمّ جميلة الصّورة، فتزوّجها وحظيت عنده، واستدنى مردوخاي ابن عمّها وقرّبه. فحسده الوزير
стр. 3278
هيمون، وعمل على هلاكه وهلاك اليهود الذين في مملكة أردشير، ورتّب مع نوّاب أردشير في سائر أعماله أن يقتلوا كلّ يهودي عندهم في يوم عيّنه لهم، وهو الثالث عشر من آذر (¬a) (١)، فبلغ ذلك مردوخاي، فأعلم ابنة عمّه بما دبّره الوزير، وحثّها على إعمال الحيلة في تخليص قومها من الهلكة. فأعملت أردشير بحسد الوزير لمردوخاي على قربه من الملك وإكرامه، وما كتب به إلى العمّال من قتل اليهود، وما زالت به تغريه على الوزير إلى أن أمر بقتله وقتل أهله، وكتب/ لليهود أمانا.
فاتّخذ اليهود هذا اليوم من كلّ سنة عيدا، وصاموه شكرا للّه تعالى، وجعلوا من بعده يومين اتّخذوهما أيّام فرح وسرور ولهو ومهاداة من بعضهم لبعض، وهم على ذلك إلى اليوم. وربّما صوّر بعضهم في هذا اليوم صورة هيمون الوزير، وهم يسمّونه هامان، فإذا صوّروه ألقوه بعد العبث به في النار حتى يحترق (٢).
وشهر نيسن عدد أيّامه ثلاثون يوما أبدا. وفيه «عيد الباسح»، الذي يعرف اليوم عند النصارى بالفصح، ويكون في الخامس عشر منه، وهو سبعة أيّام يأكلون فيها الفطير، وينظّفون بيوتهم، من أجل أنّ اللّه سبحانه خلّص بني إسرائيل من أسر فرعون في هذه الأيّام، حتى خرجوا من مصر مع نبيّ اللّه موسى بن عمران ﵇ وتبعهم فرعون فأغرقه اللّه ومن معه، وسار موسى ببني إسرائيل إلى التّيه.
ولمّا خرجوا من مصر مع موسى، كانوا يأكلون اللحم والخبز والفطير، وهم فرحون بخلاصهم من يد فرعون، فأمروا باتّخاذ الفطير وأكله في هذه الأيّام، ليذكروا ما منّ اللّه عليهم به من إنقاذهم من العبوديّة، وفي آخر هذه الأيّام السبعة كان غرق فرعون، وهو عندهم يوم كبير (٣). ولا يكون أوّل هذا الشّهر عند الرّبّانيين أبدا يوم الاثنين، ولا يوم الأربعاء ولا يوم الجمعة، ويكون أوّل الخمسينيات من نصفه.
стр. 3279
وشهر أيار عدد أيّامه تسعة وعشرون يوما. وفيه «عيد الموقف»، وهو حجّ الأسابيع، وهي الأسابيع التي فرضت على بني إسرائيل فيها الفرائض. ويقال لهذا العيد في زمننا «عيد العنصرة»، و «عيد الخطاب»، ويكون بعد «عيد الفطير»، وفيه خوطب بنو إسرائيل في طور سيناء، ويكون هذا العيد في السّادس منه، وفيه أيضا يوم الخميس، وهو آخر الخمسينيات ولا يكون «عيد العنصرة» عند الرّبّانيين أبدا يوم الثلاثاء، ولا يوم الخميس ولا يوم السّبت (١).
وشهر تمّوز أيّامه تسعة وعشرون يوما. وليس فيه عيد، لكنّهم يصومون في تاسعه لأنّ فيه هدم سور بيت المقدس عند محاصرة بخت نصّر له. والرّبّانيون خاصّة يصومون يوم السابع عشر منه، لأنّ فيه هدم طيطش سور بيت المقدس، وخرّب البيت الخراب الثّاني.
وشهر آب ثلاثون يوما وفيه «عيد القرّائين»؛ صوم في اليوم السابع واليوم العاشر، لأنّ بيت المقدس خرب فيهما على يد بخت نصّر. وفيه أيضا كان إطلاق بخت نصّر النار في مدينة القدس وفي الهيكل، ويصوم الرّبّانيون اليوم التاسع منه، لأنّ فيه خرّب البيت على يد طيطش الخراب الثّاني.
وشهر أيلول تسعة وعشرون يوما أبدا، وليس فيه عيد (٢). واللّه أعلم.
ذكر معنى قولهم يهودي
اعلم أنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - صلوات اللّه عليهم أجمعين - سمّاه اللّه «إسرائيل»، ومعنى ذلك الذي رأسه القادر، وكان له من الولد اثنا عشر ذكرا، يقال لكلّ واحد منهم سبط ويقال لمجموعهم الأسباط، وهذه أسماؤهم: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويساخر، وزبولون - والستة أشقّاء: أمّهم ليا بنت لابان بن بتويل بن ناحور، أخي إبراهيم الخليل [كذا] وكان، وأشار، ودان، ونفتالي، ويوسف، وبنيامين (٣).
فلمّا كبر هؤلاء الأسباط الاثنا عشر، قدّم عليهم أبوهم يعقوب - وهو إسرائيل - ابنه يهوذا، وجعله حاكما على إخوته الأحد عشر سبطا، فاستمرّ رئيسا وحاكما على إخوته إلى أن مات،
стр. 3280
فورثت أولاد يهوذا رياسة الأسباط من بعده. إلى أن أرسل اللّه تعالى موسى بن عمران بن قاهاث ابن لاوي بن يعقوب إلى فرعون، بعد وفاة يوسف بن يعقوب ﵉ بمائة وأربع وأربعين سنة، وهم رؤساء الأسباط.
فلمّا نجّى اللّه موسى وقومه بعد غرق فرعون ومن معه، رتّب ﵇ بني إسرائيل الاثني عشر سبطا أربع فرق، وقدّم على جميعهم سبط يهوذا. فلم يزل سبط يهوذا مقدّما على سائر الأسباط أيّام حياة موسى ﵇ وأيّام حياة يوشع بن نون. فلمّا مات يوشع سأل بنو إسرائيل اللّه تعالى، وابتهلوا إليه في قبّة الشّمشار أن يقدّم عليهم واحدا منهم، فجاء الوحي من اللّه بتقديم عثنيآل بن قناز من سبط يهوذا، فتقدّم على سائر الأسباط، وصار بنو يهوذا مقدّمين على سائر الأسباط من حينئذ إلى أن ملّك اللّه على بني إسرائيل نبيّه داود - وهو من سبط يهوذا - فورث ملك بني إسرائيل من بعده ابنه سليمان بن داود، ﵉. فلمّا مات سليمان افترق ملك بني إسرائيل من بعده، وصار لمدينة شمرون - التي يقال لها اليوم نابلس - عشرة أسباط، وبقي بمدينة القدس سبطان: هما سبط يهوذا، وسبط بنيامين.
وكان يقال لسكّان شمرون «بنو إسرائيل»، ويقال لسكّان القدس «بنو يهوذا»، إلى أن انقرضت دولة بني إسرائيل من مدينة شمرون بعد مائتين وإحدى وخمسين سنة، فصاروا كلّهم بالقدس تحت طاعة الملوك من بني يهوذا إلى أن قدم بخت نصّر وخرّب القدس، وجلاّ جميع بني إسرائيل إلى بابل، فعرفوا هناك بين الأمم ب «بني يهوذا».
واستمرّ هذا سمة لهم بين الأمم بعد ذلك، إلى أن/ جاء اللّه بالإسلام، فكان يقال للواحد منهم «يهوذي» بذال معجمة نسبة إلى سبط يهوذا، وتلاعب العرب بذلك على عادتهم في التّلاعب بالأسماء المعجمة، وقالوها بدال مهملة، وسمّوا طائفة بني إسرائيل «اليهود»، وبهذ اللغة نزل القرآن. ويقال إنّ أوّل من سمّى بني إسرائيل «اليهود» بخت نصّر (١)، ﴿وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الآية ٢١٦، ٢٣٢ سورة البقرة، والآية ٦٦ سورة آل عمران، والآية ١٩ سورة النور].
стр. 3281
ذكر أصل (¬a) معتقد اليهود وكيف وقع عندهم التّبديل
اعلم أنّ اللّه تعالى (¬b) لمّا أنزل التّوراة على نبيّه موسى ﵇ ضمّنها شرائع الملّة الموسويّة، وأمر فيها أن يكتب لكلّ من يلي أمر بني إسرائيل كتاب يتضمّن أحكام الشّريعة لينظر فيه، ويعمل به، وسمّي هذا الكتاب بالعبرانية «مشنا»، ومعناه: استخراج الأحكام من النصّ الإلهي، وكتب موسى ﵇ بخطّ يده «مشنا» كأنّه تفسير لما في التّوراة من الكلام الإلهي (١).
فلمّا مات موسى ﵇ وقام من بعده بأمر بني إسرائيل يوشع بن النون ومن بعده، إلى أن كانت أيّام يهياخيم (¬c) ملك القدس، غزاهم بخت نصّر الغزوة الأولى وهم يكتبون لكلّ من ملكهم «مشنا»، ينقلونها من المشنا التي بخطّ موسى، ويجعلونها باسمه. فلمّا جلاّ بخت نصّر يهياخيم (¬c) الملك، ومعه أعيان بني إسرائيل وكبراء بيت المقدس - وهم في زيادة على عشرة آلاف نفس - ساروا، ومعهم نسخ «المشنا» التي كتبت لسائر ملوك بني إسرائيل بأجمعها، إلى بلاد المشرق.
فلمّا سار بخت نصّر من بابل الكرّة الثّانية لغزو القدس، وخرّبه، وجلاّ جميع من فيه وفي بلاد بني إسرائيل من الأسباط الاثني عشر، إلى بابل، أقاموا بها، وبقي القدس خرابا لا ساكن فيه مدّة سبعين سنة، ثم عادوا من بابل بعد سبعين سنة، وعمّروا القدس، وجددّوا بناء البيت ثانيا، ومعهم جميع نسخ «المشنا» التي خرجوا بها أوّلا.
فلمّا مضت من عمارة البيت الثّاني بعد الجلاية ثلاث مائة ونيّف من السّنين، اختلف بنو إسرائيل في دينهم اختلافا كثيرا، فخرج طائفة من آل داود ﵇ من بيت المقدس،
стр. 3282
وساروا إلى الشّرق كما فعل آباؤهم أوّلا، وأخذوا معهم نسخا من «المشنا» التي كتبت للملوك من «مشنا» موسى التي بخطّه، وعملوا بما فيها ببلاد الشّرق من حين خرجوا من القدس إلى أن جاء اللّه بدين الإسلام، وقدم عانان رأس الجالوت من المشرق إلى العراق، في خلافة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، سنة ستّ وثلاثين ومائة من سني الهجرة المحمّديّة (١).
وأمّا الذين أقاموا بالقدس من بني إسرائيل بعد خروج من ذكرنا إلى الشّرق من آل داود فإنّهم لم يزالوا في افتراق واختلاف في دينهم إلى أن غزاهم طيطش، وخرّب القدس الخراب الثّاني - بعد قتل يحيى بن زكريا، ورفع المسيح عيسى بن مريم ﵉ وسبى جميع من فيه وفي بلاد بني إسرائيل بأسرهم، وغيّب نسخ «المشنا» التي كانت عندهم، بحيث لم يبق معهم من كتب الشّريعة سوى التّوراة وكتب الأنبياء. وتفرّق بنو إسرائيل من وقت تخريب طيطش بيت المقدس في أقطار الأرض، وصاروا ذمّة إلى يومنا هذا.
ثم إنّ رجلين ممّن تأخّر إلى قبيل تخريب القدس - يقال لهما شماي وهلال - نزلا مدينة طبريّة، وكتبا كتابا سمّياه «مشنا» باسم مشنا موسى ﵇ وضمّنا هذا «المشنا» الذي وضعاه أحكام الشّريعة، ووافقهما على وضع ذلك عدّة من اليهود.
وكان شماي وهلال في زمن واحد، وكانا في أواخر مدّة تخريب البيت الثّاني، وكان لهلال ثمانون تلميذا أصغرهم يوحانان بن زكاي، وأدرك يوحانان بن زكاي خراب البيت الثّاني على يد طيطش. وهلال وشماي أقوالهما مذكورة في «المشنا»، وهي في ستة أسفار تشتمل على فقه التّوراة، وإنّما رتّبها النوسي، من ولد داود النبي، بعد تخريب طيطش للقدس بمائة وخمسين سنة.
ومات شماي وهلال ولم يكملا المشنا، فأكمله رجل منهم يعرف بيهوذا من ذرّيّة هلال، وحمل اليهود على العمل بما في هذا «المشنا»، وحقيقته أنّه يتضمّن كثيرا ممّا كان في مشنا النبي موسى ﵇ وكثيرا من آراء أكابرهم. فلمّا كان بعد وضع هذا «المشنا» بنحو خمسين سنة، قام طائفة من اليهود يقال لهم «السّنهذرين» (¬a) - ومعنى ذلك: الأكابر - وتصرّفوا في
стр. 3283
تفسير هذا «المشنا» برأيهم، وعملوا عليه كتابا اسمه «التّلمود» أخفوا فيه كثيرا ممّا كان في ذلك «المشنا»، وزادوا فيه أحكاما من رأيهم (١). وصاروا منذ وضع هذا «التّلمود» الذي كتبوه بأيديهم، وضمّنوه ما هو من رأيهم، ينسبون ما فيه إلى اللّه تعالى، ولذلك ذمّهم اللّه في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اَللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [الآية ٧٩ سورة البقرة].
وهذا «التّلمود» نسختان مختلفتان في الأحكام. والعمل إلى اليوم على هذا «التّلمود» عند فرقة الرّبّانيين، بخلاف القرّائين فإنّهم لا يعتقدون العمل بما في هذا «التّلمود». فلمّا قدم عانان رأس/ الجالوت إلى العراق، أنكر على اليهود عملهم بهذا التّلمود، وزعم أنّ الذي بيده هو الحقّ لأنّه كتب من النسخ التي كتبت من مشنا موسى ﵇ الذي بخطّه (٢).
والطائفة الرّبّانيّون ومن وافقهم لا يعوّلون من التّوراة التي بأيديهم إلاّ على ما في هذا «التّلمود»، وما خالف ما في «التّلمود» لا يعبأون به ولا يعوّلون عليه، كما أخبر تعالى، إذ يقول حكاية عنهم:
﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الآية ٢٣ سورة الزخرف].
ومن اطّلع على ما بأيديهم وما عندهم من التّوراة، تبيّن له أنّهم ليسوا على شيء، وأنّهم إن يتّبعون إلاّ الظّنّ وما تهوى الأنفس. ولذلك لما نبغ فيهم موسى بن ميمون القرطبي عوّلوا على رأيه، وعملوا بما في كتاب «الدّلالة» وغيره من كتبه (٣)، وهم على رأيه إلى زمننا.
стр. 3284
ذكر فرق اليهود الآن
اعلم أنّ اليهود الذين قطّعهم اللّه في الأرض إنّما [هي] (¬a) أربع فرق، كلّ فرقة تخطّئ الطوائف الأخر، وهي: «طائفة الرّبّانيين»، و «طائفة القرّائين»، و «طائفة العانانية»، و «طائفة السّمرة». وهذا الاختلاف حدث لهم بعد تخريب بخت نصّر بيت المقدس، وعودهم من أرض بابل بعد الجلاية إلى القدس، وعمارة البيت ثانيا. وذلك أنّهم في إقامتهم بالقدس أيّام العمارة الثانية، افترقوا في دينهم، وساروا شيعا.
فلمّا ملكهم اليونان بعد الإسكندر بن فيلبس، وقام بأمرهم في القدس هورقانوس بن شمعون ابن مشيثا، واستقام أمره فسمّي ملكا - وكان قبل ذلك هو وجميع من تقدّمه، ممّن ولي أمر اليهود في القدس بعد عودهم من الجلاية، إنّما يقال له «الكوهن الأكبر» - فاجتمع لهورقانوس منزلة الملك ومنزلة الكهونية، واطمأنّ اليهود في أيّامه، وأمنوا سائر أعدائهم من الأمم، فبطروا معيشتهم، واختلفوا في دينهم، وتعادوا بسبب الاختلاف.
وكان من جملة فرقهم إذ ذاك طائفة يقال لها «الفروشيم» [phorisees] - ومعناه المعتزلة - ومن مذهبهم القول بما في التّوراة على معنى ما فسّره الحكماء من أسلافهم؛ وطائفة يقال لهم «الصّدوقية» (¬b) [Sadducees] نسبوا إلى كبير لهم يقال له صدوق (¬c)، ومذهبهم القول بنصّ التّوراة وما دلّ عليه القول الإلهي فيما دون ما عداه من الأقوال؛ وطائفة يقال لهم «الحسيديم» (¬d) [Essenes] - ومعناه الصّلحاء - ومذهبهم الاشتغال بالنسك وعبادة اللّه سبحانه، والأخذ بالأفضل والأسلم في الدّين (١).
стр. 3285
وكانت الصّدوقية (¬a) تعادي المعتزلة عداوة شديدة، وكان الملك هورقانوس أوّلا على رأي المعتزلة - وهو مذهب آبائه - ثم إنّه رجع إلى مذهب الصّدوقية (¬a)، وباين المعتزلة وعاداهم، ونادى في سائر مملكته بمنع الناس جملة من تعلّم رأي المعتزلة والأخذ عن أحد منهم، وتتبّعهم وقتل منهم كثيرا (١).
وكانت العامّة بأسرها مع المعتزلة، فثارت الشّرور بين اليهود، واتّصلت الحروب بينهم، وقتل بعضهم بعضا (٢) إلى أن خرّب البيت على يد طيطش الخراب الثّاني، بعد رفع عيسى - صلوات اللّه عليه - وتفرّق اليهود من حينئذ في أقطار الدّنيا، وصاروا ذمّة، والنصارى تقتلهم حيثما ظفرت بهم، إلى أن جاء اللّه بالملّة الإسلامية، وهم في تفرّقهم ثلاث فرق: الرّبّانيون، والقرّاء، والسّمرة.
فأمّا «الرّبّانيّة» فيقال لهم بنو مشنو - ومعنى مشنو: الثّاني - وقيل لهم ذلك لأنّهم يعتبرون أمر البيت الذي بني ثانيا، بعد عودهم من الجلاية وخرّبه طيطش، وينزلونه في الاحترام والإكرام والتّعظيم منزلة البيت الأوّل الذي ابتدأ عمارته داود، وأتمّه ابنه سليمان ﵉ وخرّبه بخت نصّر، فصار كأنّه يقال لهم «أصحاب الدّعوة الثّانية». وهذه الفرقة هي التي كانت تعمل بما في المشنا الذي كتب بطبريّة بعد تخريب طيطش القدس، وتعوّل في أحكام الشّريعة على ما في التّلمود إلى هذا الوقت الذي نحن فيه، وهي بعيدة عن العمل بالنصوص الإلهية، متّبعة لآراء من تقدّمها من الأحبار (٣).
ومن اطّلع على حقيقة دينها، تبيّن له أنّ الذي ذمّهم اللّه به في القرآن الكريم حقّ لا مرية فيه، وأنّه لا يصحّ لهم من اسم اليهوديّة إلاّ مجرّد الانتماء فقط، لا أنّهم في الاتّباع على الملّة الموسويّة، لا سيّما منذ ظهر فيهم موسى بن ميمون القرطبي، بعد الخمس مائة من سني الهجرة المحمّديّة، فإنّه ردّهم مع ذلك معطّلة، فصاروا في أصول دينهم وفروعه أبعد الناس عمّا جاء به أنبياء اللّه تعالى من الشّرائع الإلهية (٤).
وأمّا «القرّاء» فإنّهم بنو مقرا - ومعنى مقرا: الدّعوة - وهم لا يعوّلون على البيت الثّاني جملة. ودعوتهم إنّما هي لما كان عليه العمل مدّة البيت الأوّل، وكان يقال لهم «أصحاب
стр. 3286
الدّعوة الأولى»، وهم يحكّمون نصوص التّوراة، ولا يلتفتون إلى قول من خالفها، ويقفون مع النصّ دون تقليد من سلف. وهم مع الرّبّانيين من العداوة بحيث لا يتناكحون، ولا يتجاورون، ولا يدخل بعضهم كنيسة بعض.
ويقال للقرّائين أيضا «المباديّة»، لأنّهم كانوا يعملون مبادي الشّهور من الاجتماع الكائن بين الشّمس والقمر، ويقال لهم أيضا/ «الأسمعيّة»، لأنّهم يراعون العمل بنصوص التّوراة دون العمل بالقياس والتّقليد (١).
وأمّا «العانانيّة» فإنّهم ينسبون إلى عانان رأس الجالوت الذي قدم من المشرق، في أيّام الخليفة أبي جعفر المنصور، ومعه نسخ «المشنا» الذي كتب من الخطّ الذي كتب من خطّ النبي موسى.
وأنّه رأى ما عليه اليهود من الرّبّانيين والقرّائين يخالف ما معه، فتجرّد لخلافهم، وطعن عليهم في دينهم، وازدرى بهم. وكان عظيما عندهم يرون أنّه من ولد داود ﵇ وعلى طريق فاضلة من النسك على مقتضى ملّتهم، بحيث يرون أنّه لو ظهر في أيّام عمارة البيت لكان نبيّا، فلم يقدروا على مناظرته لما أوتي مع ما ذكرنا من تقريب الخليفة له وإكرامه (٢).
وكان ممّا خالف فيه اليهود استعمال الشّهور برؤية الأهلّة على مثل ما شرع في الملّة الإسلامية، ولم يبال في أي يوم وقع من الأسبوع، وترك حساب الرّبّانيين، وكبس الشّهور، وخطّأهم في العمل بذلك، واعتمد على كشف زرع الشّعير (٣)، وأجمل القول في المسيح عيسى بن مريم ﵇ وأثبت نبوّة نبيّنا محمّد ﷺ ، وقال: هو نبيّ أرسل إلى العرب، إلاّ أنّ التّوراة لم تنسخ.
والحقّ أنّه أرسل إلى الناس كافّة ﷺ .
ذكر السّمرة
اعلم أنّ طائفة السّمرة ليسوا من بني إسرائيل ألبتّة، وإنّما هم قوم قدموا من بلاد المشرق، وسكنوا بلاد الشّام وتهوّدوا. ويقال إنّهم من بني سامرك بن كفركا ابن رمي - وهو شعب من شعوب الفرس - خرجوا إلى الشّام ومعهم الخيل والغنم
стр. 3287
والإبل والقسيّ والنشّاب والسّيوف والمواشي، ومنهم السّمرة الذين تفرّقوا في البلاد.
ويقال إنّ سليمان بن داود لمّا مات، افترق ملك بني إسرائيل من بعده، فصار رحبعام (¬a) ابن سليمان على سبط يهودا بالقدس، وملك يربعام (¬b) بن نياط على عشرة أسباط من بني إسرائيل، وسكن خارجا عن القدس، واتّخذ عجلين دعا الأسباط العشرة إلي عيادتهما من دون اللّه إلى أن مات. فولي ملك بني إسرائيل من بعده عدّة ملوك، على مثل طريقته في الكفر باللّه وعبادة الأوثان (١). إلى أن ملكهم عمري بن مذاب (¬c)، من سبط منشّأ بن يوسف، فاشترى مكانا من رجل اسمه شامر بقنطار فضّة، وبنى فيه قصرا، وسمّاه باسم اشتقّه من اسم شامر الذي اشترى منه المكان، وصيّر حول هذا القصر مدينة، وسمّاها مدينة شمرون، وجعلها كرسي ملكه إلى أن مات؛ فاتّخذها ملوك بني إسرائيل من بعده مدينة للملك، وما زالوا فيها إلى أن ولي هوشاع ابن إيلا، وهم على الكفر باللّه، وعبادة وثن بعال (¬d) وغيره من الأوثان، مع قتل الأنبياء؛ إلى أن سلّط اللّه عليهم سنحاريب ملك الموصل، فحاصرهم بمدينة شمرون ثلاث سنين، وأخذ هو شاع أسيرا، وجلاّه ومعه جميع من في شمرون من بني إسرائيل، وأنزلهم بهراة وبلخ ونهاوند وحلوان. فانقطع من حينئذ ملك بني إسرائيل من مدينة شمرون، بعدما ملكوا من بعد سليمان ﵇ مدّة مائتي سنة وإحدى وخمسين سنة.
ثم إنّ سنحاريب ملك الموصل نقل إلى شمرون كثيرا من أهل كوشا وبابل وحماه، وأنزلهم فيها ليعمّروها، فبعثوا إليه يشكون من كثرة هجوم الوحش عليهم بشمرون. فسيّر إليهم من علّمهم التّوراة، فتعلّموها على غير ما يجب، وصاروا يقرأونها ناقصة أربعة أحرف: الألف والهاء والخاء والعين، فلا ينطقون بشيء من هذه الأحرف في قراءتهم التّوراة، وعرفوا بين الأمم بالسّامرة لسكناهم بمدينة سمرون.
وشمرون هذه هي مدينة نابلس، وقيل لها سمرون - بسين مهملة - ولسكّانها سامرة، ويقال معنى السّمرة حفظة ونواطير. فلم تزل السّمرة بنابلس إلى أن غزا بخت نصّر القدس، وأجلى اليهود منه إلى بابل، ثم عادوا بعد سبعين سنة، وعمّروا البيت ثانيا؛ إلى أن قام الإسكندر من بلاد
стр. 3288
اليونان، وخرج يريد غزو الفرس، فمرّ على القدس، وخرج منه يريد عمان، فاجتاز على نابلس، وخرج إليه كبير السّمرة بها - وهو سنبلاط السّامري - فأنزله، وصنع له ولقوّاده وعظماء أصحابه صنيعا عظيما، وحمل إليه أموالا جمّة وهدايا جليلة، واستأذنه في بناء هيكل للّه على الجبل، الذي يسمّى عندهم «طور بريك»، فأذن له وسار عنه إلى محاربة دارا ملك الفرس. فبنى سنبلاط هيكلا شبيها بهيكل القدس ليستميل به اليهود، وموّه عليهم بأنّ «طور بريك» هو الموضع الذي اختاره اللّه تعالى، وذكره في التّوراة بقوله فيها «اجعل البركة على طور بريك».
وكان سنبلاط قد زوّج ابنته بكاهن من كهّان بيت المقدس يقال له منشّا، فمقت اليهود منشّا على ذلك، وأبعدوه وحطّوه عن مرتبته عقوبة له على مصاهرة سنبلاط. فأقام سنبلاط منشّا زوج ابنته كاهنا في هيكل طور بريك، وأتته طوائف من اليهود وضلّوا به، وصاروا يحجّون إلى هيكله في الأعياد، ويقرّبون قرابينهم إليه، ويحملون إليه نذورهم وأعشارهم، وتركوا قدس اللّه وعدلوا عنه. فكثرت الأموال في هذا الهيكل، وصار ضدّ البيت المقدّس،/ واستغنى كهنته وخدّامه، وعظم أمر منشّا، وكبرت حالته.
فلم تزل هذه الطائفة تحجّ إلى «طور بريك» حتى كان زمن هورقانوس بن شمعون الكوهن، من بني حثمتاي، في بيت المقدس. فسار إلى بلاد السّمرة، ونزل على مدينة نابلس، وحصرها مدّة وأخذها عنوة، وخرّب هيكل طور بريك إلى أساسه - وكانت مدّة عمارته مائتي سنة - وقتل من كان هناك من الكهنة. فلم تزل السّمرة بعد ذلك إلى يومنا هذا تستقبل في صلاتها - حيثما كانت من الأرض - طور بريك بجبل نابلس، ولهم عبادات تخالف ما عليه اليهود، ولهم كنائس في كلّ بلد تخصّهم.
والسّمرة ينكرون نبوّة داود ومن تلاه من الأنبياء، وأبوا أن يكون بعد موسى ﵇ نبيّ، وجعلوا رؤساءهم من ولد هارون ﵇ وأكثرهم يسكن في مدينة نابلس، وهم كثير في مدائن الشّام، ويذكر أنّهم الذين يقولون: «لا مساس» (١)، ويزعمون أنّ نابلس هي بيت المقدس، وهي مدينة يعقوب ﵇ وهناك مراعيه (٢).
стр. 3289
وذكر المسعودي أنّ السّمرة صنفان متباينان: أحدهما يقال له «الكوشان»، والآخر «الرّوشان»، أحد الصّنفين يقول بقدم العالم (١).
والسّامرة تزعم أنّ التّوراة التي في أيدي اليهود ليست التّوراة التي أوردها موسى ﵇ ويقولون توراة موسى حرّفت وغيّرت وبدّلت، وإنّ التّوراة هي ما بأيديهم دون غيرهم (٢).
وذكر أبو الرّيحان محمد بن أحمد البيروني أنّ السّامرة تعرف باللاّمساسيّة. قال: وهم «الأبدال» الذين بدّلهم بخت نصّر بالشّام حين أسر اليهود وأجلاها. وكانت السّامرة أعانوه ودلّوه على عورات بني إسرائيل، فلم يحرّكهم (¬a) ولم يقتلهم ولم يسبهم، وأنزلهم فلسطين من تحت يده، ومذاهبهم ممتزجة من اليهودية والمجوسيّة. وعامّتهم يكونون بموضع من فلسطين يسمّى نابلس، وبها كنائسهم، ولا يدخلون حدّ بيت المقدس منذ أيّام داود النبي ﵇ لأنّهم يدّعون أنّه ظلم واعتدى، وحوّل الهيكل المقدّس من نابلس إلى إيليا - وهو بيت المقدس - ولا يمسّون الناس، وإذا مسّوهم اغتسلوا، ولا يقرّون بنبوّة من كان بعد موسى ﵇ من أنبياء بني إسرائيل (٣).
وفي «شرح الإنجيل» أنّ اليهود انقسمت بعد أيّام داود إلى سبع فرق (٤):
الكتّاب -
وكانوا يحافظون على العادات التي أجمع عليها المشايخ ممّا ليس في التّوراة.
والمعتزلة -
وهم «الفريسيّون»، وكانوا يظهرون الزّهد، ويصومون يومين في الأسبوع، ويخرجون العشر من أموالهم، ويجعلون خيوط القرمز في رؤوس ثيابهم، ويغسلون جميع أوانيهم، ويبالغون في إظهار النظافة.
стр. 3290
والزّنادقة -
وهم من جنس السّامرة وهم من «الصّدوقيّة»، فيكفرون بالملائكة والبعث بعد الموت وبجميع الأنبياء، ما خلا موسى فقط فإنّهم يقرّون بنبوّته.
والمتطهّرون -
وكانوا يغتسلون كلّ يوم، ويقولون: لا يستحقّ حياة الأبد إلاّ من يتطهّر كلّ يوم.
والأسابيّون -
ومعناه: الغلاظ الطباع، وكانوا يوجبون جميع الأوامر الإلهية، وينكرون جميع الأنبياء سوى موسى ﵇ ويتعبّدون بكتب غير الأنبياء.
والمتقشّفون -
وكانوا يمنعون أكثر المآكل وخاصّة اللحم، ويمنعون من التّزوّج بحسب الطاقة، ويقولون بأنّ التّوراة ليست كلّها لموسى، ويتمسّكون بصحف منسوبة إلى أخنوخ وإبراهيم ﵇ وينظرون في علم النجوم ويعملون بها.
والهيردوسيّون -
سمّوا أنفسهم بذلك لموالاتهم هيردوس ملكهم، وكانوا يتّبعون التّوراة ويعملون بما فيها. انتهى.
وذكر يوسف بن كريون (١) في «تاريخه» أنّ اليهود كانوا في زمن ملكهم هورقانوس - يعني في زمن بناء البيت بعد عودهم من الجالية (¬a) - ثلاث فرق: الفروشيم (¬b) [pharisees]، ومعناه المعتزلة، ومذهبهم القول بما في التّوراة وما فسّره الحكماء من سلفهم. والصّدوقيّة [Sadducees] (¬c)،
стр. 3291
أصحاب رجل من العلماء يقال له صدوق (¬a)، ومذهبهم القول بنصّ التّوراة وما دلّت عليه دون غيره. والحسيديم [Essenes] (¬b)، ومعناه الصّلحاء، وهم المشتغلون بالعبادة والنسك، الآخذون في كلّ أمر بالأفضل والأسلم في الدين (١). انتهى. وهذه الفرقة هي أصل فرقتي الرّبّانيين والقرّاء.
فصل
زعم بعضهم أنّ اليهود عانانيّة وشمعونيّة (¬c) - نسبة إلى شمعون الصّدّيق، والي (¬d) القدس عند قدوم الإسكندر (¬e) - وجالوتيّة، وفيّوميّة، وسامريّة، وعكبريّة، وأصبهانيّة، وعراقيّة، ومغاربة (¬f)، وشرشتانيّة، وفلسطينيّة، ومالكيّة، وربّانيّة.
فالعانانيّة (٢) تقول بالتّوحيد والعدل ونفي التّشبية، وأشمعث (¬g) تشبّه، وتبالغ الجالوتية في التّشبيه. وأمّا الفيّوميّة فإنّها تنسب إلى أبي سعيد الفيّومي، وهم يفسّرون التّوراة على الحروف المقطّعة. والسّامريّة ينكرون كثيرا من شرائعهم، ولا يقرّون بنبوّة من جاء بعد يوشع. والعكبريّة، أصحاب أبي موسى البغدادي العكبري وإسماعيل العكبري، يخالفون أشياء من السّبت وتفسير التّوراة.
والأصبهانيّة (٣) أصحاب أبي عيسى الأصبهاني، وادّعى النبوّة، وأنّه عرج (¬h) إلى السّماء فمسح الرّبّ على رأسه، وأنّه رأى محمّدا ﷺ / فآمن به. ويزعم يهود أصبهان أنّه الدّجّال، وأنّه يخرج من ناحيتهم.
стр. 3292
والعراقيّة تخالف الخراسانيّة في أوقات أعيادهم، ومدد أيّامهم.
والشّرشتانيّة، أصحاب شرشتان، زعم أنّه ذهب من التّوراة ثمانون سوقة - أي آية - وادّعى أنّ للتّوراة تأويلا باطنا مخالفا للظّاهر.
وأمّا يهود فلسطين فزعموا أنّ العزير ابن اللّه تعالى، وأنكر أكثر اليهود هذا القول.
والمالكيّة تزعم أنّ اللّه تعالى لا يحيي يوم القيامة من الموتى إلاّ من احتجّ عليه بالرّسل والكتب.
ومالك هذا هو تلميذ عانان.
والرّبّانية تزعم أنّ الحائض إذا مسّت ثوبا بين ثياب، وجب غسل جميعها.
والعراقيّة تعمل رؤوس الشّهور بالأهلّة، وآخرون يعملون بالحساب. واللّه أعلم.
فصل
وهم يوجبون الإيمان باللّه وحده، وبموسى ﵇ وبالتّوراة، ولا بدّ لهم من درسها وتعلّمها، ويغتسلون ويتوضّأون، ولا يمسحون رؤوسهم في وضوئهم، ويبدأون بالرّجل اليسرى، وفي شيء منه خلاف بينهم، وعانان يرى أنّ الاستنجاء قبل الوضوء، ويرى أشمعث أنّ الاستنجاء بعد الوضوء، ولا يتوضّأون بما تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يجيزون الطهارة من غدير ما لم يكن عشرة أذرع في مثلها، والنوم قاعدا لا ينقض الوضوء عندهم ما لم يضع جنبه الأرض، إلاّ العانانيّة فإنّ مطلق النوم عندهم ينقض.
ومن أحدث في صلاته من قيء أو رعاف أو ريح، انصرف وتوضّأ، وبنى على صلاته، ولا تجوز صلاة الرّجل في أقلّ من ثلاثة أثواب: قميص، وسراويل، وملاءة يتردّى بها، فإن لم يجد الملاءة صلّى جالسا، فإن لم يجد القميص والسّراويل صلّى بقلبه، ولا تجوز صلاة المرأة في أقلّ من أربعة أثواب. وعليهم فريضة ثلاث صلوات في اليوم والليلة: عند الصّبح، وبعد الزّوال إلى غروب الشّمس، ووقت العتمة إلى ثلث الليل، ويسجدون في دبر كلّ صلاة سجدة طويلة، وفي يوم السّبت وأيّام الأعياد يزيدون خمس صلوات على تلك الثّلاث.
ولهم خمسة أعياد:
عيد الفطير -
وهو الخامس عشر من نيسن، يقيمون سبعة أيّام لا يأكلون سوى الفطير، وهي الأيّام التي تخلّصوا فيها من فرعون وأغرقه اللّه.
стр. 3293
وعيد الأسابيع -
بعد الفطير بسبعة أسابيع، وهو اليوم الذي كلّم اللّه تعالى فيه بني إسرائيل من طور سيناء.
وعيد رأس الشّهر -
وهو أوّل تشري، وهو الذي فدي فيه إسحاق ﵇ من الذّبح، ويسمّونه «عيد رأس هشايا»، أي: رأس الشّهر.
وعيد صوماريا -
يعني الصّوم العظيم.
وعيد المظلّة -
يستظلّون سبعة أيّام بقضبان الآس والخلاف (١).
ويجب عليهم الحجّ في كلّ سنة ثلاث مرّات لمّا كان الهيكل عامرا، ويوجبون صوم أربعة أيّام: أوّلها سابع عشر تمّوز من الغروب إلى الغروب - وعند العانانيّة هو اليوم الذي أخذ فيه بخت نصّر البيت - والثّاني عاشر آب، والثالث عاشر كانون الأوّل، والرّابع ثالث عشر آذار.
ويتشدّدون في أمر الحائض بحيث يعتزلونها وثيابها وأوانيها، وما مسّته من شيء فإنّه ينجّس ويجب غسله، فإن مسّت لحم القربان أحرق بالنار، ومن مسّها أو شيئا من ثيابها وجب عليه الغسل، وما عجنته أو خبزته أو طبخته أو غسلته فكلّه نجس حرام على الطاهرين حلّ للحيض.
ومن غسّل ميّتا نجّس سبعة أيّام لا يصلّي فيها، وهم يغسّلون موتاهم، ولا يصلّون عليهم.
ويوجبون إخراج العشر من جميع ما يملك ولا يجب حتى يبلغ وزنه أو عدده مائة، ولا يخرج العشر إلاّ مرّة واحدة، ثم لا يعاد إخراجه.
ولا يصحّ النكاح عندهم إلاّ بولي وخطبة وثلاثة شهود، ومهر مائتي درهم للبكر ومائة للثّيّب لا أقلّ من ذلك. ويحضر عند عقد النكاح كأس خمر وباقة مرسين، فيأخذ الإمام الكأس، ويبارك عليه، ويخطب خطبة النكاح، ثم يدفعه إلى الختن ويقول: قد تزوّجت فلانة بهذه الفضّة أو بهذا الذّهب - وهو خاتم في يده - وبهذا الكأس من الخمر وبمهر كذا، ويشرب جرعة من الخمر، ثم ينهضون إلى المرأة، ويأمرونها أن تأخذ الخاتم والمرسين والكأس من يد الختن، فإذا أخذت وشربت جرعة، وجب عقد النكاح. ويضمن أولياء المرأة البكارة، فإذا زفّت إليه، وكّل
стр. 3294
الولي من يقف بباب الخلوة - وقد فرشت ثياب بيض - حتى يشاهد الوكيل الدّم، فإن لم توجد بكرا رجمت.
ولا يجوز عندهم نكاح الإماء حتى يعتقن، ثم ينكحن.
والعبد يعتق بعد خدمته لسنين معلومة، وهي ستّ سنين، ومنهم من يجوّز بيع صغار أولاده إذا احتاج.
ولا يجوّزون الطلاق إلاّ بفاحشة أو سحر، أو رجوع عن الدّين، وعلى من طلّق خمسة وعشرون درهما للبكر، ونصف ذلك للثّيّب، وينزل في كتابها طلاقها بعد أن يقول الزّوج: أنت طالق منّي مائة مرّة ومختلعة منّي، وفي سعة أن تتزوّجي من شئت.
ولا يقع طلاق الحامل أبدا، نعم إلاّ أن يجوّزوه.
ويراجع الرّجل امرأته ما لم تتزوّج، فإن تزوّجت حرّمت عليه إلى الأبد.
والخيار بين المتبايعين ما لم ينقل المبيع إلى البائع.
والحدود عندهم على خمسة أوجه: حرق، ورجم، وقتل، وتعزير، وتغريم. فالحرق على من زني بأمّ امرأته أو ربيبته أو بامرأة أبيه/ أو امرأة ابنه، والقتل على من قتل، والرّجم على المحصن إذا زنى أو لاط، وعلى المرأة إذا مكّنت من نفسها بهيمة، والتعزير على من قذف، والتّغريم على من سرق، ويرون أنّ البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر.
وعندهم أنّ من أتى بشيء من سبعة وثلاثين (¬a) عملا في يوم السّبت أو ليلته، استحقّ القتل، وهي: كرب الأرض، وزرعها، وحصاد الزّرع، وسياقة الماء إلى الزّرع، وحلب اللبن، وكسر الحطب، وإشعال النار، وعجن العجين، وخبزه، وخياطة الثّوب، وغسله، ونسج سلكين، وكتابة حرفين أو نحوهما، وأخذ الصّيد، وذبح الحيوان، والخروج من القرية، والانتقال من بيت إلى آخر، والبيع، والشّراء، والدّقّ، والطحن، والاحتطاب، وقطع الخبز، ودقّ اللحم، وإصلاح النعل إذا انقطعت، وخلط علف الدّابة، ولا يجوز للكاتب أن يخرج يوم السّبت من منزله ومعه قلمه، ولا الخيّاط ومعه إبرته. وكلّ من عمل شيئا استحقّ به القتل، فلم يسلّم نفسه، فهو ملعون.
стр. 3295
ذكر قبط مصر ودياناتهم القديمة وكيف تنصرّوا ثم صاروا ذمّة للمسلمين، وما كان لهم في ذلك من القصص والأنباء وذكر الخبر عن كنائسهم ودياراتهم وكيف كان ابتداؤها ومصير أمرها (١)
اعلم أنّ جميع أهل الشّرائع، أتباع الأنبياء ﵈ من المسلمين واليهود والنصارى، قد أجمعوا على أنّ نوحا ﵇ هو الأب الثاني للبشر، وأنّ العقب من آدم ﵇ انحصر فيه، ومنه ذرأ اللّه تعالى جميع أولاد آدم، فليس أحدا من بني آدم إلاّ وهو من أولاد نوح.
وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصّين ذلك، فأنكروا الطوفان، وزعم بعضهم أنّ الطوفان إنّما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط، وأنّ أولاد كيومرت - الذي هو عندهم الإنسان الأوّل (٢) - كانوا بالبلاد الشّرقية من بابل، فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصّين.
والحقّ ما عليه أهل الشّرائع، وأنّ نوحا ﵇ لمّا أنجاه اللّه ومن معه بالسّفينة نزل بهم - وهم ثمانون رجلا سوى أولاده - فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، ويؤيّد هذا قول اللّه تعالى عن نوح: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْباقِينَ﴾ [الآية ٧٧ سورة الصافات] (٣).