← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

أصحاب رجل من العلماء يقال له صدوق (¬a)، ومذهبهم القول بنصّ التّوراة وما دلّت عليه دون غيره. والحسيديم [Essenes] (¬b)، ومعناه الصّلحاء، وهم المشتغلون بالعبادة والنسك، الآخذون في كلّ أمر بالأفضل والأسلم في الدين (١). انتهى. وهذه الفرقة هي أصل فرقتي الرّبّانيين والقرّاء. فصل زعم بعضهم أنّ اليهود عانانيّة وشمعونيّة (¬c) - نسبة إلى شمعون الصّدّيق، والي (¬d) القدس عند قدوم الإسكندر (¬e) - وجالوتيّة، وفيّوميّة، وسامريّة، وعكبريّة، وأصبهانيّة، وعراقيّة، ومغاربة (¬f)، وشرشتانيّة، وفلسطينيّة، ومالكيّة، وربّانيّة. فالعانانيّة (٢) تقول بالتّوحيد والعدل ونفي التّشبية، وأشمعث (¬g) تشبّه، وتبالغ الجالوتية في التّشبيه. وأمّا الفيّوميّة فإنّها تنسب إلى أبي سعيد الفيّومي، وهم يفسّرون التّوراة على الحروف المقطّعة. والسّامريّة ينكرون كثيرا من شرائعهم، ولا يقرّون بنبوّة من جاء بعد يوشع. والعكبريّة، أصحاب أبي موسى البغدادي العكبري وإسماعيل العكبري، يخالفون أشياء من السّبت وتفسير التّوراة. والأصبهانيّة (٣) أصحاب أبي عيسى الأصبهاني، وادّعى النبوّة، وأنّه عرج (¬h) إلى السّماء فمسح الرّبّ على رأسه، وأنّه رأى محمّدا ﷺ / فآمن به. ويزعم يهود أصبهان أنّه الدّجّال، وأنّه يخرج من ناحيتهم.

стр. 3292

والعراقيّة تخالف الخراسانيّة في أوقات أعيادهم، ومدد أيّامهم. والشّرشتانيّة، أصحاب شرشتان، زعم أنّه ذهب من التّوراة ثمانون سوقة - أي آية - وادّعى أنّ للتّوراة تأويلا باطنا مخالفا للظّاهر. وأمّا يهود فلسطين فزعموا أنّ العزير ابن اللّه تعالى، وأنكر أكثر اليهود هذا القول. والمالكيّة تزعم أنّ اللّه تعالى لا يحيي يوم القيامة من الموتى إلاّ من احتجّ عليه بالرّسل والكتب. ومالك هذا هو تلميذ عانان. والرّبّانية تزعم أنّ الحائض إذا مسّت ثوبا بين ثياب، وجب غسل جميعها. والعراقيّة تعمل رؤوس الشّهور بالأهلّة، وآخرون يعملون بالحساب. واللّه أعلم. فصل وهم يوجبون الإيمان باللّه وحده، وبموسى ﵇ وبالتّوراة، ولا بدّ لهم من درسها وتعلّمها، ويغتسلون ويتوضّأون، ولا يمسحون رؤوسهم في وضوئهم، ويبدأون بالرّجل اليسرى، وفي شيء منه خلاف بينهم، وعانان يرى أنّ الاستنجاء قبل الوضوء، ويرى أشمعث أنّ الاستنجاء بعد الوضوء، ولا يتوضّأون بما تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يجيزون الطهارة من غدير ما لم يكن عشرة أذرع في مثلها، والنوم قاعدا لا ينقض الوضوء عندهم ما لم يضع جنبه الأرض، إلاّ العانانيّة فإنّ مطلق النوم عندهم ينقض. ومن أحدث في صلاته من قيء أو رعاف أو ريح، انصرف وتوضّأ، وبنى على صلاته، ولا تجوز صلاة الرّجل في أقلّ من ثلاثة أثواب: قميص، وسراويل، وملاءة يتردّى بها، فإن لم يجد الملاءة صلّى جالسا، فإن لم يجد القميص والسّراويل صلّى بقلبه، ولا تجوز صلاة المرأة في أقلّ من أربعة أثواب. وعليهم فريضة ثلاث صلوات في اليوم والليلة: عند الصّبح، وبعد الزّوال إلى غروب الشّمس، ووقت العتمة إلى ثلث الليل، ويسجدون في دبر كلّ صلاة سجدة طويلة، وفي يوم السّبت وأيّام الأعياد يزيدون خمس صلوات على تلك الثّلاث. ولهم خمسة أعياد: عيد الفطير - وهو الخامس عشر من نيسن، يقيمون سبعة أيّام لا يأكلون سوى الفطير، وهي الأيّام التي تخلّصوا فيها من فرعون وأغرقه اللّه.

стр. 3293

وعيد الأسابيع - بعد الفطير بسبعة أسابيع، وهو اليوم الذي كلّم اللّه تعالى فيه بني إسرائيل من طور سيناء. وعيد رأس الشّهر - وهو أوّل تشري، وهو الذي فدي فيه إسحاق ﵇ من الذّبح، ويسمّونه «عيد رأس هشايا»، أي: رأس الشّهر. وعيد صوماريا - يعني الصّوم العظيم. وعيد المظلّة - يستظلّون سبعة أيّام بقضبان الآس والخلاف (١). ويجب عليهم الحجّ في كلّ سنة ثلاث مرّات لمّا كان الهيكل عامرا، ويوجبون صوم أربعة أيّام: أوّلها سابع عشر تمّوز من الغروب إلى الغروب - وعند العانانيّة هو اليوم الذي أخذ فيه بخت نصّر البيت - والثّاني عاشر آب، والثالث عاشر كانون الأوّل، والرّابع ثالث عشر آذار. ويتشدّدون في أمر الحائض بحيث يعتزلونها وثيابها وأوانيها، وما مسّته من شيء فإنّه ينجّس ويجب غسله، فإن مسّت لحم القربان أحرق بالنار، ومن مسّها أو شيئا من ثيابها وجب عليه الغسل، وما عجنته أو خبزته أو طبخته أو غسلته فكلّه نجس حرام على الطاهرين حلّ للحيض. ومن غسّل ميّتا نجّس سبعة أيّام لا يصلّي فيها، وهم يغسّلون موتاهم، ولا يصلّون عليهم. ويوجبون إخراج العشر من جميع ما يملك ولا يجب حتى يبلغ وزنه أو عدده مائة، ولا يخرج العشر إلاّ مرّة واحدة، ثم لا يعاد إخراجه. ولا يصحّ النكاح عندهم إلاّ بولي وخطبة وثلاثة شهود، ومهر مائتي درهم للبكر ومائة للثّيّب لا أقلّ من ذلك. ويحضر عند عقد النكاح كأس خمر وباقة مرسين، فيأخذ الإمام الكأس، ويبارك عليه، ويخطب خطبة النكاح، ثم يدفعه إلى الختن ويقول: قد تزوّجت فلانة بهذه الفضّة أو بهذا الذّهب - وهو خاتم في يده - وبهذا الكأس من الخمر وبمهر كذا، ويشرب جرعة من الخمر، ثم ينهضون إلى المرأة، ويأمرونها أن تأخذ الخاتم والمرسين والكأس من يد الختن، فإذا أخذت وشربت جرعة، وجب عقد النكاح. ويضمن أولياء المرأة البكارة، فإذا زفّت إليه، وكّل

стр. 3294

الولي من يقف بباب الخلوة - وقد فرشت ثياب بيض - حتى يشاهد الوكيل الدّم، فإن لم توجد بكرا رجمت. ولا يجوز عندهم نكاح الإماء حتى يعتقن، ثم ينكحن. والعبد يعتق بعد خدمته لسنين معلومة، وهي ستّ سنين، ومنهم من يجوّز بيع صغار أولاده إذا احتاج. ولا يجوّزون الطلاق إلاّ بفاحشة أو سحر، أو رجوع عن الدّين، وعلى من طلّق خمسة وعشرون درهما للبكر، ونصف ذلك للثّيّب، وينزل في كتابها طلاقها بعد أن يقول الزّوج: أنت طالق منّي مائة مرّة ومختلعة منّي، وفي سعة أن تتزوّجي من شئت. ولا يقع طلاق الحامل أبدا، نعم إلاّ أن يجوّزوه. ويراجع الرّجل امرأته ما لم تتزوّج، فإن تزوّجت حرّمت عليه إلى الأبد. والخيار بين المتبايعين ما لم ينقل المبيع إلى البائع. والحدود عندهم على خمسة أوجه: حرق، ورجم، وقتل، وتعزير، وتغريم. فالحرق على من زني بأمّ امرأته أو ربيبته أو بامرأة أبيه/ أو امرأة ابنه، والقتل على من قتل، والرّجم على المحصن إذا زنى أو لاط، وعلى المرأة إذا مكّنت من نفسها بهيمة، والتعزير على من قذف، والتّغريم على من سرق، ويرون أنّ البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر. وعندهم أنّ من أتى بشيء من سبعة وثلاثين (¬a) عملا في يوم السّبت أو ليلته، استحقّ القتل، وهي: كرب الأرض، وزرعها، وحصاد الزّرع، وسياقة الماء إلى الزّرع، وحلب اللبن، وكسر الحطب، وإشعال النار، وعجن العجين، وخبزه، وخياطة الثّوب، وغسله، ونسج سلكين، وكتابة حرفين أو نحوهما، وأخذ الصّيد، وذبح الحيوان، والخروج من القرية، والانتقال من بيت إلى آخر، والبيع، والشّراء، والدّقّ، والطحن، والاحتطاب، وقطع الخبز، ودقّ اللحم، وإصلاح النعل إذا انقطعت، وخلط علف الدّابة، ولا يجوز للكاتب أن يخرج يوم السّبت من منزله ومعه قلمه، ولا الخيّاط ومعه إبرته. وكلّ من عمل شيئا استحقّ به القتل، فلم يسلّم نفسه، فهو ملعون.

стр. 3295

ذكر قبط مصر ودياناتهم القديمة وكيف تنصرّوا ثم صاروا ذمّة للمسلمين، وما كان لهم في ذلك من القصص والأنباء وذكر الخبر عن كنائسهم ودياراتهم وكيف كان ابتداؤها ومصير أمرها (١) اعلم أنّ جميع أهل الشّرائع، أتباع الأنبياء ﵈ من المسلمين واليهود والنصارى، قد أجمعوا على أنّ نوحا ﵇ هو الأب الثاني للبشر، وأنّ العقب من آدم ﵇ انحصر فيه، ومنه ذرأ اللّه تعالى جميع أولاد آدم، فليس أحدا من بني آدم إلاّ وهو من أولاد نوح. وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصّين ذلك، فأنكروا الطوفان، وزعم بعضهم أنّ الطوفان إنّما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط، وأنّ أولاد كيومرت - الذي هو عندهم الإنسان الأوّل (٢) - كانوا بالبلاد الشّرقية من بابل، فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصّين. والحقّ ما عليه أهل الشّرائع، وأنّ نوحا ﵇ لمّا أنجاه اللّه ومن معه بالسّفينة نزل بهم - وهم ثمانون رجلا سوى أولاده - فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، ويؤيّد هذا قول اللّه تعالى عن نوح: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْباقِينَ﴾ [الآية ٧٧ سورة الصافات] (٣).

стр. 3296

وكان من خبر ذلك أنّ أولاد نوح الثلاثة - وهم: سام، وحام، ويافث - اقتسموا الأرض. فصار لبني سام بن نوح أرض العراق وفارس إلى الهند، ثم إلى حضرموت وعمان والبحرين وعالج ويبرين ووبار والدّوّ والدّهناء، وجميع أرض اليمن وأرض الحجاز. وصار لبني حام بن نوح جنوب الأرض ممّا يلي أرض مصر، مغربا إلى بلاد المغرب الأقصى. وصار لبني يافث بن نوح بحر الخزر، مشرقا إلى الصّين. فكان من ذرّيّة سام بن نوح: القضاعيّون، والفرس، والسّريانيون، والعبرانيّون، والعرب المستعربة، والنبط، وعاد وثمود، والآمورانيّون، والعماليق، وأمم الهند وأهل السّند، وعدّة أمم قد بادت. وكانت ذرّيّة حام بن نوح من أربعة أولاده الذين هم: كوش ومصرايم وفوط (¬a) وكنعان. فمن كوش الحبشة والزّنج، ومن مصرايم قبط مصر والنوبة، ومن فوط (¬a) الأفارقة أهل إفريقيّة ومن جاورهم إلى المغرب الأقصى، ومن كنعان أمم كانت بالشّام حاربهم موسى بن عمران ﵇ وقومه من بني إسرائيل، ومنهم أجناس عديدة من البربر درجوا. وكانت مساكن بني حام من صيدا إلى أرض مصر، ثم إلى آخر إفريقيّة نحو البحر المحيط، وانتشروا فيما بين ذلك إلى الجنوب، وهم ثلاثون جنسا. وكان من ذرّيّة يافث بن نوح: الصّقلب، والفرنجة، والغاليّون من قبائل الرّوم، والقوط (¬b)، وأهل الصّين، وقوم عرفوا بالماذنيين، واليونانيون، والرّوم الفريقيون، وقبائل الأتراك، ويأجوج ومأجوج، وأهل قبرس ورودس. وعدّة بني يافث خمسة عشر جنسا، سكنوا القطر الشّمالي إلى البحر المحيط، فضاقت بهم بلادهم، ولم تسعهم لكثرتهم فخرجوا منها، وتغلّبوا على كثير من بلاد بني سام بن نوح. وذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب: أنّ القبط تنسب إلى قبطيم بن مصرايم ابن مصر بن حام بن نوح، وأنّ قبطيم أوّل من عمل العجائب بمصر وأثار بها المعادن وشقّ الأنهار، لمّا ولي أرض مصر بعد أبيه مصرايم، وأنّه لحق بلبلة الألسن وخرج منها وهو يعرف اللغة القبطيّة، وأنّه ملك مدّة ثمانين سنة ومات، فاغتمّ لموته بنوه وأهله، ودفنوه في الجانب

стр. 3297

الشّرقي من النيل بسرب تحت الجبل الكبير، فقام من بعده في ملك مصر ابنه قفطيم ابن قبطيم (١). وزعم بعض النسّابة أنّ مصر بن حام بن نوح - ويقال له مصرايم، ويقال بل مصريم بن هرمس ابن هردوس جدّ الإسكندر، وقيل بل قفط بن حام بن نوح - نكح بخت بنت تباويل بن ترس ابن يافث بن نوح. فولدت له بوقير وقبط أبا قبط مصر. قال ابن إسحاق: ومن هاهنا قالوا إنّ مصر ابن حام بن نوح، وإنّما هو مصر بن هرمس بن هردوس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان، وبه سمّيت مصر، فهي مقدونية. وقيل القبط من ولد قبط بن مصر بن قفط بن حام بن نوح، وبمصر هذا سمّيت مصر (٢). ذكر ديانة القبط قبل تنصّرهم اعلم أنّ قبط مصر كانوا في غابر الدّهر أهل شرك باللّه يعبدون الكواكب، ويقرّبون لها قرابينهم، ويقيمون على أسمائها التّماثيل كما هي أفعال الصّابئة. وذكر ابن وصيف شاه، أنّ عبادة الأصنام أوّل ما عرفت بمصر، أيّام قفطريم بن قبطيم ابن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح، وذلك أنّ إبليس أثار الأصنام التي غرّقها الطوفان، وزيّن للقبط عبادتها، وأن البودسير بن قبطيم أوّل من تكهّن وعمل بالسّحر، وأنّ مناوش ابن منقاوش أوّل من عبد البقر من أهل مصر (٣). وذكر الموفّق أحمد بن أبي القاسم بن خليفة - المعروف بابن أبي أصيبعة - أنّه كان للقبط مذهب مشهور من مذاهب الصّابئة ولهم هياكل على أسماء الكواكب يحجّ إليها الناس من أقطار الأرض، وكانت الحكماء والفلاسفة ممّن سواهم تتهافت عليهم، وتريد التّقرّب إليهم لما كان عندهم من علوم السّحر والطلّسمات والهندسة والنجوم والطبّ والحساب والكيمياء، ولهم في ذلك أخبار كثيرة، وكانت لهم لغة يختصّون بها، وكانت خطوطهم

стр. 3298

ثلاثة أصناف: خطّ العامّة، وخطّ الخاصّة - وهو خطّ الكهنة المختصر - وخطّ الملوك (١). وقال ابن وصيف شاه: كانت كهنة مصر أعظم الكهّان قدرا، وأجلّها علما بالكهانة، وكانت حكماء اليونانيين تصفهم بذلك، وتشهد لهم به، فيقولون: اختبرنا حكماء مصر بكذا وكذا، وكانوا ينحون بكهانتهم نحو الكواكب، ويزعمون أنّها هي التي تفيض عليهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وهي التي تعلمهم أسرار الطوالع وصفة الطلاسم، وتدلّهم على العلوم المكتومة والأسماء الجليلة المخزونة. فعملوا الطلّسمات المشهورة، والنواميس الجليلة، وولّدوا الأشكال الناطقة، وصوّروا الصّور المتحرّكة، وبنوا العالي من البنيان، وزبروا علومهم في الحجارة (¬a)، وعملوا من الطلّسمات ما دفعوا به الأعداء عن بلادهم، فحكمهم باهرة، وعجائبهم ظاهرة (٢). وكانت أرض مصر خمسا وثمانين كورة، منها: أسفل الأرض خمس وأربعون كورة، ومنها بالصّعيد أربعون كورة، وكان في كلّ كورة رئيس من الكهنة وهم السّحرة. وكان الذي يتعبّد منهم للكواكب السّبعة السّيّارة سبع سنين يسمّونه «باهر»، والذي يتعبّد منهم لها تسعا وأربعين سنة - لكلّ كوكب سبع سنين - يسمّونه «قاطر»، وهذا يقوم له الملك إجلالا، ويجلسه معه إلى جانبه، ولا يتصرّف إلا برأيه، وتدخل الكهنة ومعهم أصحاب الصّنائع فيقفون حذاء القاطر (٣). وكان كلّ كاهن منهم ينفرد بخدمة كوكب من الكواكب السبعة السّيّارة لا يتعدّاه إلى سواه، ويدعى بعبد ذلك الكوكب، فيقال: عبد القمر، عبد عطارد، عبد الزّهرة، عبد الشّمس، عبد المرّيخ، عبد المشتري، عبد زحل. فإذا وقفوا جميعا قال «القاطر» لأحدهم: أين صاحبك اليوم؟ فيقول: في برج كذا، ودرجة كذا، ودقيقة كذا. ثم يقول للآخر كذلك، فيجيبه، حتى يأتي على جميعهم، ويعرف أماكن الكواكب من فلك البروج. ثم يقول للملك: ينبغي أن تعمل اليوم كذا، أو تأكل كذا، أو تجامع في وقت كذا، أو تركب وقت كذا، إلى آخر

стр. 3299

ما يحتاج إليه، والكاتب قائم بين يديه يكتب ما يقول، ثم يلتفت «القاطر» إلى أهل الصّناعات ويخرجهم إلى دار الحكمة، فيضعون أيديهم في الأعمال التي يصلح عملها في ذلك اليوم، ثم يؤرّخ ما جرى في ذلك اليوم في صحيفة، وتخزّن في خزائن الملك (١). وكان الملك إذا همّه أمر، جمع الكهّان خارج مدينة منف - وقد اصطفّ الناس لهم بشارع المدينة - ثم يدخل الكهّان ركبانا على قدر مراتبهم والطبل بين أيديهم، وما منهم إلاّ من أظهر أعجوبة قد عملها: فمنهم من يعلو وجهه نور كهيئة نور الشّمس لا يقدر أحد على النظر إليه، ومنهم من على بدنه جواهر مختلفة الألوان قد نسجت على ثوب، ومنهم من يتوشّح بحيّات عظيمة، ومنهم من يعقد فوقه قبّة من نور، إلى غير ذلك من بديع أعمالهم. ويصيرون كذلك إلى حضرة الملك، فيخبرهم بما نزل به، فيجيلون رأيهم فيه حتى يتّفقوا على ما يصرّفونه به (٢). وهذا - أعزّك اللّه - من خبرهم لمّا كان الملك فيهم. فلمّا استولت العماليق على ملك مصر، وملكتها الفراعنة، ثم تداولتها من بعدهم أجناس أخر، تناقصت علوم القبط شيئا بعد شيء إلى أن تنصّروا، فغادروا عوايد أهل الشّرك، واتّبعوا ما أمروا به من دين النصرانيّة، كما ستقف عليه تلو هذا إن شاء اللّه تعالى. ذكر دخول قبط مصر في دين النصرانيّة (٣) اعلم أنّ النصارى، أتباع عيسى نبي اللّه ابن مريم ﵇ سمّوا نصارى لأنّهم ينتسبون إلى قرية الناصرة من/ جبل الجليل - بالجيم - ويعرف هذا الجبل بجبل كنعان، وهو الآن في زمننا من جملة معاملة صفد (٤).

стр. 3300

والأصل في تسميتهم «نصارى» أنّ عيسى بن مريم ﵇ لمّا ولدته أمّه مريم ابنة عمران ببيت لحم، خارج مدينة بيت المقدس، ثم سارت به إلى أرض مصر وسكنتها زمانا، ثم عادت به إلى أرض بني إسرائيل قومها، نزلت قرية الناصرة. فنشأ عيسى بها، وقيل له يسوع الناصري (١). فلمّا بعثه اللّه تعالى رسولا إلى بني إسرائيل، وكان من شأنه ما ستراه إلى أن رفعه اللّه إليه، تفرّق الحواريّون - وهم الذين آمنوا به - في أقطار الأرض يدعون الناس إلى دينه، فنسبوا إلى ما نسب إليه نبيّهم عيسى بن مريم، وقيل لهم «الناصريّة»، ثم تلاعب العرب بهذه الكلمة وقالوا: «نصارى» (٢). قال ابن سيده: ونصريّ ونصري (¬a) وناصرة ونصوريّة: قرية بالشّام، والنصارى منسوبون إليها. هذا قول أهل اللغة، وهو ضعيف إلاّ أنّ نادر النسب يسعه (¬b). وأمّا سيبويه فقال: أمّا النصارى فذهب الخليل إلى أنّه جمع نصريّ ونصران، كما قالوا: ندمان وندامى، ولكنهم حذفوا إحدى الياءين كما حذفوا من أثفيّة، وأبدلوا مكانها ألفا. قال: وأمّا الذي نوجّهه نحن عليه فإنّه جاء على نصران، لأنّه قد تكلّم به، فكأنّك جمعت وقلت نصارى كما قلت ندامى، فهذا أقيس، والأوّل مذهب، وإنّما كان أقيس لأنّا لم نسمعهم قالوا نصريّ. والتّنصّر: الدخول في دين النصرانيّة، ونصّره: جعله كذلك. والأنصر: الأقلف، وهو من ذلك؛ لأنّ النصارى قلف (٣). وفي «شرح الإنجيل» أنّ معنى قرية ناصرة: الجديدة، والنصرانية: التّجدّد، والنصراني: المجدّد. وقيل نسبوا إلى نصران، وهو من أبنية المبالغة، ومعناه أنّ هذا الدّين في غير عصابة صاحبه، فهو دين من ينصره من أتباعه.

стр. 3301

وإذا تقرّر هذا، فاعلم أنّ المسيح - روح اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم - هو «عيسى» (١). وأصل اسمه بالعبرانية - التي هي لغة أمّه وآبائها - إنّما هو «ياشوع»، وسمّته النصارى «يسوع»، وسمّاه اللّه تعالى - وهو أصدق القائلين - «عيسى» ومعنى يسوع في اللغة السّريانية: المخلّص، قاله في «شرح الإنجيل». ونعته بالمسيح، وهو الصّدّيق، وقيل لأنّه كان لا يمسح بيده صاحب عاهة إلاّ برأ، وقيل: لأنّه كان يمسح رؤوس اليتامى، وقيل لأنّه خرج من بطن أمّه ممسوحا بالدّهن، وقيل لأنّ جبريل ﵇ مسحه بجناحه عند ولادته صونا له من مسّ الشّيطان. وقيل المسيح اسم مشتقّ من المسح، أي الدّهن؛ لأنّ روح القدس قام بجسد عيسى مقام الدّهن الذي كان عند بني إسرائيل يمسح به الملك ويمسح به الكهنوت، وقيل لأنّه مسح بالبركة، وقيل لأنّه أمسح الرّجلين ليس لرجليه أخمص، وقيل لأنّه يمسح الأرض بسياحته لا يستوطن مكانا، وقيل هي كلمة عبرانيّة أصلها «ماسيح»، فتلاعبت بها العرب وقالت: «مسيح» (٢). وكان من خبره ﵇ أنّ مريم ابنة عمران، بينا هي في محرابها، إذ بشّرها اللّه تعالى بعيسى، فخرجت من بيت المقدس وقد اغتسلت من المحيض، فتمثّل لها الملك بشرا في صورة يوسف بن يعقوب النجّار - أحد خدّام القدس - فنفخ في جيبها، فسرت النفخة إلى جوفها، فحملت بعيسى كما تحمل النساء بغير ذكر، بل حلّت نفخة الملك منها محلّ اللقاح، ثم وضعت بعد تسعة أشهر - وقيل بل وضعت في يوم حملها - بقرية بيت لحم من عمل مدينة القدس، في يوم الأربعاء خامس عشرين كانون الأوّل، وتاسع عشرين كيهك، سنة تسع عشرة وثلاث مائة للإسكندر (٣). فقدمت رسل ملك فارس في طلبه، ومعهم هديّة له فيها ذهب ومرّ ولبان، فتطلّبه (¬a) هيردوس - ملك اليهود بالقدس - ليقتله وقد أنذر به. فسارت أمّه مريم به، وعمره سنتان، على حمار

стр. 3302

ومعها يوسف النجّار، حتى قدموا إلى أرض مصر، فسكنوها مدّة أربع سنين، ثم عادوا وعمر عيسى ستّ سنين، فنزلت به مريم قرية الناصرة من جبل الجليل فاستوطنتها. فنشأ بها عيسى حتى بلغ ثلاثين سنة، فسار هو وابن خالته يحيى بن زكريا ﵉ إلى نهر الأردن، فاغتسل عيسى فيه، فحلّت عليه النبوّة (١). فمضى إلى البرّيّة، وأقام بها أربعين يوما لا يتناول طعاما ولا شرابا، فأوحى اللّه إليه بأن يدعو بني إسرائيل إلى عبادة اللّه تعالى، فطاف القرى، ودعا الناس إلى اللّه تعالى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وأحيا الموتى بإذن اللّه، وبكّت اليهود، وأمرهم بالزّهد في الدّنيا والتّوبة من المعاصي (٢). فآمن به الحواريّون - وكانوا قوما صيّادين - وقيل قصّارين، وقيل ملاّحين - وعددهم اثنا عشر رجلا (٣) وصدّقوا بالإنجيل الذي أنزله اللّه تعالى عليه، وكذّبه عامّة اليهود وضلّلوه، واتّهموه بما هو برئ منه. فكانت له ولهم عدّة مناظرات آلت بهم إلى أن اتّفق أحبارهم على قتله، وطرقوه ليلة الجمعة، فقيل إنّه رفع عند ذلك، وقيل بل أخذوه وأتوا به إلى بلاطس البنطي [Pilatus] (¬a) - شحنة القدس من قبل الملك طيباريوس قيصر [Tiberius] - وراودوه على قتله وهو يدفعهم عنه، حتى غلبوه على رأيه بأنّ دينهم اقتضى قتله، فأمكنهم منه (٤). وعندما أدنوه من الخشبة ليصلبوه، رفعه اللّه إليه - وذلك في السّاعة السّادسة من يوم الجمعة خامس عشر شهر نيسن، وتاسع عشرين شهر برمهات، وخامس عشر شهر آذار (٥)، وسابع عشر/ شهر ذي القعدة - وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة وثلاثة أشهر. فصلبوا الذي شبّه لهم، وصلبوا معه لصّين، وسمّروهم بمسامير الحديد، واقتسم الجند ثياب المصلوب. فغشيت الأرض ظلمة دامت ثلاث ساعات حتى صار النهار شبه الليل، ورئيت

стр. 3303

النجوم، وكان مع ذلك هزّة وزلزلة (١). ثم أنزل المصلوب عن الخشبة بكرة يوم السبت، ودفن تحت صخرة في قبر جديد، ووكّل بالقبر من يحرسه لئلاّ يأخذ المقبور أصحابه. فزعم النصارى أنّ المقبور قام من قبره ليلة الأحد سحرا، ودخل عشيّة ذلك اليوم على الحواريّين وحادثهم ووصّاهم، ثم بعد الأربعين يوما من قيامه صعد إلى السّماء والحواريّون يشاهدونه، فاجتمعوا بعد رفعه بعشرة أيّام في علية صيّون - التي يقال لها اليوم صهيون - خارج القدس، وظهرت لهم خوارق، فتكلّموا بجميع الألسن، فآمن بهم فيما يذكر زيادة على ثلاثة آلاف إنسان، فأخذهم اليهود وحبسوهم، فظهرت كرامتهم، وفتح اللّه لهم باب السّجن ليلا، فخرجوا إلى الهيكل، وطفقوا يدعون الناس، فهمّ اليهود بقتلهم وقد آمن بهم نحو الخمسة آلاف إنسان، فلم يتمكّنوا من قتلهم. فتفرّق الحواريّون في أقطار الأرض يدعون إلى دين المسيح (٢). فسار بطرس [Petrus]، رأس الحواريّين، ومعه شمعون الصّفا إلى أنطاكية وروميّة، فاستجاب لهم بشر كثير، وقتل في خامس أبيب وهو «عيد القصريّة». وسار أندراوس أخوه إلى نيقية وما حولها، فآمن به كثير، ومات في بزنطية في رابع كيهك. وسار يعقوب بن زبدي (¬a)، أخو يوحنّا الإنجيلي، إلى بلد أبدينية، فتبعه جماعة، وقتل في سابع عشر برمودة. وسار يوحنّا الإنجيلي إلى آسيا وإفسس، وكتب إنجيله باليوناني، بعدما كتب متّى ومرقص ولوقا أناجيلهم، فوجدهم قد قصّروا في أمور فتكلّم عليها - وكان ذلك بعد رفع المسيح بثلاثين سنة - وكتب ثلاث رسائل، ومات وقد أناف على مائة سنة.

стр. 3304

وسار فيلبس إلى قيساريّة وما حولها، وقتل بها في ثامن هاتور، وقد اتّبعه جماعات من الناس. وسار برتولوماوس إلى أرمينية وبلاد البربر وواحات مصر، فآمن به كثير، وقتل. وسار توما إلى الهند، فقتل هناك. وسار متّى العشّار إلى فلسطين وصور وصيدا ومدينة بصرى، وكتب إنجيله بالعبراني بعد رفع المسيح بتسع سنين، ونقله يوحنّا إلى اللغة الرّوميّة (١). وقتل متّى بقرطاجنّة في ثامن عشر بابه بعدما استجاب له بشر كثير. وسار يعقوب بن حلفا إلى بلاد الهند، ورجع إلى القدس، وقتل في عاشر أمشير. وسار يهوذا بن يعقوب من أنطاكية إلى الجزيرة، فآمن به كثير من الناس، ومات في ثاني أبيب. وسار شمعون إلى سميساط وحلب ومنبج وبزنطية، وقتل في سابع أبيب. وسار ميتاس إلى بلاد الشّرق، وقتل في ثامن عشر برمهات. وسار بولص الطرسوسي إلى دمشق وبلاد الرّوم وروميّة، فقتل في خامس أبيب. وتفرّق أيضا سبعون رسولا أخر في البلاد، فآمن بهم الخلائق. ومن هؤلاء السّبعين مرقص الإنجيلي، وكان اسمه أوّلا يوحنّا، فعرف ثلاثة ألسن: الفرنجي، والعبراني، واليوناني. ومضى إلى بطرس بروميّة ومصر والحبشة والنوبة، وأقام حنانيا أسقفا على الإسكندرية، وخرج إلى برقة، فكثرت النصارى في أيّامه، وقتل في ثاني عيد الفسح بالإسكندرية. ومن السبعين أيضا: لوقا الإنجيلي الطبيب تلميذ بولص. كتب الإنجيل باليونانية، عن بولص بالإسكندرية، بعد رفع المسيح بعشرين سنة، وقيل باثنتين وعشرين سنة. ولمّا فرّ بطرس رأس الحواريّين من حبس روميّة، ونزل بأنطاكية، أقام بها داريوس بطركا - وأنطاكية - أحد الكراسي الأربعة التي للنصارى، وهي: روميّة، والإسكندرية، والقدس، وأنطاكية - فأقام داريوس بطرك أنطاكية سبعا وعشرين سنة، وهو أوّل بطاركتها، وتوارث من بعده البطاركة بها البطركية واحدا بعد واحد (٢).

стр. 3305

ودعا شمعون الصّفا بروميّة خمسا وعشرين سنة، فآمنت به بطركيّته وسارت إلى القدس، وكشفت عن خشبات الصّليب، وسلّمتها إلى يعقوب بن يوسف الأسقف، وبنت هناك كنيسة، وعادت إلى روميّة - وقد اشتدّت على دين النصرانيّة - فآمن معها عدّة من أهلها. واجتمع الرّسل بمدينة روميّة، ووضعوا القوانين، وأرسلوها على يد قليموس، تلميذ بطرس، فكتبوا فيها عدد الكتب التي يجب قبولها من العتيقة والجديدة (١). فأمّا العتيقة: فالتّوراة، وكتاب يوشع بن نون، وكتاب القضاة، وكتاب راعوت (¬a)، وكتاب يهوديت، وسير الملوك، وسفر بنيامين، وكتب المكابيّين (¬b)، وكتاب عزرة، وكتاب أستير، وقصّة هامان، وكتاب أيّوب، وكتاب مزامير داود، وكتب سليمان بن داود، وكتب الأنبياء - وهي ستة عشر كتابا (٢) - وكتاب يوشع بن سيراخ (¬c). وأمّا الكتب الحديثة: فالأناجيل الأربعة (٣)، وكتاب القاثيليقون (¬d) (٤)، وكتاب بولص، وكتاب الأبركسيس - وهو قصص الحواريّين (٥) - وكتاب أقليموس (٦)، وفيه ما أمر به الحواريّون وما نهوا عنه. ولمّا قتل الملك نيرون قيصر، بطرس رأس/ الحواريّين بروميّة، أقيم من بعده لينوس بطرك روميّة - وهو أوّل بطرك صار على روميّة - فأقام في البطركيّة اثنتي عشرة سنة، وقام من بعده البطاركة بها واحدا بعد واحد إلى يومنا هذا الذي نحن فيه.

стр. 3306

ولمّا قتل يعقوب، أسقف القدس، على يد اليهود، هدموا بعده البيعة، وأخذوا خشبة الصّليب والخشبتين معها ودفنوها، وألقوا على موضعها ترابا كثيرا، فصار كوما عظيما، حتى أخرجتها هيلانة أمّ قسطنطين، كما ستراه قريبا إن شاء اللّه تعالى (١). وأقيم بعد قتل يعقوب سمعان ابن عمّه، أسقف القدس، فمكث اثنتين وأربعين سنة أسقفا ومات، فتداول الأساقفة بعده الأسقفيّة بالقدس واحدا بعد آخر. ولمّا أقام مرقص حنانيا - ويقال أنانيو - بطرك الإسكندرية، جعل معه اثني عشر قسّا، وأمرهم إذا مات البطرك أن يجعلوا عوضه واحدا منهم، ويقيموا بدل ذلك القسّ واحدا من النصارى حتى لا يزالوا أبدا اثني عشر قسّا، فلم تزل البطاركة تعمل من القسوس إلى أن اجتمع ثلاث مائة وثمانية عشر، كما ستراه إن شاء اللّه تعالى (٢). وكان بطرك الإسكندرية يقال له «البابا» من عهد حنانيا هذا، أوّل بطاركة الإسكندرية، إلى أن أقيم ديمتريوس، وهو الحادي عشر من بطاركة الإسكندرية، ولم يكن بأرض مصر أساقفة، فنصب الأساقفة بها، وكثروا. فغزاها في بطركيته هرقل، وصار الأساقفة يسمّون البطرك «الأب»، والقسوس (¬a) وسائر النصارى يسمّون الأسقف «الأب»، ويجعلون لفظة «البابا» تختصّ ببطرك الإسكندرية، ومعناها «أب الآباء» (¬b). ثم انتقل هذا الاسم عن كرسي الإسكندرية إلى كرسي روميّة، من أجل أنّه كرسي بطرس رأس الحواريين، فصار بطرك روميّة يقال له «البابا»، واستمرّ على ذلك إلى زمننا الذي نحن فيه (٣).

стр. 3307

وأقام أنانيوا، وهو حنانيا، في بطركيّة الإسكندرية اثنتين وعشرين سنة، ومات في عشرين هاتور سنة سبع وثمانين لظهور المسيح. فأقيم بعده مينيوا، فأقام ثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر، ومات (١). وفي أثناء ذلك ثار اليهود على النصارى، وأخرجوهم من القدس، فعبروا الأردن، وسكنوا تلك الأماكن (٢). فكان بعد هذا بقليل خراب القدس، وجلاية اليهود، وقتلهم على يد طيطش - ويقال طيطوس - بعد رفع المسيح بنحو أربع وأربعين سنة. فكثرت النصارى في أيّام بطركيّة مينيوا، وعاد كثير منهم إلى مدينة القدس بعد تخريب طيطش لها، وبنوا بها كنيسة وأقاموا عليها سمعان أسقفا، ثم أقيم بعد مينيوا في الإسكندرية في البطركيّة كرتيانوا (٣). وفي أيّام الملك أنديانوس قيصر، أصاب النصارى منه بلاء كثير، وقتل منهم جماعة كثيرة، واستعبد باقيهم. فنزل بهم بلاء لا يوصف في العبودية، حتى رحمهم الوزراء وأكابر الرّوم، وشفعوا فيهم، فمنّ عليهم قيصر وأعتقهم (٤). ومات كرتيانوا بطرك الإسكندرية، في حادي عشر برمودة، بعد ما دبّر الكرسي إحدى عشرة سنة، وكان جيّد (¬a) السّيرة. فقدّم بعده إبريموا، فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات في ثالث مسرى. واشتدّ الأمر على النصارى في أيّام الملك أرندريانوس، وقتل منهم خلائق لا يحصى عددهم، وقدم مصر، فأفنى من بها من النصارى، وخرّب ما بني في مدينة القدس من كنيسة النصارى، ومنعهم من التّردّد إليها، وأنزل عوضهم بالقدس اليونانيين، وسمّى القدس إيليا، فلم يتجاسر نصرانيّ أن يدنو من القدس (٥) (¬b). وأقيم بعد موت إيريموا بطرك الإسكندرية يسطس [Justus]، فأقام إحدى عشرة سنة، ومات في ثاني عشر بؤونة. فخلف بعده أومانيوا [Eumenes]، فأقام عشر سنين وأربعة أشهر، ومات في عاشر بابة. فأقيم بعده مرقيانو (¬c) [Mark]، بطرك الإسكندرية، تسع سنين وستة أشهر، ومات في

стр. 3308

سادس طوبة. فقدّم بعده على الإسكندرية كلوتيانوا [Celadian]، فأقام أربع عشرة سنة، ومات في تاسع أبيب. وفي أيّامه اشتدّ الملك أوراليانوس قيصر على النصارى، وقتل منهم خلقا كثيرا. وقدّم على كرسي الإسكندرية بعد كلوتيانوا غربنو [Agrippirus] بطركا، فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات في خامس أمشير. وفي أيّام بطركيّته اتّفق رأي البطاركة، بجميع الأمصار، على حساب فصح النصارى وصومهم، ورتّبوا كيف يستخرج، ووضعوا «حساب الأبقطي»، وبه يستخرجون معرفة وقت صومهم وفصحهم، واستمرّ الأمر على ما رتّبوه فيما بعد. وكانوا قبل ذلك يصومون بعد الغطاس أربعين يوما - كما صام المسيح ﵇ ويفطرون، وفي عيد الفسح يعملون الفسح مع اليهود. فنقل هؤلاء البطاركة الصّوم وأوصلوه بعيد الفسح، لأنّ عيد الفسح كانت فيه قيامة المسيح من الأموات بزعمهم وكان الحواريّون قد أمروا أن لا يغيّر عن وقته، وأن يعملوه كلّ سنة في ذلك الوقت (١). ثم أقيم بكرسي الإسكندرية بعد غربنو في البطركية يوليانوس [Julian]، فأقام عشر سنين، ومات في ثامن برمهات. فاستخلف بعده ديمتريوس [Demetrius] فأقام بعده في البطركيّة ثلاثا وثلاثين سنة، ومات (٢). وكان فلاّحا أمّيّا، وله زوجة ذكر عنه أنّه لم يجامعها قط. وفي أيّامه أثار الملك سوريانوس (¬a) قيصر على النصارى بلاء كبيرا في جميع مملكته،/ وقتل منهم خلقا كثيرا، وقدم مصر وقتل جميع من فيها من النصارى، وهدم كنائسهم، وبنى بالإسكندرية هيكلا لأصنامه (٣). ثم أقيم بعده في بطركيّة الإسكندرية تاوكلا (¬b)، فأقام ستّ عشرة سنة، ومات في ثامن كيهك. فلقى النصارى من الملك مكسيموس قيصر شدّة عظيمة، وقتل منهم خلقا كثيرا، فلمّا ملك فيلبس قيصر أكرم النصارى. وقدّم على بطركيّة الإسكندرية دنوسيوس، فأقام تسع عشرة

стр. 3309

سنة، ومات في ثالث توت. وفي أيّامه كان الرّاهب أنطونيوس المصري، وهو أوّل من ابتدأ بلبس الصّوف، وابتدأ بعمارة الدّيارات في البراري، وأنزل بها الرّهبان. ولقي النصارى من الملك داقيوس قيصر شدّة. فإنّه أمرهم أن يسجدوا لأصنامه، فأبوا من السّجود لها، فقتلهم أبرح قتل، وفرّ منه الفتية أصحاب الكهف من مدينة أفسس، واختفوا في مغارة في جبل شرقي المدينة وناموا، فضرب اللّه على آذانهم، فلم يزالوا نائمين ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (١). فقام من بعده بالإسكندرية مكسيموس، وأقام بطركا اثنتي عشرة سنة، ومات في رابع عشر برمودة. فأقيم بعده ثاوبا (¬a) بطركا مدّة تسع (¬b) سنين وتسعة أشهر، ومات. وكانت النصارى قبله تصلّي بالإسكندرية خفية من الرّوم خوفا من القتل، فلاطف ثاوبا (¬a) الرّوم، وأهدى إليهم تحفا جليلة حتى بنى كنيسة مريم بالإسكندرية فصلّى بها النصارى جهرا. واشتدّ الأمر على النصارى في أيّام الملك طيباريوس قيصر، وقتل منهم خلقا كثيرا. فلمّا كانت أيّام دقلطيانوس قيصر، خالف عليه أهل مصر والإسكندرية، فقتل منهم خلقا كثيرا، وكتب بغلق كنائس النصارى، وأمر بعبادة الأصنام، وقتل من امتنع منها، فارتدّ خلائق كثيرة جدّا. وأقام في البطركيّة بعد ثاوبا (¬a) بطرس، فأقام إحدى عشرة سنة، وقتل في الإسكندرية بالسّيف، وقتل معه امرأته وابتناه لامتناعهم من السّجود للأصنام. فقام بعده تلميذه أرشلاوس، فأقام ستة أشهر ومات (٢). وبدقلطيانوس هذا، وقتله لنصارى مصر، يؤرّخ قبط مصر إلى يومنا هذا - كما قد ذكرناه في تأريخ القبط عند ذكر التّواريخ من هذا الكتاب - فراجعه (٣).

стр. 3310

ثم قام من بعده مكسيمانوس قيصر، فاشتدّ على النصارى، وقتل منهم خلقا كثيرا، حتى كانت القتلى منهم تحمل على العجل، وترمى في البحر (١). ثم قام بعد أرشلاوس في بطركيّة الإسكندرية إسكندروس، تلميذ بطرس الشّهيد، فأقام ثلاثا وعشرين سنة، ومات في ثاني عشرين برمودة. وفي بطركيته كان «مجمع النصارى بمدينة نيقية»، وفي أيّامه كتب النصارى وغيرهم من أهل روميّة إلى قسطنطين - وكان على مدينة بزنطية - يحثّونه على أن ينقذهم من جور مكسيمانوس، وشكوا إليه عتوّه، فأجمع على المسير لذلك. وكانت أمّه هيلاني، من أهل قرى مدينة الرّها، قد تنصّرت على يد أسقف الرّها، وتعلّمت الكتب. فلمّا مرّ بقريتها قسطس - صاحب شرطة دقلطيانوس - رآها فأعجبته، فتزوّجها، وحملها إلى بزنطية مدينته، فولدت له قسطنطين، وكان جميلا، فأنذر دقلطيانوس منجّموه بأنّ هذا الغلام قسطنطين سيملك الرّوم، ويبدّل دينهم، فأراد قتله، ففرّ منه إلى الرّها، وتعلّم بها الحكمة اليونانية حتى مات دقلطيانوس، فعاد إلى بزنطية، فسلّمها له أبوه قسطس ومات (٢). فقام بأمرها، بعد أبيه، إلى أن استدعاه أهل روميّة، فأخذ يدبّر في مسيره، فرأى في منامه كواكب في السّماء على هيئة الصّليب، وصوت من السّماء يقول له: «احمل هذه العلامة تنتصر على عدوّك». فقصّ رؤياه على أعوانه، وعمل شكل الصّليب على أعلامه وبنوده، وسار لحرب مكسمانوس بروميّة، فبرز إليه وحاربه، فانتصر قسطنطين عليه، وملك روميّة، وتحوّل منها فجعل دار ملكه قسطنطينيّة. فكان هذا ابتداء رفع الصّليب وظهوره في الناس، فاتّخذه النصارى من حينئذ، وعظّموه حتى عبدوه (٣). وأكرم قسطنطين النصارى، ودخل في دينهم بمدينة نيقومديا في السنة الثانية عشرة من ملكه على الرّوم، وأمر ببناء الكنائس في جميع ممالكه، وكسر الأصنام، وهدم بيوتها.

стр. 3311

وعمل «المجمع بمدينة نيقيه» (١)، وسببه: أنّ الإسكندروس، بطرك الإسكندرية، منع أريوس [Arius] من دخول الكنيسة وحرمه لمقاتلته، ونقل عن بطرس الشّهيد بطرك إسكندرية أنّه قال عن آريوس: إنّ إيمانه فاسد، وكتب بذلك إلى جميع البطاركة. فمضى آريوس إلى الملك قسطنطين ومعه أسقفان (٢) فاستغاثوا به وشكوا الإسكندروس، فأمر بإحضاره من الإسكندرية، فحضر هو وآريوس، وجمع له الأعيان من النصارى ليناظروه. فقال آريوس: كان الأب إذ لم يكن الابن، ثم أحدث الابن فصار كلمة له، فهو محدث مخلوق فوّض إليه الأب كلّ شيء، فخلق الابن - المسمّى بالكلمة - كلّ شيء من السّموات والأرض وما فيهما، فكان هو الخالق بما أعطاه الأب. ثم إنّ تلك الكلمة تجسّدت من مريم وروح القدس، فصار ذلك مسيحا، فإذا المسيح معنيان: كلمة، وجسد، وهما جميعا مخلوقان. فقال الإسكندروس: أيما أوجب عبادة: من خلقنا، أو عبادة من لم يخلقنا؟ فقال آريوس: بل عبادة/ من خلقنا أوجب. فقال الإسكندروس: فإن كان الابن خلقنا كما وصفت، وهو مخلوق، فعبادته أوجب من عبادة الأب الذي ليس بمخلوق، بل تكون عبادة الخالق كفرا، وعبادة المخلوق إيمانا، وهذا أقبح القبيح (٣). فاستحسن الملك قسطنطين كلام إسكندروس، وأمره أن يحرم آريوس فحرمه، وسأل إسكندروس الملك أن يحضر الأساقفة، فأمر بهم، فأتوه من جميع ممالكه، واجتمعوا بعد ستة أشهر بمدينة نيقية، وعدّتهم ألفان وثلاث مائة وأربعون (¬a) أسقفا، مختلفون في المسيح. فمنهم من يقول: الابن من الأب بمنزلة شعلة نار تعلّقت من شعلة أخرى، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية عنها. وهذه مقالة سبليوس (¬b) الصّعيدي ومن تبعه. ومنهم من قال: إنّ مريم لم تحمل بالمسيح

стр. 3312

تسعة أشهر، بل مرّ بأحشائها كمرور الماء بالميزاب. وهذا قول إليان ومن تبعه. ومنهم من قال: المسيح بشر مخلوق، وإنّ ابتداء الابن من مريم، ثم إنّه اصطفي فصحبته النعمة الإلهية بالمحبّة والمشيئة، ولذلك سمّي ابن اللّه - تعالى عن ذلك - ومع ذلك فاللّه واحد قيّوم، وأنكر هؤلاء الكلمة والرّوح فلم يؤمنوا بهما. وهذا قول بولص السّيمساطي بطرك أنطاكية وأصحابه. ومنهم من قال: الآلهة ثلاثة: صالح، وطالح، وعدل بينهما؛ وهذا قول مرقيون وأتباعه. ومنهم من قال: المسيح وأمّه إلهان من دون اللّه. وهذا قول المرايمة من فرق النصارى (١). ومنهم من قال: بل اللّه خلق الابن - وهو الكلمة في الأزل - كما خلق الملائكة روحا طاهرة مقدّسة بسيطة مجرّدة عن المادّة، ثم خلق المسيح في آخر الزّمان من أحشاء مريم البتول الطاهرة، فاتّحد الابن المخلوق في الأزل بإنسان المسيح، فصارا واحدا. ومنهم من قال: الابن مولود من الأب قبل كلّ الدّهور غير مخلوق، وهو جوهر من جوهره ونور من نوره، وإنّ الابن اتّحد بالإنسان المأخوذ من مريم، فصارا واحدا وهو المسيح. وهذا قول الثلاث مائة وثمانية عشر. فتحيّر قسطنطين في اختلافهم، وكثر تعجّبه من ذلك، وأمر بهم فأنزلوا في أماكن، وأجرى لهم الأرزاق، وأمرهم أن يتناظروا حتى يتبيّن له صوابهم من خطئهم. فثبت الثلاث مائة وثمانية عشر على قولهم المذكور، واختلف باقيهم. فمال قسطنطين إلى قول الأكثر، وأعرض عمّا سواه، وأقبل على الثلاث مائة وثمانية عشر، وأمر لهم بكراسي، وأجلسهم عليها، ودفع إليهم سيفه وخاتمه، وبسط أيديهم في جميع مملكته. فباركوا عليه، ووضعوا له كتاب «قوانين الملوك وقوانين الكنيسة»، وفيه ما يتعلّق بالمحاكمات والمعاملات والمناكحات، وكتبوا بذلك إلى سائر الممالك (٢). وكان رئيس هذا المجمع: الإسكندروس بطرك (٣) الإسكندرية، وإسطارس بطرك أنطاكية،

стр. 3313

ومقاريوس، أسقف القدس، ووجّه سلطوس (¬a) بطرك رومية بقسّيسين اتّفقا معهم على حرمان آريوس، فحرموه ونفوه. ووضع الثلاث مائة وثمانية عشر «الأمانة» المشهورة عندهم، وأوجبوا أن يكون الصّوم متّصلا بعيد الفسح على ما رتّبه البطاركة في أيّام الملك أوراليانوس قيصر، كما تقدّم (١)، ومنعوا أن يكون للأسقف زوجة - وكان الأساقفة قبل ذلك إذا كان مع أحدهم زوجة لا يمنع منها إذا عمل أسقفا، بخلاف البطرك فإنّه لا يكون له امرأة ألبتّة - وانصرفوا من مجلس قسطنطين بكرامة جليلة (٢). والإسكندروس هذا هو الذي كسر الصّنم النحاس الذي كان في هيكل زحل بالإسكندرية، وكانوا يعبدونه، ويجعلون له عيدا في ثاني عشر هتور، ويذبحون له الذّبائح الكثيرة فأراد الإسكندروس كسر هذا الصّنم، فمنعه أهل الإسكندرية، فاحتال عليهم، وتلطف في حيلته إلى أن قرب العيد، فجمع الناس، ووعظهم، وقبّح عندهم عبادة الصّنم، وحثّهم على تركه، وأن يعمل هذا العيد لميكائيل، رئيس الملائكة الذي يشفع فيهم عند الإله، فإنّ ذلك خير من عمل العيد للصّنم، فلا يتغيّر عمل العيد الذي جرت عادة أهل البلد بعمله، ولا تبطل ذبائحهم فيه. فرضي الناس بهذا، ووافقوه على كسر الصّنم، فكسره وأحرقه، وعمل بيته كنيسة على اسم ميكائيل. فلم تزل هذه الكنيسة بالإسكندرية إلى أن حرقها جيوش الإمام المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، لمّا قدموا في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، واستمرّ عيد ميكائيل عند النصارى بديار مصر باقيا يعمل في كلّ سنة (٣).

стр. 3314

وفي السنة الثانية والعشرين من ملك قسطنطين، سارت أمّه هيلاني إلى القدس، وبنت به كنائس للنصارى، فدلّها مقاريوس الأسقف على الصّليب، وعرّفها ما عملته اليهود، فعاقبت كهنة اليهود حتى دلّوها على الموضع، فحفرته فإذا قبر وثلاث خشبات، زعموا أنّهم لم يعرفوا الصّليب المطلوب من الثّلاث خشبات، إلاّ بأن وضعت كلّ واحدة منها على ميّت قد بلي فقام حيّا عندما وضعت عليه خشبة منها. فعملوا لذلك عيدا، مدّة ثلاثة أيّام، عرف عندهم ب «عيد الصّليب». ومن حينئذ عبد النصارى الصّليب، وعملت له هيلاني غلافا من ذهب، وبنت كنيسة القيامة - التي تعرف بكنيسة قمامة - وأقامت مقاريوس الأسقف على بناء بقيّة الكنائس، وعادت إلى بلادها. فكانت مدّة ما بين ولادة المسيح وظهور الصّليب/ ثلاث مائة وثمان وعشرين سنة (١). ثم قام في بطركيّة الإسكندرية، بعد إسكندروس، تلميذه إثناسيوس الرّسولي، فأقام ستّا وأربعين سنة، ومات بعد ما ابتلي بشدائد، وغاب عن كرسيه ثلاث مرّات (٢). وفي أيّامه جرت مناظرات طويلة مع أوسانيوس (¬a) للأسقف آلت إلى ضربه وفراره. فإنّه تعصّب لآريوس، وقال: إنّه لم يقل إنّ المسيح خلق الأشياء، وإنّما قال: به خلق كلّ شيء، لأنّه كلمة اللّه التي بها خلق السّموات والأرض، وإنّما خلق اللّه تعالى جميع الأشياء بكلمته، فالأشياء به كوّنت لا أنّه كوّنها، وإنّما الثلاث مائة وثمانية عشر تعدّوا عليه (٣). وفي أيّامه تنصّر جماعة من اليهود، وطعن بعضهم في التّوراة التي بأيدي اليهود، وأنّهم نقصوا منها، وأنّ الصّحيحة هي التي فسّرها السّبعون (٤). فأمر قسطنطين اليهود بإحضارها، وعاقبهم

стр. 3315

على ذلك حتى دلّوه على موضعها بمصر، فكتب باحضارها فحملت إليه، فإذا بينها وبين توراة اليهود نقص ألف وثلاث مائة وتسع وستين سنة، زعموا أنّهم نقصوها من مواليد من ذكر فيها لأجل المسيح. وفي أيّامه بعثت هيلاني بمال عظيم إلى مدينة الرّها، فبني به كنائسها العظيمة، وأمر قسطنطين بإخراج اليهود من القدس، وألزمهم بالدّخول في دين النصرانيّة، ومن امتنع منهم قتل. فتنصّر كثير منهم، وامتنع أكثرهم فقتلوا، ثم امتحن من تنصّر منهم بأن جمعهم يوم الفسح في الكنيسة وأمرهم بأكل لحم الخنزير، فأبى أكثرهم أن يأكل منه، فقتل منهم في ذلك اليوم خلائق كثيرة جدّا (١). ولمّا قام قسطنطين بن قسطنطين في الملك بعد أبيه، غلبت مقالة آريوس على القسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية، وصار أكثر أهل الإسكندرية وأرض مصر آريوسيين ومنانيّين، واستولوا على ما بها من الكنائس، ومال الملك إلى رأيهم، وحمل الناس عليه، ثم رجع عنه (٢). وزعم كيرلس (¬a)، أسقف القدس، أنّه ظهر من السّماء، على القبر الذي بكنيسة القمامة، شبه صليب من نور في يوم عيد العنصرة، لعشرة أيّام من شهر أيار، في السّاعة الثالثة من النهار، حتى غلب نوره على نور الشّمس، ورآه جميع أهل القدس عيانا، فأقام فوق القبر عدّة ساعات والناس تشاهده. فآمن يومئذ من اليهود وغيرهم عدّة آلاف كثيرة (٣). ثم لمّا ملك يوليانوس (¬b) ابن عم قسطنطين، اشتدّت نكايته للنصارى، وقتل منهم خلقا كثيرا، ومنعهم من النظر في شيء من الكتب وأخذ أواني الكنائس والدّيارات، ونصب مائدة كبيرة عليها أطعمة ممّا ذبحه لأصنامه، ونادى: «من أراد المال فليضع البخور على النار، وليأكل من ذبائح الحنفاء ويأخذ ما يريد من المال»، فامتنع كثير من الرّوم، وقالوا: نحن نصارى، فقتل منهم

стр. 3316

خلائق، ومحا الصّليب من أعلامه وبنوده (١). وفي أيّامه سكن القدّيس أناريون (¬a) برّيّة الأردن، وبنى بها الدّيارات، وهو أوّل من سكن برّيّة الأردن من النصارى (٢). فلمّا ملك يوسانيوس (¬b) على الرّوم - وكان متنصّرا - أعاد (¬c) كلّ من فرّ (¬d) من الأساقفة إلى كرسيه، وكتب إلى إثناسيوس - بطرك الإسكندرية، أن يشرح له الأمانة المستقيمة فجمع الأساقفة وكتبوا له أن يلزم أمانة الثلاث مائة وثمانية عشرة. فثار أهل الإسكندرية على إثناسيوس (¬e) ليقتلوه ففرّ، وأقاموا بدله لوقيوس - وكان آريوسيّا - فاجتمع مجمع الأساقفة بعد خمسة أشهر، وحرموه ونفوه، وأعادوا إثناسيوس (¬e) إلى كرسيه، فأقام بطركا إلى أن مات؛ فخلفه بطرس، ثم وثب الآريوسيّون عليه بعد سنتين ففرّ منهم، وأعادوا لوقيوس، فأقام بطركا ثلاث سنين، ووثب عليه أعداؤه ففرّ منهم، فردّوا بطرس في العشرين من أمشير، فأقام سنة (٣). وقدم في أيّام واليس ملك الرّوم آريوس أسقف أنطاكية إلى الإسكندرية بإذن الملك، وأخرج منها جماعة من الرّوم، وحبس بطرس بطركها، ونصب بدله آريوس السّيمساطي. ففرّ بطرس من الحبس إلى روميّة، واستجار ببطركها. وكان واليس آريوسيّا، فسار إلى زيارة كنيسة مارتوما بمدينة الرّها، ونفى أسقفها وجماعة معه إلى جزيرة رودس، ونفى سائر الأساقفة لمخالفتهم لرأيه ما عدا اثنين، وأقام في بطركيّة الإسكندرية طيماثاوس، فأقام سبع سنين ومات. وفي أيّامه كان «المجمع الثّاني من مجامع النصارى بقسطنطينيّة»، في سنة اثنتي عشرة ومائة (¬f) لدقلطيانوس، فاجتمع مائة وخمسون أسقفا، وحرموا مقدينون (¬g)، عدوّ روح القدس، وكلّ من قال بقوله، وسبب ذلك أنّه قال: إنّ روح القدس مخلوق، وحرموا معه غير واحد لعقائد شنيعة تظاهروا بها في المسيح. وزاد الأساقفة في الأمانة التي رتّبها الثلاث مائة وثمانية عشرة (٤). ونؤمن

стр. 3317

بالرّوح القدس، الرّب المحيي المنبثق من الأب - قلت: تعالى اللّه عمّا يقولون علوّا كبيرا - وحرّموا أن يزاد فيها بعد ذلك شيء، وكان هذا المجمع بعد مجمع نيقية بثمان وخمسين سنة (١). وفي أيّامه بنيت عدّة كنائس بالإسكندرية، واستتيب جماعة كثيرة من مقالة آريوس. وفي أيّامه أطلق للأساقفة والرّهبان أكل اللحم يوم الفسح ليخالفوا الطائفة المنانيّة (٢)، فإنّهم كانوا يحرّمون أكل اللحم مطلقا، وردّ الملك أغراديانوس كلّ من نفاه واليس من الأساقفة، وأمر/ أن يلزم كلّ واحد دينه ما خلا المنانيّة (٣). ثم أقيم بكرسي الإسكندرية ثاوفيلا، فأقام سبعا وعشرين سنة، ومات في ثامن عشر بابة (٤). وفي أيّامه ظهر الفتية أهل الكهف - وكان تاوذاسيوس إذ ذاك ملكا على الرّوم - فبنى عليهم كنيسة، وجعل لهم عيدا في كلّ سنة (٥). واشتدّ الملك تاوذاسيوس على الآريوسيّين، وضيّق عليهم، وأمر فأخذت منهم كنائس النصارى بعد ما حكموها نحو أربعين سنة، وأسقط من جيشه من كان آريوسيّا، وطرد من كان في ديوانه وخدمه منهم، وقتل من الحنفاء كثيرا، وهدم بيوت الأصنام بكلّ موضع وفي أيّامه بنيت كنيسة مريم بالقدس. وفي أيّام الملك أرقاديوس (¬a) بني دير القصير (¬b) - المعروف الآن بدير البغل - وفي جبل المقطّم شرقي طرا خارج مدينة فسطاط مصر (٦). ثم أقيم في بطركيّة الإسكندرية كرلّص، فأقام اثنتين وثلاثين سنة، ومات في ثالث أبيب. وهو أوّل من أقام القومة في كنائس الإسكندرية وأرض مصر.

стр. 3318

وفي أيّامه كان «المجمع الثّالث من مجامع النصارى»، بسبب نسطورس بطرك قسطنطين، فإنّه منع أن تكون مريم أمّ عيسى، وقال: إنّما ولدت مريم إنسانا اتّحد بمشيئة الإله - يعني عيسى - فصار الاتّحاد بالمشيئة خاصّة لا بالذات، وإنّ إطلاق الإله على عيسى ليس هو بالحقيقة بل بالموهبة والكرامة. وقال: إنّ المسيح حلّ فيه الابن الأزلي، وإنّي أعبده لأنّ الإله حلّ فيه، وإنّه جوهران وأقنومان ومشيئة واحدة. وقال في خطبته يوم الميلاد: إنّ مريم ولدت إنسانا، وأنا لا أعتقد في ابن شهرين وثلاثة الإلهية، ولا أسجد له سجودي للإله. وكان هذا هو اعتقاد تادروس وديوادارس الأسقفين، وكان من قولهما: إنّ المولود من مريم هو المسيح، والمولود من الأب هو الابن الأزلي، وإنّه حلّ في المسيح فسمّي ابن اللّه بالموهبة والكرامة، وإنّ الاتّحاد بالمشيئة والإرادة، وأثبتوا للّه - تعالى عن قولهم - ولدين: أحدهما بالجوهر، والآخر بالنعمة. فلمّا بلغ كرلّص بطرك الإسكندرية مقال نسطورس، كتب إليه يرجعه عنها، فلم يرجع. فكتب إلى إكليمس بطرك روميّة، وإلى يوحنّا بطرك أنطاكية، وإلى يوناليوس أسقف القدس، يعرّفهم بذلك. فكتبوا بأجمعهم إلى نسطورس ليرجع عن مقالته، فلم يرجع. فتواعد البطاركة على الاجتماع بمدينة إفسس. فاجتمع بها مائتا أسقف، ولم يحضر يوحنّا بطرك أنطاكية، وامتنع نسطورس من المجيء إليهم بعد ما كرّروا الإرسال في طلبه غير مرّة، فنظروا في مقالته، وحرموه ونفوه. فحضر بعد ذلك يوحنّا، فعزّ عليه فصل الأمر قبل قدومه، وانتصر لنسطورس، وقال: قد حرموه بغير حقّ (١). وتفرّقوا من إفسس على شرّ، ثم اصطلحوا، وكتب المشرقيّون صحيفة بأمانتهم وبحرمان نسطورس، وبعثوا بها إلى كرلّص. فقبلها، وكتب إليهم بأنّ أمانته على ما كتبوا. فكان بين المجمع الثّاني وبين هذا المجمع خمسون - وقيل خمس وخمسون - سنة. وأمّا نسطورس فإنّه نفي إلى صعيد مصر، فنزل مدينة إخميم، وأقام بها سبع سنين، ومات فدفن بها. وظهرت مقالته، فقبلها برصوما أسقف نصيبين، ودان بها نصارى أرض فارس والعراق والموصل والجزيرة إلى الفرات، وعرفوا إلى اليوم ب «النسطوريّة» (٢).

стр. 3319

ثم قدّم تاوداسيوس ملك الرّوم، في الثامنة من ملكه، ديسقورس بطركا بالإسكندرية، فظهر في أيّامه مذهب أوطاخي، أحد القسوس (¬a) بالقسطنطينيّة، وزعم أنّ جسد المسيح لطيف غير مساو لأجسادنا، وأنّ الابن لم يأخذ من مريم شيئا. فاجتمع عليه مائة وثلاثون أسقفا، وحرموه (١). واجتمع بالإسكندرية كثير من اليهود في يوم الفسح، وصلبوا صنما على مثال المسيح وعبثوا به، فثار بينهم وبين النصارى شرّ قتل فيه بين الفريقين خلق كثير، فبعث إليهم ملك الرّوم جيشا قتل أكثر يهود الإسكندرية. وكان «المجمع الرّابع من مجامع النصارى بمدينة خلقدونية». وسببه أن ديسقورس، بطرك الإسكندرية، قال: إنّ المسيح جوهر من جوهرين، وقنوم من قنومين (¬b)، وطبيعة من طبيعتين، ومشيئة من مشيئتين. وكان رأي مرقيانوس ملك الرّوم أنّه جسد، وأهل مملكته أنّه جوهران وطبيعتان ومشيئتان وقنوم واحد. فلمّا رأى الأساقفة أنّ هذا رأي الملك خافوه، فوافقوه على رأيه، ما خلا ديسقورس وستة أساقفة، فإنّهم لم يوافقوا الملك، وكتب من عداهم من الأساقفة خطوطهم بما اتّفقوا عليه. فبعث ديسقورس يطلب منهم الكتاب ليكتب فيه. فلمّا وصل إليه كتابهم، كتب فيه أمانته هو، وحرمهم وكلّ من يخرج عنها. فغضب الملك مرقيانوس، وهمّ بقتله، فأشير عليه بإحضاره ومناظرته، فأمر به فحضر، وحضر ستّ مائة وأربعة وثلاثون أسقفا. فأشار الأساقفة والبطاركة على ديسقورس بموافقة رأي الملك، واستمراره على رياسته. فدعا للملك وقال لهم: الملك لا يلزمه البحث في هذه الأمور الدّقيقة، بل ينبغي له أن يشتغل بأمور مملكته وتدبيرها، ويدع الكهنة يبحثون عن الأمانة المستقيمة فإنّهم يعرفون الكتب، ولا يكون له هوى مع أحد ويتّبع الحقّ. فقالت بلخارية زوجة الملك مرقيانوس، وكانت جالسة/ بإزائه: يا ديسقورس قد كان في زمان أمّي إنسان قوي الرّأس مثلك، وحرموه ونفوه عن كرسيه، تعني يوحنّا فم الذّهب بطرك قسطنطينيّة. فقال لها: قد علمت ما جرى لأمّك، وكيف ابتليت بالمرض الذي تعرفيه، إلى أن

стр. 3320

مضت إلى جسد يوحنّا فم الذّهب، واستغفرت فعوفيت. فحنقت من قوله، ولكمته، فانقلع له ضرسان، وتناولته أيدي الرّجال، فنتفوا أكثر لحيته، وأمر الملك بحرمانه ونفيه عن كرسيه. فاجتمعوا عليه وحرموه ونفوه، وأقيم عوضه برطاوس (¬a) (١). ومن هذا المجمع افترق النصارى، وصاروا «ملكيّة» على مذهب مرقيانوس الملك، و «يعقوبية» على رأي ديسقورس، وذلك في سنة ثلاث وتسعين ومائة لدقلطيانوس، وكتب مرقيانوس إلى جميع مملكته أنّ كلّ من لا يقول بقوله يقتل. فكان بين المجمع الثّالث وبين هذا المجمع إحدى وعشرون سنة (٢). وأمّا ديسقورس فإنّه أخذ ضرسيه وشعر لحيته وأرسلها إلى الإسكندرية، وقال: هذه ثمرة تعبي على الأمانة. فتبعه أهل إسكندرية ومصر، وتوجّه في نفيه فعبر على القدس وفلسطين، وعرّفهم مقالته، فتبعوه وقالوا بقوله، وقدّم عدّة أساقفة يعقوبية، ومات وهو منفي في رابع توت، فكانت مدّة بطركيّته أربع عشرة سنة. وبقي كرسي المملكة بغير بطرك مدّة مملكة مرقيانوس، وقيل بل قدّم برطاوس (¬a). وقد اختلف في تسمية «اليعقوبيّة» بهذا: فقيل: إنّ ديسقورس كان يسمّى قبل بطركيته يعقوب، وإنّه كان يكتب وهو منفي إلى أصحابه بأن يثبتوا على أمانة المسكين المنفي يعقوب. وقيل: بل كان له تلميذ اسمه يعقوب، وكان يرسله وهو منفي إلى أصحابه، فنسبوا إليه. وقيل: بل كان يعقوب تلميذ ساويرس بطرك أنطاكية، وكان على رأي ديسقورس، فكان ساويرس يبعث يعقوب إلى النصارى، ويثبّتهم على أمانة ديسقورس، فنسبوا إليه. وقيل بل كان يعقوب كثير العبادة والزّهد، يلبس خرق البراذع، فسمّي يعقوب البراذعي من أجل ذلك، وأنّه كان يطوف البلاد، ويردّ الناس إلى مقالة ديسقورس، فنسب من اتّبع رأيه إليه، وسمّوا «يعقوبيّة»، ويقال ليعقوب أيضا: يعقوب السّروجي (٣).

стр. 3321

وفي أيّام مرقيانوس كان سمعان الحبيس، صاحب العمود، وهو أوّل راهب سكن صومعة، وكان مقامه بمغارة في جبل أنطاكية (١). ولمّا مات مرقيانوس، وثب أهل الإسكندرية على برطاوس (¬a) البطرك، وقتلوه في الكنيسة، وحملوا جسده إلى الملعب الذي بناه بطلميوس، وأحرقوه بالنار من أجل أنّه ملكي الاعتقاد، فكانت مدّة بطركيته ستّ سنين (٢). وأقاموا عوضه طيماثاوس (¬b) - وكان يعقوبيّا - فأقام ثلاث سنين، وقدم قائد من قسطنطينية (٣) فنفاه، وأقام عوضه ساويرس - وكان ملكيّا - فأقام اثنتين وعشرين سنة، ومات في سابع مسرى (٤). فلمّا ملك زينون بن لاون الرّوم، أكرم اليعقوبية، وأعزّهم لأنّه كان يعقوبيّا، وكان يحمل إلى دير بومقّار (¬a) (٥) كلّ سنة ما يحتاج إليه من القمح والزّيت. وهرب ساويرس من كرسي الإسكندرية إلى وادي هبيب، ورجع طيماثاوس من نفيه، فأقام بطركا سنتين ومات. فأقيم بعده بطرس، فأقام ثمان سنين وسبعة أشهر وستّة أيّام، ومات في رابع هتور (٦). فأقيم بعده أثناسيوس (¬c)، فأقام سبع سنين، ومات في العشرين من توت، وفي أيّامه احترق الملعب الذي بناه بطلميوس (٧). وأقيم يوحنّا في بطركيّة الإسكندرية - وكان يعقوبيّا - فأقام تسع سنين، ومات في رابع بشنس، فخلا الكرسي بعده سنة. ثم أقيم يوحنّا الحبيس، فأقام إحدى

стр. 3322

وعشرين سنة (¬a)، ومات في سابع عشرين بشنس. فأقيم بعده ديسقورس الجديد، فأقام سنتين وخمسة أشهر، ومات في سابع عشر بابة (¬b) (١). وكتب إيليا بطرك القدس، إلى نسطاس ملك الرّوم، بأن يرجع عن مقالة اليعقوبية إلى مقالة الملكية، وبعث إليه جماعة من الرّهبان بهديّة سنيّة. فقبل هديّته، وأجاز الرّهبان بجوائز جليلة، وجهّز له مالا جزيلا لعمارة الكنائس والدّيارات والصّدقات. فتوجّه ساويرس إلى نسطاس، وعرّفه أنّ الحقّ هو اعتقاد اليعقوبية، فأمر أن يكتب إلى جميع مملكته بقبول قول ديسقورس، وترك المجمع الخلقدوني. فبعث إليه بطرك أنطاكية بأنّ هذا الذي فعلته غير واجب، وأنّ المجمع الخلقدوني هو الحقّ. فغضب الملك ونفاه، وأقام بدله. فأمر إيليا، بطرك القدس، بجمع الرّهبان ورؤساء الدّيارات. فاجتمع له منهم عشرة آلاف نفس، وأحرموا نسطاس الملك ومن يقول بقوله. فأمر نسطاس بنفي إيليا إلى مدينة أيلة، فاجتمع بطاركة الملكية وأساقفتهم وأحرموا الملك نسطاس ومن يقول بقوله (٢). وفي أيّام نسطانوس الملك، ألزم الحنفاء أهل حرّان - وهم الصّابئة - بالتّنصّر. فتنصّر كثير منهم، وقتل أكثرهم على امتناعهم من دين النصرانية، وردّ جميع من نفاه نسطاس من الملكية، فإنّه كان ملكيّا. وأقيم طيماثاوس (¬c) في بطركيّة الإسكندرية - وكان يعقوبيّا - فأقام ثلاث سنين ونفى (٣). وأقيم بدله أبوليناريوس، وكان ملكيّا، فجدّ في رجوع النصارى بأجمعهم إلى رأي الملكية، وبذل جهده في ذلك، وألزم نصارى مصر بقبول الأمانة المحدثة، فوافقوه/ ووافقه رهبان ديارات بومقّار بوادي هبيب. هذا ويعقوب البراذعي يدور في كلّ موضع، ويثبّت أصحابه على الأمانة التي زعم أنّها مستقيمة. وأمر الملك جميع الأساقفة بعمل الميلاد في خامس عشرين كانون الأوّل، وبعمل الغطاس لستّ تخلو من كانون الثاني، وكان كثير منهم

стр. 3323

يعمل الميلاد والغطاس في يوم واحد، وهو سادس كانون الثّاني، وعلى هذا الرأي الأرمن إلى يومنا هذا. وفي هذه الأيّام ظهر يوحنّا النحوي بالإسكندرية، وزعم أنّ الأب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة، وثلاث طبائع وجوهر واحد. وظهر يوليان، وزعم أنّ جسد المسيح نزل من السّماء، وأنّه لطيف روحاني لا يقبل الآلام إلاّ عند مقارفة الخطيئة، والمسيح لم يقارف خطيئة، فلذلك لم يصلب حقيقة ولم يتألّم ولم يمت، وإنّما ذلك كلّه خيال. فأمر الملك البطرك طيماثاوس أن يرجع إلى مذهب الملكيّة فلم يفعل، فأمر بقتله، ثم شفع فيه ونفي. وأقيم بدله بولص - وكان ملكيّا - فأقام سنتين، فلم يرضه اليعاقبة، وقيل إنّهم قتلوه، وصيّروا عوضه بطركا ديلوس - وكان ملكيّا - فأقام خمس سنين في شدّة من التّعب، وأرادوا قتله، فهرب وأقام في هربة خمس سنين ومات (١). فبلغ ملك الرّوم يوسطيانوس أنّ اليعقوبيّة قد غلبوا على الإسكندرية ومصر، وأنّهم لا يقبلون بطاركته. فبعث أبوليناريوس أحد قوّاده، وضمّ إليه عسكرا كبيرا، إلى الإسكندرية. فلمّا قدمها، ودخل الكنيسة نزع عنه ثياب الجند، ولبس ثياب البطاركة وقدّس. فهمّ ذلك الجمع برجمه، فانصرف وجمع عسكره، وأظهر أنّه قد أتاه كتاب الملك ليقرأه على الناس، وضرب الجرس في الإسكندرية يوم الأحد. فاجتمع الناس إلى الكنيسة حتى لم يبق أحد، فطلع المنبر وقال: يا أهل الإسكندرية إن تركتم مقالة اليعقوبية، وإلاّ أخاف أن يرسل الملك فيقتلكم، ويستبيح أموالكم وحريمكم. فهمّوا برجمه، فأشار إلى الجند، فوضعوا السّيف فيهم، فقتل من الناس ما لا يحصى عدده حتى خاض الجند في الدّماء، وقيل إنّ الذي قتل يومئذ مائتا ألف (¬a) إنسان، وفرّ منهم خلق إلى الدّيارات بوادي هبيب، وأخذ الملكية كنائس اليعاقبة (٢). ومن يومئذ صار كرسي اليعقوبيّة في دير بومقّار بوادي هبيب (٣):

стр. 3324

وفي أيّامه ثارت السّامرة على أرض فلسطين، وهدموا كنائس النصارى، وأحرقوا ما فيها، وقتلوا جماعة من النصارى فبعث الملك جيشا قتلوا من السّامرة خلقا كثيرا، ووضع من خراج فلسطين جملة، وجدّد بناء الكنائس، وأنشأ مارستانا ببيت المقدس للمرضى، ووسّع في بناء كنيسة بيت لحم، وبنى ديرا بطور سيناء (١)، وعمل عليه حصنا حوله عدّة قلالي، ورتّب فيها حرسا لحفظ الرّهبان (٢). وفي أيّامه كان «المجمع الخامس من مجامع النصارى». وسببه أنّ أريجانس، أسقف مدينة منبج، قال بتناسخ الأرواح، وقال كلّ من أسقف أنقرة وأسقف المصيصة وأسقف الرّها: إنّ جسد المسيح خيال لا حقيقي. فحملوا إلى القسطنطينية، وجمع بينهم وبين بطركها أوطس (¬a)، وناظرهم وأوقع عليهم الحرمان. فأمر الملك أن يجمع لهم مجمع، وأمر بإحضار البطاركة والأساقفة، فاجتمع مائة وأربعون أسقفا، وحرموا هؤلاء الأساقفة ومن يقول بقولهم. فكان بين المجمع الرّابع الخلقدوني وبين هذا المجمع مائة وثلاث وستّون سنة (¬b) (٣). ولمّا مات القائد الذي عمل بطرك الإسكندرية، بعد سبع عشرة سنة، أقيم بعده يوحنّا - وكان منانيّا - فأقام ثلاث سنين ومات (٤). وقدّم اليعاقبة بطركا اسمه ثاوداسيوس [Theodose]، أقام مدّة اثنتين وثلاثين سنة، وقدّم الملكية بطركا اسمه داقيوس (¬c) [Gainus]. فكتب الملك إلى متولّي الإسكندرية أن يعرض على بطرك اليعاقبة أمانة المجمع الخلقدوني، فإن لم يقبلها أخرجه، فعرض عليه ذلك فلم يقبله، فأخرجه وأقام بعده بولص التّنّيسي [Paul le Tobennesiote]، فلم يقبله أهل الإسكندرية ومات، فعلّقت كنائس القبط اليعاقبة، وأصابهم من الملكيّة شدائد كثيرة، واستجدّ اليعاقبة

стр. 3325

بالإسكندرية كنيستين في سنة ثمان وأربعين ومائتين لدقلطيانوس (١). ومات ثاوداسيوس ثامن عشرين بؤونة بعد اثنتين وثلاثين سنة من بطركيّته، منها مدّة أربع سنين مدّة نفيه في صعيد مصر، وأقيم بعده بطرس - وكان يعقوبيّا - في خفية بدير الزّجاج بالإسكندرية، قدّمه ثلاثة أساقفة. فأقام سنتين، ومات في خامس عشرين بؤونة. وفي سنة إحدى وثمانين وثمان مائة للإسكندرية (¬a)، أقيم داميانو بطركا بالإسكندرية - وكان يعقوبيّا - فأقام ستّا وثلاثين سنة، ومات في ثامن عشرين بؤونة. وفي أيّامه خربت الدّيارات، وأقام الملكيّة لهم بالإسكندرية بطركا منانيّا اسمه أثناس [Athanase]، فأقام خمس سنين ومات. فأقيم بعده يوحنّا - وكان منانيّا - ولقّب ب «القائم بالحقّ»، فأقام خمسة أشهر ومات. فأقيم بعده يوحنّا «القائم بالأمر» - وكان ملكيّا - فأقام إحدى عشرة سنة، ومات (٢). وفي أيّام الملك طيباريوس ملك الرّوم، بنى النصارى بالمدائن - مدائن كسرى - هيكلا وبنوا أيضا بمدينة واسط هيكلا آخر. وفي أيّام الملك موريق قيصر، زعم راهب اسمه مارون أنّ المسيح ﵇ طبيعتان ومشيئة واحدة/ وأقنوم واحد. فتبعه على رأيه أهل حماة وقنّسرين والعواصم وجماعة من الرّوم، ودانوا بقوله، فعرفوا بين النصارى ب «المارونيّة»، فلمّا مات مارون، بنوا على اسمه دير مارون بحماة (٣). وفي أيّام فوقا ملك الرّوم، بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشّام ومصر، فخرّبوا كنائس القدس وفلسطين وعامّة بلاد الشّام، وقتلوا النصارى بأجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم، فقتلوا منهم أمّة كبيرة، وسبوا منهم سبيا لا يدخل تحت حصر. وساعدهم اليهود في

стр. 3326

محاربة النصارى وتخريب كنائسهم، وأقبلوا نحو الفرس من طبريّة وجبل الجليل وقرية الناصرة ومدينة صور وبلاد المقدس، فنالوا من النصارى كلّ منال، وأعظموا النكاية فيهم، وخرّبوا لهم كنيستين بالقدس (١)، وحرّقوا أماكنهم، وأخذوا قطعة من عود الصّليب، وأسروا بطرك القدس وكثيرا من أصحابه. ثم مضى كسرى بنفسه من العراق لغزو قسطنطينيّة، تخت ملك الرّوم، فحاصرها أربع عشرة سنة (٢). وفي أيّام فوقا أقيم يوحنّا الرّحوم، بطرك الإسكندرية، على الملكيّة. فدبّر أرض مصر كلّها عشر سنين، ومات بقبرس وهو فارّ من الفرس. فخلا كرسي إسكندرية من البطركية سبع سنين، لخلوّ أرض مصر والشّام من الرّوم، واختفى من بقي بها من النصارى خوفا من الفرس (٣). وقدّم اليعاقبة نسطاسيوس بطركا، فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات في ثاني عشرين كيهك سنة ثلاثين وثلاث مائة لدقلطيانوس، فاستردّ ما كانت الملكية قد استولت عليه من كنائس اليعاقبة، ورمّ ما شعّثه الفرس منها. وكانت إقامته بمدينة الإسكندرية، فأرسل إليه أثناسيوس بطرك أنطاكية هديّة صحبة عدّة كثيرة من الأساقفة، ثم قدم عليه زائرا، فتلّقاه وسرّ بقدومه، وصارت أرض مصر في أيّامه جميعها يعاقبة لخلوّها من الرّوم. فثارت اليهود في أثناء ذلك بمدينة صور، وراسلوا بقيّتهم في بلادهم، وتواعدوا على الإيقاع بالنصارى وقتلهم. فكانت بينهم حرب اجتمع فيها من اليهود نحو عشرين ألفا، وهدموا كنائس النصارى خارج صور فقوي النصارى عليهم وكاثروهم، فانهزم اليهود هزيمة قبيحة، وقتل منهم خلق كثير (٤). وكان هرقل قد ملك الرّوم بقسطنطينية، وغلب الفرس بحيلة دبّرها على كسرى حتى رحل عنهم، ثم سار من قسطنطينية ليمهّد ممالك الشّام ومصر، ويجدّد ما خرّبه الفرس منها. فخرج إليه اليهود من طبريّة وغيرها، وقدّموا له الهدايا الجليلة، وطلبوا منه أن يؤمّنهم، ويحلف لهم على ذلك، فأمّنهم وحلف لهم (٥).

стр. 3327

ثم دخل القدس - وقد تلقّاه النصارى بالأناجيل والصّلبان والبخور والشّموع المشعلة - فوجد المدينة وكنائسها وقمامتها خرابا، فساءه ذلك وتوجّع له. وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس، وإيقاعهم بالنصارى وتخريبهم الكنائس، وأنّهم كانوا أشدّ نكاية لهم من الفرس، وقاموا قياما كبيرا في قتلهم عن آخرهم، وحثّوا هرقل على الوقيعة بهم، حسّنوا له ذلك. فاحتجّ عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم وبطاركتهم وقسّيسوهم بأنّه لا حرج عليه في قتلهم، فإنّهم عملوا عليه حيلة حتى أمّنهم من غير أن يعلم بما كان منهم، وأنّهم يقومون عنه بكفّارة يمينه: بأن يلتزموا ويلزموا النصارى بصوم جمعة في كلّ سنة عنه على ممرّ الزّمان والدّهور. فمال إلى قولهم، وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الرّوم بمصر والشّام منهم إلاّ من فرّ واختفى. فكتب البطارقة والأساقفة إلى جميع البلاد بإلزام النصارى بصوم أسبوع في السنة، فالتزموا صومه إلى اليوم، وعرفت عندهم ب «جمعة هرقل»، وتقدّم هرقل بعمارة الكنائس والديارات، وأنفق فيها مالا كبيرا (١). وفي أيّامه أقيم أدراسلون (¬a)، بطرك اليعاقبة بالإسكندرية، فأقام ستّ سنين، ومات في ثامن طوبة، فخربت الدّيارات في مدّة بطركيته (٢). وأقيم بعده على اليعاقبة بنيامين، فعمّر الدّير الذي يقال له «دير أبو بشاي» و «دير سيّدة أبو بشاي»، وهما في وادي هبيب، فأقام تسعا وثلاثين سنة، ملك الفرس منها مصر عشر سنين (٣). ثم قدم هرقل فقتل الفرس بمصر، وأقام قيرش بطرك الإسكندرية - وكان منانيّا - وطلب بنيامين ليقتله فلم يقدر عليه لفراره منه (٤). وكان هرقل مارونيّا، فظفر بمينا أخي بنيامين، فأحرقه بالنار عداوة لليعاقبة، وعاد إلى القسطنطينية. فأظهر اللّه دين الإسلام في أيّامه، وخرج ملك مصر والشّام من يد النصارى، وصار النصارى ذمّة للمسلمين. فكانت مدّة النصارى منذ رفع المسيح إلى أن فتحت مصر، وصار النصارى من القبط ذمّة للمسلمين (¬b) منها مدّة كونهم تحت أيدي الرّوم يقتلونهم أبرح قتل بالصّلب والتّحريق بالنار والرّجم بالحجارة وتقطيع الأعضاء (¬b) ومنها مدّة استيلائهم بتنصّر الملوك (¬b).

стр. 3328

ذكر دخول النصارى من قبط مصر في طاعة المسلمين وأدائهم الجزية واتّخاذهم ذمّة لهم، وما كان في ذلك من الحوادث والأنباء اعلم أنّ أرض مصر، لمّا دخلها المسلمون، كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى. وهم على قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم: أحدهما: «أهل الدّولة»، وكلّهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الرّوم، ورأيهم وديانتهم بأجمعهم «ديانة الملكيّة»، وكانت عدّتهم تزيد على ثلاث مائة ألف رومي. والقسم الآخر «عامّة أهل مصر» - ويقال لهم «القبط» (١) - وأنسابهم مختلطة، لا يكاد يتميّز منهم القبطي من الحبشي من النوبي من الإسرائيلي الأصل من غيره، وكلّهم «يعاقبة»: فمنهم كتّاب المملكة، ومنهم التّجّار والباعة، ومنهم الأساقفة والقسوس ونحوهم، ومنهم أهل الفلاحة والزّرع، ومنهم أهل الخدمة والمهنة وبينهم وبين الملكية أهل الدّولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم، ويوجب قتل بعضهم بعضا، ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدّا، فإنّهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها (٢). فلمّا قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين معه إلى مصر، قاتلهم الرّوم حماية لملكهم ودفعا لهم عن بلادهم. فقاتلهم المسلمون، وغلبوهم على الحصن كما تقدّم ذكره (٣). فطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية، فصالحهم عليها، وأقرّهم على ما بأيديهم من الأراضي وغيرها، وصاروا معه عونا للمسلمين على الرّوم حتى هزمهم اللّه تعالى، وأخرجهم من أرض مصر. وكتب عمرو لبنيامين بطرك اليعاقبة «أمانا»، في سنة عشرين من الهجرة، فسرّه ذلك وقدم على عمرو، وجلس على كرسي بطركيته بعد ما غاب عنه ثلاث عشرة سنة: منها في ملك فارس لمصر عشر سنين، وباقيها بعد قدوم هرقل إلى مصر. فغلبت اليعاقبة على كنائس مصر ودياراتها كلّها، وانفردوا بها دون الملكيّة.

стр. 3329

ويذكر علماء الأخبار من النصارى (١): أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ لمّا فتح مدينة القدس، كتب للنصارى «أمانا» على أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم، وجميع كنائسهم لا تهدم ولا تسكن، وأنّه جلس في وسط صحن كنيسة القمامة، فلمّا حان وقت الصّلاة خرج وصلّى خارج الكنيسة على الدّرجة التي على بابها بمفرده، ثم جلس وقال للبطرك: لو صلّيت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي، وقالوا: «هاهنا صلّى عمر». وكتب كتابا يتضمّن أنّه لا يصلّي أحد من المسلمين على الدّرجة إلاّ واحد واحد، ولا يجتمع المسلمون بها للصّلاة فيها، ولا يؤذّنون عليها، وأنّه أشار عليه البطرك باتّخاذ موضع الصّخرة مسجدا - وكان فوقها تراب كثير - فتناول عمر ﵁ من التّراب في ثوبه، فبادر المسلمون لرفعه حتى لم يبق منه شيء، وعمّر المسجد الأقصى أمام الصّخرة (٢). فلمّا كانت أيّام عبد الملك ابن مروان، أدخل الصّخرة في حرم الأقصى، وذلك سنة خمس وستين من الهجرة (٣). ثم إنّ عمر ﵁ أتى بيت لحم، وصلّى في كنيسته عند الحنية (¬a) التي ولد فيها المسيح، وكتب سجلاّ بأيدي النصارى أن لا يصلّي في هذا الموضع أحد من المسلمين إلاّ رجل بعد رجل، ولا يجتمعوا فيه للصّلاة، ولا يؤذّنوا عليه (٤). ولمّا مات البطرك بنيامين في سنة تسع وثلاثين من الهجرة بالإسكندرية، في إمارة عمرو الثّانية، قدّم اليعاقبة بعده أغانو (¬b)، فأقام سبع عشرة سنة، ومات سنة ستّ وخمسين (٥). وهو الذي بنى كنيسة مرقص بالإسكندرية، فلم تزل إلى أن هدمت في سلطنة الملك العادل أبي بكر ابن أيّوب. وكان في أيّامه الغلاء مدّة ثلاث سنين، وكان يهتمّ بالضّعفاء.

стр. 3330

فأقيم بعده إيساك - وكان يعقوبيّا - فأقام سنتين وأحد عشر شهرا ومات (١). فقدّم اليعاقبة بعده سيمون السّرياني، فأقام سبع سنين ونصفا ومات (٢). وفي أيّامه قدم رسول أهل الهند في طلب أسقف يقيمه لهم، فامتنع من ذلك حتى يأذن له السّلطان (٣)، وأقام غيره، وخلا بعد موته كرسي الإسكندرية ثلاث سنين بغير بطرك. ثم قدّم اليعاقبة في سنة إحدى وثمانين الإسكندروس، فأقام أربعا وعشرين سنة ونصفا - وقيل خمسا وعشرين سنة - ومات سنة ستّ ومائة (٤). ومرّت به شدائد صودر فيها مرّتين، أخذ منه فيهما ستة آلاف دينار. وفي أيّامه أمّر عبد العزيز بن مروان، فأمر بإحصاء الرّهبان فأحصوا، وأخذت منهم الجزية عن كلّ راهب دينار. وهي أوّل جزية أخذت من الرّهبان (٥). ولمّا ولي مصر عبد اللّه بن عبد الملك مروان، اشتدّ على النصارى، واقتدى به قرّة ابن شريك أيضا في ولايته على مصر، وأنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا قبلها بمثلها (٦). وكان عبد اللّه ابن الحبحاب، متولّي الخراج، قد زاد على القبط قيراطا في كلّ دينار. فانتقض عليه عامّة الحوف الشّرقي من القبط، فحاربهم المسلمون، وقتلوا منهم عدّة وافرة في سنة سبع ومائة (٧). واشتدّ أيضا أسامة بن زيد التّنوخي متولّي الخراج على النصارى، وأوقع بهم، وأخذ أموالهم، ووسّم أيدي الرّهبان بحلقة حديد فيها اسم الرّاهب واسم ديره وتاريخه. فكلّ من وجده بغير وسم قطع يده، وكتب إلى الأعمال/ بأنّ من وجد من النصارى، وليس معه منشور، أن يؤخذ منه عشرة دنانير. ثم كبس الدّيارات، وقبض على عدّة من الرّهبان بغير وسم، فضرب أعناق بعضهم، وضرب باقيهم حتّى ماتوا تحت الضّرب (٨). ثم هدمت الكنائس، وكسرت الصّلبان،
следующие страницы →