← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

محاربة النصارى وتخريب كنائسهم، وأقبلوا نحو الفرس من طبريّة وجبل الجليل وقرية الناصرة ومدينة صور وبلاد المقدس، فنالوا من النصارى كلّ منال، وأعظموا النكاية فيهم، وخرّبوا لهم كنيستين بالقدس (١)، وحرّقوا أماكنهم، وأخذوا قطعة من عود الصّليب، وأسروا بطرك القدس وكثيرا من أصحابه. ثم مضى كسرى بنفسه من العراق لغزو قسطنطينيّة، تخت ملك الرّوم، فحاصرها أربع عشرة سنة (٢). وفي أيّام فوقا أقيم يوحنّا الرّحوم، بطرك الإسكندرية، على الملكيّة. فدبّر أرض مصر كلّها عشر سنين، ومات بقبرس وهو فارّ من الفرس. فخلا كرسي إسكندرية من البطركية سبع سنين، لخلوّ أرض مصر والشّام من الرّوم، واختفى من بقي بها من النصارى خوفا من الفرس (٣). وقدّم اليعاقبة نسطاسيوس بطركا، فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات في ثاني عشرين كيهك سنة ثلاثين وثلاث مائة لدقلطيانوس، فاستردّ ما كانت الملكية قد استولت عليه من كنائس اليعاقبة، ورمّ ما شعّثه الفرس منها. وكانت إقامته بمدينة الإسكندرية، فأرسل إليه أثناسيوس بطرك أنطاكية هديّة صحبة عدّة كثيرة من الأساقفة، ثم قدم عليه زائرا، فتلّقاه وسرّ بقدومه، وصارت أرض مصر في أيّامه جميعها يعاقبة لخلوّها من الرّوم. فثارت اليهود في أثناء ذلك بمدينة صور، وراسلوا بقيّتهم في بلادهم، وتواعدوا على الإيقاع بالنصارى وقتلهم. فكانت بينهم حرب اجتمع فيها من اليهود نحو عشرين ألفا، وهدموا كنائس النصارى خارج صور فقوي النصارى عليهم وكاثروهم، فانهزم اليهود هزيمة قبيحة، وقتل منهم خلق كثير (٤). وكان هرقل قد ملك الرّوم بقسطنطينية، وغلب الفرس بحيلة دبّرها على كسرى حتى رحل عنهم، ثم سار من قسطنطينية ليمهّد ممالك الشّام ومصر، ويجدّد ما خرّبه الفرس منها. فخرج إليه اليهود من طبريّة وغيرها، وقدّموا له الهدايا الجليلة، وطلبوا منه أن يؤمّنهم، ويحلف لهم على ذلك، فأمّنهم وحلف لهم (٥).

стр. 3327

ثم دخل القدس - وقد تلقّاه النصارى بالأناجيل والصّلبان والبخور والشّموع المشعلة - فوجد المدينة وكنائسها وقمامتها خرابا، فساءه ذلك وتوجّع له. وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس، وإيقاعهم بالنصارى وتخريبهم الكنائس، وأنّهم كانوا أشدّ نكاية لهم من الفرس، وقاموا قياما كبيرا في قتلهم عن آخرهم، وحثّوا هرقل على الوقيعة بهم، حسّنوا له ذلك. فاحتجّ عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم وبطاركتهم وقسّيسوهم بأنّه لا حرج عليه في قتلهم، فإنّهم عملوا عليه حيلة حتى أمّنهم من غير أن يعلم بما كان منهم، وأنّهم يقومون عنه بكفّارة يمينه: بأن يلتزموا ويلزموا النصارى بصوم جمعة في كلّ سنة عنه على ممرّ الزّمان والدّهور. فمال إلى قولهم، وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الرّوم بمصر والشّام منهم إلاّ من فرّ واختفى. فكتب البطارقة والأساقفة إلى جميع البلاد بإلزام النصارى بصوم أسبوع في السنة، فالتزموا صومه إلى اليوم، وعرفت عندهم ب «جمعة هرقل»، وتقدّم هرقل بعمارة الكنائس والديارات، وأنفق فيها مالا كبيرا (١). وفي أيّامه أقيم أدراسلون (¬a)، بطرك اليعاقبة بالإسكندرية، فأقام ستّ سنين، ومات في ثامن طوبة، فخربت الدّيارات في مدّة بطركيته (٢). وأقيم بعده على اليعاقبة بنيامين، فعمّر الدّير الذي يقال له «دير أبو بشاي» و «دير سيّدة أبو بشاي»، وهما في وادي هبيب، فأقام تسعا وثلاثين سنة، ملك الفرس منها مصر عشر سنين (٣). ثم قدم هرقل فقتل الفرس بمصر، وأقام قيرش بطرك الإسكندرية - وكان منانيّا - وطلب بنيامين ليقتله فلم يقدر عليه لفراره منه (٤). وكان هرقل مارونيّا، فظفر بمينا أخي بنيامين، فأحرقه بالنار عداوة لليعاقبة، وعاد إلى القسطنطينية. فأظهر اللّه دين الإسلام في أيّامه، وخرج ملك مصر والشّام من يد النصارى، وصار النصارى ذمّة للمسلمين. فكانت مدّة النصارى منذ رفع المسيح إلى أن فتحت مصر، وصار النصارى من القبط ذمّة للمسلمين (¬b) منها مدّة كونهم تحت أيدي الرّوم يقتلونهم أبرح قتل بالصّلب والتّحريق بالنار والرّجم بالحجارة وتقطيع الأعضاء (¬b) ومنها مدّة استيلائهم بتنصّر الملوك (¬b).

стр. 3328

ذكر دخول النصارى من قبط مصر في طاعة المسلمين وأدائهم الجزية واتّخاذهم ذمّة لهم، وما كان في ذلك من الحوادث والأنباء اعلم أنّ أرض مصر، لمّا دخلها المسلمون، كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى. وهم على قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم: أحدهما: «أهل الدّولة»، وكلّهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الرّوم، ورأيهم وديانتهم بأجمعهم «ديانة الملكيّة»، وكانت عدّتهم تزيد على ثلاث مائة ألف رومي. والقسم الآخر «عامّة أهل مصر» - ويقال لهم «القبط» (١) - وأنسابهم مختلطة، لا يكاد يتميّز منهم القبطي من الحبشي من النوبي من الإسرائيلي الأصل من غيره، وكلّهم «يعاقبة»: فمنهم كتّاب المملكة، ومنهم التّجّار والباعة، ومنهم الأساقفة والقسوس ونحوهم، ومنهم أهل الفلاحة والزّرع، ومنهم أهل الخدمة والمهنة وبينهم وبين الملكية أهل الدّولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم، ويوجب قتل بعضهم بعضا، ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدّا، فإنّهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها (٢). فلمّا قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين معه إلى مصر، قاتلهم الرّوم حماية لملكهم ودفعا لهم عن بلادهم. فقاتلهم المسلمون، وغلبوهم على الحصن كما تقدّم ذكره (٣). فطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية، فصالحهم عليها، وأقرّهم على ما بأيديهم من الأراضي وغيرها، وصاروا معه عونا للمسلمين على الرّوم حتى هزمهم اللّه تعالى، وأخرجهم من أرض مصر. وكتب عمرو لبنيامين بطرك اليعاقبة «أمانا»، في سنة عشرين من الهجرة، فسرّه ذلك وقدم على عمرو، وجلس على كرسي بطركيته بعد ما غاب عنه ثلاث عشرة سنة: منها في ملك فارس لمصر عشر سنين، وباقيها بعد قدوم هرقل إلى مصر. فغلبت اليعاقبة على كنائس مصر ودياراتها كلّها، وانفردوا بها دون الملكيّة.

стр. 3329

ويذكر علماء الأخبار من النصارى (١): أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ لمّا فتح مدينة القدس، كتب للنصارى «أمانا» على أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم، وجميع كنائسهم لا تهدم ولا تسكن، وأنّه جلس في وسط صحن كنيسة القمامة، فلمّا حان وقت الصّلاة خرج وصلّى خارج الكنيسة على الدّرجة التي على بابها بمفرده، ثم جلس وقال للبطرك: لو صلّيت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي، وقالوا: «هاهنا صلّى عمر». وكتب كتابا يتضمّن أنّه لا يصلّي أحد من المسلمين على الدّرجة إلاّ واحد واحد، ولا يجتمع المسلمون بها للصّلاة فيها، ولا يؤذّنون عليها، وأنّه أشار عليه البطرك باتّخاذ موضع الصّخرة مسجدا - وكان فوقها تراب كثير - فتناول عمر ﵁ من التّراب في ثوبه، فبادر المسلمون لرفعه حتى لم يبق منه شيء، وعمّر المسجد الأقصى أمام الصّخرة (٢). فلمّا كانت أيّام عبد الملك ابن مروان، أدخل الصّخرة في حرم الأقصى، وذلك سنة خمس وستين من الهجرة (٣). ثم إنّ عمر ﵁ أتى بيت لحم، وصلّى في كنيسته عند الحنية (¬a) التي ولد فيها المسيح، وكتب سجلاّ بأيدي النصارى أن لا يصلّي في هذا الموضع أحد من المسلمين إلاّ رجل بعد رجل، ولا يجتمعوا فيه للصّلاة، ولا يؤذّنوا عليه (٤). ولمّا مات البطرك بنيامين في سنة تسع وثلاثين من الهجرة بالإسكندرية، في إمارة عمرو الثّانية، قدّم اليعاقبة بعده أغانو (¬b)، فأقام سبع عشرة سنة، ومات سنة ستّ وخمسين (٥). وهو الذي بنى كنيسة مرقص بالإسكندرية، فلم تزل إلى أن هدمت في سلطنة الملك العادل أبي بكر ابن أيّوب. وكان في أيّامه الغلاء مدّة ثلاث سنين، وكان يهتمّ بالضّعفاء.

стр. 3330

فأقيم بعده إيساك - وكان يعقوبيّا - فأقام سنتين وأحد عشر شهرا ومات (١). فقدّم اليعاقبة بعده سيمون السّرياني، فأقام سبع سنين ونصفا ومات (٢). وفي أيّامه قدم رسول أهل الهند في طلب أسقف يقيمه لهم، فامتنع من ذلك حتى يأذن له السّلطان (٣)، وأقام غيره، وخلا بعد موته كرسي الإسكندرية ثلاث سنين بغير بطرك. ثم قدّم اليعاقبة في سنة إحدى وثمانين الإسكندروس، فأقام أربعا وعشرين سنة ونصفا - وقيل خمسا وعشرين سنة - ومات سنة ستّ ومائة (٤). ومرّت به شدائد صودر فيها مرّتين، أخذ منه فيهما ستة آلاف دينار. وفي أيّامه أمّر عبد العزيز بن مروان، فأمر بإحصاء الرّهبان فأحصوا، وأخذت منهم الجزية عن كلّ راهب دينار. وهي أوّل جزية أخذت من الرّهبان (٥). ولمّا ولي مصر عبد اللّه بن عبد الملك مروان، اشتدّ على النصارى، واقتدى به قرّة ابن شريك أيضا في ولايته على مصر، وأنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا قبلها بمثلها (٦). وكان عبد اللّه ابن الحبحاب، متولّي الخراج، قد زاد على القبط قيراطا في كلّ دينار. فانتقض عليه عامّة الحوف الشّرقي من القبط، فحاربهم المسلمون، وقتلوا منهم عدّة وافرة في سنة سبع ومائة (٧). واشتدّ أيضا أسامة بن زيد التّنوخي متولّي الخراج على النصارى، وأوقع بهم، وأخذ أموالهم، ووسّم أيدي الرّهبان بحلقة حديد فيها اسم الرّاهب واسم ديره وتاريخه. فكلّ من وجده بغير وسم قطع يده، وكتب إلى الأعمال/ بأنّ من وجد من النصارى، وليس معه منشور، أن يؤخذ منه عشرة دنانير. ثم كبس الدّيارات، وقبض على عدّة من الرّهبان بغير وسم، فضرب أعناق بعضهم، وضرب باقيهم حتّى ماتوا تحت الضّرب (٨). ثم هدمت الكنائس، وكسرت الصّلبان،

стр. 3331

ومحيت التّماثيل، وكسرت الأصنام بأجمعها - وكانت كثيرة - في سنة أربع ومائة، والخليفة يومئذ يزيد بن عبد الملك (١). فلمّا قام هشام بن عبد الملك في الخلافة، كتب إلى مصر بأن يجري النصارى على عوايدهم وما بأيديهم من العهد. فقدم حنظلة بن صفوان أميرا على مصر في ولايته الثانية، فتشدّد على النصارى، وزاد في الخراج، وأحصى الناس والبهائم، وجعل على كلّ نصراني وسما صورة أسد، وتتبّعهم فمن وجده بغير وسم قطع يده (٢). ثم أقام اليعاقبة بعد موت الإسكندروس بطركا اسمه قسيما، فأقام خمسة عشر شهرا ومات، فقدّموا بعده تادرس في سنة تسع ومائة، ومات بعد إحدى عشرة سنة. وفي أيّامه أحدثت كنيسة بومنا (¬a) بخطّ الحمراء، ظاهر مدينة مصر، في سنة سبع عشرة ومائة، فقام جماعة من المسلمين على الوليد بن رفاعة أمير مصر بسببها (٣). وفي سنة عشرين ومائة، قدّم اليعاقبة ميخائيل بطركا، فأقام ثلاثا وعشرين سنة ومات. وفي أيّامه انتقض القبط بالصّعيد، وحاربوا العمّال في سنة إحدى وعشرين، فحوربوا، وقتل كثير منهم. ثم خرج يحنّس بسمنّود وحارب، وقتل في الحرب، وقتل معه قبط كثير في سنة اثنتين وثلاثين ومات. ثم خالفت القبط برشيد، فبعث إليهم مروان بن محمد، لمّا قدم مصر، وهزمهم (٤). وقبض عبد الملك بن موسى بن نصير أمير مصر على البطرك ميخائيل، فاعتقله وألزمه بمال، فسار بأساقفة في أعمال مصر يسأل أهلها، فوجدهم في شدائد، فعاد إلى الفسطاط ودفع إلى عبد الملك ما حصل له، فأفرج عنه. فنزل به بلاء كبير من مروان، وبطش به وبالنصارى، وأحرق مصر وغلاّتها. وأسر عدّة من النساء المترهّبات ببعض الدّيارات، وراود واحدة منهم عن نفسها، فاحتالت عليه، ودفعته عنها بأن رغّبته في دهن معها إذا ادّهن به الإنسان لا يعمل فيه

стр. 3332

السّلاح، وأوثقته بأن مكّنته من التّجربة في نفسها، فتمّت حيلتها عليه، وأخرجت زيتا ادّهنت به، ثم مدّت عنقها، فضربها بسيفه أطار رأسها. فعلم أنّها اختارت الموت على الزّنا. وما زال البطرك والنصارى في الحديد مع مروان، إلى أن قتل ببوصير، فأفرج عنهم. وأمّا «الملكيّة» فإنّ ملك الرّوم لاون، أقام قسيما بطرك الملكيّة بالإسكندرية في سنة سبع ومائة، فمضى ومعه هديّة إلى هشام بن عبد الملك. فكتب له بردّ كنائس الملكيّة إليهم، فأخذ من اليعاقبة كنيسة البشارة. وكان الملكيّة أقاموا سبعا وسبعين سنة بغير بطرك في مصر، من عهد عمر ابن الخطّاب ﵁ إلى خلافة هشام بن عبد الملك، فغلب اليعاقبة في هذه المدّة على جميع كنائس مصر، وأقاموا بها منهم أساقفة. وبعث إليهم أهل بلاد النوبة في طلب أساقفة، فبعثوا إليهم من أساقفة اليعاقبة، فصارت النوبة من ذلك العهد يعاقبة (١). ثم لمّا مات ميخائيل، قدّم اليعاقبة في سنة ستّ وأربعين ومائة أنبا مسنا، فأقام سبع سنين ومات. وفي أيّامه خرج القبط بناحية سخا، وأخرجوا العمّال في سنة خمسين ومائة، وصاروا في جمع. فبعث إليهم يزيد بن حاتم بن قبيصة أمير مصر عسكرا، فأتاهم القبط ليلا، وقتلوا عدّة من المسلمين، وهزموا باقيهم (٢). فاشتدّ البلاء على النصارى، واحتاجوا إلى أكل الجيف، وهدمت الكنائس المحدثة بمصر، فهدمت كنيسة مريم المجاورة لأبي شنودة بمصر، وهدمت كنائس محارس قسطنطين. فبذل النصارى لسليمان بن علي أمير مصر في تركها خمسين ألف دينار، فأبى. فلمّا ولي بعده موسى ابن عيسى، أذن لهم في بنائها، فبنيت كلّها بمشورة الليث بن سعد وعبد اللّه بن لهيعة قاضي مصر، واحتجّا بأنّ بناءها من عمارة البلاد، وبأنّ الكنائس التي بمصر لم تبن إلاّ في الإسلام في زمن الصّحابة والتّابعين (٣). فلمّا مات أنبا مسنا، قدّم اليعاقبة بعده يوحنّا، فأقام ثلاثا وعشرين سنة ومات. وفي أيّامه خرج القبط ببلهيب سنة ستّ وخمسين، فبعث إليهم موسى بن عليّ أمير مصر، وهزمهم (٤).

стр. 3333

وقدّم بعده اليعاقبة مرقص الجديد، فأقام عشرين سنة وسبعين يوما ومات. وفي أيّامه كانت الفتنة بين الأمين والمأمون، فانتهبت النصارى بالإسكندرية، وأحرقت لهم مواضع عديدة، وحرّقت ديارات وادي هبيب ونهبت، فلم يبق بها من رهبانها إلاّ نفر قليل. وفي أيّامه مضى بطرك الملكيّة إلى بغداد، وعالج بعض حظايا أهل الخليفة، فإنّه كان حاذقا بالطب، فلمّا عوفيت كتب له بردّ كنائس الملكيّة التي تغلّب عليها اليعاقبة بمصر، فاستردّها منهم، وأقام في بطركيّة الملكيّة أربعين سنة ومات (١). ثم قدّم اليعاقبة بعد مرقص يعقوب، في سنة إحدى عشرة ومائتين، فأقام عشر سنين وثمانية أشهر ومات. وفي أيّامه/ عمّرت الدّيارات، وعاد الرّهبان إليها، وعمّرت كنيسة بالقدس لمن يرد من نصارى مصر، وقدم عليه ديونوسيس بطرك أنطاكية، فأكرمه حتّى عاد إلى كرسيه (٢). وفي أيّامه انتقض القبط في سنة ستّ عشرة ومائتين. فأوقع بهم الأفشين حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون، فحكم فيهم بقتل الرّجال، وبيع النساء والذّرّيّة، فبيعوا وسبي أكثرهم (٣). ومن حينئذ ذلّت القبط في جميع أرض مصر، ولم يقدر أحد منهم بعد ذلك على الخروج على السّلطان، وغلبهم المسلمون على عامّة القرى؛ فرجعوا من المحاربة إلى المكايدة، واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين، وعملوا كتّاب الخراج، فكانت لهم وللمسلمين أخبار كثيرة يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى (٤). ثم قدّم اليعاقبة سيماون بطركا في سنة اثنين وعشرين ومائتين، فأقام سنة ومات - وقيل بل أقام سبعة أشهر وستّة عشر يوما - فخلا كرسي البطاركة بعده سنة وسبعة وعشرين يوما (٥). وقدّم اليعاقبة يوساب في دير بومقّار بوادي هبيب، في سنة سبع وعشرين ومائتين، فأقام ثماني عشرة سنة ومات. وفي أيّامه قدم مصر يعقوب مطران الحبشة، وقد نفته زوجة ملكهم وأقامت عوضه أسقفا، فبعث ملك الحبشة يطلب إعادته من البطرك، فبعث به إليه، وبعث أيضا

стр. 3334

عدّة أساقفة إلى إفريقية. وفي أيّامه مات بطرك أنطاكية الوارد إلى مصر في السنة الخامسة عشرة من بطركيّته (١). وفي أيّامه أمر المتوكّل على اللّه، في سنة خمس وثلاثين ومائتين، أهل الذّمّة بلبس الطيالسة العسليّة وشدّ الزّنانير، وركوب السّروج بالرّكب الخشب، وعمل كرتين في مؤخّر السّرج، وعمل رقعتين على لباس رجالهم تخالفان لون الثّوب، قدر كلّ واحدة منهما أربع أصابع، ولون كلّ واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليّا، ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب. ونهى أن يستعان بهم في أعمال السّلطان ولا يعلّمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبا، وأن لا يشعلوا في الطريق نارا (¬a)، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب بذلك إلى الآفاق (٢). ثم أمر في سنة تسع وثلاثين أهل الذّمّة بلبس درّاعتين عسليّتين على الذّراريع والأقبية، وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين (٣). فلمّا مات يوساب، في سنة اثنتين وأربعين ومائتين، خلا الكرسي بعده ثلاثين يوما. وقدّم اليعاقبة قسّيسا بدير يحنّس، يدعى بميكائيل، في البطركيّة. فأقام سنة وخمسة أشهر، ومات فدفن بدير بومقّار، وهو أوّل بطرك دفن فيه، فخلا الكرسي بعده أحدا وثمانين يوما (٤).

стр. 3335

ثم قدّم اليعاقبة في سنة أربع وأربعين ومائتين شمّاسا بدير بومقّار، اسمه قسيما، فأقام في البطركيّة سبع سنين وخمسة أشهر ومات. فخلا الكرسي بعده أحدا وخمسين يوما (١). وفي أيّامه أمر توفيل بن ميخائيل، ملك الرّوم، بمحو الصّور من الكنائس، وأن لا تبقى صورة في كنيسة. وكان سبب ذلك أنّه بلغه عن قيّم كنيسة أنّه عمل في صورة مريم ﵍ شبه ثدي يخرج منه لبن ينقط في يوم عيدها. فكشف عن ذلك، فإذا هو مصنوع ليأخذ به القيّم المال، فضرب عنقه، وأبطل الصّور من الكنائس، فبعث إليه قسيما (٢)، بطرك اليعاقبة، وناظره حتى سمح بإعادة الصّور على ما كانت عليه (٣). ثم قدّم اليعاقبة ساتير (¬a) بطركا، فأقام تسع عشرة سنة ومات (٤). فأقيم يوسابيوس في أوّل خلافة المعتزّ، فأقام إحدى عشرة سنة ومات، وعمل في بطركيّته مجاري تحت الأرض بالإسكندرية يجري بها الماء من الخليج إلى البيوت. وفي أيّامه قدم أحمد ابن طولون مصر أميرا عليها (٥). ثم قدّم اليعاقبة ميخائيل، فأقام خمسا وعشرين سنة، ومات بعدما ألزمه أحمد بن طولون بحمل عشرين ألف دينار، باع فيها رباع الكنائس الموقوفة عليها، وأرض الحبش ظاهر فسطاط مصر، وباع الكنيسة بجوار المعلّقة من قصر الشّمع لليهود (٦)، وقرّر «الدّياريّة» على كلّ نصراني قيراطا في السّنة (٧)، فقام بنصف المقرّر عليه. وفي أيّامه قتل الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد ابن

стр. 3336

طولون؛ فلمّا مات شغر كرسي الإسكندرية بعده من البطاركة أربع عشرة سنة (١). وفي يوم الاثنين ثالث شوّال سنة ثلاث مائة أحرقت الكنيسة الكبرى المعروفة بالقيامة (¬a) في الإسكندرية، وهي التي كانت هيكل زحل، وكانت من بناء كلاوبطرة (¬b) (٢). وفي سنة إحدى وثلاث مائة قدّم اليعاقبة غبريال بطركا، فأقام إحدى عشرة سنة ومات، وأخذت في أيّامه «الدّيارية» على الرّجال والنساء (٣). وقدّم بعده اليعاقبة في سنة إحدى عشرة وثلاث مائة قسيما، فأقام اثنتي عشرة سنة ومات (٤). وفي يوم السبت النصف من شهر رجب سنة اثنتي عشرة (¬c) وثلاث مائة، أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق، ونهبوا ما فيها من الآلات والأواني، وقيمتها كثيرة جدّا، ونهبوا ديرا للنساء بجوارها، وشعّثوا كنائس النسطورية واليعقوبيّة (٥). وفي سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة، قدم/ الوزير علي بن عيسى بن الجرّاح إلى مصر. فكشف البلد (٦)، وألزم الأساقفة والرّهبان وضعفاء النصارى بأداء الجزية، فأدّوها، ومضى طائفة منهم إلى بغداد، واستغاثوا بالمقتدر باللّه. فكتب إلى مصر بأن لا يؤخذ من الأساقفة والرّهبان والضّعفاء جزية، وأن يجروا على العهد الذي بأيديهم (٧). وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، قدّم اليعاقبة بطركا اسمه (¬c)، فأقام عشرين سنة ومات. وفي أيّامه ثار المسلمون بالقدس سنة خمس وعشرين وثلاث مائة، وحرقوا كنيسة القيامة ونهبوها، وخرّبوا منها ما قدروا عليه (٨).

стр. 3337

وفي يوم الاثنين آخر شهر رجب سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة مات سعيد بن بطريق، بطرك الإسكندرية على الملكيّة، بعد ما أقام في البطركيّة سبع سنين ونصفا، في شرور متّصلة مع طائفته. فبعث الأمير أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد أبا الحسين (١) من قوّاده في طائفة من الجند، إلى مدينة تنّيس حتى ختم على كنائس الملكيّة، وأحضر آلاتها إلى الفسطاط - وكانت كثيرة جدّا - فافتكّها الأسقف بخمسة آلاف دينار، باعوا فيها من وقف الكنائس (٢)، ثم صالح طائفته، وكان فاضلا وله تاريخ مفيد (٣). وثار المسلمون أيضا بمدينة عسقلان، وهدموا كنيسة مريم الخضراء، ونهبوا ما فيها، وأعانهم اليهود حتى أحرقوها ففرّ أسقف عسقلان إلى الرّملة، وأقام بها حتى مات (٤). وقدّم اليعاقبة في سنة خمس وأربعين وثلاث مائة تاوفانيوس بطركا، فأقام أربع سنين وستة أشهر ومات. فأقيم بعده مينا، فأقام إحدى عشرة سنة ومات. فخلا الكرسي بعده سنة (٥). ثم قدّم اليعاقبة أفراهام بن زرعة في سنة ستّ وستين وثلاث مائة، فأقام ثلاث سنين وستة أشهر، ومات مسموما من بعض كتّاب النصارى، وسببه أنّه منعه من التّسرّي (٦). فخلا الكرسي بعده ستة أشهر. وأقيم فيلاتاوس في سنة تسع وستين، فأقام أربعا وعشرين سنة ومات، وكان مترفا (٧). وفي أيّامه أخذت الملكيّة كنيسة السّيّدة - المعروفة بكنيسة البطرك -

стр. 3338

تسلّمها منهم بطرك الملكيّة أرسانيوس في أيّام العزيز باللّه نزار بن المعزّ (١). وفي سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة، قدّم اليعاقبة زخارياس (¬a) بطركا، فأقام ثماني وعشرين سنة: منها في البلايا مع الحاكم بأمر اللّه أبي علي منصور بن العزيز باللّه تسع سنين، اعتقله فيها ثلاثة أشهر، وأمر به فألقي للسّباع هو وسوسنة النوبي، فلم تضرّه فيما زعم النصارى. ولمّا مات خلا الكرسي بعده أربعة وسبعين يوما (٢). وفي بطركيته نزل بالنصارى شدائد لم يعهدوا مثلها، وذلك أنّ كثيرا منهم كان قد تمكّن في أعمال الدّولة حتى صاروا كالوزراء وتعاظموا لاتّساع أحوالهم وكثرة أموالهم، فاشتدّ بأسهم، وتزايد ضررهم ومكايدتهم للمسلمين. فأغضب الحاكم بأمر اللّه ذلك - وكان لا يملك نفسه إذا غضب - فقبض على عيسى بن نسطورس النصراني، وهو إذ ذاك في رتبة تضاهي رتبة الوزراء، وضرب عنقه (٣). ثم قبض على فهد بن إبراهيم النصراني، كاتب الأستاذ برجوان، وضرب عنقه (٤). وتشدّد على النصارى، وألزمهم بلبس ثياب الغيار وشدّ الزّنّار في أوساطهم (٥)، ومنعهم من عمل الشّعانين وعيد الصّليب، والتّظاهر بما كانت عادتهم فعله في أعيادهم من الاجتماع واللهو، وقبض على جميع ما هو محبّس على الكنائس والدّيارات، وأدخله في الدّيوان، وكتب إلى

стр. 3339

أعماله كلّها بذلك، وأحرق عدّة صلبان كثيرة، ومنع النصارى من شراء العبيد والإماء. وهدم الكنائس التي بخطّ راشدة ظاهر مدينة مصر، وأخرب كنائس المقس خارج القاهرة، وأباح ما فيها للناس، فانتهبوا منها ما يجلّ وصفه (١) وهدم دير القصير، وأنهب العامّة ما فيه، ومنع النصارى من عمل الغطاس على شاطئ النيل بمصر، وأبطل ما كان يعمل فيه من الاجتماع للهو. وألزم رجال النصارى بتعليق الصّلبان الخشب - التي زنة كلّ صليب منها خمسة أرطال - في أعناقهم، ومنعهم من ركوب الخيل، وجعل لهم أن يركبوا البغال والحمير بسروج ولجم غير محلاّة بالذّهب والفضّة، بل تكون من جلود سود. وضرب بالجرس في القاهرة ومصر. أن لا يركب أحد من المكاريّة ذميّا، ولا يحمل نوتي مسلم أحدا من أهل الذّمّة، وأن تكون ثياب النصارى وعمائمهم شديدة السّواد، وركب سروجهم من خشب الحمير، وأن يعلّق اليهود في أعناقهم خشبا مدوّرا زنة الخشبة منها خمسة أرطال، وهي ظاهرة فوق ثيابهم. وأخذ في هدم الكنائس كلّها، وأباح ما فيها وما هو محبّس عليها للناس نهبا وإقطاعا. فهدمت بأسرها، ونهب جميع أمتعتها، وأقطع أحباسها، وبنى في مواضعها المساجد، وأذن بالصّلاة في كنيسة شنودة بمصر، وأحيط بكنيسة المعلّقة في قصر الشّمع. وأكثر الناس من رفع القصص بطلب كنائس أعمال مصر ودياراتها. فلم يردّ قصّة منها إلاّ وقد وقّع عليها بإجابة رافعها لما سأل فأخذوا أمتعة الكنائس والدّيارات، وباعوا بأسواق مصر ما وجدوا من أواني الذّهب والفضّة وغير ذلك، وتصرّفوا في أحباسها. ووجد بكنيسة شنودة مال جليل، ووجد في المعلّقة من المصاغ وثياب الدّيباج أمر كثير جدّا إلى الغاية. وكتب إلى ولاة الأعمال بتمكين المسلمين من هدم الكنائس والدّيارات،/ فعمّ الهدم فيها من سنة ثلاث وأربع مائة؛ حتى ذكر من يوثق به في ذلك أنّ الذي هدم إلى آخر سنة خمس وأربع مائة، بمصر والشّام وأعمالهما، من الهياكل التي بناها الرّوم نيّف وثلاثون ألف بيعة، ونهب ما فيها من آلات الذّهب والفضّة وقبض على أوقافها، وكانت أوقافا جليلة على مبان عجيبة. وألزم النصارى أن تكون الصّلبان في أعناقهم إذا دخلوا الحمّام، وألزم اليهود أن يكون في أعناقهم الأجراس إذا دخلوا الحمّام ثم ألزم اليهود والنصارى بخروجهم كلّهم من أرض مصر إلى

стр. 3340

بلاد الرّوم. فاجتمعوا بأسرهم تحت القصر من القاهرة، واستغاثوا ولاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا من النفي. وفي هذه الحوادث أسلم كثير من النصارى (١). وفي سنة سبع وأربع مائة، وثب بعض أكابر البلغر على ملكهم قمطورس فقتله، وملك عوضه، وكتب إلى باسيل ملك قسطنطينية بطاعته فأقرّه، ثم قتل بعد سنة. فسار الملك باسيل إليهم، في شوّال سنة ثمان وأربع مائة، واستولى على مملكة البلغر، وأقام في قلاعها عدّة من الرّوم، وعاد إلى قسطنطينية. فاختلط الرّوم بالبلغر، ونكحوا منهم، وصاروا يدا واحدة بعد شدّة العداوة (٢). وقدّم اليعاقبة عليهم سانونيوس (¬a) بطركا بالإسكندرية، في سنة إحدى وعشرين وأربع مائة، في يوم الأحد ثالث عشرين برمهات فأقام خمس عشرة سنة ونصفا، ومات في طوبة، وكان محبّا للمال وأخذ «الشّرطونيّة». فخلا الكرسي بعده سنة وخمسة أشهر (٣). ثم قدّم اليعاقبة إخرسطودلس بطركا، في سنة تسع وثلاثين وأربع مائة، فأقام ثلاثين سنة، ومات بالمعلّقة من مصر. وهو الذي جعل كنيسة بومرقورة بمصر، وكنيسة السّيّدة بحارة الرّوم من القاهرة في أيّام بطركيّته. فلم يقم بعده بطرك اثنين وسبعين يوما (٤).

стр. 3341

ثم أقام اليعاقبة كيرلّص، فأقام أربع عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصفا، ومات بكنيسة [ميكائيل ب] (¬a) المختار من جزيرة مصر - المعروفة بالرّوضة - في سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وأربع مائة، وعمل بدلة للبطاركة من ديباج أزرق وبلاّرية ديباج أحمر بتصاوير ذهب، وقطع «الشّرطونيّة». فلم يولّ بعده بطرك مدّة مائة وأربعة وعشرين يوما (١). ثم أقيم ميخائيل الحبيس بسنجار (¬b) [من أعمال نستروه (¬c)] في سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة، فأقام تسع سنين وثمانية أشهر، ومات في المعلّقة بمصر (٢). وكان المستنصر باللّه، لمّا نقص نيل مصر، بعثه إلى بلاد الحبشة بهديّة سنيّة فتلقّاه ملكها، وسأله عن سبب قدومه، فعرّفه نقص النيل، وضرر أهل مصر بسبب ذلك. فأمر بفتح سدّ يجري منه الماء إلى أرض مصر ففتح، وزاد النيل في ليلة واحدة ثلاثة أذرع، واستمرّت الزّيادة حتى رويت البلاد وزرعت. ثم عاد البطرك فخلع عليه المستنصر وأحسن إليه (٣). وفي سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة، قدّم اليعاقبة أبا مقاره (¬d) بطركا بدير بومقّار، وكمل بالإسكندرية وعاد إلى مصر ثم مضى إلى دير بومقّار فقدّس به، ثم جاء إلى مصر فقدّس بالمعلّقة، فأقام ستّا وعشرين سنة وأحدا وأربعين يوما ومات (٤). فخلت مصر من بطرك اليعاقبة سنتين وشهرين.

стр. 3342

وفي أيّامه حدثت زلزلة عظيمة بمصر هدم فيها كنيسة [ميخائيل ب] (¬a) المختار بالرّوضة، واتّهم الأفضل ابن أمير الجيوش بهدمها فإنّها كانت في بستانه، وفي أيّامه أبطل عوايد كثيرة للنصارى، فبطلت بعده (١). ثم قدّم اليعاقبة غبريال، المكنّى بأبي العلا صاعد بن تريك، الشّمّاس بكنيسة مرقوريوس في سنة خمس وعشرين وخمس مائة بالمعلّقة، وكمل بالإسكندرية، وقدّس بالأديرة بوادي هبيب، وأقام أربع عشرة سنة ومات (٢). فخلا بعده كرسي اليعاقبة ثلاثة أشهر. ثم قدّم اليعاقبة ميخائيل بن التّقدوسي، الرّاهب بقلاّية دمشري (¬b)، بطركا (¬c) بكنيسة المعلّقة بمصر وكمل في الإسكندرية، فأقام تسعة أشهر ومات يوم الجمعة رابع شوّال سنة إحدى وأربعين وخمس مائة فلم يولّ بعده بطرك (¬c) مدّة سنة وسبعين يوما (٣). ثم أقيم يونس أبو الفتح بطركا بالمعلّقة، وكمل بالإسكندرية، فأقام تسع عشرة سنة، ومات في سابع عشرين جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمس مائة. فخلا الكرسي بعده ثلاثة وأربعين يوما (٤). وقدّم مرقص بن زرعة، المكنّى بأبي الفرج، بطرك اليعاقبة بمصر، وكمل بالإسكندرية، فأقام اثنتين وعشرين سنة وستّة أشهر وخمسة وعشرين يوما ومات (٥). وفي أيّامه انتقل مرقص بن قنبر، وجماعة من القنابرة، إلى رأي الملكيّة، ثم عاد إلى اليعقوبيّة فقبل، ثم عاد إلى الملكيّة ورجع فلم يقبل. وكان هذا البطرك له همّة ومروءة، وفي أيّامه كان حريق شاور الوزير لمصر في ثامن عشر هتور، فاحترقت كنيسة بومرقورة، وخلا بعده كرسي البطاركة سبعة وعشرين يوما (٦).

стр. 3343

ثم قدّم اليعاقبة يوانس (¬a) بن أبي غالب بطركا، في يوم الأحد عاشر ذي الحجة سنة أربع وثمانين وخمس مائة، وكمل بالإسكندرية. فأقام ستّا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما، ومات يوم الخميس رابع عشر شهر رمضان سنة ثنتي عشرة وستّ مائة بالمعلّقة بمصر، ودفن بالحبش (١). وكان في ابتداء أمره تاجرا يتردّد إلى اليمن (¬b) في المتجر (¬c) حتى كثر ماله (٢)، وكان معه مال لأولاد الجبّاب (¬d)، فاتّفق أنه غرق في بحر الملح وذهب ماله، ونجا بنفسه إلى القاهرة، وقد أيس أولاد الجبّاب (¬d) من مالهم. فلمّا لقيهم أعلمهم أنّ مالهم قد سلم، فإنّه كان قد عمله في نقائر خشب مسمّرة في المركب، فصار لهم به عناية. فلمّا مات مرقص بن زرعة، سعى يوانس هذا للقسّ أبي ياسر،/ فقال له أولاد الجبّاب (¬d): خذ أنت البطركية ونحن نزكّيك، فوافقهم، وأقيم بطركا، فشقّ ذلك على أبي ياسر، وهجره بعد صحبة طويلة. وكان معه لمّا استقرّ في البطركيّة سبعة عشر ألف دينار مصرية أنفقها على الفقراء، وأبطل «الدّياريّة»، ومنع «الشّرطونيّة»، ولم يأكل لأحد من النصارى خبزا، ولا قبل من أحد هديّة (٢). فلمّا مات قام أبو الفتوح نشو الخلافة (¬e) بن الميقاط، كاتب الجيش مع السّلطان الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، في ولاية القسّ داود بن يوحنّا بن لقلق الفيّومي، فإنّه كان خصيصا به (٣). فأجابه، وكتب توقيعه من غير أن يعلم الملك الكامل محمد ابن السّلطان، فشقّ ذلك على النصارى، وقام منهم الأسعد بن صدقة، كاتب دار التّفّاح بمصر، ومعه جماعة، وتوجّهوا سحرا ومعهم الشّموع إلى تحت قلعة الجبل - حيث كان سكن الملك الكامل - واستغاثوا به، ووقعوا في القسّ، وقالوا: لا يصلح، وفي شريعتنا أنّه لا يقدّم البطرك إلاّ باتّفاق الجمهور عليه. فبعث الملك الكامل يطيّب خواطرهم.

стр. 3344

وكان القسّ قد ركب بكرة، ومعه الأساقفة وعالم كثير من النصارى، ليقدّموه بالمعلّقة بمصر وذلك يوم الأحد. فركب الملك الكامل بسحر كثير (¬a) من القلعة إلى أبيه بدار الوزارة من القاهرة حيث سكنه، وأوقف ولاية القسّ. فبعث السّلطان في طلب الأساقفة ليتحقّق الأمر منهم، فوافقهم (¬b) الرّسل مع القسّ في الطريق، فأخذوهم ودخل القسّ إلي كنيسة بوجرج التي بالحمراء (¬c)، وبطلت بطركيته، وأقامت مصر بغير بطرك تسع عشرة سنة ومائة وستين يوما (١). ثم قدّم هذا القسّ (¬d) بطركا، في يوم الأحد تاسع عشرين شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستّ مائة، فأقام سبع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيّام، ومات يوم الثلاثاء سابع عشر شهر رمضان سنة أربعين وستّ مائة، ودفن بدير الشّمع بالجيزة، وكان عالما بدينه، محبّا للرّياسة، وأخذ «الشّرطونيّة» في بطركيّته، وكانت الدّيارات بأرض مصر (¬e) قد خلت من الأساقفة، فقدّم جماعة أساقفة كثيرة بمال كثير أخذه منهم، وقاسى شدائد، ورافعه الرّاهب عماد المرشار (¬f)، ووكّل عليه وعلى أقاربه وألزامه، وساعده الرّاهب السّني ابن الثّعبان، وأشاع مثالبه، وقال: لا يصحّ له كهنوتيّة (¬g) لأنّه تقدّم بالرّشوة وأخذ «الشّرطونيّة». وجمع عليه طائفة كثيرة، وعقد مجلسا عند الصّاحب معين الدّين حسن بن شيخ الشّيوخ، في أيّام الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، وأثبت على البطرك قوادح، فقام الكتّاب النصارى في أمره مع الصّاحب، بمال يحمله إلى السّلطان، حتى استمرّ على بطركيته، وخلا كرسي البطاركة بعده سبع سنين وستّة أشهر وستة وعشرين يوما (٢). ثم قدّم اليعاقبة أثناسيوس ابن القسّ أبي المكارم بن كليل بالمعلّقة، في يوم الأحد رابع شهر رجب سنة ثمان وأربعين وستّ مائة، وكمل بالإسكندرية، فأقام إحدى عشرة سنة وخمسة وخمسين يوما، ومات يوم الأحد ثالث (¬h) المحرّم سنة ستين وستّ مائة، فخلت مصر من البطركيّة خمسة وثمانين (¬i) يوما (٣).

стр. 3345

وفي أيّامه أخذ الوزير الأسعد شرف الدّين هبة اللّه بن صاعد الفائزي الجوالي من النصارى مضاعفة (١). وفي أيّام [الملك المظفّر قطز] (¬a) ثارت عوامّ دمشق، وخرّبت كنيسة مريم بدمشق بعد إحراقها ونهب ما فيها، وقتل جماعة من النصارى بدمشق، ونهب دورهم وخرابها في سنة ثمان وخمسين وستّ مائة، بعد وقعة عين جالوت وهزيمة المغل. فلمّا دخل السّلطان الملك المظفّر قطز إلى دمشق، قرّر على النصارى بها مائة ألف وخمسين ألف درهم، جمعوها من بينهم، وحملوها إليه بسفارة الأمير فارس الدّين أقطاي المستعرب أتابك العسكر (٢). واقعة النصارى وفي سنة اثنتين وتسعين (¬b) وستّ مائة، كانت «واقعة النصارى». ومن خبرها أنّ الأمير سنجر الشّجاعي كانت حرمته وافرة في أيّام الملك المنصور قلاوون، فكان النصارى يركبون الحمير بزنانير في أوساطهم، ولا يجسر نصرانيّ يحدّث مسلما وهو راكب، وإذا مشى فبذلّة، ولا يقدر أحد منهم يلبس ثوبا مصقولا. فلمّا مات الملك المنصور، وتسلطن من بعده ابنه الملك الأشرف خليل، خدم الكتّاب النصارى عند الأمراء الخاصّكيّة، وقوّوا نفوسهم على المسلمين، وترفّعوا في ملابسهم وهيئاتهم. وكان منهم كاتب عند خاصّكي يعرف بعين الغزال، فصدف يوما في طريق مصر سمسار شونة مخدومه، فنزل السّمسار عن دابّته، وقبّل رجل الكاتب فأخذ يسبّه، ويهدّده على مال قد تأخّر عليه من ثمن غلّة الأمير، وهو يترفّق له ويعتذر، فلا يزيده ذلك عليه إلاّ غلظة. وأمر غلامه فنزل، وكتّف السّمسار، ومضى به - والناس تجتمع عليه - حتى صار إلى صليبة جامع أحمد بن طولون، ومعه عالم كبير، وما منهم إلاّ من يسأله أن يخلّي عن السّمسار، وهو يمتنع عليهم، فتكاثروا عليه، وألقوه عن حماره، وأطلقوا السّمسار وكان قد قرب من بيت أستاذه، فبعث غلامه لينجده بمن فيه، فأتاه بطائفة من غلمان الأمير وأوجاقيته، فخلّصوه من الناس، وشرعوا في القبض عليهم ليفتكوا بهم. فصاحوا عليهم ما يحلّ، ومرّوا مسرعين إلى أن وقفوا تحت القلعة، واستغاثوا:

стр. 3346

«نصر اللّه السّلطان»، فأرسل يكشف الخبر. فعرّفوه ما كان من استطالة الكاتب النصراني على السّمسار، وما جرى لهم. فطلب عين الغزال (¬a) وصاح به: كيف تسلّط غلمانك على المسلمين لأجل نصراني؟ فاعتذر بأنّه واقف في الخدمة ولا علم له بشيء من هذا، فبعث السّلطان يطلب جميع من في إسطبل عين الغزال (¬a)، ورسم للعامّة بإحضار/ النصارى إليه، وطلب الأمير بدر الدّين بيدرا النائب والأمير سنجر الشّجاعي، وتقدّم إليهما بإحضار جميع النصارى بين يديه ليقتلهم. فما زالا به حتى استقرّ الحال على أن ينادى في القاهرة ومصر: ألاّ يخدم أحد من النصارى واليهود عند أمير. وأمر الأمراء بأجمعهم أن يعرضوا على من عندهم من الكتّاب النصارى الإسلام، فمن امتنع من الإسلام ضربت عنقه، ومن أسلم استخدموه عندهم. ورسم للنائب بعرض جميع مباشري ديوان السّلطان ويفعل فيهم ذلك. فنزل الطلب لهم وقد اختفوا، فصارت العامّة تسبق إلى بيوتهم وتنهبها، حتى عمّ النهب بيوت النصارى واليهود بأجمعهم، وأخرجوا نساءهم مسبيّات، وقتلوا جماعة بأيديهم. فقام الأمير بيدرا النائب مع السّلطان في أمر العامّة، وتلطف به حتى ركب والي القاهرة ونادى: «من نهب بيت نصراني شنق». وقبض على طائفة من العامّة، وشهرهم بعد ما ضربهم فانكفّوا عن النهب بعد ما نهبوا كنيسة المعلّقة بمصر، وقتلوا منها جماعة. ثم جمع النائب كثيرا من النصارى، كتّاب السّلطان والأمراء، وأوقفهم بين يدي السّلطان عن بعد منه. فرسم للشّجاعي وأمير جاندار أن يأخذ عدّة معهما، وينزلوا إلى سوق الخيل تحت القلعة، ويحفروا حفيرة كبيرة، ويلقوا فيها الكتّاب الحاضرين، ويضرموا عليهم الحطب نارا. فتقدّم الأمير بيدرا، وشفع فيهم. فأبى أن يقبل شفاعته، وقال: ما أريد في دولتي ديوانا نصرانيّا فلم يزل به حتى سمح بأنّ من أسلم منهم يستقرّ في خدمته، ومن امتنع ضربت عنقه. فأخرجهم إلى دار النيابة، وقال لهم: «يا جماعة، ما وصلت قدرتي مع السّلطان في أمركم إلا على شرط، وهو أنّ من اختار دينه قتل، ومن اختار الإسلام خلع عليه وباشر». فابتدره المكين بن السّقاعي، أحد المستوفين، وقال: «يا خوند وأيّنا قوّاد يختار القتل على هذا الدّين الخرا؟ واللّه دين نقتل ونموت عليه يروح لا كتب اللّه عليه سلامة، قولوا لنا الذي تختاروه

стр. 3347

حتى نروح إليه». فغلب بيدرا الضّحك، وقال له: ويلك أنحن نختار غير دين الإسلام؟ فقال: يا خوند ما نعرف، قولوا ونحن نتبعكم. فأحضر العدول واستسلمهم، وكتب بذلك شهادات عليهم، ودخل بها على السّلطان. فألبسهم تشاريف، وخرجوا إلى مجلس الوزير الصّاحب شمس الدّين محمد بن السّلعوس. فبدأ بعض الحاضرين بالمكين بن السّقاعي وناوله ورقة ليكتب عليها، وقال: يا مولانا القاضى اكتب على هذه الورقة، فقال: يا بني ما كان لنا هذا القضاء في خلد. فلم يزالوا في مجلس الوزير إلى العصر، فجاءهم الحاجب وأخذهم إلى مجلس النائب، وقد جمع به القضاة، فجدّدوا إسلامهم بحضرتهم. فصار الذّليل منهم بإظهار الإسلام عزيزا، يبدي من إذلال المسلمين، والتّسلّط عليهم بالظّلم، ما كان تمنعه نصرانيته من إظهاره. وما هو إلاّ كما كتب به بعضهم إلى الأمير بيدرا النائب: [الرمل] أسلم الكافرون بالسّيف قهرا … وإذا ما خلوا فهم مجرمونا سلموا من رواح مال وروح … فهم سالمون لا مسلمونا (١) وفي أخريات شهر رجب سنة سبع مائة، قدم وزير متملّك المغرب إلى القاهرة حاجّا (٢)، وصار يركب إلى الموكب السّلطاني وبيوت الأمراء. فبينا هو ذات يوم بسوق الخيل تحت القلعة، إذا هو برجل راكب على فرس، وعليه عمامة بيضاء وفرجيّة مصقولة، وجماعة يمشون في ركابه، وهم يسألونه ويتضرّعون إليه ويقبّلون رجليه، وهو معرض عنهم وينهرهم، ويصيح بغلمانه أن يطردوهم عنه. فقال له بعضهم: يا مولاي الشّيخ بحياة ولدك النشو تنظر في حالنا. فلم يزده ذلك إلاّ عتوّا وتحامقا. فرقّ المغربي لهم، وهمّ بمخاطبته في أمرهم، فقيل له وإنّه مع ذلك نصراني. فغضب لذلك، وكاد أن يبطش به، ثم كفّ عنه وطلع إلى القلعة، وجلس مع الأمير سلار نائب السّلطان والأمير بيبرس الجاشنكير، وأخذ يحادثهم بما رآه وهو يبكي رحمة للمسلمين بما نالهم من قسوة النصارى. ثم وعظ الأمراء، وحذّرهم نقمة اللّه، وتسليط عدوّهم

стр. 3348

عليهم من تمكين النصارى من ركوب الخيل، وتسلّطهم على المسلمين وإذلالهم إيّاهم، وأنّ الواجب إلزامهم الصّغار وحملهم على العهد الذي كتبه أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، ﵁ (١). فمالوا إلى قوله، وطلبوا بطرك النصارى وكبراءهم وديّان اليهود. فجمعت نصارى كنيسة المعلّقة، ونصارى دير البغل ونحوهم، وحضر كبراء اليهود والنصارى، وقد حضر القضاة الأربعة، وناظروا النصارى واليهود. فأذعنوا إلى التزام «العهد العمري»، وألزم بطرك النصارى طائفته النصارى بلبس العمائم الزّرق، وشدّ الزّنار في أوساطهم، ومنعهم من ركوب الخيل والبغال، والتزام الصّغار، وحرّم عليهم مخالفة ذلك أو شيء منه، وإنّه بريء من النصرانية إن خالف (٢). ثم اتّبعه ديّان اليهود بأن أوقع الكلمة على من خالف من اليهود ما شرط عليه من لبس العمائم الصّفر والتزام/ «العهد العمري»، وكتب بذلك عدّة نسخ سيّرت إلى الأعمال (٣). فقام المغربي في هدم الكنائس. فلم يمكّنه قاضي القضاة تقيّ الدّين محمد بن دقيق العيد من ذلك، وكتب خطّه بأنّه لا يجوز أن يهدم من الكنائس إلاّ ما استجدّ بناؤه. فغلّقت عدّة كنائس بالقاهرة ومصر مدّة أيّام فسعى بعض أعيان النصارى في فتح كنيسة حتّى فتحها. فثارت العامّة،

стр. 3349

ووقفوا للنائب والأمراء، واستغاثوا بأنّ النصارى قد فتحوا الكنائس بغير إذن، وفيهم جماعة تكبّروا عن لبس العمائم الزّرق، واحتمى كثير منهم بالأمراء، فنودي في القاهرة ومصر: أن يلبس النصارى بأجمعهم العمائم الزّرق، ويلبس اليهود بأسرهم العمائم الصّفر، ومن لم يفعل ذلك نهب ماله وحلّ دمه. ومنعوا جميعا من الخدمة في ديوان السّلطان ودواوين الأمراء حتى يسلموا. فتسلّطت الغوغاء عليهم وتتبّعوهم، فمن رأوه بغير الزّيّ الذي رسم به ضربوه بالنعال وصفعوا عنقه حتى يكاد يهلك، ومن مرّ بهم وقد ركب ولا يثني رجله ألقوه عن دابّته، وأوجعوه ضربا. فاختفى كثير منهم، وألجأت الضّرورة عدّة من أعيانهم إلى إظهار الإسلام أنفة من لبس الأزرق وركوب الحمير (١). (¬a) وقد أكثر شعراء العصر في ذكر تغيير زيّ أهل الذّمّة. فقال علاء الدّين علي بن مظفّر الوداعي: [الطويل] لقد ألزم الكفّار شاشات ذلّة … تزيدهم من لعنة اللّه تشويشا فقلت لهم ما ألبسوكم عمائما … ولكنّهم قد ألزموكم براطيشا وقال شمس الدّين الطيبي: [البسيط] تعجّبوا للنصارى واليهود معا … والسّامريّين لمّا عمّموا الخرقا كأنّما بات بالأصباغ منسهلا … نسر السّماء فأضحى فوقهم ذرقا (¬a) (٢) فبعث ملك برشلونة، في سنة ثلاث وسبع مائة، هدّية جليلة زائدة عن عادته، عمّ بها جميع أرباب الوظائف من الأمراء مع ما خصّ به السّلطان، وكتب يسأل في فتح - الكنائس. فاتّفق

стр. 3350

الرّأي على فتح كنيسة حارة زويلة لليعاقبة، وفتح كنيسة البندقانيين من القاهرة (١). ثم لمّا كان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبع مائة، هدمت كنائس أرض مصر في ساعة واحدة، كما ذكر في أخبار كنيسة الزّهري (٢). وفي سنة خمس وخمسين وسبع مائة، رسم بتحرير ما هو موقوف على الكنائس من أراضي مصر، فأناف على خمسة وعشرين ألف فدّان. وسبب الفحص عن ذلك كثرة تعاظم النصارى، وتعدّيهم في الشّرّ والإضرار بالمسلمين، لتمكّنهم من أمراء الدّولة، وتفاخرهم بالملابس الجليلة والمغالاة في أثمانها، والتّبسّط في المآكل والمشارب، وخروجهم عن الحدّ في الجراءة والسّلاطة. إلى أن اتّفق مرور بعض كتّاب النصارى على الجامع الأزهر من القاهرة، وهو راكب بخفّ ومهماز، وبقباء إسكندري طرح على رأسه، وقدّامه طرّادون يمنعون الناس من مزاحمته، وخلفه عدّة عبيد بثياب سريّة على أكاديش فارهة. فشقّ ذلك على جماعة من المسلمين، وثاروا به وأنزلوه عن فرسه، وقصدوا قتله وقد اجتمع عالم كبير، ثم خلّوا عنه. وتحدّث جماعة مع الأمير طاز في أمر النصارى وما هم عليه، فوعدهم بالإنصاف منهم، فرفعوا قصّة على لسان المسلمين - قرئت على السّلطان الملك الصّالح صالح بحضرة الأمراء والقضاة وسائر أهل الدّولة - تتضّمن الشّكوى من النصارى، وأن يعقد لهم مجلس ليلتزموا بما عليهم من الشّروط. فرسم بطلب بطرك النصارى وأعيان أهل ملّتهم، وبطلب رئيس اليهود وأعيانهم، وحضر القضاة والأمراء بين يدي السّلطان، وقرأ القاضي علاء الدّين علي بن فضل اللّه، كاتب السّرّ، العهد الذي كتب بين المسلمين وبين أهل الذّمّة - وقد أحضروه معهم - حتى فرغ منه. فالتزم من حضر منهم بما فيه، وأقرّوا به، فعدّدت لهم أفعالهم التي جاهروا بها وهم عليها، وأنّهم لا يرجعون عنها غير قليل، ثم يعودون إليها كما فعلوه غير مرّة فيما سلف. فاستقرّ الحال على أن يمنعوا من المباشرة بشيء من ديوان السّلطان ودواوين الأمراء ولو أظهروا الإسلام، وألاّ يكره أحد منهم على إظهار الإسلام، ويكتب بذلك إلى الأعمال. فتسلّطت العامّة عليهم، وتتبّعوا آثارهم، وأخذوهم في الطرقات، وقطعوا ما عليهم من الثّياب، وأوجعوهم ضربا، ولم يتركوهم حتى يسلموا، وصاروا يضرمون لهم النار ليلقوهم

стр. 3351

فيها. فاختفوا في بيوتهم (١)، ولم يتجاسروا على المشي بين الناس، فنودي المنع من التّعرّض لأذاهم. فأخذت العامّة في تتبّع عوراتهم، وما علّوه من دورهم على بناء المسلمين فهدموه، واشتدّ الأمر على النصارى باختفائهم؛ حتى إنّهم فقدوا من الطرقات مدّة، فلم ير منهم ولا من اليهود أحد. فرفع المسلمون قصّة، قرئت في دار العدل في يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب، تتضمّن أنّ النصارى قد استجدّوا عمارات في كنائسهم، ووسّعوها. هذا وقد اجتمع بالقلعة عالم عظيم، واستغاثوا بالسّلطان/ من النصارى، فرسم بركوب والي القاهرة، وكشفه على ذلك. فلم تتمهّل العامّة ومرّت بسرعة، فخرّبت كنيسة بجوار قناطر السّباع، وكنيسة بطريق مصر للأسري، وكنيسة الفهّادين بالجوّانية من القاهرة، ودير نهيا من الجيزة، وكنيسة بناحية بولاق التّكروري، ونهبوا حواصل ما خرّبوه من ذلك - وكانت كثيرة - وأخذوا أخشابها ورخامها، وهجموا كنائس مصر والقاهرة، ولم يبق إلاّ أن يخرّبوا كنيسة البندقانيين بالقاهرة، فركب الوالي ومنعهم منها، واشتدّت العامّة، وعجز الحكّام عن كفّهم. وكان قد كتب إلى جميع أعمال مصر وبلاد الشّام أن لا يستخدم يهودي ولا نصراني ولو أسلم، وأنّه من أسلم منهم لا يمكّن من العبور إلى بيته ولا من معاشرة أهله إلاّ أن يسلموا، وأن يلزم من أسلم منهم بملازمة المساجد والجوامع لشهود الصّلوات الخمس والجمع، وأنّ من مات من أهل الذّمّة يتولّى المسلمون قسمة تركته على ورثته إن كان له وارث، وإلاّ فهي لبيت المال، وكان يصلي ذلك البطرك. وكتب بذلك مرسوم قرئ على الأمراء، ثم نزل به الحاجب فقرأه في يوم الجمعة سادس عشرين جمادى الآخرة بجوامع القاهرة ومصر، فكان يوما مشهودا (٢). ثم أحضر في أخريات شهر رجب، من كنيسة شبرا بعد ما هدمت، أصبع الشّهيد - الذي كان يلقى في النيل حتى يزيد بزعمهم - وهو في صندوق. فأحرق بين يدي السّلطان بالميدان من قلعة الجبل، وذرّي رماده في البحر خشية من أخذ النصارى له (٣).

стр. 3352

فقدمت الأخبار بكثرة دخول النصارى، من أهل الصّعيد والوجه البحري، في الإسلام وتعلّمهم القرآن، وأنّ أكثر كنائس الصّعيد هدمت وبنيت مساجد، وأنّه أسلم بمدينة قليوب في يوم واحد أربع مائة وخمسون نصرانيّا، وكذلك بعامّة الأرياف، مكرا منهم وخديعة حتى يسخدموا في المباشرات، وينكحوا المسلمات. فتمّ لهم مرادهم، واختلطت بذلك الأنساب حتى صار أكثر الناس من أولادهم (١). ولا يخفى أمرهم على من نوّر اللّه قلبه. فإنّه يظهر من آثارهم القبيحة، إذا تمكّنوا من الإسلام وأهله، ما يعرف به الفطن سوء أصلهم وقديم معاداة أسلافهم للدّين وحملته. فصل (٢) النصارى فرق كثيرة: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية، والبوذعانية، والمرقولية - وهم الرّهاويّون الذين كانوا بنواحي حرّان - وغير هؤلاء. فمنهم من مذهبه مذهب الحرّانيّة، ومنهم من يقول بالنور والظّلمة، والثّنويّة كلّهم يقرّون بنبوّة المسيح ﵇ ومنهم من يعتقد مذهب أرسطاطاليس. والملكانيّة واليعقوبيّة والنسطوريّة متّفقون على أنّ معبودهم ثلاثة أقانيم، وهذه الأقانيم الثّلاثة شيء واحد، وهو جوهر قديم، ومعناه أب وابن وروح القدس إله واحد، وأنّ الابن نزل من السّماء، فتدرّع جسدا من مريم، وظهر للناس يحيى ويبرئ وينبئ، ثم قتل وصلب، وخرج من القبر لثلاث، فظهر لقوم من أصحابه، فعرفوه حقّ معرفته، ثم صعد إلى السّماء فجلس عن يمين أبيه؛ هذا الذي يجمعهم اعتقاده.

стр. 3353

ثم إنّهم يختلفون في العبارة عنه: فمنهم من يزعم أنّ القديم جوهر واحد يجمعه ثلاثة أقانيم - كل أقنوم منها على جوهر خاصّ - فأحد هذه الأقانيم أب واحد غير مولود، والثّالث روح فائضة منبثقة بين الأب والابن، وأنّ الابن لم يزل مولودا من الأب، وأنّ الأب لم يزل والدا للابن، لا على جهة النكاح والتّناسل، لكن على جهة تولّد ضياء الشّمس من ذات الشّمس، وتولّد حرّ النار من ذات النار. ومنهم من يزعم أنّ معنى قولهم أنّ الإله ثلاثة أقانيم، أنّها ذات لها حياة ونطق: فالحياة هي روح القدس، والنطق هو العلم والحكمة، والنطق والعلم والحكمة والكلمة عبارة عن الابن، كما يقال الشّمس وضياؤها والنار وحرّها، فهو عبارة عن ثلاثة أشياء ترجع إلى أصل واحد. ومنهم من يزعم أنّه لا يصحّ له أن يثبت اللّه فاعلا حكيما، إلاّ أنّه يثبته حيّا ناطقا. ومعنى الناطق عندهم العالم المميّز، لا الذي يخرج الصّوت بالحروف المركّبة، ومعنى الحيّ عندهم من له حياة بها يكون حيّا، ومعنى العالم من له علم به يكون عالما؛ قالوا: فذاته وعلمه وحياته ثلاثة أشياء والأصل واحد. فالذّات هي العلّة للاثنين اللذين هما العلم والحياة، والاثنان هما المعلولان للعلّة. ومنهم من يتنزّه عن لفظ العلّة والمعلول في صفة القديم، ويقول: أب وابن، ووالدة وروح، وحياة وعلم، وحكمة ونطق. قالوا: والابن اتّحد بإنسان مخلوق، فصار هو وما اتّحد به مسيحا واحدا، وإنّ المسيح هو إله العباد وربّهم. ثم اختلفوا في صفة الاتّحاد. فزعم بعضهم أنّه وقع بين جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي اتحاد فصارا مسيحا واحدا، ولم يخرج الاتّحاد كلّ واحد منهما عن جوهريته وعنصره، وأنّ المسيح إله معبود، وأنّه ابن مريم الذي حملته وولدته، وأنّه قتل وصلب. وزعم قوم أنّ المسيح بعد الاتّحاد جوهران أحدهما لاهوتي، والآخر ناسوتي، وأنّ القتل والصّلب وقعا به من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وأنّ مريم حملت المسيح وولدته من جهة ناسوته، وهذا قول النسطوريّة. ثم يقولون: إنّ المسيح بكماله/ إله معبود، وإنّه ابن اللّه؛ تعالى اللّه عن قولهم. وزعم قوم أنّ الاتّحاد وقع بين جوهرين: لاهوتي، وناسوتي، فالجوهر اللاّهوتي بسيط غير منقسم ولا متجزئ. وزعم قوم أنّ الاتّحاد على جهة حلول الابن في الجسد ومخالطته إيّاه. ومنهم

стр. 3354

من زعم أنّ الاتّحاد على جهة الظّهور، كظهور كتابة الخاتم والنقش إذا وقع على طين أو شمع، وكظهور صورة الإنسان في المرآة، إلى غير ذلك من الاختلاف الذي لا يوجد مثله في غيرهم، حتى لا تكاد تجد اثنين منهم على قول واحد. و «الملكانيّة» تنسب إلى ملك الرّوم، وهم يقولون: إنّ اللّه اسم لثلاثة معان، فهو واحد ثلاثة، وثلاثة واحد. و «اليعقوبيّة» تقول: إنّه واحد قديم، وإنّه كان لا جسم ولا إنسان، ثم تجسّم وتأنّس (١). و «المرقوليّة» قالوا: اللّه واحد، وعلمه غيره قديم معه، والمسيح ابنه على جهة الرّحمة، كما يقال إبراهيم خليل اللّه. والمرقولية تزعم أنّ المسيح يطوف عليهم كلّ يوم وليلة. و «البوزغانيّة» تزعم أنّ المسيح هو الذي يحشر الموتى من قبورهم ويحاسبهم. فصل وعندهم لا بدّ من «تنصير» أولادهم، وذلك أنّهم يغمسون المولود في ماء قد أغلي بالرّيّاحين وألوان الطيب في إجّانة جديدة، ويقرأون عليه من كتابهم، فيزعمون أنّه حينئذ ينزل عليه روح القدس، ويسمّون هذا الفعل «المعموديّة» (٢). «وطهارتهم» إنّما هي غسل الوجه واليدين فقط، ولا يختتن منهم إلاّ اليعقوبيّة، ولهم سبع «صلوات» يستقبلون فيها المشرق، و «يحجّون» إلى بيت المقدس، و «زكاتهم» العشر من أموالهم، و «صيامهم» خمسون يوما. فالثّاني والأربعون منه «عيد الشّعانين»، وهو اليوم الذي نزل فيه المسيح من الجبل ودخل بيت المقدس. وبعده بأربعة أيّام «عيد الفصح»، وهو اليوم الذي خرج فيه موسى وقومه من مصر (٣).

стр. 3355

وبعده بثلاثة أيّام «عيد القيامة»، وهو اليوم الذي خرج فيه المسيح من القبر بزعمهم. وبعده بثمانية أيّام «عيد الجديد»، وهو اليوم الذي ظهر فيه المسيح لتلامذته بعد خروجه من القبر. وبعده بثمانية وثلاثين يوما «عيد السّلاّق»، وهو اليوم الذي صعد فيه المسيح إلى السّماء. ولهم «عيد الصّليب»، وهو اليوم الذي وجدوا فيه خشبة الصّليب، وزعموا أنّها وضعت على ميّت فعاش (١). ولهم أيضا «عيد الميلاد» و «عيد الذّبح». ولهم قرابين وكهنة: فالشّمّاس فوقه القسّ، وفوق القسّ الأسقف، وفوق الأسقف المطران، وفوق المطران البطريق (٢). والسّكر عندهم حرام، ولا يحلّ لهم أكل اللحم ولا الجماع في الصّوم، وكلّ ما يباع في السّوق ولم تعفه أنفسهم يباح أكله، ولا يصحّ النكاح إلاّ بحضور شمّاس وقسّ وعدول ومهر، ويحرّمون من النساء ما يحرّمه المسلمون، ولا يحلّ الجمع بين امرأتين، ولا التّسرّي بالإماء إلاّ أن يعتقن ويتزوّج بهن، وإذا خدم العبد سبع سنين عتق. ولا يحلّ طلاق المرأة، إلاّ أن تأتي بفاحشة مبينة فتطلّق، ولا تحلّ للزّوج أبدا، وحدّ المحصن إذا زنى الرّجم، فإن زنى غير محصن وحملت منه المرأة تزوّج بها، ومن قتل عمدا قتل، ومن قتل خطأ يهرب ولا يحلّ طلبه، وأكثر أحكامهم من التّوراة، وقد لعن منهم من لاط أو شهد بالزّور أو قامر أو زنى أو سكر.

стр. 3356

ذكر ديارات النصارى (١) قال ابن سيده: الدّير خان النصارى، والجمع أديار، وصاحبه ديّار وديرانيّ (٢). قلت: الدّير عند النصارى يختصّ بالنسّاك المقيمين به، والكنيسة مجتمع عامّتهم للصّلاة. [الوجه القبلي] القلاّية بمصر هذه القلاّية بجانب المعلّقة، التي تعرف بقصر الشّمع، في مدينة مصر. وهي مجمع أكابر الرّهبان وعلماء النصارى، وحكمها عندهم حكم الأديرة.

стр. 3357

دير طرا ويعرف بدير أبي جرج، وهو على شاطئ النيل (١). وأبو جرج هذا هو جرجس. وكان ممّن عذّبه الملك دقلطيانوس ليرجع عن دين النصرانيّة، ونوّع له العقوبات من الضّرب والتّحريق بالنار فلم يرجع، فضرب عنقه بالسّيف في ثالث تشرين وسابع بابة (٢). دير شعران هذا الدّير في حدود ناحية طرا، وهو مبني بالحجر واللبن، وبه نخل، وبه عدّة رهبان. ويقال إنّما هو دير شهران بالهاء، وإنّ شهران كان من حكماء النصارى، وقيل بل كان ملكا (٣). وكان هذا الدّير يعرف قديما بمرقوريوس - الذي يقال له مرقورة وأبو مرقورة - ثم لمّا سكنه برصوما بن التّبّان، عرف بدير برصوما. وله عيد يعمل في الجمعة الخامسة من الصّوّم الكبير، فيحضره البطرك وأكابر النصارى، وينفقون فيه مالا كثيرا (٤). ومرقوريوس هذا كان ممّن قتله دقلطيانوس، في تاسع عشر تموز وخامس عشرين أبيب، وكان جنديّا. دير الرّسل هذا الدّير خارج ناحية الصّفّ والودي، وهو دير قديم لطيف.

стр. 3358

دير بطرس وبولص هذا الدّير خارج إطفيح من قبليها، وهو دير لطيف، وله عيد في خامس أبيب يعرف بعيد/ القصرية (١). وبطرس هذا هو أكبر الرّسل الحواريّين، وكان دبّاغا - وقيل صيّادا - قتله الملك نيرون في تاسع عشرين حزيران وخامس أبيب. وبولص هذا كان يهوديّا، فتنصّر بعد رفع المسيح ﵇ ودعا إلى دينه، فقتله الملك نيرون بعد قتله بطرس بسنة. دير الجمّيزة ويعرف بدير الجود، ويسمّي موضعه البحّارة جزائر الدّير، وهو قبالة الميمون، وهو عزبة لدير العربة (¬a). بني على اسم أنطونيوس - ويقال أنطونة - وكان من أهل قمن، فلمّا انقضت أيّام الملك دقلطيانوس وفاتته الشّهادة، أحبّ أن يتعوّض عنها بعبادة توصّل ثوابها أو قريبا من ذلك، فترهّب (٢). وكان أوّل من أحدث الرّهبانيّة للنصارى عوضا عن الشّهادة، وواصل أربعين يوما ليلا ونهارا طاويا لا يتناول طعاما ولا شرابا مع قيام الليل، وكان هكذا يفعل في الصّيام الكبير كلّ سنة. دير العربة (¬a) هذا الدّير يسار إليه في الجبل الشّرقي ثلاثة أيّام بسير الإبل، وبينه وبين بحر القلزم مسافة يوم كامل، وفيه غالب الفواكه مزدرعة، وبه ثلاثة أعين تجري، وبناه أنطونيوس المقدّم ذكره (٣).

стр. 3359

ورهبان هذا الدّير لا يزالون دهرهم صائمين، لكنّ صومهم إلى العصر فقط، ثم يفطرون، ما خلا الصّوم الكبير والبرمولات، فإنّ صومهم في ذلك إلى طلوع النجم. والبرمولات هي الصّوم كذلك بلغتهم. دير أنبابولا وكان يقال له أوّلا «دير بولص»، ثم قيل له «دير بولا»، ويعرف ب «دير النمورة» أيضا. وهذا الدير في البرّ الغربي من الطور، على عين ماء يردها المسافرون. وعندهم أنّ هذه العين تطهّرت منها مريم، أخت موسى ﵉ عند نزول موسى ببني إسرائيل في برّيّة القلزم (١). وأنبا بولا هذا كان من أهل الإسكندرية، فلمّا مات أبوه ترك له ولأخيه مالا جمّا، فخاصمه أخوه في ذلك وخرج مغاضبا له، فرأى ميّتا يقبر فاعتبر به، ومرّ على وجهه سائحا حتى نزل على هذه العين، فأقام هناك واللّه تعالى يرزقه، فمرّ به أنطونيوس، وصحبه حتّى مات، فبنى هذا الدير على قبره. وبين هذا الدّير والبحر ثلاث ساعات، وفيه بستان فيه نخل وعنب، وبه عين ماء تجري أيضا. دير القصير قال أبو الحسن عليّ بن محمد الشّابشتي في كتاب «الدّيارات»: وهذا الدّير في أعلى الجبل، على سطح في قلّته، وهو دير حسن البناء محكم الصّنعة، نزه البقعة، وفيه رهبان مقيمون به، وله بئر منقورة في الحجر يستقى له منها الماء، وفي هيكله صورة مريم ﵍ في لوح، والناس يقصدون الموضع للنظر إلى هذه الصّورة. وفي أعلاه غرفة بناها أبو الجيش خمارويه ابن أحمد بن طولون، لها أربع طاقات إلى أربع جهات، وكان كثير الغشيان لهذا الدّير، معجبا

стр. 3360

بالصّورة التي فيه، يستحسنها ويشرب على النظر إليها. وفي الطريق إلى هذا الدّير من جهة مصر صعوبة، وأمّا من قبليه فسهل الصّعود والنزول، وإلى جانبه صومعه لا تخلو من حبيس يكون فيها. وهو مطلّ على القرية المعروفة بشهران (١)، وعلى الصّحراء والبحر، وهي قرية كبيرة عامرة على شاطئ البحر، ويذكرون أنّ موسى - صلوات اللّه عليه - ولد فيها، ومنها ألقته أمّه إلى البحر في التّابوت (٢). (¬a) وبه أيضا دير يعرف بدير شهران (¬a). ودير القصير هذا أحد الدّيارات المقصودة والمتنزّهات المطروقة، لحسن موضعه وإشرافه على مصر وأعمالها (٣)، وقد قال فيه شعراء مصر ووصفوه، فذكروا طيبه ونزهته، ولأبي هريرة بن أبي العصام فيه من المنسرح: كم لي بدير القصير من قصف … مع كلّ ذي صبوة وذي ظرف لهوت فيه بشادن غنج … تقصر عنه بدائع الوصف (٤) وقال ابن عبد الحكم في كتاب «فتوح مصر»: وقد اختلف في القصير: فعن ابن لهيعة قال: ليس بقصير موسى النبي ﷺ ولكنّه موسى السّاحر. وعن المفضّل بن فضالة عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممّن أنتم؟ قلنا: فتيان من أهل مصر، فقال: ما تقولون في القصير؟ قلنا: قصير موسى؟ فقال: ليس بقصير موسى، ولكنّه قصير عزيز مصر، كان إذا جرى النيل يترفّع فيه، وعلى ذلك إنّه لمقدّس من الجبل إلى البحر.

стр. 3361

قال: ويقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس. وكان على المقطّم موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدّوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس، واللّه أعلم (١). وما أحسن قول كشاجم (٢): [الطويل] سلام على دير القصير وسفحه … بجنّات حلوان إلى النخلات منازل كانت لي بهنّ مآرب … وكنّ مواخيري ومنتزهاتي إذا جئتها كان الجياد مراكبي … ومنصرفي في السّفن منحدرات / فأقبض بالأسحار وحشيّ عينها … وأقتنص الإنسيّ في الظّلمات معي كلّ بسّام أغرّ مهذّب … على كلّ ما يهوى النديم مواتي ولحمان ممّا أمسكته كلابنا … علينا وممّا صيد في الشّبكات (٣) وكأس وإبريق وناى ومزهر … وساق غرير فاتر اللحظات كأنّ قضيب البان عند اهتزازه … تعلّم من أعطافه الحركات هنالك تصفو لي مشارب لذّتي … وتصحب أيّام السّرور حياتي وقال علماء الأخبار من النصارى: إنّ أرقاديوس، ملك الرّوم، طلب أرسانيوس ليعلّم ولده، فظنّ أنّه يقتله، ففرّ إلى مصر وترهّب، فبعث إليه أمانا، وأعلمه أنّ الطلب من أجل تعليم ولده، فاستعفى وتحوّل إلى الجبل المقطّم شرقي طرا، وأقام في مغارة ثلاث سنين ومات. فبعث إليه أرقاديوس، فإذا هو قد مات، فأمر أن يبنى على قبره كنيسة (٤). وهو المكان المعروف بدير القصير، ويعرف الآن ب «دير البغل»، من أجل أنّه كان به بغل يستقى عليه الماء، فإذا خرج من الدّير أتى الموردة هناك من يملأ عليه؛ فإذا فرغ من الماء تركه فعاد إلى الدّير (٥). وفي رمضان سنة أربع مائة أمر الحاكم بأمر اللّه بهدم دير القصير، فأقام الهدم والنهب فيه مدّة أيّام (٦).

стр. 3362

دير مرحنّا قال الشّابشتي: دير مرحنّا على شاطئ بركة الحبش، وهو قريب من النيل، وإلى جانبه بساتين أنشأ بعضها الأمير تميم بن المعزّ، ومجلس على عمد حسن البناء مليح الصّنعة مسوّر أنشأه الأمير تميم أيضا. وبقرب الدّير بئر تعرف ببئر ممّاتي، عليها جمّيزة كبيرة يجتمع الناس إليها، ويشربون تحتها. وهذا الموضع من مغاني اللعب، ومواطن القصف والطرب، وهو نزه في أيّام النيل وزيادة البحر وامتلاء البركة، حسن المنظر في أيّام الزّرع والنواوير، لا يكاد حينئذ يخلو من المتنزّهين والمتطرّبين، وقد ذكرت الشّعراء حسنه وطيبه (١). وهذا الدّير يعرف اليوم بدير الطين (بالنون). دير أبي النعناع هذا الدّير خارج أنصنا، وهو من جملة عماراتها القديمة، وكنيسته في قصره لا في أرضه، وهو على اسم أبي يحنّس القصيّر، وعيده في العشرين من بابه (٢)، وسيأتي ذكر أبي يحنّس هذا (٣). دير مغارة شقلقيل هو دير لطيف معلّق في الجبل، وهو نقر في الحجر على صخرة تحتها عقبة، لا يتوصّل إليه من أعلاه ولا من أسفله ولا سلّم له، وإنّما جعلت له نقور في الجبل، فإذا أراد أحد أن يصعد إليه

стр. 3363

أرخيت له سلبة فأمسكها بيده، وجعل رجليه في تلك النقور وصعد، وبه طاحونة يديرها حمار واحد (١). ويطلّ هذا الدّير على النيل تجاه منفلوط وتجاه أمّ القصور، وتجاهه جزيرة يحيط بها الماء - وهي التي يقال لها شقلقيل - وبها قريتان: إحداهما شقلقيل، والأخرى بني شقير (٢) ولهذا الدّير عيد يجتمع فيه النصارى، وهو على اسم بومينا، وهو من الأجناد الذين عاقبهم دقلطيانوس ليرجع عن النصرانيّة ويسجد للأصنام، فثبت على دينه، فقتله في عاشر حزيران وسادس عشر بابه. دير بقطر بحاجر أبنوب، من شرقي بني مرّ، تحت الجبل على مائتي قصبة منه. وهو دير كبير جدّا، وله عيد يجتمع فيه نصارى البلاد شرقا وغربا، ويحضره الأسقف. وبقطر هذا هو ابن رومانوس كان أبوه من وزراء دقلطيانوس، وكان هو جميلا شجاعا له منزلة من الملك، فلمّا تنصّر وعده الملك ومنّاه ليرجع إلى عبادة الأصنام فلم يفعل، فقتله في ثاني عشرين نيسان وسابع عشرين برمودة. دير بقطرشو (¬a) في بحري أبنوب وهو دير لطيف خال، وإنّما تأتيه النصارى مرّة في كلّ سنة (٣). وبقطرشو (¬a) ممّن عذّبه دقلطيانوس ليرجع عن النصرانية فلم يرجع، فقتله في العشرين من هتور، وكان جنديّا.

стр. 3364

دير بوجرج بني على اسم بوجرج وهو خارج المعيصرة بناحية شرق بني مرّ، وتارة يخلو من الرّهبان، وتارة يعمر بهم، وله وقت يعمل العيد فيه. دير حماس وحماس اسم بلد هو بحريها، وله عيدان في كلّ سنة، وجموعات متعدّدة (١). دير الطير هذا الدّير قديم، وهو مطلّ على النيل، وله سلالم منحوتة في الجبل، وهو قبالة سملوط. وقال الشّابشتي: وبنواحي إخميم دير كبير عامر يقصد من كلّ موضع، وهو بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف، وفي موضع من الجبل شقّ، فإذا كان يوم عيد هذا الدّير لم يبق في البلد بوقير حتى يجيء إلى هذا الموضع، فيكون أمرا عظيما/ بكثرتها واجتماعها وصياحها عند الشّقّ، ولا يزال الواحد بعد الواحد يدخل رأسه في ذلك الشّقّ ويصيح، ويخرج ويجيء غيره؛ إلى أن يعلق رأس أحدها، وينشب في الموضع، فيضطرب حتى يموت، وتتفرّق حينئذ الباقية فلا يبقى منها طائر (٢). وقال القاضي أبو جعفر القضاعي: ومن عجائبها - يعني مصر - شعب البوقيرات بناحية أشموم من أرض الصّعيد، وهو شعب في جبل فيه صدع تأتيه البوقيرات في يوم من السّنة كان

стр. 3365

معروفا، فتعرض أنفسها على الصّدع، فكلّما أدخل بوقير منها منقاره في الصّدع مضى لطيته، فلا تزال تفعل ذلك حتى يلتقي الصّدع على بوقير منها فيحبسه، وتمضي كلّها، ولا يزال ذلك الذي تحبسه معلّقا حتى يتساقط (١). قال مؤلّفه: وقد بطل هذا في جملة ما بطل. دير بوهرمينة (¬a) بحري فاو الخراب، وبحريه بربا فاو، وهي مملوءة كتبا وحكما، وبين دير الطين وهذا الدّير نحو يومين ونصف. وأبو هرمينة هذا من قدماء الرّهبان المشهورين عند النصارى. دير السّبعة جبال بإخميم (٢) هذا الدّير داخل سبعة أودية، وهو دير عال بين جبال شامخة، ولا تشرق عليه الشّمس إلاّ بعد ساعتين من الشّروق لعلوّ الجبل الذي هو في لحفه، وإذا بقي للغروب نحو ساعتين، خيّل لمن فيه أنّ الشّمس قد غابت وأقبل الليل، فيشعلون حينئذ الضّوء فيه. وعلى هذا الدّير من خارجه عين ماء تظلّها صفصافة، ويعرف هذا الموضع الذي فيه «دير الصّفصافة» بوادي الملوك؛ لأنّ فيه نباتا يقال له الملوكة، وهو شبه الفجل، وماؤه أحمر قان يدخل في صباغ أهل علم الكيمياء (¬b) (٣). ومن داخل هذا الدّير.
следующие страницы →