قال: ويقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس. وكان على المقطّم موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدّوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس، واللّه أعلم (١).
وما أحسن قول كشاجم (٢):
[الطويل]
سلام على دير القصير وسفحه … بجنّات حلوان إلى النخلات
منازل كانت لي بهنّ مآرب … وكنّ مواخيري ومنتزهاتي
إذا جئتها كان الجياد مراكبي … ومنصرفي في السّفن منحدرات
/ فأقبض بالأسحار وحشيّ عينها … وأقتنص الإنسيّ في الظّلمات
معي كلّ بسّام أغرّ مهذّب … على كلّ ما يهوى النديم مواتي
ولحمان ممّا أمسكته كلابنا … علينا وممّا صيد في الشّبكات (٣)
وكأس وإبريق وناى ومزهر … وساق غرير فاتر اللحظات
كأنّ قضيب البان عند اهتزازه … تعلّم من أعطافه الحركات
هنالك تصفو لي مشارب لذّتي … وتصحب أيّام السّرور حياتي
وقال علماء الأخبار من النصارى: إنّ أرقاديوس، ملك الرّوم، طلب أرسانيوس ليعلّم ولده، فظنّ أنّه يقتله، ففرّ إلى مصر وترهّب، فبعث إليه أمانا، وأعلمه أنّ الطلب من أجل تعليم ولده، فاستعفى وتحوّل إلى الجبل المقطّم شرقي طرا، وأقام في مغارة ثلاث سنين ومات. فبعث إليه أرقاديوس، فإذا هو قد مات، فأمر أن يبنى على قبره كنيسة (٤). وهو المكان المعروف بدير القصير، ويعرف الآن ب «دير البغل»، من أجل أنّه كان به بغل يستقى عليه الماء، فإذا خرج من الدّير أتى الموردة هناك من يملأ عليه؛ فإذا فرغ من الماء تركه فعاد إلى الدّير (٥).
وفي رمضان سنة أربع مائة أمر الحاكم بأمر اللّه بهدم دير القصير، فأقام الهدم والنهب فيه مدّة أيّام (٦).
стр. 3362
دير مرحنّا
قال الشّابشتي: دير مرحنّا على شاطئ بركة الحبش، وهو قريب من النيل، وإلى جانبه بساتين أنشأ بعضها الأمير تميم بن المعزّ، ومجلس على عمد حسن البناء مليح الصّنعة مسوّر أنشأه الأمير تميم أيضا. وبقرب الدّير بئر تعرف ببئر ممّاتي، عليها جمّيزة كبيرة يجتمع الناس إليها، ويشربون تحتها.
وهذا الموضع من مغاني اللعب، ومواطن القصف والطرب، وهو نزه في أيّام النيل وزيادة البحر وامتلاء البركة، حسن المنظر في أيّام الزّرع والنواوير، لا يكاد حينئذ يخلو من المتنزّهين والمتطرّبين، وقد ذكرت الشّعراء حسنه وطيبه (١). وهذا الدّير يعرف اليوم بدير الطين (بالنون).
دير أبي النعناع
هذا الدّير خارج أنصنا، وهو من جملة عماراتها القديمة، وكنيسته في قصره لا في أرضه، وهو على اسم أبي يحنّس القصيّر، وعيده في العشرين من بابه (٢)، وسيأتي ذكر أبي يحنّس هذا (٣).
دير مغارة شقلقيل
هو دير لطيف معلّق في الجبل، وهو نقر في الحجر على صخرة تحتها عقبة، لا يتوصّل إليه من أعلاه ولا من أسفله ولا سلّم له، وإنّما جعلت له نقور في الجبل، فإذا أراد أحد أن يصعد إليه
стр. 3363
أرخيت له سلبة فأمسكها بيده، وجعل رجليه في تلك النقور وصعد، وبه طاحونة يديرها حمار واحد (١).
ويطلّ هذا الدّير على النيل تجاه منفلوط وتجاه أمّ القصور، وتجاهه جزيرة يحيط بها الماء - وهي التي يقال لها شقلقيل - وبها قريتان: إحداهما شقلقيل، والأخرى بني شقير (٢) ولهذا الدّير عيد يجتمع فيه النصارى، وهو على اسم بومينا، وهو من الأجناد الذين عاقبهم دقلطيانوس ليرجع عن النصرانيّة ويسجد للأصنام، فثبت على دينه، فقتله في عاشر حزيران وسادس عشر بابه.
دير بقطر
بحاجر أبنوب، من شرقي بني مرّ، تحت الجبل على مائتي قصبة منه. وهو دير كبير جدّا، وله عيد يجتمع فيه نصارى البلاد شرقا وغربا، ويحضره الأسقف.
وبقطر هذا هو ابن رومانوس كان أبوه من وزراء دقلطيانوس، وكان هو جميلا شجاعا له منزلة من الملك، فلمّا تنصّر وعده الملك ومنّاه ليرجع إلى عبادة الأصنام فلم يفعل، فقتله في ثاني عشرين نيسان وسابع عشرين برمودة.
دير بقطرشو (¬a)
في بحري أبنوب وهو دير لطيف خال، وإنّما تأتيه النصارى مرّة في كلّ سنة (٣).
وبقطرشو (¬a) ممّن عذّبه دقلطيانوس ليرجع عن النصرانية فلم يرجع، فقتله في العشرين من هتور، وكان جنديّا.
стр. 3364
دير بوجرج
بني على اسم بوجرج وهو خارج المعيصرة بناحية شرق بني مرّ، وتارة يخلو من الرّهبان، وتارة يعمر بهم، وله وقت يعمل العيد فيه.
دير حماس
وحماس اسم بلد هو بحريها، وله عيدان في كلّ سنة، وجموعات متعدّدة (١).
دير الطير
هذا الدّير قديم، وهو مطلّ على النيل، وله سلالم منحوتة في الجبل، وهو قبالة سملوط.
وقال الشّابشتي: وبنواحي إخميم دير كبير عامر يقصد من كلّ موضع، وهو بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف، وفي موضع من الجبل شقّ، فإذا كان يوم عيد هذا الدّير لم يبق في البلد بوقير حتى يجيء إلى هذا الموضع، فيكون أمرا عظيما/ بكثرتها واجتماعها وصياحها عند الشّقّ، ولا يزال الواحد بعد الواحد يدخل رأسه في ذلك الشّقّ ويصيح، ويخرج ويجيء غيره؛ إلى أن يعلق رأس أحدها، وينشب في الموضع، فيضطرب حتى يموت، وتتفرّق حينئذ الباقية فلا يبقى منها طائر (٢).
وقال القاضي أبو جعفر القضاعي: ومن عجائبها - يعني مصر - شعب البوقيرات بناحية أشموم من أرض الصّعيد، وهو شعب في جبل فيه صدع تأتيه البوقيرات في يوم من السّنة كان
стр. 3365
معروفا، فتعرض أنفسها على الصّدع، فكلّما أدخل بوقير منها منقاره في الصّدع مضى لطيته، فلا تزال تفعل ذلك حتى يلتقي الصّدع على بوقير منها فيحبسه، وتمضي كلّها، ولا يزال ذلك الذي تحبسه معلّقا حتى يتساقط (١).
قال مؤلّفه: وقد بطل هذا في جملة ما بطل.
دير بوهرمينة (¬a)
بحري فاو الخراب، وبحريه بربا فاو، وهي مملوءة كتبا وحكما، وبين دير الطين وهذا الدّير نحو يومين ونصف. وأبو هرمينة هذا من قدماء الرّهبان المشهورين عند النصارى.
دير السّبعة جبال بإخميم (٢)
هذا الدّير داخل سبعة أودية، وهو دير عال بين جبال شامخة، ولا تشرق عليه الشّمس إلاّ بعد ساعتين من الشّروق لعلوّ الجبل الذي هو في لحفه، وإذا بقي للغروب نحو ساعتين، خيّل لمن فيه أنّ الشّمس قد غابت وأقبل الليل، فيشعلون حينئذ الضّوء فيه. وعلى هذا الدّير من خارجه عين ماء تظلّها صفصافة، ويعرف هذا الموضع الذي فيه «دير الصّفصافة» بوادي الملوك؛ لأنّ فيه نباتا يقال له الملوكة، وهو شبه الفجل، وماؤه أحمر قان يدخل في صباغ أهل علم الكيمياء (¬b) (٣).
ومن داخل هذا الدّير.
стр. 3366
دير القرقس
وهو في أعلى جبل قد نقر فيه، ولا سلّم له (¬a) بل يصعد إليه في نقور في الجبل، ولا يتوصّل إليه إلاّ كذلك. (¬b) وبين إخميم وبين دير عين الصّفصافة نصف نهار (¬b)، وبين دير الصّفصافة ودير القرقس ثلاث ساعات، وتحت دير القرقس عين ماء عذب وأشجار بان (١).
دير صبرة
في شرقي إخميم، عرف بعرب يقال لهم صبرة (¬c)، وهو على اسم ميخائيل الملك، وليس به غير راهب واحد (٢).
دير بوأبسادة (¬e) الأسقف
قريب من ناحية تفه، وهو بالحاجر، وتجاهه في الغرب منشأة إخميم. كان أبو أبسادة هذا من علماء النصارى (٣).
دير بوهور الرّاهب
ويعرف بدير سواده، وسوادة عرب تنزل هناك، وهو قبالة منية بني خصيب، خرّبته العرب (٤).
стр. 3367
وهذه الأديرة كلّها في الشّرق من النيل، وجميعها لليعاقبة، وليس في الجانب الشّرقي الآن سواها، وأمّا الجانب الغربي من النيل فإنّه كثير الدّيارات لكثرة عمارته.
دير دموه بالجيزة
ويعرف بدموة السّباع، وهو على اسم قزمان ودميان، وهو دير لطيف، وتزعم النصارى أنّ بعض الحكماء - كان يقال له سبع - أقام بدموه، وأن كنيسة دموه التي بأيدي اليهود الآن كانت ديرا من ديارات النصارى، فابتاعته منهم اليهود في ضائقة نزلت بهم (١)، وقد تقدّم ذكر كنيسة دموه (٢).
وقزمان ودميان من حكماء النصارى ورهبانهم العبّاد، ولهما أخبار عندهم.
دير نهيا
قال الشّابشتي: ونهيا بالجيزة، وديرها هذا من أحسن ديارات مصر وأنزهها، وأطيبها موضعا، وأجلّها موقعا، عامر برهبانه وسكّانه، وله في أيّام النيل منظر عجيب، لأنّ الماء يحيط به من جميع جهاته، فإذا انصرف الماء، وزرعت الأرض، أظهرت أراضيه غرائب النواوير وأصناف الزّهر. وهو من المتنزّهات الموصوفة، والبقاع المستحسنة، وله خليج يجتمع فيه سائر الطير، فهو أيضا متصيّد ممتع، وقد وصفته الشّعراء وذكرت حسنه وطيبه (٣)؛ قلت: وقد خرب هذا الدّير.
دير طمويه
قال ياقوت: طمويه - بفتح الطاء وسكون الميم وفتح الواو وياء ساكنة - قريتان بمصر:
إحداهما في كورة المرتاحيّة، والأخرى بالجيزة (٤).
стр. 3368
قال الشّابشتي: وطمويه في الغرب بإزاء حلوان، والدّير راكب البحر، حوله الكروم والبساتين والنخل والشّجر، وهو نزه عامر آهل، وله في النيل منظر حسن، وحين تخضرّ الأرض يكون في بساطين من البحر والزرع. وهو أحد متنزّهات أهل مصر المذكورة، ومواضع لهوها المشهورة (١).
ولابن أبي عاصم المصري فيه من البسيط (٢):
وأشرب بطمويه من صهباء صافية … تزري بخمر قرى هيت وعانات
/ على رياض من النوّار زاهرة … تجري الجداول فيها بين جنّات
كأنّ نبت الشّقيق العصفري بها … كاسات خمر بدت في إثر كاسات
كأنّ نرجسها من حسنه حدق … في خفية يشاجى بالإشارات
كأنّما النيل في مرّ النسيم به … مستلئم في دروع سابريّات
منازل كنت مفتونا بها يفعا … وكنّ قدما مواخيري وحاناتي
إذ لا أزال ملحّا بالصّبوح على … ضرب النواقيس صبّا بالدّيارات
قلت: هذا الدّير عند النصارى على اسم بوجرج، ويجتمع فيه النصارى من النواحي.
دير أقفاص
وصوابها أقفهس، وقد خرب (٣).
دير خارج ناحية منهري
خامل الذّكر لأنّهم لا يطعمون فيه أحدا (٤).
стр. 3369
دير الخادم
على جانب المنهى بأعمال البهنسا، على اسم غبريال الملك، به بستان فيه نخل وزيتون (١).
دير أشنين
عرف بناحية أشنين فإنّه في بحريها، وهو لطيف على اسم السّيّدة مريم، وليس به سوى راهب واحد (٢).
دير إيسوس
ومعنى إيسوس: يسوع. ويقال له «دير أرجنوس»، وله عيد في خامس عشرين بشنس. فإذا كان ليلة هذا اليوم سدّت بئر فيه تعرف ببئر إيسوس، وقد اجتمع الناس إلى السّاعة السادسة من النهار، ثم كشفوا الطابق عن البئر، فإذا بها قد فاض ماؤها ثم ينزل، فحيث وصل الماء قاسوا منه إلى موضع استقرّ فيه الماء، فما بلغ كانت زيادة النيل في تلك السنة من الأذرع (٣).
دير سدمنت
على جانب المنهى، بالحاجر بين الفيّوم والرّيف، على اسم بوجرج وقد ضعفت أحواله عمّا كان عليه، وقلّ ساكنه (٤).
стр. 3370
دير النقلون
ويقال له «دير الخشبة» و «دير غبريال الملك»، وهو تحت مغارة في الجبل الذي يقال له طارف الفيّوم، وهذه المغارة تعرف عندهم بمظلّة يعقوب، يزعمون أنّ يعقوب ﵇ لمّا قدم مصر كان يستظل بها. وهذا الجبل مطلّ على بلدين يقال لهما: إطفيح شلا وشلا (١).
ويملأ الماء لهذا الدّير من بحر المنهى، ومن تحت دير سدمنت، ولهذا الدّير عيد يجتمع فيه نصارى الفيّوم وغيرهم، وهو على السّكّة التي تنزل إلى الفيّوم، ولا يسلكها إلاّ القليل من المسافرين.
دير القلمون
هذا الدّير في برّيّة، تحت عقبة القلمون، يتوصّل المسافر منها إلى الفيّوم، يقال لها عقبة الغريق، وبني هذا الدّير على اسم صمويل الرّاهب، وكان في زمن الفترة ما بين عيسى ومحمّد صلى اللّه عليهما وسلّم، ومات في ثامن كيهك. وفي هذا الدّير نخل كثير يعمل من تمره العجوة، وفيه أيضا شجر اللبخ ولا يوجد إلاّ فيه، وثمره بقدر الليمون طعمه حلو في مثل طعم الرّامح، ولنواه عدّة منافع (٢).
وقال أبو حنيفة في كتاب «النبات»: ولا ينبت اللبخ إلاّ بأنصنا، وهو عود تنشر منه ألواح السّفن، وربّما أرعف ناشرها، ويباع اللوح منها بخمسين دينارا ونحوها، وإذا شدّ لوح منها بلوح، وطرحا في الماء سنة، التأما وصارا لوحا واحدا (٣).
стр. 3371
وفي هذا الدّير قصران مبنيان بالحجارة، وهما عاليان كبيران لبياضهما إشراق. وفيه أيضا عين ماء تجري، وفي خارجه عين أخرى. وبهذا الوادي عدّة معابد قديمة، وثمّ واد يقال له الأميلح فيه عين ماء تجري، ونخيل مثمرة تأخذ العرب ثمرها. وخارج هذا الدّير ملاّحة يبيع رهبان الدّير ملحها، فيعمّ تلك الجهات.
دير السّيّدة مريم
خارج طنبدى (١)، ليس فيه سوى راهب واحد، وهو على غير الطريق المسلوك.
وكان بأعمال البهنسا عدّة ديارات خربت.
دير بوفانا (¬a)
بحري بني خالد (٢)، وهو مبني بالحجر، وعمارته حسنة، وهو من أعمال المنية، وكان به في القديم ألف راهب، وليس به الآن سوى راهبين، وهو في الحاجر تحت الجبل (٣).
دير بالوجه
على جنب المنهى، وهو لأهل دلجة (٤)، وهو من الأديرة الكبار، وقد خرب حتر لم يبق به سوى راهب أو راهبين، وهو بإزاء دلجة، بينه وبينها نحو ساعتين (٥).
стр. 3372
دير مرقورة
ويقال أبو مرقورة. هذا الدّير تحت دلجة بخارجها من شرقيها، وليس به أحد.
دير صنبو
في خارجها من بحريها. على اسم السّيّدة مريم، وليس به أحد (١).
دير تادرس
قبلي صنبو، وقد تلاشى أمره لاتّضاع حال النصارى.
دير الرّيرمون
في شرقي ناحية الرّيرمون (٢)، وهو شرقي ملّوي وغربي أنصنا، وهو على اسم الملك غبريال.
دير المحرّق
تزعم النصارى أنّ المسيح ﵇ أقام في موضعه ستة أشهر وأيّاما. وله عيد عظيم - يعرف ب «عيد الزّيتونة» و «عيد العنصرة» - يجتمع فيه عالم كثير (٣).
стр. 3373
دير بني كلب
عرف بذلك لنزول بني كلب حوله (١)، وهو على اسم غبريال، وليس فيه أحد من الرّهبان، وإنّما هو كنيسة لنصارى منفلوط، وهو غربيها.
دير الجاوليّة
هذا الدير ناحية الجاولية من قبليها، وهو على اسم الشّهيد مرقورس - الذي يقال له مرقورة - وعليه رزق محبّسة، وتأتيه النذورات والعوايد، وله عيدان في كلّ سنة (٢).
دير السّبعة جبال
هذا الدّير على رأس الجبل الذي غربي سيوط على شاطئ النيل، ويعرف ب «دير يحنّس القصيّر»، وله عدّة أعياد، وخرب في سنة إحدى وعشرين وثمان مائة من منسر طرقه ليلا (٣).
يحنّس (¬a)
ويقال أبو يحنّس (¬a) القصيّر، كان راهبا قمّصا له أخبار كثيرة، منها أنّه غرس خشبة يابسة في الأرض بأمر شيخة له، وسقاها الماء مدّة، فصارت شجرة مثمرة تأكل منها الرّهبان، وسمّيت شجرة الطاعة ودفن في ديره.
стр. 3374
دير المطل
هذا الدّير على اسم السّيّدة مريم، وهو على طرف الجبل تحت دير السّبعة جبال قبالة سيوط، وله عيد يحضره أهل النواحي، وليس به أحد من الرّهبان.
أديرة أدرنكة
اعلم أنّ ناحية أدرنكة (١) هي من قرى النصارى الصّعايدة، ونصاراها أهل علم في دينهم وتفاسيرهم في اللسان القبطي، لهم أديرة كثيرة في خارج البلد من قبليها مع الجبل، وقد خرب أكثرها (٢)، وبقي منها:
دير بوجرج
وهو عامر البناء، وليس به أحد من الرّهبان، ويعمل فيه عيد في أوانه.
دير أرض الحاجر ودير ميكائيل ودير كرفونة
على اسم السّيّدة مريم، وكان يقال له «أرافونة وأغرفونا»، ومعناه: النسّاخ، فإنّ نسّاخ علوم النصارى كانت في القديم تقيم به. وهو على طرف الجبل، وفيه مغاير كثيرة، منها ما يسير الماشي بجنبه نحو يومين.
دير أبى بفام
تحت دير كرفونة بالحاجر، وقد كان أبو بفام جنديّا في أيّام دقلطيانوس فتنصّر، وعذّب ليرجع عن دينه، ثم قتل في ثامن عشرين كانون الأوّل وثاني كيهك (٣).
стр. 3375
دير بوساويرس
بحاجر أدرنكة، كان على اسم السّيّدة مريم. وكان ساويرس من عظماء الرّهبان، فعمل بطركا وظهرت آية عند موته، وذلك أنّه أنذرهم لمّا سار إلى الصّعيد بأنّه إذا مات ينشقّ الجبل، وتقع منه قطعة عظيمة على الكنيسة فلا تضرّها. فلمّا كان في بعض الأيّام سقطت قطعة عظيمة من الجبل كما قال، فعلم رهبان هذا الدّير بأنّ ساويرس قد مات، فأرّخوا ذلك فوجدوه وقت موته، فسمّوا الدّير حينئذ باسمه (١).
دير تادرس
تحت دير بوساويرس. وتادرس اثنان كانا من أجناد دقلطيانوس: أحدهما يقال له قاتل التّنّين، والآخر: الإسفهسلار، وقتلا كما قتل غيرهما.
دير منسى آك
ويقال منساك، ومنى ساك، وأيساآك، ومعنى ذلك إسحاق. وكان على اسم السّيّدة ماريهام - يعني مارمريم - ثم عرف بمنساك، وكان راهبا قديما له عندهم شهرة. وبهذا الدّير بئر تحته في الحاجر منها شرب الرّهبان، فإذا زاد النيل شربوا من مائه.
دير الرّسل
تحت دير منساك، ويعرف بدير الأثل، وهو لأعمال بوتيج
ودير منساك لأهل ريفة (¬a) (٢) هو ودير ساويرس، ودير كرفونة لأهل سيوط، ودير بوجرج لأهل
стр. 3376
درنكة (¬a). ودير الأثل كان في خراب، فعمر بجانبه كفر لطيف عرف بمنشأة الشّيخ، لأنّ الشّيخ أبا بكر الشّاذلي أنشأه، وأنشأ بستانا كبيرا، وقد وجد موضعه بئرا كبيرة، وجد بها كنزا.
أخبرني من شاهد من ذهبه دنانير مربّعة بأحد وجهيها صليب، وزنة الدّينار مثقال ونصف.
وأديرة درنكة (¬b) المذكورة قريب بعضها من بعض، وبينها مغاير عديدة منقوش على ألواح فيها نقوشات من كتابة القدماء، كما على البرابي، وهي مزخرفة بعدّة أصباغ ملوّنة تشتمل على علوم شتّى.
ودير السّبعة جبال، ودير المطلّ،/ ودير النسّاخ، خارج سيوط في المقابر.
ويقال إنّه كان في الحاجر ثلاث مائة وستون ديرا، وإنّ المسافر كان لا يزال من البدرشين إلى أصفون في ظلّ البساتين، وقد خرب ذلك وباد أهله.
دير موشة
وموشى (١) خارج سيوط من قبليها. بني على اسم توما الرّسول الهندي، وهو بين الغيطان قريب من ريفة (¬c) (٢)، وفي أيّام النيل لا يوصل إليه إلاّ في مركب، وله أعياد.
والأغلب على نصارى هذه الأديرة معرفة القبطي الصّعيدي، وهو أصل اللغة القبطية، وبعدها اللغة القبطيّة البحيرية (¬d). ونساء نصارى الصّعيد وأولادهم لا يكادون يتكلّمون إلاّ بالقبطيّة الصّعيدية، ولهم أيضا معرفة تامّة باللغة الرّومية (٣).
دير بومقروفة
وأبو مقروفة اسم للبلدة التي بها هذا الدّير. وهو منقور في لحف الجبل، وفيه عدّة مغاير، وهو
стр. 3377
على اسم السّيّدة مريم. وبمقروفة نصارى كثيرة غنّامة، ورعاة أكثرهم همج، وفيهم قليل من يقرأ ويكتب. وهو دير معطّش (١).
دير بوبفام
خارج طما، وأهلها نصارى، وكانوا قديما أهل علم (٢).
دير بوشنودة
ويعرف ب «الدّير الأبيض» وهو غربي ناحية سوهاج، وبناؤه بالحجر، وقد خرب ولم يبق منه إلاّ كنيسته. ويقال: إنّ مساحته أربعة فدادين ونصف وربع، والباقي منه نحو فدّان، وهو دير قديم (٣).
الدّير الأحمر
ويعرف بدير بوإبشاي، وهو بحري الدّير الأبيض بينهما نحو ثلاث ساعات، وهو دير لطيف مبني بالطوب الأحمر. وأبو إبشاي هذا من الرّهبان المعاصرين لشنودة، وهو تلميذه، وصار من تحت يده ثلاثة آلاف راهب، وله دير آخر في برّيّة شيهات (٤).
стр. 3378
دير بوميساس
ويقال أبو مسيس، واسمه موسى. وهذا الدّير تحت البلينا، وهو دير كبير (١).
وأبو مسيس هذا كان راهبا من أهل البلينا، وله عندهم شهرة، وهم ينذرونه، فيزعمون فيه مزاعم.
ولم يبق بعد هذا (¬a) إلاّ أديرة بحاجر إسنا ونقّادة قليلة العمارة. وكان بأصفون «دير كبير»، وكانت أصفون من أحسن بلاد مصر، وأكثر نواحي الصّعيد فواكه، وكان رهبان ديرها معروفين بالعلم والمهارة فيه (¬b)، فخربت أصفون، وخرب ديرها.
وهذا آخر أديرة الصّعيد، وهي كلّها متلاشية آيلة إلى الدّثور، بعد كثرة عمارتها، ووفور أعداد رهبانها وسعة أرزاقهم، وكثرة ما كان يحمل إليهم.
وأمّا الوجه البحري
فكان فيه أديرة كثيرة خربت، وبقي منها بقيّة. فكان بالمقس - خارج القاهرة من بحريها - عدّة كنائس هدمها الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور، في تاسع عشر ذي الحجّة سنة تسع وتسعين وثلاث مائة، وأباح ما كان فيها، فنهب منها شيء كثير جدّا بعد ما أمر، في شهر ربيع الأوّل منها، بهدم كنائس راشدة خارج مدينة مصر من شرقيها، وجعل موضعها الجامع المعروف براشدة (٢).
وهدم أيضا في سنة أربع وتسعين كنيستين هناك، وألزم النصارى بلبس السّواد وشدّ الزّنّار، وقبض على الأملاك التي كانت محبّسة على الكنائس والأديرة، وجعلها في ديوان السّلطان، وأحرق عدّة كثيرة من الصّلبان، ومنع النصارى من إظهار زينة الكنائس في عيد الشّعانين،
стр. 3379
وتشدّد عليهم، وضرب جماعة منهم (١).
وكانت بالرّوضة كنيسة بجوار المقياس، فهدمها السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب في سنة ثمان وثلاثين وستّ مائة (٢).
وكان في ناحية أبي النمرس من الجيزة «كنيسة»، قام في هدمها رجل من الزّيالعة، لأنّه سمع أصوات النواقيس يجهر بها في ليلة الجمعة بهذه الكنيسة. فلم يتمكّن من ذلك في أيّام الأشرف شعبان بن حسين، لتمكّن الأقباط في الدّولة، فقام في ذلك مع الأمير الكبير برقوق - وهو يومئذ القائم بتدبير الدّولة - حتّى هدمها على يد القاضي جمال الدّين محمود العجمي، محتسب القاهرة، في ثامن عشر رمضان سنة ثمانين وسبع مائة، وعملت مسجدا.
دير الخندق
ظاهر القاهرة من بحريها، عمّره القائد جوهر عوضا عن دير هدمه في القاهرة كان بالقرب من الجامع الأقمر، حيث البئر التي تعرف الآن ببئر العظمة، وكانت إذ ذاك تعرف ببئر العظام، من أجل أنّه نقل عظاما كانت بالدّير، وجعلها بدير الخندق (٣). ثم هدم دير الخندق في رابع عشرين شوّال سنة ثمان وسبعين وستّ مائة في أيّام المنصور قلاوون، ثم جدّد هذا الدّير الذي هناك بعد ذلك، وعمل كنيستين يأتي ذكرهما في الكنائس.
دير سرياقوس
كان يعرف بأبي هور، وله عيد يجتمع فيه الناس، وكان فيه أعجوبة ذكرها الشّابشتي.
وهو أنّ من كان به خنازير، أخذه رئيس هذا الدّير وأضجعه، وجاءه بخنزير فلحس موضع الوجع، ثم أكل الخنازير/ التي فيه، فلا يتعدّى ذلك إلى الموضع الصّحيح، فإذا تنّظف الموضع،
стр. 3380
ذرّ عليه رئيس الدّير من رماد خنزير فعل مثل هذا العمل من قبل، ودهنه بزيت قنديل البيعة، فإنّه يبرأ، ثم يؤخذ ذلك الخنزير الذي أكل خنازير العليل، فيذبح ويحرق، ويعدّ رماده لمثل هذه الحالة. فكان لهذا الدّير دخل عظيم ممّن يبرأ من هذه العلّة، وفيه خلق من النصارى (١).
دير أتريب
ويعرف بماري مريم، وعيده في حادي عشرين بؤونة، وذكر الشّابشتي أنّ حمامة بيضاء تأتي في ذلك العيد فتدخل المذبح، لا يدرون من أين جاءت، ولا يرونها إلى يوم مثله (٢). وقد تلاشى أمر هذا الدّير حتى لم يبق به إلاّ ثلاثة من الرّهبان، لكنهم يجتمعون في عيده، وهو على شاطئ النيل قريب من بنها العسل.
دير المغطّس
عند الملاّحات، قريب من بحيرة البرلّس، وتحجّ إليه النصارى من قبلي أرض مصر ومن بحريها - مثل حجّهم إلى كنيسة القمامة - وذلك يوم عيده، وهو في بشنس، ويسمّونه «عيد الظّهور»، من أجل أنّهم يزعمون أنّ السّيّدة مريم تظهر لهم فيه، ولهم فيه مزاعم كلّها من أكاذيبهم المختلقة (٣).
وليس بحذاء هذا الدّير عمارة، سوى منشأة صغيرة في قبليه بشرق، وبقربه الملاّحة التي يؤخذ منها الملح الرّشيدي. وقد هدم هذا الدّير في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وثمان مائة بقيام بعض الفقراء المعتقدين (٤).
стр. 3381
دير العسكر
في أرض السّباخ على يوم من دير المغطّس، على اسم الرّسل، وبقربه ملاّحة الملح الرّشيدي، ولم يبق به سوى راهب واحد (١).
دير جميانة
على اسم بوجرج، قريب من دير العسكر، على ثلاث ساعات منه، وعيده عقب عيد دير المغطّس، وليس به الآن أحد (٢).
دير الميمة (¬a)
بالقرب من دير العسكر. كانت له حالات جليلة، ولم يكن في القديم دير بالوجه البحري أكثر رهبانا منه، إلاّ أنّه تلاشى أمره وخرب، فنزله الحبش وعمّروه (٣).
وليس في السّباخ سوى هذه الأربعة الأديرة. وأمّا «وادي هبيب».
وهو «وادي النطرون» - ويعرف ببرّيّة شيهات، وببرّيّة الأسقيط (¬b)، وبميزان القلوب - فإنّه كان بها في القديم مائة دير، ثم صارت سبعة ممتدّة غربا على جانب البرّيّة القاطعة بين بلاد البحيرة والفيّوم. وهي في رمال منقطعة، وسباخ مالحة، وبرار منقطعة معطشة، وقفار مهلكة.
وشراب أهلها من حفائر، وتحمل النصارى إليهم النذور والقرابين (٤). وقد تلاشت في هذا الوقت،
стр. 3382
بعد ما ذكر مؤرّخو النصارى أنّه خرج إلى عمرو بن العاص من هذه الأديرة سبعون ألف راهب، بيد كلّ واحد عكّاز، فسلّموا عليه، وأنّه كتب لهم كتابا هو عندهم.
فمنها:
دير بومقّار الكبير
وهو دير جليل عندهم، وبخارجه أديرة كثيرة خربت، وكان دير النسّاك في القديم، ولا يصحّ عندهم بطركيّة البطرك حتى يجلسوه في هذا الدّير بعد جلوسه بكرسي سكندرية. ويذكر أنّه كان فيه من الرّهبان ألف وخمس مائة لا تزال مقيمة به، وليس به الآن إلاّ قليل منهم (١).
والمقّارات ثلاثة: أكبرهم صاحب هذا الدّير، ثم أبو مقّار الإسكندراني، ثم أبو مقّار الأسقف. وهؤلاء الثلاثة قد وضعت رممهم في ثلاث أنابيب من خشب، وتزورها النصارى بهذا الدّير، وبه أيضا الكتاب الذي كتبه عمرو بن العاص لرهبان وادي هبيب، بجرانة نواحي الوجه البحري، على ما أخبرني من أخبر برؤيته فيه.
أبو مقّار الأكبر
هو مقاريوس (٢). أخذ الرّهبانيّة عن أنطونيوس، وهو أوّل من لبس عندهم القلنسوة والأسكيم - وهو سير من جلد فيه صليب يتوشّح به الرّهبان فقط -
стр. 3383
ولقى أنطونيوس بالجبل الشّرقي من حيث دير العربة (¬a)، وأقام عنده مدّة، ثم ألبسه لباس الرّهبانيّة، وأمره بالمسير إلى وادي النطرون ليقيم هناك، ففعل ذلك. واجتمع عنده الرّهبان الكثيرة العدد، وله عندهم فضائل عديدة، منها: أنّه كان لا يصوم الأربعين إلاّ طاويا في جميعها، لا يتناول غذاء ولا شرابا ألبتّة، مع قيام ليلها، وكان يعمل الخوص ويتقوّت منه، وما أكل خبزا طريّا قطّ، بل يأخذ القراقيش فيبلّها في نقاعة الخوص، ويتناول منها هو ورهبانه (¬b) ما يمسك الرّمق من غير زيادة، هذا قوتهم مدّة حياتهم حتى مضوا لسبيلهم.
وأمّا أبو مقّار الإسكندراني (١)، فإنّه ساح من الإسكندرية إلى مقاريوس المذكور، وترهّب على يديه.
ثم كان أبو مقّار الثّالث، وصار أسقفا.
دير بويحنّس القصير
يقال إنّه عمّر في أيّام قسطنطين بن هيلانة. ولأبي يحنّس هذا فضائل مذكورة، وهو من أجلّ الرّهبان. وكان لهذا الدّير حالات شهيرة، وبه طوائف من الرّهبان، ولم يبق به الآن إلاّ ثلاثة رهبان (٢).
/ دير إلياس ﵇
وهو دير للحبشة. وقد خرب دير يحنّس، كما خرب دير إلياس، أكلت الأرضة أخشابهما
стр. 3384
فسقطتا، وصار الحبشة إلى دير سيّدة بويحنّس القصير، وهو دير لطيف بجوار دير بويحنّس القصير.
وبالقرب من هذه الأديرة:
دير أنبانوب
وقد خرب هذا الدّير أيضا.
أنبانوب: هذا من أهل سمنّود قتل في الإسلام، ووضع جسده في بيت بسمنّود.
دير الأرمن
قريب من هذه الأديرة، وقد خرب (١).
وبجوارها أيضا:
دير بوإبشاي
وهو دير عظيم عندهم، من أجل أنّ أبشاي هذا كان من الرّهبان الذين في طبقة مقاريوس ويحنّس القصير، وهو دير كبير جدّا (٢).
دير بإزاء دير بوإبشاي
كان بيد اليعاقبة، ثم ملكته رهبان السّريان من نحو ثلاث مائة سنة، وهو بيدهم الآن.
ومواضع هذه الأديرة يقال لها بركة الأديرة.
стр. 3385
دير سيّدة برموس (١)
على اسم السّيّدة مريم (٢). فيه بعض رهبان، وبإزائه:
دير موسى
ويقال أبو موسى الأسود ويقال برموس، وهذا الدّير لسيّدة برموس، فبرموس اسم الدّير، وله قصّة حاصلها أنّ مكسيموس ودوماديوس كانا ولدي ملك الرّوم، وكان لهما معلّم يقال له أرسانيوس، فسار المعلّم من بلاد الرّوم إلى أرض مصر، وعبر برّيّة شيهات هذه، وترهّب وأقام بها حتى مات، وكان فاضلا، وأتاه في حياته ابنا الملك المذكوران، وترهّبا على يديه، فلمّا ماتا، بعث أبوهما فبنى على اسمهما كنيسة برموس.
وأبو موسى الأسود كان لصّا فاتكا قتل مائة نفس، ثم إنّه تنصّر وترهّب، وصنّف عدّة كتب، وكان ممّن يطوي الأربعين في صومه، وهو بربري.
دير الزّجاج
هذا الدّير خارج مدينة الإسكندرية، ويقال له «دير (¬a) الهانطون» (¬b)، وهو على اسم بوجرج الكبير. ومن شرط البطرك أنّه لا بدّ أن يتوجّه من المعلّقة بمصر إلى دير الزّجاج هذا، ثم إنّهم في هذا الزّمان تركوا ذلك (٣).
فهذه أديرة اليعاقبة.
стр. 3386
و «للنساء ديارات» تختصّ بهن، فمنها:
دير الرّاهبات
بحارة زويلة من القاهرة، وهو دير عامر بالأبكار المترهّبات وغيرهن من نساء النصارى.
دير البنات
بحارة الرّوم بالقاهرة. عامر بالنساء المترهّبات.
دير المعلّقة
بمدينة مصر. وهو أشهر ديارات النساء، عامر بهن.
دير بربارة
بمصر بجوار كنيسة بربارة. عامر بالبنات المترهّبات.
بربارة
كانت قدّيسة في زمان دقلطيانوس، فعذّبها لترجع عن ديانتها وتسجد للأصنام، فثبتت على دينها، وصبرت على عذاب شديد - وهي بكر لم يمسّها رجل - فلمّا يئس منها ضرب عنقها وعنق عدّة من النساء معها.
وللنصارى الملكيّة قلاّية بطركهم بجوار كنيسة ميكائيل، بالقرب من جسر الأفرم خارج مصر، وهي مجمع الرّهبان الواردين من بلاد الرّوم.
دير يحنّس القصيّر المعروف بالقصير
وصوابه عندهم «دير القصير»، على وزن شهيد، وحرّف فقيل «دير القصيّر» - بضمّ القاف وفتح الصّاد وتشديد الياء - فسمّاه المسلمون دير القصير - بضمّ القاف وفتح الصّاد وإسكان الياء آخر الحروف - كأنّه تصغير قصير (١).
стр. 3387
وأصله - كما عرّفتك - دير القصير الذي هو ضد الطويل، وسمّي أيضا دير هرقل، ودير البغل، وقد تقدّم ذكره (١). وكان من أعظم ديارات النصارى، وليس به الآن سوى واحد يحرسه، وهو بيد الملكيّة.
دير الطور
قال ابن سيده: الطور الجبل، وقد غلب على طور سيناء - جبل بالشّام - وهو بالسّريانيّة طورى، والنسب إليه طوريّ وطوراني (¬a) (٢).
وقال ياقوت: طور سبعة مواضع. الأوّل: طور زيتا، بلفظ الزّيت من الأدهان مقصور، علم لجبل بقرب رأس عين. الثّاني: طور زيتا (¬b) أيضا، جبل بالبيت المقدّس، وهو شرقي سلوان (¬c).
الثّالث: الطور علم لجبل بعينه مطلّ على مدينة طبريّة بالأردن. الرّابع: الطور علم لجبل كورة تشتمل على عدّة قرى بأرض مصر، من الجهة القبلية بين مصر وجبل فاران. الخامس: طور سيناء. اختلفوا فيه: فقيل هو جبل بقرب أيلة، وقيل جبل بالشّام، وقيل سيناء حجازته (¬d)، وقيل شجر فيه (¬e). السّادس: طور عبدين -/ بفتح العين وسكون الباء الموحدة وكسر الدال المهملة وياء آخر الحروف ونون -: اسم لبلدة من نواحي نصيبين، في بطن الجبل المشرف عليها المتّصل بجبل جودي. السّابع: طور هارون أخي موسى ﵉ (٣).
стр. 3388
وقال الواحديّ في «تفسيره»: وقال الكلبيّ وغيره: والجبل في قوله تعالى: ﴿وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ﴾ [الآية ١٤٣ سورة الأعراف] أعظم جبل بمدين يقال له زبير (١)، وذكر البكري (¬a) أنّ الطور سمّي بيطور بن إسماعيل. قال السّهيلي: فلعلّه محذوف الياء إن كان صحّ ما قاله.
وقال عمر بن شبّة (¬b): أخبرني عبد العزيز، عن أبي معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «أربعة أنهار في الجنّة، وأربعة أجبل وأربع ملاحم في الجنّة، فأمّا الأنهار فسيحان وجيجان والنيل والفرات، وأمّا الأجبل فالطور ولبنان وأحد وورقان» وسكت عن الملاحم.
وعن كعب الأحبار: معاقل المسلمين ثلاثة: فمعقلهم من الرّوم دمشق، ومعقلهم من الدّجّال الأردن، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور.
وقال شعبة عن أرطاة بن المنذر: إذا خرج يأجوج ومأجوج، أوحى اللّه تعالى إلى عيسى ابن مريم، ﵇: أنّي قد أخرجت خلقا من خلقي لا يطيقهم أحد غيري، فمرّ بمن معك إلى جبل الطور. فيمرّ ومعه من الذّراري اثنا عشر ألفا.
وقال طلق بن حبيب عن زرعة: أردت الخروج إلى الطور، فأتيت عبد اللّه بن عمر ﵄ فقلت له، فقال: إنّما تشدّ الرّحال إلى ثلاثة مساجد: إلى مسجد رسول اللّه ﷺ ، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته.
وقال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعي، وقد ذكر كور أرض مصر: ومن كور القبلة قرى الحجاز، وهي كورة الطور وفاران، وكورة راية والقلزم، وكورة أيلة وحيّزها، ومدين وحيّزها، والعويبد والحوراء وحيّزهما، ثم كورة بدا وشعيب [كذا].
قلت: لا خلاف بين علماء الأخبار، من أهل الكتاب، أنّ جبل الطور هذا هو الذي كلّم اللّه تعالى نبيّه موسى ﵇ عليه أو عنده، وبه إلى الآن دير بيد الملكيّة، وهو عامر، وفيه بستان كبير به نخل وعنب وغير ذلك من الفواكه.
стр. 3389
وقال الشّابشتي: وطور سيناء هو الجبل الذي تجلّى فيه النور لموسى بن عمران ﵇ وفيه صعق، والدّير في أعلى الجبل مبني بحجر أسود، عرض حصنه سبع أذرع، وله ثلاثة أبواب حديد، وفي غربيه باب لطيف، وقدّامه حجر أقيم: إذا أرادوا رفعه رفعوه، وإذا قصدهم أحد أرسلوه، فانطبق على الموضع، فلم يعرف مكان الباب.
وداخل الدّير عين ماء، وخارجه عين أخرى.
وزعم النصارى أنّ به نارا من أنواع النار التي كانت ببيت المقدس، يقدون منها في كلّ عشيّة، وهي بيضاء لطيفة ضعيفة الحرّ لا تحرق، ثم تقوى إذا أوقد منها السّراج.
وهو عامر بالرّهبان، والناس يقصدونه، وهو من الدّيارات الموصوفة. قال ابن عاصم (¬a) فيه (١):
[البسيط]
يا راهب الدّير ماذا الضّوء والنور … فقد أضاء بما في ديرك الطور؟
هل حلّت الشّمس فيه دون أبرجها … أو غيّب البدر فيه وهو مستور؟
فقال: ما حلّه شمس ولا قمر … لكن يقرّب فيه اليوم قورير
قلت: ذكر مؤرّخو النصارى (٢) أنّ هذا الدّير أمر بعمارته يوسطنيانوس، ملك الرّوم بقسطنطينية، فعمل عليه حصن فوقه عدّة قلالي، وأقيم فيه الحرس لحفظ رهبانه من قوم يقال لهم بنو صالح من العرب. وفي أيّام هذا الملك كان «المجمع الخامس» من مجامع النصارى (٣).
وبينه وبين القلزم - وكانت مدينة - طريقان: إحداهما في البرّ والأخرى في البحر، وهما جميعا يؤدّيان إلى مدينة فاران، وهي من مدائن العمالقة، ثم منها إلى الطور مسيرة يومين، ومن مدينة مصر إلى القلزم ثلاثة أيّام، ويصعد إلى جبل الطور بستة آلاف وستّ مائة وستّ وستين مرقاة.
وفي نصف الجبل كنيسة لإيلياء النبي، وفي قلّته كنيسة على اسم موسى ﵇ بأساطين من رخام وأبواب من صفر، وهو الموضع الذي كلّم اللّه تعالى فيه موسى، وقطع منه
стр. 3390
الألواح، ولا يكون فيها إلاّ راهب واحد للخدمة، ويزعمون أنّه لا يقدر أحد أن يبيت فيها، بل يهيّأ له موضع من خارج يبيت فيه (١). ولم يبق لهاتين الكنيستين وجود.
دير البنات بقصر الشّمع بمصر
وهو على اسم بوجرج (٢)، وكان مقياس النيل قبل الإسلام، وبه آثار ذلك إلى اليوم.
فهذا ما للنصارى اليعاقبة والملكيّة، رجالهم ونسائهم، من الدّيارات بأرض مصر قبليها وبحريها، وعدّتها ستة وثمانون ديرا؛ منها لليعاقبة (¬a) دير، وللملكيّة (¬a).
стр. 3391
ذكر كنائس النصارى (١)
قال الأزهريّ: كنيسة اليهود جمعها كنائس، وهي معرّبة أصلها كنشت (¬a) (٢). انتهى.
وقد نطقت العرب بذكر الكنيسة، قال العبّاس بن مرداس السّلمي (٣):
[الطويل]
يدورون بي في ظلّ كلّ كنيسة … وما كان قومي يبتنون الكنائسا
وقال ابن قيس الرّقيّات (٤):
[المنسرح]
كأنّها دمية مصوّرة … في بيعة من كنائس الرّوم
стр. 3392
كنيستا الخندق (١) ظاهر القاهرة
إحداهما على اسم غبريال الملاك، والأخرى على اسم مرقوريوس، وعرفت برويس، وكان راهبا مشهورا بعد سنة ثمان مائة. وعند هاتين الكنيستين يقبر النصارى موتاهم، وتعرف ب «مقبرة الخندق». وعمّرت هاتان الكنيستان عوضا عن كنائس المقس في الأيّام الإسلامية.
стр. 3393
كنيسة حارة زويلة بالقاهرة
كنيسة عظيمة عند النصارى اليعاقبة، وهي على اسم السّيّدة، وزعموا أنّها قديمة تعرف بالحكيم زايلون، وكان قبل الملّة الإسلامية بنحو مائتين وسبعين سنة، وأنّه صاحب علوم شتّى، وأنّ له كنزا عظيما يتوصّل إليه من بئر هناك.
كنيسة تعرف بالمغيثة
بحارة الرّوم من القاهرة، على اسم السّيّدة مريم.
وليس لليعاقبة بالقاهرة سوى هاتين الكنيستين.
وكان بحارة الرّوم أيضا كنيسة أخرى، يقال لها:
كنيسة بربارة
هدمت في سنة ثمان عشرة وسبع مائة. وسبب ذلك أنّ النصارى رفعوا قصّة للسّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون يسألون الإذن في إعادة ما تهدّم منها، فأذن لهم في ذلك، فعمّروها أحسن ما كانت. فغضبت طائفة من المسلمين، ورفعوا قصّة للسّلطان بأنّ النصارى أحدثوا بجانب هذه الكيسة بناء لم يكن فيها، فرسم للأمير علم الدّين سنجر الخازن والي القاهرة بهدم ما جدّدوه.
فركب، وقد اجتمع الخلائق، فبادروا وهدموا الكنيسة كلّها في أسرع وقت، وأقاموا في موضعها محرابا، وأذّنوا وصلّوا وقرأوا القرآن، كلّ ذلك بأيديهم، فلم تمكن معارضتهم خشية الفتنة. فاشتدّ الأمر على النصارى، وشكوا أمرهم للقاضي كريم الدّين ناظر الخاص، فقام وقعد غضبا لدين أسلافه، وما زال بالسّلطان حتى رسم بهدم المحراب، فهدم وصار موضعه كوم تراب، ومضى الحال على ذلك.
стр. 3394
كنيسة بومنا
هذه الكنيسة قريبة من السّدّ، فيما بين الكيمان بطريق مصر، وهي ثلاث كنائس متجاورة:
إحداها لليعاقبة، والأخرى للسّريان، وأخرى للأرمن. ولها عيد في كلّ سنة تجتمع إليه النصارى.
كنيسة المعلّقة
بمدينة مصر، في خطّ قصر الشّمع، على اسم السّيّدة. وهي جليلة القدر عندهم (١)، وهي غير القلاّية التي تقدّم ذكرها.
كنيسة شنودة بمصر
نسبت لأبي شنودة الرّاهب القديم، وله أخبار: منها أنّه كان ممّن يطوي في الأربعين إذا صام، وكان تحت يده ستّة آلاف راهب يتقوّت هو وإيّاهم من عمل الخوص، وله عدّة مصنّفات (٢).
كنيسة مريم
بجوار كنيسة شنودة. هدمها علي بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس، أمير مصر، لمّا ولي من قبل أمير المؤمنين الهادي موسى في سنة تسع وستين ومائة، وهدم كنائس محرس قسطنطين، وبذل له النصارى في تركها خمسين ألف دينار فامتنع. فلمّا عزل بموسى بن عيسى ابن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس، في خلافة هارون الرّشيد، أذن موسى ابن
стр. 3395
عيسى للنصارى في بنيان الكنائس التي هدمها عليّ بن سليمان، فبنيت كلّها بمشورة الليث ابن سعد وعبد اللّه بن لهيعة، وقالا: «هو من عمارة البلاد»، واحتجّا بأنّ الكنائس التي بمصر لم تبن إلاّ في الإسلام في زمن الصّحابة والتّابعين (١).
كنيسة بوجرج الثّقة
هذه الكنيسة في درب بخطّ قصر الشّمع بمصر، يقال له درب الثّقة، ويجاورها كنيسة سيّدة بوجرج (٢).
كنيسة ببربارة بمصر
كبيرة جليلة عندهم، وهي تنسب إلى القدّيسة بربارة الرّاهبة، وكان في زمانها راهبتان أبكارا (¬a)، وهما إيسي وتكلة، ويعمل لهن عيد عظيم بهذه الكنيسة يحضره البطريق (٣).
كنيسة بوسرجة
بالقرب من بربارة، بجوار زاوية ابن النعمان، فيها مغارة يقال إنّ المسيح وأمّه مريم ﵉ جلسا بها (٤).
стр. 3396
كنيسة بابليون
في قبلي قصر الشّمع بطريق جسر الأفرم (١). وهذه الكنيسة قديمة جدّا، وهي لطيفة، ويذكر/ أنّ تحتها كنز بابليون، وقد خرب ما حولها.
كنيسة تاودروس الشّهيد
بجوار بابليون. نسبت للشّهيد تاودروس الإسفهسلار (٢).
كنيسة بومنا
بجوار بابليون أيضا (٣). وهاتان الكنيستان مغلوقتان لخراب ما حولهما.
كنيسة بومنا بالحمراء
وتعرف الحمراء اليوم بخطّ قناطر السّباع، فيما بين القاهرة ومصر. وأحدثت هذه الكنيسة في سنة سبع عشرة ومائة من سني الهجرة، بإذن الوليد بن رفاعة أمير مصر. فغضب وهيب اليحصبي، وخرج على السّلطان، وجاء إلى ابن رفاعة ليفتك به، فأخذ وقتل، وكان وهيب مدريّا من اليمن قدم إلى مصر. فخرج القرّاء على الوليد بن رفاعة غضبا لوهيب وقاتلوه.
وصارت معونة، امرأة وهيب، تطوف ليلا على منازل القرّاء تحرّضهم على الطلب بدمه، وقد حلقت رأسها، وكانت امرأة جزلة. فأخذ ابن رفاعة أبا عيسى مروان بن عبد الرّحمن اليحصبي بالقرّاء، فاعتذر وخلّى ابن رفاعة عنهم، فسكنت الفتنة بعد ما قتل جماعة (٤).
стр. 3397
ولم تزل هذه الكنيسة بالحمراء إلى أن كانت «واقعة هدم الكنائس»، في أيّام الناصر محمد ابن قلاوون، علي ما يأتي ذكر ذلك والخبر عن هدم جميع كنائس أرض مصر وديارات النصارى في وقت واحد.
كنيسة الزّهري
كانت في الموضع الذي فيه اليوم البركة الناصرية، بالقرب من قناطر السّباع، في برّ الخليج الغربي غربي اللوق.
واتّفق في أمرها عدّة حوادث؛ وذلك أنّ الملك الناصر محمد بن قلاوون لمّا أنشأ ميدان المهارى، المجاور لقناطر السّباع، في سنة عشرين وسبع مائة، قصد بناء زربيّة على النيل الأعظم بجوار الجامع الطيبرسي. فأمر بنقل كوم تراب كان هناك، وحفر ما تحته من الطين لأجل بناء الزّربيّة، وأجرى الماء إلى مكان الحفر، فصار يعرق إلى اليوم ب «البركة الناصريّة» (١).
وكان الشّروع في حفر هذه البركة من آخر شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وسبع مائة.
فلمّا انتهى الحفر إلى جانب كنيسة الزّهري - وكان بها كثير من النصارى لا يزالون فيها، وبجانبها أيضا عدّة كنائس في الموضع الذي يعرف اليوم بحكر آقبغا، ما بين السّبع سقايات وبين قنطرة السّدّ خارج مدينة مصر (٢) - أخذ الفعلة في الحفر حول كنيسة الزّهري، حتى بقيت قائمة في وسط الموضع الذي عيّنه السّلطان ليحفر، وهو اليوم بركة الناصريّة، وزاد الحفر حتى تعلّقت الكنيسة. وكان القصد من ذلك أن تسقط من غير قصد لخرابها.
[واقعة الكنائس] (٣)
وصارت العامّة، من غلمان الأمراء العمّالين في الحفر، وغيرهم في كلّ وقت يصرخون على الأمراء في طلب هدمها، وهم يتغافلون عنهم؛ إلى أن كان يوم الجمة التاسع من شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة،
стр. 3398
والعمل من الحفر بطّال، فتجمّع عدّة من غوغاء العامّة بغير مرسوم السّلطان، وقالوا بصوت عال مرتفع: «اللّه أكبر»، ووضعوا أيديهم بالمساحي ونحوها في كنيسة الزّهري، وهدموها حتى بقيت كوما، وقتلوا من كان فيها من النصارى، وأخذوا جميع ما كان فيها.
وهدموا «كنيسة بومنا» التي كانت بالحمراء - وكانت معظّمة عند النصارى من قديم الزّمان - وبها عدّة من النصارى قد انقطعوا فيها، ويحمل إليهم نصارى مصر سائر ما يحتاج إليه، ويبعث إليها بالنذور الجليلة والصّدقات الكثيرة. فوجد فيها مال كثير ما بين نقد ومصاغ وغيره، وتسلّق العامّة إلى أعلاها، وفتحوا أبوابها، وأخذوا منها مالا وقماشا وجرار خمر، فكان أمرا مهولا.
ثم مضوا من «كنيسة الحمراء»، بعدما هدموها، إلى كنيستين بجوار السّبع سقايات - تعرف إحداهما ب «كنيسة البنات»، كان يسكنها بنات النصارى وعدّة من الرّهبان - فكسروا أبواب الكنيستين، وسبوا البنات، وكنّ زيادة على ستين بنتا - وأخذوا ما عليهن من الثياب، ونهبوا سائر ما ظفروا به، وحرقوا وهدموا تلك الكنائس كلّها، هذا والناس في صلاة الجمعة.
فعند ما خرج الناس من الجوامع، شاهدوا هولا كبيرا من كثرة الغبار ودخان الحريق، ومرج الناس وشدّة حركاتهم ومعهم ما نهبوه، فما شبّه الناس الحال لهوله إلاّ بيوم القيامة، وانتشر الخبر، وطار إلى الرّميلة تحت قلعة الجبل. فسمع السّلطان ضجّة عظيمة ورجّة منكرة أفزعته، فبعث لكشف الخبر، فلمّا بلغه ما وقع انزعج انزعاجا عظيما، وغضب من تجرّي العامّة وإقدامهم على ذلك بغير أمره، وأمر الأمير أيدغمش أمير آخور أن يركب بجماعة الأوشاقيّة، ويتدارك هذا الخلل، ويقبض على من فعله.
فأخذ أيدغمش يتهيّأ للرّكوب، وإذا بخبر قد ورد من القاهرة أنّ العامّة ثارت في القاهرة، وخرّبت كنيسة بحارة الرّوم وكنيسة بحارة زويلة. وجاء الخبر من مدينة مصر أيضا بأنّ العامّة قامت بمصر في جمع كثير جدّا، وزحفت إلى «كنيسة المعلّقة» بقصر الشّمع، فأغلقها النصارى وهم محصورون بها، وهى على أن تؤخذ.
стр. 3399
فتزايد غضب السّلطان، وهمّ أن يركب بنفسه/ ويبطش بالعامّة، ثم تأخّر لمّا راجعه الأمير أيدغمش، ونزل من القلعة في أربعة من الأمراء إلى مصر، وركب الأمير بيبرس الحاجب والأمير ألماس الحاجب إلى موضع الحفر، وركب الأمير طينال إلى القاهرة، وكلّ منهم في عدّة وافرة، وقد أمر السّلطان بقتل من قدروا عليه من العامّة بحيث لا يعفو عن أحد. فقامت القاهرة ومصر على ساق، وفرّت النهّابة، فلم يظفر الأمراء منهم إلاّ بمن عجز عن الحركة بما غلبه من السّكر بالخمر الذي نهبه من الكنائس، ولحق الأمير أيدغمش بمصر، وقد ركب الوالي إلى المعلّقة قبل وصوله ليخرج من زقاق المعلّقة من حضر للنهب، فأخذه الرّجم حتى فرّ منهم، ولم يبق إلاّ أن يحرق باب الكنيسة.
فجرّد أيدغمش ومن معه السّيوف يريدون الفتك بالعامّة، فوجدوا عالما لا يقع عليه حصر، وخاف سوء العاقبة فأمسك عن القتل، وأمر أصحابه بإرجاف العامّة من غير إهراق دم، ونادى مناديه: «من وقف حلّ دمه». ففرّ سائر من اجتمع من العامّة وتفرّقوا، وصار أيدغمش واقفا إلى أن أذّن العصر خوفا من عود العامّة، ثم مضى وألزم والي مصر أن يبيت بأعوانه هناك، وترك معه خمسين من الأوشاقيّة.
وأمّا الأمير ألماس فإنّه وصل إلى كنائس الحمراء وكنائس الزّهري ليتداركها، فإذا بها قد بقيت كيمانا ليس بها جدار قائم، فعاد وعاد الأمراء، فردّوا الخبر على السّلطان وهو لا يزداد إلاّ حنقا، فما زالوا به حتى سكن غضبه.
وكان الأمر في هدم هذه الكنائس عجبا من العجب. وهو أنّ الناس لمّا كانوا في صلاة الجمعة من هذا اليوم بجامع قلعة الجبل، فعندما فرغوا من الصّلاة، قام رجل مولّه وهو يصيح من وسط الجامع: «اهدموا الكنيسة التي في القلعة اهدموها»، وأكثر من الصّياح المزعج حتى خرج عن الحدّ، ثم اضطرب. فتعجّب السّلطان والأمراء من قوله، ورسم لنقيب الجيوش والحاجب بالفحص عن ذلك، فمضيا من الجامع إلى خرائب التّتر من القلعة، فإذا فيها كنيسة قد بنيت فهدموها ولم يفرغوا من هدمها حتى وصل الخبر بواقعة كنائس الحمراء والقاهرة، فكثر تعجّب السّلطان من شأن ذلك الفقير، وطلب فلم يوقف له على خبر.
واتّفق أيضا بالجامع الأزهر أنّ الناس لمّا اجتمعوا في هذا اليوم لصلاة الجمعة، أخذ شخصا من الفقراء مثل الرّعدة، ثم قام بعد ما أذّن قبل أن يخرج الخطيب، وقال: «اهدموا كنائس الطغيان والكفرة، نعم اللّه أكبر، فتح اللّه ونصر»، وصار يزعج نفسه، ويصرخ من الأساس إلى
стр. 3400
الأساس. فحدق الناس بالنظر إليه، ولم يدروا ما خبره، وافترقوا في أمره، فقائل: هذا مجنون، وقائل: هذه إشارة لشيء. فلمّا خرج الخطيب أمسك عن الصّياح، وطلب بعد انقضاء الصّلاة فلم يوجد، وخرج الناس إلى باب الجامع، فرأوا النهّابة ومعهم أخشاب الكنائس وثياب النصارى وغير ذلك من النهوب، فسألوا عن الخبر، فقيل قد نادى السّلطان بخراب الكنائس، فظنّ الناس الأمر كما قيل، حتى تبيّن بعد قليل أنّ هذا الأمر إنّما كان من غير أمر السّلطان. وكان الذي هدم في هذا اليوم من الكنائس بالقاهرة: كنيسة بحارة الرّوم، وكنيسة بالبندقانيين، وكنيستان بحارة زويلة.
وفي يوم الأحد الثّالث من يوم الجمعة - الكائن فيه هدم كنائس القاهرة ومصر - ورد الخبر من الأمير بدر الدّين بيلبك المحسني، والي الإسكندرية، بأنّه لمّا كان يوم الجمعة تاسع ربيع الآخر بعد صلاة الجمعة، وقع في الناس هرج، وخرجوا من الجامع وقد وقع الصّياح: هدمت الكنائس.
فركب المملوك من فوره، فوجد الكنائس قد صارت كوما، وعدّتها أربع كنائس، وأنّ بطاقة وقعت من والي البحيرة: بأنّ كنيستين في مدينة دمنهور هدمتا والناس في صلاة الجمعة من هذا اليوم، فكثر التّعجّب من ذلك. إلى أن ورد في يوم الجمعة سادس عشرة الخبر، من مدينة قوص، بأنّ الناس عند ما فرغوا من صلاة الجمعة في اليوم التاسع من شهر ربيع الآخر، قام رجل من الفقراء وقال: «يا فقراء اخرجوا إلى هدم الكنائس». وخرج في جمع من الناس، فوجدوا الهدم قد وقع في الكنائس، فهدمت ستّ كنائس كانت بقوص وما حولها في ساعة واحدة.
وتواتر الخبر من الوجه القبلي والوجه البحري بكثرة ما هدم في هذا اليوم، وقت صلاة الجمعة وما بعدها، من الكنائس والأديرة في جميع إقليم مصر كلّه ما بين قوص والإسكندرية ودمياط.
فاشتدّ حنق السّلطان على العامّة خوفا من فساد الحال، وأخذ الأمراء في تسكين غضبه، وقالوا:
هذا الأمر ليس من قدرة البشر فعله، ولو أراد السّلطان وقوع ذلك على هذه الصّورة لما قدر عليه، وما هذا إلاّ بأمر اللّه سبحانه وبقدره لما علم من كثرة فساد النصارى وزيادة طغيانهم، ليكون ما وقع نقمة وعذابا لهم.
هذا والعامّة بالقاهرة ومصر قد اشتدّ خوفهم من السّلطان، لما كان يبلغهم عنه من التّهديد لهم بالقتل، ففرّ عدّة من الأوباش والغوغاء، وأخذ القاضي/ فخر الدّين، ناظر الجيش، في ترجيع السّلطان عن الفتك بالعامّة وسياسة الحال معه، وأخذ كريم الدّين الكبير - ناظر الخاصّ - يغريه بهم إلى أن أخرجه السّلطان إلى الإسكندرية بسبب تحصيل المال، وكشف الكنائس التي خربت بها.