← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

كنيسة بابليون في قبلي قصر الشّمع بطريق جسر الأفرم (١). وهذه الكنيسة قديمة جدّا، وهي لطيفة، ويذكر/ أنّ تحتها كنز بابليون، وقد خرب ما حولها. كنيسة تاودروس الشّهيد بجوار بابليون. نسبت للشّهيد تاودروس الإسفهسلار (٢). كنيسة بومنا بجوار بابليون أيضا (٣). وهاتان الكنيستان مغلوقتان لخراب ما حولهما. كنيسة بومنا بالحمراء وتعرف الحمراء اليوم بخطّ قناطر السّباع، فيما بين القاهرة ومصر. وأحدثت هذه الكنيسة في سنة سبع عشرة ومائة من سني الهجرة، بإذن الوليد بن رفاعة أمير مصر. فغضب وهيب اليحصبي، وخرج على السّلطان، وجاء إلى ابن رفاعة ليفتك به، فأخذ وقتل، وكان وهيب مدريّا من اليمن قدم إلى مصر. فخرج القرّاء على الوليد بن رفاعة غضبا لوهيب وقاتلوه. وصارت معونة، امرأة وهيب، تطوف ليلا على منازل القرّاء تحرّضهم على الطلب بدمه، وقد حلقت رأسها، وكانت امرأة جزلة. فأخذ ابن رفاعة أبا عيسى مروان بن عبد الرّحمن اليحصبي بالقرّاء، فاعتذر وخلّى ابن رفاعة عنهم، فسكنت الفتنة بعد ما قتل جماعة (٤).

стр. 3397

ولم تزل هذه الكنيسة بالحمراء إلى أن كانت «واقعة هدم الكنائس»، في أيّام الناصر محمد ابن قلاوون، علي ما يأتي ذكر ذلك والخبر عن هدم جميع كنائس أرض مصر وديارات النصارى في وقت واحد. كنيسة الزّهري كانت في الموضع الذي فيه اليوم البركة الناصرية، بالقرب من قناطر السّباع، في برّ الخليج الغربي غربي اللوق. واتّفق في أمرها عدّة حوادث؛ وذلك أنّ الملك الناصر محمد بن قلاوون لمّا أنشأ ميدان المهارى، المجاور لقناطر السّباع، في سنة عشرين وسبع مائة، قصد بناء زربيّة على النيل الأعظم بجوار الجامع الطيبرسي. فأمر بنقل كوم تراب كان هناك، وحفر ما تحته من الطين لأجل بناء الزّربيّة، وأجرى الماء إلى مكان الحفر، فصار يعرق إلى اليوم ب «البركة الناصريّة» (١). وكان الشّروع في حفر هذه البركة من آخر شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وسبع مائة. فلمّا انتهى الحفر إلى جانب كنيسة الزّهري - وكان بها كثير من النصارى لا يزالون فيها، وبجانبها أيضا عدّة كنائس في الموضع الذي يعرف اليوم بحكر آقبغا، ما بين السّبع سقايات وبين قنطرة السّدّ خارج مدينة مصر (٢) - أخذ الفعلة في الحفر حول كنيسة الزّهري، حتى بقيت قائمة في وسط الموضع الذي عيّنه السّلطان ليحفر، وهو اليوم بركة الناصريّة، وزاد الحفر حتى تعلّقت الكنيسة. وكان القصد من ذلك أن تسقط من غير قصد لخرابها. [واقعة الكنائس] (٣) وصارت العامّة، من غلمان الأمراء العمّالين في الحفر، وغيرهم في كلّ وقت يصرخون على الأمراء في طلب هدمها، وهم يتغافلون عنهم؛ إلى أن كان يوم الجمة التاسع من شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة،

стр. 3398

والعمل من الحفر بطّال، فتجمّع عدّة من غوغاء العامّة بغير مرسوم السّلطان، وقالوا بصوت عال مرتفع: «اللّه أكبر»، ووضعوا أيديهم بالمساحي ونحوها في كنيسة الزّهري، وهدموها حتى بقيت كوما، وقتلوا من كان فيها من النصارى، وأخذوا جميع ما كان فيها. وهدموا «كنيسة بومنا» التي كانت بالحمراء - وكانت معظّمة عند النصارى من قديم الزّمان - وبها عدّة من النصارى قد انقطعوا فيها، ويحمل إليهم نصارى مصر سائر ما يحتاج إليه، ويبعث إليها بالنذور الجليلة والصّدقات الكثيرة. فوجد فيها مال كثير ما بين نقد ومصاغ وغيره، وتسلّق العامّة إلى أعلاها، وفتحوا أبوابها، وأخذوا منها مالا وقماشا وجرار خمر، فكان أمرا مهولا. ثم مضوا من «كنيسة الحمراء»، بعدما هدموها، إلى كنيستين بجوار السّبع سقايات - تعرف إحداهما ب «كنيسة البنات»، كان يسكنها بنات النصارى وعدّة من الرّهبان - فكسروا أبواب الكنيستين، وسبوا البنات، وكنّ زيادة على ستين بنتا - وأخذوا ما عليهن من الثياب، ونهبوا سائر ما ظفروا به، وحرقوا وهدموا تلك الكنائس كلّها، هذا والناس في صلاة الجمعة. فعند ما خرج الناس من الجوامع، شاهدوا هولا كبيرا من كثرة الغبار ودخان الحريق، ومرج الناس وشدّة حركاتهم ومعهم ما نهبوه، فما شبّه الناس الحال لهوله إلاّ بيوم القيامة، وانتشر الخبر، وطار إلى الرّميلة تحت قلعة الجبل. فسمع السّلطان ضجّة عظيمة ورجّة منكرة أفزعته، فبعث لكشف الخبر، فلمّا بلغه ما وقع انزعج انزعاجا عظيما، وغضب من تجرّي العامّة وإقدامهم على ذلك بغير أمره، وأمر الأمير أيدغمش أمير آخور أن يركب بجماعة الأوشاقيّة، ويتدارك هذا الخلل، ويقبض على من فعله. فأخذ أيدغمش يتهيّأ للرّكوب، وإذا بخبر قد ورد من القاهرة أنّ العامّة ثارت في القاهرة، وخرّبت كنيسة بحارة الرّوم وكنيسة بحارة زويلة. وجاء الخبر من مدينة مصر أيضا بأنّ العامّة قامت بمصر في جمع كثير جدّا، وزحفت إلى «كنيسة المعلّقة» بقصر الشّمع، فأغلقها النصارى وهم محصورون بها، وهى على أن تؤخذ.

стр. 3399

فتزايد غضب السّلطان، وهمّ أن يركب بنفسه/ ويبطش بالعامّة، ثم تأخّر لمّا راجعه الأمير أيدغمش، ونزل من القلعة في أربعة من الأمراء إلى مصر، وركب الأمير بيبرس الحاجب والأمير ألماس الحاجب إلى موضع الحفر، وركب الأمير طينال إلى القاهرة، وكلّ منهم في عدّة وافرة، وقد أمر السّلطان بقتل من قدروا عليه من العامّة بحيث لا يعفو عن أحد. فقامت القاهرة ومصر على ساق، وفرّت النهّابة، فلم يظفر الأمراء منهم إلاّ بمن عجز عن الحركة بما غلبه من السّكر بالخمر الذي نهبه من الكنائس، ولحق الأمير أيدغمش بمصر، وقد ركب الوالي إلى المعلّقة قبل وصوله ليخرج من زقاق المعلّقة من حضر للنهب، فأخذه الرّجم حتى فرّ منهم، ولم يبق إلاّ أن يحرق باب الكنيسة. فجرّد أيدغمش ومن معه السّيوف يريدون الفتك بالعامّة، فوجدوا عالما لا يقع عليه حصر، وخاف سوء العاقبة فأمسك عن القتل، وأمر أصحابه بإرجاف العامّة من غير إهراق دم، ونادى مناديه: «من وقف حلّ دمه». ففرّ سائر من اجتمع من العامّة وتفرّقوا، وصار أيدغمش واقفا إلى أن أذّن العصر خوفا من عود العامّة، ثم مضى وألزم والي مصر أن يبيت بأعوانه هناك، وترك معه خمسين من الأوشاقيّة. وأمّا الأمير ألماس فإنّه وصل إلى كنائس الحمراء وكنائس الزّهري ليتداركها، فإذا بها قد بقيت كيمانا ليس بها جدار قائم، فعاد وعاد الأمراء، فردّوا الخبر على السّلطان وهو لا يزداد إلاّ حنقا، فما زالوا به حتى سكن غضبه. وكان الأمر في هدم هذه الكنائس عجبا من العجب. وهو أنّ الناس لمّا كانوا في صلاة الجمعة من هذا اليوم بجامع قلعة الجبل، فعندما فرغوا من الصّلاة، قام رجل مولّه وهو يصيح من وسط الجامع: «اهدموا الكنيسة التي في القلعة اهدموها»، وأكثر من الصّياح المزعج حتى خرج عن الحدّ، ثم اضطرب. فتعجّب السّلطان والأمراء من قوله، ورسم لنقيب الجيوش والحاجب بالفحص عن ذلك، فمضيا من الجامع إلى خرائب التّتر من القلعة، فإذا فيها كنيسة قد بنيت فهدموها ولم يفرغوا من هدمها حتى وصل الخبر بواقعة كنائس الحمراء والقاهرة، فكثر تعجّب السّلطان من شأن ذلك الفقير، وطلب فلم يوقف له على خبر. واتّفق أيضا بالجامع الأزهر أنّ الناس لمّا اجتمعوا في هذا اليوم لصلاة الجمعة، أخذ شخصا من الفقراء مثل الرّعدة، ثم قام بعد ما أذّن قبل أن يخرج الخطيب، وقال: «اهدموا كنائس الطغيان والكفرة، نعم اللّه أكبر، فتح اللّه ونصر»، وصار يزعج نفسه، ويصرخ من الأساس إلى

стр. 3400

الأساس. فحدق الناس بالنظر إليه، ولم يدروا ما خبره، وافترقوا في أمره، فقائل: هذا مجنون، وقائل: هذه إشارة لشيء. فلمّا خرج الخطيب أمسك عن الصّياح، وطلب بعد انقضاء الصّلاة فلم يوجد، وخرج الناس إلى باب الجامع، فرأوا النهّابة ومعهم أخشاب الكنائس وثياب النصارى وغير ذلك من النهوب، فسألوا عن الخبر، فقيل قد نادى السّلطان بخراب الكنائس، فظنّ الناس الأمر كما قيل، حتى تبيّن بعد قليل أنّ هذا الأمر إنّما كان من غير أمر السّلطان. وكان الذي هدم في هذا اليوم من الكنائس بالقاهرة: كنيسة بحارة الرّوم، وكنيسة بالبندقانيين، وكنيستان بحارة زويلة. وفي يوم الأحد الثّالث من يوم الجمعة - الكائن فيه هدم كنائس القاهرة ومصر - ورد الخبر من الأمير بدر الدّين بيلبك المحسني، والي الإسكندرية، بأنّه لمّا كان يوم الجمعة تاسع ربيع الآخر بعد صلاة الجمعة، وقع في الناس هرج، وخرجوا من الجامع وقد وقع الصّياح: هدمت الكنائس. فركب المملوك من فوره، فوجد الكنائس قد صارت كوما، وعدّتها أربع كنائس، وأنّ بطاقة وقعت من والي البحيرة: بأنّ كنيستين في مدينة دمنهور هدمتا والناس في صلاة الجمعة من هذا اليوم، فكثر التّعجّب من ذلك. إلى أن ورد في يوم الجمعة سادس عشرة الخبر، من مدينة قوص، بأنّ الناس عند ما فرغوا من صلاة الجمعة في اليوم التاسع من شهر ربيع الآخر، قام رجل من الفقراء وقال: «يا فقراء اخرجوا إلى هدم الكنائس». وخرج في جمع من الناس، فوجدوا الهدم قد وقع في الكنائس، فهدمت ستّ كنائس كانت بقوص وما حولها في ساعة واحدة. وتواتر الخبر من الوجه القبلي والوجه البحري بكثرة ما هدم في هذا اليوم، وقت صلاة الجمعة وما بعدها، من الكنائس والأديرة في جميع إقليم مصر كلّه ما بين قوص والإسكندرية ودمياط. فاشتدّ حنق السّلطان على العامّة خوفا من فساد الحال، وأخذ الأمراء في تسكين غضبه، وقالوا: هذا الأمر ليس من قدرة البشر فعله، ولو أراد السّلطان وقوع ذلك على هذه الصّورة لما قدر عليه، وما هذا إلاّ بأمر اللّه سبحانه وبقدره لما علم من كثرة فساد النصارى وزيادة طغيانهم، ليكون ما وقع نقمة وعذابا لهم. هذا والعامّة بالقاهرة ومصر قد اشتدّ خوفهم من السّلطان، لما كان يبلغهم عنه من التّهديد لهم بالقتل، ففرّ عدّة من الأوباش والغوغاء، وأخذ القاضي/ فخر الدّين، ناظر الجيش، في ترجيع السّلطان عن الفتك بالعامّة وسياسة الحال معه، وأخذ كريم الدّين الكبير - ناظر الخاصّ - يغريه بهم إلى أن أخرجه السّلطان إلى الإسكندرية بسبب تحصيل المال، وكشف الكنائس التي خربت بها.

стр. 3401

[الحريق بالقاهرة ومصر] فلم يمض سوى شهر من يوم هدم الكنائس حتّى وقع الحريق بالقاهرة ومصر في عدّة مواضع، وحصل فيه من الشّناعة أضعاف ما كان من هدم الكنائس (١). فوقع الحريق في ربع بخطّ الشّوّائين من القاهرة في يوم السّبت عاشر جمادى الأولى، وسرت النار إلى ما حوله، واستمرّت إلى آخر يوم الأحد. فتلف في هذا الحريق شيء كثير. وعندما أطفئ وقع الحريق بحارة الدّيلم، في زقاق العريسة، بالقرب من دور كريم الدّين ناظر الخاصّ في خامس عشرين جمادى الأولى، وكانت ليلة شديدة الرّيح، فسرت النار من كلّ ناحية حتى وصلت إلى بيت كريم الدّين. وبلغ ذلك السّلطان فانزعج انزعاجا عظيما لما كان هناك من الحواصل السّلطانية، وسيّر طائفة من الأمراء لإطفائه، فجمعوا الناس لإطفائه، وتكاثروا عليه. وقد عظم الخطب من ليلة الاثنين إلى ليلة الثلاثاء، فتزايد الحال في اشتعال النار، وعجز الأمراء والناس عن إطفائها لكثرة انتشارها في الأماكن وقوّة الرّيح التي ألقت باسقات النخل، وغرّقت المراكب، فلم يشكّ الناس في حريق القاهرة كلّها، وصعدوا المآذن، وبرز الفقراء وأهل الخير والصّلاح، وضجّوا بالتّكبير والدّعاء وجأروا، وكثر صراخ الناس وبكاؤهم، وصعد السّلطان إلى أعلى القصر فلم يتمالك الوقوف من شدّة الرّيح. واستمرّ الحريق والاستحثاث يرد على الأمراء من السّلطان في إطفائه إلى يوم الثلاثاء. فنزل نائب السّلطان ومعه جميع الأمراء وسائر السّقّائين، ونزل الأمير بكتمر السّاقي، فكان يوما عظيما لم ير الناس أعظم منه ولا أشدّ هولا. ووكّل بأبواب القاهرة من يردّ السّقّائين إذا خرجوا من القاهرة لأجل إطفاء النار، فلم يبق أحد من سقّائي الأمراء وسقّائي البلد إلاّ وعمل، وصاروا ينقلون الماء من المدارس والحمّامات، وأخذ جميع النجّارين وسائر البنّائين لهدم الدّور. فهدم في هذه النوبة ما شاء اللّه من الدّور العظيمة والرّباع الكبيرة.

стр. 3402

وعمل في هذا الحريق أربعة وعشرون أميرا من الأمراء المقدّمين، سوى من عداهم من أمراء الطبلخانات والعشراوات والمماليك، وعمل الأمراء بأنفسهم فيه، وصار الماء من باب زويلة إلى حارة الدّيلم في الشّارع بحرا من كثرة الرّجال والجمال التي تحمل الماء. ووقف الأمير بكتمر السّاقي والأمير أرغون النائب، على نقل الحواصل السّلطانية من بيت كريم الدّين إلى بيت ولده بدرب الرّصاصي (١)، وخرّبوا ستة عشر دارا من جوار الدّار وقبالتها حتى تمكّنوا من نقل الحواصل. فما هو إلاّ أن كمل إطفاء الحريق ونقل الحواصل، وإذا بالحريق قد وقع في ربع الظّاهر خارج باب زويلة (٢)، وكان يشتمل على مائة وعشرين بيتا، وتحته قيساريّة تعرف بقيساريّة الفقراء (٣)، وهبّ مع الحريق ريح قوّية فركب الحاجب والوالي لإطفائه، وهدموا عدّة دور من حوله حتى انطفأ. فوقع في ثاني يوم حريق بدار الأمير سلار في خطّ بين القصرين (٤)، ابتدأ من الباذهنج - وكان ارتفاعه عن الأرض مائة ذراع بالعمل - فوقع الاجتهاد فيه حتى أطفئ. فأمر السّلطان الأمير علم الدّين سنجر الخازن والي القاهرة، والأمير ركن الدّين بيبرس الحاجب، بالاحتراز واليقظة. ونودي بأن يعمل عند كلّ حانوت دنّ فيه ماء أو زير مملوء بالماء، وأن يقام مثل ذلك في جميع الحارات والأزقّة والدّروب. فبلغ ثمن كلّ دنّ خمسة دراهم بعد درهم، وثمن الزّير ثمانية دراهم. ووقع حريق بحارة الرّوم وعدّة مواضع، حتى إنّه لم يخل يوم من وقوع الحريق في موضع. فتنبّه الناس لما نزل بهم، وظنّوا أنّه من أفعال النصارى - وذلك أنّ النار كانت ترى في منابر الجوامع وحيطان المساجد والمدارس - فاستعدّوا للحريق، وتتبّعوا الأحوال حتى وجدوا هذا الحريق من نفط قد لفّ عليه خرق مبلولة بزيت وقطران. فلمّا كان ليلة الجمعة النصف من جمادى، قبض على راهبين عند ما خرجا من المدرسة الكهاريّة (٥) بعد العشاء الآخرة، وقد اشتعلت النار في المدرسة ورائحة الكبريت في أيديهما فحملا إلى الأمير علم الدّين الخازن والي القاهرة، فأعلم السّلطان بذلك، فأمر بعقوبتهما.

стр. 3403

فما هو إلاّ أن نزل من القلعة، وإذا بالعامّة قد أمسكوا نصرانيّا، وجد في جامع الظّاهر ومعه خرق على هيئة الكعكة في داخلها قطران ونفط، وقد ألقى منها واحدة بجانب المنبر، وما زال واقفا إلى أن خرج الدّخان، فمشى يريد الخروج من الجامع. وكان قد فطن به شخص، وتأمّله من حيث لم يشعر به النصراني، فقبض عليه، وتكاثر الناس فجرّوه إلى بيت الوالي، وهو بهيئة المسلمين، فعوقب عند الأمير ركن الدّين بيبرس الحاجب. فاعترف بأنّ جماعة من النصارى قد اجتمعوا على عمل نفط وتفريقه مع جماعة من أتباعهم، وأنّه ممّن أعطي ذلك، وأمر بوضعه عند منبر جامع الظّاهر. ثم أمر بالرّاهبين فعوقبا، فاعترفا/ أنّهما من سكّان دير البغل، وأنّهما هما اللذان أحرقا المواضع التي تقدّم ذكرها بالقاهرة، غيرة وحنقا من المسلمين لما كان من هدمهم الكنائس، وأنّ طائفة النصارى تجمّعوا، وأخرجوا من بينهم مالا جزيلا لعمل هذا النفط. واتّفق وصول كريم الدّين ناظر الخاصّ من الإسكندرية، فعرّفه السّلطان ما وقع من القبض على النصارى، فقال: النصارى لهم بطرك يرجعون إليه، ويعرف أحوالهم. فرسم السّلطان بطلب البطرك عند كريم الدّين، ليتحدّث معه في أمر الحريق، وما ذكره النصارى من قيامهم في ذلك، فجاء في حماية والي القاهرة، في الليل خوفا من العامّة. فلمّا أن دخل بيت كريم الدّين بحارة الدّيلم، وأحضر إليه الثّلاثة النصارى من عند الوالي، قالوا لكريم الدّين - بحضرة البطرك والوالي - جميع ما اعترفوا به قبل ذلك. فبكى البطرك عند ما سمع كلامهم، وقال: هؤلاء سفهاء النصارى قصدوا مقابلة سفهاء المسلمين على تخريبهم الكنائس. وانصرف من عند كريم الدّين مبجّلا مكرّما، فوجد كريم الدّين قد أقام له بغلة على بابه ليركبها، فركبها وسار. فعظم ذلك على الناس، وقاموا عليه يدا واحدة، فلولا أنّ الوالي كان يسايره وإلاّ هلك. وأصبح كريم الدّين يريد الرّكوب إلى القلعة على العادة، فلمّا خرج إلى الشّارع، صاحت به العامّة: ما يحلّ لك يا قاضي تحامي للنصارى وقد أحرقوا بيوت المسلمين، وتركبهم بعد هذا البغال، فشقّ عليه ما سمع، وعظمت نكايته. واجتمع بالسّلطان، فأخذ يهوّن أمر النصارى الممسوكين، ويذكر أنّهم سفهاء وجهّال. فرسم السّلطان للوالي بتشديد عقوبتهم، فنزل وعاقبهم عقوبة مؤلمة، فاعترفوا بأنّ أربعة عشر راهبا بدير البغل قد تحالفوا على إحراق ديار المسلمين كلّها، وفيهم راهب يصنع النفط، وأنّهم اقتسموا القاهرة ومصر: فجعل للقاهرة ثمانية، ولمصر ستة.

стр. 3404

فكبس دير البغل، وقبض على من فيه، وأحرق من جماعته أربعة بشارع صليبة جامع ابن طولون في يوم الجمعة، وقد اجتمع لمشاهدتهم عالم عظيم. فضرى من حينئذ جمهور الناس على النصارى، وفتكوا بهم، وصاروا يسلبون ما عليهم من الثّياب، حتى فحش الأمر، وتجاوزوا فيهم المقدار، فغضب السّلطان من ذلك، وهمّ أن يوقع بالعامّة. واتّفق أنّه ركب من القلعة يريد الميدان الكبير في يوم السبت، فرأى من الناس أمما عظيمة قد ملأت الطرقات، وهم يصيحون: «نصر اللّه الإسلام»، «انصر دين محمّد بن عبد اللّه»، فخرج من ذلك. وعند ما نزل الميدان، أحضر إليه الخازن نصرانيين قد قبض عليهما وهما يحرقان الدّور، فأمر بتحريقهما، فأخرجا وعمل لهما حفرة، وأحرقا بمرأى من الناس. وبينا هم في إحراق النصرانيين إذا بديوان الأمير بكتمر السّاقي قد مرّ يريد بيت الأمير بكتمر، وكان نصرانيّا، فعند ما عاينه العامّة، ألقوه عن دابّته إلى الأرض، وجرّدوه من جميع ما عليه من الثّياب، وحملوه ليلقوه في النار، فصاح بالشّهادتين، وأظهر الإسلام، فأطلق. واتّفق مع هذا مرور كريم الدّين، وقد لبس التّشريف من الميدان، فرجمه من هنالك رجما متتابعا، وصاحوا به: «كم تحامي للنصارى وتشدّ معهم»، ولعنوه وسبّوه. فلم يجد بدّا من العود إلى السّلطان وهو بالميدان وقد اشتدّ ضجيج العامّة وصياحهم حتى سمعهم السّلطان. فلمّا دخل عليه، وأعلمه الخبر، امتلأ غضبا، واستشار الأمراء - وكان بحضرته منهم الأمير جمال الدّين نائب الكرك، والأمير سيف الدّين البوبكري، والخطيري، وبكتمر الحاجب في عدّة أخرى - فقال الأبو بكري: العامّة عمى، والمصلحة أن يخرج إليهم الحاجب، ويسألهم عن اختيارهم حتى يعلم. فكره هذا من قوله السّلطان، وأعرض عنه. فقال نائب الكرك: كلّ هذا من أجل الكتّاب النصارى، فإنّ الناس أبغضوهم، والرّأي أنّ السّلطان لا يعمل في العامّة شيئا، وإنّما يعزل النصارى من الدّيوان. فلم يعجبه هذا الرّأى أيضا، وقال للأمير ألماس الحاجب: امض ومعك أربعة من الأمراء، وضع السّيف في العامّة من حين تخرج من باب الميدان إلى أن تصل إلى باب زويلة، واضرب فيهم بالسّيف من باب زويلة إلى باب النصر بحيث لا ترفع السّيف عن أحد ألبتّة. وقال لوالي القاهرة: اركب إلى باب اللوق وإلى باب البحر، ولا تدع أحدا حتى تقبض عليه وتطلع به إلى القلعة، ومتى لم تحضر الذين رجموا وكيلي - يعني كريم الدّين - وإلاّ وحياة رأسي شنقتك عوضا عنهم، وعيّن معه عدّة من المماليك السّلطانية.

стр. 3405

فخرج الأمراء بعد ما تلكّأوا في المسير حتى اشتهر الخبر، فلم يجدوا أحدا من الناس حتى ولا غلمان الأمراء وحواشيهم. ووقع القول بذلك في القاهرة، فغلّقت الأسواق جميعها، وحلّ بالناس أمر لم يسمع بأشدّ منه، وسار الأمراء فلم يجدوا في طول طريقهم أحدا إلى أن بلغوا باب النصر، وقبض الوالي من باب اللوق وناحية بولاق وباب البحر كثيرا من الكلابزيّة والنواتيّة وأسقاط الناس. فاشتدّ الخوف، وعدّى كثير من الناس إلى البرّ الغربي بالجيزة، وخرج السّلطان من الميدان، فلم يجد في طريقه إلى أن صعد قلعة الجبل/ أحدا من العامّة. وعند ما استقرّ بالقلعة، سيّر إلى الوالي يستعجل حضوره، فما غربت الشّمس حتى أحضر ممّن أمسك من العامّة نحو مائتي رجل. فعزل منهم طائفة أمر بشنقهم، وجماعة رسم بتوسيطهم، وجماعة رسم بقطع أيديهم. فصاحوا بأجمعهم: يا خوند، ما يحلّ لك، ما نحن الذين رجمنا. فبكى الأمير بكتمر السّاقي، ومن حضر من الأمراء رحمة لهم، وما زالوا بالسّلطان إلى أن قال للوالي: اعزل منهم جماعة، وانصب الخشب من باب زويلة إلى تحت القلعة بسوق الخيل وعلّق هؤلاء بأيديهم. فلمّا أصبح يوم الأحد، علّق الجميع من باب زويلة إلى سوق الخيل، وكان فيهم من له بزّة وهيئة، ومرّ الأمراء بهم، فتوجّعوا لهم وبكوا عليهم. ولم يفتح أحد من أرباب الحوانيت بالقاهرة ومصر في هذا اليوم حانوتا، وخرج كريم الدّين من داره يريد القلعة على العادة، فلم يستطع المرور على المصلوبين، وعدل عن طريق باب زويلة. وجلس السّلطان في الشّبّاك، وقد أحضر بين يديه جماعة ممّن قبض عليهم الوالي، فقطع أيدي وأرجل ثلاثة منهم، والأمراء لا يقدرون على الكلام معه في أمرهم لشدّة حنقه. فتقدّم كريم الدّين، وكشف رأسه، وقبّل الأرض وهو يسأل العفو، فقبل سؤاله وأمر بهم أن يعملوا في حفير الجيزة، فأخرجوا وقد مات ممّن قطع أيديهم اثنان، وأنزل المعلّقون من على الخشب. وعند ما قام السّلطان من الشّبّاك، وقع الصّوت بالحريق في جهة جامع ابن طولون، وفي قلعة الجبل، وفي بيت الأمير ركن الدّين الأحمدي بحارة بهاء الدّين، وبالفندق خارج باب البحر من المقس، وما فوقه من الرّبع. وفي صبيحة يوم هذا الحريق، قبض على ثلاثة من النصارى وجد معهم فتائل النفط، فأحضروا إلى السّلطان، واعترفوا بأنّ الحريق كان منهم، واستمرّ الحريق في الأماكن إلى يوم السبت.

стр. 3406

فلمّا ركب السّلطان إلى الميدان على عادته، وجد نحو عشرين ألف نفس من العامّة قد صبغوا خرقا بلون أزرق، وعملوا فيها صلبانا بيضا، وعندا رأوا السّلطان صاحوا بصوت عال واحد: «لا دين إلاّ دين الإسلام». «نصر اللّه دين محمّد بن عبد اللّه». «يا ملك الناصر يا سلطان الإسلام انصرنا على أهل الكفر، ولا تنصر النصارى». فارتجّت الدّنيا من هول أصواتهم، وأوقع اللّه الرّعب في قلب السّلطان وقلوب الأمراء، وسار وهو في فكر زائد حتى نزل بالميدان، وصراخ العامّة لا يبطل. فرأى أنّ الرّأي في استعمال المداراة، وأمر الحاجب أن يخرج وينادي بين يديه: من وجد نصرانيّا فله ماله ودمه، فخرج ونادى بذلك، فصاحت العامّة وصرخت: «نصرك اللّه»، وضجّوا بالدّعاء. وكان النصارى يلبسون العمائم البيض، فنودي في القاهرة ومصر: «من وجد نصرانيّا بعمامة بيضاء حلّ له دمه وماله، ومن وجد نصرانيّا راكبا حلّ له دمه وماله». وخرج مرسوم بلبس النصارى العمامة الزّرقاء، وألاّ يركب أحد منهم فرسا ولا بغلا، ومن ركب حمارا فليركبه مقلوبا، ولا يدخل نصرانيّ الحمّام إلاّ وفي عنقه جرس، ولا يتزيّا أحد منهم بزيّ المسلمين. ومنع الأمراء من استخدام النصارى، وأخرجوا من ديوان السّلطان، وكتب لسائر الأعمال بصرف جميع المباشرين من النصارى، وكثر إيقاع المسلمين بالنصارى حتى تركوا السّعي في الطرقات، وأسلم منهم جماعة كثيرة (١). وكان اليهود قد سكت عنهم في هذه المدّة، فكان النصرانيّ إذا أراد أن يخرج من منزله، يستعير عمامة صفراء من أحد من اليهود، ويلبسها حتى يسلم من العامّة. واتّفق أنّ بعض دواوين النصارى كان له عند يهودي مبلغ أربعة آلاف درهم نقرة، فصار إلى بيت اليهودي وهو متنكّر في الليل ليطالبه، فأمسكه اليهودي وقال: أنا باللّه وبالمسلمين، وصاح. فاجتمع الناس لأخذ النصراني، ففرّ إلى داخل بيت اليهودي، واستجار بامرأته، وأشهد عليه بإبراء اليهودي حتى خلص منه. وعثر على طائفة من النصارى بدير الخندق يعملون النفط لإحراق الأماكن، فقبض عليهم وسمّروا.

стр. 3407

ونودي في الناس بالأمان، وأنّهم يتفرّجون على عادتهم عند ركوب السّلطان إلى الميدان. وذلك أنّهم كانوا قد تخوّفوا على أنفسهم لكثرة ما أوقعوا بالنصارى، وزادوا في الخروج عن الحدّ، فاطمأنّوا وخرجوا على العادة إلى جهة الميدان، ودعوا للسّلطان، وصاروا يقولون: «نصرك اللّه يا سلطان الأرض، اصطلحنا اصطلحنا»، وأعجب السّلطان ذلك، وتبسّم من قولهم. وفي تلك الليلة وقع حريق في بيت الأمير ألماس الحاجب من القلعة، وكان الرّيح شديدا، فقويت النار وسرت إلى بيت الأمير أيتمش، فانزعج أهل القلعة وأهل القاهرة، وحسبوا أنّ القلعة جميعها احترقت. ولم يسمع بأشنع من هذه الكائنة. فإنّه احترق على يد النصارى بالقاهرة ربع في سوق الشّوّائين، وزقاق العريسة بحارة الدّيلم، وستة عشر بيتا بجوار بيت كريم الدّين، وعدّة أماكن بحارة الرّوم، ودار بهادر بجوار المشهد الحسيني، وأماكن بإسطبل الطارمة وبدرب العسل، وقصر أمير سلاح، وقصر سلار بخطّ بين القصرين، وقصر بيسري، وخان الحجر والجملون، وقيساريّة الأدم، ودار بيبرس/ بحارة الصّالحيّة، ودار ابن المغربي بحارة زويلة، وعدّة أماكن بخطّ بئر الوطاويط وبالحكر وفي قلعة الجبل، وفي كثير من الجوامع والمساجد، إلى غير ذلك من الأماكن بمصر والقاهرة يطول عددها. وخرب من الكنائس «كنيسة بخرائب التّتر» من قلعة الجبل، و «كنيسة الزّهري» في الموضع الذي فيه الآن البركة الناصريّة، و «كنيسة الحمراء» وكنيسة بجوار السّبع سقايات تعرف ب «كنيسة البنات»، و «كنيسة أبي المنيا»، و «كنيسة الفهّادين» بالقاهرة، و «كنيسة بحارة الرّوم»، و «كنيسة بالبندقانيين»، و «كنيستان بحارة زويلة»، و «كنيسة بخزانة البنود»، و «كنيسة بالخندق»، و «أربع كنائس بثغر الإسكندرية»، و «كنيستان بمدينة دمنهور الوحش»، و «أربع كنائس بالغربيّة»، و «ثلاث كنائس بالشّرقيّة»، و «ستّ كنائس بالبهنساوية»، وبسيوط ومنفلوط ومنية الخصيب «ثمان كنائس»، وبقوص وأسوان «إحدى عشرة كنيسة»، وبالأطفيحيّة» كنيسة»، وبسوق وردان من مدينة مصر، وبالمصّاصة وقصر الشّمع من مصر «ثمان كنائس». وخرب من الدّيارات شيء كثير، وأقام دير البغل ودير شهران مدّة ليس فيهما أحد. وكانت هذه الخطوب الجليلة في مدّة يسيرة، قلّما يقع مثلها في الأزمان المتطاولة، هلك فيها من الأنفس، وتلف فيها من الأموال وخرب من الأماكن، ما لا يمكن وصفه لكثرته، وللّه عاقبة الأمور.

стр. 3408

كنيسة ميكائيل هذه الكنيسة كانت عند خليج بني وائل خارج مدينة مصر، قبلي عقبة يحصب، وهي الآن قريبة من جسر الأفرم، أحدثت في الإسلام، وهي مليحة البناء. كنيسة مريم في بساتين الوزير قبلي بركة الحبش، خالية ليس بها أحد. كنيسة مريم بناحية العدويّة من قبليها قديمة، وقد تلاشت (١). كنيسة أنطونيوس بناحية بياض (٢) قبلي أطفيح، وهي محدثة. وكان بناحية شرنوب عدّة كنائس خربت، وبقي بناحية أهريت الجبل (٣) قبلي بياض بيومين.

стр. 3409

كنيسة السّيّدة بناحية أسكر (١) وعلى بابها برج مبني بلبن كبار، يذكر أنّه موضع ولد موسى بن عمران، ﵇. كنيسة مريم بناحية الخصوص (٢)، وهي بيت فعملوه كنيسة لا يعبأ بها. كنيسة مريم، وكنيسة يحنّس القصير، وكنيسة غبريال هذه الكنائس الثّلاث بناحية أبنوب (٣). كنيسة إسبوطير ومعناه المخلّص هذه الكنيسة بمدينة إخميم، وهي كنيسة معظّمة عندهم، وهي على اسم الشّهداء، وفيها بئر إذا جعل ماؤها في القنديل صار أحمر قانيا كأنّه الدّم. كنيسة ميكائيل بمدينة إخميم (٤) أيضا. ومن عادة النصارى بهاتين الكنيستين إذا عملوا عيد الزّيتونة - المعروف بعيد الشّعانين - أن يخرج القسوس والشّمامسة بالمجامر والبخور والصّلبان والأناجيل والشّموع المشعلة، ويقفوا على

стр. 3410

باب القاضي، ثم أبواب الأعيان من المسلمين، فيبخّروا ويقرأوا فصلا من الإنجيل، ويطرحوا له طرحا؛ يعني يمدحونه. كنيسة بوبخوم بناحية إتفه (١)، وهي آخر كنائس الجانب الشّرقي. وبخوم - ويقال بخوميوس - كان راهبا في زمن بوشنودة، ويقال له أب الشّركة من أجل أنّه كان يربّي الرّهبان، فيجعل لكلّ راهبين معلّما، وكان لا يمكّن من دخول الخمر ولا اللحم إلى ديره، ويأمر بالصّوم إلى آخر التاسعة من النهار، ويطعم رهبانه الحمّص المصلوق - ويقال له عندهم حمّص القلّة - وقد خرب ديره، وبقيت كنيسته هذه بإتفه قبلي إخميم. كنيسة مرقص الإنجيلي بالجيزة خربت بعد سنة ثمان مائة، ثم عمّرت. ومرقص هذا أحد الحواريين، وهو صاحب كرسي مصر والحبشة. كنيسة بوجرج بناحية أبي النمرس من الجيزة. هدمت في سنة ثمانين وسبع مائة - كما تقدّم ذكره - ثم أعيدت بعد ذلك. كنيسة بوفار آخر أعمال الجيزة.

стр. 3411

كنيسة شنودة بناحية هربشنت (١). كنيسة بوجرج بناحية ببا (٢): وهي جليلة عندهم يأتونها بالنذور، ويحلفون بها، ويحكون لها فضائل متعدّدة. كنيسة ماروطا القدّيس بناحية سمسطا (٣): وهم يبالغون في ماروطا هذا، وكان من عظماء رهبانهم، وجسده/ في أنبوبة بدير بوبشاي من برّيّة شيهات يزورونه إلى اليوم. كنيسة مريم بالهنسا ويقال إنّه كان بالبهنسا ثلاث مائة وستون كنيسة خربت كلّها، ولم يبق بها إلاّ هذه الكنيسة لا غير. كنيسة صموئيل الرّاهب بناحية شبرى. كنيسة مريم بناحية طنبدى، وهي قديمة.

стр. 3412

كنيسة ميخائيل بناحية طنبدى، وهي كبيرة قديمة، وكان هناك كنائس كثيرة خربت. وأكثر أهل طنبدى نصارى أصحاب صنائع. كنيسة الأبصطولي أعني الرّسل بناحية أشنين، وهي كبيرة جدّا. كنيسة مريم بناحية أشنين أيضا، وهي قديمة. كنيسة ميخائيل وكنيسة غبريال بناحية أشنين أيضا. وكان بهذه الناحية مائة وستّون كنيسة، خربت كلّها إلاّ هذه الكنائس الأربع. وأكثر أهل أشنين نصارى، وعليهم الدّرك في الخفارة. وبظاهرها آثار كنائس يعملون فيها أعيادهم: منها كنيسة بوجرج، وكنيسة مريم، وكنيسة ماروطا، وكنيسة بربارة، وكنيسة كفريل، وهو جبريل ﵇. وفي منية ابن خصيب ستّ كنائس: كنيسة المعلّقة وهي كنيسة السّيّدة، وكنيسة بطرس وبولص، وكنيسة ميكائيل، وكنيسة بوجرج، وكنيسة أنبا بولا الطمويهي، وكنيسة الثّلاث فتية - وهم حنانيا، وعزاريا، وميصائيل - وكانوا أجنادا في أيّام بخت نصّر، فعبدوا اللّه تعالى خفية. فلمّا عثروا عليهم، راودهم بخت نصّر أن يرجعوا إلى عبادة الأصنام، فامتنعوا من ذلك فسجنهم مدّة ليرجعوا، فلم يرجعوا، فأخرجهم وألقاهم في النار فلم تحرقهم. والنصارى تعظّمهم وإن كانوا قبل المسيح بدهر. كنيسة بناحية طحا على اسم الحواريين الذين يقال لهم عندهم الرّسل.

стр. 3413

كنيسة مريم بناحية طحا أيضا. كنيسة الحكيمين بناحية منهرى: لها عيد عظيم في بشنس يحضره الأسقف، ويقام هناك سوق كبير في العيد. وهذان الحكيمان هما: قزمان ودميان الرّاهبان. كنيسة السّيّدة بناحية بقرقاس: قديمة كبيرة، وبناحية ملّوي كنيسة. «كنيسة الرّسل»، وكنيستان خراب: إحداهما على اسم بوجرج، والأخرى على اسم الملك ميخائيل. وبناحية دلجة كنائس كثيرة لم يبق منها إلاّ ثلاث كنائس: كنيسة السّيّدة وهي كبيرة، وكنيسة شنودة، وكنيسة مرقورة. وقد تلاشت كلّها. وبناحية صنبو كنيسة أنبا بولا، وكنيسة بوجرج. وصنبو كثيرة النصارى. وبناحية بيسلا (¬a) - وهي بحري صنبو - كنيسة قديمة، بجانبها الغربي، على اسم جرجس وبها نصارى كثيرون فلاّحون. وبناحية درّوط كنيسة، وفي خارجها شبه الدّير على اسم الرّاهب سارامابون، وكان في زمان شنودة، وعمل أسقفا، وله أخبار شهيرة (¬b). وبناحية بوق بني زيد «كنيسة كبيرة على اسم الرّسل»، ولها عيد. وبالقوصيّة «كنيسة مريم»، و «كنيسة غبريال». وبناحية دمشير «كنيسة الشّهيد مرقوريوس» وهي قديمة، وبها عدّة نصارى. وبناحية أمّ القصور «كنيسة بويحنّس القصير»، وهي قديمة. وبناحية بلّوط، من ضواحي منفلوط، «كنيسة ميخائيل»، وهي صغيرة.

стр. 3414

وبناحية البلاعزة، من ضواحي منفلوط كنيسة صغيرة يقيم بها القسّيس بأولاده. وبناحية شقلقيل ثلاث كنائس كبار قديمة: إحداها على اسم الرّسل، وأخرى باسم ميخائيل، وأخرى باسم بومنا. وبناحية منشأة النصارى «كنيسة ميخائيل»، وبمدينة سيوط «كنيسة بوسدرة»، و «كنيسة الرّسل»، وبخارجها «كنيسة بومينا». وبناحية درنكة كنيسة قديمة كبيرة (¬a) جدّا على اسم الثّلاثة فتية: حنانيا، وعزاريا، وميصائيل، وهي مورد لفقراء النصارى. ودرنكة أهلها من النصارى يعرفون اللغة القبطيّة، فيتحدّث صغيرهم وكبيرهم بها، ويفسّرونها بالعربيّة. وبناحية ريفة «كنيسة بوقلتة»، الطبيب الرّاهب، صاحب الأحوال العجيبة في مداواة الرّمدى من الناس، وله عيد يعمل بهذه الكنيسة، وبها «كنيسة ميخائيل» أيضا، وقد أكلت الأرضة جانب ريفة الغربي. وبناحية موشة «كنيسة» مركّبة على حمّام، على اسم الشّهيد بقطر، وبنيت في أيّام قسطنطين ابن هيلانة، ولها رصيف عرضه عشرة أذرع، ولها/ ثلاث قباب، ارتفاع كلّ منها نحو الثمانين ذراعا، مبنية بالحجر الأبيض كلّها، وقد سقط نصفها الغربي، ويقال إنّ هذه الكنيسة على كنز تحتها، ويذكر أنّه كان من سيوط إلى موشة هذه ممشاة تحت الأرض. وبناحية بقور، من ضواحي بوتيج، «كنيسة» قديمة للشّهيد أكلوديوس، وهو يعدل عندهم مرقوريوس وجا أرجيوس، وهو أبو جرج، والإسفهسلار تادروس ومنساؤس، وكان أكلوديوس أبوه من قوّاد دقلطيانوس وعرف هو بالشّجاعة فتنصّر، فأخذه الملك وعذّبه ليرجع إلى عبادة الأصنام، فثبت حتى قتل، وله أخبار كثيرة. وبناحية القطيعة «كنيسة» على اسم السّيّدة. وكان بها أسقف، يقال له ألدوين، بينه وبينهم منافرة، فدفنوه حيّا، وهم من شرار النصارى معروفون بالشّرّ، كان منهم نصراني، يقال له جرجس بن الرّاهبة تعدّى طوره، فضرب رقبته الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار بالقاهرة في أيّام الناصر فرج بن برقوق.

стр. 3415

وبناحية بوتيج «كنائس كثيرة» قد خربت. وصار النصارى يصلّون في بيت لهم سرّا، فإذا طلع النهار خرجوا إلى آثار كنيسة، وعملوا لها سياجا من جريد شبه القفص، وأقاموا هناك عباداتهم. وبناحية بومقروفة «كنيسة قديمة لميخائيل»، ولها عيد في كلّ سنة. وأهل هذه الناحية نصارى أكثرهم رعاة غنم، وهم همج رعاع. وبناحية دوينة «كنيسة على اسم بويحنّس القصير»، وهي قبّة عظيمة، وكان بها رجل يقال له يؤنّس، عمل أسقفا، واشتهر بمعرفة علوم عديدة. فتعصّبوا عليه حسدا منهم له على علمه، ودفنوه حيّا وقد توعّك جسمه. وبالمراغة التي بين طهطا وطما «كنيسة». وبناحية قلفاو «كنيسة كبيرة»، وتعرف نصارى هذه البلدة بمعرفة السّحر ونحوه. وكان بها في الأيّام الظّاهرية برقوق شمّاس، يقال له أبصلطيس، له في ذلك يد طولى، ويحكى عنه ما لا أحبّ حكايته لغرابته. وبناحية فرشوط «كنيسة ميخائيل»، و «كنيسة السّيّدة مارت مريم». وبمدينة هو «كنيسة السّيّدة» و «كنيسة بومنا». وبناحية بهجورة «كنيسة الرّسل». وبإسنا «كنيسة مريم»، و «كنيسة ميخائيل»، و «كنيسة يوحنّا المعمداني»، وهو يحيى بن زكريا ﵉. وبنقّادة «كنيسة السّيّدة» و «كنيسة يوحنّا المعمداني»، و «كنيسة غبريال»، و «كنيسة يوحنّا الرّحّوم» وهو من أهل أنطاكية ذوي الأموال، فزهد وفرّق ماله كلّه في الفقراء، وساح - وهو على النصرانيّة (¬a) - في البلاد، فعمل أبواه عزاءه، وظنّوا أنّه قد مات، ثم قدم أنطاكية في حالة لا يعرف فيها، وأقام في كوخ على مزبلة، وأقام رمقه بما يلقى على تلك المزبلة حتى مات، فلمّا عملت جنازته كان ممّن حضرها أبوه فعرف عنده (¬b) غلاف إنجيله، ففحص عنه حتى عرف أنّه ابنه فدفنه، وبنى عليه كنيسة بأنطاكية. كنيسة السّيّدة بمدينة قفط، وكان بأصفون عدّة كنائس خربت بخرابها. وبمدينة قوص عدّة أديرة، وعدّة كنائس خربت بخرابها، وبقي بها كنيسة السّيّدة، ولم يبق بالوجه القبلي من الكنائس سوى ما تقدّم ذكرنا له.

стр. 3416

وأمّا الوجه البحري ففي منية صرد (١)، من ضواحي القاهرة، «كنيسة السّيّدة مريم»، وهي جليلة عندهم. وبناحية سندوة (٢) كنيسة محدثة، على اسم بوجرج. وبمرصفا (٣) كنيسة مستجدّة، على اسم بوجرج أيضا. وبسمنّود (٤) كنيسة على اسم الرّسل، عملت في بيت. وبسنباط (٥) كنيسة جليلة عندهم، على اسم الرّسل. وبصندفة (٦) كنيسة معتبرة عندهم، على اسم بوجرج. وبالرّيدانيّة (٧) «كنيسة السّيّدة»، ولها قدر جليل عندهم.

стр. 3417

وفي دمياط أربع كنائس: للسّيّدة، ولميخائيل، وليوحنّا المعمداني، ولماري جرجس، ولها مجد عندهم. وبناحية سبك العبيد (١) كنيسة محدثة، في بيت، على اسم السّيّدة. وبالنحراريّة (¬b) (٢) كنيسة محدثة، في بيت مخفي (¬a)، وفي لقّانة (٣) كنيسة بويحنّس القصير، وبدمنهور كنيسة محدثة في بيت مخفي، على اسم ميخائيل، وبالإسكندرية: المعلّقة، على اسم السّيّدة، وكنيسة بوجرج، وكنيسة يوحنّا المعمداني، وكنيسة الرّسل. فهذه كنائس «اليعاقبة» بأرض مصر. ولهم بغزّة «كنيسة مريم»، ولهم بالقدس «القمامة»، و «كنيسة صهيون». وأمّا «الملكيّة» فلهم بالقاهرة «كنيسة ماري نقولا» بالبندقانيين، وبمصر «كنيسة غبريال الملاك» بخطّ قصر الشّمع، وبها قلايّة لبطركهم و «كنيسة السّيّدة» بقصر الشّمع أيضا، و «كنيسة الملاك ميخائيل» بجوار بربارة بمصر، و «كنيسة ماريوحنّا» بخطّ دير الطين. واللّه أعلم.

стр. 3418

(¬a) من أسباب الخراب أنّه لم تزل العادة جارية من قديم الزّمان في مصر بخروج أحد أمراء الدّولة إلى جهة أعلى الأرض - التي يقال لها بلاد الصّعيد - وخروج آخر إلى أسفل الأرض حيث البلاد البحرية والوجه البحري، لتأمين السّابلة وتتبّع أهل الذّعارة والفساد من قطّاع الطريق والبطش بهم، وكان يقال لذلك: «صاحب السّيّارة» (١)، ثم قيل له في الدّولة التّركية: «الكاشف» (٢). فلمّا كان في زمن الظّاهر برقوق صار يولّي الكشّاف والولاة بالبراطيل، ويخرجون إلى الأعمال فيجبون من أهل الأقاليم أموالا يسمّونها «القدوم والضّيافة»، فاختلّ بذلك الحال بعض الخلل، حتى إنّه بلغني عن الوزير الصّاحب سعد الدّين نصر اللّه بن البقري أنّه قال: اعتبرت ما يأخذه السّلطان من الولاة والكشّاف، فوجدت ما يخسر في كلّ سنة وينقص من الخراج أكثر من ذلك. فلمّا مات الظّاهر وأقيم بعده ابنه الناصر فرج في السّلطنة، وكان من قبل أمراء أبيه ما كان، ثم قدم تيمور لنك إلى دمشق وأحرقها، وخرجت مملكة الشّام من حينئذ عن طاعته وصار نوّابها في مخالفة له وعصيان لأمره، احتاج إلى الأموال حتى يتجهّز لمحاربتهم. فخرج مرارا بعساكره من مصر إلى الشّام ولم ينل غرضا من الأمير شيخ والأمير نوروز وأتلف في كلّ سفرة ممّا ينفقه للماليك وبيوتاته ما ينيف عن ألف ألف دينار ذهبا، سوى ما معه من الخيل والجمال والسّلاح والآلات، وهي بما ينيف عن عشرة آلاف ألف دينار، وسوى ما يحتاج إليه الأمراء والأعيان وهو قريب من ذلك. فاحتاج أن مدّ يده لأموال الرّعيّة، وكان جريئا مفسدا، فصار يبعث في الوجه القبلي والبحري ويحتاط على ما هنالك من الجمال والأغنام والخيول، ومدّت الكشّاف والولاة

стр. 3419

أيديها أيضا إلى أموال الكافّة حتى صار الوالي والكاشف يركب فإذا مرّ في طريقه بغنم أو بقر أو جمال أو غيرها أحاط بها وقتل صاحبها، فامتنع التّجّار من المسير إلى مصر من بلاد البجة وبلاد النوبة وبلاد سواكن وبلاد عيذاب وبلاد برقة، وكان يرد إلى إقليم مصر من هذه الأقاليم في آخر سنته من الإبل والغنم ومن الرّقيق وغير ذلك ما لا يقدّر قدره. واشتدّ الفحش في أخذ الأموال حتّى بلغني عن كاشف كان يقال له أبو دقن أنّه مرّة قدم من بلاد الصّعيد يريد القاهرة، فلمّا قاربها إذا بمركب سائر بعدّة من الناس ما بين تجّار وسوقة وغيرهم، فأمر بإدخال المركب إلى البرّ وقتل سائر من فيها - وكانوا فوق المائة - وأخذ جميع ما كان معهم. ومات الناصر والأمر على ذلك؛ فلمّا قام من بعده الملك المؤيّد شيخ وأقام الأمير بدر الدّين حسن بن محبّ الدّين الطرابلسي الملكي أستادّار السّلطان، قرّر على البلاد فرائض من ذهب تجبى من جميع البلاد، فجبيت وصار ينوب كلّ قرية للأعوان مزيد ممّا يجبى منهم ما يعتمد السّلطان. فلمّا عزم على التّوجّه لحرب الأمير نوروز، سيّر الأمير فخر الدّين عبد الغني ابن الأمير الوزير تاج الدّين عبد الرّزّاق بن أبي الفرج، وهو يومئذ يتولّى أستادّاريّة السّلطان بعد عزل محبّ الدّين إلى بلاد الصّعيد، فما عفّ ولا كفّ، وكان يدخل إلى البلد فما يدع بها شيئا من الحيوان حتى يقبض عليه. ويفتح أعوانه دور الناس كافّة فينتهبون ثياب النساء وحليّهنّ ومتاعهنّ، فإذا خرج عن القرية أحاط بجميع أعوانه وأخذ منهم سائر ما انتهبوه، فقدّر ما معه من الأنعام على اختلاط جبايتها، ومن الأعسال والقنود والغلال والخيول بأمر عظيم، فطرحه على الناس بأغلى الأثمان. ثم خرج إلى الوجه البحري فصار الناس معه وقدم منه يوم الثلاثاء حادي عشر صفر وقد غرّم سائر بلاد الوجه البحري أموالا يقال إنّها مئة ألوف من الذّهب وسار إلى لقاء السّلطان (¬a) سابع عشره سبعين ألف دينار وثياب وفضّة وعروض بنحو ثلاثين ألف دينار (¬b) (١). أنّه لما رمى العسل الذي أحضره من بلاد الصّعيد ألزم أهل سوق حارة برجوان بشيء من العسل يقرونه من الباعة وقبض الأعوان واحدا منهم في أوّل ما (¬c) الأعوان، وكان العسل قد فرغ فأدخلوه السّجن حتى يحضر إليهم عسلا آخر من بلاد الصّعيد فيأخذه وأقام في السّجن مدّة أيّام (¬a).

стр. 3420

* ** «آخر ما وجد بخطّه ﵀ وأرضاه وجعل الجنّة مقرّه ومثواه. وكان الفراغ من كتابته يوم السّبت المبارك خامس عشر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وثمان مائة أحسن اللّه تعالى عاقبتها، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل. وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله وسلّم. غفر اللّه لكاتبه ولمالكه والناظر فيه والمسلمين» (١).

стр. 3421

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير تعدّ المخطوطات الإسلامية السّجلّ الحافل الذي يجمع خلاصة ما أنتجه الفكر العربي والإسلامي على امتداد أربعة عشر قرنا. وكان إحياء هذه المخطوطات في عصر الطّباعة بنشرها نشرا علميّا وتوفيرها لجمهور أكبر من العلماء والباحثين والقرّاء، عملا بدأه المستشرقون ثم قام بعبئه العلماء العرب والمسلمون. ورأت «مؤسّسة الفرقان للتراث الإسلامي» أن تساهم في هذا المجال المهمّ بنشر بعض المخطوطات القديمة في تحقيقات جديدة تواكب ما وصل إليه علم المخطوطات الحديث، وتدفع بالقديم من تراثنا إلى طريق حضارة إنسانية شاملة. والكتاب الذي تقدّم المؤسّسة اليوم «كشّافاته التّحليلية»، وهو كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، لشيخ مؤرّخي مصر الإسلامية تقيّ الدين أبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/ ١٤٤٢ م، يعدّ أحد مفاخر التّراث العربي وأهمّ مصادر تاريخ مصر الإسلامية، فهو مصدر لا غنى عنه لدارسي تاريخ مصر الإسلامية وآثارها؛ فقد حفظ لنا المقريزي في هذا الكتاب - إضافة إلى ملاحظاته الشّخصيّة - نقولا مهمّة للمؤلّفين القدماء الذين فقدت مؤلّفاتهم اليوم. وقد عهدت المؤسّسة ممثّلة في مجلس الخبراء، إلى الدكتور أيمن فؤاد سيّد القيام بعبء إخراج هذا الكتاب، فهو من المتخصّصين في دراسة تاريخ مصر الإسلامية وتاريخ القاهرة، حيث كتب أطروحة عن «عاصمة مصر حتى نهاية عصر الفاطميين»، ونشر العديد من مصادر التاريخ المصري في العصر الفاطمي، وكتب تقييما جديدا للدّولة الفاطمية في مصر، كما أنّه من خبراء علم المخطوطات وأصدر فيه كتابه «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات». وقام الدكتور أيمن فؤاد بتحقيق الكتاب اعتمادا على مسوّدات المؤلّف التي كتبها بخطّه، وعلى أقدم نسخ الكتاب وأهمّها المنقولة عن خطّ المؤلّف، وأضاف إليه شروحا

стр. 3422

وتعليقات غنيّة، اعتمادا على ما ظهر من نصوص جديدة ودراسات متخصّصة حديثة، كما قام بربط أجزاء الكتاب بعضها ببعض، وخرّج معلوماته من مصادرها الأصلية، كما أضاف إليه مخطّطات وصور لجميع الآثار التي ذكرها المقريزي ووصلت إلينا، وزوّده كذلك بخرائط مساحية حديثة للقاهرة مبيّن عليها آثار المدينة الإسلامية. وخصّص الدكتور أيمن فؤاد هذا المجلّد الخامس لل «كشّافات التّحليلية» للكتاب، بعد أن انتهى من تحقيق ونشر أوّل نشرة كاملة وصحيحة لنصّ «المواعظ والاعتبار»، وهي كشّافات غنيّة ومتنوّعة بلغت ثلاثين كشّافا تشتمل على: الخطط والمحال الأثرية، والمصطلحات المعمارية، والأعلام، والألقاب، والفرق والطّوائف والقبائل والجماعات، والوظائف وأربابها، والدّواوين والخزائن، والمصطلحات، والمصطلحات التي عرّف بها في الحواشي، والأعياد والمواسم، والملابس والمنسوجات، والأطعمة والأشربة، والأماكن والبلدان، والنّقود، والموازين والمقاييس والمكاييل، والآلات والمعدّات، والأحجار والمعادن، والزّراعة، والنّبات والفاكهة، والحيوان والطّير وحيوان الماء، والأمراض، والأدوية والعقاقير، والتّوقيعات والرّسائل والسّجلاّت، والكتابات التّاريخية، والآيات القرآنية، والحديث النّبوي والأثر، والأمثال والأقوال، والقوافي، والمؤلّفون والرّواة والشّعراء، ومصادر المقريزي، وأسماء الكتب. ولا شكّ أنّ هذه الكشّافات المتنوّعة ستفتح الباب واسعا أمام كتابة العديد من الدّراسات الجديدة التي يمكن استخراجها من هذا الكتاب الرّائد. و «مؤسّسة الفرقان» بعد أن انتهت من إنجاز نشر هذا الكتاب المهمّ، تأمل أن تكون قد أدّت جزءا من واجب كبير يلقى على عاتقها وعاتق المؤسّسات العلمية التي تشاركها أهدافها. واللّه من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السّبيل. لندن سبتمبر ٢٠٠٤ أحمد زكي يمانيّ رئيس مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي

стр. 3423

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة المحقّق في مراجعته ل «فهرست خطط مصر. فهرس تحليلي لكتابي ابن دقماق والمقريزي (كتاب الانتصار، كتاب الخطط)» (١)، ذكر يوسف راغب، بعد أن عرض للسّلبيات النّاتجة عن فهرسة نصّ اعتمادا على طبعة مغلوطة، أنّ إعداد مثل هذا الفهرست التّحليلي يتطلّب بداءة النّشر الصّحيح لنصّ المقريزي. وتساءل راغب هل هذه مهمّة متعذّرة؟ وهل يوجد في هذا الزّمن المتّصف بالتّعجّل والسّرعة المحقّق (الجدير بهذا الاسم)، والذي يودّ لو يخصّص من حياته عشر سنوات (وإلاّ أكثر) لتحقيق نصّ ضخم غني مثبّط للهمّة، يوجد له عدد لا متناه من النّسخ الخطّيّة، (وتوجد له على الأرجح روايات يجب معرفة تتابعها) ويتطلّب - فضلا عن ذلك - معرفة بالطّبوغرافية (الخطط) والتّاريخ والآثار؟ هل يوجد هذا المحقّق؟ وهل سيوجد (٢)؟ إنّ فكرة إخراج نصّ صحيح وتامّ لكتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي، راودت الكثير من المشتغلين بتاريخ وآثار وطبوغرافية مصر الإسلامية، وكذلك إخراج كشّاف تحليلي لمحتويات هذا _________ (١) إعداد أحمد عبد المجيد هريدي، ١ - ٣، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ١٩٨٣ - ١٩٨٤. (٢) ces exemples probants، dont il est aise dallonger la liste، demontrent que Lentreprise nest pas l «analyse detaillee» quelle voudrait etre car il aurait fallu dabord editer.correctement le texte avant den faire lindex Lentreprise est-elle impossible? Quel humaniste، (digne de ce nom)، dans ce temps de precipitation voudra bien consacrer une dizaine dannees de son existence (sinon davantage) pour etablir un texte dune ampleur decourageante، dont il existe un nombre infini de manuscrits (et probablement de versions dont il faudra tracer la filiation) et qui reclame، de surcroit، une connaissance de la topographie، de lhistoire et de larcheologie? cet humaniste existe-t-il? il existera-t-il?» (SI XI. (٢٠٢.p، (١٩٨٥)

стр. 3424

الكتاب الغنيّة، ولكنّها ظلّت في إطار الهدف ولم تخرج إلى حيّز التّحقيق إلاّ في محاولة جاستون فييت Gaston Wiet التي لم تكتمل [فيما تقدم ١٠٢: ١ *- ١٠٣ *] والفهرست التّحليلي المعتمد على طبعة بولاق والذي لم يكتمل هو الآخر [فيما تقدم ١٠٣: ١ *- ١٠٤ *]. ثم جاء اكتشافي لمسوّدة «الخطط» للمقريزي - والتي تمثّل التّصوّر الأوّل للمقريزي حول الخطط - ثم نشري لها فيما بعد، لتحيي مرّة أخرى فكرة إمكانية إصدار نشرة كاملة صحيحة للكتاب، وهو ما جعل الصّديق Li GUO يكتب تعليقا على نشرتي للمسوّدة: «ولا يملك المرء إلاّ أن يأمل في أن يصبح هذا الحلم حقيقة يوما ما» [فيما تقدم ٣: ١ *- ٤ *]. أسوق هذا الحديث لأشير - مرّة أخرى - إلى أهميّة هذا الكتاب التي لا تخفى على أحد من المتخصّصين أو حتى المهتمين بالتّراث، وإلى الشّروط التي يجب توافرها في المحقّق الذي يتصدّى لإخراج نصّ بهذه المواصفات يتوفّر له هذا العدد الهائل من النّسخ الخطّيّة، إضافة إلى مسوّدات المؤلّف، ويتناول موضوعات مهمّة ومتنوّعة تستعرض تاريخ مصر منذ أقدم عصوره وحتى عصر المؤلّف في أواسط القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، مع التّركيز على تطوّر عواصم مصر الإسلامية وما يوجد بها من آثار دينية وحربية وآثار ذات طابع اجتماعي. فتحقيق نصّ من هذا النّوع لا يتطلّب فقط شخصا له دربة بالمخطوطات وقواعد نقد النّصوص القديمة، بل فضلا عن ذلك - كما أشار بحقّ يوسف راغب - إلى شخص عارف كذلك بخطط وتاريخ وآثار مصر الإسلامية، وبالمصادر والمظانّ التي يمكن الرّجوع إليها. وهو ما أشار إليه كذلك العالم والمحقّق الكبير الدكتور حسين نصّار في النّدوة التي عقدتها الجمعيّة المصرية للدّراسات التاريخية بمناسبة صدور المجلّد الثّالث من «المواعظ والاعتبار»، في أبريل سنة ٢٠٠٣ م، حيث قال: «أعتقد أنّ المقريزي حسن الحظّ لأنّه وجد محقّقا عاش مع المخطوطات والتّحقيق منذ نعومة أظفاره، وهو في الوقت نفسه مؤرّخ مشتغل بتاريخ مدينة القاهرة وآثارها». *** كانت المشكلة الأولى التي تطلّبت منّي حلاّ هي اختيار النّسخ التي سأعتمد عليها لتقديم نصّ صحيح وكامل للكتاب. فبعد استعراض القشم الأكبر من نسخ الكتاب التي وصلت إلينا ومقارنة بعضها ببعض، وجدت أنّ نسخ الكتاب يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام: مسوّدات

стр. 3425

المؤلّف التي كتبها بخطّه، ومبيّضات الكتاب التي كتبها المؤلّف بخطّه، والنّسخ المنقولة مباشرة من أصل المؤلّف المكتوب بخطّه، وأخيرا النّسخ التي لا نعرف الأصول التي نقلت عنها. وتتراوح تواريخ كتابة هذه النّسخ من عصر المقريزي نفسه وحتى القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي؛ وتتوزّعها أغلب مكتبات العالم، ولكن النّسخ ذات القيمة بينها توجد على الأخصّ في مكتبات إستانبول وميونخ وليدن وباريس ولندن، وتليها في الأهمية نسخ مكتبات القاهرة ودمشق. وكانت الرّحلات التي قمت بها إلى كلّ من إستانبول وباريس ولندن وليدن، إضافة إلى اطّلاعي على نسخ القاهرة وعلى المصوّرات التي يحتفظ بها معهد المخطوطات العربية بالقاهرة لنسخ توجد أصولها في ميونخ والفاتيكان والرّباط وتونس ومكة المكرمة، وعلى الأوصاف التي أمدّتني بها فهارس المخطوطات الأخرى التي لم أتمكّن من الاطّلاع عليها، كانت كافية لأحدّد على أساسها القواعد التي اخترت من خلالها النّسخ التي اعتمدت عليها في التّحقيق. ونظرا لأنّ مبيّضات الكتاب التي كتبها المقريزي بخطّه لم تصل إلينا، فقد اعتمدت في تحرير النّصّ ومقابلته على: مسوّدات الكتاب التي وصلت إلينا منها قطعتان محفوظتان بمتحف طوب قابي سراي بإستانبول [فيما تقدم ١٠٩: ١ *- ١١٢ *، ٩١: ٣ *- ٩٢ *]، وعلى النّسخ المنقولة مباشرة من خطّ المؤلّف والمكتوبة قبل عام ألف من الهجرة، واستبعدت ما دون ذلك من النّسخ التي يحتوي أغلبها على كمّ هائل من التّصحيف والتّحريف والسّقط، والتي تعدّ طبعة بولاق - التي لا نعرف على أيّ أصول اعتمدت - دليلا عليها. ثم اخترت من بين هذه النّسخ النّسخ قريبة العهد بعصر المؤلّف - أي النّسخ التي كتبت قبل نهاية القرن التاسع الهجري - واستعنت للاستيضاح بالنّسخ التي كتبت في أثناء القرن العاشر الهجري. والنّسخ الكاملة بين هذه النّسخ - المنقولة عن خطّ المؤلّف - نسخة رباعية التّقسيم كتبت بين المحرّم وربيع الآخر سنة ٨٨٣ هـ، يوجد جزؤها الأوّل في مكتبة آياصوفيا بإستانبول برقم ٣٤٧٥ وبقيّة أجزائها في مكتبة الفاتح بإستانبول أيضا بأرقام ٤٤٩٨ و ٤٥٠٠ و ٤٥٠١؛ كما توجد نسخة ثلاثية التقسيم كتبها علي بن عيسى بن علي المرحومي في شعبان سنة ٨٨٥ هـ، محفوظة في مكتبة حسين جلبي بمدينة بورصة بتركيا برقم ٩٢ - ٧٩٠. وكان اعتمادي في تحقيق الجزء الأوّل في الأساس على نسخة مكتبة آياصوفيا بإستانبول رقم ٣٤٧٥ ونسخة مكتبة جامعة ليدن رقم ٣٧٢. or، إضافة إلى النّصّ الذي قدّمه لنا العالم الرّاحل جاستون فييت Gaston Wiet مقابلا على النّسخ المحفوظة في باريس ولندن.

стр. 3426

أمّا بقيّة أجزاء الكتاب الثّلاثة فقد تخيّرت لكلّ جزء الجزء المقابل له من نسخ غير كاملة نقلت جميعها من خطّ المؤلّف وكتبت قبل نهاية القرن التاسع الهجري، مع الاستعانة للإيضاح ببقيّة النّسخ المنقولة أيضا من خطّ المؤلّف والمكتوبة قبل نهاية القرن العاشر الهجري. وللأسف فإنّ هذه النّسخ لم تصل إلينا كاملة لأنها تميّزت باحتوائها على التّعليقات والحواشي التي أضافها المقريزي بخطّه على نسخته الخاصّة المنقول منها، وأثبتت كذلك أماكن البياض والفراغ التي تركها المقريزي في نسخته لاستدراكها محدّدة بالسّطر، وذلك إضافة إلى مقابلتها على قطعتي المسوّدة. واشتملت بعض هذه الأجزاء (نسخة مكتبة آياصوفيا بإستانبول رقم ٣٤٨٤ الخاصّة بالمجلّد الثّالث) على تعليقات أضافها ناسخ النّسخة تحدّث مواضع بعض المعالم ذاكرة ما طرأ عليها أو ما حلّ محلّها، وحرص مسجّل هذه التّعليقات في كلّ مرّة يذكرها فيها إلى الإشارة إلى أنّ ذلك تمّ في عهد سلطان زماننا السّلطان الأشرف قايتباي قرب نهاية القرن التاسع الهجري. وأثبت النّسّاخ الذين نقلوا مباشرة عن أصل المقريزي الذي كتبه بخطّه كذلك جميع الفوائد والتّعليقات التي أثبتها في صدر وخاتمة كلّ جزء من أجزاء نسخته. ودفعني إلى عدم إثبات أي فروق بين النّسخ التي اعتمدتها، أنّ نصّ هذه النّسخ يكاد يكون متطابقا، فيما عدا انتقال النّظر وبعض الفروق الطّفيفة التي أشرت إليها في مواضعها؛ لأنّها نقلت جميعها من أصل واحد هو أصل المؤلّف الذي كتبه بخطّه؛ ولكنّ الفروق التي أثبتّها كانت هي الاختلافات الموجودة بين النّصّ الذي وقع عليه اختياري وبين ما جاء في «مسوّدة المؤلّف» والتي فضّلت أحيانا إثبات قراءتها على ما جاء في المبيّضة لأنّه أكثر وضوحا وتفصيلا، وكذلك الاختلافات بين النّصّ المثبت وبين ما جاء في طبعة بولاق، وقد أوضحت هذه الفروق - دون شك - حجم التّصحيف والتّحريف والتّلفيق والسّقط الذي ملأ صفحات هذه الطّبعة، والذي يتطلّب لذلك إعادة قراءة النّصّ وإعادة النّظر في الكثير من الأحكام التي بنيت اعتمادا على هذه الطّبعة المغلوطة، وإن كانت قدّمت - دون شكّ - خدمة مهمّة في غيبة نصّ آخر صحيح للكتاب. ونظرا لأنّ هذه الطّبعة بقيت دهرا طويلا في أيدي العلماء وأحالوا إليها في حواشيهم ودراساتهم، فقد أثبتّ في الهامش الدّاخلي لهذه النّشرة الجديدة أرقام صفحات طبعة بولاق لأعين الباحث على التّعرّف بسهولة ويسر على مواضع هذه الإحالات في نشرتي هذه، وساعدتني هذه الطّريقة كذلك على ربط أقسام الكتاب بعضها ببعض، وأحلت عليها في تعليقاتي بدلا من انتظار طبع الكتاب بتمامه لمعرفة التّصفيح الجديد؛ فعندما أحيل القارئ الكريم

стр. 3427

في الجزء الأوّل إلى الجزء الثّاني تكون الإحالة إلى رقم صفحة طبعة بولاق المثبت في الهامش الدّاخلي لا إلى الجزء الثاني من نشرتي هذه، وعند ما أحيل في الجزء الرّابع إلى الجزء الثاني، على سبيل المثال، تكون الإحالة إلى أجزاء وصفحات هذه النّشرة الجديدة. أمّا «عملي العلمي في الكتاب والتّعليق عليه» فقد سلكت فيه سبيلين: الأوّل، إرجاع كلّ نصّ استشهد به المقريزي إلى أصله - إن كان وصل إلينا - سواء صرّح به المقريزي أو تمكّنت من تحديده والتّعرّف عليه وتخريجه منه؛ ثانيا، تحديد أماكن المواضع التي ذكرها المقريزي بالنسبة إلى تخطيط المدينة الحديث، أو ما حلّ محلّها من مواضع إن كانت قد زالت آثارها الآن؛ وتخريج الأعلام والإحالة إلى أماكن تراجمهم، وشرح المصطلحات، وإثبات النّقوش والكتابات التاريخية المثبتة على المعالم الأثرية الواردة في النّصّ اعتمادا على المشاهدة الشّخصية وعلى ما جاء في «مدوّنة النّقوش العربية» CIA و «الجامع التّاريخي للنّقوش العربية» RCEA. ونظرا لأنّ المقريزي لم يذكر - إلاّ نادرا - أوصافا معمارية للآثار والمعالم التي ورد ذكرها في الكتاب، ولأنّ الطّريقة العلمية الوحيدة لوصف الآثار هي المخطّطات والصّور الفوتوغرافية، فقد بادرت إلى ابتكار طريقة جديدة في النّشر العلمي للنّصوص القديمة تطلّبتها طبيعة نصّ كتاب «الخطط»، هي إلحاق خرائط مساحية حديثة تعين القارئ الكريم على تحديد موضع الأثر أو المعلم من مدينة القاهرة الآن [فيما تقدم ١٣٨: ٣ *]، وعدد من المخطّطات والصّور الفوتوغرافية التي توضّح الكتل العامّة لهذه المعالم عند ذكر كلّ أثر وصل إلينا [فيما تقدم ٣٤: ٤ *- ٣٥ *]، وأكثرت في الهوامش من الإشارة إلى الدّراسات الحديثة المتخصّصة التي تناولت هذه المعالم، بحيث أستطيع القول بأنّ ما قدّمته هنا ليس مجرّد تحقيق علمي لنصّ كتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي، وإنّما إعادة بناء لوضع مدينة القاهرة كما كانت في عصر المقريزي. *** وبقيت نقطتان تحتاجان إلى توضيح، الأولى هي متى ألّف المقريزي كتابه؟ ومتى انتهى منه؟ والثانية هي مدى إحاطة المقريزي بمعالم القاهرة وآثارها حتى عصره. لقد أشرت [فيما تقدم ٦٦: ١ *- ٦٨ *] إلى التّواريخ التي ذكرها المقريزي في تضاعيف كتابه والتي نستطيع من خلالها أن نحدّد تاريخا تقريبيّا للفترة التي استغرقها تأليف هذا الكتاب. وقد

стр. 3428

خلصت في هذه الدّراسة إلى أنّ المقريزي كتب القسم الأكبر من كتابه في عهد السّلطان المؤيّد شيخ المحمودي (٨١٥ - ٨٢٤ هـ/ ١٤١٢ - ١٤٢١ م) [فيما تقدم ٢٥٥: ١، ٥١٠]، وفرغ من تأليف الكتاب قبل مجاورته بمكّة بين سنتي ٨٣٤ و ٨٣٩ هـ، وأنّه بعد عودته من مكّة سنة ٨٣٩ هـ/ ١٤٣٥ م وجد العديد من العمائر التي تجدّدت في فترة تغيّبه عن مصر فأضافها على نسخته في إلحاقات وطيّارات بين صفحات النّسخة (مثلما نجد في الجزء الأوّل من نسخة «السّلوك» التي وصلت إلينا بخطّه والتي تشتمل على العديد من الطّيّارات التي ذكر فيها وفيات عدد من الأعيان وبعض الحوادث التاريخية التي أثبتها النّساخ في مواضعها في النّسخ المنقولة من أصل المقريزي، وفي الجزء الأوّل من «اتّعاظ الحنفا» المكتوب بخطّ المقريزي والمحفوظ في مكتبة غوطا بألمانيا، وكذلك النّسخة الكاملة من الكتاب المحفوظة في مكتبة أحمد الثّالث بإستانبول والمنقولة من أصل المقريزي المكتوب بخطّه والمليئة هي الأخرى بالإلحاقات والطّيّارات التي وجدت في الأصل الذي نقلت منه. وتاريخ تأليف هذه الكتب والأجزاء سابق على تاريخ الانتهاء من تأليف الخطط). ولم ينشغل المقريزي بعد عودته من المجاورة بمكّة إلاّ بتأليف وتحرير رسائله الصّغيرة [فيما تقدم ٦٤: ٢ *- ٦٧ *] واستكمال الجزء الرّابع من كتاب «السّلوك» الذي انتهى فيه إلى حوادث آخر ذي الحجّة سنة ٨٤٤ هـ (مايو ١٤٤١ م)، وكتاب «الخبر عن البشر» الذي وصلت إلينا منه نسخة بخطّ المقريزي autographe فرغ من كتابة الجزء الثّالث منها، المحفوظ بمكتبة الفاتح بإستانبول برقم ٤٣٣٨، «في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي الحجّة الحرام خاتم شهور سنة أربع وأربعين وثمان مائة»، وكتاب «درر العقود الفريدة» الذي وصل بتراجمه إلى وفيات ذي الحجّة سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة. فتكون جميع الإضافات والتّواريخ المتأخّرة الموجودة في كتاب «المواعظ والاعتبار» - وجميعها في المجلّد الرّابع - إضافات أضافها المقريزي في شكل إلحاقات وطيّارات على نسخته الخاصّة (مثل تلك التي أشرت إليها منذ قليل في نسخته من «اتّعاظ الحنفا» و «السّلوك»، ووضعها النّسّاخ - فيما بعد - في مواضع الإلحاق التي حدّدها المقريزي في نسخته)، وخير دليل على ذلك التاريخ الذي أضافه المقريزي في آخر خبر دير المغطّس عن هدم الدّير في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وثمان مائة [فيما تقدم ١٥: ١٠٤٩: ٤] في أثناء تحرير حوادث هذه السّنة في «السّلوك»، حيث أورد خبر هدم هذا الدّير وأردفه بقوله: «وقد بسطت الكلام على هذا عند ذكر الكنائس والدّيارات من كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» [السلوك ١٠٣٤: ٤].

стр. 3429

ويرى أستاذي البروفيسير جان كلود جارسان J-Cl.Garcin، في نقاش طويل دار بيننا، أنّ المجلّد الرّابع من «المواعظ» والمشتمل على ذكر المساجد الجامعة والمدارس والخوانك والمارستانات … إلخ، أضافه المقريزي في آخر حياته لأنّه لم يرد في فهرست الموضوعات الذي أورده في مقدّمة الكتاب [٨: ١]، وأنّه كتب قسما كبيرا منه على عجل، ففي الوقت الذي جاء فيه «المدخل» الذي قدّم به لذكر المساجد الجامعة موضوعيّا ومنظّما [٣: ٤ - ٦]، فإنّه لم يلتزم بهذا التنظيم دائما في أثناء كتابة هذا المجلّد. ولا شكّ عندي أنّ ما ورد في المجلّد الرّابع هو تتمّة للجزء الخامس من تقسيم المؤلّف الذي ذكر فيه «ما أدرك عليه القاهرة وظواهرها من الأحوال» [فيما تقدم ٣٣: ٤ *- ٣٤ *]، ولكن نظرا لضخامة مادّة هذا الفصل الذي خصّصه للمساجد الجامعة والمدارس والخوانك … إلخ، مقارنة بما كتبه عن «الدّور» و «الحمّامات» و «القياسر» و «القناطر» على سبيل المثال، فضّل المقريزي أن يختم المجلّد الثّالث بالجزء السّادس الذي ذكر فيه «قلعة الجبل»، وأن يفرد الجوامع والمدارس والخوانك والمارستانات والقرافة وكنائس اليهود وأديرة النّصارى بما تخلّلها من الدّراسات الخاصّة التي كتبها المقريزي عن «أصل المحاريب» و «تطوّر الأذان»، و «مذاهب أهل مصر» و «تاريخ اليهود» و «قبط مصر وتاريخ الكنيسة وأسماء البطاركة»، إضافة إلى ما كتبه عن «واقعة الكنائس» [١٠٦٦: ٤ - ١٠٧٦] و «الحريق بالقاهرة ومصر» [١٠٧٠: ٤ - ١٠٧٦] بمجلّد مستقلّ، خاصّة وأنّ القسم الأكبر من مادّة هذا المجلّد موجود بالفعل في «المسوّدة» الثّانية التي كتبها دون شك قبل نهاية العقد الثّالث من القرن التاسع الهجري. وتكون الإضافة الوحيدة لمادّة هذا الجزء هي ما ذكره - في إلحاق أو طيّارة - في ختام ذكره للمساجد الجامعة [٣٥٤: ٤ - ٣٦٠] عن الجوامع التي استجدّت، وهي غير مذكورة في المدخل الموضوعي الذي قدّم به للكلام على المساجد الجامعة. أمّا مدى إحاطة المقريزي بمعالم القاهرة وآثارها حتى عصره، فلا شك أنّ المقريزي كان يعرف خطط القاهرة ومعالمها ويقرأها كما لو كانت مكتوبة في كفّ يده، بدليل ما أشار إليه من معالم في كتبه الأخرى، على الأخصّ الجزء الرّابع من «السّلوك» و «درر العقود الفريدة»، ولا توجد في «الخطط» [فيما تقدم ١٥٠: ٤ *]، وأشار هو بنفسه إلى ذلك في تضاعيف كتابه، فعند ذكره لأخطاط القاهرة قال: «ولا بد من إيراد ما تيسّر منها» [فيما تقدم ٦٩: ٣]، وعند ذكره للخوخ قال: «والقصد إيراد ما هو مشهور من الخوخ أو لذكره فائدة، وإلاّ فالخوخ والدّروب والأزقّة كثيرة جدّا» [فيما تقدم ١٠٨: ٣، ١٤٠]، وقال عند ذكره للرّحاب: «والرّحاب كثيرة والغرض ذكر ما فيه فائدة»

стр. 3430

[فيما تقدم ١٤٩: ٣]. وعند ذكره للحمّامات قال: إنّ ابن المتوّج ذكر «أنّ عدّة حمّامات مصر في زمنه بضع وسبعون حمّاما، وأنّ ابن عبد الظّاهر ذكر أنّ عدّة حمّامات القاهرة إلى آخر سنة خمس وثمانين وستّ مائة يقرب من ثمانين حمّاما» [فيما تقدم ١٠٣: ٣] بينما لم يذكر المقريزي سوى خمس وأربعين حمّاما فقط، ونقل عن ابن المتوّج كذلك أنّه «ذكر أنّ عدّة المساجد بمصر في زمنه أربع مائة وثمانون مسجدا ذكرها» [فيما تقدم ٧٠٧: ٤]، واكتفى هو بذكر اثنين وعشرين مسجدا فقط، وفعل الشيء نفسه مع الأسواق حيث قال: «إنّه كان بمدينة مصر والقاهرة وظواهرها من الأسواق شيء كثير جدّا قد باد أكثرها … وسأذكر من أخبار الأسواق ما أجد سبيلا إلى ذكره إن شاء اللّه» [فيما تقدم ٣١٥: ٣]؛ كما أنّ المقريزي يحيل كثيرا في ثنايا كتابه إلى معالم لم ترد في مبيّضة الكتاب [فيما تقدم ١: ٢٦٩: ٢؛ ١٩: ٤: ٤؛ ١: ٥؛ ٥: ٦؛ ١٨: ٧٤٣؛ ١٩: ٧٥٠]. من ذلك يتّضح أنّ عدم تخصيص المقريزي مداخل لبعض المعالم لا يعني عدم معرفته بها، وإنّما يعني أنّه لم يقع عليها اختياره ليذكرها في كتابه، وأنّه أورد فقط «ما تيسّر منها» أو كان «لذكره فائدة». *** وبعد، فهذا هو كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» لشيخ مؤرّخي مصر الإسلامية تقيّ الدّين أحمد بن علي المقريزي، ﵀، أقدّمه للعلماء والباحثين ومعه كشّافاته التّحليليّة كأوّل نشرة علميّة صحيحة وكاملة للكتاب اعتمدت على أصحّ نسخه وأتمّها المنقولة من أصل المؤلّف الذي كتبه بخطّه ومقابلة على مصادره التي اعتمد عليها؛ حامدا اللّه على توفيقه وعظيم إنعامه عليّ بأن وفّقني إلى إخراج هذا السّفر الجليل والتّعليق عليه ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ﴾. أيمن فؤاد سيّد القاهرة ١٠ رجب سنة ١٤٢٥ هـ ٢٦ أغسطس سنة ٢٠٠٤ م

стр. 3431

ما وجد بخطّ المقريزي على أصله وليس من موضوع الخطط تمثّل النّسخ التي وصلت إلينا بخطّ المقريزي حجما غير مسبوق لما احتفظت به المكتبات من كتب بخطوط مؤلّفيها autographe. فإضافة إلى النّسخ الكاملة لبعض هذه المؤلّفات (١)، وصلت إلينا كذلك العديد من المسوّدات والكرّاسات التي سجّل فيها المقريزي فوائد ومعلومات كان سيرجع إليها في أثناء تأليفه لكتبه الكبيرة (الكرّاسة المحفوظة في مكتبة Liege ببلجيكا، والكرّاسة الأخرى المحفوظة بمكتبة بلديّة الإسكندرية). ويرجّح أنّ الكرّاسة المحفوظة في مكتبة Liege قد انتقلت بعد وفاة المقريزي، مثل كتب أخرى للمقريزي، إلى معاصره ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢ هـ/ ١٤٤٩ م، ففي الورقة ١٥٥ وتوجد حاشية صعبة القراءة يشبه خطّها خطّ ابن حجر، ولكن المؤكّد أنّ الكرّاسة ظلّت في مصر حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، فيوجد أعلى هامش الورقة ٤ وعلامتا تملّك، الأولى نصّها: «ملك الفقير إلى اللّه تعالى محمد مرتضى الحسيني غفر عنه في سنة ١١٧٧»، وهو السّيّد محمد بن محمد المرتضى الزّبيدي صاحب «تاج العروس»، المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ/ ١٧٩٠ م؛ والثّانية نصّها: «الحمد للّه، صار هذا الكتاب في نوبة الفقير إلى اللّه محمد بن عبد الكريم الفكّون غفر له» دون تاريخ، وهو شخص ينتسب إلى أسرة من أعيان قسنطينة بالجزائر لا ندري الملابسات التي أدّت إلى انتقال النّسخة إليه. ثم انتقلت النّسخة بعد ذلك من الجزائر واشتراها Victor Chauvin سنة ١٩٠٤ من أحد مزادات الكتب القديمة، ثم أوصى قبل وفاته في سنة ١٩١٣ م بإهداء كتبه إلى مكتبة جامعة Liege، ومن بينها نسخة كرّاسة _________ (١) Witkam، J.J.، «Les autographes dal- Maqrizi» dans Le manuscrit arabe et la codicologie coordonne par Ahmed-Chouqui Binebine Rabat-Universite Mohammed V ٩٨ - ٨٩.pp، ١٩٩٤؛ وفيما تقدم ٥٠: ١ *- ٥٢ *، ٥٠: ٢ * - ٧٠ *.

стр. 3432

المقريزي التي تقع في ٢١٠ ورقة، وهي مكتوبة على نفس نوع الكواغيد الدّيوانية التي استخدمها المقريزي في المسوّدة وفي المقفّى الكبير. وتشتمل هذه الكرّاسة على انتقاءات للمقريزي من عدد من المؤلّفات التاريخية وكتب التّراجم بدأها بانتقاء من كتاب «عيون الأنباء» لابن أبي أصيبعة (٤ و- ٣١ ظ)، ثم تلخيص لكتاب «فتوح مصر وأخبارها» لابن عبد الحكم (٣٧ ظ - ٨١ ظ)، ثم أربعة عشر فصلا تشتمل على موضوعات متنوّعة عن الاقتصاد المصري أغلبها منقول من «قوانين الدّواوين» لابن ممّاتي (٩٧ و- ٩٨ ظ، ١٢١ و- ١٢١ ظ) استخدمها جميعا في «المواعظ والاعتبار» [٢٩٣: ١ - ٢٩٩] دون تحديد مصدرها؛ ثم ثمانية فصول تخصّ الوضع الجغرافي لمصر وذكر عجائبها وذكر الفرما والخراج والنّيل (٩٨ ظ - ١٠١ و) استخدمها جميعا في المجلّد الأوّل من «المواعظ والاعتبار»؛ وبعد ذلك سجّل فوائد التقطها من كتاب «الوافي بالوفيات» للصّفدي (١٠١ ظ - ١٢٠ ظ، ١٩٦ و- ٢٠٤ ظ، ٨٧ و- ٩٦ ظ) تشتمل على تراجم من حرف الهمزة، علما بأنّ المواضع التي صرّح فيها المقريزي بالنّقل من الصّفدي في «المواعظ» كانت من كتاب «أعيان العصر» لا من كتاب «الوافي بالوفيات» التي استعان بها - في أغلب الظّنّ - في كتابه «المقفّى الكبير». وأورد المقريزي بين ورقتي (١٢٤ و- ١٢٥ ظ) فصلا في ميراث البنات وفصلا آخر في تلف الرّهن من غير فعل الرّاهن ولا المرتهن. وأورد بين ورقتي (١٣١ وو ١٤٢ و) فصلا في «منافع الحيوان» وفصلا في «منافع الطّير» وفصلا في «الحشرات والهوام»؛ ثم فصلا في «حيوان الماء»، استعان ببعض ما جاء فيها في أثناء تأليفه الخطط مثل: التّمساح [١٧٨: ١ - ١٧٩] والسّمكة الرّعّادة [١٧٣: ١] رجّح Frederic Bauden أنّها من كتاب «خواصّ الحيوان» لابن زهر وكتاب «عجائب المخلوقات» للقزويني. وسجّل المقريزي بعد ذلك فصلا في الحبّ تناول فيه موضوع: القبلة، وآداب المحادثة، وآداب المضاجعة، وسبب العشق، وسبب اللّياطة، يتّفق في قسم منه مع ما ورد عند النّويري في نهاية الأرب (١٣٥: ٢ - ٢١٠). ويوجد قسم من المادّة التي اعتمد عليها المقريزي في وصفه للأهرام بين ورقتي (١٤٩ ظ و ١٥٠ و)؛ ثم أورد مختصرا معتبرا خاصّا بوفاة الوزير زين الدّين يعقوب بن الزّبير سنة ٦٦٨ بالسّجن، ذكره في المواعظ والاعتبار [١٨٦: ٤ - ١٨٧]. وأورد بين ورقتي (١٥٠ و، ١٥٠ ظ) اختيارات من «أخبار بني أيّوب» تأليف محمد بن علي بن عبد العزيز بن نظيف الحموي الكاتب تتّفق مع ما جاء في كتاب «التاريخ المنصوري» لابن نظيف الحموي؛ كما نقل أخبارا عن ملوك حمير بين

стр. 3433

ورقتي (١٥١ و- ١٥١ ظ) أعقبها (١٥١ ظ - ١٥٥ و) بتلخيص لما قيل في الدّرهم والدّينار من مختار كتاب «الدّنانير والدّراهم» لأبي بكر محمد بن خلف بن حيّان المعروف بوكيع، استخدمها في رسالته «شذور العقود في ذكر النّقود»، كذلك نقل بين ورقتي (١٥٥ ظ و ١٥٦ ظ) معلومات عن نقود الهند ومعاملة أهل خوارزم والقبجاق ومعاملة بغداد وعن خان بالق من بلاد الخطا. ونقل المقريزي بين ورقتي (١٥٧ و- ١٦٠ ظ): مختارات من «سيرة المأمون البطائحي»، وهذا الكتاب أحد أهمّ مصادر المقريزي عن العصر الفاطمي، واستعان بما ورد فيه في ثلاثة من مؤلّفاته هي: «المواعظ والاعتبار»، و «اتّعاظ الحنفا»، و «المقفّى الكبير» (١). وأعقب ذلك (بين ورقتي ١٦١ و- ١٦٣ ظ) بذكر «الخبر عن جنكزخان» ومصدره فيه كتاب «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري، وإن لم يصرّح به، وهذا الكتاب هو أيضا مصدر المعلومات التي أثبتها المقريزي فيما دوّنه في فاتحة وخاتمة أجزاء نسخته من «المواعظ والاعتبار» عن «ملوك الهند» [فيما يلي ٤٤ - ٥٢] و «الخبر عن أجناس السّودان» [فيما يلي ٢٧ - ٢٨] و «الخبر عن الإمام الزّيدي القائم بصنعاء اليمن» [فيما يلي ٥٤ - ٥٥]، وهو كذلك - كما سبق أن أوضحت [فيما تقدم ٧٤: ٣ *]- المصدر الذي نقل عنه المقريزي أكثر عباراته وضوحا عن عصور سلاطين المماليك السّابقة عليه، وعلى الأخصّ وصف قلعة الجبل وخلع المماليك وأزيائهم. فقد كان في متناول المقريزي نسخة من الكتاب، هي النّسخة الموزّعة الآن بين مكتبات أحمد الثالث وآياصوفيا بإستانبول وجون ريلاندز بمانشستر، حيث سجّل المقريزي بخطّه على ظهريّة الأجزاء الثّالث والرّابع والخامس والسّادس والرّابع عشر والخامس عشر والسّابع عشر والتّاسع عشر والعشرين عبارته المعروفة: «انتقاه داعيا لمعيره أحمد بن علي المقريزي ٨٣١». وتدخّل المقريزي في نصّ العمري نفسه، حيث سمح لنفسه بتصحيح أوهام وقعت للعمري على هامش الكتاب. فعند حديث العمري على مدينة المنوفية قال: «وكانت منف المنسوب إليها هذا العمل هي مصر قديما»، فكتب المقريزي بخطّه على هامش النّسخة: «هذا وهم. منف التي هي مدينة أرض مصر في القديم إنّما هي أرض في طرف الجيزة تعرف بالبدرشين، لها عندي في كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار عدّة أخبار». وعند حديث العمري على أبيار المسمّاه بجزيرة أبي نصر، كتب المقريزي على هامش النّسخة: «جزيرة بني نصر منسوبة إلى بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. وذلك أنّ بني _________ (١) انظر نصوص من أخبار مصر لابن المأمون، حقّقها وكتب مقدّمتها وحواشيها ووضع فهارسها أيمن فؤاد سيّد، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ١٩٨٣.

стр. 3434

حماس بن ظالم بن جعيل بن عمرو بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن كانت لهم شوكة شديدة بأرض مصر، فكثروا حتى ملأوا أسفل الأرض وغلبوا عليها إلى أن قويت عليهم قبيلة لواتة من قبائل البربر، فاحتملت بنو نصر وسكنت الجدار وصارت أهل قرى في مكان عرف بهم وسط النّيل وهي جزيرة بني نصر - كذا فاعلم، ما هكذا تورد يا سعد الإبل». يقف كلّ ذلك دليلا على أنّ المقريزي قد طالع كتاب «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري وانتقى منه فوائد في سنة ٨٣١ هـ في وقت كان قد انتهى فيه من تأليف القسم الأكبر من «المواعظ والاعتبار»، واستدرك منه - دون شك - ما أثبته عن وصف قلعة الجبل وخلع سلاطين المماليك، وما سجّله على فاتحة وخاتمة أجزاء نسخته من «الخطط» عن الحفصيين والسّودان والهند واليمن والإمام الزّيدي بصنعاء … ، وسمح لنفسه كذلك بتصحيح بعض ما وقع فيه مؤلّفه من أوهام، ومع ذلك فإنّه لم يشر إليه إطلاقا على امتداد صفحات كتابه؛ مثلما فعل مع غيره من معاصريه فكما قيل: «المعاصرة حجاب» [فيما تقدم ٧٥: ٣ *- ٧٦ *]. وفيما بين ورقتي (١٦٦ و- ١٧٤ ظ) سجّل المقريزي ستّة فصول تتعلّق ب «الذّرع والكيل والميزان»، و «حدّ المدّعي الذي يحتاج إلى بيّنة»، و «حكم اليهود والنّصارى الذين بمصر الآن»، و «ذكر اللّعن وما جاء فيه»، و «زيارة القبور والنّذر لها والعكوف عندها والقراءة عليها»، و «النّذر» ثم «معنى تعذيب الميّت بالبكاء عليه». وكلّها مسائل فقهية، فيما عدا الفصل الأوّل الذي سجّل فيه المقريزي فوائد اعتمد عليها في رسائله الصّغيرة: «شذور العقود» و «الأوزان والأكيال الشّرعية». وفيما بين ورقتي (١٧٦ و- ١٨٤ و) أورد المقريزي تفسيرا لبعض الآيات القرآنية نقله من «الكشّاف» للزّمخشري دون إشارة، وهو من مصادره في «المواعظ والاعتبار» [فيما تقدم ٩٦: ١ *، ٤٣٥]. وختم المقريزي هذه الكرّاسة بترجمة مطوّلة لمعاصره يوسف بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر البيري، جمال الدّين البجاسي مشير الممالك الإسلامية (١)، ضمّنها بعد ذلك في كتابه الذي خصّصه لذكر تراجم معاصريه «درر العقود الفريدة» [٥٦٢: ٣ - ٥٧٢]. أمّا الكرّاسة الأخرى المحفوظة في مكتبة بلدية الإسكندرية (مكتبة الإسكندرية الآن Bibliotheca Alexandrina تحت رقم ٢١٢٥ د فكتبت على ورق معتاد وتتكوّن من ٥٣ ورقة (١٦ x ١٣ سم). _________ (١) راجع لمزيد من التّفاصيل: Bauden، F.، «Maqriziana I: Discovery of an Autograph Manuscript of al-Maqrizi: Towards a Better understanding of his Method Description: «٦٨ - ٢١.pp (٢٠٠٣) ٢/ SeetionI MSR VII

стр. 3435

سجّل المقريزي على ظهريتها عددا من التّراجم سبقها بعبارة: «تكتب في التّاريخ الكبير إن شاء اللّه»، أي كتاب «المقفّى الكبير». وبدأ الكراسة بالصّيغة التالية: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين وصلواته وسلامه على سيّدنا محمد خاتم النبيّين وعلى أهله وأصحابه أجمعين. وبعد، فقد برز الأمر العالي - أعلاه اللّه تعالى - بكتابة ما كان من خبر الرّوك الحسامي والرّوك النّاصري. فنقول: يحتاج قبل ذكر ذلك إلى ما كانت عليه الحال قبل الرّوك ليعرف به كيف كان سبب عمل الرّوك، واللّه أسأل التّوفيق والإعانة بمنّه وكرمه. «فصل فيما كان يعمل في أراضي مصر قبل الإسلام» وفي ورقة ٣ و: «وأمّا في الملّة الإسلامية … حتى ورقة ٥ ظ - ٦ وحيث ختمها بالعبارة التالية: «وبلغت المكوس في وزارة الصّاحب شرف الدّين هبة اللّه بن صاعد الفائزي في سنة ثمان وأربعين وستّ مائة في السّنة ستّ مائة ألف دينار، وكانت جهاتها كثيرة جدّا قد ذكرتها في كتابي المسمّى كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار». وأمّا الرّوك الحسامي [ثم ترك بقيّة الصّفحة بياضا]. وبدأ ورقة ٦ ظ ب «فوائد من تاريخ دمشق لأبي القاسم بن عساكر الحافظ» تستمر حتى ورقة ٧ ظ، ثم يوجد خرم بين ورقتي ٧ ظ و ٨ و. وبدأ ورقة ٨ ظ بعبارة «أهل مصر إذا تخاصموا هذا حكمه في الشّرع كذا وحكمه في السّياسة كذا». وبعد ذلك عدّة تراجم في ورقة ٩ ظ سبقها بعبارة «يكتب إن شاء اللّه في التاريخ الكبير عند تحريره»، أي «المقفّى الكبير». ثم يوجد بعد ذلك خرم بين ورقتي ٩ ظ و ١٠ والتي تبدأ في أثناء الحديث على تراجم الوزراء، وهي في ظنّي الموادّ التي كان يجمعها المقريزي لكتابه المفقود «تلقيح العقول والأراء في تنقيح أخبار الجلّة الوزراء» [فيما تقدم ١٦: ٤٥٢: ٢، ٨: ٧٢٣: ٣]، وتستمر حتى أثناء ورقة ١٧ وحيث نجد عنوان: «ذكر وزراء الملوك السّلجوقية» التي تنتهي في أثناء ورقة ٢١ ظ. وابتداء من ورقة ٢٢ ونجد تراجم لبعض الحكماء مثل: فيثاغورس وأفلاطون وزينون وديمقراطيس وسولون وبقراط تنتهي بنهاية ورقة ٢٤ ظ. وتبدأ ورقة ٢٧ وبعنوان: «ذكر من ولي حلب من سنة ثلاث مائة» ثم ذكر لولاة دمشق تنتهي بنهاية الكرّاسة. *** لم يكتف المقريزي بتخصيص كرّاسات كاملة يسجّل فيها الفوائد التي انتقاها من كتب
следующие страницы →