Полный текст (3 560 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
ما وجد بخطّ المقريزي على أصله وليس من موضوع الخطط
تمثّل النّسخ التي وصلت إلينا بخطّ المقريزي حجما غير مسبوق لما احتفظت به المكتبات من كتب بخطوط مؤلّفيها autographe. فإضافة إلى النّسخ الكاملة لبعض هذه المؤلّفات (١)، وصلت إلينا كذلك العديد من المسوّدات والكرّاسات التي سجّل فيها المقريزي فوائد ومعلومات كان سيرجع إليها في أثناء تأليفه لكتبه الكبيرة (الكرّاسة المحفوظة في مكتبة Liege ببلجيكا، والكرّاسة الأخرى المحفوظة بمكتبة بلديّة الإسكندرية).
ويرجّح أنّ الكرّاسة المحفوظة في مكتبة Liege قد انتقلت بعد وفاة المقريزي، مثل كتب أخرى للمقريزي، إلى معاصره ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢ هـ/ ١٤٤٩ م، ففي الورقة ١٥٥ وتوجد حاشية صعبة القراءة يشبه خطّها خطّ ابن حجر، ولكن المؤكّد أنّ الكرّاسة ظلّت في مصر حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، فيوجد أعلى هامش الورقة ٤ وعلامتا تملّك، الأولى نصّها: «ملك الفقير إلى اللّه تعالى محمد مرتضى الحسيني غفر عنه في سنة ١١٧٧»، وهو السّيّد محمد بن محمد المرتضى الزّبيدي صاحب «تاج العروس»، المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ/ ١٧٩٠ م؛ والثّانية نصّها: «الحمد للّه، صار هذا الكتاب في نوبة الفقير إلى اللّه محمد بن عبد الكريم الفكّون غفر له» دون تاريخ، وهو شخص ينتسب إلى أسرة من أعيان قسنطينة بالجزائر لا ندري الملابسات التي أدّت إلى انتقال النّسخة إليه. ثم انتقلت النّسخة بعد ذلك من الجزائر واشتراها Victor Chauvin سنة ١٩٠٤ من أحد مزادات الكتب القديمة، ثم أوصى قبل وفاته في سنة ١٩١٣ م بإهداء كتبه إلى مكتبة جامعة Liege، ومن بينها نسخة كرّاسة
_________
(١) Witkam، J.J.، «Les autographes dal- Maqrizi» dans Le manuscrit arabe et la codicologie coordonne par Ahmed-Chouqui Binebine Rabat-Universite Mohammed V ٩٨ - ٨٩.pp، ١٩٩٤؛ وفيما تقدم ٥٠: ١ *- ٥٢ *، ٥٠: ٢ * - ٧٠ *.
стр. 3432
المقريزي التي تقع في ٢١٠ ورقة، وهي مكتوبة على نفس نوع الكواغيد الدّيوانية التي استخدمها المقريزي في المسوّدة وفي المقفّى الكبير.
وتشتمل هذه الكرّاسة على انتقاءات للمقريزي من عدد من المؤلّفات التاريخية وكتب التّراجم بدأها بانتقاء من كتاب «عيون الأنباء» لابن أبي أصيبعة (٤ و- ٣١ ظ)، ثم تلخيص لكتاب «فتوح مصر وأخبارها» لابن عبد الحكم (٣٧ ظ - ٨١ ظ)، ثم أربعة عشر فصلا تشتمل على موضوعات متنوّعة عن الاقتصاد المصري أغلبها منقول من «قوانين الدّواوين» لابن ممّاتي (٩٧ و- ٩٨ ظ، ١٢١ و- ١٢١ ظ) استخدمها جميعا في «المواعظ والاعتبار» [٢٩٣: ١ - ٢٩٩] دون تحديد مصدرها؛ ثم ثمانية فصول تخصّ الوضع الجغرافي لمصر وذكر عجائبها وذكر الفرما والخراج والنّيل (٩٨ ظ - ١٠١ و) استخدمها جميعا في المجلّد الأوّل من «المواعظ والاعتبار»؛ وبعد ذلك سجّل فوائد التقطها من كتاب «الوافي بالوفيات» للصّفدي (١٠١ ظ - ١٢٠ ظ، ١٩٦ و- ٢٠٤ ظ، ٨٧ و- ٩٦ ظ) تشتمل على تراجم من حرف الهمزة، علما بأنّ المواضع التي صرّح فيها المقريزي بالنّقل من الصّفدي في «المواعظ» كانت من كتاب «أعيان العصر» لا من كتاب «الوافي بالوفيات» التي استعان بها - في أغلب الظّنّ - في كتابه «المقفّى الكبير».
وأورد المقريزي بين ورقتي (١٢٤ و- ١٢٥ ظ) فصلا في ميراث البنات وفصلا آخر في تلف الرّهن من غير فعل الرّاهن ولا المرتهن. وأورد بين ورقتي (١٣١ وو ١٤٢ و) فصلا في «منافع الحيوان» وفصلا في «منافع الطّير» وفصلا في «الحشرات والهوام»؛ ثم فصلا في «حيوان الماء»، استعان ببعض ما جاء فيها في أثناء تأليفه الخطط مثل: التّمساح [١٧٨: ١ - ١٧٩] والسّمكة الرّعّادة [١٧٣: ١] رجّح Frederic Bauden أنّها من كتاب «خواصّ الحيوان» لابن زهر وكتاب «عجائب المخلوقات» للقزويني.
وسجّل المقريزي بعد ذلك فصلا في الحبّ تناول فيه موضوع: القبلة، وآداب المحادثة، وآداب المضاجعة، وسبب العشق، وسبب اللّياطة، يتّفق في قسم منه مع ما ورد عند النّويري في نهاية الأرب (١٣٥: ٢ - ٢١٠).
ويوجد قسم من المادّة التي اعتمد عليها المقريزي في وصفه للأهرام بين ورقتي (١٤٩ ظ و ١٥٠ و)؛ ثم أورد مختصرا معتبرا خاصّا بوفاة الوزير زين الدّين يعقوب بن الزّبير سنة ٦٦٨ بالسّجن، ذكره في المواعظ والاعتبار [١٨٦: ٤ - ١٨٧]. وأورد بين ورقتي (١٥٠ و، ١٥٠ ظ) اختيارات من «أخبار بني أيّوب» تأليف محمد بن علي بن عبد العزيز بن نظيف الحموي الكاتب تتّفق مع ما جاء في كتاب «التاريخ المنصوري» لابن نظيف الحموي؛ كما نقل أخبارا عن ملوك حمير بين
стр. 3433
ورقتي (١٥١ و- ١٥١ ظ) أعقبها (١٥١ ظ - ١٥٥ و) بتلخيص لما قيل في الدّرهم والدّينار من مختار كتاب «الدّنانير والدّراهم» لأبي بكر محمد بن خلف بن حيّان المعروف بوكيع، استخدمها في رسالته «شذور العقود في ذكر النّقود»، كذلك نقل بين ورقتي (١٥٥ ظ و ١٥٦ ظ) معلومات عن نقود الهند ومعاملة أهل خوارزم والقبجاق ومعاملة بغداد وعن خان بالق من بلاد الخطا.
ونقل المقريزي بين ورقتي (١٥٧ و- ١٦٠ ظ): مختارات من «سيرة المأمون البطائحي»، وهذا الكتاب أحد أهمّ مصادر المقريزي عن العصر الفاطمي، واستعان بما ورد فيه في ثلاثة من مؤلّفاته هي: «المواعظ والاعتبار»، و «اتّعاظ الحنفا»، و «المقفّى الكبير» (١).
وأعقب ذلك (بين ورقتي ١٦١ و- ١٦٣ ظ) بذكر «الخبر عن جنكزخان» ومصدره فيه كتاب «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري، وإن لم يصرّح به، وهذا الكتاب هو أيضا مصدر المعلومات التي أثبتها المقريزي فيما دوّنه في فاتحة وخاتمة أجزاء نسخته من «المواعظ والاعتبار» عن «ملوك الهند» [فيما يلي ٤٤ - ٥٢] و «الخبر عن أجناس السّودان» [فيما يلي ٢٧ - ٢٨] و «الخبر عن الإمام الزّيدي القائم بصنعاء اليمن» [فيما يلي ٥٤ - ٥٥]، وهو كذلك - كما سبق أن أوضحت [فيما تقدم ٧٤: ٣ *]- المصدر الذي نقل عنه المقريزي أكثر عباراته وضوحا عن عصور سلاطين المماليك السّابقة عليه، وعلى الأخصّ وصف قلعة الجبل وخلع المماليك وأزيائهم. فقد كان في متناول المقريزي نسخة من الكتاب، هي النّسخة الموزّعة الآن بين مكتبات أحمد الثالث وآياصوفيا بإستانبول وجون ريلاندز بمانشستر، حيث سجّل المقريزي بخطّه على ظهريّة الأجزاء الثّالث والرّابع والخامس والسّادس والرّابع عشر والخامس عشر والسّابع عشر والتّاسع عشر والعشرين عبارته المعروفة: «انتقاه داعيا لمعيره أحمد بن علي المقريزي ٨٣١». وتدخّل المقريزي في نصّ العمري نفسه، حيث سمح لنفسه بتصحيح أوهام وقعت للعمري على هامش الكتاب. فعند حديث العمري على مدينة المنوفية قال: «وكانت منف المنسوب إليها هذا العمل هي مصر قديما»، فكتب المقريزي بخطّه على هامش النّسخة: «هذا وهم. منف التي هي مدينة أرض مصر في القديم إنّما هي أرض في طرف الجيزة تعرف بالبدرشين، لها عندي في كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار عدّة أخبار».
وعند حديث العمري على أبيار المسمّاه بجزيرة أبي نصر، كتب المقريزي على هامش النّسخة: «جزيرة بني نصر منسوبة إلى بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. وذلك أنّ بني
_________
(١) انظر نصوص من أخبار مصر لابن المأمون، حقّقها وكتب مقدّمتها وحواشيها ووضع فهارسها أيمن فؤاد سيّد، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ١٩٨٣.
стр. 3434
حماس بن ظالم بن جعيل بن عمرو بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن كانت لهم شوكة شديدة بأرض مصر، فكثروا حتى ملأوا أسفل الأرض وغلبوا عليها إلى أن قويت عليهم قبيلة لواتة من قبائل البربر، فاحتملت بنو نصر وسكنت الجدار وصارت أهل قرى في مكان عرف بهم وسط النّيل وهي جزيرة بني نصر - كذا فاعلم، ما هكذا تورد يا سعد الإبل».
يقف كلّ ذلك دليلا على أنّ المقريزي قد طالع كتاب «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري وانتقى منه فوائد في سنة ٨٣١ هـ في وقت كان قد انتهى فيه من تأليف القسم الأكبر من «المواعظ والاعتبار»، واستدرك منه - دون شك - ما أثبته عن وصف قلعة الجبل وخلع سلاطين المماليك، وما سجّله على فاتحة وخاتمة أجزاء نسخته من «الخطط» عن الحفصيين والسّودان والهند واليمن والإمام الزّيدي بصنعاء … ، وسمح لنفسه كذلك بتصحيح بعض ما وقع فيه مؤلّفه من أوهام، ومع ذلك فإنّه لم يشر إليه إطلاقا على امتداد صفحات كتابه؛ مثلما فعل مع غيره من معاصريه فكما قيل: «المعاصرة حجاب» [فيما تقدم ٧٥: ٣ *- ٧٦ *].
وفيما بين ورقتي (١٦٦ و- ١٧٤ ظ) سجّل المقريزي ستّة فصول تتعلّق ب «الذّرع والكيل والميزان»، و «حدّ المدّعي الذي يحتاج إلى بيّنة»، و «حكم اليهود والنّصارى الذين بمصر الآن»، و «ذكر اللّعن وما جاء فيه»، و «زيارة القبور والنّذر لها والعكوف عندها والقراءة عليها»، و «النّذر» ثم «معنى تعذيب الميّت بالبكاء عليه». وكلّها مسائل فقهية، فيما عدا الفصل الأوّل الذي سجّل فيه المقريزي فوائد اعتمد عليها في رسائله الصّغيرة: «شذور العقود» و «الأوزان والأكيال الشّرعية».
وفيما بين ورقتي (١٧٦ و- ١٨٤ و) أورد المقريزي تفسيرا لبعض الآيات القرآنية نقله من «الكشّاف» للزّمخشري دون إشارة، وهو من مصادره في «المواعظ والاعتبار» [فيما تقدم ٩٦: ١ *، ٤٣٥].
وختم المقريزي هذه الكرّاسة بترجمة مطوّلة لمعاصره يوسف بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر البيري، جمال الدّين البجاسي مشير الممالك الإسلامية (١)، ضمّنها بعد ذلك في كتابه الذي خصّصه لذكر تراجم معاصريه «درر العقود الفريدة» [٥٦٢: ٣ - ٥٧٢].
أمّا الكرّاسة الأخرى المحفوظة في مكتبة بلدية الإسكندرية (مكتبة الإسكندرية الآن Bibliotheca Alexandrina تحت رقم ٢١٢٥ د فكتبت على ورق معتاد وتتكوّن من ٥٣ ورقة (١٦ x ١٣ سم).
_________
(١) راجع لمزيد من التّفاصيل: Bauden، F.، «Maqriziana I: Discovery of an Autograph Manuscript of al-Maqrizi: Towards a Better understanding of his Method Description: «٦٨ - ٢١.pp (٢٠٠٣) ٢/ SeetionI MSR VII
стр. 3435
سجّل المقريزي على ظهريتها عددا من التّراجم سبقها بعبارة: «تكتب في التّاريخ الكبير إن شاء اللّه»، أي كتاب «المقفّى الكبير». وبدأ الكراسة بالصّيغة التالية:
«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين وصلواته وسلامه على سيّدنا محمد خاتم النبيّين وعلى أهله وأصحابه أجمعين. وبعد، فقد برز الأمر العالي - أعلاه اللّه تعالى - بكتابة ما كان من خبر الرّوك الحسامي والرّوك النّاصري. فنقول: يحتاج قبل ذكر ذلك إلى ما كانت عليه الحال قبل الرّوك ليعرف به كيف كان سبب عمل الرّوك، واللّه أسأل التّوفيق والإعانة بمنّه وكرمه.
«فصل فيما كان يعمل في أراضي مصر قبل الإسلام» وفي ورقة ٣ و: «وأمّا في الملّة الإسلامية … حتى ورقة ٥ ظ - ٦ وحيث ختمها بالعبارة التالية:
«وبلغت المكوس في وزارة الصّاحب شرف الدّين هبة اللّه بن صاعد الفائزي في سنة ثمان وأربعين وستّ مائة في السّنة ستّ مائة ألف دينار، وكانت جهاتها كثيرة جدّا قد ذكرتها في كتابي المسمّى كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار». وأمّا الرّوك الحسامي [ثم ترك بقيّة الصّفحة بياضا].
وبدأ ورقة ٦ ظ ب «فوائد من تاريخ دمشق لأبي القاسم بن عساكر الحافظ» تستمر حتى ورقة ٧ ظ، ثم يوجد خرم بين ورقتي ٧ ظ و ٨ و. وبدأ ورقة ٨ ظ بعبارة «أهل مصر إذا تخاصموا هذا حكمه في الشّرع كذا وحكمه في السّياسة كذا».
وبعد ذلك عدّة تراجم في ورقة ٩ ظ سبقها بعبارة «يكتب إن شاء اللّه في التاريخ الكبير عند تحريره»، أي «المقفّى الكبير». ثم يوجد بعد ذلك خرم بين ورقتي ٩ ظ و ١٠ والتي تبدأ في أثناء الحديث على تراجم الوزراء، وهي في ظنّي الموادّ التي كان يجمعها المقريزي لكتابه المفقود «تلقيح العقول والأراء في تنقيح أخبار الجلّة الوزراء» [فيما تقدم ١٦: ٤٥٢: ٢، ٨: ٧٢٣: ٣]، وتستمر حتى أثناء ورقة ١٧ وحيث نجد عنوان: «ذكر وزراء الملوك السّلجوقية» التي تنتهي في أثناء ورقة ٢١ ظ. وابتداء من ورقة ٢٢ ونجد تراجم لبعض الحكماء مثل: فيثاغورس وأفلاطون وزينون وديمقراطيس وسولون وبقراط تنتهي بنهاية ورقة ٢٤ ظ. وتبدأ ورقة ٢٧ وبعنوان: «ذكر من ولي حلب من سنة ثلاث مائة» ثم ذكر لولاة دمشق تنتهي بنهاية الكرّاسة.
***
لم يكتف المقريزي بتخصيص كرّاسات كاملة يسجّل فيها الفوائد التي انتقاها من كتب
стр. 3436
السّابقين ليستعين بها في سائر مؤلّفاته، بل سجّل على الأوراق البيضاء الموجودة في أوائل وأواخر أجزاء مؤلّفاته فوائد أخرى، مثلما فعل في نهاية الجزء الأوّل من كتاب «السّلوك لمعرفة دول الملوك»، المحفوظ بخطّه في مكتبة يني جامع بإستانبول برقم ٨٨٧ - وهي نسخة مليئة بالهوامش والطّيّارات - حيث نجد في نهاية النّسخة بين ورقتي ٢٥٣ ظ - ٢٥٤ ظ، «تعليقة نقلا من كتاب «أحكام القرآن» للشّافعي، يعقبها بين ورقتي ٢٥٥ و- ٢٥٧ و، «فصل في الجرح والتّعديل». وقد وجدت أنّ من الفائدة للقرّاء والباحثين أن أثبت فيما يلي جميع الفوائد والتّعاليق التي أثبتها المقريزي على نسخته الخاصّة من «المواعظ والاعتبار» والتي نقلها النّسّاخ بعد ذلك وأثبتوها كما هي على النّسخ المنقولة من خطّ المؤلّف.
فنجد في نهاية الجزء الأوّل:
الخبر عن الحفصيّين ملوك تونس
أوّلهم أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاني، وهنتانة من قبائل المصامدة. وهو أحد أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن تومرت، ولي ابنه عبد الواحد بن أبي حفص إفريقية عن بني عبد المؤمن في سنة ثلاث وستّ مائة، ومات سلخ ذي الحجّة سنة ثمان عشرة، فولي أبو العلاء من بني عبد المؤمن ومات، فعادت إفريقية إلى الحفصيّين وولي منهم عبد اللّه بن عبد الواحد بن أبي حفص سنة ثلاث وعشرين فاستناب أخاه أبا زكريا يحيى بفاس وأخاه أبا إبراهيم إسحاق ببلاد الجريد، فثار على عبد اللّه أهل فاس وقد قدمها وطردوه وولّوا أخاه أبا زكريا في سنة خمس وعشرين، فتنكّر بنو عبد المؤمن على أبي زكريا فأسقط اسم عبد المؤمن من الخطبة وأبقى اسم المهدي محمد بن تومرت، وخلع طاعة بني عبد المؤمن وملك إفريقية وخطب لنفسه وتلقّب ب «الأمير المرتضى» وفتح تلمسان والغرب الأوسط وبلاد الجريد والزّاب، ومات على بونة سنة سبع وأربعين، وترك أربعة أولاد: أبا عبد اللّه محمد، وأبا إسحاق إبراهيم، وأبا حفص عمر، وأبا بكر وكنيته أبو يحيى؛ وترك أخوين: أبا إبراهيم إسحاق، ومحمد اللّحياني ابني عبد الواحد بن أبي حفص.
فولي بعده ابنه أبو عبد اللّه محمد بن أبي زكريا وخلع بأخيه محمد اللّحياني، وكان صالحا منقطعا يتبرّك به، فجمع أبو عبد اللّه محمد المخلوع أصحابه في يوم خلعه وقتل عمّه واستقرّ في ملكه وتلقّب ب «المستنصر باللّه أمير المؤمنين أبي عبد اللّه محمد بن الأمراء الرّاشدين»، فوصل
стр. 3437
الفرنسيس بجموعه إلى إفريقية في سنة ثمان وستين فأهلكه اللّه وتفرّقت جموعه، وفرّ أخوه أبو إسحاق إبراهيم من أبي زكريا إلى تلمسان، وبقي المستنصر حتى مات ليلة الحادي عشر من ذي الحجّة سنة خمس وسبعين.
فملك ابنه يحيى بن محمد بن أبي زكريا وتلقّب ب «الواثق باللّه» وكان ضعيف الرّأي، فثار عليه عمّه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي زكريا بتلمسان فخلع نفسه واستقرّ أبو إسحاق في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وسبعين وخطب لنفسه ب «الأمير المجاهد»، وترك زيّ الحفصيين وبقي على زيّ زناتة، وعكف على اللّهو وفرّق المملكة على أولاده؛ فثار أولاده على الواثق المخلوع وذبحوه وذبحوا ولديه الفضل والطّيّب وبقي له ابن يعرف بأبي عصيدة.
ثم ظهر رجل ادّعى أنّه الفضل بن الواثق الذي ذبح مع أبيه، واجتمع عليه النّاس وقصدوا أبا إسحاق إبراهيم، ففرّ إلى بجاية، وبها ابنه أبو فارس عبد العزيز فأقرّ أباه ببجاية وخرج بإخوته وجمعه إلى محاربة الدّاعي بتونس، فانهزم منه وقتل وقتل معه ثلاثة من إخوته، ونجا له أخ اسمه يحيى وعمّه أبو حفص عمر بن أبي زكريا. وبعث الدّاعي إلى بجاية فقتل أبا إسحاق إبراهيم وحمل رأسه إليه، فاجتمع العرب على عمر بن أبي زكريا بعد هزيمته من المعركة وقصدوا الدّاعي بتونس فاستتر في بيت تاجر وقبض عليه فاعترف بأنّه دعيّ وأنّه من بجاية واسمه أحمد بن مرزوق بن أبي عمّار فضرب عنقه، وكان أبوه يتّجر إلى بلد السّودان وسافر مجازفا وقدم مصر ونزل دار الحديث الكاملية من القاهرة ثم عاد إلى المغرب، فلمّا مرّ بطرابلس وجد رجلا أسود يقال له نصر من خواصّ الواثق المخلوع قد هرب، وكان الدّعيّ شبيها بالفضل بن الواثق، فدبّر مع نصر الأمر فشهد له أنّه الفضل بن الواثق وجمع العرب عليه حتى كان ما قد ذكر. وكان الدّعيّ يخطب له ب «الخليفة المنصور باللّه القائم بحقّ اللّه أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين أبو العبّاس الفضل». ولمّا استقرّ أبو حفص عمر في المملكة قيل تلقّب ب «المستنصر باللّه أمير المؤمنين» وهو المستنصر الثّاني. وصار في أيّامه ابن أخيه يحيى بن إبراهيم بن أبي زكريا الذي سلم في المعركة وملك بجاية وتلقّب ب «المنتخب لإحياء دين اللّه أمير المؤمنين». ولم يزل أبو حفص عمر بن أبي زكريا في مملكته حتى مات في أوّل المحرّم سنة خمس وستين بعد ما بايع لابن له صغير، ثم أبطل البيعة له وبايع أبا عصيدة، وهو أبو عبد اللّه محمد بن الواثق المخلوع وتلقّب ب «المستنصر»، ومات في أيّامه المنتخب يحيى صاحب بجاية وملكها بعده ابنه خالد.
ومات أبو عصيدة سنة تسع وسبع مائة، فملك بعده أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي
стр. 3438
بكر بن أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص ثمانية عشر يوما. ووصل خالد ابن المنتخب من بجاية إلى تونس وقتل أبا بكر هذا، وكان زكريا اللّحياني بمصر، فسار مع عسكر السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون إلى طرابلس الغرب وبايعه العرب، وتوجّه بهم إلى تونس فخلع خالدا وحبس ثم قتل قصاصا بأبي بكر بن عبد الرحمن.
واستقرّ اللّحياني في المملكة، وهو أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد اللّحياني الزّاهد ابن عبد الواحد بن أبي حفص، فثار عليه أبو بكر بن يحيى المنتخب ففرّ منه إلى مصر وأقام بالإسكندرية، وملك أبو بكر تونس وما معها - خلا طرابلس والمهديّة - فإنّه لمّا فرّ اللّحياني إلى مصر بايع ابنه محمد لنفسه وحارب أبا بكر فانهزم، واستقرّ محمد اللّحياني بالمهديّة وله طرابلس معها. كان استيلاء أبي بكر وهرب اللّحياني إلى مصر في سنة تسع عشرة، ثم وردت مكاتبات أهل تونس على اللّحياني في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين بعزل أبي بكر، وأنّهم بايعوا بابنه محمد بن أبي بكر صهره ويستدعونه (١).
_________
(١) استعان المقريزي بالمادة التي جمعها عن ملوك الحفصيين في تحرير ترجمة السّلطان أبي فارس عبد العزيز ابن أحمد بن محمد بن السّلطان أبي العبّاس الهنتاني المصمودي الحفصي ملك تونس وعامّة إفريقية في درر العقود الفريدة ٢٧٨: ٢ - ٢٩٢.
وأهمّ مصادر تاريخ الدّولة الحفصيّة هي: كتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر» لابن خلدون، الذي يبدو أنّه مصدر اقتباس المقريزي، وكذلك كتاب «الفارسيّة في مبادئ الدّولة الحفصيّة» لابن القنفذ القسنطيني، المتوفى سنة ٨١٠ هـ/ ١٤٠٧ م (نشره محمد الشّاذلي النّيفر وعبد المجيد التركي، تونس - الدار التونسية للنشر ١٩٦٨ م)؛ وكتاب «الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة» لابن الشّمّاع، المتوفى بعد سنة ٨٦١ هـ/ ١٤٥٦ م (حقّقه محمد ابن الطاهر المعموري، تونس - الدار العربية للكتاب ١٩٨٤ م)؛ ثم كتاب «تاريخ الدّولتين الموحّدية والحفصيّة» المنسوب لمحمد بن إبراهيم الزّركشي، المتوفى سنة ٨٩٤ هـ/ ١٤٨٨ م (حقّقه محمد ماضور، وصدر في تونس عن المكتبة العتيقة سنة ١٩٦٦ م)؛ وكذلك ابن فضل اللّه العمري: وصف إفريقية والمغرب والأندلس أواسط القرن الثامن للهجرة مقتطف من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل اللّه العمري، عني بنشره والتعليق عليه حسن حسني عبد الوهاب، تونس - منشورات مجلة البدر ١٩٠٥ م؛ القلقشندي: صبح الأعشى ١٢٦: ٥ - ١٣٣.
أمّا أهمّ الدّراسات الحديثة التي تناولت تاريخ الحفصيين فدراسة رويير برنشفيك Brunschvig، R.، La Berberie orientale sous les Hafsides des origines a la fin du XV siecle، I-II، Paris ١٩٤٠ - ٤٧ (نقلها إلى العربية حمّادي السّاحلي بعنوان «تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن ١٣ إلى نهاية القرن ١٥ م»، ١ - ٢، بيروت - دار الغرب الإسلامي ١٩٨٨)؛ وانظر كذلك Idris، H.R.، El ٢، art.Hafsides III، pp. ٦٨ - ٧٢
стр. 3439
الخبر عن أجناس السّودان
اعلم أنّ السّودان أهل الإقليم الثاني وما وراءه إلى آخر الأوّل، بل وإلى آخر المعمور متّصلون ما بين المغرب والمشرق، فيجاورون بلاد البربر بالمغرب وإفريقية وبلاد اليمن والحجاز والبصرة وما وراءها من بلاد الهند بالمشرق. وهم أصناف وشعوب وقبائل، أشهرهم بالمشرق: الزّنج والحبشة والنّوبة.
ف «الحبشة» من ولد حبش بن كوش بن حام. و «النّوبة» من ولد نوبة بن كوش بن كنعان ابن حام، وقيل من ولد نوبا بن فوط بن بيصر بن حام. و «الزّنج» من ولد زنجي بن كوش، وسائر الأساود من ولد فوط بن حام وقبائلهم تسع عشرة أمّة.
«الزّنج» وهم على بحر الهند لهم مدينة منبسّة، وهم مجوس وقاموا مع الدّعي بالبصرة في خلافة المعتمد. ويليهم بربرا، وفشا الإسلام فيهم، ولهم مدينة مقدشو على البحر الهندي. ومن غربيهم وجنوبهم الدّمادم، وهم حفاة عراة، وخرجوا إلى بلاد الحبشة والنّوبة عند خروج الطّطر إلى العراق بعد الستّ مائة فعاثوا فيها ثم رجعوا. ويليهم «الحبشة»، وهم أعظم أمم السّودان، ويجاورون اليمن على شاطئ البحر العربي ويدينون بالنّصرانية. وفي شمال الزّنج والحبشة قبائل البجا، وهم نصارى ومسلمون، ولهم جزيرة سواكن. ويليهم غربا «النّوبة» ولهم مدينة دمقلة غرب النّيل وأكثرهم نصارى. ويليهم زغاي وهم مسلمون ومن شعوبهم تاجو. ويليهم الكانم، وهم خلق عظيم والإسلام غالب عليهم، ومدينتهم إنجمي، وأوّل من أسلم من ملوكهم محمد ابن عبد اللّه بن عثمان بن محمد بن أميّ، ويزعم أنّه من نسل سيف بن ذي يزن، وأنّ بينه وبينه نحوا من أربعين ملكا وهو بدوي رحّال؛ وإذا جلس سجد له أهل دولته وانبطحوا على وجوههم، وبلغ عسكره مائة ألف ما بين فارس وراجل وحامل. وبين إنجمي إلى يلملم خلق كثير كفّار، ويجاور ملك إنجمي - وهو ملك الكانم - خمسة ملوك، وخيلهم صغار.
و «الكانم» إقليم كبير يمرّ فيه النّيل النّازل لغانه، وبين إنجمي وأوّل ملك التاجو عدّة مراحل. وهناك أمم من السّودان عراة منهم أهل أكلا، وملكهم قوي عادل؛ ومنهم افنو واسم ملكهم سور - وهو شديد الغيرة على حرمه - ويليه ملك آخر يقال له منيو، وبعدها أمّة يقال لها كانكوما ثم كانكوام ثم انقرم، ثم أمّة أكثر من هؤلاء يقال لهم بدي وملكهم زابومي، ويليه ملك كبير يقال له هرذي وقبيلة يقال لهم أنكرز، وهم كثير، أهل بقر وغنم وفيلة، ثم قبيلة
стр. 3440
مناذي ومامي واسهم وقبائل أنفنا وتاعلم ومكبي، وهم عراة كلّهم يسخرون ممّن يلبس. وما بني قبيل كبير، وهناك قبيل أكبر منهم يقال لهم كالين في بلادهم شجر كبار وبرك من النّيل؛ وغزاهم ملك كانم من إنجمي - في حدود خمس وستّ مائة - فقتل وسبى. ومن ورائهم في الغرب قبائل كثيرة إلى كوكو وأدرمي فيما يليهم ودفومو فيها مساجد للمسلمين وسلطانها عادل. وقبيلة أنكلايا كفّار وهم أهل إبل ولباسهم الجلود، وقبيل نوكامي أوّل بلاد التّاجو أهل نخل وشربهم من ماء النّيل. والتّاجو حبش من زغاوة يعبدون الحجارة ويحاربون أهل واتكو، وبلدهم على عشر مراحل شرقي أنجيم، وعليها يمرّ النّيل إلى مصر، ومن أنجيم في الغرب بلاد البربر الملثّمين أربعون مرحلة على شاطئ النّيل إلى مدينة نادملة، ومنها إلى كوكو عشر مراحل، ومن كوكو إلى غانة عشرون مرحلة، ووراء ذلك البحر المحيط.
وبعد التّاجو مدينة دمقلة قاعدة النّوبة، وفي شمال الكانم بلد فزّان وأهلها بربر وتنتهي إلى زويلة في جنوب برقة.
والكانم أعظم ملوك السّودان، وفي غربهم كوكو وبعدهم نقازة والتّكرور ولمي وتميم وجاي وانكراز ويتّصلون بالبحر المحيط إلى غانة في الغرب.
وكانم كرسي، وبرنو كرسي، ويقال لهما جميعا زغاي، يتّصل بهما جنوبا الحبشة وشرقا النّوبة وشمالا بلاد برقة وغربا التّكرور. وكان ملكهم في حدود سنة سبع مائة الحاج إبراهيم من ولد سيف بن ذي يزن وملك كرسي كانم وكرسي برنو، وملك بعده ابنه الحاج أدرير، ثم أخوه داود بن عمر ابن أخيه الحاج إدريس، ثم أخوه عثمان بن إدريس وكان قبيل سنة ثمان مائة؛ وانتقض عليهم أهل كانم وارتدّوا، وبقيت برنو في مملكتهم، وهم مسلمون مجاهدون لأهل كانم ولهم اثنا عشر مملكة.
وكان ملك غانة أعظم الملوك، ثم غلب عليهم الملثّمون فتلاشى ملكهم وغلب عليهم أهل صوصو، ثم قوي أهل مالي وملوكهم. وقد ذكرنا أخبار مالي وملوكها في كتاب «درر العقود الفريدة» في ترجمة منسا موسى (١).
_________
(١) المقريزي: درر العقود الفريدة ٤٩٦: ٣ - ٤٩٩ (ومصدره فيها ما ذكره ابن فضل اللّه العمري في مسالك الأبصار)، ومنسا تعني السّلطان بلغتهم.
وراجع كذلك ابن فضل اللّه العمري: مسالك
стр. 3441
حديث غدير خمّ
وفي أوّل الجزء الثّاني:
حديث غدير خمّ (١)
أخرجه النّسائي وابن حبّان والحاكم من رواية الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطّفيل عن زيد بن أرقم. ورواه النّسائي أيضا من رواية شريك: قلت لأبي إسحاق: أسمعت البراء يحدّث عن رسول اللّه ﷺ أنّه قال يوم غدير خمّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»؛ قال: نعم. وأخرجه ابن أبي شيبة، وأبو يعلى والبزّار عن شريك عن إدريس بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة، وتابعه عكرمة بن إبراهيم عن إدريس عن الطّبراني. ورواه الطّبراني أيضا من طريق سليمان بن [] أبي إسحاق عن حبشي ابن جنادة. وأخرجه النّسائي أيضا من طريق مهاجر بن سيّار عن عائشة بنت سعد عن أبيها، أنّ النّبيّ ﷺ أخذ بيد عليّ يوم غدير خمّ فقال: «من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه». وأخرجه الحاكم من رواية مسلم الملاّني عن خيثمة بن عبد الرحمن عن سعد ابن مالك نحوه.
وفي الباب عن ابن عمر من طريق عطيّة عنه، والبزّار من طريق جميل بن عمارة عن سالم عن أبيه. وعن أنس أخرجه الطّبراني في «الصّغير» من رواية طلحة بن مصرّف عن عميرة بن سعد قال: شهدت عليّا على المنبر يناشد الصّحابة من سمعه يقول يوم غدير خمّ، قال، فقام اثنا عشر منهم أبو هريرة وأبو سعيد وأنس. وعن جرير أخرجه الطّبراني مطوّلا. وعن طلحة أخرجه الحاكم من رواية رفاعة بن إياس الضّبّي عن أبيه عن جدّه قال: كنّا مع عليّ يوم الجمل فبعث إلى طلحة
_________
= الأبصار (ذكر الممالك، الأبواب من الثامن إلى الحادي عشر)؛ القلقشندي: صبح الأعشى ٢٧٣: ٥ - ٣٠٧. وقد اعتمد المقريزي في كتابه «الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام» على ما أورده ابن فضل اللّه العمري عن الحبشة في كتابه «مسالك الأبصار» (انظر فيما تقدم ٤٩: ١ * هـ ٤ و ٧٤: ٣ *- ٧٥ *).
والمعلومات التي أوردها المقريزي هنا عن أجناس السّودان وممالك النّوبة والحبشة والكانم ومالي استمدّ أغلب معلوماتها كذلك من كتاب «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري (انظر - Gaudefroy-Demombynes، Masalik el-absar fi mamalik el-amsar d'Ibn Fadl Allah al-'Omari، I-L'Afrique، moins (l'Egypte Paris ١٩٢٧، pp. ١ - ٩٥.، ونشر صلاح الدّين المنجّد ما ذكره ابن فضل اللّه العمري عن مالي في كتابه «مملكة مالي عند الرحّالين والجغرافيين المسلمين»، بيروت - دار الكتاب الجديد ١٩٦٣.
(١) لم تشر أغلب المصادر التي تناولت سيرة الرّسول ﷺ مثل: ابن هشام وابن سعد والطّبري إطلاقا إلى توقّف الرّسول ﷺ في غدير خمّ. وإذا أشارت إلى ذلك فإنّها لا تتحدّث عن خطبته في هذا اليوم، (فقد خشي هؤلاء المؤلّفون قطعا من استعداء أهل السّنّة - أصحاب السّيادة في ذلك الوقت - عليهم، بتعزيز الجدل الشّيعي حول هذه الخطبة التي اعتمد عليها الشّيعة لدعم نظريتهم في أحقيّة الإمام علي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة). إلاّ أن نصّ عبارات الرّسول ورد في مدوّنات الحديث وعلى الأخصّ «مسند» الإمام أحمد بن حنبل و «سنن» النّسائي و «سنن» أبي داود و «سنن» التّرمذي.
راجع، ابن حنبل: المسند، نشرة أحمد محمد شاكر، حديث رقم ٩٥٠ - ٩٥٢، ٩٦١، ٩٦٤؛ ابن كثير: البداية والنهاية ٢٠٨: ٥ - ٢١٤؛ Veccia Vaglieri،، L.، El ٢ art.Ghadir Khumm pp. ١٠١٥ - ١٧، وفيما تقدم ٢٩٨: ٢ - ٢٩٩.
стр. 3442
فقال له: نشدتك باللّه ألم تسمع رسول اللّه ﷺ يقول فذكره؟ قال: نعم، قال: فلم يقابلني، قال: لم أذكر، وانصرف طلحة.
وعن جابر أخرجه أبو يعلى والطّبراني في «مسند الشّاميين» من طريق ابن لهيعة عن بكر ابن سوادة عن قبيصبة بن ذؤيب وأبي سلمة عن جابر، وعن حذيفة بن أسيد أخرجه الطّبراني.
وجمع ابن عقدة طرف حديث غدير خمّ فأخرجه من رواية جماعة أخرى من الصّحابة مع هؤلاء منهم: عمّار بن ياسر، والعبّاس وابنه، والحسن والحسين ابنا عليّ، وعبد اللّه بن جعفر، وسلمان الفارسي، وسمرة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن حارثة، وأبو رافع، وزيد بن ثابت الأنصاري، ويعلى بن مرّة، وآخرون.
قال أبو زيد عمر بن شبّه البصري في كتاب «أخبار البصرة» ومنه نقلت: حدّثنا أبو زيد، حدّثنا خلف بن الوليد، حدّثنا أبو معشر عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر قال: كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطّاب: إنّا فتحنا جبل أصبهان فوجدنا فيه جبنا كثيرا فزعم أهله أنّهم يصنعون الأنفحّة ميتة فقال عمر: إنّما هو لبن أو، اذكر اسم اللّه عليه وكل.
عن الحسن قال: قدم راكب على أبي موسى الأشعري فقيل له: هذا سابق الحاج، فقال أبو موسى: واللّه ما أراك أكملت وضوءك ولا أحسنت صلاتك، ثم أمر رجلا فأخذ بيده وقال: قل هذا راكب الحاج.
قال موسى بن أنس: خطب أبو موسى الأشعري إلى أنس بن مالك بعض بناته، فقال: أما إني أخطب إليك وقد عرفت أنّ النّساء يباعدن بين القريب ويقربن بين البعيد. قال أبو المنذر هشام ابن محمد الكلبي في كتاب «جمهرة النّسب»: والبراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم ابن حارثة صاحب شهادة علي بن أبي طالب، وذلك أنّ عليّا ﵁ قال على المنبر:
نشدت اللّه رجلا سمع رسول اللّه ﷺ يقول يوم غدير خمّ، قال: «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»، إلاّ قام فشهد؛ وكان تحت المنبر أنس بن مالك والبراء بن عازب وجرير بن عبد اللّه، فأعادها، فلم يجبه أحد، قال عليّ: اللّهم من كتم الشّهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدّنيا حتى تجعل به آية يعرف بها، فبرص أنس بن مالك، وعمي البراء بن عازب، ورجع جرير أعرابيّا بعد هجرته فأتى السّراة فمات في بيت أمّه.
روى أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنّفه» عن عمر بن الخطّاب ﵁: أن العبد إذا تواضع للّه رفع اللّه حكمته، وقال: انتعش نعشك اللّه، فهو في نفسه صغير وفي أنفس النّاس
стр. 3443
كبير، وإنّ العبد إذا تعظّم وعدا طوره هضبه اللّه إلى الأرض، وقال اخسأ خسأك اللّه فهو في نفسه كبير وفي أنفس النّاس صغير حتى لهو أحقر عندهم من خنزير. وأخرجه الدّارقطني في «العلل» مرفوعا من حديث ابن عبّاس وقال: لا يثبت فيه عليّ بن زيد وهو ضعيف.
الطّبراني من حديث أبي وائل عن ابن مسعود رفعه «سيكون في آخر الزّمان قوم يجلسون في المساجد حلقا مناهم الدّنيا، لا تجالسوهم فليس للّه فيهم حاجة»، وفيه يرفع أبو الخليل رواية عن الأعمش عن ابي وائل وهو متروك.
وأخرجه ابن حبّان في «صحيحه» من طريق عيسى بن يونس عن الأعمش بلفظ: «سيكون في آخر الزّمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس للّه فيهم حاجة». وفي «الباب» عن أنس رفعه: «يأتي على النّاس زمان يتحلّقون في مساجدهم وليس همّهم إلاّ الدّنيا، لا تجالسوهم فليس للّه فيهم حاجة» أخرجه الحاكم من طريق الثّوري عن عون عن الحسن عنه.
ابن المبارك في كتاب «الزّهد» حدّثنا يونس بن يزيد عن الزّهري، قال: بلغنا أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «لا تمكر ولا تعن ماكرا، فإنّ اللّه يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلّا بِأَهْلِهِ﴾، ولا تبغ ولا تعن باغيا فإنّ اللّه يقول: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [الآية ٢٣ من سورة يونس]، ولا تنكث ولا تعن ناكثا فإنّ اللّه يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [الآية ١٠ من سورة الفتح].
إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن جرير عن برد بن سنان عن مكحول رفعه: «أعجل الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ عقابا البغي، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع». ورواه أبو يعلى عن عائشة موقوفا. إسحاق في «مسنده» والطّبراني والبخاري في «الأدب المفرد» من حديث بكّار بن عبد العزيز عن أبيه عن جدّه رفعه: «كلّ الذّنوب يؤخّر اللّه منها ما شاء إلى يوم القيامة إلاّ البغي وعقوق الوالدين فإنّه يعجّل لصاحبه في الدّنيا قبل الموت». أبو نعيم وابن المبارك في
стр. 3444
«الزّهد» والبيهقي في «الشّعب» عن مجاهد، وبعضهم: مجاهد عن ابن عبّاس، «لو بغى جبل على جبل لدكّ البناء … ».
مجاهد الدّين خالص مقدّم العسكر في أيّام الخليفة النّاصر أبي العبّاس أحمد بن المستضيء بأمر اللّه كان كريما عمل يوما سماطا للأمراء وأرباب الدّولة ببغداد فخلع على الجميع وأنفق على الطّبق خاصّة خمسة عشر ألف دينار ولم يحصر ما أعطى من الخلع والخيل والتّحف، وذلك في سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
ذكر حرس رسول اللّه ﷺ
يزيد بن هارون أخبرنا يحيى بن سعيد أنّه سمع عبد اللّه بن عامر بن ربيعة يحدّث أنّ عائشة ﵂ كانت تحدّث أنّ رسول اللّه ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه، فقالت: ما لك يا رسول اللّه؟ قال: «ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني اللّيلة»؛ فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوت السّلاح، فقال: «من هذا؟» قال: أنا سعد بن أبي وقّاص (١)، قال: «فما شأنك؟» فقال: جئت لأحرسك يا رسول اللّه. قالت: فسمعت غطيط رسول اللّه في نومه (٢).
وقال عطاء عن جابر بن عبد اللّه أنّه ذكر صلاة رسول اللّه ﷺ «صلاة الخوف»، قال جابر:
كما يفعل حرسكم هؤلاء بأمرائهم. وقال حربي بن عمارة عن محمد بن إبراهيم الهاشمي عن إدريس الأودي عن أبيه قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا صلّى في الحجر قام عمر بن الخطّاب على رأسه بالسّيف (٣).
عاصم بن أبي النّجود عن الحارث بن حسّان البكري قال: قدمت المدينة فإذا النّبي ﷺ على المنبر وإذا بلال قائم متقلّد بالسّيف، وإذا رايات سود، فقلت: ما هذه الرّايات؟ قالوا: هذا عمرو ابن العاص قدم من غزوة ذات السّلاسل.
عصمة بن بشير أخبرني القزع بن المقفع قال: خاض النّاس أنّ رسول اللّه ﷺ باعث خالد
_________
(١) في الأصل: بن مالك.
(٢) الخزاعي: تخريج الدلالات السّمعية، تحقيق أحمد محمد أبو سالمة، القاهرة - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ١٩٩٥، ٤٥٢.
(٣) نفسه ٤٥٣ - ٤٥٤.
стр. 3445
ابن الوعيد (كذا) إلى رقيق مصر يصدقهم، فأتيت رسول اللّه وهو على ناقة له ومعه أسود قائم، ما رأيت أحدا من النّاس أطول منه، قد حاذى رأسه برأس رسول اللّه، فلمّا دنوت إليه أهوى إليّ، فكفّه رسول اللّه ﷺ .
وقال القاسم: كان عبد اللّه يلبس النّبي ﷺ نعليه ثم يأخذ العصا فيمشي أمامه حتى إذا جلس أعطاه العصا ونزع نعليه فجعلهما في ذراعيه ثم استقبله بوجهه، فإذا أراد أن يقوم ألبسه نعليه ثم أخذ العصا فمشى قدّامه حتى يلج الحجرة أمام رسول اللّه ﷺ .
نقلت هذه الأسطر التي أوّلها: اشتمل هذا الجزء من الصّفحة التي تليها.
اشتمل هذا الجزء على من ولي مدينة مصر من الأمراء وعلى ذكر الخلفاء الفاطميين وذخائرها وتحفها وجواهرها وتفرّقاتها ورسومها وكسواتها ورقومها ورواتبها في خزائن كسواتها، ومؤنات مطابخها وأخبار دعواتها وأوقات مهمّاتها ومغاني مجالسها وأيّام محاضرها وركوبها وهيآت مواسمها وتجمّلات أعيادها ورسوم جميع طارئها وراتبها واحتفالها في مواكبها وحليّ مراكبها وأزيائها المختلفة في لباسها في أيّام ركوبها وفي أيّام أعيادها في أوقات طروق مساجدها وجوامعها، ومشاهد تعازيها وجنائزها وفي أوقات أفراحها وركوب صيدها ومجالس أنسها وتقدير العدد الذي كان يحيط قصرها وتشتمل عليه مواكبها، وأحوال وزرائها ومراتب جهاتها ورواتبها وأقدار أستاذيها وخدمها ووظائف إطلاقاتها ومقتضى تقليداتها، وإطلاق أيدي وزرائها ومبادي أحوالهم إلى أن ترقّوا إلى وزراتها وعواقب أمورهم عند استحالة الدّنيا عن حالاتها، وأحوال أصحاب دواوينها وكتّابها، وتلك المجالس التي كانت تدرّس في مدارسها والطّلبة وما ينقلون عن مشايخهم ومن طار منهم ومن وقع ومن ارتفع منهم ومن اتّضع، وقضايا الأمراء في تقدير أرزاقهم وأسبابها وتفاوت رتب أمثالها وذوي أطواقها وذوي أقصابها وآدر ضيافاتها ودار فطرتها، وتفرقات أضحيتها وغرّة سنتها، وما أحاط به دفتر مجلسها، والقائمون بمصادراتها، والتّأويلات التي في عقائدها ومعاملاتها وذكر مذاهبها ودياناتها والعواقب لمسيئها لينتهي من ينتهي إلى الخير من أهل الشّرّ وحسن عواقب المحسن ليستبصر من يسمع بالخير من أهل الإحسان.
وفي هذا إن شاء اللّه ثواب وصواب، فهذا المعنى مراد اللّه تعالى بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ﴾. وإن تاقت نفسك إلى أبسط من هذا فانظر كتابنا المسمّى كتاب «اتّعاظ الحنفا بأخبار الخلفا» وكتاب «عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط» وكتاب «السّلوك لمعرفة دول الملوك»، تجد فيها لك عن غيرها غنيان وقنيان، وفوق كلّ ذي علم عليم.
стр. 3446
فوائد
إذا سحق الطّلق وقطر عليه ماء الهندبا حتى يبلّه وترك تحت النّدى ليلة انحلّ.
إذا أخذ جير بغير طفي وزرنيخ أصفر وقلي أجزاء متساوية، وعمّرت بمثل وزنها أربع مرّات ماء ثم غليت بنار ليّنة حتى يأخذ حرّها وصفّي الماء فإنّه إذا طلي منه على الشّعر أزاله، ثم يدهن موضعه بدهن لوز.
إذا دقّ ورق الأثل مع القلي وعجنا بماء ثم كتب بذلك على العقيق وقرّب من النّار ظهرت الكتابة.
وإذا خلط لبن حامض وماء ليمون وسمّاق، وذرّ عليهم زراوند مسحوق وطلي على شعر أسود بيّضه.
إذا سحقت باذنجانة بيضاء وكرّاث المائدة بزيت أو دهن خروع حتى يبقى كالمرهم ودهنت به البواسير برئت.
وإذا خلط ماء البصل بشحم البطّ وفتر على نار ليّنة ثم قطّر في الأذن التي فيها ماء خرج منها.
وإذا خلط قشر البيض وبشارة الأديم وسحقا ثم نفخا في الأنف انقطع الرّعاف … (١).
وكتب بعد ذلك:
لطيفة
إنّما استنقص النّاس المعلّمين لأمرين: أحدهما، أنّهم يقصرون زمانهم على معاشرة الصّبيان الذين لا عقول لهم، فإذا فارقوهم خلوا بنسائهم وذراريهم فيؤثّر ذلك على تطاول الأيّام في عقولهم ويضرّ بها وينقص منها؛ كما أنّ من عاشر العلماء والحكماء والفضلاء من غير أن يخالط سواهم ازداد بذلك عقله وقويت بصيرته ونبل رأيه.
_________
(١) هذا أنموذج من الفوائد التي سجّلها المقريزي بخطّه في فاتحة المجلّد الثّالث من نسخته من الخطط.
стр. 3447
ثانيهما، أنّ المعلّمين لمّا أرصدوا أنفسهم لتعليم الصّبيان ابتغوا على تعليمهم جعلا، ثم لمّا كثروا صار كلّ واحد منهم يرضى عن العمل الكثير والشّغل الطّويل بالجعل اليسير، خوفا من أنّه إن لم يجب إلى التّعليم بما جعل له من الجعل الضّعيف أجاب صاحبه. وهم مع ذلك يطمعون في أطعمة الصّبيان فيغالبونهم عليها ويجعلهم الشّره على ضروب من التّذلّل؛ من رضي بمثله لنفسه لم يوقّر ولم يبجّل.
فكان اتّضاعهم من هذا الوجه لا من قبل تعليمهم القرآن، فإنّ نفس التّعليم يوجب التّفضيل والتّشريف؛ ومن احتقر معلّما لأجل تعليمه خيف عليه، فقد بعث اللّه تعالى جبريل ﵇ ليعلّم النّبي ﷺ القرآن وقد علّمه شديد القوى، وما تعلّمه أوّل من تعلّمه من الأمّة إلاّ من رسول اللّه ﷺ ، فكيف يجوز لأحد أن يترفّع عن تعليمه أو يحتقر من يقصد التّعليم.
النّهي عن سؤال النّاس صدقاتهم في المساجد
عن عمر ﵁ لا تسألوا النّاس في مساجدهم، ولكن سلوهم في منازلهم، فمن أعطى أعطى ومن منع منع. وعن الحسن يرفعه قال: ينادي مناد يوم القيامة: «ليقم بغيض اللّه فيقوم سؤّال المساجد». ورأى عائذ بن عمرو رجلا يقرأ ويسأل فعلا رأسه بالسّوط ضربا حتى سبقه عدوا ثم قال: ما كنت أرى أن أبقى حتى أرى أحدا يسأل بكتاب اللّه شيئا.
وكان الحسن يجلس السّؤّال يوم الجمعة عند الخطبة.
وسمع مسروق رجلا يقول: أين الزّاهدون في الدّنيا الرّاغبون في الآخرة، فقال: إنّي لأكره أن أعطي مثل هذا الرّجل. وكان سلمة إذا سئل بوجه اللّه أنف وقال: إذا لم نعط بوجه اللّه فبماذا نعطي، وكان يقول: هي مسألة إلحاف.
وقام رجل في مسجد فيه عويم بن ساعدة - أحد من شهد بدرا - فقال: إنّي أسألكم بوجه اللّه الكريم، فقال عويم: كذبت قبّحك اللّه، ليس بوجه اللّه الكريم سألتنا، ولكن سألتنا بوجهك الرّقيق اللّئيم. وكره عطاء أن يسأل بوجه اللّه شيء إلاّ ما كان من أمر الآخرة.
стр. 3448
معنى ليلة القدر
قيل معنى ليلة القدر، أي اللّيلة التي يقدّر اللّه لملائكته جميع ما يجري على أيديهم من تدبير أمور بني آدم، محياهم ومماتهم إلى ليلة القدر من السّنة الآتية. وقيل لها ليلة القدر - بسكون الدّال - لأنّه أريد به تفصيل ما قد جرى به القضاء وتحديده ليكون ما يلقى إلى الملائكة في السّنة مقدّرا بمقدار، وما كان على هذا المعنى فهو القدر بتسكين الدّال. يقال: قدرته أقدره قدرا، كما يقال حزرته أحزره حزرا، ومنه ﴿وَما قَدَرُوا اَللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الآية ٩١ سورة الأنعام]، أي: ما عظّموه حقّ تعظيمه وما عرفوه حقّ معرفته.
وقيل: معنى ليلة القدر تقدير كلّ ما ينزل من القرآن فيها إلى مثلها من السّنة القابلة، وأنّ معنى ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الآية ٤ سورة الدّخّان]، أي يفصّل أجزاء القرآن، فيكون ذلك الفصل وذكر الفرق أمرا حكيما. وقيل ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي: إنّها ليلة مباركة لأنّه مبارك فيها لأولياء اللّه، فإنّها جعلت خيرا من ألف شهر إذا أحيوها وقدروها حقّ قدرها بأن قطعوها بالصّلاة وتلاوة القرآن وذكر اللّه ولم يلهوا ولم يلغوا، فيكون ما فعلوه فيها من العبادة كأنّهم فعلوه في ألف شهر. ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي: كلّ أمر مبني على السّداد، والحكيم بمعنى محكم، وقيل: سائر ما يجري على أيدي الملائكة من تدبير أهل الأرض إنّما يكون في ليلة النّصف من شعبان فهي اللّيلة التي فيها يفرق كلّ أمر حكيم لا ليلة القدر التي في شهر رمضان التي هي خير من ألف شهر. وتسمّى «ليلة النّصف من شعبان» ليلة الصّك وليلة الآجال والأرزاق وليلة فكّ العاني ونصرة المظلوم.
ينبغي للصّائم أن يصوم بجميع جوارحه، فكما لا يأكل ولا يشرب ولا يجامع أهله، فكذلك يصوم ببشرته فلا يفضي بها إلى بشرة أهله بشهوة، وبعينه فلا ينظر لأهله بشهوة، وبقلبه فلا يتفكّر في محاسن أهله لئلاّ تغلبه الشّهوة فيفسد صومه أو تبدر منه الخيانة فيكون قد قضى شهوته وأبطل بترك الصّبر أجره. ويصوم أيضا بلسانه فلا يغتاب ولا يسبّ ولا يخاصم ولا يكذب ولا يدرج زمانه بإنشاد الأشعار ورواية الأسمار والمضاحك، والثّناء على من لا يستحق الثّناء، والمدح والذّمّ بغير حقّ. وبيده فلا يمدّها إلى باطل، وبرجله فلا يمشي إلى باطل، وبجميع قوى بدنه فلا يستعملها في باطل، قال رسول اللّه ﷺ : «من لم يدع قول الزّور والعمل به فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» إلى غير ذلك من كلامه.
стр. 3449
قال الحليمي في «المنهاج»: روي أنّ النّبي ﷺ ما صام العشر قطّ، ومعنى ذلك أنّه كان يجدّ في العمل فيستكثر فيه من الصّلاة وقراءة القرآن ليلا ونهارا، فلذلك ترك صيامه كما ترك صيام يوم عرفة بعرفة لأجل الوقوف والدّعاء، فمن كان فاعلا مثل ذلك فليفطر ومن لم يقدر عليه فالصّيام فيه عمل، فهو واجب إلى اللّه أن يتقرّب العبد إليه به من أن يكون مفطرا.
فائدة في رؤية الهلال
عن عليّ ﵁ إذا رأيت الهلال فلا ترفع به رأسا وقل: ربّي وربّك اللّه. وعن أبي مسعود الأنصاري: لأن أقع من فوق هذا القصر أحبّ إليّ من أن أصنع كما يصنع هؤلاء إذا رأوا الهلال كأنّهم يرون ربّهم. وعن ابن عبّاس ﵁ أنّه كان يكره أن ينتصب للهلال انتصابا، ولكن يعرض ويقول: اللّه أكبر الحمد للّه الذي ذهب بهلال كذا وجاء بهلال كذا. وعن عقبة بن عمرو: إذا رأى أحدكم الهلال فلا يرفع به رأسا فإنّما هو آية من آيات اللّه، واللّه لأن أقع من هذا القصر أحبّ إليّ من أن أقول فيه ما يقول رجال إذا رأوه، قال أحدهم: لا إله إلاّ اللّه كأنّه يرى ربّه، ولكن ليقل الرجل: «ربّي وربّك اللّه». وعن إبراهيم أنّه كان يكره إذا رأوا الهلال أن يستشرفوا له ويرفعوا رؤوسهم (١).
وجاء بآخر المجلّد الثّالث:
وقد وجد بخطّ المؤلّف ﵀ في أصله هنا ما صورته:
أمراء الغرب ببيروت
هم بيت حشمة ومكارم: مقامهم بجبال الغرب من بلاد بيروت، ولهم خدم على النّاس وتفضيل، وهم ينسبون إلى الحسين بن إسحاق بن محمد التّنوخي الذي مدحه أبو الطّيّب المتنبّي بقوله:
[الطويل]
شدوا بابن إسحاق الحسين فصافحت … ذفاريها كيزانها والنّمارق
ثم كان كرامة بن بجير بن علي بن إبراهيم بن الحسين بن إسحاق بن محمد التّنوخي. فهاجر إلى الملك العادل نور الدّين الشّهيد محمود بن زنكي، فأقطعه الغرب وما معه بإمرته، فسمّي «أمير الغرب». وكان منشوره بخطّ العماد الأصفهاني الكاتب.
_________
(١) هنا على هامش نسخة آياصوفيا رقم ٣٤٨٠: «هنا بياض قدر نصف سطر».
стр. 3450
فتحضّر الأمير كرامة بعد البداوة، وسكن حصن سلجمور من نواحي إقطاعه، وهو على تلّ عال بغير بناء. ثم أنشأ أولاده هناك حصنا، وما زالوا به.
وكان كرامة ثقيلا على صاحب بيروت، وذلك أيّام الفرنج، فأراد أخذه مرارا فلم يجد إليه سبيلا. فأخذ في الحيلة عليه، وهادن أولاده وسألهم حتى نزلوا إلى السّاحل، وألفوا الصّيد بالطّير وغيره، فراسلهم حتى صار يصطاد معهم، وأكرمهم وحبّاهم وكساهم، وما زال يستدرجهم مرّة بعد مرّة، ثم أخرج ابنه معه وهو شاب، وقال: قد غرمت على زواجه.
ثم دعا ملوك السّاحل وأولاد كرامة الثّلاثة فأتوه، وتأخّر أصغر أولاد كرامة مع أمّه بالحصن في عدّة قليلة. فامتلأ السّاحل بالشّواني والمدينة بالفرنج، وتلقّوهم بالشّمع والمغاني، فلمّا صاروا في القلعة، وجلسوا مع الملوك، غدر بهم وأمسكهم وأمسك غلمانهم وغرّقهم، وركب بجموعه ليلا إلى الحصن.
فانجفل الفلاّحون والحريم والصّبيان إلى الجبال والشّعرا والكهوف، وبلغ من بالحصن أنّ أولاد كرامة الثّلاثة قد غرقوا ففتحوه. وخرجت العجوز ومعها ابنها حجّي بن كرامة - وعمره سبع سنين - ولم يبق من بنيهم سواه. فأدرك السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وتوجّه إليه لمّا فتح صيدا وبيروت وباس رجله في ركابه. فلمس بيده رأسه وقال له: أخذنا ثأرك، طيّب قلبك أنت مكان أبيك. وأمر له بكتابة أملاك أبيه بستين فارسا.
فلمّا كانت أيّام المنصور قلاوون، ذكر أولاد تغلب بن مسفر الشّجاعي أنّ بيد الجبليّة أملاكا عظيمة بغير استحقاق ومن جملتهم أمراء الغرب. فحملوا إلى مصر، ورسم السّلطان بإقطاع أملاك الجبلية مع بلاد طرابلس لأمرائها وجندها، فأقطعت لعشرين فارسا من طرابلس. فلمّا كانت أيّام الأشرف خليل بن قلاوون قدموا مصر، وسألوا أن يخدموا على أملاكهم بالعدّة، فرسم لهم بها وأن يزيدوها عشرة أرماح.
فلمّا كان الرّوك النّاصري، ونيابة الأمير تنكز بالشّام، وولاية علاء الدّين بن سعيد كشف تلك الجهات، رسم السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون أن يستمرّ عليهم بستين فارسا، فاستمرّت على ذلك.
ثم كان منهم الأمير ناصر الدّين الحسين بن خضر بن محمد بن حجّي بن كرامة بن بجير ابن علي، المعروف بابن أمير الغرب، فكثرت مكارمه وإحسانه وخدمته كلّ من يتوجّه إلى تلك النّاحية. وكانت إقامته بقرية أعبية بالجبل، وله دار حسنة في بيروت. وتصل خدمته إلى كلّ غاد
стр. 3451
ورائح، ويهادي الأكابر والأعيان، مع رياسة كبيرة، ومعرفة عدة صنائع يتقنها، وكتابة جيّدة، وترسّل وعدّة فضائل. ومولده في محرّم سنة ثمان وستين وستّ مائة، وتوفي للنّصف من شوّال سنة إحدى وخمسين وسبع مائة وأخذ الإمرة بعده ابنه زين الدّين صالح ثم بعده ولداه أحمد ويحيى ابني صالح ثم بعدهما عثمان بن يحيى ثم بعده أخوه صالح بن يحيى.
ووجد أيضا بخطّه ما مثاله:
من أخبار اليمن
كان ابتداء دولة بني زياد أنّ محمّد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن زياد سلّمه المأمون، مع عدّة من بني أميّة، إلى الفضل بن سهل ذي الرّياستين؛ فورد على المأمون اختلال اليمن، فأثنى الفضل على محمّد هذا، فبعثه المأمون أميرا على اليمن، فحجّ ومضى إلى اليمن، وفتح تهامة بعد محاربته العرب، وملك اليمن، وبنى مدينة زبيد في سنة ثلاث ومائتين، وبعث مولاه جعفرا بهديّة جليلة إلى المأمون في سنة خمس، وعاد إليه في سنة ستّ ومعه من جهة المأمون ألفا فارس.
فقوي ابن زياد وملك جميع اليمن، وقلّد جعفرا الجبال، وبنى بها مدينة المذيخرة. فظهرت كفاءة جعفر لكثرة دهائه، فقتله ابن زياد، ثم مات محمد بن زياد. فملك بعده ابنه إبراهيم ابن محمد، ومات سنة ثلاث وأربعين وثلاث مائة، وملك بعد إبراهيم ابنه زياد بن إبراهيم، ثم ملك بعده أخوه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم وطالت مدّته وملك من الشّرجة إلى عدن، وبلغ خراجه مائة ألف دينار في السّنة، وبلغت قبالات زبيد مائتا ألف دينار، وأسنّ ومات سنة إحدى وسبعين وثلاث مائة، وترك طفلا اسمه زياد. فأقيم بعده، وكفلته أخته هند بنت إسحاق، وتولّى معها رشيد عبد أبي الجيش حتى مات.
فولي بعد رشيد عبده حسين بن سلامة - وكان عفيفا - فوزر لهند ولأخيها حتى ماتا.
ثم انتقل الملك إلى طفل من آل زياد، وقام بأمره عمّته وعبد لحسين بن سلامة اسمه مرجان، وكان لمرجان عبدان قد تغلّبا على أمره - يقال لأحدهما نفيس، وللآخر نجاح - فتنافسا على الوزارة، وكان نفيس عسوفا ونجاح رقيقا، وكان مرجان سيّدهم يميل إلى نفيس، وعمّة الطّفل تميل إلى نجاح، فشكا نفيس ذلك إلى مرجان، فقبض على الملك الطّفل إبراهيم وعلى عمّته تملّك، فبنى نفيس عليهما جدارا. فكان إبراهيم آخر ملوك اليمن من آل زياد، وكان القبض عليه وعلى عمّته سنة سبع وأربع مائة. فكانت مدّة بني زياد مائتي سنة وأربعا وستّين سنة.
стр. 3452
فعظم قتل إبراهيم وعمّته تملّك على نجاح، وجمع النّاس وحارب نفيسا بزبيد حتى قتل نفيس، وملك نجاح المدينة في ذي القعدة سنة اثنتي عشرة، وقال لسيّده مرجان: ما فعلت بمواليك وموالينا. فقال: هم في ذلك الجدار. فأخرجهما وصلّى عليهما ودفنهما، وبنى عليهما مسجدا، وجعل سيّده مرجان موضعهما في الجدار، ووضع معه جثّة نفيس، وبنى عليهما الجدار.
واستبدّ نجاح بمملكة اليمن، وركب بالمظلّة، وضربت السّكّة باسمه. ونجاح مولى مرجان، ومرجان مولى حسين بن سلامة، وحسين مولى رشيد، ورشيد مولى بني زياد. ولم يزل نجاح ملكا حتى مات سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة، سمّته جارية أهداها إليه الصّليحي. وترك من الأولاد عدّة، فملك منهم سعيد الأحول وإخوته عدّة سنين حتى استولى عليهم الصّليحي، فهربوا إلى دهلك.
ثم قدم منهم جيّاش بن نجاح إلى زبيد متنكّرا، وأخذ منها وديعة وعاد إلى دهلك. فقدمها أخوه سعيد الأحول بعد ذلك واختفى بها، واستدعى أخاه جيّاشا، وسارا في سبعين رجلا يوم التاسع من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين، وقصدوا الصّليحي وقد سار إلى الحجّ، فوافوه عند بئر أمّ معبد، وقتلوه في ثاني عشر ذي القعدة المذكور، وقتل معه ابنه عبد اللّه واحتزّ سعيد رأسيهما، واحتاط على امرأته أسماء بنت شهاب، وعاد إلى زبيد ومعه أخوه جيّاش، والرّأسان بين أيديهما على هودج أسماء، وملك اليمن.
فجمع المكرّم بن أسماء، في سنة خمس وسبعين، وسار من الجبال إلى زبيد وقاتل سعيدا، ففرّ سعيد، وملك المكرّم - واسمه أحمد - وأنزل رأس الصّليحي وأخيه ودفنهما، وولّى زبيد خاله أسعد بن شهاب، وماتت أسماء أمّه بعد ذلك في صنعاء سنة سبع وسبعين. ثم عاد ابنا نجاح إلى زبيد، وملكاها في سنة تسع وسبعين، ففرّ أسعد بن شهاب. ثم غلبهما أحمد المكرّم بن علي الصّليحي، وقتل سعيد بن نجاح في سنة إحدى وثمانين، وفرّ أخوه جيّاش إلى الهند. ثم عاد وملك زبيد في سنة إحدى وثمانين المذكورة، فولدت له جاريته الهندية ابنه الفاتك بن جيّاش.
وبقي المكرّم في الجبال يغير على بلاد جيّاش، وجيّاش يملك تهامة حتى مات آخر سنة ثمان وتسعين. فملك بعده ابنه فاتك. وخالف عليه أخوه إبراهيم، ومات فاتك سنة ثلاث وخمس مائة. فملك بعده ابنه منصور بن فاتك وهو صغير، فثار عليه عمّه إبراهيم فلم يظفر، وثار بزبيد عبد الواحد بن جيّاش وملكها، فسار إليه عبيد فاتك واستعادوها.
ثم مات منصور، وملك بعده ابنه فاتك بن منصور. ثم ملك بعده ابن عمّه فاتك بن محمّد ابن فاتك بن جيّاش، في سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة، حتى قتل سنة ثلاث وخمسين وخمس
стр. 3453
مائة، وهو آخر ملوك بني نجاح. فتغلّب على اليمن عليّ بن مهدي في سنة أربع وخمسين.
وأمّا «الصّليحي» فإنّه عليّ بن القاضي محمّد بن عليّ، كان أبوه في طاعته أربعون ألفا، فأخذ ابنه التّشيّع عن عامر بن عبد اللّه الزّواحي - أحد دعاة المستنصر - وصحبه حتى مات. وقد أسند إليه أمر الدّعوة فقام بها، وصار دليلا لحاجّ اليمن عدّة سنين، ثم ترك الدّلالة في سنة تسع وعشرين وأربع مائة، وصعد رأس جبل مسار في ستين رجلا، وجمع حتى ملك اليمن في سنة خمس وخمسين، وأقام على زبيد أسعد بن شهاب بن عليّ الصّليحي - وهو أخو زوجته وابن عمّه - ثم إنّه حجّ فقتله بنو نجاح في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين.
واستقرّت التّهائم لبني نجاح، واستقرّت صنعاء لأحمد بن علي الصّليحي المقتول، وتلقّب ب «الملك المكرّم»، ثم جمع وقصد سعيد بن نجاح بزبيد، وقاتله وهزمه إلى دهلك، وملك زبيد في سنة خمس وسبعين. فعاد سعيد وملك زبيد في سنة تسع وسبعين، فأتاه المكرّم وقتله في سنة إحدى وثمانين، ثم ملك جيّاش أخو سعيد.
ومات المكرّم بصنعاء سنة أربع وثمانين. فملك بعده أبو حمير سبأ بن أحمد المظفّر بن علي الصّليحي في سنة أربع وثمانين، حتى مات سنة خمس وتسعين. وهو آخر الصّليحيّين.
فملك بعده عليّ بن إبراهيم بن نجيب الدّولة، قدم من مصر إلى جبال اليمن في سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، وقام بأمر الدّعوة والمملكة التي كانت بيد سبأ، ثم قبض عليه بأمر الخليفة الآمر بأحكام اللّه الفاطمي بعد سنة عشرين وخمس مائة. وانتقل الملك والدّعوة إلى الزّريع ابن عبّاس بن المكرّم. وآل الزّريع من أهل عدن، وهم من همدان، ثم من جشم. وبنو المكرّم يعرفون بآل الذّئب.
وكانت عدن لزريع بن عبّاس ولعمّه مسعود بن المكرّم، فقتلا على زبيد، وولي بعدهما ولداهما أبو السّعود بن زريع وأبو الغارات بن مسعود. ثم استولى على الملك والدّعوة سبأ بن أبي السّعود بن زريع حتى مات سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة. فولي بعده ولده الأعزّ علي بن سبأ - وكان مقامه بالدّملوة - فمات بالسّلّ، وملك أخوه المعظّم محمد بن سبأ ثم ابنه عمران بن محمد، وكانت وفاة المعظّم محمد في سنة ثمان وثلاثين ووفاة ابنه عمران في شعبان سنة ستين وخمس مائة، وخلّف عمران ولدين هما محمد ومسعود.
وولي من الصّليحيين أيضا الملكة سيّدة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصّليحي، زوجة أحمد المكرّم، ولقّبت ب «الحرّة»، ومولدها سنة أربعين وأربع مائة، وربّتها أسماء بنت شهاب
стр. 3454
وتزوّجها الملك المكرّم أحمد بن أسماء - وهو ابن علي الصّليحي - سنة إحدى وستين، وولاّها الأمر في حياته، فقامت بتدبير المملكة والحروب، وأقبل زوجها على لذّاته حتى مات، وتولّى ابن عمّه سبأ، فاستمرّت في الملك حتى مات سبأ. وتولّى ابن نجيب الدّولة حتى ماتت سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة، وشاركه في الملك المفضّل أبو البركات بن الوليد الحميري، فكان يحكم بين يدي الملكة الحرّة وهي من وراء الحجاب. ومات المفضّل في رمضان سنة أربع وثلاثين وخمس مائة، وملك بلاده ابنه الملك المنصور منصور بن المفضّل، حتى ابتاع منه محمّد بن سبأ ابن أبي السّعود معاقل الصّليحيين، وعدّتها ثمانية وعشرون حصنا بمائة ألف دينار، في سنة سبع وأربعين وخمس مائة. وبقي لمنصور تعز حتى مات بعد ما ملك نحو ثمانين سنة.
وأمّا «عليّ بن مهدي» فإنّه حميري من سواحل زبيد. كان أبوه مهدي رجلا صالحا، ونشأ ابنه على طريقته وحجّ ووعظ وكان فصيحا حسن الصّوت، عالما بالتّفسير وغيره، يتحدّث بالمغيّبات فتكون كما يقول، وله عدّة أتباع كثيرة وجموع عديدة. ثم قصد الجبال، وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، ثم عاد إلى أملاكه ووعظ.
ثم عاد إلى الجبال ودعا إلى نفسه، فأجابه بطن خولان، فسمّاهم «الأنصار»، وسمّى من صعد معه من تهامة «المهاجرين»، وولّى على خولان سبأ، وعلى المهاجرين رجلا آخر، وسمّى كلاّ منهما «شيخ الإسلام»، وجعلهما نقيبين على طائفتيهما فلا يخاطبه أحد غيرهما، وهما يوصّلان كلامه إلى من تحت أيديهما.
وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على التّهائم حتى أخلى البوادي، ثم حاصر زبيد حتى قتل فاتك بن محمد آخر ملوك بني نجاح، فحارب ابن مهدي عبيد فاتك حتى غلبهم، وملك زبيد يوم الجمعة رابع عشر رجب سنة أربع وخمسين وخمس مائة، فبقي في الملك شهرين وأحدا وعشرين يوما ومات.
فملك بعده ابنه مهدي بن علي بن مهدي، ثم عبد النّبي بن مهدي بن علي بن مهدي، وخرجت المملكة عن عبد النّبي إلى أخيه عبد اللّه، ثم عادت إلى عبد النّبي. واستقرّ حتى سار إليه توران شاه بن أيّوب من مصر، في سنة تسع وستين وخمس مائة، وفتح اليمن، وأسر عبد النّبي، وهو آخر ملوك بني مهدي. وكان عليّ بن مهدي يكفّر بالمعاصي، ويقتل من خالف اعتقاده، ويستبيح وطء نسائهم واسترقاق أولادهم. وكان حنفيّ الفروع، ولأصحابه فيه غلوّ زائد، ومن مذهبه قتل من شرب الخمر ومن سمع الغناء.
стр. 3455
ثم ملك توران شاه بن أيّوب عدن من ياسر وأسره وملك بلاد اليمن كلّها، واستقرّت في ملك السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب. وعاد شمس الدّولة توران شاه بن أيّوب إلى مصر في شعبان سنة ستّ وسبعين، واستخلف على عدن عزّ الدّين عثمان بن الزّنجيلي، وعلى زبيد حطّان (١) بن كامل بن منقذ الكناني، فمات شمس الدّولة بالإسكندرية، واختلف نوّابه.
فبعث السّلطان صلاح الدّين يوسف جيشا فاستولى على اليمن، ثم بعث في سنة ثمان وسبعين أخاه سيف الإسلام ظهير الدّين طغتكين بن أيّوب. فقدم إليها وقبض على حطّان ابن كامل بن منقذ، وأخذ أمواله - وفيها سبعون غلاف زرديّة مملوءة ذهبا عينا - وسجنه، فكان آخر العهد به، ونجا عثمان بن الزّنجيلي بأمواله إلى الشّام، فظفر بها سيف الإسلام، وصفت له مملكة اليمن حتى مات بها في شوّال سنة ثلاث وتسعين.
فأقيم بعده ابنه الملك المعزّ إسماعيل بن طغتكين بن أيّوب، فخبط وادّعى أنّه أموي، وخطب لنفسه بالخلافة، وعمل طول كمّه عشرين ذراعا. فثار عليه مماليكه وقتلوه في ستة تسع وتسعين، وأقاموا بعده أخاه النّاصر ومات بعد أربع سنين. فقام من بعده زوج أمّه غازي بن جبريل أحد الأمراء، فقتله جماعة من العرب.
وبقي اليمن بغير سلطان، فتغلّبت أمّ النّاصر على زبيد. فقدم سليمان بن سعد الدّين شاهنشاه ابن أيّوب إلى اليمن، فعبر يحمل ركوة على كتفه، فملّكته أمّ النّاصر البلاد وتزوّجت به، فاشتدّ ظلمه وعتوّه إلى أن قدم الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيّوب من مصر في سنة اثنتي عشرة وستّ مائة، فقبض عليه وحمله إلى مصر، فأجرى له الكامل ما يقوم به إلى أن استشهد على المنصورة سنة سبع وأربعين وستّ مائة.
وأقام المسعود باليمن، وحجّ وملك مكّة أيضا في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وستّ مائة وعاد إلى اليمن، ثم خرج عنها واستخلف عليها أستادّاره عليّ بن رسول، فمات بمكّة سنة ستّ وعشرين.
فأقام عليّ بن رسول على ملك اليمن حتى مات في سنة تسع وعشرين، واستقرّ عوضه ابن عمر بن علي بن رسول، وتلقّب بالمنصور حتى قتل سنة ثمان وأربعين. واستقرّ بعده ابنه المظفرّ
_________
(١) كذا في النّسخ وفي المصادر: مبارك (أبو الميمون مبارك بن كامل بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني). (بامخرمة: تاريخ ثغر عدن ٣٨: ٢).
стр. 3456
يوسف بن عمر بن علي بن رسول، وصفا له اليمن، وطالت أيّامه (١).
هذا ما وجده كاتبه بخطّه ﵀ من أخبار دولة بني زياد.
الحمد للّه، ووجد أيضا بخطّ المصنّف ﵀ في آخر نسخته ما صورته:
السّلطان محمّد بن طغلق شاه
وطغلق يلقّب غيّاث الدّين، وهو مملوك السّلطان علاء الدّين محمود بن شهاب الدّين مسعود ملك الهند. مقرّ ملكه مدينة دهلي، وجميع البلاد برّا وبحرا بيده إلاّ الجزائر المغلغلة في البحر، وأمّا السّاحل فلم يبق به قيد فتر إلاّ وهو بيده.
وأوّل ما فتح مملكة تلنك، عدّة قراها تسع مائة ألف قرية وتسع مائة قرية. ثم فتح بلاد جاجنكز، وبها سبعون مدينة جليلة كلّها بنادر على البحر.
_________
(١) اعتمد المقريزي في ذكره لأخبار اليمن - في أغلب الظّنّ - على كتاب - «تاريخ اليمن» المسمّى «المفيد في أخبار صنعاء وزبيد» لعمارة اليمني، المتوفى سنة ٥٦٩ هـ/ ١١٧٣ م، حتى منتصف القرن السادس الهجري، وعلى كتاب «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري فيما ذكره عن ملوك بني رسول. (عمارة اليمني: تاريخ اليمن، نشرة حسن سليمان محمود، القاهرة ١٩٥٧؛ ابن فضل اللّه العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (ممالك مصر والشام والحجاز واليمن)، تحقيق أيمن فؤاد سيد، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ١٩٨٥، ١٥١ - ١٦٢.
وراجع كذلك حول أخبار اليمن في هذه الفترة والفترة التالية حتى قيام دولة بني رسول، ابن الدّيبع: قرّة العيون في أخبار اليمن الميمون (نشره محمد بن علي الأكوع، القاهرة ١٩٧٧)؛ عماد الدّين إدريس: السّبع السابع من عيون الأخبار. ومن الدراسات الحديثة: حسين فيض اللّه الهمداني: الصّليحيون والحركة الفاطمية في اليمن، القاهرة ١٩٥٥؛ طاهر مظفر العميد: «بناء مدينة زبيد في اليمن»، مجلة كلية الآداب - جامعة بغداد ١٣ (١٩٧٠) ٣٤٠ - ٣٦٠؛ زاهر رياض: «دولة حبشية في اليمن»، المجلة التاريخية المصرية ٨ (١٩٥٩)، ١٠١ - ١٣٠؛ محمد أمين صالح: «دولة الخوارج في اليمن - بنو مهدي في زبيد (٥٥٤ - ٥٦٩ هـ)»، المجلة التاريخية المصرية ٢٥ (١٩٧٨)، ١٢٧ - ١٤٨؛ نفسه: «بنو معن ثم آل زريع في عدن»، المؤرخ العربي ١٥ (١٩٨٠)؛ فضيلة الشّامي: «إمارة آل زريع بعدن»، مجلة كلية الآداب - جامعة بغداد ٢٦ (١٩٧٩)؛ محمد عبد العال أحمد: الأيّوبيون في اليمن مع مدخل في تاريخ اليمن الإسلامي إلى عصرهم، الإسكندرية ١٩٨٠؛ أيمن فؤاد سيد: مصادر تاريخ اليمن في العصر الإسلامي، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ١٩٧٤؛ نفسه: تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن حتى نهاية القرن السادس الهجري، القاهرة - الدار المصرية اللبنانية ١٩٨٦، وكذلك مقالات Ayyubides، Mahdides، Nadjahides، Rasulides، Sulayhides Ziyadides et Zuray'ides EL ٢ في دائرة المعارف الإسلامية.
стр. 3457
ثم فتح بلاد لكنوتي، وهي كرسي تسع ملوك. ثم فتح بلاد دواكير، ولها أربع وثمانون قلعة كلّها جليلات المقدار، وبها ألف ألف قرية ومائتا ألف قرية. ثم فتح بلاد دورسمند، وكان بها ستّة ملوك. ثم فتح بلاد المعبر، وهو إقليم جليل له سبعون مدينة بنادر على البحر.
وجملة ما بيده ثلاثة وعشرون إقليما وهي: إقليم دهلي، وإقليم الدّواكير، وإقليم الملتان، وإقليم كهران، وإقليم سامانا، وإقليم سوستان، وإقليم وجا، وإقليم هاسي، وإقليم سرسني، وإقليم المعبر، وإقليم تلنك، وإقليم كجرات، وإقليم بداون، وإقليم عوض، وإقليم الفيوج، وإقليم لكنوتي، وإقليم بهادر، وإقليم كرة، وإقليم ملاوة، وإقليم نهاور، وإقليم كلافور، وإقليم جاجنكز، وإقليم بلخ، وإقليم دورسمند. وهذه الأقاليم تشتمل على ألف مدينة ومائتي مدينة.
ومدينة دهلي دور عمرانها أربعون ميلا، وجملة ما يطلق عليه اسم دهلي إحدى وعشرون مدينة، وفي دهلي ألف مدرسة كلّها للحنفيّة إلاّ واحدة فإنّها للشّافعيّة، ونحو سبعين مارستانا، وفي بلادها من الخوانك والرّبط نحو ألفين، وبها جامع ارتفاع مئذنته ستّ مائة ذراع في الهواء.
وللسّلطان خدمة مرّتين في كلّ يوم: بكرة، وبعد العصر. ورتّب الأمراء على هذه الأنواع:
أعلاهم قدرا الخانات، ثم الملوك، ثم الأمراء، ثم الإسفهسلارية، ثم الجند.
وفي خدمته ثمانون خانا، وعسكره تسع مائة ألف فارس، وله ثلاثة آلاف فيل تلبّس في الحروب البركسطوانات الحديد المذهّب، وتلبّس في أيّام السّلم جلال الدّيباج وأنواع الحرير، وتزيّن بالقصور والأسرّة المصفّحة، ويشدّ عليها البروج الخشب يركب فيها الرّجال للحرب، فيكون على الفيل من عشرة رجال إلى ستّة.
وله عشرون ألف مملوك أتراك، وعشرة آلاف خادم خصيّ، وألف خازندار، وألف بشمقدار، ومائتا ألف عبد ركابيّة تلبس السّلاح وتمشي بركابه وتقاتل رجّالة بين يديه.
والإسفهسلارية لا يؤهّل منهم أحد لقرب السّلطان، وإنّما يكون منهم نوع الولاة ونحوهم.
والخان يكون له عشرة آلاف فارس، وللملك ألف، وللأمير مائة فارس، وللإسفهسلار دون ذلك. ولكلّ خان عبرة لكّان - كلّ لك مائة ألف تنكة، كلّ تنكة ثمانية دراهم (١). وكلّ ملك من ستين ألف تنكة إلى خمسين ألف تنكة، ولكلّ أمير من أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة، ولكلّ إسفهسلار من عشرين ألف تنكة إلى ما حولها، ولكلّ جندي من عشرة آلاف تنكة
_________
(١) ذكر المقريزي في الكرّاسة المحفوظة في مكتبة Liege (ورقة ١٥٥ ظ): أنّ نقود الهند التي يتعاملون بها: اللّكّ الأحمر وهو مائة ألف تنكة ذهب.
стр. 3458
إلى ألف تنكة، ولكلّ مملوك من خمسة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، سوى طعامهم وكساويهم وعليقهم، ولكلّ عبد في الشهر منّان من الحنطة والأرز، وفي كلّ يوم ثلاثة أسيار لحم وما يحتاج إليه، وفي كلّ شهر عشر تنكات بيضاء، وفي كلّ سنة أربع كساو.
وللسّلطان دار طراز فيها أربعة آلاف قزّاز لعمل أنواع القماش، سوى ما يحمل له من الصّين والعراق والإسكندرية، ويفرّق كلّ سنة مائتي ألف كسوة كاملة: في فصل الرّبيع مائة ألف، وفي فصل الخريف مائة ألف. ففي الرّبيع غالب الكسوة من عمل الإسكندرية، وفي الخريف كلّها حرير من عمل دار الطّراز بدهلي وقماش الصّين والعراق. ويفرّق على الخوانك والرّبط الكساوى، وله أربعة آلاف زركشي لعمل الزّركش، ويفرّق كلّ سنة عشرة آلاف فرس مسرجة وغير مسرجة، سوى ما يعطى الأجناد من البراذين فإنّه بلا حساب يعطي جشارات، ومع هذا فالخيل عنده غالية مطلوبة.
وللسّلطان نائب من الخانات - يسمّى أمريت - إقطاعه قدر إقليم نحو العراق، ووزير إقطاعه كذلك، وله أربعة نوّاب يسمّى كلّ واحد منهم شق، لكلّ واحد منهم من أربعين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة، وله أربعة دبيران - أيّ كتّاب سرّ - لكلّ واحد منهم ثلاث مائة كاتب، ولكلّ كاتب إقليم عشرة آلاف تنكة، ولصدر جهان - وهو قاضي القضاة - قرى يتحصّل منها نحو ستين ألف تنكة، ولصدر الإسلام - وهو أكبر نوّاب القاضي - ولشيخ الإسلام - وهو أكبر نوّاب القاضي - ولشيخ الإسلام - وهو شيخ الشّيوخ - مثل ذلك، وللمحتسب ثمانية آلاف تنكة.
وله ألف طبيب ومائتا طبيب، وعشرة آلاف بزدار تركب الخيل وتحمل طيور الصّيد. وله ثلاثة آلاف سوّاق لتحصيل الصّيد. وخمس مائة نديم وألفان ومائتان للملاهي، سوى مماليكه وهم ألف مملوك، وألف شاعر باللّغات العربيّة والفارسيّة والهنديّة يجري عليهم ديوانه، ومتى غنّى أحد منهم لغيره قتله، ولكلّ نديم قريتان أو قرية، ومن أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة، سوى الخلع والكساوى والافتقادات.
ويمدّ في كلّ وقت خدمة في المرّتين من كلّ يوم سماطا يأكل منه عشرون ألفا، مثل الخانات والملوك والأمراء والإسفهسلارية وأعيان الأجناد. وله طعام خاصّ يحضره معه الفقهاء - وعدّتهم مائتا فقيه - في الغذاء والعشاء، فيأكلون ويتباحثون بين يديه. ويذبح في مطابخه كلّ يوم ألفان وخمس مائة رأس من البقر، وألفا رأس من الغنم، سوى الخيل وأنواع الطّير.
стр. 3459
ولا يحضر مجلسه من الجند إلاّ الأعيان أو من دعته ضرورة إلى الحضور، والنّدماء والمغاني يحضرون بالنّوبة، وكذلك الدّبيران والأطبّاء ونحوهم لكلّ طائفة نوبة تحضر فيها للخدمة، والشّعراء تحضر في العيدين والمواسم وأوّل شهر رمضان، وإذا تجدّد نصر على عدوّ أو فتوح ونحو ذلك ممّا يهنّى به السّلطان.
وأمور الجند والعامّة مرجعها إلى أمريت، وأمر القضاة كلّهم مرجعه إلى صدر جهان، وأمر الفقهاء إلى شيخ الإسلام، وأمر الواردين والوافدين والأدباء والشّعراء إلى الدّبيران، وهم كتّاب السّرّ.
وجهّز هذا السّلطان مرّة أحد كتّاب سرّه إلى السّلطان أبي سعيد رسولا، وبعث معه ألف ألف تنكة ليتصدّق بها في مشاهد العراق. فقدم بغداد وقد مات أبو سعيد ومعه خمس مائة فرس.
وكان هذا السّلطان ترعد الفرائص لمهابته وتزلزل الأرض لموكبه: يجلس بنفسه لإنصاف رعيّته ولقراءة القصص عليه جلوسا عامّا، ولا يدخل أحد عليه ومعه سلاح ولو السّكّين، ويجلس وعنده سلاح كامل لا يفارقه أبدا.
وإذا ركب للحرب فلا يمكن وصف هيبته، وله أعلام سود في أوساطها تنانين من ذهب تسير عن يمينه، وأعلام حمر فيها تنانين من ذهب تسير عن يساره، ومعه مائتا جمل نقّارات، وأربعون جملا كوسات كبارا وعشرون بوقا، وعشرة صنوج، ويدقّ له خمس نوب كلّ يوم.
وإذا خرج إلى الصّيد كان في خفّ [من اللّباس] (١)، وعدّة من معه زيادة على مائة ألف فارس مائتي فيل، أربعة قصور خشب على ثمان مائة جمل، كلّ قصر منها على مائتي جمل كلّها ملبّسة حريرا مذهّبا، كلّ قصر طبقتان سوى الخيم، والخركاوات.
وإذا انتقل من مكان إلى مكان للنّزهة يكون معه نحو ثلاثين ألف فارس، وألف جنيب مسرجة ملجمة بالذّهب المرصّع بالجوهر والياقوت. وإذا خرج في قصره من موضع إلى آخر، يمرّ راكبا وعلى رأسه الجتر والسّلاح داريّة وراءه بأيديهم السّلاح، وحوله نحو اثني عشر ألف مملوك مشاة، لا يركب منهم إلاّ حامل الجتر والسّلاح دارية والجمدارية حملة القماش.
_________
(١) زيادة من مسالك الأبصار وصبح الأعشى.
стр. 3460
وإذا خرج للحرب أو سفر طويل، حمل على رأسه سبع جتوره، منها اثنان مرصّعان ليس لهما قيمة (١)، وله فخامة عظيمة وقوانين وأوضاع جليلة. والخانات والملوك والأمراء لا يركب أحد منهم في السّفر والحضر إلاّ بالأعلام، وأكثر ما يحمل الخان سبعة أعلام أقلّ ما يحمل الأمير ثلاثة، وأكثر ما يجرّه الخان في الحضر عشر جنائب، وأكثر ما يجرّ الأمير في الحضر جنيبان، وأمّا في السّفر فحسبما يختار.
وكان للسّلطان برّ وإحسان، وفيه تواضع. ولقد مات عنده رجل فقير فشهد جنازته، وحمل نعشه على عنقه.، وكان يحفظ القرآن العزيز العظيم وكتاب «الهداية» في فقه الحنفيّة، ويجيد علم المعقول، ويكتب خطّا حسنا، ولذّته في الرّياضة وتأديب النّفس، ويقول الشّعر ويباحث العلماء، ويؤاخذ الشّعراء، ويأخذ بأطراف الكلام على كلّ من حضر على كثرة العلماء عنده. والعلماء تحضر عنده، وتفطر في رمضان معه بتعيين صدر جهان لهم في كلّ ليلة.
وكان لا يترخّص في محذور، ولا يقرّ على منكر، ولا يتجاسر أحد في بلاده أن يتظاهر بمحرّم. وكان يشدّد في الخمر، ويبالغ في العقوبة على من يتعاطاه من المقرّبين منه. وعاقب بعض أكابر الخانات على شرب الخمر، وقبض عليه، وأخذ أمواله، وجملتها أربع مائة ألف ألف مثقال وسبعة وثلاثين ألف ألف مثقال (٢) ذهبا أحمر، زنتها ألف وسبع مائة قنطار بالمصري.
وله وجوه برّ كثيرة: منها أنّه يتصدّق في كلّ يوم بلكّين: عنهما من نقد مصر ألف ألف وستّ مائة ألف درهم، وربّما بلغت صدقته في يوم واحد خمسين لكّا، ويتصدّق عند كلّ رؤية هلال شهر بلّكين دائما، وعليه راتب لأربعين ألف فقير، كلّ واحد منهم درهم في كلّ يوم، وخمسة أرطال برّ وأرز، وقرّر ألف فقيه في مكاتب لتعليم الأطفال القرآن، وأجرى عليهم الأرزاق.
وكان لا يدع بدهلي سائلا، بل يجري على الجميع الأرزاق، ويبالغ في الإحسان إلى الغرباء.
_________
(١) في مسالك الأبصار وصبح الأعشى: لا يقيّمان لنفاستهما.
(٢) في مسالك الأبصار وصبح الأعشى: ألف ألف مثقال وسبعة وثلاثين ألف مثقال.
стр. 3461
وقدم عليه رسول من أبي سعيد مرّة بالسّلام والتّودّد، فخلع عليه وأعطاه حملا من المال، فلمّا أراد الانصراف أمره أن يدخل الخزانة ويأخذ ما يختار، فلم يأخذ غير مصحف، فسأله عن ذلك فقال: قد أغناني السّلطان بفضله، ولم أجد أشرف من كتاب اللّه. فزاد إعجابه به، وأعطاه مالا جمّا جملته ثمان مائة تومان، كلّ تومان عشرة آلاف دينار، وكلّ دينار ستّة دراهم، تكون جملة ذلك ثمانية آلاف ألف دينار، عنها ثمانية وأربعون ألف ألف درهم.
وقصده شخص من بلاد فارس، وقدّم له كتبا في الحكمة، منه كتاب «الشّفاء» لابن سينا، فأعطاه جوهرا بعشرين ألف مثقال من الذّهب. وقصده آخر من بخارى بحملي بطّيخ أصفر، فتلف غالبه حتى لم يبق منه إلاّ اثنتان وعشرون بطّيخة، فأعطاه ثلاثة آلاف مثقال ذهبا. وكان قد التزم أن لا ينطق في إطلاقاته بأقلّ من ثلاثة آلاف مثقال ذهبا.
وبعث ثلاث لكوك ذهبا إلى بلاد ما وراء النّهر ليفرّق على العلماء لكّا، وعلى الفقراء لكّا، ويبتاع له حوائج بلكّ. وبعث للبرهان الصّاغرجي، شيخ سمرقند، بأربعين ألف تنكة.
وكان لا يفارق العلماء سفرا وحضرا. ومنار الشّرع في أيّامه قائم، والجهاد مستمرّ. فبلغ مبلغا عظيما في إعلاء كلمة الإيمان، فنشر الإسلام في تلك الأقطار، وهدم بيوت النّيران، وكسر البّدود والأصنام، واتّصل به الإسلام إلى أقصى الشّرق، وعمّر الجوامع والمساجد، وأبطل التّثويب في الأذان، ولم يخل له يوم من الأيّام من بيع آلاف من الرّقيق لكثرة السّبي. حتى إن الجارية لا يتعدّى ثمنها بمدينة دهلي ثمان تنكات، والسّريّة خمس عشرة تنكة، والعبد المراهق أربعة دراهم.
ومع رخص قيمة الرّقيق فإنّه تبلغ قيمة الجارية الهندية عشرين ألف تنكة لحسنها ولطف خلقها، وحفظها القرآن وكتابتها الخطّ، وروايتها الأشعار والأخبار، وجودة غنائها، وضربها بالعود، ولعبها بالشّطرنج. وهنّ يتفاخرن فتقول الواحدة: آخذ قلب سيّدي في ثلاثة أيّام، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في يوم، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في ساعة، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في طرفة عين.
وكان ينعم على جميع من في خدمته، من أرباب السّيوف والأقلام، بكلّ جليل من البلاد، والأموال والجواهر والخيول المجّللة بالذّهب وغير ذلك، إلاّ الفيلة فإنّه لا يشاركه فيها أحد، وللثّلاثة آلاف فيل راتب عظيم، فأكثرها مؤنة له في كلّ يوم أربعون رطلا من أرز، وستون رطلا من شعير،
стр. 3462
وعشرون رطلا من سمن، ونصف حمل حشيش. وشيخها جليل القدر إقطاعه مثل إقليم العراق.
وإذا وقف السّلطان للحرب، كان أهل العلم حوله، والرّماة قدّامه، وخلفه وأمامه الفيلة كما تقدّم عليها الفيّالة وقدّامها العبيد المشاة، والخيل في الميمنة والميسرة. فتهيّأ له من النّصر ما لا تهيّأ لأحد ممّن تقدّمه، ففتح الممالك، وهدم قواعد الكفّار، ومحا صور معابدهم، وأبطل سحرهم.
وكان يجلس كلّ يوم ثلاثاء جلوسا عامّا على تخت مصفّح بالذّهب، وعلى رأسه جتر في موكب عظيم، وينادي مناديه: من له شكوى يحضر، فينظر في ظلامات النّاس. وكان لا يوجد بدهلي في أيّامه خمر ألبتّة.
وأوّل من ملك مدينة دهلي قطب الدّين أيبك. وذلك أنّ شهاب الدّين محمّد بن سام ابن الحسين، أحد الملوك الغوريّة، فتح الهند بعد عدّة حروب، وأقطع مملوكه أيبك هذا مدينة دهلي، فبعث أيبك عسكرا عليه محمّد بن بختيار، فأخذ إلى نحو الصّين، وذلك كلّه في سنة سبع وأربعين وخمس مائة.
ثم ولي بعده أيتمش بن أيبك أربعين سنة، فقام بعده ابنه علاء الدّين علي بن أيتمش بن أيبك، ثم أخوه معزّ الدّين بن أيتمش، ثم أخته رضيّة خاتون فأقامت ثلاث سنين، ثم أخوها ناصر الدّين ابن أيتمش، فأقام أربعا وعشرين سنة، ثم قام بعده مملوكه غيّاث الدّين بلبان سبعا وعشرين سنة، ثم بعده معزّ الدّين نباتا خمس سنين، ثم ابنه شمس الدّين كيمورس سبعة أشهر.
ثم خرج الملك عن بيت السّلطان شمس الدّين أيتمش، وقويت التّركمان القلّجيّة - وكانوا أمراء يقال للواحد منم «خان» - واستبدّ كبيرهم جلال الدّين فيروز سبع سنين. ثم ابن أخيه علاء الدّين محمود بن شهاب الدّين مسعود اثنتين وعشرين سنة، ومات سنة خمس عشرة وسبع مائة. ثم ابنه شهاب الدّين عمر بن محمود بن مسعود سنة واحدة، ولقّب غيّاث الدّين. ثم أخوه قطب الدّين مبارك بن محمود أربع سنين، وقتل سنة عشرين وسبع مائة. ثم علاء الدّين خسرو، مملوك علاء الدّين محمود، سبعة أشهر. وملك غيّاث الدّين طغلق شاه، مملوك السّلطان علاء الدّين محمود بن مسعود، في أوّل شعبان سنة عشرين وسبع مائة. ثم ملك بعده ابنه محمد ابن طغلق شاه صاحب التّرجمة (١).
_________
(١) مصدر ما ذكره المقريزي هنا عن أخبار الهند أيضا، كتاب «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري، وقد نشر القسم الخاص بالهند من كتاب المسالك في ليبتسج سنة ١٩٤٣ بعنوان Ibn Fadlallah-'Omaris's Bericht
стр. 3463
هذا آخر ما وجد بخطّه، رحمه اللّه تعالى.
ووجد أيضا بخطّه ﵀ ما مثاله:
ما أحسن قول الأديب ناصر الدّين محمّد بن حسن بن شاور النّقيب:
[الوافر]
مشت أيّامكم لا بل نراها … جرت جريا على غير اعتياد
وما عقدت نواصيها بخير … ولا كانت تعدّ من الجياد
بذخشان
مدينة فيما وراء النّهر. بها معدن اللّعل البذخشاني - وهو المسمّى بالبلخش - وبها معدن اللاّزورد الفائق، وهما في جبل بها يحفر عليهما في معادنهما، فيوخذ اللاّزورد بسهولة، ولا يؤخذ اللّعل إلاّ بتعب كبير وإنفاق زائد، وقد لا يوجد بعد التّعب الشّديد والنّفقة الكثيرة، ولهذا عزّ وجوده وغلت قيمته (١).
أقصر ليل بلغار بالتّحرير أربع ساعات ونصف. وأقصر ليل أفتكون ثلاث ساعات ونصف، فهو أقصر من ليل بلغار بساعة واحدة. وبين بلغار وأفتكون مسافة عشرين يوما بالسّير المعتاد (٢).
انتهى.
السّلطانيّة
من عراق العجم. بناها السّلطان محمد خدابنده أولجايتو بن أرغون بن أبغا بن هولاكو.
وخدابنداه ملك بعد أخيه محمود غازان، وملك بعد خدابنده ابنه السّلطان أبو سعيد بهادر خان، وكان الشّيخ حسن بن حسين بن آقبغا مع قائد السّلطان محمد بن طشتمر بن استيمر ابن عبرجي. ومنذ مات أبو سعيد لم يجمع بعده على طاعة ملك، بل تفرّقوا، وقام في كلّ ناحية قائم (٣). انتهى.
_________
= Uber Indien in seinem Werke Masalik al-absar Fi Mamalik al-amsar، Leipzig ١٩٤٣؛ وانظر كذلك القلقشندي: صبح الأعشى ٦١: ٥ - ٩٨.
(١) قارن مع القلقشندي: صبح الأعشى ٤٤٣: ٤ - ٤٤ (نقلا عن ابن فضل اللّه العمري).
(٢) قارن مع القلقشندي: صبح الأعشى ٤٦٣: ٤ (نقلا عن ابن فضل اللّه العمري).
(٣) قارن مع القلقشندي: صبح الأعشى ٣٥٨: ٤ (نقلا عن ابن فضل اللّه العمري).
стр. 3464
وللّه درّ أبي إسحاق الأديب حيث قال:
[الطويل]
إذا كنت قد أيقنت أنّك هالك … فما لك ممّا دون ذلك تشفق
وممّا يشين المرء ذا الحلم أنّه … يرى الأمر حتما واقعا وهو يقلق
وحيث يقول:
[السريع]
ومن طوى الخمسين من عمره … لاقى أمورا فيه مستنكره
وإن تخطّاها رأى بعدها … من حادثات الدّهر ما لم يره
هذا آخر ما وجده كاتبه بخطّ المؤلّف ﵀ في آخر أصله المنقول منه، والحمد للّه وحده.
حسبنا اللّه ونعم الوكيل»
وجاء بنهاية الجزء الرّابع بخطّ المقريزي في أصله المنقول منه:
الخبر عن الإفرنجة
هذه الأمّة يقال لها الإفرانسي نسبة إلى إفرانسة، وهي بلد جليل، وهم من ولد يافث بن نوح، وسكناهم في العدوة الشّمالية من عدوتي البحر الرّومي الغربي ما بين جزيرة الأندلس وخليج القسطنطينية يجاورون الرّوم من جانب الشّرق والجلالقة من جانب الغرب. ودخلوا في دين النّصرانيّة مع الرّوم ومنهم تعلّموه، واستفحل ملكهم عند ضعف ملك الرّوم، وأجازوا البحر إلى إفريقيّة مع الرّوم فملكوها ونزلوا أمصارها مثل سبيطلة وطولا وقرطاجنّة ومرناق وباغاية ولميس، وغلبوا على من كان بها من البربر حتى أدخلوهم في دينهم وانقادوا لهم حتى جاء اللّه بالإسلام وكان الفتح، فأخذ المسلمون من العرب منهم جميع أمصار إفريقية والعدوة الشّرقية والجزائر البحرية مثل إقريطش ومالطه وقليلقية وميورقه وألجؤوهم إلى العدوة الشّمالية حيث كانوا أوّلا. وأجاز المسلمون خليج طنجة وغلبوا القوط والجلالقة والبشكنس وملكوا جزيرة الأندلس وخرجوا من ثناياها ودروبها إلى بسائط هؤلاء الإفرنجة فدوّخوها وعاثوا فيها. ولم تزل الصّوائف تتردّد إليها صدرا من أيّام بني أميّة بالأندلس، وكانت الأغالبة ولاة إفريقية يوالون غزوهم أيضا حتى غلبوهم على الجزائر البحرية ونازلوهم في بسائط عدوتهم، فلم تزل نفوسهم ممتلئة حنقا على
стр. 3465
المسلمين حتى ضعفت مملكة الرّوم بالقسطنطينية ورومة واستفحل ملك الفرنجة هؤلاء وقد وهنت الخلافة ببغداد فزحفوا إلى الشّام وملكوا عدّة مواضع منها بيت المقدس وبنوا فيه كنيسة عظيمة بدل المسجد، وحصروا القاهرة كما قد بيّنا في مواضعه من كتبنا. ثم أدال اللّه لأهل الإسلام فجاهدهم السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب حتى أخذ منهم القدس وغيره، واستردّ الملوك بعده جميع ما كان معهم من البلاد الشّامية، فجمعوا ونازلوا دمياط في سلطنة الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب ثم في سلطنة ابنه الصّالح نجم الدّين أيّوب، وأخذت قرطبة وبلنسية وإشبيليّة، وقصد الفرنج تونس في سنة ثمان وستين وستّ مائة فهلك الفرنسيس ريدافرنس على قرطاجنّة فضعف أمرهم واختلّ مركز دولتهم بإفرنسة وافترقوا طوائف وصار ملكهم عمالات؛ واستبدّ صاحب صقلّيّة وصاحب نابل وصاحب جنوة وصاحب سردانية وبقي بيت ملكهم الأقدم على غاية الوهن.
ذكر ابن جبير في «رحلته» (١) أنّ صاحب قسطنطينية هلك وترك الملك بعده لزوجته ولها منه ابن صغير، فقام ابن عمّه في الملك وقتل المرأة وسجن الابن، فأطلقه ابن لهذا الثّائر فمرّ حتى نزل صقلّيّة في خدمة راهب بعد ما مرّت به خطوب كثيرة فأعلم بها غليام ملكها فاعتنى به وأكرمه.
وكان لهذا الابن أخت جميلة علق بها ابن العمّ الثّائر على الملك فلم يمكنه تزوّجها - لحرمة زواج الأقارب عندهم - فحمله حبّها على أن توجّه بها إلى مسعود صاحب قونية (٢) وأسلم وأسلمت معه على يده فامتحنه بأن وضع صليب ذهب قد أحمي بالنّار تحت قدميه إهانة له (٣)، وزوّجه بابنة عمّه المذكورة وسار مسعود بجيوش المسلمين إلى القسطنطينية فدخلها وقتل من أهلها نحو الخمسين ألف رومي وأعانه الإغريقيّون على ذلك - وهم من الرّوم النّصارى والعداوة بينهم وبين أهل قسطنطينية (٤) - فاستولى المسلمون عليها وأخذوا منها من المال ما لا يأخذه الإحصاء، فحازها مسعود (٥) وذلك في سنة ثمانين وخمس مائة، فجهّز غليام صاحب صقلّيّة أسطولا بسبب ذلك أنفة للصّبي الذي عنده.
_________
(١) ابن جبير: الرحلة ٣١١ - ٣١٢.
(٢) عند ابن جبير: صاحب الدّروب وقونية وبلاد العجم المجاورة للقسطنطينية.
(٣) بعد ذلك عند ابن جبير: «وهي عندهم أعظم علامات التّرك لدين النّصرانية والوفاء بذمّة دين الإسلام».
(٤) العبارة عند ابن جبير: «وهم فرقة من أهل الكتاب وكلامهم بالعربية، وبينهم وبين سائر الفرق من جنسهم عداوة كامنة، وهم لا يرون أكل لحم الخنزير، فشفوا نفوسهم من أعاديهم، وقرع اللّه نبع الكفر بعضه ببعض».
(٥) نهاية كلام ابن جبير الذي نقله المقريزي.
стр. 3466
الخبر عن الإمام الزّيدي القائم بصنعاء اليمن
أوّل من قام منهم الإمام يحيى «الهادي» بن الحسين الزّاهد بن أبي محمد القاسم الرّسّي ابن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الدّيباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنّى بن الإمام أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومن شعره:
[الطويل]
بني حسن إنّي نهضت بثأركم … وثأر كتاب اللّه والحقّ والسّنن
وصيّرت نفسي للحوادث عرضة … وغبت عن الإخوان والأهل والوطن
وقام بعده ولده «المرتضى» ثم اضطرب أمره وقاتل النّاس فقال:
[الرمل]
كدر الورد علينا بالصّدر … فعل من بدّل حقّا وكفر
أيّها الأمّة عودي للهدى … ودعي عنك أحاديث السّمر
عدمتني البيض والسّمر معا … وتبدّلت رقادا بسهر
لأجرّنّ على أعدائنا … نار حرب بضرام وشرر
وكان خطيبا شاعرا، ودار ملكه وملك بنيه صنعاء وهم في منعة منيعة والإمام يؤمّ النّاس ويخطب بنفسه ويركب في ثلاثة آلاف فارس، وله عسكر كلّهم رجّالة ولا يخرج أحد من رعيّته عن أمره ولا يشاركه فيما يتميّز به. وهو متشدّد في الدّيانة وإقامة الحقّ.
وجميع أئمّتهم أهل علم يتوارثونه إمام عن إمام، وهم كثيرون والمشهور منهم: «المؤيّد باللّه» و «المنصور باللّه» و «المهدي باللّه» و «المطهّر» يحيى بن حمزة، وكان على عهد المؤيّد داود بن يوسف بن عمر بن رسول.
وكان ابتداء دولتهم في أيّام المستضيء من بني العبّاس ولهم دعوة بكيلان يجبون لهم بها الزّكوات وشيعتهم كثيرة، والأئمّة لا تحتجب ولا تفخّم أمرها بل يكون كواحد من رعيّته في عامّة أحواله، ويعود المرضى ويصلّي على الجنائز ويشيّعها حتى تدفن، ورعيّته تستشفى بدعائه وبمرور يده على مرضاهم ويستسقون به إذا أجدبوا.
стр. 3467
وغالب جبال اليمن في مملكته، كما أنّ السّواحل اليمنية بيد بني رسول، وتتّصل بلاد الإمام ببلاد السّراة إلى الطّائف إلى مكّة، وهي جبال شامخة ذات عيون على قرى متّصلة بها فواكه كثيرة ومزارع متعدّدة ومواشي لا تحصى كثرة. وببلاد الإمام عدّة حصون منيعة وبلاد محصّنة وقبائل عرب وحلفاء وأكراد، ولأمراء مكّة وينبع طاعة له.
ويرى وترى شيعته أنّه مفترض الطّاعة لا تنعقد الجمعة والجماعة إلاّ به وبأمره، وأنّ من لم يطعه من أهل الأرض كلّهم فإنّه يموت عاصيا.
وزيّه زيّ العرب في لباسهم [والعمامة] والحنك. ويقول في أذانه «حيّ على خير العمل»، ولا يتعرّض هو ولا أحد من شيعته لسبّ أحد من السّلف. وهم أهل نجدة وبأس وشجاعة ورأي، إلاّ أنّ عددهم قليل ولا مال لهم.
ومكاتبته على طريق السّلّف: «من فلان أمير المؤمنين وإمام الوقت لفلان، أمّا بعد، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو، وأعلمك بكذا»؛ وكذلك يكتب إليهم الكتب ويبدأ فيها باسم الإمام، ويوصي في كتبه بتقوى اللّه ويذكر فيها آيات من القرآن (١).
_________
(١) مصدر هذه المعلومات عن «الإمام الزّيدي القائم في صنعاء» هو ما ذكره ابن فضل اللّه العمري في الفصل الثّاني من الباب السّابع من ذكر الممالك عن الأشراف باليمن، وقد نشرت هذا الفصل بعنوان: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (ممالك مصر والشّام والحجاز واليمن)، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار ١٩٨٥، ١٦٣ - ١٧٠. وذكر المقريزي كذلك خبر أئمّة الزّيديّة في اليمن مع تفصيلات إضافية في ترجمة الإمام النّاصر لدين اللّه صلاح الدّين أبي عبد اللّه محمد بن الإمام المهدي علي في كتاب درر العقود الفريدة ٣٩٦: ٣ - ٤١٢، استعان فيها بما أورده هنا نقلا عن ابن فضل اللّه العمري، والذي جاء بآخر الترجمة ٤١١ - ٤١٢. وانظر كذلك Van Arendonk، C.، Les debuts de l'Lmamat Zaidite au Yemen، Traduction francaise par Jacques Ryckmans، Leiden ١٩٦٠؛ محمد عبد اللّه ماضي: «دولة اليمن الزيدية. نشأتها - تطورها - علاقاتها»، المجلة التاريخية المصرية ٣ (١٩٥٠)، ١٥ - ٣٥؛ أيمن فؤاد سيد: مصادر تاريخ اليمن في العصر الإسلامي، ٣٦٥ - ٣٦٧، ٤٨٦، وتاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن حتى نهاية القرن السادس الهجري، القاهرة ١٩٨٦، ١٨٥ - ٢١٩.
стр. 3468
استدركات على بعض التّعليقات الواردة في الكتاب
البيما (١٢: ٣٤٨: ١)
ذكر سعيد بن البطريق أنّ معنى البيما: نسل الأربعين «وذلك أنّ الرّوم لمّا خرجوا من مصر في دخول الإسلام تخلّف منهم أربعون رجلا فتناسلوا وكثروا وتوالدوا بأسفل أرض مصر فسمّوا البيما، أي نسل الأربعين». (التاريخ المجموع ٥٧: ٢).
باب زويلة (٢٦٨: ٢ هـ ٢)
يطلق العامّة على هذا الباب اسم «باب المتولّي»، وهي تسمية ترجع - فيما يبدو - إلى مطلع العصر العثماني (٩٢٣ هـ/ ١٥١٧ م). فنحن نعلم أنّ السّلطان المملوكي أبا النّصر قانصوه الغوري قتل في مرج دابق ببلاد الشّام أثناء مواجهته جيوش سليم الأوّل العثماني. وكان «نائب الغيبة» في القاهرة هو الأمير طومان باي، الذي لم يسارع بعد وصول أنباء اندحار الجيش المملوكي إلى إعلان نفسه سلطانا، بل قبل الأمر بعد إلحاح أمراء المماليك عليه وتدخّل الشّيخ أبي السّعود الجارحي - أحد كبار المتصوّفة في هذا العصر -. لم تكن ظروف البلاد تسمح بعمل احتفال كبير - كما جرى الرّسم - بتوليته السّلطنة، كما أنّ فترة سلطنته لم تتجاوز الثلاثة أشهر إلاّ بأيّام، فلم يعرفه أغلب أهل القاهرة إلاّ ك «متولّ للأمر»، ولهذا السّبب عند ما أعدم العثمانيّون طومان باي على باب زويلة صاح النّاس أنّ المتولّي علّق بباب زويلة، فأطلق على الباب من حينئذ «باب المتولّي».
وكان طومان باي عند ما أيقن بعد اقتياده إلى باب زويلة أنّها النّهاية، طلب إلى أهل القاهرة أن يقرأوا له «الفاتحة» ثلاث مرّات؛ وبعد أن شاهد أهل القاهرة المتولّي طومان باي معلّقا بباب زويلة، كان كلّ من يعبر الباب يقرأ «الفاتحة» ترحّما على طومان باي ولكي يحفظه اللّه من نهاية مماثلة، واستمرّت عادة قراءة الفاتحة عند عبور الباب موصولة عند النّاس.
стр. 3469
ومع ذهاب معاصري هذا الحدث نسى خلفهم دون شك أصل سبب هذه العادة، وإن استمرّوا في قراءة الفاتحة عند عبور هذا الباب الذي اشتهر بين النّاس باسم «باب المتولّي».
وأدّى وجود مكان لمتولّي الحسبة في نواحي هذا الباب في العصر العثماني إلى تفسير جديد لأصل هذه التّسمية، ومع القرن التاسع عشر ارتبطت تسمية الباب بهذا الاسم إلى افتراض وجود شيخ ولي في المكان أطلق عليه العامّة «سيدي المتولّي» (١).
باب الفرج ٢٨٠: ٢ هـ ٢
أضف إلى ما ذكر في الهامش أنّ موردة السّقّائين على الخليج المصري كانت تجاه باب الفرج (٣:
١٧: ٣٦١، ٢٣)، وكان من خرج من باب زويلة يرى عن يمينه الخليج وموردة السّقّائين التي كانت تجاه باب الفرج (٢٢: ٣٦٥: ٣).
الباب المحروق (٢٨٢: ٢ هـ ١)
ظلّ الباب المحروق، الموجود في السّور الأيّوبي الشّرقي للقاهرة، مطمورا تحت تلال البرقيّة (الدّرّاسة) عدّة قرون حتى كشفت عنه، في ديسمبر ١٩٩٨ م، الأعمال التي تقوم بها مؤسّسة الأغاخان AKTC-SE لتهيئة موقع حديقة الدّرّاسة. وفي عام ٢٠٠٠ م تبنّى المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشّرقيّة بالقاهرة IFAO مشروع الحفائر العلمية الخاصّة بالسّور الأيّوبي الشّرقي للقاهرة بقيادة Marianne Barrucand و Stephane Pradines، وكشفت هذه الحفائر عن قسم كبير من السّور يمتدّ من خلف مستشفى الحسين الجامعي وحتى درب المحروق جنوبا. وأظهرت هذه الحفائر «الباب المحروق»، وهو باب متعامد على محور السّور يحيط به من الشّمال برج نصف دائري، ومن الجنوب جدار بارز عن واجهة السّور الخارجية ومتعامد عليها يتّخذ شكل حرف L
_________
(١) راجع، ابن إياس: بدائع الزهور ١٧٦: ٥؛ - Artin Bey، J.، «Bab Zoueylah et la mosquee dAel- Moeyed، notice historique et a necdotique»، BIE،.Fu'ud Sayyid، A; ٤٩ - ١٤٨.pp، (١٨٨٣) serie IV ٢ ٣٠ - ٤٢٩.La capitale de l، Egyte، pp.
стр. 3470
معكوس. وبين البرج والجدار رصيف حجري مرتفع كان يرتكز عليه الطّرف الغربي للجسر الخشبي المتحرّك الذي كان يعبر الخندق أمام الباب. والباب مزوّد بمدخل منكسر ينعطف بزاوية قائمة تقود الدّاخل إلى جهة الشّمال.
وواضح أنّ هذا الباب أنشئ في نفس الوقت الذي شيّد فيه السّور حيث أنّ البدنات المتاخمة للباب متباعدة بحيث تسمح بمساحة للحركة بين المدينة وخارجها. ويشبه المدخل المنكسر لهذا الباب والذي يوجد أمامه خندق يرتكز عليه جسر خشبي متحرّك، وضع الباب الجديد الواقع بالقرب من الزّاوية الشّمالية لسور صلاح الدّين الشّرقي.
وتدلّ قطع الخزف المكتشفة في موضع الباب أنّ الباب هجر منذ أوائل العصر المملوكي، دون شك في أعقاب خروج كبار الأمراء البحرية منه بعد إحراقه وتوجّهم إلى الشّام عقب مقتل الفارس سيف الدّين أقطاي في سنة ٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م (١).
باب المحروق المكتشف حديثا
_________
(١) راجع، Pradines، S.، Michaudel، B. & Monchamp، J.، «La muraille ayyoubide du Caire: les fouilles archeologiques de Bab al- Barqiyya et Bab al-Mahruq»، An.Isl.XXXVI ٥ - ٣٠٤.pp، (٢٠٠٣)؛ واعتبر كاتب المقال أنّ الباب المكتشف هو باب البرقية (برج ٥٢)، وتبع رأي كريزويل في أنّ البرجين ١٣ و ١٤ هما البرجين اللذين كانا يحيطا بباب المحروق (القرّاطين)، وهو ما لا يستقيم مع طبيعة شكل السّور، فباب البرقية هو الباب الواقع إلى الشّمال غرب
следующие страницы →