← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى: لا يلزم الإمام استطابة نفوسهم منه ولا من غيره من الغنائم، إذا رأى المصلحة في ذلك (١). ذكر ديوان الخراج والأموال يقال لكتابة الخراج: قلم التّصريف، وأوّل ما دوّن هذا الدّيوان في الإسلام بدمشق والعراق على ما كان عليه قبل الإسلام. وكان ديوان الشّام بالرّوميّة، وديوان العراق بالفارسيّة، وديوان مصر بالقبطيّة، فنقلت دواوين هذه الأمصار إلى العربية. والذي نقل ديوان مصر من القبطيّة إلى العربيّة عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان أمير مصر، في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة سبع وثمانين، ونسخها بالعربية، وصرف أثيناس عن الدّيوان، وجعل عليه (¬a)) مولى لبني سعد ثم لبني الذيال - بطن منهم عمرو بن حرموز (¬a) - بن يربوع الفزاري من أهل حمص (٢). وأوّل من نقل الدّواوين من الفارسيّة إلى العربية الوليد بن هشام بن قحزم (¬b) بن سليمان بن ذكوان، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. والأكثرون على أنّ الذي نقل ديوان العراق إلى العربية صالح بن عبد الرّحمن كاتب الحجّاج، وكان مولى لبني سعد، وهو يومئذ صاحب دواوين العراق، وذلك بعد سنة ثمانين. وسبب ذلك أنّ صالح بن عبد الرّحمن هذا كان أبوه من سبي سجستان، ومهر صالح في الكتابة، وكتب لزادان فرّوخ كاتب الحجّاج بن يوسف الثّقفي، وخطّ بين يديه بالفارسيّة والعربية؛ فخفّ على قلب الحجّاج، فخاف من زادان وقال له: أنت الذي رقّيتني حتى وصلت إلى الأمير، وأراه قد استخفّني ولا آمن أن يقدّمني عليك فتسقط منزلتك؛ فقال زادان: لا تظنّ ذلك، هو أحوج إليّ منّي إليه، لأنّه لا يجد من يكفيه حسابه غيري. فقال صالح: واللّه لو شئت أن أحوّل الحساب إلى العربية لحوّلته، قال: فحوّل منه أسطرا حتى

стр. 387

أرى، ففعل. فقال له: تمارض فتمارض، فبعث إليه الحجّاج بطبيبه، فشقّ ذلك على زادان، وأمره ألاّ يظهر للحجّاج (١). فاتّفق عقيب ذلك أنّ زادان قتل في فتنة عبد الرّحمن بن محمد بن الأشعث، وهو خارج من موضع كان فيه إلى منزله، فاستكتب الحجّاج بعده صالحا، فأعلم الحجّاج بما جرى له مع زادان في نقل الدّيوان، فأعجبه ذلك وعزم عليه في إمضائه، فنقله من الفارسيّة إلى العربية. وشقّ ذلك على الفرس، وبذلوا له مائة ألف درهم على ألاّ يظهر النّقل، فأبى عليهم، فقال له مروان شاه بن زادان فرّوخ: قطع اللّه أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسيّة. وكان عبد الحميد بن يحيى يقول: للّه درّ صالح، ما أعظم منّته على الكتّاب. وأمّا ديوان الشّام فإنّ الذي نقله من الرّوميّة إلى العربيّة أبو ثابت سليمان بن سعد كاتب الرّسائل؛ واختلف في وقت نقله، فقيل: نقل في خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل: في خلافة هشام بن عبد الملك (٢). وكان الذي يكتب على ديوان الشّام سرجون بن منصور النّصراني في أيّام معاوية بن أبي سفيان، ثم كتب بعده ابنه منصور بن سرجون. ذكر خراج مصر في الإسلام أوّل من جبى خراج مصر (٣) في الإسلام عمرو بن العاص ﵁ فكانت جبايته اثني عشر ألف ألف دينار، بفريضة دينارين دينارين من كلّ رجل. ثم جبى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر أربعة عشر ألف ألف دينار؛ فقال عثمان بن عفّان ﵁ لعمرو بن العاص: يا أبا عبد اللّه، درّت اللّقحة بأكثر من درّها الأوّل؛ فقال: أضررتم بولدها.

стр. 388

وهذا الذي جباه عمرو ثم عبد اللّه، إنّما هو من الجماجم خاصّة دون الخراج. وانحطّ خراج مصر بعدهما، لنموّ الفساد مع الزّمان وسريان الخراب في أكثر الأرض ووقوع الحروب، فلم يجبها بنو أميّة وخلفاء بني العبّاس إلاّ دون الثلاثة آلاف ألف، ما خلا أيام هشام بن عبد الملك، فإنّه وصّى عبد اللّه بن الحبحاب عامل مصر بالعمارة./ فيقال: إنّه لم يظهر من خراج مصر، بعد تناقصه، كثرة إلاّ في وقتين: أحدهما في خلافة هشام بن عبد الملك، عندما ولي الخراج عبيد اللّه بن الحبحاب، فخرج بنفسه ومسح العامر من أراضي مصر والغامر ممّا يركبه ماء النّيل، فوجد قانون ذلك ثلاثين ألف ألف فدّان سوى ارتفاع الجرف ووسخ الأرض، فراكها (١) كلّها وعدّلها غاية التعديل، فعقدت معه أربعة آلاف ألف دينار، هذا والسّعر راخ والبلد بغير مكس ولا ضريبة. وفي سنة سبع ومائة لأوّل أيّام هشام بن عبد الملك، وصّف ابن الحبحاب بمصر طبقات معلومة منسوبه في الدّواوين، ولم تزل إلى ما بعد ذهاب بني أميّة، ومبلغها ألف ألف دينار وسبع مائة ألف دينار وثمان مائة وسبعة وثلاثون دينارا، منها على كور الصّعيد ألف ألف وأربع مائة دينار وعشرون دينارا ونصف، والباقي على كور أسفل الأرض. ويقال: إنّ أسامة بن زيد جباها في خلافة سليمان بن عبد الملك مبلغ اثني عشر ألف ألف دينار. والوقت الثاني في إمارة أحمد بن طولون، لمّا تسلّم أرض مصر من أحمد بن محمد بن مدبّر، وقد خرّب (¬a) أرض مصر حتى بقي خراجها ثمان مائة ألف ألف دينار، فاستقصى أحمد بن

стр. 389

طولون في العمارة وبالغ فيها، فعقدت معه أربعة آلاف ألف دينار وثلاث مائة ألف دينار. وجباها ابنه الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد أربعة آلاف ألف دينار مع رخاء الأسعار أيامئذ، فإنّه ربّما أبيع في الأيام الطّولونية القمح: كلّ عشرة أرادب بدينار. وذكر ابن خرداذبة أنّ خراج مصر في أيام فرعون، كان ستة وتسعين ألف ألف دينار، وأنّ ابن الحبحاب جباها [في أيّام بني أميّة] (¬a) ألفي ألف وسبع مائة ألف وثلاثة وعشرين ألفا وثمان مائة وتسعة وثلاثين دينارا (١). وهذا وهم منه، فإنّ هذا القدر هو ما حمله إلى بيت المال بدمشق بعد أعطية أهل مصر وكلفها. قال: وحمل منها موسى بن عيسى الهاشمي [في دولة بني العبّاس] (¬a) ألفي ألف ومائة ألف وثمانين ألف دينار (٢)، يعني بعد العطاء والمؤن وسائر الكلف. قال: وكان خراج مصر، إذا بلغ النّيل سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع، أربعة آلاف ألف دينار ومائتي ألف وسبعة وخمسين ألف دينار، والمقبوض عن الفدّان دينارين في خلافة المأمون وغيره. وبلغ خراج مصر، في أيّام الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد، ألفي ألف دينار سوى ضياعه التي كانت ملكا له. والإخشيد أوّل من عمل الرّواتب بمصر. وكان كاتبه ابن كلا قد عمل تقديرا عجز فيه المرتّب عن الارتفاع مائتي ألف دينار، فقال له الإخشيد: كيف نعمل؟ قال: حطّ من الجرايات والأرزاق، فليس هؤلاء أولى من الواجب؛ فقال: غدا تجيئني وندبّر هذا. فلمّا أتاه من الغد، قال له الإخشيد: قد فكّرت فيما قلت، فإذا أصحاب الرّواتب ضعفاء وفيهم المستورون وأبناء النّعم، ولست آخذ هذا النّقص إلاّ منك؛ فقال ابن كلا: سبحان اللّه! فقال: تسبيحا! وما زال به الإخشيد حتى أخذ خطّة بالقيام بذلك. فعوتب على ما صنعه، فقال: يا قوم اسمعوا إيش كان يعمل جاه أحمد بن محمد بن الماذرائي، فقال له: ما بيني وبين السّلطان معاملة، ولا للإخشيد عليّ طريق، وهذه هديّة عشرة

стр. 390

آلاف دينار للإخشيد، وألف دينار لك. فجاءني وقال: لك قبل ابن الماذرائي مطالبة؟ فقلت: لا، فقال: هذه ألف دينار قد جاءتك على وجه الماء، فأعطاني ألفا وأخذ عشرة آلاف دينار. وأهدى إليّ محمد بن علي الماذرائي في وقت عشرين ألف دينار على يده، فاستقللتها. فلمّا اجتمعنا عاتبته، فقال لي: أرسلت إليك مائة ألف دينار، ولابن كلا كاتبك عشرين ألف دينار، فأخذ المائة وأعطاني العشرين ألفا. فذكرت قول محمد بن عليّ له، فقال: ما أبرد هذا! حفظت لك المائة ألف لوقت حاجتك، تريدها؟ خذها وأنا أعلم أنّك تتلفها! وبلغت الرّواتب في أيّام كافور الإخشيدي خمس مائة ألف دينار في السنة لأرباب النّعم والمستورين وأجناس الناس، ليس فيهم أحد من الجيش ولا من الحاشية ولا من المتصرّفين في الأعمال، فحسّن له عليّ بن صالح الرّوذباري الكاتب أن يوفّر من مال الرّواتب شيئا ينتقصه من أرزاق الناس. فساعة جلس يعمل ذلك، حكّه جبينه فحكّه بقلمه، والحكاك يزيد به، إلى أن قطع العمل وقام لما به، فعولج حينئذ بالحديد حتى مات في رمضان سنة تسع (¬a) وأربعين وثلاث مائة. وهذه موعظة من اللّه لمن توسّط للناس بالسّوء، قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلّا بِأَهْلِهِ﴾ [الآية ٤٣ سورة فاطر]. ولمّا مات كافور، نزلت محن شديدة كثيرة بمصر من الغلاء والفناء والفتن، فاتّضع خراجها إلى أن قدم جوهر القائد من بلاد المغرب بعساكر مولاه المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، فجبى الخراج لسنة ثمان وخمسين وثلاث مائة: ثلاثة آلاف ألف دينار (¬b)) ومائتي ألف دينار جباها في سنة تسع وخمسين وثلاث مائة ثلاثة آلاف ألف (¬b) وأربع مائة ألف دينار ونيفا. وأمر الوزير النّاصر للدين أبو [محمد] (¬c) الحسن [بن عليّ بن] (¬c) عبد الرّحمن اليازوريّ، وزير مصر في خلافة المستنصر باللّه بن الظّاهر، أن يعمل قدر ارتفاع الدّولة وما عليها من النّفقات، فعمل أرباب كلّ ديوان ارتفاعه وما عليه، وسلّم الجميع لمتولّي ديوان المجلس وهو زمام الدّواوين، فنظم عليه عملا جامعا وأتاه به، فوجد ارتفاع/ الدّولة ألفي ألف دينار: منها الشّام ألف ألف دينار، ونفقاته بإزاء ارتفاعه والرّيف وباقي الدّولة ألف ألف دينار (١).

стр. 391

وقال القاضي أبو الحسن (١) في كتاب «المنهاج في علم الخراج»: وقفت على مقايسة عملت لأمير الجيوش بدر الجمالي، حين قدم مصر في أيّام الخليفة المستنصر وغلب على أمرها وقهر من كان بها من المفسدين، شرح فيها أنّ الذي اشتمل عليه الارتفاع في الهلالي لسنة ثلاث وثمانين وأربع مائة، وفي الخراجي على ما يقتضيه الدّيوان فيه - ممّا كان جاريا في الأعمال المصرية من الخراج وما يجري معه، والمضمون والمقطع والمورّد بغيره، والمحلول بالقاهرة ومصر وضواحيهما وناحيتي الشّرقيّة والغربيّة، من أسفل الأرض وأعمالها وتنّيس ودمياط وأعمالهما والإسكندرية والبحيرة والأعمال الصّعيدية العالية والدّانية وواحات وعيذاب، لسنة ثمانين وأربع مائة الخراجية على الرّسوم المصرية، وما كان من الأعمال الشّامية التي أوّلها من حدّ الشّجرتين وهو أوّل الأعمال الفلسطينية والأعمال الطّرابلسية، ولسنة ثمان وسبعين وأربع مائة الخراجيّة - على ما استقرّت عليه الجملة: عينا ثلاثة آلاف ألف ومائة ألف دينار؛ وأنّ الذي استقرّت عليه جملة ما كان يستأدى في سنة ستّ وستين وأربع مائة الهلالية، قبل نظر أمير الجيوش، الموافقة لسنة ثلاث وستين وأربع مائة الخراجية، فكان مبلغها ألفي ألف وثمان مائة ألف دينار، وكان الزّائد للسنة الجيوشية عمّا قبلها ثلاث مائة ألف دينار، ممّا أعرب عنه حسن العمارة وشمول العدل وكان نظم هذه المقايسة في ذي الحجة (¬a) سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة (٢). وذكر ابن ميسّر أنّ الأفضل بن أمير الجيوش أمر بعمل تقدير ارتفاع ديار مصر، فجاء خمسة آلاف ألف دينار (٣)، ثم تقاصرت إلى أن جباها القاضي الموفّق أبو الكرم [محمّد] (¬b) بن معصوم العاصمي التّنّيسي (٤): عينا خالصا إلى بيت المال، بعد المؤن والكلف، ألف ألف دينار ومائتي ألف

стр. 392

دينار إلى آخر سنة أربعين وخمس مائة. ثم بعده لم يجبها هذه الجباية أحد حتى انقرضت الدّولة الفاطمية (١). وذكر القاضي الفاضل في «مياوماته»: أنّ عبر البلاد من إسكندرية إلى عيذاب لسنة خمس وثمانين وخمس مائة، خارجا عن الثّغور وأرباب الأموال الديوانية وعدّة نواح، أربعة آلاف ألف وست مائة ألف وثلاثة وخمسون ألفا وتسعة عشر (¬a) دينارا. وسبب اتّضاع خراج مصر - بعد ما بلغ مع الرّوم في آخر سنة ملكوا قبل فتح مصر عشرين ألف ألف دينار - أنّ الملوك لم تسمح نفوسهم بما كان ينفق في كلف عمارة الأرض، فإنّها تحتاج أن ينفق عليها ما بين ربع متحصّلها إلى ثلثه. وآخر ما اعتبر حال أرض مصر، فوجد مدّة حرثها ستين يوما، ومساحة أرضها مائة ألف ألف وثمانين ألف ألف فدّان، يزرع منها في مباشرة ابن مدبّر أربعة وعشرون ألف ألف فدّان، وأنّه لا يتم خراجها حتى يكون فيها أربع مائة ألف وثمانون ألف حرّاث يلزمون العمل فيها دائما. فإذا أقيم بها هذا القدر من العمّال في الأرض، تمّت عمارتها، وكمل خراجها. وآخر ما كان بها مائة ألف وعشرون ألف مزارع: في الصّعيد سبعون ألفا، وفي أسفل الأرض خمسون ألفا. وقد تغيّر الآن جميع ما كان بها من الأوضاع القديمة، واختلّت اختلالا فاضحا. ذكر أصناف أراضي مصر وأقسام زراعتها (٢) اعلم أنّ أراضي مصر عدّة أصناف: أعلاها قيمة وأوفاها سعرا وأعلاها قطيعة، «الباق»: وهو أثر القرظ [والقطاني] (¬b) والمقاثي، فإنّه يصلح لزراعة القمح.

стр. 393

وبعد الباق «ريّ الشّراقي»: وهو الأرض التي ظمئت في الخالية، فلمّا رويت في الآتية وصارت مستريحة من الزّرع وزرعت، أنجب زرعها. و «البرايب» (١): وهو أثر القمح والشّعير، وسعرها دون الباقي لضعف الأرض بزراعة هذين الصّنفين، فمتى زرعت على أثر أحدهما لم ينجب كنجابة الباق. والبرايب صالح لزراعة القرط والقطاني والمقاتي، فإنّ الأرض تستريح بزراعة هذه الأصناف، وتصير في القابل أرض باق. و «البقماهة» (٢) أثر الكتّان، فإن زرعت قمحا حسن. و «الشّتونيّة» (٣) أثر ما روي وبار في السنة الماضية، وهو دون الشّراقي. و «السّلايح» (٤): ما روي وبار فحرث وتعطّل، وهو مثل ريّ الشّراقي، فإنّ زرعه يكون ناجبا. و «النّقا» (٥): كلّ أرض خلت من أثر ما زرع فيها، ولم يبق بها شاغل عن قبول ما يزرع فيها من أصناف الزّراعات. و «الوسّخ» (٦) كلّ أرض استحكم وسّخها، ولم يقدر الزّارعون على إزاحته كلّه منها، بل حرثوا وزرعوا فيها فجاء زرعها مختلطا بالحلفاء ونحوها. و «الغالب» (٧): كلّ أرض حصل فيها نبات شغلها عن قبول الزّراعة، ومنع كثرته من زراعتها وصارت مراعي. و «الخرس»: كلّ أرض فسدت بما استحكم فيها من موانع قبول الزّرع وكانت بها مراع، وهو أشدّ من الوسّخ الغالب، وإذا أدمن على إزالة ما فيها من الموانع تهيّأ صلاحها. و «الشّراقيّ»: كلّ أرض لم يصل إليها الماء، إما لقصور ماء النّيل أو علوّ الأرض، أو سدّ طريق الماء عنها أو غير ذلك.

стр. 394

/ و «المستبحر»: كلّ أرض وطيئة حصل بها الماء ولم يجد مصرفا، حتى فات أوان الزّرع وهو باق في الأرض. و «السّباخ»: كلّ أرض غلب عليها الملح حتى صلحت ولم ينتفع بها في زراعة الحبوب، وربّما زرعت - ما لم يستحكم السّباخ فيها - غير الحبوب كالهليون والباذنجان، ويزرع فيها القصب الفارسي. وممّا لا غنى لأراضي مصر عنه «الجسور»، وهي على قسمين: سلطانيّة، وبلديّة، ف «الجسور السّلطانية» هي لعامّة النّفع في حفظ النّيل على البلاد كافّة إلى حين يستغنى عنه، ولها رسوم موظّفة على الأعمال الشرقية والأعمال الغربية، وكانت في القديم تعمل من أموال النّواحي، ويتولّى عملها مستقبلو الأراضي، ويعتد لهم بما صرف عليها ممّا عليهم من قبالات الأراضي، ثم صار بعد ذلك يستخرج، برسم عملها من هذين العملين، مال بأيدي المستخدمين من الدّيوان ويصرف عليها، ويفضل من المال بقيّة تحمل إلى بيت المال (١). ثم صار يتولّى ذلك أعيان أمراء الدّولة إلى أن حدثت الحوادث في أيّام النّاصر فرج، فصار يجبى من البلاد مال عظيم ولا يصرف منه شيء ألبتّة، بل يرفع إلى السّلطان، ويتفرّق كثير منه بأيدي الأعوان، ويسخّر أهل البلاد في عمل الجسور، فيجيء الخلل كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى عند ذكر أسباب الخراب. وأمّا «الجسور البلديّة» فإنّها عبارة عمّا يخص نفعها ناحية دون ناحية، ويتولّى إقامتها المقطعون والفلاّحون من أصل مال الناحية. ومحلّ الجسور السّلطانية من القرى محلّ سور المدينة الذي يتعيّن على السّلطان الاهتمام بعمارته وكفاية الرّعيّة أمره. ومحل الجسور البلديّة محل الدّور التي من داخل السّور، فيلزم صاحب كلّ دار أن يصلحها ويزيل ضررها. ومن العادة أنّ المقطع إذا انفصل - وكان قد أنفق شيئا من مال إقطاعه في إقامة جسر لأجل عمارة السّنة التي انتقل الإقطاع عنه فيها - فإنّ له أن يستعيد من المقطع الثاني نظير ما أنفقه من مال سنته في عمارة سنة غيره (٢). وأصلح ما زرع «القمح» في أثر الباق والشّراقي، وكان يزرع بالصّعيد القمح على أثر القمح لكثرة الطّرح، وربّما زرع هناك على أثر الكتّان والشّعير. ويزرع القمح من نصف شهر بابة إلى

стр. 395

آخر هاتور، وهذا في العوالي من الأرض التي تخرج بدريا، وأمّا البحائر المتأخّرة فيمتد وقت الزّرع فيها إلى آخر شهر (¬a) كيهك. ومقدار ما يحتاج إليه الفدّان الواحد من بذر القمح يختلف بحسب قوّة الأرض وضعفها ورقّتها وتوسّطها، وما يزرع في التّلويق (¬b) وما يزرع في الحرث، وأكثر البذر من أردبّ إلى خمس ويبات وأربع ويبات أيضا، ويوجد في الصّعيد أراض تحتمل دون هذا، وفي حوف رمسيس أراض يكفى الفدّان منها نحو الويبتين. ويدرك الزّرع بمصر في بشنس (وهو نيسان). ويختلف ما يخرج عن فدّان القمح بحسب الأراضي، فيرمي من إردبّين إلى عشرين إردبّا (١). وقال أبو بكر بن وحشية في كتاب «الفلاحة النّبطيّة»: وذكر أنّ في مصر إذا زرعوا يخرج من المدّ ثلاث مائة مدّ. والعلّة في ذلك حرارة هواء بلادهم، مع سمن أرضهم وكثرة لدودة (¬c) ماء النّيل (٢). ولمّا كان في سنة ستّ وثمان مائة، انحسر الماء عن قطعة أرض من بركة الفيّوم التي يقال لها اليوم: بحر يوسف، فزرعت وجاء زرعها عجيبا رمى الفدّان منها أحدا وسبعين أردبّا من شعير بكيل الفيّوم، وأردبّها تسع ويبات. وكانت قطيعة الفدّان القمح ببلاد الصّعيد، في الأيّام الفاطميّة، ثلاثة أرادبّ، فلمّا مسحت البلاد، في سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، تقرّر على كلّ فدّان إردبّان ونصف، ثم صار يؤخذ إردبّان عن الفدّان. وأمّا أراضي أسفل الأرض فيؤخذ عنها عين لا غلّة. ويزرع «الشّعير» في أثر القمح وغيره في الأرض التي غرقت وهي رطبة، وتتقدّم زراعته على زراعة القمح بأيام، وكذلك حصاده فإنّه يحصد قبل القمح. ويحتاج الفدّان منه أن يبذر فيه بحسب الأرض، ويخرج أكثر من القمح، ويكون إدراكه في برمودة (وهو آذار ونيسان) (٣).

стр. 396

ويزرع «الفول» في الحرث إثر البرايب من أوّل شهر بابة، ويؤكل وهو أخضر في شهر كيهك. ويحتاج الفدّان من البذر منه إلى ثلاث ويبات ونحوها، ويدرك في برمودة، ويتحصّل من فدّانه ما بين عشرين إردبّا إلى ما دون ذلك (١). ويزرع «العدس» و «الحمّص» من شهر هاتور إلى كيهك. و «الجلبان» لا يزرع إلاّ في أرقّ الأراضي حرثا من الأرض العالية، ويزرع تلويقا في الأراضي الخرس. وينذر في كلّ فدّان من الحمّص من أردبّ إلى ثمان ويبات، ومن الجلبان من أردبّ إلى أربع ويبات، ومن العدس من ويبتين إلى ما دونهما. وتدرك هذه الأصناف في برمودة. ويتحصّل من فدّان الحمّص من أربعة أرادب إلى عشرة، ومن الجلبان من عشرة أرادبّ إلى ما دونها، والعدس من عشرين إردبّا إلى ما دونها (٢). وأنجب ما يكون «الكتّان» إذا زرع في البرش (٣)، ويحتاج أن يسبّخ بتراب سبخ، وهو إذا طال رقد، ويقلع قضبانا ويسمّى حينئذ أسلافا، وينشر في موضعه حتى يجفّ، فإذا جفّ حمل وهدر وعزل جوزه، فيخرج منه بزر الكتان، ويستخرج منه الزّيت/ الحار. ويزرع الكتّان في شهر هاتور، ويحتاج الفدّان أن يبذر فيه من البزر ما بين أردبّ وثلث إلى ما دون ذلك، ويدرك في شهر برمودة، ويخرج من الفدّان ما بين ثلاثين شدّة إلى ما دون ذلك، ومن البزر من ستة أرادبّ إلى ما دونها. وكانت قطيعة الفدّان منه في القديم: بأرض الصّعيد من خمسة دنانير إلى ثلاثة، وفي دلاص ثلاثة عشر دينارا، وفيما عدا ذلك ثلاثة دنانير (٤). ويزرع «القرط» عند أخذ ماء النّيل في النّقصان، ولا ينبغي تأخير زرعه إلى أوان هبوب الرّيح الجنوبية التي يقال لها: المريسيّة، وأوّل ما يبذر في شهر بابة، وربّما زرع بعد النّوروز. والحراثي منه يزرع في كيهك وطوبة، ويزرع أحيانا في هاتور، ويبذر في كلّ فدّان من ويبتين ونصف إلى ما حولها، ويدرك الأخضر منه في آخر شهر كيهك، ويدرك الحراثي في طوبة وأمشير، ويتحصّل من الفدّان الحراثي ما بين أردبّين إلى أربع ويبات (٥).

стр. 397

ويزرع «البصل والثّوم» من شهر هاتور إلى نصف كيهك. ويبذر في فدّان البصل من نصف وربع ويبة إلى ويبة، والثّوم من مائة حزمة إلى مائة وخمسين حزمة، ويدرك ذلك في برمودة. والبصل الذي يخرج ليزرع زريعة، فإنّه يزرع من أوّل كيهك إلى العاشر من طوبة، ويخرج من زريعته عشرة أرادب من الفدّان، ويدرك في بشنس (١). ويزرع «التّرمس» في طوبة، وزريعته لكلّ فدّان أردبّ، ويدرك في برمودة، ويتحصّل من الفدّان ما بين عشرين أردبّا إلى ما دونها (٢). وأمّا الأصناف الصّيفيّة: فإنّ البطّيخ واللّوبيا يزرعان من نصف برمهات إلى نصف برمودة، ويزرع في الفدّان قدحان، ويدرك في بشنس (٣). ويزرع السّمسم في برمودة، وزريعته ربع ويبة للفدّان، ويدرك في أبيب ومسرى، ويتحصّل من الفدّان ما بين أردبّ إلى ستة أرادب (٤). ويزرع القطن في برمودة، وزريعته أربع ويبات حبّ للفدّان، ويدرك في توت، فيخرج من الفدّان من ثمانية قناطير بالجروي إلى ما دونها (٥). ويزرع قصب السّكّر من نصف برمهات في أثر الباق والبرش، وتبرش أرضه سبع سكك [حرثا وتثنية وتثليثا وتوريبا وتعديلا وتخطيطا وتقطيعا] (¬a)، وأنجبه ما تكامل له ثلاث عزقات قبل انقضاء شهر بشنس، ومقدار زريعته ثمن فدّان وما حوله لكلّ فدّان (٦). ويحتاج القصب إلى أرض جيّدة دمثة، قد شملها الرّيّ وعلاها ماء النّيل، وقلع ما بها من الحلفاء ونظّفت، ثم برشت بالمقلقلات (وهي محاريث كبار) ستة وجوه وتجرّف حتى تتمهّد، ثم تبرش ستة وجوه أخرى وتجرّف. ومعنى البرش: الحرث. فإذا صلحت الأرض وطابت ونعمت وصارت ترابا ناعما وتساوت بالتّجريف، شقّت حينئذ بالمقلقلات، ويرمى فيها القصب قطعتين: قطعة مثنّاة وقطعة مفردة، بعد أن تجعل الأرض

стр. 398

أحواضا وتفرز لها جداول يصل الماء منها إلى الأحواض، ويكون طول كلّ قطعة من القصب ثلاثة أنابيب كوامل وبعض أنبوبه من أعلى القطعة وبعض أخرى من أسفلها، ويختار ما قصرت أنابيبه وكثرت كعوبه من القصب، ويقال لهذا الفعل: النّصب. فإذا كمل نصب القصب أعيد التّراب عليه، ولا بدّ في النّصب أن تكون القطعة ملقاة لا قائمة، ثم يسقى - من حين نصبه في أوّل فصل الرّبيع - لكلّ سبعة أيّام مرة. فإذا نبت القصب وصار أوراقا ظاهرة، نبتت معه الحلفاء والبقلة الحمقاء التي يسمّيها أهل مصر الرّجلة، فعند ذلك تعزق أرضه (ومعنى العزاق أن تنكش أرض القصب) وينظّف ما نبت مع القصب. ولا يزال يتعاهد ذلك حتى يغزو القصب ويقوى ويتكاثف، فيقال عند ذلك: طرد القصب عزاقه، فإنّه لا يمكن عزاق الأرض ولا يكون هذا، حتى يبرز الأنبوب منه. ومجموع ما يسقى بالقادوس ثمانية وعشرون ماء. والعادة أنّ الذي ينصب من الأقصاب على كلّ مجال بحراني، أي مجاور للبحر - إذا كانت مزاحة الغلّة بالأبقار الجياد مع قرب رشاء الآبار - ثمانية أفدنة، ويحتاج إلى ثمانية أرؤس بقر، فإن كانت الآبار بعيدة عن مجرى النّيل لا يمكن حينئذ أن يقوم المجال بأكثر من ستة أفدنة إلى أربعة. فإذا طلع النّيل وارتفع، سقى القصب عند ذلك ماء الرّاحة؛ وصفة ذلك أن يقطع عليه من جانب جسر يكون قد أدير عليه ليقيه من الغرق عند ارتفاع النّيل بالزّيادة، فيدخل الماء من ثلمة في ذلك الجسر حتى يعلو على أرض القصب نحو شبر، ثم يسدّ عنه الماء حتى لا يصل إليه، ويترك الماء فوق الأرض قدر ساعتين أو ثلاث إلى أن يسجن، ثم يصرف من جانب آخر حتى ينضب كلّه، ويجدّد عليه ماء آخر كذلك، فيتعاهد ما ذكرنا مرارا في أيّام متفرّقة بقدر معلوم، ثم يفطم بعد ذلك. فإذا عمل ما قلناه وفّى القصب حقّه، فإن نقص عن ذلك حصل فيه الخلل. ولا بدّ للقصب من القطران قبل أن يحلو حتى لا يسوّس. ويكسر القصب في كيهك. ولا بد من حرق آثار القصب بالنّار، ثم سقيه وعزقه كما تقدّم، فينبت قصبا يقال له: الخلفة، ويسمّى الأوّل الرّأس، وقنود الخلفة أجود غالبا من قنود الرّأس. ووقت إدراك الرأس في طوبة، والخلفة في نصف هاتور. وغاية إدارة معاصر القصب إلى النّوروز. ويحصل من الفدّان ما بين/ أربعين أبلوجة قند إلى ثمانين أبلوجة، والأبلوجة تسع قنطارا فما حوله.

стр. 399

ويزرع القلقاس مع القصب، ولكلّ فدّان عشرة قناطير قلقاس جرويّة. ويدرك في هاتور (١). ويزرع الباذنجان في برمهات وبرمودة وبشنس وبئونة، ويدرك من بئونة إلى مسرى (٢). وتزرع النّيلة من بشنس، والزّريعة للفدّان ويبة، ويدرك من أبيب (٣). ويزرع الفجل طول السّنة، وزريعة الفدّان من قدح واحد إلى قدحين (٤). ويزرع اللّفت في أبيب، وزريعة الفدّان قدح واحد، ويدرك بعد أربعين يوما (٥). ويزرع الخسّ في طوبة شتلا، ويؤكل بعد شهرين (٦). ويزرع الكرنب في توت شتلا، ويدرك في هاتور (٧). ويغرس الكرم في أمشير، نقلا وتحويلا. ويغرس التّين والتّفّاح في أمشير. ويقلّم التّوت في برمهات ويغرس. ويبلّ اللّوز والخوخ والمشمش في ماء طوبة ثلاثة أيام - وهي قضبان - ثم يغرس، ويحوّل شجرها في طوبة. ويزرع نوى التّمر، ثم يتحوّل وديا، فينقل. ويدفن بصل النّرجس في مسرى. ويزرع الياسمين في أيّام النّسيء وفي أمشير. ويزرع المرسين في طوبة وأمشير، غرسا. ويزرع الرّيحان في برمودة. ويزرع حبّ المنثور في أيّام النّيل. ويزرع الموز الشّتوي في طوبة، والصّيفي في أمشير. ويحوّل الخيار شنبر في برمهات. وتقلّم الكروم [في أمشير] (¬a) على ريح الشّمال، إلى ليال من برمهات، حتى تخرج العين منها. وتقلّم الأشجار في طوبة وأمشير، إلاّ السّدر - وهو شجر النّبق - فإنّه يقلّم في برمودة (٨). وتسقى الأشجار في طوبة ماء واحدا، ويسمّونه ماء الحياة. وتسقى في أمشير ثانيا عند خروج الزّهر. وتسقى في برمهات ماءين آخرين إلى أن ينعقد التّمر. وتسقى في بشنس ثلاث مياه. وتسقى في بئونة وأبيب ومسرى ماء في كلّ سبعة أيام. وتسقى في توت وبابة مرّة واحدة تغريقا من ماء النّيل. وتسقى في هاتور من ماء النّيل بتغريق المساطب. ويسقى البعل من الكروم في هاتور من ماء النّيل مرّة واحدة تغريقا (٩). وجميع أراضي مصر تقاس بالفدّان، وهو عبارة عن أربع مائة قصبة حاكميّة طولا في عرض قصبة واحدة؛ والقصبة ستة أذرع وثلثا ذراع بذراع القماش، وخمسة أذرع بذراع النّجّار تقريبا (١٠).

стр. 400

وقال القاضي أبو الحسن في كتاب «المنهاج»: خراج مصر قد ضرب على قصبة في المساحة اصطلح عليها، زرع المزارع على حكمها. وتكسير الفدّان أربع مائة قصبة، لأنّه عشرون قصبة طولا في عشرين قصبة عرضا. وقصبة المساحة تعرف بالحاكميّة، وهي تقارب خمسة أذرع بالنّجّاري (١). ذكر أقسام مال مصر اعلم أنّ مال مصر في زمننا ينقسم قسمين: أحدهما يقال له: «خراجي»، والآخر يقال له: «هلالي». ف «المال الخراجيّ» ما يؤخذ مسانهة من الأراضي التي تزرع حبوبا ونخلا وعنبا وفاكهة، وما يؤخذ من الفلاّحين هدية مثل الغنم والدّجاج والكشك وغيره من طرف الرّيف. و «المال الهلاليّ» عدّة أبواب، كلّها أحدثها ولاة السّوء شيئا بعد شيء. وأصل ذلك في الإسلام أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ بلغه أنّ تجّارا من المسلمين يأتون بأرض الهند (¬a) فيأخذون منهم العشر، فكتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة: أن خذ من كلّ تاجر يمرّ بك من المسلمين من كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، وخذ من كلّ تاجر من تجّار العهد - يعني أهل الذّمّة - من كلّ عشرين درهما درهما، ومن تجّار الحرب من كلّ عشرة دراهم درهما. وقيل لابن عمر: كان عمر يأخذ من المسلمين العشر؟ قال: لا. ونهى عمر بن عبد العزيز عن ذلك، وكتب: ضعوا عن الناس هذه المكوس، فليس بالمكس ولكنّه النّجش. وروي أنّ عمر بن الخّطّاب ﵁ أتاه ناس من أهل الشّام، فقالوا: أصبنا دوابّا وأموالا فخذ منها صدقة تطهّرنا بها؛ فقال: كيف أفعل ما لم يفعل من كان قبلي؟ وشاور؛ فقال عليّ بن أبي طالب ﵁: لا بأس به إن لم يأخذه من بعدك. فأخذ عن العبد عشرة دراهم وكذلك عن الفرس، وعن الهجين ثمانية، وعن البرذون والبغل خمسة. وأوّل من وضع على الحوانيت الخراج في الإسلام أمير المؤمنين أبو عبد اللّه محمد بن أبي جعفر المنصور في سنة سبع وستين ومائة، وولي ذلك سعيد الجرشي.

стр. 401

وأوّل من أحدث مالا سوى مال الخراج بمصر، أحمد بن محمد بن مدبّر - لمّا ولي خراج مصر بعد سنة خمسين ومائتين - فإنّه كان من دهاة الناس وشيّاطين الكتّاب؛ فابتدع في مصر بدعا صارت مستمرّة من بعده لا تنقض، فأحاط بالنّطرون وحجر عليه بعد ما كان مباحا لجميع الناس، وقرّر على الكلأ الذي ترعاه البهائم مالا سمّاه «المراعي»، وقرّر على ما يطعم اللّه من البحر مالا وسمّاه «المصايد»، إلى غير ذلك. فانقسم من حينئذ مال مصر إلى «خراجي» و «هلاليّ»، وعرف المال الهلالي لعهدئذ ب «المرافق والمعاون» (¬a) (١). فلمّا ولي الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون إمارة مصر، وأضاف إليه أمير المؤمنين المعتمد على اللّه/ الخراج والثّغور الشّاميّة، رغب وتنزّه على أدناس المعاون والمرافق، وكتب بإسقاطها في جميع أعماله، وكانت تبلغ بمصر خاصّة مائة ألف دينار في كلّ سنة؛ وله في ذلك خبر فيه أكبر معتبر، قد ذكرته عند ذكر أخبار الجامع الطّولوني من هذا الكتاب (٢). ثم أعيدت الأموال الهلالية في أثناء الدّولة الفاطمية عندما ضعفت، وصارت تعرف ب «المكوس» واحدها مكس. فلمّا استبدّ السّلطان النّاصر صلاح الدين أبو المظفّر يوسف بن أيّوب بملك مصر، أمر بإسقاط مكوس مصر والقاهرة، فكتب عنه القاضي الفاضل مرسوما بذلك؛ وكان جملة ذلك في كلّ سنة مائة ألف دينار، تفصيلها: مكس البهار وعمالته: ثلاثة وثلاثون ألفا وستّ مائة (¬b) وأربعة وستون دينارا. مكس البضائع والقوافل وعمالتها: تسعة آلاف وثلاث مائة وخمسون دينارا. منفلت الصّناعة، عن مكس البزّ الوارد إليها والنّحاس والقصدير والمرجان والمفاضلات: خمسة آلاف ومائة وثلاثة وتسعون دينارا. الصّادر عن الصّناعة بمصر: ستة آلاف وستّ مائة وستة وستون دينارا. سمسرة التّمر: ثلاث مائة دينار. الفندق بالمنية عن مكس البضائع: ثمان مائة دينار وستة وخمسون دينارا. رسوم دار القند (٣): ثلاثة آلاف ومائة وثمانية دنانير. رسوم الخشب الطّويل والملح: ستّ مائة وستة وسبعون دينارا. رسوم الفلت [كذا] المنسوبة إلى بلبيس

стр. 402

والبوري: مائة دينار. رسوم التّفتيش بالصّناعة عن البهار وغيره: مائتان وسبعة عشر دينارا. خيمة أرمنت عن الوارد إليها: سبعة وستون دينارا. فندق القطن: ألفا دينار. سوق الغنم بالقاهرة ومصر والسّمسرة وعبور الأغنام بالجيزة: ثلاثة آلاف وثلاث مائة وأحد عشر دينارا. عبور الأغنام والكتّان والأبقار بباب القنطرة: ألف ومائتا دينار. واجب ما يرد (¬a) من الكتّان الحطب إلى الصّناعة: مائتا دينار. رسوم واجب الغلاّت، كالحبوب الواردة إلى الصّناعة والمقس والمنية والجسر والتّبّانين ومفالت جزيرة الذّهب وطمّوه وسر الدّرج: ستة آلاف دينار. مكس ما يرد إلى الصّناعة من الأغنام: ستة وثلاثون دينارا. الأغنام البيتوتيّة: اثنا عشر دينارا. العرصة والسّرسناوي بالجيزة، ومكس الأغنام: مائة وتسعون دينارا. منفلت الفيّوم عمّا يرد من الكتّان من القبلة ومن البضائع الواردة من الفيّوم وغيره: أربعة آلاف ومائة وستون دينارا. مكس الورف (¬b) المجلوب إلى الصّناعة ورسم التّفتيش: مائتا دينار. الجفنة (¬c) بساحل الغلّة والأقوات والرّسائل: سبع مائة وثمانية وستون دينارا. (¬d)) فلت العريف بالصّناعة الصادرة مائتا دينار (¬d) دار التّفّاح والرّطب بمصر والعرصة بالقاهرة: ألف وسبع مائة دينار. رسم ابن المليجي: مائتا دينار. دار الجبن: ألف دينار. مشارفة الجزّارين (¬e): مائتان وأربعون دينارا. واجب الحليّ الوارد من الوجه البحري والقطن: ألف وعشرون دينارا. رسم سمسرة الصّفا: ألف ومائتا دينار. منفلت الصّعيد: مائة وأحد وستون دينارا. خاتم الشّرب والدّبيقي: ألف وخمس مائة دينار. مكس الصّوف: مائتا دينار. نصف الموردة بساحل المقس: أربعة عشر دينارا دكّة السّمسار: ثلاث مائة وخمسون دينارا. فلت التعريف (¬f) بالصّناعة وحملة البهار والبضائع: مائتان وستة عشر دينارا. الحلفاء الواردة من القبلة: مائة وخمسة وثلاثون دينارا. الوتد (¬g) والشرقية والطّعم بدار التّفّاح ومنفلت القبلة بالتّبّانين والجسر: خمسة وثلاثون دينارا. رسوم الصّفا والحمراء ورسوم دار الكتّان: ستون دينارا. حماية الغلاّت بالمقس ودار الجبن: مائة وأربعون دينارا. الحلفاء الواردة على الجسر ومعدّيّة المقياس (¬h): مائة دينار. خمس البرنية بالجيزة: عشرون دينارا. تلّ التّعريف بالصّناعة: ثمانية وعشرون دينارا. منفلت الغلاّت بمعدّية جزيرة الذّهب: عشرة دنانير.

стр. 403

رسوم الحمام بساحل الغلّة: خمس مائة وأربعة وثلاثون دينارا. واجب الحنّاء الوارد في البر، ثمان مائة دينار. واجب الحلفاء والقضاب. ثلاثة وستون دينارا. مكس ما يرد من البضائع إلى المنية: مائة وأربعة وثمانون دينارا. مسلخة شطنوف البرّانيّة: مائتا دينار. سوق السّكّريين: خمسون دينارا. رسوم سيمة (¬a) الجملى بالشّارع وسوق وردان: تسعة عشر دينارا. واجب الفحم الوارد إلى القاهرة: عشرة دنانير. معدّيّة الجسر بالجيزة: مائة وعشرون دينارا. سيمة (¬a) البقري: أربعون دينارا السنيمة (¬a) بدار الدّباغة: تسعة عشر دينارا. سمسرة الحبس الجيوشي: ثلاث مائة واثنا عشر دينارا. دكّان الدّهن ومعصرة السّيرج والخلّ بالقاهرة: خمس مائة دينار. الخلّ الحامض وما معه أربع مائة وخمسة دنانير. بيوت الغزل والمصطبة: ثلاث مائة وخمسون دينارا. ذبائح الأبقار: ألف دينار. سوق السّمك بالقاهرة ومصر: ألف ومائتا دينار. رسوم الدّلالة: ثلاث مائة دينار. سمسرة الكتّان ثلاث مائة دينار. رسوم حماية الصّناعتين: أربع مائة دينار. مربّعة العسل: مائتان واثنان وثلاثون دينارا. معادي جزيرة الذّهب وغيرها: ثلاث مائة دينار. خاتم الشّمع بالقاهرة: ثلاثة وستون دينارا. زريّة الذّبيحة: سبع مائة دينار. معدّيتا المقياس وإمبابة: مائتا دينار. حمولة السّلجم: ثلاث مائة وثلاثون دينارا. مكس دكّة الدّبّاغ: ثمان مائة دينار. سوق الرّقيق: خمس مائة دينار. معمل الطّبري/: مائتان وأربعون دينارا. سوق منبوبة: مائة وأربعة وستون دينارا. ذبائح الضّأن بالجيزة ورسوم ساحل السّنطة: عشرة دنانير. نخّ السّمك. خمسة دنانير. تنّور الشّوي: مائة دينار. نصف الرّطل من مطابخ السّكّر: مائة وخمسة وثلاثون دينارا. (¬b) خاتم الحلّي: مائة وعشرون دينارا (¬b) سوق الدّواب بالقاهرة ومصر: أربع مائة دينار. سوق الجمال: مائتان وخمسون دينارا. قبّان الحنّاء: ثلاثون دينارا. واجب طاقات الأدم: ستة وثلاثون دينارا. منفلت الخام بالقشّاشيين: ثلاثة وثلاثون دينارا. أنولة القصّار: أربعون دينارا. (¬b)) أعوان المراكب المنشأة والخضر والحلفاء: ستّة وثلاثون دينارا (¬b). بيوت الفرّوج: ثلاثون دينارا. الشّعر والطّارات: أربعة دنانير. رسوم الصّبغ والحرير: ثلاث مائة وأربعة وثلاثون دينارا. وزن الطّفل: مائة وأربعون دينارا. معمل المزز: أربعة وثمانون دينارا. الفاخوريات (¬c) بمصر والقاهرة: مائتان وستة وثلاثون دينارا.

стр. 404

وذكر ابن أبي طيّ (١) أنّ الذي أسقطه السّلطان صلاح الدين والذي سامح به لعدّة سنين آخرها سنة أربع وستين وخمس مائة، مبلغه عن نيّف ألف ألف دينار وألفي ألفي أردبّ، سامح بذلك وأبطله من الدّواوين وأسقطه عن المعاملين؛ فلمّا ولي السّلطان الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف، أعاد المكوس وزاد في شناعتها. قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة [أربع و] (¬a) تسعين وخمس مائة: وكان قد تتابع في شعبان أهل مصر والقاهرة في إظهار المنكرات وترك الإنكار لها، وإباحة أهل الأمر والنّهي لها (¬b)، وتفاحش الأمر فيها، إلى أن غلا سعر العنب لكثرة من يعصره، وأقيمت طاحون بحارة المحموديّة لطحن حشيش المزر وأفردت برسمه. وحمّيت بيوت المزر، وأقيمت عليها الضّرائب الثّقيلة، فمنها ما انتهى أمره في كلّ يوم إلى ستة عشر دينارا، ومنع المزر البيوتي ليتوفّر الشّراء من البيوت المحميّة، وحملت أواني الخمر على رؤوس الأشهاد وفي الأسواق من غير منكر، وظهر من عاجل عقوبة اللّه وقوف زيادة النّيل عن معتادها، وزيادة سعر الغلّة في وقت ميسورها (٢).

стр. 405

وقال في «متجدّدات» سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة: وآل الأمر إلى وقوف وظيفة الدار العزيزية من خبز ولحم إلى أن يتحمّل في بعض الأوقات لا كلّها لبعض ما يتبلّغ به من خبز، وكثر ضجيجهم وشكواهم فلم يسمع ووقف الحال فيما ينفق في دار السّلطان، وفيما يصرف إلى عياله، وفيما يقتات به أولاده، وما يغصب من أربابه، وأفضى هذا إلى غلاء الأسعار، فإنّ المتعيّشين من أرباب الدّكاكين يزيدون في أسعار المأكولات العامّة مقدار (¬a) ما يؤخذ منهم للدار السّلطانيّة، فأفضى ذلك إلى النّظر في المكاسب الخبيثة. وضمن باب (¬b) المزر والخمر باثني عشر ألف دينار، وفسح في إظهار منكره والإعلان به والبيع له في القاعات والحوانيت مع قرب استهلال رجب، وما استطاع أحد من العامّة الإنكار لا باليد ولا باللّسان، وصار هذا السّحت ممّا ينفرد السّلطان به لنفقته وطعامه، وانتقل مال الثّغور ومال الجوالي الحلّ الطّيب، إلى أن يصير حوالات لمن لا يبالي من أين أخذ المال، ولا يفرّق بين الحرام والحلال (١). وفي شهر رمضان غلا سعر الأعناب لكثرة العصير منها، وتظاهر به أربابه لتحكير تضمينه السّلطاني، واستيفاء رسمه بأيدي مستخدميه. وبلغ ضمانه سبعة عشر ألف دينار، وحصل منه شيء حمل إليه. فبلغني أنّه صنع به آلات الشّراب ذهبيّات وفضّيّات. وكثر اجتماع النّساء والرّجال في شهر رمضان - لا سيما على الخليج لمّا فتح، وعلى مصر لمّا زاد الماء، وتلقى فيه النّيل بمعاص نسأل اللّه ألا يؤاخذنا بها، وألاّ يعاقبنا عليها بجراءة أهلها (٢). وقال جامع «السّيرة التّركيّة»: ولمّا استقلّ الملك المعزّ عزّ الدين أيبك التّركماني الصّالحي بمملكة مصر في سنة خمسين وستّ مائة - بعد انقراض دولة بني أيّوب - استوزر شخصا من نظّار الدّواوين يعرف بشرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزي، أحد كتّاب الأقباط - وكان قد أظهر الإسلام من أيّام الملك الكامل وترقّى في خدمة الكتابة - فقرّر في وزارته أموالا على التّجّار وذوي اليسار وأرباب العقار، ورتّب مكوسا وضمانات سمّوها «حقوقا ومعاملات» (٣).

стр. 406

ولمّا ولي الملك المظفّر سيف الدين قطز مملكة مصر، بعد خلعه الملك المنصور عليّ بن المعّز أيبك، أحدث عند سفره الذي قتل فيه مظالم كثيرة لأجل جمع المال وصرفه في الحركة لقتال جموع التّتر، منها «تصقيع الأملاك وتقويمها وزكاتها، وأحدث على كلّ إنسان دينارا يؤخذ منه، وأخذ ثلث التّركات الأهلية»، فبلغ ذلك ستّ مائة ألف دينار في كلّ سنة (١). فلمّا قتل قطز، وجلس الملك الظّاهر ركن الدين بيبرس بعده على سرير الملك بقلعة الجبل، أبطل ذلك جميعه وكتب به مساميح قرئت على المنابر، ثم أبطل ضمان المزر وجهاته في سنة اثنتين وستين وستّ مائة، وكتب وهو بالشّام إلى الأمير عزّ الدين الحلّي - نائب السّلطنة بمصر - أن يبطل بيوت المزر، ويعفّي آثاره، ويخرب بيوته، ويكسر مواعينه، ويسقط ارتفاعه من الدّيوان، فإنّ بعض الصّالحين تحدّث معي في ذلك وقال: القمح الذي جعله اللّه تعالى قوتا للعالم يداس بالأرجل، وقد تقرّبت إلى اللّه تعالى بإبطاله، ومن ترك شيئا للّه عوّضه/ خيرا منه، ومن كان له على هذه الجهة شيء يعوّضه اللّه من المال الحلال. فأبطل الحلّي ذلك، وعوّض المقطعين عليه بدله. وفي سنة ثلاث وستين أبطل حراسة النّهار بالقاهرة ومصر - وكانت جملة مستكثرة - وكتب بذلك توقيعا، وأبطل من أعمال الدّقهليّة والمرتاحيّة عن رسوم الولاية أربعة وعشرين ألف دينار (٢). وفي خامس عشري شهر رمضان سنة اثنتين وستين وستّ مائة، قرئ بجامع مصر مكتوب بإبطال ما قرّر على رسوم ولاية مصر من الرّسوم، وهي مائة ألف درهم وأربعة آلاف درهم معبرة، فبطل ذلك (٣). وأبطل ضمان الحشيش من ديار مصر كلّها في سنة خمس وستين وستّ مائة، وأمر بإراقة الخمور، وإبطال المنكرات، وتعفية بيوت المسكرات، ومنع الحانات والخواطئ بجميع أقطار مملكة مصر والشّام، فطهرت من ذلك البقاع.

стр. 407

ولمّا وردت المراسيم بذلك على القاضي ناصر الدين أحمد بن المنيّر (١) قال: [منسرح] ليس لإبليس عندنا أرب … غير بلاد الأمير مأواه حرمته الخمر والحشيش معا … حرمته ماؤه ومرعاه وقال الأديب الفاضل أبو الحسين الجزّار (٢): [منسرح] قد عطّل الكوب من حبّابه … وأخلي الثّغر من رضّابه وأصبح الشّيخ وهو يبكي … على الذي فات من شبابه (٣) وفي تاسع جمادى الآخرة سنة ستّ وستين وستّ مائة، أمر الملك الظّاهر بيبرس بإراقة الخمور، وإبطال الفساد، ومنع النّساء الخواطئ من التّعرّض للبغاء من جميع القاهرة ومصر وسائر الأعمال المصرية. فتطهّرت أرض مصر من هذا المنكر، ونهبت الخانات التي كانت معدّة لذلك، وسلب أهلها جميع ما كان لهم، ونفي بعضهم، وحبست النّساء حتى يتزوّجن. وكتب إلى جميع البلاد بمثل ذلك، وحطّ المال المقرّر على البغايا من الدّيوان، وعوّض الحاشية من جهات حلّ بنظيره. وفي سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وستين وستّ مائة، أريقت الخمور، وأبطل ضمانها - وكان كلّ يوم ألف دينار - وكتب توقيع بذلك قرئ على المنابر (٤). وافتتح سنة سبعين بإراقة الخمور، والتّشددّ في إزالة المنكرات، وكان يوما مشهودا بالقاهرة (٥). وبلغه في سنة أربع وسبعين

стр. 408

عن الطّواشي شجاع الدين عنبر المعروف بصدر الباز - وكان قد تمكّن منه تمكّنا كثيرا - أنّه يشرب الخمر، فشنقه تحت قلعة الجبل (١). ولمّا ولي الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي مملكة مصر أبطل «زكاة الدّولبة» (¬a) (٢)، وهو ما كان يؤخذ من الرّجل عن زكاة ماله أبدا ولو عدم منه، وإذا مات يؤخذ من ورثته، وأبطل ما كان يجبى من أهل إقليم مصر كلّه، إذا حضر مبشّر بفتح حصن أو نحوه، فيؤخذ من الناس بالقاهرة ومصر وعلى قدر طبقاتهم، ويجتمع من ذلك مال كثير. وأبطل ما كان يجبى من أهل الذّمّة، وهو دينار سوى الجالية، برسم نفقة الأجناد في كلّ سنة. وأبطل مقرّر جباية الدّينار من التّجّار عند سفر العسكر والغزاة، وكان يؤخذ من جميع تجّار القاهرة ومصر: من كلّ تاجر دينار. وأبطل ما كان يجبى عند وفاء النّيل ممّا يعمل به شوي وحلوى وفاكهة في المقياس، وجعل مصرف ذلك من بيت المال، وأبطل أشياء كثيرة من هذا النّمط. وأبطل الملك النّاصر محمد بن قلاوون عدّة جهات قد ذكرت في الرّوك النّاصري (٣). وآخر ما أدركنا إبطاله ضمان المغاني (¬b) وضمان القراريط، في سنة ثمان وسبعين وسبع مائة، على يد الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون. فأمّا «ضمان المغاني» (¬b) فكان بلاء عظيما، وهو عبارة عن أخذ مال من النّساء البغايا، فلو خرجت أجلّ امرأة في مصر تريد البغاء نزّلت اسمها عند الضّامنة، وقامت بما يلزمها، لما قدر أكبر أهل مصر على منعها من عمل الفاحشة. وكان على النّساء إذا انتفسن، أو عرّسن امرأة، أو خضّبت امرأة يديها بحنّاء، أو أراد أحد أن يعمل فرحا، لا بد من مال (¬c) بتقرير تأخذه الضّامنة، ومن فعل فرحا بأغان، أو نفّس امرأته من غير إذن الضّامنة، حلّ به بلاء لا يوصف (٤).

стр. 409

وأمّا «ضمان القراريط»، فإنّه كان يؤخذ من كلّ من باع ملكا عن كلّ ألف درهم عشرون درهما (١). وكان متحصّل هاتين الجهتين مالا كثيرا جدّا. وأبطل الملك الظّاهر برقوق ما كان يؤخذ من أهل البرلّس وشورى وبلطيم، شبه الجالية، في كلّ سنة ستين ألف درهم. وأبطل ما كان على القمح من مكس يؤخذ من الفقراء بثغر دمياط ممّن يبتاع من إردبّين فما دونهما. وأبطل ما كان يؤخذ مكسا من معمل الفرّوج بالنّحريرية والأعمال الغربية. وأبطل ما كان يؤخذ تقدمة لمن يسرح إلى العبّاسة من الخيل والجمال والغنم وغير ذلك. وأبطل ما كان يؤخذ على الدّريس والحلفاء بباب النّصر خارج القاهرة. وأبطل ضمان المغاني (¬a) بمنية بني خصيب (¬b) بأعمال الأشمونين، وبزفتا بالأعمال الغربية./ وأبطل الأبقار التي كانت ترمى بالوجه البحري عند فراغ الجسور. وأبطل الأمير يلبغا السّالمي - لمّا ولي أستادّار السّلطان الملك النّاصر فرج بن برقوق في سنة إحدى وثمان مائة - تعريف الغلال بمنية بني خصيب (¬b)، وضمان العرصة بها، وأخصاص الغسّالين وكانت من المظالم القبيحة. وأبطل من القاهرة ضمان بحيرة البقر، ثم أعاده القبط من بعده. وقد بقيت إلى الآن من المكوس بقايا. أخبرني الأمير الوزير المشير الأستادّار يلبغا السّالمي (٢) ﵀ (¬c) - في أيام وزارته، أنّ جهات المكوس بديار مصر تبلغ في كلّ يوم بضعا وسبعين ألف درهم، وأنّه اعتبرها فلم يجدها تصرف في شيء من مصالح الدّولة، بل إنّما هي منافع للقبط وحواشيهم. وكان قد عزم على إبطال المكوس فلم يمهل. و «المال الهلاليّ» عبارة عمّا يستأدى مشاهرة، كأجر الأملاك المسقّفة من الآدرّ، والحوانيت، والحمّامات، والأفران، والطّواحين، وعداد الغنم، والجهة الهوائية المضمونة والمحلولة. وعدّ بعض الكتّاب أحكار البيوت، وريع البساتين التي يستخرج أجرها مشاهرة، ومصايد السّمك، ومعاصر الشّيرج والزّيت، في المال الهلالي (٣).

стр. 410

ومن اصطلاح كتّاب مصر القدماء أن تورد جزية أهل الذّمّة من اليهود والنّصارى قلما واحدا مستقلاّ بذاته، بعد الهلالي وقبل الخراجي، وذلك أنّها تستأدى مسانهة، وكانوا يرون وجوبها مشاهرة. وفائدته فيمن أسلم أو مات في أثناء الحول، فإنّهم كانوا يلزمونه بقدر ما مضى من السّنة قبل إسلامه أو وفاته، فلذلك أوردت فيما بين الهلاليّ والخراجيّ (١). وكانوا في الإقطاعات الجيشيّة، يجرونها مجرى مال الهلالي عند خروج إقطاع من يقطع، ودخول آخر على ذلك الإقطاع، فإنّها كانت تستخرج على حكم الشّهور الهلاليّة لا الشّمسيّة بحيث لو تعجّلها مقطع في غرّة السنة على العادة في ذلك، وخرج الإقطاع عنه في أثناء السّنة بوفاة أو نقله إلى غيره، استحقّ منها نظير ما مضى من شهور السنة إلى حين انتقال الإقطاع عنه، لا على حكم ما استحق من المغلّ. ويستحق المتّصل من استقبال تاريخ منشوره، كعادة النّقود والمتخلّل بينهما من المدّة مستحقّ ذلك الديوان، فيرد من جملة المحلولات من الإقطاعات. وكان من أبواب الهلالي جهات تسمّى «المعاملات»، وهي: الزّكاة، والمواريث، والثّغور، والمتجر، والشّبّ، والنّطرون، والحبس الجيوشي، ودار الضّرب، ودار العيار، والجاموس، وأبقار الخيس، والأغنام، والغروس والبساتين، والأحكار والرّباع، والمراكب، وما يستأدى من الذّمّة غير الجوالي، وساحل السّنط، والحراج (¬a)، والقرظ، ومقرّر الجسور، وموظّف الأتبان، ومقرّر القصب، ومقرّر البريد، ومقرّر البسط (¬b)، وعشر العرق، وغير ذلك من جهات المكوس. فأمّا الجزية - وتعرف في زمننا بالجوالي - فإنّها تستخرج سلفا وتعجيلا في غرّة السّنة، وكان يتحصّل منها مال كثير فيما مضى. قال القاضي الفاضل في «متجدّدات الحوادث»: الذي انعقد عليه ارتفاع الجوالي لسنة سبع وثمانين وخمس مائة: مائة ألف وثلاثون ألف دينار. وأمّا في وقتنا هذا، فإنّ الجوالي قلّت جدّا لكثرة إظهار النّصارى للإسلام في الحوادث التي مرّت بهم. ولمّا استبدّ السّلطان الملك المؤيّد شيخ بملك مصر، بعد الخليفة العبّاس بن محمد أمير المؤمنين المستعين باللّه، ولّى رجلا جباية الجوالي، فكثر الاستقصاء عن الذّمّة والكدّ في الاستخراج منهم،

стр. 411

فبلغت الجوالي في سنة ستّ عشرة وثمان مائة: أحد عشر ألف دينار وأربع مائة دينار، سوى ما غرم للأعوان، وهو قدر كثير. وأمّا «المراعي» - وهو الكلأ المطلق المباح الذي أنبته اللّه تعالى لرعي دوابّ بني آدم - فأوّل من أدخلها الدّيوان بمصر أحمد بن مدبّر، لمّا ولي الخراج، وصيّر لذلك ديوانا وعاملا جلدا يحظر على الناس أن يتبايعوا المراعي أو يشتروها إلاّ من جهته. وأدركنا المراعي ببلاد الصّعيد ممّا يضاف إلى الإقطاعات، فيأخذ الأمير ممّن يرعى دوابّه في أرض بلده الكتّيح (١) في كلّ سنة مالا عن كلّ رأس، فيجبى من صاحب الماشية بعدد أنعامه؛ فلمّا اختلّ أمر الصّعيد في الحوادث الكائنة منذ سنة ستّ وثمان مائة، تلاشى الأمر في ذلك. وكانت العادة القديمة أن يندب للمراعي مشدّ وشهود وكاتب، فيعدّون المواشي، ويستخرجون من أربابها عن كلّ رأس شيئا، ولا يكون ذلك إلاّ بعد هبوط النّيل ونبات الكلأ واستهلاكه للمرعى. وأمّا «المصايد» فهي ما أطعم اللّه من صيد البحر؛ وأوّل من أدخلها الدّيوان أيضا ابن مدبّر، وصيّر لها ديوانا، واحتشم من ذكر المصايد وشناعة القول فيها، فأمر أن يكتب في الديوان خراج مضارب الأوتاد ومغارس الشّباك، فاستمرّ ذلك. وكان يندب لمباشرتها مشدّ وشهود وكاتب إلى عدّة جهات، مثل خليج الإسكندرية، وبحيرة الإسكندرية، وبحيرة نسترو، وثغر دمياط، وجنادل ثغر أسوان، وغير ذلك من البرك والبحيرات، فيخرجون عند هبوط النّيل ورجوع الماء من المزارع إلى بحر النّيل بعد ما تكون أفواه التّرع قد سكّرت، وأبواب القناطر قد سدّت عند انتهاء زيادة النّيل، كيما يتراجع/ الماء ويتكاثف ممّا يلي المزارع. ثم تنصب شباك وتصرف المياه، فيأتي السّمك وقد اندفع مع الماء الجاري، فتصدّه الشّباك عن الانحدار مع الماء ويجتمع فيها ليخرج إلى البرّ ويوضع على أنخاخ، ويملّح ويوضع في الأمطار، فإذا استوى أبيع وقيل له «الملّوحة والصّير»، ولا يكون ذلك إلاّ فيما كان من السّمك في قدر الأصبع فما دونه، ويسمّون هذا الصّنف إذا كان طريّا «إبسارية» فتؤكل مشويّة ومقلوّة. ويصاد من بحيرة نسترو وبحيرة تنّيس وبحيرة الإسكندرية أسماك تعرف بالبوري: وقيل لها ذلك لأنّها كانت تصاد عند قرية من قرى تنّيس يقال لها بورة، وقد خربت، والنّسبة إليها

стр. 412

البوري، ونسب إليها جماعة من النّاس منهم بنو البوري. وقيل لهذا السّمك البوري إضافة إلى القرية المذكورة (١). وقد بطل في زمننا اليوم أمر هذه المصايد، إلاّ من بحيرة نسترو بالبرلّس، وبحيرة تنّيس بدمياط فقط. وهاتان البحيرتان تجريان في ديوان الخاصّ، وهما مضمّنتان، وما يخرج منهما من البوري وغيره من أنواع السّمك فللسّلطان، لا يقدر أحد أن يتعرّض لصيد شيء منه إلاّ أن يكون من صيّاديهما القائمين بالضّمان. وما عدا هاتين البحيرتين من البرك والأملاق والخلجان فليست للسّلطان. وأمّا بحيرة إسكندرية فقد جفّت، وثغر أسوان فقد خرج عن يد السّلطنة، وتغلّب عليه أولاد الكنز (¬a). وثمّ برك بأيدي أقوام، كبركة الفيل بيد أولاد الملك الظّاهر بيبرس، وبركة الرّطلي بيد أولاد الأمير بكتمر الحاجب، وغير ذلك، فإنّ أسماكها مضمّنة لهم يبيعونها، ومع ذلك لا يمنع أحد الصّيد منهما. وأمّا بحر النّيل فما صيد منه يحمل إلى دار السّمك بالقاهرة، فيباع ويؤخذ منه مكس السّلطان، إلاّ أنّ الأمير جمال الدين يوسف الأستادّار زاد فيما كان يؤخذ من الصّيّادين مكسا، ومن حينئذ قلّ السّمك بالقاهرة وغلا سعره. وقال أبو سعيد عبد الرّحمن بن أحمد بن يونس في «تاريخ مصر»: إنّ صنما كان بالإسكندرية يقال له شراحيل، على حشفة من حشاف البحر، مستقبلا بأصبع من كفّه قسطنطينيّة، لا يدرى أكان ممّا عمله سليمان النّبيّ، أم عمله الإسكندر؟ فكانت الحيتان يدورون (¬b) بالإسكندرية وتصاد عندها فيما زعموا. قال زيد بن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: أخبرني أبي عن أبيه أنّه انبطح على بطنه ومدّ يديه ورجليه، فكان طوله طول قدم الصّنم. فكتب رجل يقال له أسامة بن زيد، كان عاملا على مصر للوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين: أنّ عندنا بالإسكندرية صنما، يقال له شراحيل، من نحاس، وقد غلت علينا الفلوس، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينزله ونضربه فلوسا فعل، وإن رأى غير ذلك

стр. 413

فليكتب إلى من أمره. فكتب إليه: لا تنزله حتى أبعث إليك ضمناء يحضرونه. فبعث إليه رجالا أمناء حتى أنزل من الحشفة، فوجدوا عينيه ياقوتتين حمراوين ليس لهما قيمة، فضربه فلوسا، فانطلقت الحيتان فلم ترجع إلى ما هنالك. وأمّا «الزّكاة» (١) فإن السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب أوّل من جباها بمصر، قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وستين وخمس مائة: ثالث عشر ربيع الآخر فرّقت الزّكوات، بعد ما جمعت، على الفقراء والمساكين وأبناء السّبيل والغارمين، بعد أن رفع إلى بيت المال السّهام الأربعة، وهي: سهام العاملين، والمؤلّفة وفي سبيل اللّه وفي الرّقاب، وقرّرت لهم فريضة، واستؤدي على الأموال والبضائع، وعلى ما يتقرّر عليه من المواشي والنّخل والخضراوات. قال: والذي انعقد عليه ارتفاع الجوالي لسنة سبع وثمانين وخمس مائة: [مائة ألف و] (¬a) ثلاثون ألف دينار. والزّائد في معاملة الزّكاة ودار الضّرب لسنتي ستّ وسبع وثمانين وخمس مائة: أحد وعشرون ألف دينار وثمان مائة وأحد وستون دينارا. وقال في سنة ثمان وثمانين: واستخدم ابن حمدان في ديوان الزّكاة، وكتب خطّه بما مبلغه اثنان وخمسون ألف دينار لسنة واحدة من مال الزّكاة، وجعل الطّواشي (٢) قراغش الشّاد في هذا المال وألاّ يتصرّف فيه، بل يكون في صندوق مودعا للمهمّات التي يؤمر بها.

стр. 414

ولمّا قدم ابن عنين الشّاعر (١) من عند الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين بن نجم الدين أيّوب ابن شاذي ملك اليمن إلى مصر - وقد أجزل صلته عندما وفد عليه وفارقه، وقد أثرى ثراء كثيرا - قبض أرباب ديوان الزّكاة بمصر على ما قدم به من المتجر، وطالبوه بزكاة ما معه، وكان ذلك في أيّام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيّوب بن شاذي، فقال (٢): [البسيط] ما كلّ من يتسمّى بالعزيز لها … أهل، ولا كلّ برق سحبه غدقه بين العزيزين بون (¬a) في فعالهما: … هذاك يعطي، وهذا يأخذ الصّدقه ثم إنّ العزيز كشف عمّا يستأدى من الزّكاة، فإنّه انتهى إليه فيها أقوال شنيعة، منها أنّه أخذ من رجل فقير يبيع الملح في قفّة على رأسه زكاة عمّا في القفّة، وأنّه بيع جمل بخمسة دنانير ذهب فأخذ زكاتها خمسة دراهم. فأمر بتفويض/ أمرها إلى أرباب الأموال، ومن وجب عليه حقّ فيها وحمله إلى ديوان الزّكاة قبل منه، ومن لم يحمل لا يتعرّض إليه. فبخل الأغنياء بزكاة أموالهم حتى تضرّر الفقراء والمساكين، وأخذ السّعاة يبذلون في ضمانها الأموال لتعود إلى ما كانت عليه. فولي النّظر في ديوان الزّكاة القاضي الأسعد شرف الدين أبو المكارم أسعد بن مهذب بن ممّاتي، فاستخرج الزّكاة من أربابها، ثم ضمنت بمال كثير، وعاد الأمر فيها إلى ما كانت عليه من العسف والجور. وكانت أعوان متولّي الزّكاة تخرج إلى منية بني (¬b) خصيب وإخميم وقوص، لكشف أحوال المسافرين من التّجّار والحجّاج وغيرهم، فيبحثون عن جميع ما معهم، ويدخلون أيديهم أوساط الرجال خشية أن يكون معهم مال، ويحلّفون الجميع بالأيمان الحرجة على ما بأيديهم وما عندهم غير ما وجدوه.

стр. 415

وتقوم طائفة من مردة هذه الأعوان، وبأيديهم المسالّ الطوال ذوات الأنصبة، فيصعدون إلى المراكب، وينخسون بمسالّهم جميع ما فيها من الأحمال والغرائر، مخافة أن يكون فيها شيء من بضاعة أو مال، فيبالغون في البحث والاستقصاء، بحيث يقبح ويستشنع فعلهم. ويقف الحجّاج بين يدي هؤلاء الأعوان مواقف خزي ومهانة، لما يصدر منهم عند تفتيش أوساطهم وغرائر أزوادهم، ويحل بهم من العسف وسوء المعاملة ما لا يوصف، وكذلك يفعل في جميع أرض مصر منذ عهد السّلطان صلاح الدين يوسف (¬a) بن أيّوب (١). ثم لمّا كانت سلطنة الملك الكامل ناصر الدّين محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب بن شاذي (¬a)، أخرج من زكاة الأموال التي كانت تجبى من الناس سهمي الفقراء والمساكين وأمر بصرفهما في مصارفهما الشّرعية، ورتّب من جملة هذين السّهمين معاليم للفقهاء والصّلحاء وأهل الخير تجرى عليهم، فاستحسن ذلك من فعله (٢). وأمّا الثّغور: فهي دمياط، وتنّيس، ورشيد، وعيذاب، وأسوان، والإسكندرية - وهي أعظمها قدرا - فإنّه كان فيها عدّة جهات منها «الخمس» و «المتجر» (٣). ف «الخمس» ما يستأدى من تجّار الرّوم الواردين في البحر عمّا معهم من البضائع للمتجر بمقتضى ما صولحوا عليه، وربّما بلغ ما يستخرج منهم عما قيمته مائة دينار ما يناهز (¬b) خمسة وثلاثون دينارا، وربّما انحطّ عن عشرين دينارا. ويسمّى كلاهما «خمسا». ومن أجناس الرّوم من يؤخذ منهم العشر، ولذلك ضرائب مقرّرة (٤).

стр. 416

وقال القاضي الفاضل: والحاصل من «خمس الإسكندرية» في سنة سبع وثمانين وخمس مائة ثمانية وعشرون ألف دينار وستّ مائة وثلاثة عشر دينارا. و «المتجر» عبارة عمّا يبتاع للديوان من بضائع [التّجّار الواردين ممّا] (¬a) تدعو إليها الحاجة ويقتضيه طلب الفائدة. قال جامع «سيرة الوزير اليازوري»: وقصّر النّيل بمصر في سنة أربع وأربعين وأربع مائة، ولم يكن في مخازن الغلاّت شيء، فاشتدّت المسغبة بمصر، وكان الخلوّ المخازن سبب أوجب ذلك، وهو أنّ الوزير النّاصر للدين لمّا أضيف إليه القضاء في أيّام أبي البركات الوزير كان يبتاع للسّلطان في كلّ سنة غلّة بمائة ألف درهم، وتجعل متجرا (١). فمثل القاضي بحضرة الخليفة المستنصر (¬b) باللّه، وعرّفه أنّ المتجر الذي يقام بالغلّة فيه أوفى مضرّة على المسلمين، وربّما انحطّ السّعر عن مشتراها فلا يمكن بيعها، فتتعفّن في المخازن وتتلف، وأنّه يقيم متجرا لا كلفة فيه على الناس، ويفيد أضعاف فائدة الغلّة، ولا يخشى عليه من تغيّره في المخازن ولا انحطاط سعره، وهو الخشب والصّابون والحديد والرّصاص والعسل وما أشبه ذلك؛ فأمضى السّلطان له ما رآه. واستمرّ ذلك، ودام الرّخاء على النّاس، فوسّعوا فيه مدّة سنين ثم عمل الملوك بعد ذلك ديوانا للمتجر، وآخر من عمله الظّاهر برقوق. وأمّا «الشّبّ» فإنّ معادنه بالصّعيد، وكانت عادة الديوان الإنفاق في تحصيل القنطار منه باللّيثي مبلغ (¬c) ثلاثين درهما، وكانت العربان تحضره من معادنه إلى ساحل إخميم وسيوط والبهنسا ليحمل إلى الإسكندرية أيّام النّيل في الخليج، ويشترى بالقنطار اللّيثي، ويباع بالقنطار الجروي: فيباع منه على تجّار الرّوم قدر اثني عشر ألف قنطار بالجروي، بسعر أربعة دنانير كلّ قنطار إلى ستة دنانير، ويباع منه بمصر على اللّبوديين والصّبّاغين نحو الثمانين قنطارا بالجروي،

стр. 417

سعر ستة دنانير ونصف القنطار. ولا يقدر أحد على ابتياعه من العربان ولا غيرهم، فإن عثر على أحد أنّه اشترى منه شيئا أو باعه سوى الدّيوان، نكّل به، واستهلك ما وجد معه منه. وقد بطل اليوم (¬a) هذا (١). وأمّا «النّطرون» فيوجد في البرّ الغربيّ من أرض مصر بناحية الطّرّانة (٢)، وهو أحمر وأخضر، ويوجد منه بالفاقوسيّة شيء دون ما يوجد في الطّرّانة. وهو أيضا ممّا حظر عليه ابن مدبّر من الأشياء التي كانت مباحة، وجعله في ديوان السّلطان، وكان من بعده على ذلك إلى اليوم. وقد كان الرّسم فيه بالدّيوان أن يحمل منه في كلّ سنة عشرة آلاف قنطار، ويعطى الضّمّان منها في كلّ سنة قدر ثلاثين قنطارا يتسلّمونها من الطّرّانة فيباع في مصر بالقنطار المصري، وفي بحر الشّرق والصّعيد بالجروي، وفي دمياط باللّيثي (٣). قال القاضي الفاضل: وباب النّطرون كان مضمونا إلى آخر سنة/ خمس وثمانين وخمس مائة بمبلغ خمسة عشر ألفا وخمس مائة دينار، وحصل منه في سنة ستّ وثمانين مبلغ سبعة آلاف وثمان مائة دينار. وأدركنا النّطرون إقطاعا لعدّة أجناد. فلمّا تولّى الأمير محمود بن علي الأستادّارية وصار مدبّر الدّولة في الأيام الظّاهرية برقوق، حاز النّطرون، وجعل له مكانا لا يباع في غيره، وهو إلى الآن على ذلك. وأمّا «الحبس الجيوشي» فكان في البرّين الشّرقي والغربي: ففي الشّرقي بهتيت والأميرية والمنية، وكانت تسجّل هذه النّواحي بعين (¬b)، وفي الغربي سفط ونهيا ووسيم. وهذه النّواحي حبسها أمير الجيوش بدر الجمالي على عقبه، هي والبساتين ظاهر باب الفتوح، فلمّا

стр. 418

مات وطال العهد، استأجرها الوزراء بأجرة يسيرة طلبا للفائدة، ثم أدخلت في الدّيوان (١). قال ابن المأمون في «تاريخه»: وجميع البساتين المختصّة بالورثة الجيوشيّة (٢)، مع البلاد التي لهم، لم تزل في مدّة أيّام الوزير المأمون البطائحي بأيديهم، لم تخرج عنهم بضمان ولا بغيره. فلمّا توفّي الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وجلس أبو عليّ بن الأفضل بن أمير الجيوش في الوزارة، أعاد الجميع إلى الملاّك لكون نصيبه في ذلك الأوفر. فلمّا قتل واستبدّ الخليفة الحافظ لدين اللّه، أمر بالقبض على جميع الأملاك، وحلّ الأحباس المختصّة بأمير الجيوش. فلم يزل يانس به - لأنّه غلام الأفضل والوزير في ذلك الوقت - وعزّ الملك غلام الأوحد بن أمير الجيوش، يتلطّفان ويراجعان الخليفة، مع الكتب التي أظهرها الورثة وعليها خطوط الحلفاء، إلى أن أبقاها عليهم ولم يخرجها عنهم. ثم ارتفعت الحوطة عنها في سنة سبع وعشرين وخمس مائة للديوان الحافظي. ولمّا خدم الخطير والمرتضى في سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة، في وزارة رضوان بن ولخشي، أعاد البساتين خاصّة، دون البلاد، على الورثة بحكم مآل أمرها إليه من الاختلال ونقص الارتفاع. ولمّا انقرض عقب أمير الجيوش، ولم يبق منه سوى امرأة كبيرة، أفتى فقهاء ذلك العصر ببطلان الحبس. فقبضت النّواحي، وصارت من جملة الأموال السّلطانية: فمنها ما هو اليوم في الدّيوان السّلطاني، ومنها ما صار وقفا ورزقا أحباسيّة، وغير ذلك (٣). وأمّا «دار الضّرب»، فكان بالقاهرة دار الضّرب، وبالإسكندرية دار الضّرب، وبقوص دار الضّرب. ولا يتولّى عيار دار الضّرب إلاّ قاضي القضاة أو من يستخلفه (٤)، ثم رذلت في زمننا حتى صار يليها مسالمة فسقة اليهود المصرّين على الفسق مع ادّعائهم الإسلام. وكان يجتهد في خلاص الذّهب وتحرير عياره، إلى أن أفسد النّاصر فرج ذلك بعمل الدّنانير النّاصريّة فجاءت غير خالصة (٥).

стр. 419

وكانت بمصر المعاملة بالورق، فأبطلها الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيّوب في سنة بضع وعشرين، وضرب الدّرهم المدوّر الذي يقال له الكاملي، وجعل فيه من النّحاس قدر الثّلث، ومن الفضّة الثّلثين (١). ولم يزل يضرب بالقاهرة إلى أن أكثر الأمير محمود الأستادّار من ضرب الفلوس بالقاهرة والإسكندرية، فبطلت الدّراهم من مصر، وصارت معاملة أهلها إلى اليوم بالفلوس، وبها يقوّم الذّهب وسائر المبيعات. وسيأتي ذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى عند ذكر أسباب خراب مصر. وكانت دار الضّرب يحصل منها للسّلطان مال كثير، فقلّ في زماننا لقلّة الأموال؛ ودار الضّرب اليوم جارية في ديوان الخاصّ. وأمّا «دار العيار»، فكانت مكانا يحتاط فيه للرّعيّة، وتصلح موازينهم ومكاييلهم به، ويحصل منها للسّلطان مال (٢). وجعلها السّلطان صلاح الدين من جملة أوقاف سور القاهرة، وقد ذكرت في خطط القاهرة من هذا الكتاب (٣). وأمّا «الأحكار»، فإنّها أجر مقرّرة على ساحات بمصر والقاهرة، فمنها ما صار دورا للسّكنى، ومنها ما أنشئ بساتين. وكانت تلك الأجر من جملة الأموال السّلطانية. وقد بطل ذلك من ديوان السّلطان، وصارت أحكار مصر والقاهرة وما بينهما أوقافا على جهات متعدّدة (٤). وأمّا «الغروس»، فكانت في الغربية فقط، عدّة أراض يؤخذ منها شبه الحكر عن كلّ فدّان مقرّر معلوم، وقد بطل ذلك من الدّيوان (٥). وأمّا «مقرّر الجسور»، فكان على كلّ ناحية تقرير بعدّة قطع معلومة يجبى منها عن كلّ قطعة عشرة دنانير، لتصرف في عمل الجسور، فيفضل منها مال كثير يحمل إلى بيت المال (٦). وقد بطل هذا أيضا. وجدّد النّاصر فرج على الجسور حوادث قد ذكرت في أسباب الخراب.

стр. 420

وأمّا «موظّف الأتبان»، فكان جميع تبن أرض مصر على ثلاثة أقسام: قسم للديوان، وقسم للمقطع، وقسم للفلاّحين (¬a). فيجبى التّبن على هذا الحكم من سائر الأقاليم، ويؤخذ في التّبن عن كلّ مائة حمل أربعة دنانير وسدس دينار، فيحصل من ذلك مال كثير (١). وقد بطل هذا أيضا من الدّيوان. وأمّا «الحراج» (¬b)، فإنّه كان في البهنساوية في سفط رشين [ومتبال وسطال] (¬c) والأشمونين والأسيوطية والإخميمية والقوصيّة أشجار لا تحصى من سنط، لها حرّاس يحمونها حتى يعمل منها مراكب الأسطوال، فلا يقطع منها إلاّ ما تدعو الحاجة إليه، وكان بالبهنسا من العيدان ما يساوى العود منها مائة دينار. وكان يستخرج من هذه النّواحي مال يقال له «رسم/ الحراج (¬b)»، ويحتجّ في جبايته بأنّه نظير ما تقطعه أهل النّواحي، وتنتفع به من أخشاب السّنط في عمائرها، ومقرّر آخر كان يجبى منهم يعرف ب «مقرّر السّنط»، فيصرف من هذا المقرّر أجرة قطع الخشب وحزّه بضريبة عن كلّ مائة حمل دينار، وعلى المستخدمين في ذلك ألاّ يقطعوا من السّنط ما يصلح لعمل مراكب الأسطول، لكنهم إنّما يقطعون الأطراف التي ينتفع بها في الوقود فقط. ويقال لهذا الذي يقطع «حطب النّار»، فيباع على التجّار منه كلّ مائة حمل بأربعة دنانير، ويكتب على أيديهم زنة ما بيع عليهم، فإذا وردت المراكب بالحطب إلى ساحل مصر اعتبرت عليهم، وقوبل ما فيها بما عيّن في الرّسالة الواردة، واستخرج الثّمن على ما في الرّسالة. وكانت العادة أنّه لا يباع ممّا في البهنسا إلاّ ما فضل عن احتياج المصالح السّلطانية. وقد بطل هذا جميعه، واستولت الأيدي على تلك الأشجار فلم يبق منها شيء ألبتّة، ونسي هذا من الدّيوان (٢). وأمّا «القرظ»، فإنّه ثمر شجر السّنط، وكان لا يتصرّف فيه إلاّ الدّيوان، ومتى وجد منه مع أحد شيء اشتراه من غير الدّيوان نكّل به، واستهلك ما وجد معه منه. فإذا اجتمع مال القرظ أقيم منه مراكب تباع، ويؤخذ من ثمنها الرّبع عند ما تصل إلى ساحل مصر بعدم ما تقوم أو ينادى عليها، وكان فيها حيف كبير؛ وقد بطل ذلك (٣). وأمّا «ما يستأدى من أهل الذّمّة»، فإنّه كان يؤخذ منهم عمّا يرد ويصدر معهم من البضائع، في مصر والإسكندرية وإخميم خاصّة دون بقيّة البلاد، ضرائب تتقرّر في الدّيوان. وقد بطل ذلك أيضا (٤).

стр. 421

وأمّا «مقرّر الجاموس» و «مقرّر بقر الخيس» و «مقرّر الأغنام»، فإنّه كان للسّلطان من هذه الأصناف شيء كثير جدّا، فيؤخذ من الجاموس للدّيوان على كلّ رأس من الرّاتب في نظير ما يتحصّل منه في كلّ سنة من خمسة دنانير إلى ثلاثة دنانير، ومن اللاّحق بحقّ النّصف من الرّاتب، وأقلّ ما تنتج كلّ مائة رأس خمسون رأسا (¬a) إلى غير ذلك من ضرائب مقرّرة على الجاموس وعلى أبقار الخيس وعلى الغنم البياض والغنم الشّعاري وعلى النّحل (١). وقد بطل ذلك جميعه لقلّة مال السّلطان، وإعراضه عن العمارة وأسبابها، وتعاطي أسباب الخراب. وأمّا «المواريث»، فإنّها في الدّولة الفاطمية لم تكن كما هي اليوم، من أجل أنّ مذهبهم توريث ذوي الأرحام، وأنّ البنت إذا انفردت استحقّت المال بأجمعه (٢). فلمّا انقضت أيّامهم واستولت الدولة (¬a) الأيّوبية ثم الدّولة التّركية، صار من جملة أموال السّلطان مال المواريث الحشريّة، وهي التي يستحقّها بيت المال عند عدم الوارث، فتعدل فيها الوزراء مرّة، وتظلم أخرى (٣). وأمّا «المكوس»، فقد تقدّم حدوثها، وما كان من الملوك فيها، والذي بقي منها إلى الآن بديار مصر يلي أمره الوزير. وفي الحقيقة إنّما هو نفع للأقباط يتخوّلون فيه بغير حقّ. وقد تضاعفت المكوس في زمننا عمّا كنّا نعهده منذ عهد تحدّث الأمير جمال الدين يوسف الأستادّار في الأموال السّلطانية، كما ذكر في أسباب الخراب. وأمّا «البراطيل»، وهي الأموال التي تؤخذ من ولاة البلاد ومحتسبيها وقضاتها وعمّالها، فأوّل من عمل ذلك بمصر الصّالح بن رزّيك (٤) في ولاة النّواحي فقط، ثم بطل. وعمل في أيّام العزيز بن صلاح الدين أحيانا، وعمله الأمير شيخون في الولاة فقط، ثم أفحش فيه الظّاهر برقوق، كما ذكر (¬b) في أسباب الخراب. وأمّا «الحمايات والمستأجرات»، فشيء حدث في أيّام النّاصر فرج، وصار لذلك ديوان ومباشرون، وعمل مثل ذلك الأمراء. وهو من أعظم أسباب الخراب كما يذكر في موضعه.

стр. 422

ذكر الأهرام اعلم أنّ الأهرمات (¬a) (١) بمصر كانت كثيرة (¬b) جدّا، منها بناحية بوصير شيء كثير، بعضها كبار، وبعضها صغار، وبعضها طين ولبن، وأكثرها حجر، وبعضها مدرّج، وأكثرها مخروط أملس. وقد كان منها بالجيزة تجاه مدينة مصر عدّة كثيرة كلّها صغار، هدمت في أيّام السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على يد قراقوش، وبنى بها قلعة الجبل، والسّور المحيط بالقاهرة ومصر والقناطر التي بالجيزة (٢).

стр. 423

وأعظم الأهرام الأهرامات (¬a) الثّلاثة التي هي اليوم قائمة تجاه مصر، وقد اختلف الناس في وقت بنائها واسم بانيها والسّبب في بنائها، وقالوا في ذلك أقوالا متباينة أكثرها غير صحيح. وسأقصّ عليك من نبأ ذلك ما يشفي ويكفي إن شاء اللّه تعالى (١). قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب في «أخبار مصر وعجائبها» في أخبار سوريد بن سهلوق بن سرياق بن توميدون بن تدرسان بن هوصال، أحد ملوك مصر قبل الطّوفان الذين كانوا يسكنون في مدينة أمسوس الآتي ذكرها عند ذكرها مدائن مصر من هذا الكتاب (٢): وهو الذي بنى الهرمين العظيمين بمصر المنسوبين إلى شدّاد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلادهم لقوّة سحرهم (٣). وسبب بناء الهرمين (٤) أنّه كان قبل الطّوفان بثلاث مائة سنة قد رأى سوريد في منامه/ كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، وكأنّ الناس قد هربوا على وجوههم، وكأنّ الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة، فغمّه ذلك، ولم يذكره لأحد، وعلم أنّه سيحدث في العالم أمر عظيم. ثم رأى بعد ذلك بأيّام كأنّ الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صور طيور بيض، وكأنّها تختطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأنّ الجبلين قد انطبقا عليهم، وكأنّ الكواكب المنيرة مظلمة مكسوفة؛ فانتبه مرعوبا (¬b) مذعورا، ودخل إلى هيكل الشّمس، وتضرّع ومرّغ خدّيه على التّراب وبكى. فلمّا أصبح، جمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر - وكانوا مائة وثلاثين كاهنا - فخلا بهم، وحكى لهم (¬c) ما رآه أوّلا وآخرا، فأوّلوه بأمر عظيم

стр. 424

يحدث في العالم. فقال عظيم الكهّان، ويقال له فليمون: إنّ أحلام الملوك لا تجري على محال لعظم [أخطارهم وكبر] (¬a) أقدارهم، وأنا أخبر الملك برؤيا رأيتها منذ سنة، ولم أذكرها لأحد من الناس. رأيت كأنّي قاعد مع الملك على وسط المنار الذي بأمسوس، وكأنّ الفلك قد انحطّ من موضعه حتى قارب [سمت] رؤوسنا، وكان علينا كالقبّة المحيطة بنا، وكأنّ الملك قد رفع يديه نحو السّماء وكواكبها قد خالطتها في صور شتّى مختلفة الأشكال، وكأنّ النّاس قد جفلوا إلى قصر الملك وهم يستغيثون به، وكأنّ الملك قد رفع يديه حتى بلغتا رأسه وأمرني أن أفعل كما فعل ونحن على وجل شديد، إذ رأينا منها موضعا قد انفتح وخرج منه نور مضيء، وطلعت علينا منه الشّمس، وكأنّا استغثنا بالشّمس فخاطبتنا أنّ الفلك سيعود (¬b)) إلى موضعه إذا مضت ثلاث مائة دورة، وكأنّ الفلك لصق بالأرض ثم عاد (¬b) إلى موضعه، فانتبهت مرعوبا. (¬c)) ثم نمت فرأيت كأنّ مدينة أمسوس قد انقلبت بأهلها، والأصنام تهوي على رؤوسها، وكأن أناسا نزلوا من السّماء بأيديهم مقامع من حديد يضربون الناس بها، فقلت لهم: ولم تفعلون بالناس كذا؟ قالوا: لأنّهم كفروا بإلههم؛ فقلت: فما بقي لهم من خلاص؟ قالوا: نعم، من أراد الخلاص فليلحق بصاحب السّفينة. فانتبهت مرعوبا (¬c). فقال الملك: خذوا الارتفاع للكواكب (¬d)، وانظروا هل من حادث؟ فبلغوا غايتهم في استقصاء ذلك، وأخبروا بأمر الطّوفان وبعده بالنار التي تخرج من برج الأسد تحرق العالم (١). فقال الملك: انظروا، هل تلحق هذه الآفة بلادنا؟ فقالوا: نعم، تأتي في الطّوفان على أكثره، ويلحقه خراب يقيم عدّة سنين. قال: فانظروا هل يعود عامرا كما كان، أو يبقى مغمورا بالماء دائما. قالوا: بل تعود البلاد كما كانت وتعمر، قال: ثم ماذا؟ قالوا: يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم

стр. 425

مالها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: يقصدها قوم مشوّهون من ناحية جبل النيل، ويملكون أكثرها، قال: ثم ماذا؟ قالوا: ينقطع نيلها، وتخلو من أهلها. فأمر عند ذلك بعمل الأهرام، وأن يعمل لها مسارب يدخل منها النّيل إلى مكان بعينه، ثم يفيض إلى مواضع من أرض المغرب وأرض الصّعيد، وملأها طلسمان وعجائب وأموالا وأصناما وأجساد ملوكهم، وأمر الكهّان فزبروا عليها جميع ما قالته الحكماء، وزبر فيها وفي سقوفها وحيطانها وأسطواناتها جميع العلوم الغامضة التي يدّعيها أهل مصر، وصوّر فيها صور الكواكب كلّها، وزبر عليها أسماء العقاقير ومنافعها ومضارّها، وعلم الطّلّسمات وعلم الحساب والهندسة وجميع علومهم مفسّرا لمن يعرف كتابتهم ولغتهم. ولمّا شرع في بنائها أمر بقطع الأسطوانات العظيمة، ونشر البلاطات الهائلة (¬a)، واستخراج الرّصاص من أرض المغرب، وإحضار الصّخور من ناحية أسوان. فبنى بها أساس الأهرام الثلاثة الشّرقي والغربي والملوّن، وكانت لهم صحائف وعليها كتابة، إذا قطع الحجر وتمّ إحكامه، وضعوا عليه تلك الصّحائف وضربوه، فيبعد بتلك الضّربة قدر مائة سهم، ثم يعاودون ذلك حتى يصل الحجر إلى الأهرام. وكانوا يمدّون البلاطة ويجعلون في ثقب بوسطها قطبا من حديد قائما، ثم يركّبون عليها بلاطة أخرى مثقوبة الوسط ويدخلون القطب فيها، ثم يذاب الرّصاص ويصبّ في القطب حول البلاطة بهندام وإتقان إلى أن كملت (١). وجعل لها أبوابا تحت الأرض بأربعين ذراعا (٢): فأمّا باب الهرم الشّرقي، فإنّه من الناحية الشّرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأمّا باب الهرم الغربي، فإنّه من الناحية الغربية على مقدار مائة ذراع من وسط الحائط. وأمّا باب الهرم الملوّن، فإنّه من الناحية الجنوبية على مقدار مائة ذراع من وسط الحائط. فإذا حفر بعد هذا القياس، وصل إلى باب الأزج المبني، ويدخل إلى باب الهرم.
следующие страницы →