Полный текст (3 560 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مصادر الكتاب
إنّ عدد المصادر التي اعتمد عليها المقريزي في تأليف كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» هائل حقّا، ويوضّح لنا أنّ المقريزي اعتمد على مكتبة غنيّة بالمصادر المتنوّعة، وأنّ مكتبات مدارس القاهرة - التي كان يتردّد عليها المقريزي - كانت تمثّل ثروة ضخمة من مؤلّفات علماء المسلمين السّابقين. فقد كانت القاهرة في عصر سلاطين المماليك هي مركز الجذب الثّقافي والعلمي للعالم الإسلامي بعد سقوط بغداد في سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م، وانتقل إليها القسم الأكبر من المؤلّفات التي نجت من كارثة اجتياح المغول لمقرّ الخلافة الإسلامية في بغداد، وتوزّع القسم الآخر من هذه الكتب على مكتبات بلاد الشّام وعلى الأخصّ حلب ودمشق، وعلى ذلك فإنّه بعد أقلّ من قرن من وفاة المقريزي ومع الفتح العثماني لبلاد الشّام ومصر، انتقل القسم الأكبر من هذه الكتب إلى دار الخلافة الجديدة في استانبول ومن بينها أصول المقريزي نفسه التي كتبها بخطّه أو التي نقلت من خطّه (١).
وفي دراسة رائدة عن النّقوش التاريخية الموجودة على العمائر الدّينية والحربيّة والمدنيّة في مصر الإسلامية صدرت عام ١٨٩١ م، أشار عالم الكتابات الأثرية السّويسري ماكس فان برشم Max Van Berchem (١٨٦٣ - ١٩٢١ م) إلى الأهمية التي يمكن أن تعود بها دراسة عن مصادر المقريزي في الخطط (٢)؛ وأكّد على ذلك أيضا المستشرق الرّوسي إغناطيوس كراتشكوفسكي Ignati Iulianovich Krachkovski (١٨٨٣ - ١٩٥١ م) الذي أشار في كتابه الرّائد «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» إلى أنّ دراسة مصادر المقريزي في «الخطط» تحتاج إلى بحث خاصّ لن يخلو من الأهمية (٣).
وفي سنة ١٩٠٢ م كتب المستشرق الإنجليزي روفن جست Rueven Guest مقالا مسهبا (٤) عدّد فيه عناوين مصادر المقريزي في «الخطط» اعتمادا على طبعة بولاق، وهو لا يزعم أنّ القائمة
_________
(١) انظر، أيمن فؤاد سيد: الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات، ٢٤٦ - ٢٦٠، و «دور تركيا العثمانية في حفظ التراث العربي»، مجلة معهد المخطوطات العربية ٤٤ (نوفمبر ٢٠٠٠)، ١٤١ - ١٥١.
(٢) van Berchem، M.، «Notes d'archeologie arabe-Monuments et inscriptions fatimites»، JA (Mai-Juin ١٨٩١)، pp. ٤٣٠ - ٣١ n. ٢.
(٣) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٥٢٨.
(٤) Guest، A.R.، «A List of Writers، Books and other authorities mentioned by El-Maqri? zi? in his Khitat»، JRAS (١٩٠٢)، pp. ١٠٣ - ٢٥.
стр. 72
التي أعدّها قائمة تامّة، خاصّة وأنّ طبعة بولاق التي اعتمد عليها لا تحوي أيّة كشّافات كما أنّها تشتمل على أكثر من ألف صفحة، مسطرة كلّ صفحة ٣٩ سطرا. وقد وفّر هذا العمل دون شكّ جهدا كبيرا على المهتمين بهذا الموضوع في غياب كشّاف تحليلي للكتاب، ولكنّه لم يلبّ رغبة ماكس فان برشم أو أمنية كراتشكوفسكي بعد ذلك في تخصيص بحث لدراسة مصادر المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار».
ووعد جاستون فييت في مقدّمة نشرته الجزئية للخطط بأنّه سينشر في مجلّد مستقلّ دراسة عن حياة المقريزي سيدرس فيها بالتّفصيل على الأخصّ مصادر الخطط.
«J'ai publiera، dans un volume special، une etude biographique de Maqri? zi?، ou j'examinerai en detail plus particulierement les sources du present travail».
وعلى ذلك ظلّت مصادر المقريزي التي اعتمد عليها في كتابة كتابه الضّخم «المواعظ والاعتبار» تفتقر إلى هذه الدّراسة التي أرجو أن أوفّق في تقديمها في الصّفحات التالية.
وقد استطاع المقريزي فيما يتعلّق بنقاط معيّنة (أخبار النّوبة - الأهرام - أقسام مال مصر - الملّوك المصريون القدماء - الدّعوة الفاطمية - المواكب الاحتفالية عند الفاطميين … ) أن يحصل على موادّ ذات قيمة كبرى تقتصر معرفتنا بها في أحايين كثيرة على ما حفظه لنا هو منها.
وقد نقل المقريزي نصوصا كاملة لمؤلّفين قدماء، ففي عصر الكتاب المخطوط لم تكن أمام المؤلّفين عند استخدام مصادر قديمة طريقة أخرى سوى نقل نصّها كاملا، فلم يجدوا طريقة مناسبة لإطلاع القارئ على المصدر الذي أخذوا عنه أو للإشارة إلى نصوص سبق ذكرها في الكتاب أو إلى صفحات سابقة، إلاّ تضمين هذه النّصوص مرّة أخرى، فلم يكن المؤلّفون القدماء متأكّدين دائما من أنّ الكتب التي ينقلون عنها ميسورة دائما لهؤلاء القرّاء.
وتبعا لذلك فإنّ بعض أقسام كتاب «الخطط» تمثّل نقلا صريحا عن مؤلّفين آخرين قد يستغرق أحيانا صفحات، مثلما فعل مع ابن عبد الحكم والكندي وابن وصيف شاه وعليّ بن رضوان والبيروني وابن المأمون وابن الطّوير وابن المتوّج، غير أنّ هذه المواد المنقولة قد تمّ التأليف بينها بصورة لا تخلو من المهارة والإبداع، واستخرجت من عدد هائل من الآثار الأدبية فقد بعضها تماما بالنسبة لنا مثل مؤلّفات: القضاعي وابن المأمون وابن الطّوير والمسبّحي والقاضي الفاضل وابن أبي طيّ وابن المتوّج واليوسفي وغيرها كثير، وهو لا يهمل في العادة الإشارة إلى مؤلّفيها، ويستثنى من ذلك المؤلّفون قريبو العهد من المقريزي الذين نقل عنهم نقولا مطوّلة دون أدنى إشارة إليهم مثل: ابن فضل اللّه العمري والنّويري والصّفدي وابن الفرات، وربّما كذلك ابن دقماق
стр. 73
والأوحدي. وخير مثال على مهارة المقريزي في استخدام مصادره والتّوفيق بينها الفصل الذي أفرده لأهرامات مصر (فيما يلي ٣٠٠ - ٣٣١) حيث يشير فيه المقريزي إلى أكثر من عشرين مؤلّفا بخلاف من استشهد بهم من الشّعراء.
وسأقصر حديثي في هذه المقدّمة على المصادر التي استخدمها المقريزي في كتابة المجلّد الأوّل من الكتاب الذي ننشره اليوم، وسأخصّص في مقدّمة كلّ جزء تال دراسة لمصادر هذا الجزء.
مصادر المجلّد الأوّل
يشتمل المجلّد الأوّل من «المواعظ والاعتبار» - الذي ننشره اليوم - على الجزأين الأوّلين من أجزاء الكتاب السّبعة التي أشار إليها المقريزي في مقدّمته (فيما يلي ٨)، وهما: «جمل أخبار أرض مصر وأحوال نيلها وخراجها وجبالها» ويستغرق الصّفحات من ١١ - ٣٤٦، و «مدائن أرض مصر» ويستغرق الصّفحات من ٣٤٧ - ٦٧٦، وينتهي هذا المجلّد بذكر «تأريخ الخليقة» من ٦٧٧ - ٧٧٢.
ويحتوي الجزء الأوّل على مقدّمة جغرافية مركّزة تحدّد محلّ مصر من الأرض، وتعيّن حدودها الطّبيعية، لم يحدّد فيها المقريزي مصادره بوضوح، وإن كان أشار فيها في مواضع متفرّقة إلى مؤلّفات محمد بن موسى الخوارزمي (فيما يلي ٢١) وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي (فيما يلي ٤، ٣١٢)، كما تتّفق بعض نصوصه مع ما ورد في مقدّمة ياقوت الحموي لكتابه الجامع «معجم البلدان»، وهو من مصادره في المجلّد الثالث. واعتمد المقريزي في تعيين المسافات ووصف الطّرق بين المدن والأقاليم على كتاب «المسالك والممالك» لأبي القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه بن خرداذبه المتوفي حوالي عام ٣٠٠ هـ/ ٩١٢ م (١)، وهو أوّل مصنّف يصل إلينا في الجغرافيا الوصفية، واعتمد في مواضع أخرى على كتاب «صورة الأرض» أو «المسالك والممالك» لأبي القاسم محمد بن حوقل المتوفى سنة ٣٨٠ هـ/ ٩٩٠٠ هـ عند وصفه بعض العمائر وسمّاه أحيانا الحوقلي (٢).
_________
(١) راجع كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ١٦٧ - ١٧١؛ Hadj-Sadok، M.، El ٢? art.Ibn Khurradadhbih III، p. ٨٦٣.
(٢) راجع، كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٢١٦ - ٢٢٢، Miquel، A.، El ٢? art.Ibn Hawkal lll، pp. ٨١٠ - ١١.
стр. 74
وتناول المقريزي بعد ذلك «فضائل مصر» وهو موضوع مطروق منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، واعتمد فيه في الأساس على ما ورد في «القرآن الكريم» و «الحديث النّبوي» بالإضافة إلى كتب الفضائل وعلى الأخصّ «فضائل مصر» لعمر بن أبي عمر محمد بن يوسف الكندي، ابن الكندي صاحب «ولاة مصر» و «قضاة مصر»، الذي ألّفه للأمير أبي المسك كافور الإخشيدي (١)، وكتاب «غريب الحديث» لأبي محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ/ ٨٨٩ م (٢).
وبالطّبع كان كتاب «فتوح مصر وأخبارها» لأبي القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٥٧ هـ/ ٨٧١ م (٣)، المصدر الرئيس للمقريزي في كلّ ما يتعلّق بمسائل فتح مصر والإسكندرية وأقاليمها المختلفة وكافّة القضايا المتعلّقة بهذه الفترة. فابن عبد الحكم هو أوّل مؤرّخ لمصر الإسلامية، وكتابه «فتوح مصر» المصدر الوحيد الذي سجّل أحداث الفتح العربي الإسلامي لمصر، فكان مصدرا لا غنى عنه لكلّ من تناولوا هذا الموضوع من القضاعي إلى ابن إياس.
ونقل المقريزي أغلب كتاب ابن عبد الحكم وعلى الأخصّ روايات محمد بن حبيب وعبد اللّه بن لهيعة واللّيث بن سعد، تماما مثلما فعل مع كتاب «أمراء مصر» أو «ولاة مصر» للكندي للفترة التالية لأحداث الفتح وحتى سقوط الدولة الإخشيدية، والتي سترد في المجلّد الثاني.
وبعد ذلك تحدّث المقريزي عن تاريخ مصر القديم وما بها من عجائب، وقد أعاد ذكر ما ورد في هذا القسم بطريقة أكثر تفصيلا عند حديثه على مدينتي أمسوس ومنف في الجزء الثاني الخاصّ بذكر مدائن أرض مصر. والحقيقة أنّ مادّة المقريزي الخاصّة بالتاريخ القديم أسطورية بأكملها واعتمد فيها في الأساس على مصدرين رئيسين: «أخبار مصر وعجائبها» لإبراهيم بن وصيف شاه، و «أخبار الزّمان ومن أباده الحدثان» للمسعودي بالإضافة إلى مقدّمة «فتوح مصر» لابن عبد الحكم و «الإكليل» للهمداني و «التّيجان في ملوك حمير» لابن هشام و «الآثار الباقية» للبيروني، و «مروج الذّهب» للمسعودي.
فالمسعودي أبو الحسن عليّ بن الحسين المتوفى سنة ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ م، الذي اعتمد عليه المقريزي في مواضع عديدة من المجلّد الأوّل، هو «أكثر الجغرافيين العرب أصالة في القرن الرّابع
_________
(١) نشره عليّ محمد عمر وصدر عن مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة ١٩٩٧.
(٢) نشره عبد اللّه الجبّوري في بغداد سنة ١٩٧٧ - ١٩٧٩ في ثلاثة أجزاء.
(٣) ابن حجر: تهذيب التهذيب ٢٦٠: ٩ - ٢٦٢؛ إبراهيم أحمد العدوي: ابن عبد الحكم رائد المؤرخين العرب، القاهرة ١٩٦٣؛ مجموعة من الأساتذة: دراسات عن ابن عبد الحكم، القاهرة ١٩٧٥؛ Rosenthal، F.، El ٢? art.Ibn c? Abd al-Hakam.III، p. ٦٩٦ واعتمدت في إحالاتي على نشرة C.C.
Torrey الصادرة في نيوهافن سنة ١٩٢٢.
стр. 75
الهجري/ العاشر الميلادي». وقد أقام المسعودي فترة غير قصيرة بمصر حيث يشير في مواضع مختلفة من كتابه «مروج الذّهب» إلى أنّه كان بها في سنة ٣٣٢ هـ/ ٩٤٤ م. وللأسف الشّديد لم يصل إلينا من مؤلّفات المسعودي سوى مؤلّفين فقط: «مروج الذّهب» و «التّنبيه والإشراف». (١)
والكتابان مصدران أساسيان للمقريزي إضافة إلى كتاب «أخبار الزّمان»، وفي النّصّ الذي وصل إلينا منه شكّ في نسبته إلى المسعودي، ويزيد في تعقيد نسبة هذا النّصّ الموجود بين أيدينا إلى المسعودي وجود مقتطفات منه نسبها المقريزي إلى إبراهيم بن وصيف شاه.
فنحن نعرف أنّ المسعوديّ وضع كتابا مطوّلا في التاريخ عنوانه «أخبار الزّمان ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدّاثرة» يقع في ثلاثين جزءا، ثم وضع كتابا اختصر فيه الكثير ممّا جاء في «أخبار الزّمان» سمّاه «الكتاب الأوسط» (٢). وللأسف فإنّنا لا نعرف هذين الكتابين إلاّ من خلال اقتباسات ضئيلة ليست بذات قيمة، كما أنّ الشّكّ يعتور صحّة نسبة هذه النّقول إليه.
أمّا كتاب «مروج الذّهب ومعادن الجوهر» فهو الكتاب التاريخي الوحيد بين مؤلّفات المسعودي الذي وصل إلينا، ويعدّ أفضل تصوير للحياة الاجتماعية والثّقافية في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، كما يحتوي على معلومات هامّة عن الأمم القديمة وملوكها وسير الأنبياء، والمدن التاريخية، والبحار والأنهار والخلجان، وأخبار النّيل والعجائب الموجودة بمصر، والتأريخ وأسماء الشّهور المختلفة، كانت معينا مهمّا للمقريزي على امتداد صفحات المجلّد الأوّل.
وعندما ينقل المقريزي عن «مروج الذّهب» يعيّن عنوانه بينما يكتفي أحيانا بالقول: قال المسعودي، عندما ينقل عن «أخبار الزّمان». وتعتمد طريقة المسعودي في كتابه على العرض
_________
(١) راجع، ابن النديم: الفهرست ١٧١؛ ياقوت: معجم الأدباء ٩٠: ١٣ - ٩٤؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥٦٩: ١٥؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٥: ٢١ - ٦؛ السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٤٥٦: ٣ - ٤٥٧ (وكلّها تراجم قصيرة لم تقدّر المسعودي حقّ قدره). وانظر من الدراسات الحديثة التي أعادت تقييم المسعودي Maqbu? l Ahmad، S.، «Al-Masc? u? di's contribution to mediaeval Arab Geography»، IC XXVII (١٩٥٣)، pp. ٦١ - ٧٧، XXVIII (١٩٥٤)، pp.
٢٧٦ - ٨٦.، id.، (ed.)، al-Masc? u? di Millenary Comm- emoration Volume، Aligarh ١٩٦٠ (الذي يحتوي على عشرين دراسة حول موضوعات محدّدة عن المسعودي)؛ كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ١٩٠ - ٢٠١؛ Sezgin، F.، GASI، pp. ٣٣٢ - ٣٦; Miquel، A.، La Geographie humaine du monde musulman jusqu'au milieu du ll? siecle، Paris ١٩٦٧، I، pp.
، ٢٠٢ - ١٢ ثم الدراستين الهامتين Khalidi، T.، Islamic historiography.The histories of Masc? u? di?، Albany ١٩٧٥ (دراسة هامّة عن المنهج التاريخي للمسعودي)؛ Shboul، A.، Al-Masc? u? di? and his world.A Muslim humanist and his interest in non-Muslims، London ١٩٧٩; Pellat،.Ch.، El ٢? art.al-Masc? u? di? V، pp. ٧٧٣ - ٧٨
(٢) المسعودي: مروج الذهب ٩: ١ - ١٠.
стр. 76
الأدبي لا على الإسناد، ومن ثمّ فإنّه نادرا ما يشير إلى مصادره. وكتب المسعودي القسم الأكبر من «مروج الذّهب» في سنة ٣٣٢ هـ/ ٩٤٣ م (١)، وهي السّنة التي كان فيها في مصر، ثم أعاد تنقيحه مرّتين: الأولى حواليّ سنة ٣٣٦ هـ/ ٩٩٤ م، والثانية حواليّ سنة ٣٤٥ هـ/ ٩٦٥ م، وقد أشار إلى ذلك بنفسه في كتابه «التّنبيه والإشراف» يقول:
«وقد ذكرنا جميع ما قيل في ذلك على الشّرح والإيضاح في كتابنا في «أخبار الزّمان» وفيما تلاه من «الكتاب الأوسط»، ثم في الجزء السّابع من كتاب «مروج الذّهب ومعادن الجوهر» في النّسخة الأخيرة التي قرّرنا أمرها في هذا الوقت على ما يجب من الزّيادات الكثيرة وتبديل المعاني وتغيير العبارات، وهي أضعاف النّسخة الأولى التي ألّفناها في سنة ٣٣٢» (٢).
وأشار المسعودي في مواضع من كتاب «مروج الذّهب» أنّه تناول بعض ما يتعلّق بالمدن المصرية بتفصيل أكثر في مؤلّفاته الأخرى، يقول عند حديثه عن الإسكندرية:
«ولم نعرض في هذا الكتاب لذكر العلّة الموجبة لامتناع المطر بمصر ولا لكثير من أخبار الإسكندرية وكيفية بنائها والأمم التي تداولتها والملوك التي سكنتها من العرب وغيرها، لأنّنا قد أتينا على ذلك في «الكتاب الأوسط» (٣).
وأضاف بعد ذلك عند حديثه على دخول عمرو بن العاص إلى مصر والإسكندرية قبل الإسلام: «قد أتينا على جميع ذلك في كتابنا في «أخبار الزّمان» وفي «الكتاب الأوسط» (٤).
يتّضح من ذلك أنّ المقريزي لم يعرف من مؤلّفات المسعودي التاريخية سوى الإصدار الأوّل من «مروج الذّهب» الذي كتبه سنة ٣٣٢ هـ/ ٩٤٣ م، واعتمد عليه ونقل منه مطوّلا ما ذكره عن التاريخ القديم وأخبار النّيل والعجائب الموجودة بمصر ووصفه لعيد الغطاس الذي شهده المسعودي بنفسه في زمن محمد بن طغج الإخشيد.
أمّا كتاب «التّنبيه والإشراف» (٥). فهو في الأساس كتاب جغرافي، ولكنّه يخلط في مواضع
_________
(١) المسعودي: مروج الذهب ١٠: ١، واعتمدت في إحالاتي على نشرة بربيه دي مينار وبافيه دي كرتاي التي عني بتنقيحها وتصحيحها شارل بلا، وصدرت في خمسة أجزاء مع جزأين للكشافات ضمن منشورات قسم التاريخ بالجامعة اللبنانية، بيروت ١٩٦٦ - ١٩٧٩.
(٢) المسعودي: التنبيه والإشراف ٩٧.
(٣) المسعودي: مروج الذهب ٧٣: ٢.
(٤) نفسه ٩٤: ٢ - ٩٥.
(٥) اعتمدت في إحالاتي على نشرة دي خويه De Goeije التي صدرت في ليدن سنة ١٨٩٤.
стр. 77
كثيرة بين التاريخ والجغرافيا، وقد أتمّ تأليفه في العام الذي توفّي فيه، أي في عام ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ م.
وقد نقل عنه المقريزي مصرّحا في حديثه عن الأهرام (فيما يلي ٣١٢) وفي حديثه عن عجائب الإسكندرية (فيما يلي ٤٢٥ - ٤٢٧)، كما نقل عنه نصّا مطوّلا دون تصريح حول عمليات الفداء المتتالية بين المسلمين والرّوم في المواقع البحرية (١٩١: ٢ - ١٩٣).
ومصدر المقريزي الرّئيس فيما يتعلّق بتاريخ مصر القديم وأصل تسمية المدن المصرية القديمة، كتاب «أخبار مصر وعجائبها» لإبراهيم بن وصيف شاه، وهو مؤلّف لا نعرف على وجه التّدقيق الفترة التي عاش فيها، وإن كان لم يتجاوز القرن الخامس الهجري، بما أنّ اثنين من علماء هذا القرن اعتمدوا عليه في مؤلّفاتهما هما: صاعد الأندلسي المتوفي قبل سنة ٤٦٢ هـ/ ١٠٧٠ م، وأبو عبيد البكري المتوفي سنة ٤٨٧ هـ/ ١٠٩٤ م وأشارا إليه باسم «الوصيفي». ويدلّ لفظ «شاه» الملحق باسمه على أصل شرقي، ممّا يجعلنا نبحث عن أصوله في مجتمع الصّابئة في حرّان الذين يعدّون حلقة في سلسلة نقل أسطورة هرمس.
وبدأ الاهتمام بهذا الكتاب منذ أن نشر المستشرق الفرنسي كارا دي فو Carra de Vaux في نهاية القرن التاسع عشر ترجمة لكتاب «مختصر العجائب» المنسوب لإبراهيم بن وصيف شاه واشتهر بين الباحثين بعنوانه الفرنسي L'Abrege des Merveilles (١)، ثم نشر عبد اللّه الصّاوي النّصّ العربي للكتاب في القاهرة سنة ١٩٣٨ بعنوان: «أخبار الزّمان ومن أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران» ونسبه إلى المسعودي.
ثم توفّر علي دراسة مخطوطات هذا الكتاب المختلفة كلّ من الأستاذ أندريه فرّيه Andre Ferre (٢) والأستاذة أورسولا سزجين Urusula Sezgin (٣)، وتوصّلا إلى أن أقدم نسخ هذا الكتاب المنسوبة إلى إبراهيم بن وصيف شاه، هي نسخة مكتبة سان بطرسبرج St.Petersburg بروسيا الاتحادية رقم ٩٥٩٤، وهي نسخة خزائنية كتبها بالقاهرة في العشر الأواخر من شعبان سنة سبع وستّ مائة همّام بن سليمان بن عليّ بن إبراهيم بن يحيى السّبيلي، وكانت هذه النّسخة من بين مجموعة أبي بكر بن رستم بن أحمد الشّرواني المتوفى سنة ١١٣٥ هـ وهو شخص جمع مكتبة
_________
(١) Carra de Vaux، L'Abrege des Merveilles، Paris ١٨٩٨.
(٢) Ferre، A.، «Un auteur mysterieux Ibra? him b.Wasi? f Sha? h»، An.Isl.XXV (١٩٩١)، pp. ١٣٩ - ٥١.
(٣) Sezgin، U.، «Al-Masc? u? di?، Ibra? hi? m b.
Wasi? fshah und das Kita? b al-c? -Aga'ib»، ZGAW VIII (١٩٩٣)، pp. ١ - ٧٠.
стр. 78
ضخمة من المخطوطات العربية من بينها مسوّدة كتابي «المواعظ والاعتبار» و «المقفّى الكبير» للمقريزي، تفرّقت الآن على العديد من المكتبات في استانبول وباريس والمدينة المنوّرة وسان بطرسبرج. وكان جاستون فييت قد قام بدراسة عن كتب العجائب في تقديمه لكتاب مرتضى الغافقي عن أخبار مصر القديمة، تناول فيها العلاقة بين «مختصر العجائب» لابن وصيف شاه وكتاب الغافقي (١). وفي حقيقة الأمر فإنّ «كتب العجائب» تمثّل في الأدب العربي قسما قائما بذاته؛ وبرغم طبيعتها التخيّلية فإنّها تستحق دراسة علمية، حيث أنّها تقع بين التخيّل والحقيقة وتنتمي في نفس الوقت إلى الأسطورة والتاريخ. ويشير أحد علماء المصريات بتقدير إلى ما يمكن أن تقدّمه المصادر العربية لدراسة علم المصرّيات، حيث أنّها تقدّم أهميّة خاصّة لأنّها في مظهر أقرب إلى «ألف ليلة وليلة» وفي وسط تفاصيل متخيّلة، يحفظ لنا بعضها معطيات بالغة القيمة عن محاولات كشفيّة أو كشوف حقيقيّة تمّت في هذا العصر.
وترى هذه المصادر في جميع الملوك القدماء سحرة أو منجّمين يدينون بنجاحهم في السّلم والحرب إلى علمهم، ومصدر هذه المعلومات، عند المؤلّفين العرب، روايات قبطية شاعت بين أفراد الشّعب في نهاية العصر الروماني، وقد تخفي هذه الرّوايات بعض التّقاليد التي لا تمثّل التاريخ الصّحيح وإنّما الطّريقة التي تصوّرها به المصريون (٢).
فالتاريخ الأسطوري لمصر القديمة، الذي تقدّمه المصادر العربية، لا يمكن مقابلته مع روايات هيرودوت أو قائمة مانيتون ولا بالطّبع مع ما يقدّمه علم المصريات الحديث، كما يختلف كثيرا مع ما نجده في الرّوايات المصرية القديمة.
ولكن هذه الأساطير القديمة يمكن أن تمثّل وضع الفولكلور في العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. وكتبت هذه الرّوايات نقلا عن مصادر محلّيّة وتذكر عادة بعض التفاصيل مثلما فعل ابن جبير وهو يصف بربا إخميم يقول: «وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلّها مختلفات الأشكال والصّفة، منها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر النّاظر إليها رعبا ويمتلء منها عبرة وتعجّبّا. وما فيه مغرز إشفي ولا إبرة إلاّ وفيه صورة أو نقش أو خطّ بالمسند لا يفهم» (٣).
_________
(١) Wiet، G.، L'Egypte de Murtadi fils du Gaphiphe، introdcution، traduction et notes، Paris ١٩٥٣.
(٢) Ibid.، pp. ٨ - ٩.
(٣) ابن جبير: الرحلة ٣٧.
стр. 79
وقد تناول تاريخ هذه الفترة السّابقة على الفتح الإسلامي لمصر عدد من المؤلّفين أقدمهم ابن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٥٧ هـ/ ٨٧١ م في كتاب «فتوح مصر»، ولكن الغريب أنّه لا يقدّم لنا أيّة معلومات عن الفترة السّابقة على الطّوفان. ومن ناحية أخرى فإنّه بعد أن يقدّم تفاصيل محدودة عن أبناء نوح الذين استقرّوا في وادي النّيل، ينتقل مرّة واحدة إلى ذكر فرعون يوسف وفرعون موسى ليتمّ حديثه بطريقة جافّة بغزو بختنصّر، وهو المصدر الذي ارتبط به المسعودي وعلى الأخصّ في «مروج الذّهب»، كما اعتمد عليه المقريزي بكثرة فيما يخص هذه الأحداث.
وكما سبق أن ذكرت فإنّ المصدر الأهمّ والأغنى الذي اعتمد عليه المقريزي فيما يخص كلّ الفترة السابقة على الفتح العربي لمصر، كتاب «أخبار مصر وعجائبها» لإبراهيم بن وصيف شاه الذي يصفه ب «الأستاذ» وقال عنه في أكثر من موضع: «وابن وصيف شاه أعرف بأخبار مصر» (١).
وإذا كان ابن وصيف شاه يعرف أسماء جميع ملوك مصر قبل وبعد الطّوفان، فيبدو، من خلال ما ذكره المقريزي، أنّ روايته تنتهي بذكر فرعون موسى، حيث استعان المقريزي مرّة أخرى بابن عبد الحكم بالنّسبة للفترة التالية (٢)، وعلى كلّ الأحوال فإنّ النّويري الذي اعتمد أيضا على ابن وصيف شاه، قاطع في ذلك يقول: «ولم يذكر من أخبار ملوك مصر بعد غرق فرعون [موسى] شيئا ولا ذكر من ملك بعده» ثم أضاف «وقد أشار المسعودي في «مروج الذّهب» إلى نبذة من أخبار من ملك مصر بعد غرق فرعون نحن نذكرها» (٣).
ويعدّ النّويري، شهاب الدّين أحمد بن عبد الوهّاب المتوفى سنة ٧٣٣ هـ/ ١٣٣٣ م المؤرّخ الوحيد الذي نقل بإطّراد كتاب ابن وصيف شاه في الفصل الذي خصّصه لذكر «أخبار مصر ومن ملكها من الملوك قبل الطّوفان وبعده» والذي استغرق من صفحة ١ إلى ١٣٧ من الجزء الخامس عشر من كتابه «نهاية الأرب في فنون الأدب»، ولكنّه لم ينقل مباشرة عن ابن وصيف شاه، وإنّما عن شخص يدعى إبراهيم بن القاسم الكاتب في «مختصر كتاب العجائب الكبير» الذي ألّفه إبراهيم بن وصيف شاه (٤).
واعتمد المقريزي عند ذكره لبقيّة أسماء ملوك مصر بعد فرعون موسى اعتبارا من الأسرة العشرين (فيما يلي ٣٩٠ - ٣٩١) على قائمة مانيتون Manetho من خلال نصّ يوسيبيوس القيصري
_________
(١) فيما يلي ٤٠٧، ٥٧٤.
(٢) فيما يلي ٣٨٧.
(٣) النويري: نهاية الأرب ١٣٧: ١٥.
(٤) نفسه ١: ١٥، ١٣٧.
стр. 80
Eusebius of Caesarea (٢٦٠ - ٤٣٠ م) ابتداء من ذكر ملوك الأسرة الحادية والعشرين التي تبدأ بالملك سمانادوس Smendes وهم أربعة وثلاثون ملكا (١). ويتّفقّ نصّ المقريزي تماما مع نصّ يوسيبيوس - الذي وصل إلينا في ترجمة أرمنية - ولا شكّ أنّ كتاب يوسيبيوس نقل إلى اللغة السّريانية، وبما أنّ أغلب الترجمات العربية للنّصوص اليونانية تمّت عن طريق السّريانية، فمن الممكن أن يكون المؤلّفون العرب - الذين اعتمد عليهم المقريزي في نقل الأسماء - قد أخذوها عن نصّ سرياني، وعلى الأخصّ أبو الرّيحان البيروني الذي أورد نفس القائمة في كتابه «الآثار الباقية عن القرون الخالية» وبدأها بالعبارة التالية: «تسمية ملوك القبط الذين كانوا بمصر وعددهم أربعة وثلاثون»، وعندي أنّ البيروني هو المصدر الذي أخذ عنه المقريزي، فقد اعتمد عليه اعتمادا كبيرا في مواضع كثيرة من كتابه أكثرها بالتّصريح.
أمّا تاريخ الإسكندر وخلفائه البطالمة، وكذلك ما ذكره عرضا عن أباطرة الرّومان مثل حديثه عن الإمبراطور قسطنطين والإمبراطور دقلديانوس، فقد اعتمد فيه المقريزي على الترجمة العربية لكتاب «تاريخ العالم» لباولوس أوروسيوس، الذي عرفه المؤلّفون العرب باسم «كتاب هروشيوش».
و «كتاب هروشيوش» أو «تاريخ العالم» كتاب ألّفه باللاتينية المؤرّخ الأسباني باولوس أوروسيوس Paulus Orosius الذي عاش في القرنين الرابع والخامس بعد الميلاد. وترجع أصوله إلى إقليم براكارا Bracara في مقاطعة جليقية Galicia في شمال غرب أسبانيا، ويحتمل أن يكون قد ولد فيما بين سنتي ٣٧٥ و ٣٨٠ بعد الميلاد. كلّفه القديس أو غسطين St.Augostin عندما ورد عليه في هبّونه Hippone (في تونس الحالية) - مركز أسقفيّة أو غسطين - بكتابة مختصر للتاريخ العام للإنسانية منذ البداية حتى سنة ٤١٦ م يبيّن فيه ما أصاب الإنسانية من كوارث ومصائب على مدى تاريخها، بهدف أن يبرهن للوثنيين أنّ كوارث روما والإمبراطورية ليست من عمل المسيحية بل أمر إنساني عام حدث على مدى تاريخ الإنسان. وقد أتمّ أوروسيوس هذه المهمّة وأصدر كتابه في سنتي ٤١٧ - ٤١٨ م وعنوانه باللاتينية Historiae Adversus Paganos. وقد انتشر هذا الكتاب انتشارا واسعا في أوروبا في العصر الوسيط حتى وصل إلينا منه أكثر من مائتي نسخة لاتينية.
_________
(١) انظر Ahmad Kamal، «Notes sur la rectification des noms arabes des anciens rois d'Egypte»، BIE ٤? serie IV (١٩٠٣)، pp. ٨٩ - ١٢٧; Waddell، W.G.، Manetho with an english Translation، Harvard University Press ١٩٧١، pp.
١٤٩ - ٨٧.
стр. 81
أمّا الترجمة العربية للكتاب فقد تمّت في الأندلس في زمن الخليفة الأموي الحكم الثاني المستنصر باللّه (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ/ ٩٦١ - ٩٧٦ م). ويعدّ هذا الكتاب من أوائل النّصوص اللاتينية التي نقلت إلى العربية، فقد عهدنا دائما أنّ أكثر الكتب التي نقلها العرب، أو غيرهم من المترجمين، كانت عن أصول يونانية والقليل منها عن اللّغات الفارسية والسّريانية والهندية، ولكنّنا لم نظفر إلاّ قليلا جدّا بنصوص عربية ترجمت عن اللّغة اللاتينية لعلّ كتاب أوروسيوس من أوائلها إن لم يكن أوّلها. ويعدّ الطّبيب الأندلسي أبو داود عليّ بن سليمان بن حسّان بن جلجل المتوفى بعد سنة ٣٧٧ هـ/ ٩٨٨ م أوّل مؤرّخ إسلامي استفاد من الترجمة العربية لهذا الكتاب ونقل منها في كتابه «طبقات الأطبّاء والحكماء» بعض النّصوص (١).
وهذا الكتاب أحد الكتابين اللّذين أرسلهما إمبراطور القسطنطينيّة Costantin VII Porphyrogenete، لا أرمانيوس أو Romanus Lecapenus كما يذكر ابن جلجل، إلى الخليفة الأموي عبد الرّحمن النّاصر سنة ٣٣٧ هـ/ ٩٤٩ م، وكان من جملة ما ذكره إمبراطور القسطنطينيّة في رسالته إلى عبد الرّحمن النّاصر عن هذا الكتاب «أمّا كتاب هروشيوش فعندك في بلدك من اللاّطينيين من يقرؤوه باللّسان اللاّطيني، وإن كاشفتهم عنه نقلوه لك من اللاّطيني إلى اللّسان العربي» (٢).
وذكر ابن خلدون - الذي اعتمد كثيرا على كتاب هروشيوش في تاريخه أنّ الذي ترجمه للحكم المستنصر هو قاضي النّصارى وترجمانهم بقرطبة وقاسم بن أصبغ، وأشار إلى الكتاب في موضع آخر بقوله «وخبر هروشيوش مقدّم لأنّ واضعيه [مترجميه] مسلمان، كان يترجمان لخلفاء الإسلام بقرطبة وهما معروفان ووضعا الكتاب» (٣). وما ذكره ابن خلدون يثير العديد من المشاكل حول من ترجم هذا الكتاب إلى العربية، وقد ناقش هذه القضيّة كلّ من LeviDella Vida وفؤاد سيّد وعبد الرّحمن بدوي وعباده كحيلة (٤). ورفض بدوي الخبرين اللذين أوردهما ابن خلدون واعتبرهما من الأوهام العديدة التي وقع فيها ابن خلدون لعدم تدقيقه واحتياطه، وعليه فإنّنا لا
_________
(١) ابن جلجل: طبقات الأطباء والحكماء ١١، ١٢، ١٣، ٣٦.
(٢) فؤاد سيد: مقدمة طبقات ابن جلجل كط.
(٣) ابن خلدون: تاريخ العبر ٨٨: ٢، ١٩٧.
(٤) Levi Della Vida، G.، La Traduzione araba delle storie di Orosio (Miscellanea G.Galbiati،؛ III، Milano ١٩٥١)، pp. ١٨٥ - ٢٠٣ فؤاد سيد: مقدمة طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل كط - لج؛ عبد الرحمن بدوي: مقدمة تاريخ العالم لباولوس أوروسيوس ١٠ - ٢٠؛ عبادة كحيلة: «كتاب التواريخ لباولوس أوروسيوس وترجمته الأندلسية»، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد ٢٣ (١٩٨٥ - ١٩٨٦)، ١١٩ - ١٣٧، وكتاب أندلسيات، القاهرة ٢٠٠١، ٢٩ - ٦٦.
стр. 82
نعرف - بحسب ما لدينا من مصادر حتى الآن - من هو الذي ترجم كتاب هروشيوش من اللاتينية إلى العربية.
ووصلت إلينا الترجمة العربية لهذا الكتاب في نسخة وحيدة محفوظة بمكتبة جامعة كولومبيا بنيويورك تحت رقم X، ٨٩٣، ٧١٢ ونشرها في بيروت في عام ١٩٨٢ الدكتور عبد الرّحمن بدوي وصدرت عن المؤسّسة العربية للدراسات والنشر.
ونقل المقريزي في مواضع كثيرة من الجزء الأوّل من كتاب «الخطط» صراحة عن تاريخ أوروسيوس، وذكر في موضع واحد عنوان الكتاب بالصيغة التالية: «ترجمة كتاب هروشيوش الأندلسي في وصف الدّول والحروب» (فيما يلي ٣٨٨)، وكلّ هذه النّقول تتّصل بمعلومات جغرافية أو خاصّة بتاريخ الإسكندر المقدوني، وفي نفس الوقت نقل دون إشارة من كتاب أوروسيوس كلّ ما ذكره عن الملوك البطالمة الذين حكموا مصر كخلفاء للإسكندر (فيما يلي ٤١٨ - ٤٢٢)، وكذلك ترجمة الإمبراطور قسطنطين عند حديثه عن عيد الصّليب (فيما يلي ٧٢١). وتتّفق نصوص المقريزي تماما مع نصّ الترجمة العربية التي وصلت إلينا للكتاب.
وكان مصدر المقريزي الأساسي في حديثه عن أخبار النّوبة والبجّة كتاب «أخبار النّوبة والمقرّه وعلوه والبجة والنّيل ومن عليه وقرب منه» لأبي محمد عبد اللّه بن أحمد بن سليم الأسواني (١) الذي وصفه المقريزي ب «مؤرّخ النّوبة» (٢). ولم يعطنا المقريزي في الترجمة التي أفردها له في كتابه «المقفّى الكبير» أي تحديد لتاريخيّ ميلاده ووفاته، ولكنّه يذكر أنّ جوهر الصّقلبي، قائد جيوش المعزّ لدين اللّه، بعثه بكتاب إلى قيرقي ملك النّوبة، يعرض عليه فيه الإسلام وتسديد البقط الذي يجب أن يدفعه كلّ ملوك النّوبة إلى حكّام مصر. وعلى هذا يكون مسير ابن سليم الأسواني في هذه البعثة في الفترة بين سنتي ٣٥٨ هـ (وصول جوهر إلى مصر) و ٣٦٣ هـ (وصول
_________
(١) راجع عن ابن سليم الأسواني وكتابه «أخبار النوبة»، المقريزي: المقفى الكبير ٥٧٤: ٤ - ٥٧٦؛ كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٢١٠ - ٢١١؛ Troupeau، G.، «La description de la Nubie d'al-Uswa? ni?»، Arabica I (١٩٥٤)، pp. ٢٧٦ - ٨٨; Brockelmann، C.، GAL S I، ٤١٠; Yusuf Fadl Hasan، El ٢? art.Ibn؛ Sulaym al-Uswa? ni? III، p. ٩٧٣ وجمع حمد محمد خير النصوص التي وردت عن ابن سليم، وعلى الأخصّ لدى المقريزي، في مقاله Kheir، H.M.، «A Contribution to a Textual Problem: Ibn Sulaym al-Aswa? ni's Kita? b AKhbar al-Nu? ba wal-Maqurra Wal-Bega، Wal-Ni? l»، An.IsI.XXI (١٩٨٥)، pp. ٩ - ٧٢ الذي أعاد نشره في مجلة أرابيكا Arabica XXXXVI (١٩٨٩)، pp.
٣٦ - ٨٠.
(٢) فيما يلي ٥٢٧، ٥٣٥.
стр. 83
المعزّ لدين اللّه إلى مصر). وسجّل ابن سليم المعلومات الغنيّة التي جمعها عن النّوبة بعد عودته إلى مصر ودوّنها في كتابه «أخبار النّوبة» الذي أهداه إلى الخليفة الفاطمي الثاني العزيز باللّه (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ/ ٩٧٥ - ٩٩٦ م).
وكتاب ابن سليم، الذي لا نعرفه إلاّ من خلال ما نقله عنه كلّ من المقريزي وابن إياس والمنوفي، يشتمل على وصف دقيق لكلّ ما شاهده في هذه البلاد؛ ويمتاز وصفه للنّيل بالكثير من الدّقّة، ويوشك هذا الوصف أن يكون هو الوصف الوحيد في الأدب العربي في العصر الإسلامي الذي يبيّن لنا المدى الذي وصلت إليه معرفة العرب بالمجرى الأعلى للنّيل. ويبدو أنّ كتاب ابن سليم لم ينتبه إليه أحد قبل المقريزي وكان هو أوّل المستفيدين من مادّته، فوصف الإدريسي صاحب «نزهة المشتاق» لمجرى النّيل الأعلى في منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، يدلّ دلالة واضحة على مدى النقص الذي كان يعانيه ذلك المؤلّف في المصادر التي تحت يده والتي لم تكن إلى جانب هذا واضحة له على الدّوام (١).
وفي القسم الذي عقده المقريزي للحديث عن «أخلاق أهل مصر وطبائعهم وأمزجتهم» نقل المقريزي كلّ ما ذكره، حول هذا الموضوع، أبو الحسن عليّ بن رضوان الطّبيب رئيس أطبّاء مصر المتوفي سنة ٤٥٣ هـ/ ١٠٦١ م في كتابه «دفع مضار الأبدان بأرض مصر» (٢)، وهو من أوائل الكتب الطّبيّة التي تناولت موضوع الأمراض المتوطّنة (فيما يلي ١١٢ - ١٢٥). ونقل المقريزي بقيّة كتاب ابن رضوان عند ذكره ما قيل في وصف مدينتي الفسطاط والقاهرة في المجلد الثاني (٣٣٩: ١ - ٣٤٠، ٣٦٥ - ٣٦٦). ونقل المقريزي كذلك عن كتاب آخر لابن رضوان هو «شرح كتاب الأربع لبطلميوس» أو «المقالات الأربع لبطلميوس» Quadripartitum de Ptolemee (فيما يلي ١٢٦).
واستعان المقريزي كذلك بما جاء في «الرّسالة المصرية» لأبي الصّلت أميّة بن عبد العزيز الأندلسي المتوفي سنة ٥٢٩ هـ/ ١١٣٥ م، والتي سأفصّل الحديث عنها بعد قليل.
ولعلّ أكثر أقسام الجزء الأوّل من أجزاء الكتاب السبعة قيمة، القسم الذي تناول فيه المقريزي الحديث عن نظام قبالة الأراضي وجمع الخراج ونظام الضّرائب ونظام الإقطاع، وما طرأ من تطوّر
_________
(١) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي ٢١٠.
(٢) انظر فيما يلي ١١٢، ونشر كتاب «دفع مضار الأبدان»، الدكتور عبد المجيد دياب وصدر عن مكتبة ابن قتيبة في الكويت سنة ١٩٩٥.
стр. 84
على أراضي مصر إلى وقت «الرّوك النّاصري» الذي أمر به السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون سنة ٧١٥ هـ/ ١٣١٥ م، والذي اعتمد فيه المقريزي على مصادر بعضها لم يصل إلينا أو وصل إلينا مبتورا مثل: «أخبار مصر» للمسبّحي، و «أخبار مصر» لابن المأمون و «أخبار مصر» لابن ميسّر و «سيرة الوزير اليازوري» و «المنهاج في أحكام خراج مصر» للمخزومي، بالإضافة إلى «قوانين الدّواوين» لابن ممّاتي - الذي اعتمد عليه المقريزي اعتمادا تامّا عند ذكره أصناف أراضي مصر وأقسام زراعتها (فيما يلي ٢٧٠ - ٢٧٨) - وأوراق رمسية أطلق عليها «جرائد ديوان الجيش بأوراق الرّوك النّاصري» (فيما يلي ٢٥٥).
وستكون مؤلّفات المسبّحي وابن المأمون وابن ميسّر من أهم مصادر المجلّد الثاني من الكتاب، لذلك سأرجئ الحديث عنها إلى مقدّمة هذا المجلّد. أمّا كتاب «المنهاج في أحكام خراج مصر» للقاضي السّعيد ثقة الثّقات ذي الرّياستين أبي الحسين عليّ بن عثمان بن يوسف المخزومي المتوفى سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م، صاحب النّظر في ديوان مصر (١)، فمصدر وحيد في وصف النّظام المالي في مصر في آخر عهد الدولة الفاطمية ومطلع عهد الدولة الأيّوبية، قال عنه المقريزي: «وهو كتاب جليل الفائدة» (٢).
ويقدّم لنا المخزومي معلومات هامّة لا نظير لها حول تنظيمات الجيش، وعن التجارة والضّرائب المفروضة عليها في موانئ البحر المتوسّط، وعلى الأخصّ الإسكندرية وتنّيس ودمياط، مع وصف تفصيلي للعمليات التي كان يقوم بها الوكلاء والمحاسبون الماليون في هذه الموانئ، وكذلك عن كيفية جباية الجزية من أهل الذّمّة قرب نهاية العصر الفاطمي، وساعد المخزومي على دقّة معلوماته أنّه تولّى ديوان المجلس - أحد أهم الدّواوين العليا في زمن الفاطميين (فيما يلي ٣٩٧: ١ - ٤٠٠) أكثر من مرّة، فقد كان من طبقة القضاة التي كانت الإدارة المصرية تكل إليها وظائف الإدارة العليا.
ويرى البروفيسير كلود كاهن Claude Cahen (١٩٠٩ - ١٩٩١) - الذي توفّر على دراسة هذا الكتاب - أنّ للكتاب تأليفين، الأوّل أنهاه قرب نهاية الدولة الفاطمية سنة ٥٦٥ هـ/ ١١٦٩ م، ثم أخذ يضيف إليه حتى عام ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م في آخر عهد السّلطان النّاصر صلاح الدين.
_________
(١) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٢٢٧: ٧؛ Cahen، CI.، El ٢? art.Makhzu? mi? VI، p. ١٣٩.
(٢) المقريزي: الخطط ٤٦٠: ٢.
стр. 85
ووصلت إلينا من الكتاب نسخة واحدة تتخلّلها خروم جسيمة أضاعت منها ٧٦ ورقة من مجموع ٢٠٢ ورقة، الذي أدّى ليس فقد إلى غياب بعض الشّروح ولكن أيضا إلى صعوبة فهم بعض النّصوص. وهذه النّسخة محفوظة في المكتبة البريطانية برقم Add. ٢٣٤٨٣ واهتمّ بدراستها منذ أكثر من ثلاثين عاما البروفيسير كلود كاهن وكتب عنها سلسلة من الدّراسات الهامّة جمعها سنة ١٩٧٧ في كتاب واحد بعنوان «مخزوميّات - دراسات في التاريخ الاقتصادي والمالي لمصر في العصور الوسطى» (١)، ثم نشر أقساما من كتاب المخزومي صدرت عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة ١٩٨٦ م (٢).
والمصدر المهم الثاني الذي اعتمد عليه المقريزي في هذا القسم، كتاب «قوانين الدّواوين» للأسعد أبي المكارم بن مهذّب بن مينا بن أبي المليح زكريا الملقّب بالخطير أبي سعيد بن ممّاتي المتوفي سنة ٦٠٦ هـ/ ١٢٠٩ م (٣)، كان وأبوه من أقباط مصر وأسلما في صدر الدولة الأيّوبية، وتولّى ابن ممّاتي «ديوان الجيش» للسّلطان صلاح الدين و «ديوان الإقطاعات»، ثم كان ناظرا للدّواوين بالدّيار المصرية منذ سنة ٥٨٦ هـ/ ١١٩٠ م.
وصنّف ابن ممّاتي كتاب «قوانين الدّواوين» للملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، يقول المقريزي: «ذكر فيه ما يتعلّق بدواوين مصر ورسومها وأصولها وأحوالها وما يجري فيها وهو أربعة أجزاء ضخمة، والذي يقع في أيدي النّاس جزء واحد اختصره منه غير المصنّف، فإنّ ابن ممّاتي ذكر فيه أربعة آلاف ضيعة من أعمال مصر ومساحة كلّ ضيعة وقانون ريّها ومتحصّلها من عين وغلّة، ولمّا قدّمه للعزيز أنعم عليه بخمس مائة دينار حملت إليه» (٤). وما وصل إلينا من الكتاب هو المختصر الذي ذكره المقريزي.
ورغم أنّ المقريزي أشار إلى ابن ممّاتي وكتابه «قوانين الدّواوين» في موضعين من كتابه فقط (فيما يلي ١٨٩، ١٦٠: ٢)، إلاّ أنّه نقل عنه كلّ ما أورده في الباب الرابع عند ذكره لأصناف أراضي مصر وأقسام زراعتها (فيما يلي ٢٧٠ - ٢٧٧) دون أدنى إشارة إليه!
_________
(١) Cahen، CI.، «Makhzu? miyya? t-Etudes sur l'histoire economique et financiere de l'Egypte medieval، Leiden-Brill ١٩٧٧.
(٢) المنتقى من كتاب المنهاج في علم خراج مصر للمخزومي، تحقيق كلود كاهن، مراجعة يوسف راغب، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ١٩٨٦.
(٣) فيما يلي ١٧٩ - ١٨٠.
(٤) المقريزي: المقفى الكبير ٨٣: ٢ وفيما يلي ١٦٠: ٢.
стр. 86
ونشر هذا الكتاب الهام الدكتور عزيز سوريال عطيّة وصدر في القاهرة سنة ١٩٤٤ عن الجمعية الزّراعية الملكية، وأعيد نشره بالأوفست أكثر من مرّة.
واعتمد المقريزي عند ذكر أعمال الديار المصرية، إضافة إلى المسبّحي والقضاعي، على ما أورده شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل اللّه العمري المتوفي سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م في الباب السّادس من القسم الثاني من كتابه «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» دون الإشارة إليه (١)، وسيكون هذا الكتاب المصدر الأساسي للمقريزي عند حديثه في المجلّد الثالث عن وصف قلعة الجبل.
واعتمد المقريزي عند ذكره للرّوك النّاصري على «السّيرة النّاصريّة» التي لم يحدّد اسم مؤلّفها، وهو يعني بذلك كتاب «نزهة النّاظر في سيرة الملك النّاصر ومن ولي من أولاده» لموسى ابن محمد بن يحيى اليوسفي المتوفي سنة ٧٥٩ هـ/ ١٣٥٨ م (٢)، وقد صرّح المقريزي بالعنوان الكامل للكتاب واسم مؤلّفه في مسوّدة المواعظ (٣) وقال عنه: «وهو كتاب جليل ومن خطّه نقلت» (٤). ومؤلّف هذه السّيرة أحد مقدّمي الحلقة، وهي كتاب ضخم في تاريخ مصر في عصر دولة المماليك البحرية، قيل إنّه يقع في نحو خمسة عشر جزءا ابتدأه بدولة المنصور قلاوون وانتهى فيه إلى سنة ٧٥٥ هـ/ ١٣٥٤ م. ونقل عن هذا الكتاب ابن حجر في «الدّرر الكامنة» وقال عن مؤلّفه «أفاد فيه كثيرا من الوقائع والتراجم، وهو كثير التحرّي» (٥) وكذلك بدر الدين العيني في «عقد الجمان» ونقل عنه نصوصا مطوّلة (٦). وقد فقد أصل هذا الكتاب إلى أن كشف عن جزء منه، يشتمل فقط على حوادث السّنوات من ٧٣٣ إلى ٧٣٨ هـ، المستشرق الكندي دونالد ليتل، Donald Little حيث أثبت أنّ الجزء الثاني والعشرين من نسخة آياصوفيا من كتاب «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري ليست إلاّ جزءا من كتاب اليوسفي المفقود (٧).
_________
(١) فيما يلي ١٩٣ - ١٩٦، ١٩٨.
(٢) انظر فيما يلي ١٢٨ - ١٢٩، ٢٣٧.
(٣) المقريزي: مسودّة المواعظ ١٤٥ - ١٤٦، ٣٢٩.
(٤) نفسه ١٤٦.
(٥) ابن حجر: الدرر الكامنة ٣٨١: ٤ وأيضا ٢٧٠: ١، ٣٦٧؛ ٥٢: ٢، ١٦١، ٤٠٤.
(٦) العيني: عقد الجمان ٣: الكشاف ٥٢٨، ٤: الكشاف ٦٢٥ وانظر كذلك أبا المحاسن: النجوم الزاهرة ١٧٨: ٨، ٢٥٠.
(٧) Little، D.، «The Recovery of a Lost Source for Bahri Mamluk History، al-Yu? sufi's Nuzhat al-Na? zir fi Si? rat al-Malik al-Na? sir»، JAOS ٩٤ (١٩٧٤)، pp. ٤٢ - ٥٤؛ ونشره أحمد حطيط في بيروت وصدر عن عالم الكتب سنة ١٩٨٦.
стр. 87
واعتمد المقريزي في تعريف معنى الدّيوان والإقطاعات على كتاب «الأحكام السّلطانيّة» لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي المتوفي سنة ٣٦٤ هـ/ ٩٧٤ م، وهو أحد أهم مصادر السياسة الشّرعية (١)، كما نقل نصّا مطوّلا من كتاب «الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلاّم بن عبد اللّه المتوفي سنة ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م (٢) خاصّ بتعريف رسول اللّه ﷺ للإقطاع وما أقطعه لتميم الدّاري بأرض الشّام قبل أن يملكها المسلمون.
ويمثّل الفصل الذي عقده المقريزي للحديث عن «الأهرامات المصرية» أنموذجا للفصول التي جمع فيها المقريزي مادّته من عدد كبير من المصادر صاغها معا بطريقة تدعو إلى الإعجاب، بعضها وصل إلينا وبعضها الآخر فقد مع الوقت. فقد اعتمد فيه على مؤلّفات أكثر من عشرين مؤلّفا أهمّها مؤلّفات المسعودي وابن وصيف شاه وابن عبد الحكم وابن النّديم وأبي حامد الغرناطي والقضاعيّ وعبد اللّطيف البغدادي وأميّة بن عبد العزيز الأندلسي والهمداني وعليّ بن رضوان الطّبيب.
ومن أهم هذه المصادر كتاب «الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر» لموفّق الدّين عبد اللّطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغدادي المعروف بابن المطجّن المتوفي سنة ٦٢٩ هـ/ ١٢٣١ م. وقد أغنانا عبد اللّطيف البغدادي عن البحث عن سيرته بالسّيرة الذّاتية التي كتبها لنفسه autobiographie والتي حفظها لنا ابن أبي أصيبعة في الترجمة التي أفردها له في كتابه «عيون الأنباء» والتي نقل عنها المقريزي نفسه (فيما يلي ٣١٠) نصّا يوجد كذلك في كتاب «الإفادة». وولد عبد اللّطيف ببغداد سنة ٥٥٧ هـ/ ١١٦٢ م وارتحل في طلب العلم إلى بلاد الشّام حيث اتّصل بالأيّوبيين، وانتقل إلى مصر في سنة ٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م بعد وفاة صلاح الدين، وكان عبد اللّطيف فقيها وباحثا في علوم الطّبّ والنّبات. وفي أثناء وجوده في مصر شهد المجاعة الهائلة والوباء الذي اجتاحها بين عامي ٥٩٧ - ٥٩٨ هـ/ ١٢٠٠ - ١٢٠٢ م.
وترك مصر في عام ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٧ م إلى حلب في بلاد الشّام ورجع إلى بغداد في شيخوخته حيث توفي بها عام ٦٢٩ هـ/ ١٢٣١ م (٣).
_________
(١) فيما يلي ١٥٦، ٢٤٤، ٢٦٢، ٢٦٣.
(٢) فيما يلي ٢٦٢.
(٣) راجع ترجمته عند، ابن أبي أصيبعة: القفطي: إنباه الرواة ١٩٣: ٢ - ١٩٦ (ترجمة فيها إساءة لعبد اللطيف)؛ عيون الأنباء ٢٠١: ٢ - ٢١٣ (اعتمادا على سيرته الذاتية)؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٣٢٠: ٢٢ - ٣٢٣؛ المنذري: التكملة لوفيات النقلة ٢٩٧: ٣ - ٢٩٨؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ١٠٧: ١٩ - ١١٥؛ كراتشكوفسكي: تاريخ -
стр. 88
وانتهز عبد اللّطيف فرصة وجوده في مصر ليواصل أبحاثه الطّبّيّة، ونجح، بعد أن فحص الكثير من المومياوات التي وجدها في الجيزة، في التّوصّل إلى تصحيح بعض معطيات جالينوس في التّشريح وأن يثبت أنّ الفكّ السّفلي للإنسان مكوّن من عظم واحد لا من قطعتين كما قال جالينوس، وقد عاين عبد اللّطيف أكثر من ألفيّ مومياء ليثبت ذلك.
وبدأ عبد اللّطيف في تأليف كتابه في رمضان عام ٦٠٠ هـ/ ١٢٠٤ م بالقاهرة، بعد انتهاء مجاعة سنتي ٥٩٧ - ٥٩٨ هـ، وأتمّ تهذيبه ببيت المقدس عام ٦٠٣ هـ/ ١٢٠٦ م وقدّمه إلى الملك العادل أخي صلاح الدين. واعتمد المقريزي على الفصل الرّابع من المقالة الأولى من كتاب «الإفادة» التي وصف فيها عبد اللّطيف آثار مصر القديمة، حيث يعدّ عبد اللّطيف من أوائل المؤلّفين العرب الذين عنوا بآثار مصر، وأبدى اعتراضه على التّخريب الوحشي لهذه الآثار وإتلافها في عهد الملك العزيز عثمان. وعبد اللّطيف البغدادي هو مصدر الخبر الذي أورده المقريزي عند ذكر عمود السّواري حول إحراق عمرو بن العاص لخزانة الكتب التي كانت بالإسكندرية (مكتبة الإسكندرية) بإشارة الخليفة عمر بن الخطّاب (فيما يلي ٤٣٢)، وهو الخبر المزعوم الذي فصّله فيما بعد أبو الفرج بن العبري في كتابه «تاريخ مختصر الدّول»، وناقشه ودحضه العديد من الباحثين في مقدّمتهم ألفرد بتلر في كتابه «فتح العرب لمصر»، وكان الغرض من إشاعة هذا الخبر هو تبرير ما قام به صلاح الدين من بيع وتشتيت لخزانة كتب الفاطميين!
واعتمد المقريزي في هذا الفصل أيضا على كتاب «عجائب البنيان» للمؤرّخ شافع بن علي ابن عبّاس سبط القاضي محيي الدين بن عبد الظّاهر المتوفي سنة ٧٣٠ هـ/ ١٣٣٠ م بعد أن كفّ بصره (١)، الذي يبدو أنّه ضمّن كتابه ما ورد في الفصل الرّابع من كتاب عبد اللّطيف حول الآثار القديمة، فما ينسبه إليه المقريزي يوجد نصّا في كتاب «الإفادة» (فيما يلي ٣٢٥، ٣٣١).
_________
= الأدب الجغرافي؛ ولمجموعة من العلماء، موفق الدين عبد اللطيف البغدادي في الذكرى المئوية الثامنة لميلاده، القاهرة - المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ١٩٦٤؛ Stern، S.M.، El ٢? art.c? Abd al Lati? f al- Baghda? di? I، p. ٧٦.
(١) راجع ترجمته عند، الصفدي: الوافي بالوفيات ٧٧: ١٦ - ٨٥، نكت الهميان ١٦٣؛ المقريزي: السلوك ٣٢٧: ٢؛ ابن حجر: الدرر الكامنة ٢٨١: ٢ - ٢٨٣ (وفيه أنه ابن أخت محيي الدين لاسبطه)؛ أبي المحاسن: المنهل الصافي ٦:؛ النجوم الزاهرة ٢٨٤: ٩، وانظر كذلك Holt، P.M.، «the Presentation of Qala? wu? n by Sha? fic?
ibn? Ali» in the Islamic World from Classical to Modern Times-Essays in Honor of Bernard Lewis، ١٩٩١، pp. ١٤١ - ٤٩.
стр. 89
ولفت كتاب «الإفادة» انتباه المستشرقين منذ القرن الثامن عشر، إلى أن أصدر له أبو الاستشراق الفرنسي سلفستر دي ساسي نشرة مصحوبة بترجمة فرنسية وشروح وتعليقات سنة ١٨١٠ بعنوان Sylvestre de Sacy، Relation d'Egypte par Abd al-Lati? f، Paris ١٨١٠ (١).
والمصدر الثاني الذي نقل عنه المقريزي كتاب «تحفة الألباب ونخبة الإعجاب» لأبي حامد محمد بن عبد الرّحيم المازني القيسي الغرناطي الأندلسي الأقليشي الذين ولد في غرناطة سنة ٤٧٣ هـ/ ١٠٨١ م، وغادر الأندلس إلى غير رجعة حوالي سنة ٥٠٠ هـ/ ١١٠٧ م. وطاف بشمال إفريقيا ودخل الإسكندرية سنة ٥٠٨ هـ/ ١١١٥ م وسمع بها وبمصر سنة ٥١١ هـ/ ١١١٨ م، وحدّث بدمشق وسمع بها أيضا وببغداد التي قدمها سنة ٥٠٦ هـ/ ١١٢٣ م، ودخل خراسان وأقام بها مدّة. ثم رجع إلى الشّام وأقام بحلب سنين، وانتهى به المطاف في دمشق حيث توفي سنة ٥٦٥ هـ/ ١١٧٠ م في الثانية والتسعين من عمره (٢). ولم يصل إلينا من مؤلّفاته إلاّ كتابان:
«تحفة الألباب» و «المعرب عن بعض عجائب المغرب».
وصنّف أبو حامد الغرناطي كتاب «التّحفة» سنة ٥٥٧ هـ/ ١١٦٢ م بالموصل بتوجيه من عالم متصوّف يدعى الإربلي، ويشتمل الكتاب على أربعة أبواب، الأوّل - «صفة الدّنيا وسكّانها من إنسها وجنّها»، والثاني «صفة عجائب البلدان وغرائب البنيان» (وهو الباب الذي اعتمد عليه المقريزي)، والثالث «صفة البحار وعجائب حيواناتها وما يخرج منها من العنبر والقار وما في جزائرها من أنواع النّفط والنّار»، والرّابع - «صفات الحفائر والقبور وما تضمّنت من العظام إلى يوم النّشور».
وخلّف لنا أبو حامد في الباب الثاني معطيات هامّة وطريفة، فقد كان واحدا من بين آخر من رأوا «منار الإسكندرية» في صورتها التّامّة، ورأى بعين شمس، شمال القاهرة، مسلّتيها قبل سقوط إحداهما سنة ٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م، وتمكّن من النّفاذ إلى داخل الهرم الأكبر سنة ٥١١ هـ/ ١١١٧ م وقدّم لنا وصفا دقيقا لما شاهده به نقله المقريزي (فيما يلي ٣١٣ - ٣١٤).
_________
(١) أعاد نشرها سلامة موسى وصدرت في القاهرة عن المجلة الجديدة سنة ١٩٣٣، ثم نشرها في دمشق أحمد غسّان سبانو سنة ١٩٨٣، وعلى هذه النشرة اعتمدت في إحالاتي.
(٢) راجع ترجمته عند، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٤٥: ٣ - ٢٤٦؛ المقري: نفخ الطيب ٢٣٥: ٢ - ٢٣٦؛ كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٣٢٦ - ٣٣٠؛ حسين مؤنس: تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس ٣٠٣ - ٣٥٧.
стр. 90
وكانت رحلة الرّحّالة الأندلسي أبي الصّلت أميّة بن عبد العزيز بن أبي الصّلت المتوفي نحو سنة ٥٢٩ هـ/ ١١٣٥ م (١) إلى مصر المعروفة ب «الرّسالة المصرية»، من مصادر المقريزي الهامّة في الجزء الأوّل، سواء في الباب الذي خصّصه لذكر أخلاق أهل مصر أو الذي خصّصه لذكر الأهرام. وأميّة بن عبد العزيز ولد في مدينة دانية من بلاد الأندلس سنة ٤٧٠ هـ/ ١٠٧٧ م وقدم إلى الإسكندرية سنة ٤٨٩ هـ/ ١٠٩٦ م وكان يأمل من وراء هذه الرّحلة بسطة في العيش وثراء من المال، إلاّ أنّه لم يجد عند وزير مصر القوي الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي استجابة له بل إنّه سجنه في سجن المعونة مدّة ثلاث سنين وشهر. وبعد خروجه من السّجن في سنة ٥٠٦ هـ/ ١١١٢ م شدّ الرّحال إلى إفريقيّة وقدّم لأميرها أبي الطّاهر يحيى بن تميم بن باديس «الرّسالة المصرية» يصف له فيها ما عاينه في مصر وما عاناه. وتناول أميّة بن عبد العزيز في هذه الرّسالة الصغيرة الحجم العظيمة القدر: الوصف البلداني للديار المصرية ونيلها، وما تحتويه من الآثار العجيبة كالأهرام والبرابي، كما ذكر عواصم مصر في القديم والحديث، وأشار في ختام الرّسالة إلى أنّه لم يجد من علماء مصر في الطّب من يستفيد منه أو يستزيد بمذاكرته، وأنّ أكثر أطبّائها المبرّزين هم النّصارى واليهود. وذكر كذلك أنّ المصريين هم أكثر النّاس استعمالا لأحكام النجوم وتصديقا لها وتعويلا عليها. وقد أفاد من هذه الرّسالة، إضافة إلى المقريزي، ياقوت الحموي والعماد الكاتب الأصفهاني وابن ممّاتي وابن إياس.
ونقل المقريزي في موضعين (فيما يلي ٣٠٩، ٣٢٣) من كتاب «الفهرست» لأبي الفرج محمد بن إسحاق النّديم الورّاق البغدادي المعروف ب [ابن] النّديم وبابن أبي يعقوب الورّاق.
وهو ورّاق كان يبيع الكتب ببغداد، وبدأ بتأليف كتابه الذي خلّده، سنة ٣٧٧ هـ/ ٩٨٧ م، وهو أوّل تاريخ للتراث العربي - قد يكون وحيدا في بابه - سيظلّ على الدّوام المصدر الرّئيس لمعرفة مصادر الفكر والأدب والعلم في القرون الأربعة الأولى للإسلام. ولا نعرف على التّحقيق السّنة التي توفّي فيها ابن النّديم، ولكن ما ذكره في كتابه يدلّ على أنّه كان موجودا حتى سنة ٤١٢ هـ/
_________
(١) نشرها جبرييل فرّان Ferrand، G.، «Le tuhfat al- alba? d de Abu? Ha? mid al-Andalusi? al-Garna? ti?»، edite d'apres les Mss. ٢١٦٧، ٦٨، ٧٠ de la Bibliotheque Nationale et le Ms.d'Alger par، JA CCVII (١٩٢٥)، pp. ١ - l ٤٨، ١٩٣ - ٣٠٤.
(٢) انظر ترجمته عند، ياقوت: معجم الأدباء ٥٢: ٧ - ٧٠؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢٤٣: ١ - ٢٤٧؛ ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء ٥٢: ٢ - ٦٢؛ العماد الكاتب: خريدة القصر (قسم المغرب) ١٨٩: ١ - ٢٧٠؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٦٣٤: ١٩ - ٦٣٥؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٤٠٢: ٩ - ٤٠٦؛ المقري: نفح الطيب ١٠٥: ٢ - ١١٠.
стр. 91
١٠٥١ م (١). وما نقله المقريزي عن ابن النّديم متّصل بما ذكره عن هرمس البابلي والرّواية التي ترى أنّ الهرمين أحدهما قبره والآخر قبر زوجته، ثم ما أمر به الخليفة المأمون عند زيارته لمصر من معرفة طول الهرم وتربيعه.
ومن حسن الحظّ فقد وصلت إلينا نسخة «الفهرست» التي اعتمد عليها المقريزي، وهي نسخة مكوّنة الآن من قسمين، يوجد الأوّل في مكتبة شستر بتي Chester Beaty بدبلن والثاني بمكتبة فيض اللّه باستانبول. سجّل المقريزي على ظهريتها (المحفوظة في شستر بتي) ترجمة بخطّه لابن النّديم، وإلى جوارها العبارة التالية: «استفاد منه داعيا لمعيره أحمد بن علي المقريزي ٨١٣».
(انظر اللوحة).
واعتمد المقريزي كذلك في هذا الفصل على القضاعي، الذي سأتناول كتابه في مقدّمة المجلّد الثاني، وعن القضاعي نقل المقريزي النّصّ المطوّل الذي نسبه للجاحظ (فيما يلي ٨١ - ٨٥) عن عجائب الدّنيا وما يوجد منها في مصر، وهذا النّصّ أورده الشّريف الإدريسي في كتاب «أنوار علويّ الأجرام» ونسبه مباشرة إلى «كتاب البلدان» للجاحظ (٢) - وهو كتاب مفقود من مؤلّفات الجاحظ - وقد اعتمد عليه كذلك ابن إياس في «بدائع الزّهور» (٣).
والغريب في هذا الباب أنّ المقريزي لم يشر فيه إطلاقا إلى كتاب «أنوار علويّ الأجرام في الكشف عن أسرار الأهرام» للشّريف أبي جعفر محمد بن عبد العزيز الحسيني الإدريسي المتوفى سنة ٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م، وهو الكتاب الوحيد الذي أفرده مؤلّف للحديث عن الأهرام (٤). وقد وجدت كثيرا من الاتّفاق بين نصوص الإدريسي ونصوص المقريزي، فالإدريسي معروف للمقريزي وترجم له في الكراسة المحفوظة بخطّه في مكتبة Liege ببلجيكا. ونشر هذا الكتاب الهام صديقي المستشرق الألماني الرّاحل ألرش هارمان Ulrich Haarmann (١٩٤٢ - ١٩٩٩)، وصدر في سلسلة نصوص ودراسات رقم ٣٨ عن المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت سنة ١٩٩١.
ويتفاوت حجم المعلومات وقيمتها ومصادرها في الجزء الذي عقده المقريزي لذكر مدائن مصر، فإضافة إلى المدينتين القديمتين أمسوس ومنف - اللتين تناول المقريزي من خلالهما ذكر
_________
(١) فيما يلي ٣٠٩ - ٣١٠.
(٢) الإدريسي: أنوار علوي الأجرام ١٦ - ١٧.
(٣) ابن إياس: بدائع الزهور ١٣: ١/ ١ - ١٧.
(٤) فيما يلي ٣٠٠.
стр. 92
ملوك مصر قبل الطّوفان وبعده - نجد المقريزي يعطي اهتماما خاصّا لمدن الإسكندرية ودمياط والفيّوم. فقد كانت الإسكندرية عاصمة لمصر لأكثر من ألف عام قبل الفتح العربي - الإسلامي، وكانت مقرّ حكم البطالمة خلفاء الإسكندر الأكبر ثم الولاة الرّومان والبيزنطيين.
أمّا دمياط فقد استغلّ المقريزي حديثه عنها ليبسط أخبار الحملات الصّليبيّة عليها ابتداء من عام ٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م وحتى حملة ملك فرنسا لويس التّاسع - أو ريدافرنس - سنة ٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م، والتي انتهت بسقوط الدولة الأيّوبية وصعود نجم المماليك البحرية بعد الدّور الحربي الذي قاموا به لدحر حملة لويس التاسع. وقد اعتمد المقريزي في هذا الفصل، على الأخصّ، على كتاب «مفرّج الكروب في أخبار بني أيّوب» لجمال الدين محمد ابن سالم بن نصر اللّه بن سالم بن واصل الحموي المتوفى سنة ٦٩٧ هـ/ ١٢٩٨ م، وإن لم يصرّح بالنّقل عنه (١).
وفعل المقريزي الشيء نفسه مع «رحلة ابن جبير»، أبي الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي المتوفى سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م، والذي زار مصر بين سنتي ٥٧٩ - ٥٨١ هـ/ ١١٨٣ - ١١٨٥ م، حيث نقل المقريزي كلّ وصفه لميناء عيذاب ولما كان يعانيه المسافرون في ميناء الإسكندرية من سوء معاملة رجال الجمارك، كما نقل عنه كذلك وصفه لبعض البرابي القديمة المنتشرة في الوجه القبلى.
واعتمد المقريزي في وصف صعيد مصر ومدنه في العصر الإسلامي على كتاب «الطّالع السّعيد الجامع أسماء نجباء الصّعيد» لكمال الدين أبي الفضل جعفر بن ثعلب بن جعفر الأدفوي الشافعي المتوفى بالقاهرة سنة ٣٤٨ هـ/ ١٣٤٨ م. وقد أتمّ الأدفوي تأليف كتابه سنة ٧٣٨ هـ/ ١٣٣٧ م وإن ظلّ ينظر فيه وينقّحه إلى ما قبل وفاته.
أمّا الفصل الأخير في المجلّد الأوّل، والذي خصّصه المقريزي للحديث عن «تأريخ الخليقة» فقد اعتمد فيه في الأساس على كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» لأبي الرّيحان محمد بن أحمد البيروني المتوفى سنة ٤٤٠ هـ/ ١٠٤٨ م (٢)، «وهو كتاب لا مثيل له في جميع
_________
(١) راجع، الصفدي: الوافي بالوفيات ٨٥: ٣ - ٨٦.
(٢) راجع عن البيروني، ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء ٢٠: ٢ - ٢١؛ ياقوت: معجم الأدباء ١٨٠: ١٧ - ١٩٠؛ كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٢٦٤ - ٢٨٣؛ وعن مؤلفات البيروني راجع، Boilot، D.J.، «L'oeuvre d'al-Beruni: Essai Bibliographique»، MIDEO II (١٩٥٥)، p. ١٦١ - ٢٥٦، III (١٩٥٦)، pp.
٣٩١ - ٩٦; id.، El ٢? art.al-Bi? ru? ri? II، pp. ١٢٧٣ - ٧٥.
стр. 93
آداب الشّرق الأدنى» كايقول كراتشكوفسكي (١)، وأطلق سارتون Sarton على الفترة التي تشمل منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، بالنّسبة لتاريخ العلم العالمي اسم «عصر البيروني» لأنّه أكبر شخصية علمية عاشت في ذلك الوقت فهو دون شك أكثر العلماء المسلمين أصالة وعمقا (٢). وقد قدّم البيروني كتاب «الآثار الباقية» إلى قابوس بن وشمكير الزّياري أمير جرجان وطبرستان وانتهى من تأليفه وهو في سن السابعة والعشرين، والكتاب في جوهره خلاصة للتقاويم المختلفة فلكية كانت أم شعبية؛ وهو يقدّم لنا وصفا كاملا لجميع المواقيت والأعياد المعمول بها عند الشّعوب وفي الأديان المعروفة له كاليونان والرّومان والفرس والصّغد والخوارزميين والحرّانيين والقبط والنّصارى واليهود وعرب الجاهلية والمسلمين. ومصادره في هذا الميدان غاية في التّنوّع، فهو يعتمد من ناحية على مؤلّفات خاصّة مفقودة بالنسبة لنا، ومن ناحية أخرى على الرّواية المتواترة التي تمتاز في بعض الأحوال بقيمة نادرة. ويكفي في هذا الصّدد أن نلاحظ - كما يقول كراتشكوفسكي - أنّه - وهو المسلم - يقدّم لنا أوّل وصف مفصّل لنظام التّوقيت عند اليهود (٣). وقد سبق أن أشرت إلى أنّ المقريزي قد اعتمد على كتاب «الآثار الباقية» وهو يذكر أسماء ملوك الأسر التسعة الأخيرة في مصر القديمة.
واعتمد المقريزي كذلك في هذا الباب على كتاب آخر للبيروني هو «القانون المسعودي» الذي سار فيه على هدي الكتاب الشّهير «المجسطي»، حيث يقدّم لنا في اثنى عشر بابا موجزا لعلم الفلك كلّه مع حساب التوقيت وحساب المثلّثات والرّياضيّات والجغرافيا والتّنجيم، ويعتمد فيه إضافة إلى الأزياج السّابقة عليه على أرصاد جديدة، وقد نقل عنه المقريزي قول البراهمة من الهند في حساب ما مضى من أيام العالم وما بقي.
ونقل المقريزي كذلك عند حديثه على البحر الرّومي (فيما يلي ٤٤) نصّا مطوّلا من كتاب ثالث للبيروني هو: «تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن».
ويتّفق نصّ طويل عند المقريزي في هذا الباب (فيما يلي ٦٩٦) مع نصّ ورد في «مقدّمة» ابن خلدون، اعتمد فيه على كتاب جراش بن أحمد الحاسب الذي ألّفه لوزير السّلاجقة الشّهير نظام الملك، وعلي يعقوب بن إسحاق الكندي وكتاب «الفصل في الملل والأهواء والنّحل» لابن حزم الأندلسي.
_________
(١) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٢٦٤.
(٢) Sarton، G.، Introduction to the History of Science، Baltimore ١٩٢٧، I، pp. ٧٠٧ - ٠٩.
(٣) كراتشكوفسكي: المرجع السابق ٢٧٢.
стр. 94
ومن مصادر المقريزي كذلك في هذا الفصل كتاب «مفاتيح العلوم» الذي ألّفه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الخوارزمي، المتوفى نحو سنة ٣٨٧ هـ/ ٩٩٧ م، لأبي الحسن عبيد اللّه بن أحمد العتبي وزير نوح بن نصر السّاماني، أحد أوائل الكتب الموسوعية في الأدب العربي والذي قال عنه المقريزي «وهو كتاب جليل القدر» (فيما يلي ٧٠٠).
ونقل المقريزي أيضا في هذا الفصل من كتاب «القرانات والأديان والملل» لمشاء اللّه بن أثري (أو سارية)، وهو فلكي يهودي أصله من البصرة، وكان اسمه اليهودي منسّا، اشتغل بعلم الفلك والنجوم في العراق منذ أيام أبي جعفر المنصور وحتى أيام المأمون، ولكن من المؤكّد أنّه كان موجودا سنة ١٩٣ هـ/ ٨٠٩ م، وذكر له ابن النّديم تسعة عشر مؤلّفا (١) (٢) (٣).
أمّا الفصل الذي عقده المقريزي لذكر أعياد القبط من النّصارى بديار مصر، فقد جمعه المقريزي من مصادر متعدّدة يقول: «وسأذكر من خبر هذه الأعياد ما لا تجده مجموعا في غير هذا الكتاب، على ما استخرجته من كتب النّصارى وتواريخ أهل الإسلام» (فيما يلي ٧١٥).
ويتّفق ما ذكره المقريزي في هذا الفصل مع ما أورده معاصره القلقشندي في «صبح الأعشى» وإن لم يصرّح هو الآخر بأسماء مصادره التي لن تخرج عن كتابيّ أوتيخيوس Eutuchius والمكين ابن العميد.
ونقل المقريزي (فيما يلي ٧٢٦) خبرا عن كتاب «أعياد الفرس» لأبي الحسن عليّ بن حمزة الأصفهاني، أحد أدباء أصفهان المشهورين بالعلم والشّعر، المتوفى سنة ٣٧٥ هـ/ ٩٨٥ م، متعلّق ببدء عيد النّوروز، والغريب أنّ ياقوت الحموي، وعنه الصّفدي، لم يذكرا بين مصنّفاته كتابا بهذا العنوان (٤)، فتكون إشارة المقريزي هذه ذات قيمة كبيرة، بينما نسب ابن خلّكان للصّاحب إسماعيل ابن عبّاد وزير البويهيين المشهور كتابا في نفس الموضوع عنوانه: «الأعياد وفضائل النّيروز» (٥).
_________
(١) نشرت كتاب «القانون المسعودي» للبيروني، دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد في الهند سنة ١٩٥٤ في ثلاثة أجزاء.
(٢) حقّقه الدكتور ب. بولجاكوف ونشره في المجلد الثامن من مجلة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة سنة ١٩٦٢.
(٣) راجع عنه، ابن النديم: الفهرست ٣٣٣؛ صاعد الأندلسي: التعريف بطبقات الأمم ٢٢٣؛ القفطي: تاريخ الحكماء ٣٢٧؛ Kennedy، E.S. & Pingree، D.، The Astrological History of Masha'alla? h، Cambridge Massachusetts ١٩٧١; Pingree، D.، Dictionary of Scientific Biography، N.Y. ١٩٧٤، pp. ١٥٩ - ٦٢; Sezgin، F.، GAS VII، pp. ١٠٢ - ٨; Samso، J.، El ٢? art.Masha'alla? h VI، pp. ٦٩٩ - ٧٠٠.
(٤) ياقوت الحموي: معجم الأدباء ٢٠٤: ١٣؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٧٣: ٢٩.
(٥) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢٣٠: ١.
стр. 95
ولعلّ من أهمّ فصول المجلّد الأوّل ذلك الفصل الذي عقده المقريزي للحديث عن «تحويل السّنة الخراجيّة القبطيّة إلى السّنة الهلاليّة العربية» وهو يكمل الفصل الهام الذي عقده في أوّل الكتاب عن قبالات أرض مصر ونظام الخراج والضّرائب. وبدأه بذكر ما أقرّه الخليفة العبّاسي المعتضد باللّه في هذا الموضوع اعتمادا على كتاب «أخبار بغداد» لعبيد اللّه بن أحمد بن أبي طاهر طيفور المتوفى سنة ٣١٣ هـ/ ٩٢٥ م وأورد نصّ المؤامرة التي تضمّنت هذا الأمر (١).
وأورد المقريزي كذلك سجلّين تضمّنا ما اتّبع في العراق في نقل بعض السّنوات الخراجية إلى سنوات هلالية، الأوّل نقلا عن كتاب «تعليم نقض المؤامرات» لأبي الحسن عليّ بن الحسن الكاتب المعروف بابن الماشطة المتوفى في حدود سنة ٣٢٠ هـ/ ٩٣٢ م (٢)، والثاني نسخة ما كتب به أبو إسحاق الصّابي عن الخليفة المطيع للّه، والسّجلاّن أوردهما كذلك القلقشندي معاصر المقريزي في «صبح الأعشى».
وانفرد المقريزي بإيراد سجلّ كتبه أبو القاسم عليّ بن منجب بن الصّيرفي، صاحب ديوان الإنشاء للخليفة الآمر بأحكام اللّه والخليفة الحافظ لدين اللّه، المتوفى سنة ٥٤٢ هـ/ ١١٤٧ م، بنقل سنة تسع وتسعين وأربع مائة الخراجية إلى سنة إحدى وخمس مائة الهلالية، نقلا عن كتاب «أخبار مصر» لجمال الدّين عليّ بن موسى بن المأمون، وسجلّ آخر أورده القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وستين وخمس مائة، وسأرجئ الحديث عن ابن المأمون والقاضي الفاضل إلى مقدّمة المجلّد الثاني، حيث اعتمد عليهما المقريزي اعتمادا أساسيّا في هذا المجلّد.
واعتمد المقريزي في ضبط أسماء المدن المصرية على معجم لمؤلّف أندلسي هو: «معجم ما استعجم في أسماء البلاد والمواضع» لأبي عبيد عبد اللّه بن عبد العزيز البكري المتوفى سنة ٤٨٧ هـ/ ١٠٩٤ م (٣). وهذا الكتاب من أوائل المعاجم العامّة في أسماء المواضع التي ظهرت نتيجة لشيوع التّصحيف في أسماء المواضع بين العلماء، ولم يقف البكري عند ضبط اسم الموضع فحسب بل تعدّاه إلى التّعريف بذلك الموضع وتتبّعه في كتب اللّغة ودواوين الشّعر، ورتّب أسماء المواضع على حروف المعجم وذكر مناسبة ورودها في كتب الأخبار وغيرها من المصادر.
_________
(١) فيما يلي ٧٤٠ - ٧٤٣.
(٢) فيما يلي ٧٤٧.
(٣) فيما يلي ٥٤ - ٥٥.
стр. 96
والنّشرة المعتمد ل «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري هي النّشرة التي أصدرها المعهد الخليفي للأبحاث المغربية (بيت المغرب) بتحقيق الأستاذ مصطفى السّقّا وطبعت في القاهرة في أربعة مجلّدات بين سنتي ١٩٤٥ - ١٩٥١.
أمّا شرح المصطلحات الطّبوغرافية واللّغويّة مثل: مدينة - حارة - حمّام … ، فقد اعتمد فيه المقريزي على كتابين: الأوّل: «المحكم والمحيط الأعظم» لابن سيده، أبي الحسن عليّ بن إسماعيل (بن أحمد) المرسي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ/ ١٠٦٦ م (١)، وهو عالم لغوي أندلسي ضرير عدّه صاعد الأندلسي «أعلم أهل الأندلس قاطبة بالنّحو واللّغة والأشعار». التزم ابن سيده في ترتيب معجمه المنهج الذي ابتكره الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب «العين»، وهو الترتيب على المخارج، ويعدّ «المحكم» آخر معجم كبير صار على هذا الترتيب.
والكتاب الثّاني كتاب «الصّحاح» أو «تاج اللّغة وصحاح العربيّة» للجوهري، أبي نصر إسماعيل بن حمّاد الفارابي المتوفى بعد سنة ٣٩٦ هـ/ ١٠٠٦ م، قال عنه ياقوت: «إمام في علم اللّغة له خطّ يضرب به المثل في الجودة، لا يكاد يفرّق بينه وبين خطّ أبي عبد اللّه بن مقلة».
ونشر كتاب «الصّحاح» للجوهري في القاهرة سنة ١٩٥٦ في ستّة أجزاء بتحقيق أحمد عبد الغفور العطّار.
واعتمد المقريزي في بيان بعض الكلمات غير العربية الأصل على كتاب «ليس في كلام العرب» لابن خالويه، أبي عبد اللّه الحسين بن أحمد المتوفى سنة ٣٧٠ هـ/ ٩٨٠ م، وقد نشره أيضا أحمد عبد الغفور العطّار في الرياض سنة ١٩٨٧.
ومن المصادر ذات الطابع العلمي التي اعتمد عليها المقريزي في هذا المجلّد، كتاب «الفلاحة النّبطيّة» لأبي بكر أحمد بن علي بن قيس الكسداني المعروف بابن وحشيّة أحد علماء القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي (٢)، ذكره ابن النّديم عند حديثه عن أخبار السّحرة وأصحاب النيرنجيّات وكذلك عند حديثه عن أخبار الكيمائيين (٣)، وقال عنه: «أحد فصحاء النّبط بلغة الكسدانيين» و «معنى الكسداني: نبطي» وأضاف أنّه كان ينقل من النّبطيّة إلى العربية (٤). وذكر ابن وحشيّة في مقدّمة «الفلاحة النّبطيّة» أنّه نقله من اللّغة الكسدانية إلى اللّغة العربية سنة
_________
(١) فيما يلي ٣٤٧.
(٢) فيما يلي.
(٣) ابن النديم: الفهرست.
(٤) نفسه ٣٠٥.
стр. 97
٢٩١ هـ/ ٩٠٤ م وأملاه علي أبي طالب أحمد بن الحسين بن عليّ بن عبد الملك الزّيّات في سنة ٣١٨ هـ/ ٩٣٠ م (١). وقد تشكّك كارلو ألفونسو نلّليو في حقيقة الوجود التاريخي لابن وحشيّة وذهب إلى أنّ هذا الكتاب من مختلقات أبي طالب الزّيّات الذي نسبه إلى ابن وحشيّة (٢)!
واعتنى بكتاب «الفلاحة النّبطيّة» لابن وحشيّة الأستاذ توفيق فهد ونشره في ثلاثة أجزاء صدرت عن المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق بين سنتي ١٩٩٣ - ١٩٩٩.
وكان كتاب «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» لضياء الدين أبي محمد عبد اللّه بن أحمد بن محمد العبدري المالقي العشّاب المعروف بابن البيطار المتوفى سنة ٦٤٦ هـ/ ١٢٤٨ م (٣)، مصدرا للمقريزي عند ذكره أنواع الحيوان أو النّبات الموجودة في مصر والتي يتداوى بها، وسيعتمد عليه المقريزي كذلك (فيما يلي ١٢٨: ٢) عند ذكر حشيشة الفقراء.
واعتمد المقريزي في حديثه على ما قيل في ماء النّيل من مدح وذمّ، على ما أورده الشيخ الرّئيس أبو عليّ الحسين بن عبد اللّه بن الحسن بن عليّ بن سينا المتوفى سنة ٤٢٨ هـ/ ١٠٣٧ م في كتاب «القانون في الطّبّ» (٤)، وما ذكره علاء الدين عليّ بن أبي الحرم بن النّفيس في «شرح القانون» (٥).
أمّا ما يتعلّق بعلم النّجوم والفلك فقد كان أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي، أحد كبار المنجّمين العرب، الذي عرفه الغربيون في العصور الوسطى باسم «ألبامسر Albumasar» من أهمّ مصادر المقريزي. وقد توفى أبو معشر سنة ٢٧٢ هـ/ ٩٩٦ م ومن مؤلّفاته كتاب «الألوف» أو «الألوف في بيوت العبادات» وكتاب «تحاويل سنيّ العالم» التي ربّما اعتمد المقريزي عليها أو على أحدها، بما أنّه لم يحدّد في أي موضع عنوان كتاب أبي معشر الذي رجع إليه (٦).
***
واعتمد المقريزي في المجلّد الأوّل على بعض المصادر في موضع واحد أو موضعين للاستشهاد
_________
(١) ابن وحشية: الفلاحة النبطية ٥.
(٢) نللينو: علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، روما ١٩١١، ٢٠٨.
(٣) فيما يلي ١٧٣ - ١٧٤.
(٤) فيما يلي ١٦٤، ١٧٥.
(٥) فيما يلي ١٦٥.
(٦) فيما يلي ١٨٠ - ١٨١.
стр. 98
على تأكيد فكرة أو شرح مسألة؛ فمن كتب التّفاسير اعتمد المقريزي على «تفسير القرآن» المعروف ب «المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» لأبي محمد عبد الحقّ بن غالب بن عبد الرّحمن بن عطيّة المتوفى سنة ٥٤٢ هـ/ ١١٤٨ م (فيما يلي ٥٩)، وعلى التفسير المعروف ب «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» لمحمد بن جرير الطّبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ/ ٩٢٢ م (فيما يلي ٦٠)، وعلى «تفسير القرآن» المعروف ب «مفاتيح الغيب» لفخر الدين أبي عبد اللّه محمد بن عمر الرّازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ/ ١٢١٠ م (فيما يلي ٤١٧)؛ و «الكشّاف عن حقائق غوامض التّنزيل» لجار اللّه أبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ هـ/ ١١٤٤ م (فيما يلي ٤٣٥).
ومن كتب الحديث اعتمد المقريزي على كتاب «صحيح سنن المصطفى» المعروف ب «سنن أبي داود» سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السّجستاني المتوفى سنة ٢٧٥ هـ/ ٨٨٩ م، أحد الكتب السّتّة (فيما يلي ٧٥، ٤٣٤: ١)؛ وعلى «الجامع الصّحيح» لأبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م (فيما يلي ٢١٢، ٢٤٦).
ومن كتب التّراجم والطّبقات نقل المقريزي خبرا مطوّلا من كتاب «الاستيعاب في أسماء الأصحاب» لأبي عمر يوسف بن عبد اللّه بن عبد البرّ النّمري القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ/ ١٠٧١ م، وضمّنه نقلا من «تاريخ» خليفة بن خيّاط (فيما يلي ٥٦٧)، واعتمد على «الطّبقات الكبرى» لمحمد بن سعد كاتب الواقدي المتوفى سنة ٢٣٠ هـ/ ٨٤٤ م (فيما يلي ٧٩، ٢٤٧) وعلى كتاب «طبقات الأمم» لأبي القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٢ هـ/ ١٠٧٢ م (فيما يلي ٧٣) وهو من الكتب العربية القليلة التي تعرّضت لوصف العلوم عند الأمم السّابقة، ونقل المقريزي عدد عساكر مصر في زمن محمد بن طغج الإخشيد من كتاب «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزّمان» لشمس الدّين أبي العبّاس أحمد بن محمد بن خلّكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ/ ١٢٨٢ م (فيما يلي ٢٣٢).
ونقل المقريزي خبرا عن البقط الذي كان يجب أن يدفعه أهل النّوبة إلى الحكومة الإسلامية في مصر من كتاب «فتوح البلدان» لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري المتوفى سنة ٢٧٩ هـ/ ٨٩٢ م (فيما يلي ٥٤٧)، كما اعتمد على عدد من كتب التاريخ المبكّرة يأتي في مقدّمتها بالطّبع كتاب «تاريخ الأمم والملوك» لمحمّد بن جرير الطّبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ/ ٩٢٢ م سواء فيما
стр. 99
يخص ما قيل في مدّة الدنيا (فيما يلي ٦٩٤) أو صدر الإسلام، وإن كان لم يشر إليه هنا مباشرة وإنّما اعتمد على ما رواه عن سيف بن عمر الأسدي فيما يخصّ العطاء والإقطاعات المبكّرة وبعث عمرو بن العاص إلى أهل الإسكندرية وهو على عين شمس (فيما يلي ٢٥١، ٢٦٠، ٤٤٢، وعلى الأخصّ ٢٥١)، وكتاب «أخبار البصرة» لأبي زيد عمر بن شبّه النّميري المتوفى سنة ٢٦٤ هـ/ ٨٧٧ م (فيما يلي ١٣١، ٢٤٦)، وكتاب «أخبار مكّة» لأبي عبد اللّه محمد بن إسحاق الفاكهي المتوفى بعد سنة ٢٧٢ هـ/ ٨٨٥ م، الذي نقل عنه المقريزي وصفه لكسوة الكعبة وما عليها من طراز (فيما يلي ٧٦، ٤٨٩، ٤٩١).
ونقل المقريزي خبرا واحدا من كتاب «البلدان» لأحمد بن إسحاق اليعقوبي المتوفى بعد سنة ٢٩٢ هـ/ ٩٠٥ م خاصّا بمدينة الفيّوم (فيما يلي ٦٦٨)، وخبرا واحدا من كتاب «النّبات» لأبي حنيفة أحمد بن داود الدّينوري المتوفى سنة ٢٨٢ هـ/ ٨٩٥ م خاصّا بانتشار نبات البنج بأنصنا (فيما يلي ٥٥٥)، وخبرا واحدا من كتاب «الحيوان» لعمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ/ ٨٦٩ م (فيما يلي ٤١٧)، وأيضا خبرا واحدا من «تاريخ» يحيى بن أبي طيّ الشّيعي المتوفى نحو سنة ٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م خاصّا بما أسقطه صلاح الدين من المكوس (فيما يلي ٢٨٢)، وسيكون تاريخ ابن أبي طيّ مصدرا رئيسا في المجلّد الثاني مثل تواريخ الكندي وابن زولاق والمسبّحي والقضاعي وابن المأمون وابن الطّوير وابن دحية وابن ميسّر حيث سأفصّل عنهم الحديث في مقدّمة المجلّد الثاني.
ومن التّواريخ المحليّة اعتمد المقريزي في موضعين على «تاريخ لدمياط» لم يذكر مؤلّفه (فيما يلي ٤٨٠، ٥٠٠)، وعلى كتاب «حسن السّريرة في اتّخاذ الحصن بالجزيرة» (جزيرة الرّوضة) لأبي عمرو عثمان بن إبراهيم النّابلسي المتوفى سنة ٦٦٠ هـ/ ١٢٦١ م (فيما يلي ٢٣١)، وعلى كتاب «أخبار مصر» لأبي محمد الحسن بن إسماعيل الضّرّاب المتوفى سنة ٣٩٣ هـ/ ١٠٠٢ م وهو كتاب استخدمه أيضا الشّريف الإدريسي صاحب كتاب «أنوار علويّ الأجرام» وابن الزّيات صاحب كتاب «الكواكب السّيّارة في معرفة ترتيب الزّيارة» (فيما يلي ٧٣). ومن مصادر التاريخ المملوكي اعتمد المقريزي على «السّيرة التركية» المعروفة ب «زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة» للأمير ركن الدين بيبرس المنصوري الدّوادار المتوفى سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م (فيما يلي ٢٨٣)، و «تاريخ الجزري» المعروف ب «حوادث الزّمان وأنباؤه ووفيات الأكابر والأعيان من
стр. 100
أبنائه» لشمس الدين أبي عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الجزري الدّمشقي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ/ ١٣٣٩ م (فيما يلي ٦٢٢).
ولا شكّ أنّ كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدّين أحمد بن عبد الوهّاب النّويري المتوفى سنة ٧٣٣ هـ/ ١٣٣٣ م كان من مصادر المقريزي، تماما من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لمعاصره شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل اللّه العمري المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٨ م، وإن لم يشر إليهما على الإطلاق، فقد نقل المقريزي نصّا من كتاب «الخراج» لقدامة بن جعفر وفي أعقابه نصّا آخرا من كتاب «نزهة المشتاق» وهما موجودين بنفس الصّيغة والترتيب عند النّويري في «نهاية الأرب» (فيما يلي ١٣٩).
ونقل المقريزي كذلك نصّا مطوّلا من «مقدّمة» أستاذه وليّ الدّين أبي زيد عبد الرّحمن ابن محمد بن محمد بن خلدون الحضرمي المتوفى سنة ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٦ م دون الإشارة إليه (فيما يلي ٦٩٦ - ٦٩٨)، ويبدو أنّ هذه كانت طريقة المقريزي في التّعامل مع مؤلّفات معاصريه، والتي تفسّر لنا تجاهله لمؤلّفات ابن دقماق والأوحدي وابن الفرات وغيرهم رغم معرفته التّامّة بها.
ومن بين مصادر المجلّد الأوّل كذلك كتاب «سراج الملوك» لأبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطّرطوشي المتوفى سنة ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦ م، وهو كتاب في آداب سياسة الرّعيّة، قدّمه الطّرطوشي إلى الوزير الفاطمي المأمون البطائحي، وقد اعتمد عليه المقريزي في موضعين: مرّة دون تصريح بالنّقل (فيما يلي ٢٠٢) والمرّة الأخرى صرّح فيها بالنّقل عنه (فيما يلي ٤٦٢).
أمّا «الدّواوين» و «المجموعات الشّعرية» التي اعتمد عليها المقريزي في هذا المجلّد فكثيرة جدّا، وقد أشرت إليها في مواضعها وخرّجت هذه الأشعار من دواوين شعرائها التي وصلت إلينا، أو من المصادر التي أوردتها.
стр. 101
نشرات الخطط والدراسات المعتمدة عليها
سبق أن ذكرت أنّ كتاب «خطط» المقريزي كان من أوائل المصادر العربية التي تنبّه إليها المستشرقون وكلّ الذين اهتموا بدراسة تاريخ مصر الإسلامية في بدايات حركة الاستشراق.
وكان أوّل ما نشر من كتاب «الخطط» الفصول الخاصّة ب «بحر القلزم» و «خليج القاهرة» التي نشر نصّها العربي مع ترجمة فرنسية لويس لانجليه أمين المخطوطات في المكتبة الوطنية في باريس.
Langles، L.، Histoire du Canal de Messr (vulgairement nomme Canal de Suez) tiree de la Description geographique et historique de l'Egypte par al-Maqryzy et traduite، Magasin Encyclopedique ٥ (Paris ١٧٩٩)، pp. ٢٨٩ - ٣١٠.
«La description historique du canal d'Egypte»، Notice et Extraits de la Bibliotheque Nationale et autres bibliotheques ٦ (Paris ١٨٠٠ - ١٨٠١) pp. ٣٢٠ - ٣٨٦.
ثم كان لأبي الاستشراق الفرنسي سلفستر دي ساسي الفضل في نشر وترجمة قسم كبير من خطط المقريزي، فنشر أوّلا «الطّريق من عاصمة مصر إلى دمشق».
Silvestre de Sacy، A.I.، Route de la capitale de l'Aegypte a Damas (Extrait de la description de I'Egypte par Makrizi)، Magasin Encyclopedique ٧ (Paris ١٨٠١) pp. ٣٢٨ - ٣٣٢.
ثم نشر تاريخ خلافة الحاكم بأمر اللّه وذكر أرض الطّبّالة وحشيشة الفقراء مع ترجمة فرنسية في كتابه:
Silvestre de Sacy، A.I.، Chrestomathie arabe، Paris ١٨٠٦، I pp. ٧٤ - ١٣١; II، pp. ٦٧ - ١٥٥.
كما نشر هنري يوسف ويتزر Henri Josepho Wetzer مع ترجمة لاتينية «ذكر دخول قبط مصر في دين النّصرانية» من خطط المقريزي في سواليسباش سنة ١٨٢٨، ونشر فرديناند وستنفلد Ferdinand Wustenfeld نفس النّصّ بعنوان «أخبار قبط مصر» مع ترجمة في جوتنجن سنة ١٨٤٧.
واهتم لويس لوروا بنشر وترجمة الفصول المتعلّقة بمعابد اليهود وكنائس النّصارى الواردة في كتاب الخطط.
Leroy، L.، «Les synagogues des Juifs»، ROCXI (١٩٠٦) pp. ١٤٩ - ١٦٢، ٣٧١ - ٤٠٢.
، «Les eglises des Chretiens»، ROCXII (١٩٠٧)، pp. ١٩٠ - ٢٠٨، ٢٦٩ - ٢٧٩.
стр. 102
، «Les couvents des Chretiens» ROCXIII (١٩٠٨)، pp. ٣٣ - ٤٦، ١٩٢ - ٢٠٤.
كذلك نشر جريفو ما يتعلّق بأعياد القبط في الخطط:
Griveau، R.، «Les Fetes des Coptes» Patr.Dr.X (١٩١٥) pp. ٣١٣ - ٣٤٣.
ونشر أوجست فيشر كذلك نصا من خطط المقريزي.
Fisher، A.، «Eine Maqri? zi? -Stelle»، WZKM ٢٩ (١٩١٥)، pp. ٢٠٤ - ٢٠٧.
كما نشر إريك جراف الفصل الخاص بذكر الأهرام في خطط المقريزي.
Graefe، E.، Das Pyramidenkapitel in al-Maqrizi's Hitat، Leipzig ١٩١١.
وجمع فؤاد سزجين الدراسات التي تمّت حول المقريزي وما نشر من نصوص وترجمات الخطط في مجلّدين وصدرا في سنتي ١٩٩٢ ضمن منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بفرانكفورت، المجلدان ٥٧ و ٥٨ في سلسلة الجغرافيا الإسلامية Studies on Taqiyaddi? n al-Maqri? zi? (d. ١٤٤٢).Collected and Reprinted I-II، ١٩٩٢.
نشرة بولاق
كانت أوّل نشرة كاملة لكتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي في سنة ١٢٧٠ هـ/ ١٨٥٣ م وهي من أوائل المطبوعات التي أخرجتها مطبعة بولاق على نفقة الخواجة رفائيل عبيد. وكما ذكرت آنفا فإنّنا لا نعلم شيئا عن الأصول الخطّيّة التي اعتمد عليها في هذه النّشرة (١) التي صدرت بتصحيح الشيخ محمد عبد الرّحمن قطّة العدوي مصحّح دار الطّباعة المصرية (مطبعة بولاق) في عهد الوالي عبّاس باشا الأوّل.
وقد أشار مصحّح الكتاب إلى أنّ هذا الكتاب «ممّا خيّمت عليه عناكب النّسيان وعزّت نسخه في ديارنا حتى كاد لا يعثر بها إنسان فإنّها فيها قليلة محصورة متروكة الاستعمال مهجورة، فكانت مع قلّتها عارية عن صحّتها، فكم فيها من تحريف فاحش وسقط متفاحش وغلط مخلّ وخطأ مضجر ومملّ». وذكر المصحّح أنّه بذل غاية الجهد في تصحيح الكتاب وتحرير عباراته دون التعرّض لتغيير عبارات المؤلّف مع التّنبيه على مواضع التّوقّف أو الإشارة إلى ما يظنّ أنّه الصّحيح في هامش المطبوعة (٢).
_________
(١) كان ذلك قبل إنشاء دار الكتب المصرية (الكتبخانة الخديوية) التي أنشئت سنة ١٨٧٠، وكان مصدر هذه المخطوطات من المساجد والمدارس والزوايا وهي غير مفهرسة أو محددة المصدر، كما أن عمال المطابع كانوا يتعاملون في أغلب الأحيان مع المخطوط مباشرة دون نسخ مما يعرضه للتلف والضياع.
(٢) المقريزي: الخطط ٥٢٠: ٢.
стр. 103
وتدلّ تصويبات المصحّح على أنّه كانت تحت يديه عدد من النّسخ المخطوطة أشار في بعض المواضع إلى الخلاف بينها (١). ولكنّه لم يتمكّن من الحصول على مصادر متنوّعة وموسّعة تعينه على ضبط النّصّ وتحريره واكتفى فقط بتقديم نصّ المخطوطة التي كانت بين يديه بأمانة. فكثير من أسماء الأعلام والمواضع والمصطلحات رسمت بطريقة خاطئة، كما أنّ الألفاظ التي لم تعد تستخدم في وقته أو التي تغيّر مفهومها مع الوقت كتب أغلبها بطريقة خاطئة أيضا (٢).
وحقيقة الأمر فإنّ نشرة بولاق قد اعتمدت على أكثر نسخ الحطط تشويها وتحريفا وسقطا، وقد اتّضح لي ذلك بعد أن قابلت بينها وبين النّسخ المعتبرة التي اعتمدتها أساسا لنشرتي هذه، فعائلة النّسخ التي اعتمدت عليها طبعة بولاق، استبعدتها تماما من مقابلاتي اكتفاء بنشرة بولاق التي تمثّل أنموذجا لهذه النّسخ.
وقد ظلّت نشرة بولاق هي النّشرة المعتمدة بين العلماء والباحثين في غياب نشرة نقدية أخرى، وعلى أساس هذه النّشرة المشوّهة والمليئة بالتّصحيف والتّحريف والسّقط تمّت الترجمات المتتالية لكتاب الخطط والتي سنشير إليها بعد قليل وكذلك الطّبعات التالية للكتاب، ووضعت الفهارس (الكشّافات) التي صدرت في عقد الثمانينات من القرن العشرين.
وتقع نشرة بولاق في جزأين يشتمل الجزء الأوّل على ٤٩٨ صفحة، ويشتمل الجزء الثاني على ٥٢١ صفحة غير صفحات فهرس الموضوعات والتّصويبات ومسطرتها ٣٩ سطرا في الصفحة وعدد كلمات السّطر الواحد تبلغ نحو عشرين كلمة.
وقد أعيد نشر هذه الطّبعة بطريقة الأوفست أكثر من مرّة في بغداد وبيروت والقاهرة ابتداء من عام ١٩٦٣.
واعتمد على طبعة بولاق نشرة صدرت في مصر سنة ١٣٢٤ هـ/ ١٩٠٧ م في أربعة أجزاء تعرف بطبعة النّيل وقد حوت هذه الطّبعة الكثير من الأخطاء التي أضافتها إلى أخطاء طبعة بولاق.
وفي سنة ١٩٦٣ أصدرت دار التّحررير بالقاهرة طبعة جديدة لخطط المقريزي اعتمادا أيضا على طبعة بولاق وتقع هذه الطبعة التي لم تخل هي الأخرى من الأخطاء والتّصحيفات في ثلاثة
_________
(١) المقريزي: الخطط ١٩: ١، ٣٠٩، ٤٤: ٢، ٤٧٦.
(٢) كتب المستشرق الفرنسي إيتيان كاترمير تقريرا هاما عن هذه النشرة فور صدورها انظر Quatremere.E.
Journal des Savants (Paris ١٨٥٦) pp. ٣٢١ - ٣٣٧.
стр. 104
مجلّدات. كما صدرت عن مكتبة مدبولي بالقاهرة في سنة ١٩٩٨ طبعة في ثلاثة أجزاء لا معنى لها بتحقيق محمد زينهم ومديحة الشرقاوي، لا تزيد عن أن تكون نسخا ممسوخا لطبعة بولاق.
نشرة فييت
كان طبيعيا أمام أهمية كتاب خطط المقريزي التي لمسناها من خلال غنى وتنوّع موضوعاته ومصادره ومن خلال الدّراسات التي اعتمدت عليه، وأمام كذلك حجم الأخطاء والتّصحيفات التي تسرّبت إلى الطّبعة الوحيدة الكاملة له، أن يفكّر واحد من أعلم العارفين بتاريخ مصر الإسلامية في إخراج نشرة كاملة محقّقة لأهمّ وأتمّ كتاب في تاريخ وخطط مصر الإسلامية.
فبدأ المستشرق الفرنسي جاستون فييت Gaston Wiet في عام ١٩١١ مشروعا طموحا يهدف إلى إخراج نشرة نقدية لهذا الكتاب وجمع لها المخطوطات التي كانت معروفة في وقته (١٧٤ مخطوطة) والتي يرجع تاريخ أقدمها إلى سنة ٨٧٤ هـ/ ١٤٧٠ م وهي نسخة باريس رقم ١٧٢٩، غير أنّ هذه النسخة - كما يقرّر فييت - تحتوي على جميع القراءات الخاطئة الموجودة في طبعة بولاق، فاعتمد في تصويب أخطاء هذه النّسخة على نسخة باريس رقم ١٧٤٤ ونسختي المتحف البريطاني رقم ٣٢١ و ١٤٩٣ وتتّفق هاتان النسختان مع نسخة إستانبول التي اتّخذتها أصلا لنشرتي للجزء الأوّل من الكتاب وهي منقولة عن نسخة المؤلّف. وكذلك على معرفته الواسعة بتاريخ مصر ومصادره والدّراسات المعتمدة على قراءة النّقوش العربية في مصر.
وقد صدرت هذه النّشرة في إخراج فخم متميّز يتناسب مع أهميّة وقيمة الكتاب ومؤلّفه.
وهي نشرة غنية بالتّعليقات والتّصويبات التي تدلّ على علم واتّساع معرفة ناشرها.
وحتى عام ١٩٢٧ أصدر جاستون فييت خمسة أجزاء من الكتاب تعادل فقط الصفحات من ٢ إلى أثناء صفحة ٣٢٢ من الجزء الأوّل من طبعة بولاق، أخرجها المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة بين سنتي ١٩١١ و ١٩٢٧ في سلسلة MIFAO وهي تحمل الأرقام XXX (٣٠) و XXXIII (٣٣) و XLVI (٤٦) و XLIX (٤٩) و LIII (٥٣) في السلسلة. (أعاد نشرها بالأوفست فؤاد سزجين ضمن منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بفرانكفورت سنة ١٩٩٥، المجلدات ٢٤٧ - ٢٥١ في سلسلة الجغرافيا الإسلامية).
وأمام العدد الضّخم من المخطوطات التي جمعها فييت والتي أخذت في الظّهور أثناء سيره في
стр. 105
العمل أوقف مشروعه الذي وجد أنّه يجب أن يتعاون على إخراجه فريق من العلماء والمتخصّصين في تاريخ وجغرافية وطبوغرافية مصر بعد انتقاء أهمّ وأتمّ مخطوطات الكتاب التي يمكن الاعتماد عليها في إصدار نشرة تامّة وصحيحة للكتاب.
ترجمات الخطط
إضافة إلى النّشرات الجزئية وترجماتها التي أشرت إليها منذ قليل فقد بدأ المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة في عمل ترجمة فرنسية كاملة لم تتمّ لكتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي، في نفس الوقت الذي بدأ فيه مشروعه لدراسة عواصم مصر الإسلامية من خلال كتاب الخطط، قام بها إيربان بوريون وبول كازانوفا.
Bouriant، U.، Description topographique et historique de l'Egypte، MIFAOXVII، ١ - ٢، Paris ١٨٩٥ et ١٩٠٠.
وهي تعادل الصّفحات من ٢ - ٢٥٠ من الجزء الأوّل من طبعة بولاق.
Casanova، P.، Description historique et topographique de l'Egypte، MIFAO III (١٩٠٦)، IV (١٩٢٠).
وهي تعادل الصّفحات من ٢٥٠ إلى ٣٩٧ من الجزء الأوّل من طبعة بولاق.
ونقل أندريه ريمون وجاستون فييت إلى الفرنسية الفصول المتعلّقة في الخطط بذكر المؤسّسات التّجارية في القاهرة مع وصف لقصبة القاهرة في كتابهما.
Raymond، A.، & Wiet، G.، Les marches du Caire-traduction annotee du texte de Maqri? zi?، Le Caire، IFAO ١٩٧٩.
كما أعدّ المستشرق التشيكي الرّاحل ستواسر K.Stowasser ترجمة إنجليزية للكتاب يقوم فريق من المتخصيصين تحت إشراف الأستاذين Li Guo و Bruce Craig بإعدادها للنّشر.
فهارس الخطط (الكشّافات)
في عام ١٩٧٥ نشأت لدى بعض أعضاء المعهد العلمي الفرنسي بالقاهرة فكرة إعداد كشّاف تحليلي لكتاب الخطط يسهّل الوصول إلى كنوز هذه الموسوعة الضّخمة، وقد كلّف المعهد في هذا الوقت فريقا من شباب الباحثين المشتغلين بالتاريخ واللغة والجغرافيا لإعداد هذا الفهرس. ولكن مع مرور الوقت وانشغال بعض هؤلاء الباحثين بمهام أخرى وسفرهم خارج مصر قام بإكمال العمل الدكتور أحمد عبد المجيد هريدي
стр. 106
وهو غير مشتغل بالتاريخ وإنّما من الباحثين في مجال اللّغة العربية والنّحو العربي. وقد أتمّ الدكتور هريدي إخراج ثلاثة أجزاء من هذا الكشّاف الذي أضاف إليه كذلك كشّافا لكتاب «الإنتصار» لابن دقماق. ويشتمل الجزء الأوّل على كشّاف الأعلام والجزء الثاني على كشّاف التواريخ الهجرية، وكشّاف الكتب، وكشّاف النّصوص، وكشّاف الآيات القرآنية، وكشّاف الأحاديث والآثار النبوية، وكشّاف الأمثال والأقوال، وكشّاف قوافي الأشعار، ويشتمل الجزء الثالث على كشّاف الأماكن. أمّا كشّاف المصطلحات فلم يتم إعداده حتى الآن.
وصدرت هذه الأجزاء الثلاثة بين عامي ١٩٨٣، ١٩٨٤ عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة.
ونتيجة للأخطاء والتّصحيفات التي تمتليء بها صفحات طبعة بولاق التي اعتمدت لعمل هذه الكشّافات، سواء في الأعلام أو الأماكن أو المصطلحات، والتي أصبح صواب أغلبها معروفا للمتعاملين مع كتاب الخطط، ولأنّ معدّ الكشّاف التزم برسم الأعلام والأماكن وأسماء الكتب كما جاءت مغلوطة في نشرة بولاق، قد جاءت الأسماء المغلوطة في طبعة بولاق كما هي في الكشّاف، وكما أثبت يوسف راغب الذي كتب مراجعة لهذا الكشّاف فإنّ صفحات بتمامها في الكتاب لم تكشّف أعلامها أو مواضعها أو كشّفت أعلامها ولم تكشّف مواضعها مثل صفحات ٤٤٧، ٤٥٦، ٤٦١ من الجزء الثاني (١). ورغم كلّ ذلك فالكشّاف يعدّ أداة هامّة تعين على الوصول إلى التفصيلات الغنية التي يحتوي عليها كتاب الخطط. إلاّ أنّه كان يتّطلّب أن ينشر الكتاب مصحّحا قبل إعداد هذا الكشّاف، وهو الأمر الذي يستدعى ضرورة استكمال المشروع الطّموح الذي بدأه جاستون فييت من أجل إخراج نشرة تامة ومصحّحة لكتاب «المواعظ والاعتبار»، أعان اللّه على إتمامها.
الدّراسات المعتمدة على الخطط
عندما بدأ المعهد العلمي الفرنسي للعاديات الشرقية نشاطه في القاهرة سنة ١٨٨٠ كان من أهمّ مشروعاته في مجال الدّراسات العربية القيام بدراسة تاريخية وأثرية لعواصم مصر الإسلامية وللكتابات والنّقّوش العربية الموجودة على الآثار الإسلامية وجّه إليها جاستون ماسبيرو Gaston
_________
(١) Ra? gib، Y.، SILXI (١٩٨٥) pp. ٢٠١ - ٢٠٢.
стр. 107
Maspero أوّل مدير للمعهد (١٨٨٠ - ١٨٨١). وقد كان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الدّراسات هو ما كتبه المقريزي في خططه اعتمادا على طبعة بولاق.
كانت باكورة هذا المشروع الدّراسة الرّائدة التي أصدرها بول رافيس Paul Ravaisse بين سنتي ١٨٨٦ - ١٨٨٩ عن «القصر الفاطمي الكبير والأحياء المجاورة له» (١). وبعد أربع سنوات في سنة ١٨٩٢ استطاع بول كازانوفا Paul Casanova بعد دراسة القسم المتعلّق بقلعة الجبل من خطط المقريزي أن يطابق معطيات المقريزي مع المعلومات التي أمكنه استخراجها من دراسة الموقع في كتابه «تاريخ ووصف قلعة القاهرة» (٢). ثم قام جورج سالمون Georges Salmon بدراسة عن القطائع العاصمة الطّولونية ومنطقة بركة الفيل اعتمادا على خطط المقريزي أتمّها سنة ١٩٠٢ بعنوان «دراسات في طبوغرافية القاهرة - قلعة الكبش وبركة الفيل» (٣). وختم هذه السلسلة بول كازانوفا Paul Casanova بدراسته الهامّة «محاولة لإعادة تخطيط مدينة الفسطاط أو مصر» والتي ظهرت سنة ١٩١٩ اعتمادا على المقريزي وعلى ابن دقماق (٤).
وتقوم هذه الدّراسات في الأساس على استخراج النّصوص التاريخية الخاصّة بالمعالم الأثرية من المصادر القديمة ثم تطبيقها على الطّبيعة في ضوء ما تبقّى من أطلال وآثار في محاولة لإحياء المعالم الكاملة لعواصم مصر الإسلامية في فترات ازدهارها ومجدها. وقد جاءت كلّ هذه الدّراسات مصحوبة بخرائط تفصيلية لتطوّر ونموّ عواصم مصر الإسلامية.
أمّا في مجال الكتابات والنّقوش الأثريّة على العمائر والمباني التاريخية فيعدّ العالم السويسري ماكس فان برشم Max van Berchem (١٨٦٣ - ١٩٢١) رائد هذه الدّراسات، وابتداء من عام ١٨٩١ أخذ في نشر مقاله المطوّل عن الآثار والكتابات الأثرية الفاطمية (٥)، ثم وسّع ذلك في
_________
(١) Ravaisse، P.، Essai sur l'histoire et sur la topographie du Caire d'apres Makri? zi? (Palais des Khalifes fatimites) MMAFCI، III (١٨٨٦ - ٨٩)، pp.
٤٠٩ - ٤٨٠.
(٢) Casanova، P.، Histoire et description de la Citadelle du Caire، MMAFCVII (١٨٩٢)، pp. ٥٠٩ - ٧٨١. ونقله إلى العربية الدكتور أحمد دراج، القاهرة - المكتبة العربية ١٩٧٤.
(٣) Salmon، G.، Etudes sur la topographie du Caire-La Kalc? at al-Kabch et la Birkat al-Fil، MIFAO VII ١٩٠٢.
(٤) Casanova، P.، Essai de reconstitution topographique de la ville d'al-Fousta? t ou Misr، MIFAO XXXV (١٩١٣ - ١٩).
(٥) van Berchem، M.، «Notes d'archeologie arabe-Monuments et inscriptions Fatimites»، JA geme? Serie، ١٧ (١٨٩١)، pp. ٤١١ - ٤٩٥; ١٨ (١٨٩٢)، pp.
٤٧ - ٨٦; ١٩ (١٨٩٢)، pp. ٣٧٧ - ٤٠٧.
стр. 108
كتابه الضّخم «مواد لجامع الكتابات العربية» القسم الأوّل عن مصر ونشره المعهد العلمي الفرنسي بين سنتي ١٨٩٤ - ١٩٠٣ م (١). وقد اعتمد فان برشم على خطط المقريزي اعتمادا كلّيا لتعريف الآثار والمعالم التي نشر الكتابات التاريخية المثبتة عليها.
وفعل جاستون فييت Gaston Wiet الشيء نفسه عندما وضع القسم الثاني من «مواد لجامع الكتابات العربية» (الطّولونيون والفاطميون) والذي نشره أيضا المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة بين سنتي ١٩٢٩ - ١٩٣٠ م (٢).
وكان انطلاق عالم الآثار الإنجليزي كريزويل K.A.C.Creswell (١٨٧٩ - ١٩٧٤) في وصف «العمارة الإسلامية في مصر» اعتمادا على ما ذكره المقريزي عن هذه العمائر، فكان نصّ المقريزي الخاصّ بها هو المدخل الذي اعتمد عليه في تقديم الوصف المعماري والأثري للمساجد والخوانق والعمارة الحربية في مصر التي أوردها في كتابه الهام (٣).
وهكذا فإنّ كثيرا من الدّراسات الهامّة عن العمارة الإسلامية في القاهرة والتاريخ العمراني للمدينة مثل كتابات حسن عبد الوهّاب وأحمد فكري وعبد الرّحمن زكي وعبد الرّحمن عبد التّوّاب وفريد شافعي وكمال الدين سامح وسعاد ماهر وجان كلود جارسان وأندريه ريمون وسيلفي دينوا وصالح لمعي مصطفى ويوسف راغب وكاتب هذه السّطور، لم يكن من الممكن أن تتمّ لولا المادّة الغنية التي يقدّمها لنا كتاب «الخطط» للمقريزي؛ رغم ما يعتور نشرة بولاق من تصحيف وتحريف وسقط.
_________
(١) Van Berchem، M.، Materiaux pour un Corpus inscriptionum arabicarum، lere? partie:
Egypte MMAFC XIX (١٨٩٤ - ١٩٠٣).
(٢) Wiet، G.، Materiaux pour un Corpus inscriptionum arabicarum، ٢ eme? partie: Egypte MIFAO LII (١٩٢٩ - ٩٠).
(٣) Creswell، K.A.C.، The Muslim Architecture of Egypt، I.Ikshi? ds and Fatimids، Oxford ١٩٥٢; II.Ayyubids and Mamluks، Oxford ١٩٥٨.
стр. 109
مخطوطات الكتاب
عندما بدأت في جمع مخطوطات كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» للمقريزي لأنتقي منها الأصول الصّحيحة التي سأعتمد عليها في إخراج نصّ صحيح تامّ للكتاب، لم ألبث أن وجدت أنّ مخطوطات هذا الكتاب المحفوظة في مختلف مكتبات العالم تمثّل عددا هائلا مخيفا مثبّطا لهمّة أكثر الباحثين حميّة ونشاطا؛ فعدد نسخه الموجودة يتعدّى المائة وثمانين نسخة، سواء النّسخ الكاملة أو الأجزاء والقطع. وتحتوي مكتبات إستانبول والأناضول وحدها على أكثر من خمس وثلاثين نسخة والمكتبة البريطانية على أربع عشرة نسخة والمكتبة الوطنية في باريس على ثمان وعشرين نسخة، بينما تمتلك دار الكتب المصرية خمس عشرة نسخة فقط.
كان لابد من اختيار أكثر هذه النّسخ أصالة واكتمالا وقربا من زمن المؤلّف، خاصّة وأنّ جاستون فييت Gaston Wiet عندما بدأ في نشر هذا الكتاب منذ أكثر من تسعين عاما، سنة ١٩١١ م، وجد أنّ أكثر النّسخ التي رجع إليها تقدّم للقارئ حشدا ضخما من أخطاء النّسّاخ وتصحيفاتهم، فالكتاب مليء بأسماء الأعلام الأعجمية وبالمصطلحات الغريبة التي شوّهها وحرّفّها وصحّفها النّسّاخ بطريقة فاحشة مضجرة، كما أنّ عائلة النّسخ التي اعتمدت عليها طبعة بولاق - التي لا نعرف عن أصولها أي شيء - هي أسوأ عائلات نسخ الكتاب حيث جاءت - إلى جانب كثرة التّصحيف والتّحريف - مليئة بالسّقط وأحيانا بالتّلفيق. حقيقة أنّ جاستون فييت استند في القسم الذي أخرجه على أصحّ المخطوطات المعروفة في وقته، وبينها ما نقل من خطّ المؤلّف كما سأوضّح بعد قليل، وقام بعمل هام، إلاّ أنّه أرهق نفسه وأرهق قارءه بإثباته لفروق النّسخ والقراءات المختلفة التي وجدها، رغم أنّ جميعها لا يعدو أن يكون تصحيفات وتحريفات من عمل النّسّاخ، ممّا دفعه في نهاية الأمر إلى إيقاف مشروعه، كما أنّ نشرته نادرة الوجود ولا تشتمل إلاّ على نحو ربع الكتاب فقط الذي تناول فيه المقريزي تاريخ مصر القديم وأسماء المدن المصرية، والصّفحات الأولى من الجزء الثاني من أصل الكتاب المخصّص لمدن الفسطاط والعسكر والقطائع. أي أنّ نشرته لم تصل إلى الأقسام المتعلّقة بتاريخ القاهرة وقلعة الجبل وتحديد مواضع الحارات والأخطاط والحمّامات والأسواق والدّور والخانات، ووصف الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق التي تعدّ أساس الكتاب وصلبه. لذلك لم
стр. 110
تعتمد على هذه النّشرة أيّة دراسة تناولت تاريخ المدينة وتاريخ العمارة الإسلامية بها.
واستبعدت منذ البداية جميع النّسخ التي كتبت بعد سنة ألف للهجرة، وانتقيت من النّسخ الأخرى أقدم وأوضح النّسخ المنقولة من خطّ المؤلّف Apographe، إضافة بالطّبع إلى مسوّدات المقريزي نفسه التي كتبها بخطّه Autographe، وخلصت من دراسة هذه النّسخ إلى إمكانية تقسيم نسخ كتاب «المواعظ والاعتبار» - التي اخترت منها أصولي - إلى ثلاثة أقسام رئيسة: أوّلها وأهمّها «مسوّدات المقريزي» المكتوبة بخطّه، وهذه هي أنفس النّسخ وأعتقها، وللأسف فإنّها لا تقدّم لنا نصّا كاملا للكتاب كان سيغنينا عن مقابلة أيّة نسخ أخرى له؛ والثّاني «النّسخ المنقولة من خطّ الشّيخ تقيّ الدين المقريزي مباشرة»، وهي الأساس الذي اعتمدت عليه في تقديم نصّ صحيح تامّ للكتاب؛ وتأتي بعد ذلك نسخ لم تنقل مباشرة من خطّ الشّيخ المقريزي تتّفق في أخطائها وتصحيفاتها وأسقاطها مع الأصول التي اعتمدت عليها طبعة بولاق، وقد استبعدت أيضا تماما هذا القسم الأخير، خاصّة وأنّ نشرة بولاق - التي حرصت على إثبات أخطائها وتصحيفاتها وأسقاطها في هوامش هذه النّشرة الجديدة ليتّضح منها حجم الأخطاء التي اشتملت عليها طبعة بولاق - تقدّم لنا أنموذجا لنسخ هذا القسم الثالث.
وتحتفظ أغلب مكتبات العالم المشهورة بنسخ من كتاب «المواعظ والاعتبار» أو «الخطط» للمقريزي، ذكر القسم الأكبر منها - الذي يوجد على الأخصّ في مكتبات أوروبا - كارل بروكلمان Carl Brockelmann (١٨٦٨ - ١٩٥٦) في «تاريخ الأدب العربي» (١)، وتفضّل العلاّمة الواسع الاطّلاع البروفيسير فؤاد سزجين Fuat Sezgin فأمدّني مشكورا بما كتبه عن مخطوطات «الخطط» في الجزء الخاصّ بالجغرافيا (لم يصدر بعد) من كتابه الكلاسيكي «تاريخ التّراث العربي». وأغلب ما أضافه سزجين خاصّ بنسخ الكتاب المحفوظة في مكتبات استانبول، والتي حرصت على الاطّلاع عليها اثناء زيارتي لاستانبول في شهر مارس سنة ٢٠٠١ لحضور مؤتمر «Theoretical Approache to the Transmission and Edition of Oriental Manuscripts» الذي نظّمه المعهد الألماني للأبحاث الشرقية بالتعاون مع جامعة استانبول والمعهد الفرنسي للدّراسات الأناضولية باستانبول. ومن خلال ما ذكره كلّ من بروكلمان وسزجين وكذلك جاستون فييت في مقدّمات الأجزاء التي أصدرها من كتاب «المواعظ والاعتبار»، ومن خلال مراجعاتي الشّخصية لمخطوطات «الخطط» في المكتبات العالمية التي
_________
(١) Brockelmann، C.، GALII، ٤٧ - ٤٨ (٣٩)، SII، ٣٦.
следующие страницы →