← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وسرح الطائر إلى السّلطان بخروج أهل الإسكندرية عن الطّاعة، فاشتدّ غضبه، وخشى من إطلاقهم الأمراء المسجونين، وبعث إلى القضاة فجمعهم واستفتاهم في قتالهم، فكتبوا بما يجب. وخرج إليهم الوزير مغلطاي الجمالي، وطوغان شادّ الدّواوين، وأيدمر أمير جندار، وعدّة من المماليك السّلطانية، وناظر الخاصّ، ومع الوزير تذكرة بإراقة دماء أهل الفساد، ومصادرة جماعة، وأخذ أموال أهل البلد، والقبض على الأسلحة المعدّة بها للغزاة، وإمساك القاضي والشّهود، وحمل الأمراء المسجونين إلى القاهرة. فساروا في عاشره، وقدموا الثّغر بعد ثلاثة أيام، ونزل الوزير بالخيس، وفرض على النّاس خمس مائة ألف دينار مصرية، وأحضر قاضي القضاة عماد الدين ونائبه في الحديد، وأنكر عليهما كونهما شهرا النّداء في البلد بالغزاة في سبيل اللّه. فأنكرا وقوع هذا منهما (¬a)) وإنّما كان من غيرهما (¬a)، وأنّهما لم يكن في قدرتهما ردّ السّواد الأعظم. فضرب نائبه ابن التّنسي (¬b) ضربا مبرّحا، وألزمه بحمل ستّ مائة ألف درهم، وألزم القاضي بخمس مائة ألف درهم، وكان قد رسم بشنقه، فتلطّف في مكاتبة السّلطان، واعتذر عنه وبرّأه حتى عفا عنه. وتتبّع العامّة، فوسّط منهم ثلاثين رجلا في يوم الجمعة ثالث عشرة، فتسارع الناس إلى دورهم من الخوف، فذهبت عدّة عمائم، واشتدّ الخوف مدّة عشرين يوما، وكتب السّلطان تتوالى بالإيقاع بأهل الثّغر وأخذ أموالهم، والوزير يحسن في الجواب إلى أن جهّز الأمراء المسجونين وسار من الثّغر، وقد استعرض ما به من السّلاح فوجد ستة آلاف عدّة كاملة، جعلها جميعها في قاعة وختم عليها، وبلغت الجباية من النّاس ما ينيف على مائتين وستين ألف دينار. فكانت هذه من المحن العظيمة، والحوادث الشّنيعة. ذكر مدينة أتريب هذه المدينة بناها أتريب بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح (١). قال ابن وصيف شاه: وكان أتريب قد انتقل إلى حيّزه بعد موت أبيه قبطيم، وهي المدينة التي كان أبوه بناها له، وكان

стр. 597

طولها اثني عشر ميلا، ولها اثنا عشر بابا؛ وجعل في شارعها الأعظم ثلاث قباب عالية على أعمدة بعضها فوق بعض، منها قبّة في وسط المدينة، وقبّتان في طرفيها، وجعل على كلّ باب (¬a) مرقبا كبيرا، وفي كلّ ناحية منها ملعبا ومجالس ومتنزّهات تشرف (¬b)؛ وشقّ في غربيها نهرا، وعقد عليه قناطر، وجعل من فوقها مجالس متّصلة، وحولها المنازل تدور بالخليج متّصلة بالقناطر على رياض/ مزروعة من خلفها الأجنة (¬c) والبساتين؛ وعلى كلّ باب من الأبواب أعجوبة من تماثيل وأصنام متحرّكة، وأصنام تمنع من يؤذي؛ وجعل في داخل كلّ باب صورة شيطانين من صفر، فإذا قصدها أحد من أهل الخير قهقه الشّيطان الذي عن يمنة الباب، وإن كان من أهل الشّرّ بكى الشّيطان الذي عن يسرة الباب؛ وجعل في كلّ منتزه منها من الوحش الآلفة والطّيور المغرّدة كلّ مستحسن، وفوق قباب المدينة صورا تصفّر إذا هبّت الرّياح، ونصب مرايا (¬d) ترى البلاد البعيدة؛ وبنى حذاءها في الشّرق مدينة، وجعل فيها ملاعب وأصناما بارزة في صور مختلفة، وفي وسطها بركة إذا مرّ بها الطّير سقط عليها فلا يبرح حتى يؤخذ؛ وجعل لها حصنا باثني عشر بابا، على كلّ باب تمثال يعمل أعجوبة؛ وعمل حواليها أجنّة (¬e)، وجعل بالقرب منها - في ناحية الشّرق (¬f) - مجلسا منقوشا على ثماني أساطين، وفوقه قبّة عليها طائر منشور الجناحين، يصفّر في كلّ يوم ثلاث تصفيرات: بكرة، ونصف النّهار، وعند غروب الشّمس؛ وأقام فيها أصناما وعجائب كثيرة. وبنى مدنا كثيرة، وأقام فيها رجلا يقال له برسان، يعمل الكيمياء، وضرب منها دنانير، في كلّ دينار سبعة مثاقيل، عليها صورته. وعاش أتريب ملكا ثلاث مائة وستين سنة، وبلغ من العمر خمس مائة سنة. وعمل له ناووس في جبل بالمشرق (¬g)، حفر له تحته سرب بطّن بالزّجاج والمرمر، وجعل على سرير من ذهب مرصّع، وحملت إليه ذخائره، وجعلوا على بابه صورة تنّين لا يدنو منه أحد إلاّ أهلكه، وسفوا عليه الرّمال، وزبروا عليه اسمه وتاريخ وقته (١).

стр. 598

وقال ابن الكندي: أربع كور بمصر ليس على وجه الأرض أفضل منها، ولا تحت السّماء لهنّ نظير: كورة الفيّوم، وكورة أتريب، وكورة سمنّود، وكورة أنصنا (١). وكورة أتريب من جملة كور أسفل الأرض، وهي مائة وثماني قرى. وكان يقال مدائن السّحرة من ديار مصر سبع، وهي: أرمنت، وبنا، وبوصير، وأنصنا، وصان، وأتريب، وصا (٢). ذكر مدينة تنّيس تنّيس - بكسر التاء المنقوطة باثنتين من فوقها وكسر النون المشدّدة وياء آخر الحروف وسين مهملة - بلدة من بلاد مصر في وسط الماء، وهي من كورة الخليج، سمّيت بتنّيس بن حام بن نوح، ويقال بناها فليمون من ولد أتريب بن قبط (¬a) أحد ملوك القبط في القديم (٣). قال ابن وصيف شاه: وملكت بعد أتريب ابنته [تدورة] (¬b)، فدبّرت الملك وساسته بأيد وقوّة، خمسا وثلاثين سنة، وماتت. فقام بالملك من بعدها ابن أختها (¬c) فليمون الملك، فردّ الوزراء إلى مراتبهم، وأقام الكهّان على مواضعهم، ولم يخرج الأمر عن رأيهم، وجدّ في العمارات وطلب

стр. 599

الحكم. وفي أيّامه بنيت تنّيس الأولى التي غرّقها البحر، وكان بينه وبينها شيء كثير، وحولها الزّرع والشّجر والكروم، وقرى ومعاصر للخمر، وعمارة لم يكن أحسن منها (١). فأمر الملك أن يبنى له وسطها (¬a) مجالس، وينصب له عليها قباب، وتزيّن بأحسن الزّينة والنّقوش، وأمر بفرشها وإصلاحها؛ وكان إذا بدأ النّيل يجري انتقل الملك إليها، فأقام بها إلى النّوروز ورجع. وكان للملك بها أمناء يقسمون المياه، ويعطون كلّ قرية قسطها، وكان على تلك القرى حصن يدور بقناطر، وكان كلّ ملك يأتي يأمر بعمارة بها (¬b) والزّيادة فيها، ويجعلها له متنزّها. ويقال إنّ الجنّتين اللّتين ذكرهما اللّه تعالى في كتابه العزيز، إذ يقول: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ … ﴾ الآية [الآية ٣٢ سورة الكهف]، كانتا لأخوين من بيت الملك أقطعهما ذلك الموضع (٢)، فأحسنا عمارته وهندسته وبنيانه. وكان الملك يتنزّه عليهما (¬c)، ويؤتى بغرائب الفواكه والبقول، ويعمل له من الأطعمة والأشربة ما يستطيبه. فعجب بذلك المكان أحد الأخوين، وكان كثير الضّيافة والصّدقة، ففرّق ماله في وجوه البرّ، وكان الآخر ممسكا يسخر من أخيه إذا فرّق ماله، وكلّما باع من قسمه شيئا اشتراه منه، حتى بقي لا يملك شيئا. وصارت تلك الأجنّة (¬d) لأخيه، واحتاج إلى سؤاله، فانتهره وطرده، وعيّره بالتّبذير وقال: قد كنت أنصحك وآمرك (¬e) بصيانة مالك فلم تفعل، ونفعني إمساكي فصرت أكثر منك مالا وولدا، وولّى عنه مسرورا بماله وجنّته. فأمر اللّه (¬f) - البحر، فركب تلك القرى وغرّقها جميعها، فأقبل صاحبها يولول ويدعو بالثّبور (٣)، ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾؛ قال اللّه ﷻ : ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اَللّهِ﴾ [الآيتان ٤٢، ٤٣ سورة الكهف]. وفي زمان فليمون الملك بنيت دمياط (٤).

стр. 600

وملك فليمون تسعين سنة، وعمل لنفسه ناووسا في الجبل الشرقي، وحوّل إليه الأموال والجواهر وسائر الذّخائر، وجعل من داخله تماثيل تدور بلوالب (¬a) في أيديها سيوف، من دخل قطعته. وجعل عن يمينه ويساره أسدين من نحاس مذهّب بلوالب (¬a)، من أتاه حطّماه، وزبر عليه: هذا قبر فليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصريم (¬b)، عمّر/ دهرا، وأتاه الموت فما استطاع له دفعا، فمن وصل إليه فلا يسلبه ما عليه، وليأخذ ممّا (¬c) بين يديه (١). ويقال إنّ تنيس أخ لدمياط (٢). وقال المسعوديّ في كتاب «مروج الذّهب»: وبحيرة (¬d) تنّيس كانت أرضا لم يكن بمصر مثلها استواء وطيب تربة [وثراء] (¬e)، وكانت جنانا ونخلا وكرما وشجرا ومزارع، وكانت فيها مجار (¬f) على ارتفاع من الأرض. ولم ير الناس بلدا أحسن من هذه الأرض، ولا أحسن اتّصالا من جنانها وكرومها، ولم يكن بمصر كورة يقال إنّها تشبهها إلاّ الفيّوم. وكان الماء منحدرا إليها، لا ينقطع عنها صيفا ولا شتاء، يسقون جنانهم (¬g) إذا شاءوا، وكذلك زروعهم، وسائره يصبّ إلى البحر من جميع خلجانه، ومن الموضع المعروف بالأشتوم. وقد كان بين البحر وبين هذه الأرض مسيرة يوم، وكان فيما بين العريش وجزيرة قبرس طريق مسلوك إلى قبرس تسلكه الدّوابّ يبسا، ولم يكن بين العريش وجزيرة قبرس في البحر سير طويل، حتى علا الماء الطريق الذي كان بين العريش وبين (¬h) قبرس (٣). فلمّا مضت لدقلطيانوس من ملكه مائتان وإحدى وخمسون سنة، هجم الماء من البحر على بعض المواضع التي تسمّى اليوم بحيرة تنّيس فأغرقته، ويزيد في كلّ عام حتى أغرقتها بأجمعها؛ فما كان من القرى التي في قرارها غرق، وأمّا الذي كان منها على ارتفاع من الأرض فبقيت منها تونة وبورا، وغير ذلك ممّا هو باق إلى هذا الوقت، والماء محيط بها. وكان أهل القرى التي في هذه البحيرة ينقلون موتاهم إلى تنّيس، فيقبرونهم واحدا فوق واحد (¬i). وكان استحكام غرق هذه الأرض بأجمعها قبل أن تفتح مصر بمائة سنة (٤).

стр. 601

قال: وقد كان لملك من الملوك التي كانت داره (¬a) الفرما، مع أركون من أراكنة البلينا وما اتّصل بها من الأرض، حروب عملت فيها خنادق وخلجانات (¬b)، فتحت من النّيل إلى البحر، يمتنع بها كلّ واحد من الآخر. وكان ذلك داعيا لتشعّب الماء من النّيل، واستيلائه على هذه الأرض (١). وقال في كتاب «أخبار الزّمان»: وكانت تنّيس عظيمة لها مائة باب (٢). وقال ابن بطلان (٣): تنّيس بلد صغير، على جزيرة في وسط البحر، ميله إلى الجنوب عن وسط الإقليم الرابع خمس درج، وأرضه سبخة، وهواؤه مختلف، وشرب أهله من مياه مخزونة في صهاريج تملأ في كلّ سنة عند عذوبة مياه البحر بدخول ماء النّيل إليها، وجميع حاجاتها مجلوبة إليها في المراكب. وأكثر أغذية أهلها السّمك والجبن وألبان البقر، فإنّ ضمان الجبن السّلطاني سبع مائة دينار حسابا عن كلّ ألف قالب دينار ونصف، وضمان السّمك عشرة آلاف دينار. وأخلاق أهلها سهلة منقادة، وطبائعهم مائلة إلى الرّطوبة والأنوثة. قال أبو السّريّ الطّبيب: إنّه كان يولد بها في كلّ سنة مائتا مخنّث، وهم يحبّون النّظافة والدّماثة والغناء واللّذّة، وأكثرهم يبيتون سكارى، وهم قليلو الرّياضة لضيق البلد، وأبدانهم ممتلئة أخلاطا (¬c)، وحصل بها مرض، يقال له الفواق التّنّيسي، أقام بأهلها ثلاثين سنة.

стр. 602

وقال جامع «تاريخ دمياط» (١): وكان على تنّيس رجل، يقال له أبو ثور، من العرب المتنصّرة، فلمّا فتحت دمياط سار إليها المسلمون، فبرز إليهم في (¬a) نحو عشرين ألفا من العرب المتنصّرة والقبط والرّوم، وكانت بينهم حروب آلت إلى وقوع أبي ثور في أيدي المسلمين وانهزام أصحابه؛ فدخل المسلمون البلد، وبنوا كنيستها جامعا، وقسموا الغنائم، وساروا إلى الفرما (٢). وكانت تنّيس مدينة كبيرة، وفيها آثار كثيرة للأوائل، وكان أهلها مياسير أصحاب ثراء، وأكثرهم حاكة، وبها يحاك ثياب الشّروب التي لا يصنع مثلها في الدّنيا. وكان يصنع فيها للخيلفة بمصر (¬b) ثوب يقال له «البدنة»، لا يدخل فيه الغزل - سدّاء ولحمة - غير أوقيّتين، وينسج باقيه بالذّهب بصناعة محكمة لا تحوج إلى تفصيل ولا خياطة، تبلغ قيمته ألف دينار. وليس في الدنيا طراز ثوب كتّان يبلغ الثّوب منه - وهو ساذج بغير ذهب - مائة دينار عينا غير طراز تنّيس ودمياط. وكان النّيل إذا أطلق يشرب منه من بمشارق الفرما من ناحية جرجير وفاقوس، من خليج تنّيس ومغايضها (¬b). وكانت تنّيس (¬b) من أجلّ مدن مصر، وإن كانت شطا ودبقو ودميرة وتونة، وما قاربهم من تلك الجزائر، يعمل فيها الرّفيع، فليس ذلك بمقارب (¬c) للتّنّيسي والدّمياطي والشّطوي (¬b). وكان الحمل منها إلى بعد سنة ستين وثلاث مائة، يبلغ من عشرين ألف دينار إلى ثلاثين ألف دينار لجهاز العراق، فلمّا تولّى الوزير يعقوب بن كلّس تدبير المال، استأصل ذلك بالنّوائب. وكان يسكن بجزيرة (¬d) تنّيس ودمياط نصارى تحت الذّمّة، وكان أهل تنّيس يصيدون السّمّاني وغير ذلك من الطّير على أبواب دورهم - والسّمّاني طير (¬e) يخرج من البحر فيقع في تلك الشّباك -، وكانت السّفن تركب من تنّيس إلى الفرما/ وهي على ساحل البحر.

стр. 603

(١) فلم تزل تنّيس بيد المسلمين إلى أن كانت إمرة بشر بن صفوان الكلبي على مصر، من قبل يزيد بن عبد الملك، في شهر رمضان سنة إحدى ومائة، فنزل الرّوم تنّيس، فقتل مزاحم بن سلمة (¬a) المرادي أميرها في جمع من الموالي؛ ولهم (¬b) يقول الشّاعر: [الوافر] ألم تربع فيخبرك الرّجال … بما لاقى بتنّيس الموالي ولمّا مات هارون الرّشيد، وقام من بعده ابنه محمد الأمين، وأراد الغدر والنّكث بالمأمون، كان على مصر حاتم بن هرثمة بن أعين من قبل الأمين، فلمّا ثار عليه أهل نتو وتميّ (¬c)، بعث إليهم السّريّ بن الحكم وعبد العزيز بن الوزير الجروي، فغلبا اليمانية في (¬d) شوّال سنة أربع وتسعين ومائة (٢). ثم ولي الأمير جابر بن الأشعث الطّائي مصر، وصرف حاتم بن هرثمة، وكان جابر ليّنا، فلمّا تباعد ما بين محمد الأمين وبين أخيه عبد اللّه المأمون، وخلع محمد أخاه من ولاية العهد، وترك الدّعاء له على المنابر، وعهد إلى ابنه موسى ولقّبه بالشّديد، ودعا له، تكلّم الجند بمصر بينهم في خلع محمد غضبا للمأمون، فبعث إليهم جابر ينهاهم عن ذلك، ويخوّفهم عواقب الفتن. وأقبل السّريّ بن الحكم يدعو الناس إلى خلع محمد، وكان ممّن دخل إلى مصر في أيام الرّشيد من جند اللّيث بن الفضل، وكان خاملا، فارتفع ذكره بقيامه في خلع محمد الأمين. وكتب المأمون إلى أشراف مصر يدعوهم إلى القيام بدعوته، فأجابوه وبايعوا المأمون في رجب سنة ستّ وتسعين مائة، ووثبوا بجابر فأخرجوه، وولّوا عبّاد بن محمد (٣). فبلغ ذلك محمدا الأمين، فكتب إلى رؤساء الحوف بولاية ربيعة بن قيس الجرشي، وكان رئيس قيس الحوف، فانقاد أهل الحوف كلّهم معه، يمنها وقيسها، وأظهروا دعوة الأمين وخلع المأمون، وساروا إلى الفسطاط لمحاربة أهلها، واقتتلوا فكانت بينهما قتلى، ثم انصرفوا وعادوا مرارا إلى الحرب.

стр. 604

فعقد عبّاد بن محمد لعبد العزيز الجروي، وسيّره في جيش ليحارب القوم في دارهم، فخرج في ذي القعدة سنة سبع وتسعين ومائة، وحاربهم بعمريط، فانهزم الجروي، ومضى في قومه من لخم وجذام إلى فاقّوس، فقال له قومه: ألا تدعو لنفسك، فما أنت بدون هؤلاء الذين غلبوا على الأرض؟ فمضى فيهم إلى تنّيس فنزلها، ثم بعث بعمّاله يجبون الخراج من أسفل الأرض. فبعث ربيعة بن قيس يمنعه من الجباية، وسار أهل الحوف في المحرّم سنة ثمان وتسعين إلى الفسطاط فاقتتلوا، وقتل جمع من الفريقين. وبلغ أهل الحوف قتل الأمين، فتفرّقوا (١). وولي إمرة مصر مطّلب بن عبد اللّه الخزاعي من قبل المأمون، فدخلها في ربيع الأوّل، وولّى عبد العزيز الجروي شرطته، ثم عزله وعقد له على حرب أسفل الأرض (٢). ثم صرف المطّلب، وولي العبّاس بن موسى بن عيسى في شوّال، فولّى عبد العزيز الشّرطة. فلمّا ثار الجند، وأعادوا المطلّب في المحرّم سنة تسع وتسعين، هرب الجروي إلى تنّيس. وأقبل العبّاس بن موسى بن عيسى من مكّة إلى الحوف، فنزل ببلبيس ودعا قيسا إلى نصرته، ثم مضى إلى الجروي بتنّيس، فأشار عليه أن ينزل دار قيس، فرجع إلى بلبيس في جمادى الآخرة، وبها مات مسموما في طعام دسّه إليه المطّلب على يد قيس (٣). فدان أهل الأحواف للمطّلب وبايعوه، وسارعوا إلى جبّ عميرة وسالموه عندما لقوه، وبعث إلى الجروي يأمره بالشّخوص إلى الفسطاط، فامتنع من ذلك، وسار في مراكبه إلى (¬a) شطنوف (٤). فبعث إليه المطّلب السّريّ بن الحكم في جمع من الجند يسألونه الصّلح، فأجابهم إليه، ثم اجتهد في الغدر بهم، فتيقّظوا له، فمضى راجعا إلى بنا، فاتّبعوه وحاربوه. ثم عاد فدعاهم إلى الصّلح ولاطف السّريّ، فخرج إليه في زلاّج، وخرج الجروي في مثله، فالتقيا في وسط النّيل مقابل سندفا، وقد أعدّ الجروي في باطن زلاّجه الحبال، وأمر أصحابه بسندفا إذا لصق بزلاّج السّريّ أن يجرّوا الحبال إليهم (¬b)، فلصق الجروي بزلاّج السّريّ، فربطه في زلاّجه وجرّ الحبال، وأسر السّريّ ومضى به إلى تنّيس

стр. 605

فسجنه بها، وذلك في جمادى الأولى (١). ثم كرّ الجروي وقاتل، فلقيته (¬a) جموع المطّلب سفط سليط في رجب، فظفر (٢). ولمّا عزل عمر بن ملال (¬b) عن الإسكندرية، ثأر بالأندلسيين ودعا للجروي، فأقبل عبد اللّه بن موسى بن عيسى إلى مصر، طالبا بدم أخيه العبّاس، في المحرّم سنة مائتين، فنزل على عبد العزيز الجروي، فسار مه في جيوش كثيرة العدد في البرّ والبحر حتى نزل الجيزة. فخرج إليه المطّلب في أهل مصر، فحاربوه في صفر، فرجع الجروي إلى شرقيّون، ومضى عبد اللّه بن موسى إلى الحجاز، وظهر المطّلب على أن أبا حرملة فرجا الأسود هو الذي كاتب عبد اللّه ابن موسى وحرّضه على المسير، فطلبه ففرّ إلى الجروي. وجدّ المطّلب في أمر الجروي، فأخرج الجروي السّريّ بن الحكم من السجن، وعاهده وعاقده على أن يثور بالمطّلب ويخلعه، فعاهده السّريّ على ذلك فأطلقه، وألقى إلى أهل مصر أنّ كتابا ورد بولايته، فاستقبله الجند من أهل خراسان، وعقدوا له عليهم؛ وامتنع المصريون من ولايته، فنزل داره بالحمراء، وأمدّه قيس بجمع منهم، وحارب المصريين فهزمهم وقتل منهم، فطلب المطّلب منه الأمان فأمّنه، وخرج من مصر، واستبدّ السّرىّ بن الحكم بأمر مصر في مستهلّ شهر رمضان (٣). فلمّا قتل الأندلسيون عمر بن ملاّل (¬b) بالإسكندرية، سار إليها الجروي في خمسين ألفا، فبعث السّريّ إلى تنّيس بعثا، فكرّ الجروي راجعا إلى تنّيس في محرّم سنة إحدى/ ومائتين فلمّا ثار الجند بالسّريّ في ربيع الأوّل، وبايعوا سليمان بن غالب، قام عبّاد بن محمد عليه وخلعه (٤). وقام بالأمر عليّ بن حمزة بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس في مستهلّ شعبان، فامتنع عبّاد أن يبايعه ولحق بالجروي، ثم لحق به أيضا سليمان بن غالب، فكان معه. وعاد السّريّ إلى ولاية مصر في شعبان، وقوي سلطانه؛ فلمّا كان في المحرّم سنة اثنتين ومائتين، ورد كتاب المأمون إليه يأمره بالبيعة لوليّ عهده عليّ بن موسى الرّضى، فبويع له بمصر. وقام في

стр. 606

فساد ذلك إبراهيم بن المهدي ببغداد، وكتب إلى وجوه الجند بمصر يأمرهم بخلع المأمون ووليّ عهده، وبالوثوب على السّريّ. فقام بذلك الحارث بن زرعة بن قحزم (¬a) بالفسطاط، وعبد العزيز ابن الوزير الجروي بأسفل الأرض، وسلمة (¬b) بن عبد الملك الطّحاوي الأزدي بالصّعيد، وخالفوا السّريّ، ودعوا إلى إبراهيم بن المهدي، وعقدوا على ذلك الأمر لعبد العزيز بن عبد الرّحمن الأزدي، فحاربه السّريّ وظفر به في صفر. ولحق كلّ من كره بيعة عليّ الرّضى بالجروي، لمنعته بتنّيس وشدّة سلطانه، فسار إلى الإسكندرية وملكها، ودعي له بها وببلاد الصّعيد. ثم سار في جمع كثير لمحاربة السّري، واستعد كلّ منهما لصاحبه بأعظم ما قدر عليه. فبعث إليه السّريّ ابنه ميمونا، فالتقيا بشطنوف، فقتل ميمون في جمادى الأولى سنة ثلاث ومائتين (١). وأقبل الجروي في مراكبه إلى الفسطاط ليحرقها، فخرج إليه أهل المسجد وسألوه الكفّ، فانصرف عنها (٢). وحارب الإسكندرية غير مرّة، وقتل بها من حجر أصابه من منجنيقه في آخر صفر سنة خمس ومائتين، ومات السّريّ بعده بثلاثة أشهر في آخر جمادى الأولى (٣). وقام بعد الجروي ابنه عليّ بن عبد العزيز الجروي، فحارب أبا نصر محمد بن السّريّ - أمير مصر بعد أبيه - بشطنوف، ثم التقيا بدمنهور، فيقال إنّ القتلى بينهما يومئذ كانوا سبعة آلاف، وانهزم ابن السّريّ إلى الفسطاط، فتبعته مراكب ابن الجروي ثم عادت، فدخل أبو حرملة بينهما حتى اصطلحا (٤). ومات ابن السّريّ في شعبان سنة ستّ ومائتين، فولي بعده أخوه عبيد اللّه بن السّريّ، فكفّ عن ابن الجروي. وبعث المأمون بخالد (¬c) بن يزيد بن مزيد الشّيباني إلى مصر في جيش من ربيعة، فامتنع عبيد اللّه بن السّريّ من التّسليم له ومانعه، فاقتتلوا بفاقوس (¬d). وانضمّ عليّ بن الجروي إلى خالد بن يزيد، وأقام له الأنزال وأغاثه، وسار حتى نزل على خندق عبيد اللّه بن السّريّ، فاقتتلا في شهر ربيع الأوّل سنة سبع ومائتين، وجرت بينهما حروب بعد ذلك آلت إلى ترفّع خالد إلى أرض الحوف؛ فكره ذلك ابن الجروي، ومكر به حتى أخرجه من عمله إلى غربي النّيل، فنزل نهيا،

стр. 607

وانصرف ابن الجروي إلى تنّيس، فصار خالد في ضرّ وجهد، وعسكر له ابن السّري في شهر رمضان وأسره، وأخرجه من مصر إلى مكّة في البحر (١). وبعث المأمون بولاية عبيد اللّه بن السّري على ما في يده، وهو فسطاط مصر وصعيدها وغربيها، وبولاية عليّ بن عبد العزيز الجروي تنّيس مع الحوف الشرقي وضمّنه خراجه. وأقبل ابن الجروي على استخراج خراجه من أهل الحوف، فمانعوه وكتبوا إلى ابن السّريّ يستمدّونه عليه، فأمدّهم بأخيه، فالتقيا بكورة بنا في بلقينة، فاقتتلوا في صفر سنة تسع ومائتين، وامتدّت الحرب (¬a) بينهما إلى أثناء ربيع الأوّل وهم منتصفون. فانصرف ابن الجروي فيمن معه إلى دمياط، فسار ابن السّريّ إلى محلّة شريقون ونهبها، وبعث إلى تنّيس ودمياط فملكهما. ولحق ابن الجروي بالفرما، وسار منها إلى العريش، فنزل فيما بينها وبين غزّة، ثم عاد وأغار على الفرما في جمادى الآخرة، ففرّ أصحاب ابن السّري من تنّيس. وسار ابن الجروي إلى شطنوف، فخرج إليه ابن السّريّ. واقتتلا، فكانت لابن الجروي في أوّل النّهار، ثم أتاه كمين ابن السّريّ فانهزم، وذلك في رجب، فمضى إلى العريش، وسار ابن السّريّ إلى تنّيس ودمياط؛ ثم أقبل ابن الجروي، في المحرّم سنة عشر ومائتين، وملك تنّيس ودمياط بغير قتال، فبعث إليه ابن السّريّ البعوث، فحاربهم (٢). فبينما هم في ذلك إذ قدم عبد اللّه بن طاهر، فتلقّاه ابن الجروي بالأموال والأنزال، وانضمّ إليه ونزل معه ببلبيس، فامتنع ابن السّريّ ودافع ابن طاهر، فتراخى له، وبعث فجبى المال، ونزل زفتى، وبعث إلى شطنوف بعيسى الجلودي على جسر عقده من زفتى، وجعل ابن الجروي على سفنه التي جاءته من الشّام لمعرفته بالحرب، فهزم مراكب ابن السّريّ في المحرّم سنة إحدى عشرة. وصالح ابن طاهر عبيد اللّه بن السّريّ في صفر، وخلع عليه وأجازه بعشرة آلاف دينار، وأمره (¬b) بالخروج إلى المأمون، فسكنت فتن مصر بعبد اللّه بن طاهر (٣).

стр. 608

وفي سنة سبع وسبعين وثلاث مائة، ولدت بتنّيس معزى جديا له قرون عدّة، ورأسه مع صدره، وبدنه ومقدّمه بصوف أبيض، ومؤخّره بشعر أسود، وذنبه ذنب شاة. وولدت امرأة سخلة (¬a) لها رأس مدوّر، ولها يدان ورجلان وذنب. ولثلاث بقين من ذي الحجة من هذه السنة، حدث بتنّيس رعد وبرق وريح/ شديدة وسواد عظيم في الجوّ. ثم ظهر وقت السّحر في السّماء عمود نار احمرّت منه السّماء والأرض أشدّ حمرة، وخرج غبار كاد أن (¬b) يأخذ بالأنفاس، فلم يزل إلى الرابعة من النّهار حتى ظهرت الشّمس، ولم يزل كذلك حتى (¬c) خمسة أيام. وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة، حضر عند قاضي تنّيس أبي محمد عبد اللّه بن أبي الدّبس (¬d) رجل وامرأة، فطالبت المرأة الرجل بفرض واجب عليه، فقال الرجل: تزوّجت بها منذ خمسة أيام، فوجدت لها ما للرجال وما للنّساء. فبعث إليها القاضي امرأة لتشرف عليها، فأخبرت أنّ لها فوق القبل ذكرا بخصيتين والفرج تحتها والذّكر أقلف (١)، وأنّها رائعة الحسن، فطلّقها الزّوج. قال أبو عمر الكنديّ: حدّثني أبو نصر أحمد بن عليّ قال: حدّثني يس بن عبد الأحد قال: سمعت أبي يقول: لمّا دخل عبد اللّه بن طاهر مصر، كنت فيمن دخل عليه، فقال: حدّثنا عبد اللّه بن لهيعة، عن أبي قبيل عن تبيع (¬e)، قال: يا أهل مصر، كيف بكم إذا كان في بلدكم فتن، فوليكم فيها الأعرج ثم الأصفر ثم الأمرد، ثم يأتي رجل من ولد الحسين، لا يدفع ولا يمنع، تبلغ راياته البحر الأخضر، يملأها عدلا. فقد (¬f) كان ذلك، كانت الفتنة فوليها السّريّ وهو الأعرج، والأصفر ابنه أبو النّصر، والأمرد عبيد اللّه بن السّريّ، وأنت عبد اللّه بن طاهر بن الحسين (٢). ثم إنّ عبد اللّه بن طاهر سار إلى الإسكندرية، وأصلح أمرها، وأخرج ابن الجروي إلى العراق. ثم قدم به الأفشين إلى مصر في ذي الحجة سنة خمس عشرة، وقد أمر الأفشين أن يطالبه

стр. 609

بالأموال التي عنده، فإن دفعها إليه وإلاّ قتله، فطالبه فلم يدفع إليه شيئا، فقدمه بعد الأضحى بثلاث فقتله. وفي جمادى الآخرة (¬a) سنة تسع عشرة ومائتين، ثار يحيى بن الوزير في تنّيس، فخرج إليه المظفّر بن كيدر (¬b) أمير مصر، فقاتله في بحيرة تنّيس وأسره، وتفرّق عنه أصحابه (١). وفي سنة تسع وثلاثين ومائتين، أمر المتوكّل ببناء حصن على البحر بتنّيس، فتولّى عمارته عنبسة بن إسحاق أمير مصر، وأنفق فيه وفي حصن دمياط والفرما مالا عظيما (٢). وفي سنة تسع وأربعين ومائتين، عذبت بحيرة تنّيس صيفا وشتاء، ثم عادت ملحا صيفا وشتاء. وكانت قبل ذلك تقيم ستة أشهر عذبة وستة أشهر مالحة. وفي سنة ثمان وأربعين وخمس مائة (¬c)، وصلت مراكب من صقلّيّة (¬d)، فنهبوا مدينة تنّيس (٣). وفي سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة، صيد بأشتوم تنّيس حوت طوله ثمانية وعشرون ذراعا ونصف، من ذلك طول رأسه تسعة أذرع، ودائر بطنه مع ظهره خمسة عشر ذراعا، وفتحة فمه تسعة وعشرون شبرا، وعرض ذنبه خمسة أذرع ونصف، وله يدان يجدّف بهما، طول كلّ يد ثلاثة أذرع؛ وهو أملس أغبر غليظ الجلد، مخطّط البطن ببياض وسواد، ولسانه أحمر، وفيه خمل الرّيش طوله نحو الذّراع يعمل منه أمشاط تشبه الذيل، وله عينان كعيني البقر؛ فأمر أمير تنّيس أبو إسحاق ابن توبة به، فشقّ بطنه وملّح بمائة إردبّ ملح، ورفع فكّه الأعلى بعود خشب طويل، وكان الرجل يدخل إلى جوفه بقفاف الملح وهو قائم غير منحن، وحمل إلى القصر حتى يراه (¬e) العزيز باللّه (٤).

стр. 610

وفي ليلة الجمعة، ثامن عشر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين (¬a) وثلاث مائة، شاهد أهل تنّيس تسعة أعمدة من نار تلتهب في آفاق السّماء من ناحية الشّمال، فخرج الناس إلى ظاهر البلد يدعون اللّه تعالى حتى أصبحوا، وخفيت (¬b) تلك النّيران (١). وفيها صيد ببحيرة تنّيس حوت طوله ذراع، ونصفه الأعلى فيه رأس وعينان وعنق وصدر على صورة أسد، ويداه في صدره بمخاليب (¬c)، ونصفه الأدنى صورة حوت بغير قشر، فحمل إلى القاهرة. وفي سنة سبع وسبعين (¬a) وثلاث مائة، ولدت جارية بنتا برأسين: أحدهما بوجه أبيض منزل (¬d)، والآخر بوجه أسمر فيه سهولة، في كلّ وجه عينان، فكانت ترضعهما. وكلاهما مركّب على عنق واحد في جسد واحد بيدين ورجلين وفرج ودبر؛ فحملت إلى العزيز حتى رآها، ووهب لأمّها جملة، ثم عادت إلى تنّيس وماتت بعد شهور (٢). وفي سنة إحدى وسبعين وخمس مائة، وصل إلى تنّيس، من شواني صقلّيّة، نحو أربعين مركبا، فحصروها يومين وأقلعوا. ثم وصل إليها من صقلّيّة، في سنة ثلاث وسبعين أيضا، نحو أربعين مركبا، فقاتلوا أهل تنّيس حتى ملكوها. وكان محمد بن إسحاق صاحب الأسطول قد حيل بينه وبين مراكبه، فتحيّز في طائفة من المسلمين إلى مصلّى تنّيس، فلمّا أجنّهم اللّيل هجم بمن معه البلد على الفرنج وهم في غفلة، فأخذ منهم مائة وعشرين فقطع رؤوسهم، فأصبح الفرنج إلى المصلّى، وقاتلوا من بها من المسلمين، فقتل من المسلمين نحو السبعين، وسار من بقي منهم إلى دمياط. فمال الفرنج على تنّيس، وألقوا فيها النار فأحرقوها، وساروا - وقد امتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى - إلى جهة الإسكندرية بعدما أقاموا بتنّيس أربعة أيام (٣). ثم لمّا كان في (¬e) سنة خمس (¬f) وسبعين وخمس مائة، نزل فرنج عسقلان، في عشر حراريق (٤)،

стр. 611

على أعمال تنّيس، وعليها رجل منهم يقال له الفر (¬a)، فأسر جماعة. وكان على مصر الملك العادل من قبل أخيه الملك النّاصر صلاح الدين يوسف عندما سار إلى بلاد الشّام. ثم مضى الفر (¬a)، وعاد فأسر ونهب، فثار به المسلمون وقاتلوه، فظفّرهم/ اللّه به وقبضوا عليه، وقطعوا يديه ورجليه، وصلبوه. وفي سنة سبع وسبعين وخمس مائة، انتدب السّلطان لعمارة قلعة تنّيس وتجديد الآلات بها، عندما اشتدّ خوف أهل تنّيس من الإقامة بها، فقدّر لعمارة سورها القديم - على أساساته الباقية - مبلغ ثلاثة آلاف دينار عن ثمن أصناف وآجر (١). وفي سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، كتب بإخلاء تنّيس ونقل أهلها إلى دمياط، فأخليت في صفر من الذّراري والأثقال، ولم يبق بها سوى المقاتلة في قلعتها (٢). وفي شوّال من سنة أربع وعشرين وستّ مائة، أمر الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب بهدم مدينة تنّيس، وكانت من المدن الجليلة، تعمل بها الثّياب الشّرب (¬b)، وتصنع بها كسوة الكعبة (٣). قال الفاكهيّ في كتاب «أخبار مكّة»: ورأيت كسوة ممّا يلي الرّكن الغربي - يعني من الكعبة - مكتوبا عليها: «ممّا أمر به السّريّ بن الحكم وعبد العزيز بن الوزير الجروي، بأمر الفضل ابن سهل ذي الرّياستين وطاهر بن الحسين، سنة سبع وتسعين ومائة» (٤). ورأيت شقّة من قباطي (٥) مصر في وسطها، إلاّ أنّهم كتبوا في أركان البيت بخطّ دقيق أسود: «ممّا أمر به أمير المؤمنين المأمون سنة ستّ ومائتين».

стр. 612

ورأيت كسوة من كسا المهدي مكتوبا عليها: «بسم اللّه، بركة من اللّه لعبد اللّه المهدي محمد أمير المؤمنين، أطال اللّه بقاءه، ممّا أمر به إسماعيل بن إبراهيم أن يصنع (¬a) في طراز تنّيس، على يدي الحكم بن عبيدة سنة اثنتين وستين ومائة». ورأيت كسوة من قباطي مصر مكتوبا عليها: «بسم اللّه، بركة من اللّه، ممّا أمر به عبد اللّه المهدي محمد أمير المؤمنين، أصلحه اللّه، محمد بن سليمان أن يصنع (¬a) في طراز تنّيس كسوة الكعبة، على يدي الخطّاب بن مسلمة عامله سنة تسع وخمسين ومائة» (١). قال المسبّحيّ في حوادث سنة أربع وثمانين وثلاث مائة: وفي ذي القعدة ورد يحيى بن اليمان من تنّيس ودمياط والفرما بهديّته، وهي أسفاط وتخوت وصناديق مال، وخيل وبغال وحمير، وثلاث مظال، وكسوتان للكعبة (٢). وفي ذي الحجّة سنة اثنتين وأربع مائة، وردت هديّة تنّيس الواردة في كلّ سنة: منها خمس نوق مزيّنة، ومائة رأس من الخيل بسروجها ولجمها، وتجافيف وصياغات (¬b) عدّة، وثلاث قباب دبيقية بمراتبها، ومنجوقات وبنود، وما جرى الرّسم بحمله من المتاع والمال والبزّ. ولمّا فقد (¬c) الحاكم، استدعت أخته السّيّدة سيدة الملك، إلى عامل تنّيس عن الحاكم، بأن يحمل مالا كان اجتمع قبله، ويعجّل توجيهه، وقيل إنّه كان ألف ألف دينار وألفي ألف درهم، اجتمعت من ارتفاع البلد لثلاث سنين، وأمره الحاكم بتركها عنده فحمل ذلك إليها، وبه استعانت على ما دبّرت (٣). وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة، ورد الخبر على الخليفة الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، أنّ السّودان وغيرهم ثاروا بتنّيس وطلبوا أرزاقهم، وضيّقوا على العامل

стр. 613

حتى هرب، وأنّهم عاثوا في البلد وأفسدوا، ومدّوا أيديهم إلى النّاس، وقطعوا الطّرقات، وأخذوا من المودع ألفا وخمس مائة دينار. فقام الجرجرائي وقعد، وقال: كيف يفعل هذا بخزانة السّلطان؟ وساءنا فعل هذا بتنّيس أو بيت المال، وسيّر خمسين فارسا للقبض على الجناة (١). ومازالت تنّيس مدينة عامرة، ليس بأرض مصر مدينة أحسن منها، ولا أحصن من عمارتها، إلى أن خرّبها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، في سنة أربع وعشرين وستّ مائة، فاستمرّت خرابا، ولم يبق منها إلاّ رسومها في وسط البحيرة (٢). وكان من جملة كورة تنّيس: بورا، ومناها (¬a)، وأبوان، وشطا. وبحيرتها الآن يصاد منها السّمك، وهي قليلة العمق يسار فيها بالمعادي، وتلتقي السّفينتان هذه صاعدة وهذه نازلة بريح واحدة، وقلع كلّ واحدة منهما مملوء بالرّيح، سيرهما في السّرعة مستو. وبوسط (¬b) البحيرة عدّة جزائر تعرف اليوم بالعزب (جمع عزبة بضم العين المهملة وزاي ثم باء موحّدة)، يسكنها طائفة من الصّيّادين وفي بعضها ملاّحات يؤخذ منها ملح عذب لذيذ ملوحته، وماؤها ملح وقد يحلو أيام النّيل. تونة: وكان من جملة معاملة (¬c) مدينة تنّيس قرية يقال لها تونة، يعمل بها طراز تنّيس، ويصنع بها من جملة الطّراز كسوة الكعبة أحيانا (٣). قال الفاكهيّ: ورأيت أيضا كسوة لهارون الرّشيد، من قباطي مصر، مكتوبا عليها: «بسم اللّه، بركة من اللّه للخليفة الرّشيد عبد اللّه هارون أمير المؤمنين، أكرمه اللّه، ممّا أمر به الفضل بن الرّبيع أن يعمل في طراز تونة سنة تسعين ومائة» (٤).

стр. 614

سمناي: قرية من قرى تنّيس، غلبت عليها بحيرة تنّيس فصارت جزيرة (١). فلمّا كان في شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين وثمان مائة، كشف عن حجارة وآجر بها، فإذا غضارات (¬a) (٢) زجاج كثيرة مكتوب على بعضها اسم الإمام المعزّ لدين اللّه، وعلى بعضها اسم الإمام العزيز باللّه نزار، ومنها ما عليه اسم الإمام الحاكم بأمر اللّه، ومنها ما عليه اسم الإمام الظّاهر لإعزاز دين اللّه، ومنها ما عليه اسم المستنصر، وهو أكثرها، أخبرني بذلك من شاهده ورآه. بورا: كانت فيما بين تنّيس ودمياط، وإليها ينسب السّمك الذي يقال له «البوري»، وإليها ينسب/ أيضا بنو البوري الذين كانوا بالقاهرة والإسكندرية (٣). وفي سنة عشر وستّ مائة، وصل العدوّ إليها بشوانيه وسباها، فقدمت إليها القطائع التي كانت على رشيد، فسار عنها العدوّ (٤). القسّ (¬b) - بفتح القاف وبعدها سين مهملة -: بلد ينسب إليها الثّياب القسيّة، آثارها إلى اليوم باقية على البحر الملح فيما بين السّوّادة والورّادة، وبعدها من مدينة الفرما قريب من ستة برد في البرّ (٥).

стр. 615

وهناك تلّ عظيم من رمل خارج في البحر الشّامي، يقطع الفرنج عنده الطريق على المارّة، وبالقرب من التّل سباخ، ينبت فيه ملح يحمله العربان إلى غزّة والرّملة، وبقرب هذا السّباخ آبار يزرع عندها مقاثي لعربان تلك البوادي. ذكر مدينة صا قال ابن وصيف شاه: ولمّا قسم قبطيم بن مصرايم الأرض بين أشمون (¬a) وأتريب وقفط وصا، انتقل كلّ واحد إلى قسمه وحيّزه، فخرج صا بأهله وولده وحشمه إلى حيّزه - وهو بلد البحيرة والإسكندرية - حتى انتهى (¬b) إلى برقة (¬c)، ونزل مدينة صا قبل أن تبنى الإسكندرية. وكان صا أصغر ولد أبيه وأحبّهم إليه، فلمّا ملك حيّزه أمر بالنّظر في العمارات وبناء المدائن والبلدان والهياكل، وإظهار العجائب، كما صنع إخوته، وطلب الزّيادة في ذلك. وكان (¬d) مرهون الهندي (¬e) صاحب بنائه (¬f)، فبنى له (¬g) من حدّ صا إلى حدّ لوبية ومراقية على البحر أعلاما، وجعل على رؤوس تلك الأعلام مرائي من أخلاط شتّى: فكان منها ما يمنع من دواب البحر وأذاها، ومنها ما إذا قصدهم عدوّ من الجزائر وأصابها الشّمس، ألقت شعاعا على مراكبهم فأحرقتها. ومنها ما يرى المدائن التي تحاذيهم من عدوة البحر وما يعمله أهلها. ومنها ما ينظر منها (¬h) إلى إقليم مصر، فيعلم منه ما يخصب وما يجدب في كلّ سنة. وجعل فيها حمّامات تقد من نفسها، وجعل مستشرقات ومتنزّهات. وكان ينزل كلّ يوم منها في موضع بمن يخصّه من خدمه وحشمه، وجعل حواليها بساتين، وسرّح فيها الطّيور المغرّدة والوحش المستأمن والأنهار المطّردة والرّياض المونقة. وجعل شرفات قصوره من حجارة ملوّنة، تلمع إذا أصابتها الشّمس، فينشر شعاعها على ما حولها، ولم يدع شيئا من آلة النّعمة والرّفاهية إلاّ استعمله. فكانت العمارة ممتدّة في رمال رشيد ورمال الإسكندرية إلى برقة. وكان الرجل

стр. 616

يسافر في أرض مصر لا يحتاج إلى زاد لكثرة الفواكه والخيرات، ولا يسير إلاّ في ظلال تستره من الشّمس. وعمل في تلك الصّحاري قصورا، وغرس فيها غروسا، وساق إليها من النّيل أنهارا، فكان يسلك من الجانب الغربي إلى حدّ الغرب في عمارة متّصلة. فلمّا انقرض أولئك القوم بقيت آثارهم في تلك الصّحاري، وخربت تلك المنازل، وباد أهلها. ولا يزال من دخل تلك الصّحاري يحكي ما رآه فيها من الآثار والعجائب (١). قال مؤلّفه: حدّثني الثّقة عمّن دخل مدينة صا ومشى في خرابها (٢)، فإذا هو بلبنة طولها أربعة أشبار، فتناولها وأخذ يتأمّلها، ثم كسرها، فإذا فيها سنبلة قدر شبر وافر كأنّها كما حصدت، وفركها بيده، فخرج منها قمح أبيض كبار حبّه جدّا، في قدر حب اللّوبيا، فأكله كلّه فلم يجد فيه تغيرا. ودخل آخر إليها قبيل سنة تسعين وسبع مائة، وأخذ منها لبنة طولها ذراع ونصف في عرض ذراع، فكسرها، فإذا فيها سنبلة قمح ثخن كلّ قمحة منها في مقدار ما يكون أكبر من الحمّص، فلم يطق كسره إلاّ بعدما رضّه بالحجارة رضّا. ووجد بصا صنم لطيف طوله أصبع، فاتّفق أنّه ألقي في خابية ماء فصار خمرا؛ وكان ذلك عند رجل من تنّيس، فصلحت حاله من بيعه ذلك الخمر. فطلبه الأمير الأوحد مستولي تنّيس، ومازال به حتى أخذ الصّنم منه. رمل الغرابي (٣) اعلم أنّ هذا الرّمل ممتدّ في الأرض، ويسمّيه بعضهم الرّمل الهبير، وطوله من وراء جبل طيّ إلى أن يتّصل مشرقا بالبحر، ويمضي من وراء جبل طيّ إلى أرض مصر، ثم إلى بلد النّوبة، ويمتدّ إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر.

стр. 617

ومنه عرق يضرب من القادسيّة إلى البحرين، فيعبر البحرين، فيمرّ على مشارق خوزستان وفارس إلى أن يرد سجستان، ويمرّ مشرّقا إلى مرو آخذا على جيحون في برّيّة خوارزم، ويأخذ في بلاد الحزلجيّة (¬a) إلى الصّين والبحر المحيط في جهة الشّرق؛ وهو، على ما وصفته وسقته، من المحيط بالمشرق إلى المحيط بالمغرب، وفيه جبال عظام لا ترتقى، وبعضه في أرض سهلة ينتقل من مكان إلى مكان، ومنه أصفر ليّن اللّمس، وأحمر قاني (¬b) وأزرق سماوي، وأسود حالك، وأكحل مشبّع كالنّيل، وأبيض كالثّلج، ومنه ما يحكي الغبار نعومة، ومنه خشن جريش اللّمس. وزعم بعضهم أنّ رمل الغرابي/ وما يتّصل به من حدّ العريش إلى أرض العبّاسة، حادث. وذكر في سبب كونه خبر فيه معتبر، وهو أنّ شدّاد بن هدّاد بن شدّاد بن عاد، أحد الملوك العادية، قدم إلى مصر وغلب بكثرة جيوشه أشمون (¬c) بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ملك مصر، وهدم ما بناه هو وآباؤه، وبنى لنفسه أهراما، ونصب أعلاما زبر عليها الطّلّسمات، واختطّ موضع الإسكندرية؛ وأقام هناك دهرا إلى أن نزل به وبقومه وباء، فخرجوا من أرض مصر إلى جهة وادي القرى، فيما بين المدينة النّبويّة وأرض الشّام، وعمّروا الملاعب والمصانع لحبس المياه التي تجتمع من الأمطار والسّيول، فكان سعة كلّ مصنع ميلا في ميل، وغرسوا النّخل وغيره، وزرعوا أصناف الزّراعات فيما بين راية وأيلة إلى البحر الغربي. وامتدّت منازلهم من الدّثنية إلى العريش والجفار، في أرض سهلة ذات عيون تجري وأشجار مثمرة وزروع كثيرة، فأقاموا بهذه الأرض دهرا طويلا، حتى عتوا وبغوا وتجبّروا وطغوا، وقالوا: نحن الأكثرون قوّة الأشدّون الأغلبون؛ فسلّط اللّه عليهم الرّيح فأهلكتهم، ونسفت مصانعهم وديارهم حتى سحلتها رملا (١). فما تراه من هذه الرّمال التي بأرض الجفار - ما بين العبّاسة حيث المنزلة التي تعرف اليوم بالصّالحيّة إلى العريش - من رمل مصانع العادية وسحّالة صخورهم، لمّا أهلكهم اللّه بالرّيح، ودمّرهم تدميرا. وإيّام وإنكار ذلك لغرابته، ففي القرآن الكريم ما يشهد لصحّته، قال تعالى:

стр. 618

﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ اَلرِّيحَ اَلْعَقِيمَ * * ما تَذَرُ مِنْ شَيْ ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الآيتان ٤١، ٤٢ سورة الذاريات]. أي كالشّيء الهالك البالي؛ وقيل الرّميم نبات الأرض إذا يبس ودبس، وقيل الورق الجاف المتحطّم مثل الهشيم؛ والرّميم الخلق البالي من كلّ شيء. مراقية: مدينة مراقية كورة من كور مصر الغربية، وهي آخر حدّ أرض مصر، وفي آخر أرض مراقية تلقى أرض انطابلس وهي برقة (١)، وبعدها من مدينة سنتريه (٢) نحو من بريدين. وكان قطرا كبيرا به نخل كثير ومزارع، وبه عيون جارية، وبها إلى اليوم بقيّة، وثمرها جيّد إلى الغاية، وزرعها إذا بذر ينبت من الحبّة الواحدة من القمح مائة سنبلة، وأقلّ ما تنبت تعسون سنبلة، وكذلك الأرز بها فإنّه جيّد زاك، وبها إلى اليوم بساتين متعدّدّة. وكانت مراقية، في القديم من الزّمان، يسكنها البربر الذين نفاهم داود ﵇ من أرض فلسطين، فنزلها منهم خلائق، ومنها تفرّقت البربر: فنزلت زناتة ومغيلة وضريسة الجبال، ونزلت لواتة أرض برقة، ونزلت هوّارة طرابلس المغرب، ثم انتشرت البربر إلى السّوس (¬a). فلما كان في شوّال سنة أربع وثلاث مائة من سني الهجرة المحمديّة جلا أهل لوبية ومراقية إلى الإسكندرية خوفا من صاحب برقة (٣)؛ ولم تزل في اختلال إلى أن تلاشت في زمننا، وبها بعد ذلك بقيّة جيّدة. كوم شريك - هذا المكان بالقرب من الإسكندرية، له ذكر في الأخبار، عرف بشريط ابن سميّ بن عبد يغوث بن جزء المرادي الغطيفي، من الصّحابة ﵃ (٤)؛ وكان على مقدّمة عمرو بن العاص في فتح الإسكندرية الثاني، فعندما كثرت جمائع الرّوم، انحاز شريك إلى هذا الكوم بأصحابه، ودافع الرّوم حتى أدركه عمرو.

стр. 619

وكوم شريك هذا من جملة حوف رمسيس (١). غيفا - قرية تقارب مدينة بلبيس، من الفسطاط إليها مرحلتان، كانت منزلة قافلة الحاج (٢). ويقال إنّ صواع الملك الذي فقد من مدينة مصر، وجد في رحال إخوة يوسف ﵇ بغيفا هذه. سمنّود (٣) - كان بها بربا عليه هيئة درقة فيها كتابة حكى ابن زولاق، عن أبي القاسم مأمون العدل، أنّه نسخ هذه (¬a) الكتابة في قرطاس وصوّره على درقة، قال: فما كنت أستقبل به أحدا إلاّ ولّى هاربا. وكان بها أيضا تماثيل وصور من يملك مصر، فيهم قوم عليهم شاشيّات، وبأيديهم الحراب، وعليهم مكتوب «هؤلاء يملكون مصر».

стр. 620

ذكر مدينة بلبيس (١) وسمّيت في التّوراة: «أرض جاشان»، وفيها نزل يعقوب لمّا قدم على ولده يوسف ﵉ فأنزله بأرض جاشان (¬a)، وهي بلبيس إلى العلاقمة، من أجل مواشيهم. قال ابن سعيد: بلبيس، واليها يصل حكمه إلى الورّادة، وهي آخر حدّ مصر؛ وإليها تنتهي المعاملة بفضّة السّواد، ويصير الناس يتعاملون بالفلوس بعدها إلى العريش، وهي أوّل الشّام، وقيل هي آخر مصر. وقال أبو عبيد البكري: بلبيس - بفتح أوّله وإسكان ثانيه بعده باء مثل الأولى مفتوحة أيضا وياء ساكنة وسين مهملة - وهو موضع قرب (¬b) مصر معروف (٢). وذكر ابن خرداذبه في كتاب «المسالك والممالك»: أنّ بين بلبيس ومدينة فسطاط مصر أربعة وعشرين ميلا (٣). وذكر الواقديّ أنّ المقوقس زوّج ابنته أرمانّوسة من قسطنطين بن هرقل، وجهّزها بأموالها وجواريها وغلمانها وحشمها، لتسير إليه حتى يبني عليها في مدينة قيساريّة (¬c)) بساحل البحر من الشّام، فبلغها بعد ما سارت إليه أنّ العرب قد نزلوا على قيسارية (¬c) وهم محاصرون لها. فرجعت (¬d) إلى بلبيس وأقامت بها، وبعثت حاجبها الكبير في ألفي فارس/ إلى الفرما، ليحفظ الطّريق، ولا يدع أحدا من الرّوم ولا غيرهم يعبر إلى مصر.

стр. 621

وبعث المقوقس رسله إلى أطراف بلاده، ممّا يلي الشّام، ألاّ يتركوا أحدا يدخل أرض مصر، مخافة أن يتحدّثوا بغلبة المسلمين على الشّام، فيدخل الرّعب في قلوب عساكره. فلمّا قدم عمر بن الخطّاب الجابية، وصار عمرو بن العاص إلى مصر، نزل على بلبيس - وبها أرمانّوسة ابنة المقوقس - فقاتل من بها، وقتل منهم زهاء ألف فارس وأسر ثلاثة آلاف، وانهزم من بقي إلى المقوقس، وأخذت أرمانّوسة وجميع مالها، وسائر ما كان للقبط في بلبيس. فأحبّ عمرو ملاطفة المقوقس، فسيّر إليه ابنته أرمانّوسة مكرّمة في جميع مالها مع قيس بن أبي العاص السّهمي، فسرّ بقدومها، ثم سار عمرو إلى القصر (١). ولم تزل من مدائن مصر الكبار، حتى نزل عليها مرّي [Amaury] ملك الفرنج، وأخذها عنوة بعد حصار طويل، وقتل منها آلافا. ولها أخبار كثيرة. وقد خربت منذ عهد الحوادث بديار مصر، بعد سنة ستّ وثمان مائة، بعدما أدركناها وبها عمارة كثيرة، وفيها عدّة بساتين، وأهلها أصحاب يسار ونعم سنيّة. ذكر بلد الورّادة الورّادة من جملة الجفار. قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن خرداذبه في كتاب «المسالك والممالك»: وصفة الطّريق والأرض من الرّملة إلى أزدود اثنا عشر ميلا، ثم إلى غزّة عشرون ميلا، (¬a)) ثم إلى رفح ستّة عشر ميلا (¬a) ثم إلى العريش أربعة وعشرون ميلا في رمل، ثم إلى الورّادة ثمانية عشر ميلا، ثم إلى العذيب (¬b) عشرون ميلا، ثم إلى الفرما أربعة وعشرون ميلا. قال الخليفة المأمون: [الوافر] لليلك كان بالميدا … ن أقصر منه بالفرما غريب في قرى مصر … يقاسي الهمّ والسّدما

стр. 622

ثم إلى جرجير (¬a) ثلاثون ميلا، ثم إلى الغاضرة (¬b) أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى مسجد قضاعة ثمانية عشر ميلا ثم إلى بلبيس أحد وعشرون ميلا، ثم إلى فسطاط مدينة مصر أربعة وعشرون ميلا (١). وقال جامع «تاريخ دمياط» (٢): ولمّا افتتح المسلمون الفرما، بعدما افتتحوا دمياط وتنّيس، ساروا إلى البقّارة فأسلم من بها، وساروا منها إلى الورّادة، فدخل أهلها في الإسلام وما حولها إلى عسقلان (٣). وقال القاضي الفاضل في «متجدّدات» شهر المحرّم سنة سبع وستين وخمس مائة: وصابحنا الورّادة فبتنا على مينا الورّادة، ودخلنا الورّادة فرأيت تأريخ منارة جامعها سنة ثمان وأربع مائة، واسم الحاكم بأمر اللّه عليها. والورّادة من جملة الجفار، ويقال أخذ اسمها من الورود؛ ولم يزل جامعها عامرا تقام به الجمعة إلى ما بعد السبع مائة. وبلد الورّادة القديم (¬c) في شرقي المنزلة التي يقال لها اليوم الورّادة (¬d)، وبها آثار عمائر ونخل قليل. الصّالحيّة هذه البلدة اختطّها الملك الصّالح نجم الدين أيّوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب بن شاذي، بأرض السّانح (¬e) والعلاقمة، في أوّل الرّمل الذي بين مصر والشّام، وأنشأ بها قصورا وجامعا وسوقا، لتكون منزلة العساكر إذا خرجوا من الرّمل، وذلك في سنة أربع وأربعين وستّ مائة (٤).

стр. 623

ذكر مدينة أيلة (١) (¬a)) ذكر ابن حبيب أنّ أثال - بضم أوّله ثم ثاء مثلثة - وادي أيلة (¬a)، وأيلة - بفتح أوّله، على وزن «فعلة» - مدينة على شاطئ البحر فيما بين مصر ومكّة، سمّيت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم ﵇. وأيلة أوّل حدّ الحجاز، وقد كانت مدينة جليلة القدر على ساحل البحر الملح، بها التّجارة الكثيرة، وأهلها أخلاط من الناس. وكانت حدّ مملكة الرّوم في الزّمن الغابر، وعلى ميل منها باب معقود لقيصر، قد كان مسلحة (¬b) يأخذون المكس. وبين أيلة وبين (¬c) القدس ستّ مراحل، والطّور الذي كلّم اللّه عليه موسى ﵇ على يوم وليلة من أيلة. وكانت في الإسلام منزلا لبني أميّة، وأكثرهم موالي عثمان بن عفّان، وكانوا سقاة الحاج. وكان بها علم كثير وآداب، ومتاجر وأسواق عامرة، وكانت كثيرة النّخل والزّرع (¬d). وعقبة أيلة لا يصعد إليها من هو راكب، وأصلحها فائق، مولى خمارويه بن أحمد بن طولون، وسوّى طريقها ورمّ ما استرمّ منها. وكان بأيلة مساجد كثيرة (¬e)، وبها كثير من اليهود، ويزعمون أنّ عندهم برد النّبيّ ﷺ ، وأنّه بعثه إليهم أمانا، وكانوا يخرجونه رداء عدنيّا ملفوفا في الثّياب قد أبرز منه قدر شبر فقط.

стр. 624

ويقال إنّ أيلة هي القرية التي ذكرها اللّه تعالي في كتابه العزيز (¬a) حيث قال: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي اَلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الآية ١٦٣ سورة الأعراف]. وقد اختلف في تعيين هذه القرية، فقال ابن عبّاس ﵄ وعكرمة والسّدّي: هي أيلة؛ وعن ابن عبّاس أيضا أنّها مدينة بين أيلة والطّور؛ وعن الزّهري أنّها طبريّة. وقال قتادة وزيد بن أسلم: هي ساحل من سواحل الشّام، بين مدين وعينونة/، يقال لها مقناة. وسئل الحسين بن الفضل: هل تجد في كتاب اللّه الحلال لا يأتيك إلاّ قوتا، والحرام يأتيك جزافا (¬a) جزافا؟ قال: نعم في قصّة أيلة: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الآية ١٦٣ سورة الأعراف]. وكان من خبر أهل القرية أنّهم كانوا من بني إسرائيل، وقد حرّم اللّه عليهم العمل في يوم السّبت، فزيّن لهم إبليس الحيلة وقال: إنّما نهيتم عن أخذ الحيتان يوم السّبت، فاتّخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلّة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. وقيل كان الرّجل يأخذ خيطا، ويضع فيه وهقة ويلقيها (¬b) في ذنب الحوت - وهو بتحريك الهاء وإسكانها - حبل كالطول، ويجعل في الطّرف الآخر من الخيط وتدا، ويتركه كذلك إلى يوم الأحد. ثم تطرّق الناس، حين رأوا من صنع هذا لا يبتلى، حتى كثر الصّيد للحيتان، ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده. فقامت طائفة من بني إسرائيل وجاهرت بالنّهي، واعتزلت وقالت: لا نساكنكم. فقسموا القرية بجدار، فأصبح النّاهون ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للناس لشأنا؛ فعلوا على الجدار، فإذا هم قردة، فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، فجعلت تأتيهم فتشمّ ثيابهم وتبكي، فيقول النّاهون للقردة: ألم ننهكم؟ فتقول برأسها: نعم. قال قتادة: فصارت الشّباب قردة، والشّيوخ خنازير، فما نجا إلاّ الذين نهوا، وهلك سائرهم. وقيل إنّ ذلك كان في زمن نبيّ اللّه داود ﵇.

стр. 625

وقد (¬a) قيل إنّ أيلة أصلها إيلياء (¬b)، وقد وقع ذكرها في التّوراة كذلك. وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّانيّ: دكّالة من البربر بطن من المصامدة؛ وقالت طائفة: إنّ دكّالة ولد أيلة - ويقال أيل - الذين سمّيت به عقبة أيلة، وإخوتهم (¬c) دغفل بن أيلة، وإنّهم يعزون إلى النّزاريين (¬d)، ويقولون: نحن من ربيعة الفرس، وفي ذلك خلاف عظيم. وذكر المسعويّ أنّ يوشع بن نون ﵇ حارب السّميدع بن هوبر (¬e) بن مالك العمليقي ملك الشّام، ببلد أيلة نحو مدين، وقتله واحتوى على ملكه، وفي ذلك يقول عوف بن سعيد الجرهمي: [الطويل] ألم تر أنّ العملقي بن هوبر (¬f) … بأيلة أمسى لحمه قد تمزّعا تداعت عليه من يهود جحافل … ثمانون ألفا حاشدون (¬g) ودرّعا وهي أبيات كثيرة (١). وقال ابن إسحاق: فلمّا انتهى رسول اللّه ﷺ إلى تبوك، أتاه يحنّة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم كتابا فهو عندهم، وكتب ليحنّة بن رؤبة: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، هذا (¬h) أمنة من اللّه ومحمّد النّبيّ رسوله، ليحنّة ابن رؤبة وأهل أيلة، أساقفهم وسائرهم (¬i) في البرّ والبحر، لهم ذمّة اللّه وذمّة [محمد] (¬j) النّبيّ، ومن كان معهم من أهل الشّام وأهل اليمن وأهل البحر. فمن أحدث منهم حدثا فإنّه لا يحول ماله دون نفسه، وإنّه طيّب لمن أخذه من النّاس. وإنّه لا يحلّ أن يمنعوا ماء يردونه (¬k)، ولا طريقا يريدونه من برّ أو بحر. هذا كتاب جهيم بن الصّلت وشرحبيل بن حسنة، بإذن رسول اللّه ﷺ » (٢).

стр. 626

وكان ذلك في سنة تسع من الهجرة، ولم تزل مدينة أيلة عامرة آهلة. وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة، طرق عبد اللّه بن إدريس الجعفري أيلة - ومعه بعض بني الجرّاح - ونهبها، وأخذ منها ثلاثة آلاف دينار وعدّة غلال، وسبى النّساء والأطفال، ثم إنّه صرف عن ولاية وادي القرى، فسارت إليه سريّة من القاهرة لمحاربته (١). قال القاضي الفاضل: وفي سنة ستّ وستين وخمس مائة، أنشأ الملك النّاصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب مراكب مفصّلة، وحملها على الجمال، وسار بها من القاهرة في عسكر كبير لمحاربة قلعة أيلة، وكانت قد ملكها الفرنج وامتنعوا بها، فنازلها في ربيع الأوّل، وأقام المراكب وأصلحها وطرحها في البحر، وشحنها بالمقاتلة والأسلحة؛ وقاتل قلعة أيلة في البرّ والبحر حتى فتحها في العشرين من شهر ربيع الآخر، وقتل من بها من الفرنج وأسرهم، وأسكن بها جماعة من ثقاته، وقوّاهم بما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، وعاد إلى القاهرة في آخر جمادى الأولى (٢). وفي سنة سبع وسبعين، وصل كتاب النّائب بقلعة أيلة، أنّ المراكب على تحفّظ وخوف شديد من الفرنج، ثم وصل الإبرنس (٣) - لعنه اللّه - إلى أيلة وربط العقبة، وسيّر عسكره إلى ناحية تبوك، وربط جانب الشّام لخوفه من عسكر يطلبه من الشّام أو مصر. فلمّا كان في شعبان من السنة المذكورة، كثر المطر بالجبل المقابل للقلعة بأيلة، حتى صارت به مياه استغنى بها أهل القلعة عن ورود العين مدّة شهرين، وتأثّرت بيوت القلعة لتتابع المطر، ووهت لضعف أساسها، فتداركها أصحابها وأصلحوها. وذكر أبو الحسن المسعوديّ في كتاب «أخبار الزّمان ومن أباده الحدثان» الكوكة، وهم أمّة لهم أربعة ملوك ملكوا أرض أيلة والحجاز؛ وبنى كلّ واحد منهم مدينة سمّاها باسمه، وجعلوا سائر الأرض خيمات وقسموها على ثلاثين كورة/، وجعلوها أربعة أعمال لكلّ عمل ملك يجلس على منبر ذهب في مدينته. و [في كلّ] (¬a) عمل بربا - وهي بيت الحكمة - وعمل هيكلا لأخذ الكواكب، وجعل فيه أصناما من ذهب، كل صنم له مرتبة.

стр. 627

وكانت الإسكندرية، واسمها رقودة، فجعلوا لها خمس عشرة كورة، وجعلوا فيها كبار الكهنة، ونصبوا في هياكلها من أصنام الذّهب أكثر ممّا في غيرها، وكان فيها مائتا صنم من ذهب. وقسّموا الصّعيد على ثمانين كورة، وجعلوه أربعة أقسام، وكان عدد مدن مصر، الدّاخلة في كورها، ثلاثين مدينة فيها جميع العجائب (١). وقيل إنّ حمير الأكبر، واسمه العرنجج بن سبأ الأكبر - واسمه عامر، ويعرف بعبد شمس ابن يشجب بن يعرب بن قحطان - لمّا ملك بعد أبيه جمع جيوشه، وسار يطأ الأمم، ويدوس الممالك كما فعل أبوه، فأمعن في المشرق حتى أبعد يأجوج ومأجوج إلى مطلع الشّمس، ثم قفل نحو المغرب؛ فجاءه قبائل من أهل اليمن، من بني هود بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، يشكون من ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وما نزل بهم من ظلمهم. فأمر برفعهم من أرض اليمن، وأنزلهم أيلة، فعمّروها من أيلة إلى ذات الآصال إلى أطراف جبل نجد؛ فقطعت ثمود هناك الصّخور، ونحتوا من الجبال البيوت، وتكبّروا وطغوا؛ فبعث اللّه فيهم صالحا نبيّا ورسولا، فكذّبوه وسألوه أن يخرج لهم ناقة من صخرة، فأخرجها لهم، فعقروها، فأهلكهم اللّه بالصّيحة، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأيتان ٦٧، ٩٤ سورة هود]. وقد ذكر أنّ موسى ﵇ سار ببني إسرائيل، بعد موت أخيه هارون، إلى أرض أولاد العيص - وهي التي تعرف بجبال السّراة - جنب بلد الشّوبك. ثم مرّ فيها إلى أيلة، وتوجّه بعد أيام إلى تربة باب، حيث بلاد الكرك حتى حارب تلك الأمم. وكان إلى جانب أيلة مدينة، يقال لها عصيون، جليلة عظيمة. مريوط كورة من كور الإسكندرية، كانت لشدّة بياضها لا يكاد يبين فيها دخول اللّيل إلاّ بعد وقت، وكان الناس يمشون فيها وفي أيديهم خرق سود خوفا على أبصارهم، ومن شدّة بياضها لبس الرّهبان السّواد (٢).

стр. 628

وكانت بلاد مريوط في نهاية العمارة والجنان المتّصلة بأرض برقة. وهي اليوم من بعض (¬a) قرى الإسكندرية، يزرع بها الفواكه وغيرها، وقد وقفها الملك المظفّر ركن الدّين بيبرس الجاشنكير على جهات برّ بالجامع الحاكمي من القاهرة، وبها جامع عمّر في سنة ستّ وستين وستّ مائة. ثم استأجرها الملك المؤيّد شيخ المحمودي، في سنة إحدى وعشرين وثمان مائة، وجدّد عمارة بستانها، وقد تخرّب لترداد عرب لبدة وبرقة إليه (¬b)، فاستمرّت في ديوان السّلطان. وادى هبيب هذا الوادي بالجانب الغربي من أرض مصر، فيما بين مريوط والفيّوم، يجلب منه الملح والنّطرون (١). عرف بهبيب بن محمد بن معقل بن الواقعة بن حرام بن غفار الغفاريّ، أحد أصحاب رسول اللّه ﷺ ، شهد فتح مصر، وروى عنه أبو تميم الجيشاني، وأسلم مولى تجيب، وسعيد بن عبد الرّحمن الغفاري. وكان قد اعتزل، عند فتنة عثمان ﵁ بهذا الوادي فعرف به، وكان يقول: لا يفرّق بين قضاء دين رمضان، ولا بين الصّلاتين (¬c) في السّفر. ويقال لهذا الوادي أيضا: وادي الملّوك، ووادي النّطرون، وبرّيّة شيهات (¬d)، وبرّيّة الأسقيط، وميزان القلوب. وكان به مائة دير للنّصارى، وبقى به سبعة أديرة (¬e)؛ وقد ذكرت، عند ذكر الدّيارات (¬f) من هذا الكتاب. وهو واد كثير الفوائد، فيه النّطرون ويتحصّل منه مال كثير، وفيه الملح الأندراني، والملح السّلطاني - وهو على هيئة ألواح الرّخام - وفيه الوكت (٢)، والكحل الأسود، ومعمل الزّجاج. وفيه الماسكة، وهو طين أصفر في داخل حجر أسود، يحلّ في الماء ويشرب لوجع المعدة. وفيه البردي لعمل الحصر، وفيه عين الغراب، وهو ماء، في هيئة البركة، وطولها نحو خمسة عشر

стр. 629

ذراعا في عرض خمسة أذرع، في مغار بالجبل، لا يعلم من أين يأتي ولا إلى أين يذهب، وهو حلو رائق. ويذكر أنّه خرج منه سبعون ألف راهب، بيد كلّ واحد عكّاز، فتلقّوا عمرو بن العاص بالطّرانة، مرجعه من الإسكندرية، يطلبون أمانه لهم على أنفسهم وأديارهم. فكتب لهم بذلك أمانا بقي عندهم، وكتب لهم أيضا بجراية الوجه البحري فاستمرّت بأيديهم. وإنّ جرايتهم جاءت في سنة زيادة على خمسة آلاف أردبّ، وهي الآن لا تبلغ مائة أردبّ. ذكر مدينة مدين (١) اعلم أنّ مدين - أمّة شعيب - هم بنو مديان بن إبراهيم ﵇ وأمّهم قنطورا ابنة يقطان الكنعانية، ولدت له ثمانية من الولد تناسلت منهم أمم. ومدين على بحر القلزم، تحاذي تبوك على نحو ستّ مراحل، وهي أكبر من تبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى لسائمة شعيب، وعمل عليها بيت. (¬a)) قال الفرّاء: مدين اسم بلد وقطر (¬a)، وقيل اسم قبيلة سمّيت باسم أبيها مدين، ويقال له مديان بن إبراهيم؛ قاله مقاتل وغيره. والجمهور على أنّ مدين أعجمي، وقيل/ عربي، فإن كان عربيّا فإنّه يحتمل أن يكون «فعيلا»، من مدن بالمكان: أقام به، وهو بناء نادر وقيل مهمل، أو «مفعلا»، من دان، فتصحيحه شاذ، وهو ممنوع الصّرف على كلّ حال، سواء كان اسم الأرض أو اسم القبيلة، عجميّا أو عربيّا (٢). وقال المسعوديّ: قد تنازع أهل الشّرائع في قوم شعيب بن نويل (¬b) بن رعويل بن مرّ بن عيفاء (¬c) ابن مدين بن إبراهيم ﵇، وكان لسانه العربيّة، فمنهم من رأى أنّهم من العرب الداثرة والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية؛ ومنهم من رأى أنّهم من ولد المحصّن (¬d) بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم الخليل، وأن شعيبّا أخوهم (¬e) في النّسب؛ وقد كانوا عدّة

стр. 630

ملوك، تفرّقوا في ممالك متّصلة، فمنهم المسمّى بأبجد، وهوّز، وحطّي، وكلمن، وسعفص، وقرشت. وهم - على ما ذكرنا - بنو المحصّن (¬a) بن جندل، وأحرف الجمّل هي أسماء هؤلاء الملّوك، وهي الاثنان والعشرون حرفا التي عليها حساب الجمّل. وقد قيل في هذه الحروف غير ما ذكرنا من الوجوه. فكان أبجد ملك مكّة وما يليها من الحجاز؛ وكان هوّز وحطّي ملكين ببلاد وجّ - وهي الطّائف - وما اتّصل بذلك من أرض نجد؛ وكلمن وسعفص وقرشت ملوك بمدين وقيل ببلاد مصر، وكان كلمن على ملك مدين. ومن النّاس من رأى أنّه كان ملك جميع من سمّينا مشاعا متّصلا على ما ذكرنا، وأنّ عذاب ﴿يَوْمِ اَلظُّلَّةِ﴾ كان في ملك كلمن منهم، وأنّ شعيبا دعاهم فكذّبوه، فوعدهم بعذاب يوم الظّلّة (١)، ففتح اللّه (¬b) عليهم بابا من السّماء من نار، ونجا شعيب بمن آمن معه إلى الموضع المعروف بأيكة (¬c)، وهي غيضة نحو مدين. فلمّا أحسّ القوم بالبلاء، واشتدّ عليهم الحرّ، وأيقنوا بالهلاك، طلبوا شعيبا ومن آمن معه - وقد أظلّتهم سحابة بيضاء، طيّبة النّسيم والهواء، لا يجدون فيها ألم العذاب - فأخرجوا شعيبا ومن آمن معه من مواضعهم، وأزالوهم عن أماكنهم، وتوهّموا أنّ ذلك ينجيهم ممّا نزل بهم، فجعلها اللّه عليهم نارا فأتت عليهم. (٢) فرثت جارية بنت كلمن أباها، وكانت بالحجاز، فقالت: [الرمل] كلمون هدّ ركني … هلكه وسط المحلّه سيّد القوم أتاه الح … تف نارا وسط ظلّه كوّنت نارا فأضحت … دار قومي مضمحلّه (٢)

стр. 631

وقال المنتصر بن المنذر المديني: [الطويل] ألا يا شعيب قد نطقت مقالة … أتيت (¬a) بها عمرا وحيي (¬b) بني عمرو هم ملكوا أرض الحجاز بأوجه … كمثل شعاع الشّمس في صورة البدر وهم قطنوا البيت الحرام وزيّنوا … قطورا وفازوا بالمكارم والفخر ملوك بني حطّي وسعفص ذي النّدى … وهوّز أرباب الثّنيّة والحجر (١) قال المسعوديّ: ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلّبهم على هذه الممالك وتملّكهم عليها، وإبادتهم من كان فيها وعليها (¬c) قبلهم من الأمم (٢). وقيل إنّ الأيكة المذكورة في قوله : ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ اَلْأَيْكَةِ اَلْمُرْسَلِينَ﴾ [الآية ١٧٦ سورة الشعراء]، وفي قوله : ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ اَلْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ * * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ [الآيتان ٧٨، ٧٩ سورة الحجر] هي مدين، وقيل من ساحل البحر إلى مدين، وقيل هي غيضة نحو مدين. وقيل بل أصحاب الأيكة الذين بعث إليهم شعيب كانوا بتبوك بين الحجر وأوّل الشّام، ولم يكن شعيب منهم، وإنّما كان من مدين. وقال أبو عبيد البكري: الأيكة المذكورة في كتاب اللّه تعالى، التي كانت منازل قوم شعيب، روي عن ابن عبّاس - رضي اللّه تعالى عنهما - فيها روايتان: إحداهما أنّ الأيكة من مدين إلى شغب وبدا (¬d)؛ والثانية أنّها من ساحل البحر إلى مدين. وكان شجرهم المقل، والأيكة عند أهل اللّغة: الشّجر الملتفّ، وكانوا أصحاب شجر ملتفّ. وقال قوم: الأيكة الغيضة، وليكة اسم البلد حولها، كما قيل مكّة وبكّة. وقال أبو جعفر النّحّاس: ولا يعلم «ليكة» اسم بلد (¬e) (٣). وقال ابن قتيبة: وكان بعضهم يزعم أنّ بكّة هو موضع المسجد، وما حوله مكّة، كما فرّق بين الأيكة وليكة، فقيل الأيكة الغيضة، وليكة البلد حولها (٤).

стр. 632

وقال البكريّ: مدين بلد بالشّام معلوم تلقاء غزّة، وهو المذكور في كتاب اللّه تعالى (١) - وهذا وهم، بل مدين من أرض مصر. وبعث رسول اللّه ﷺ سريّة إلى مدينة مدين، أميرهم زيد بن حارثة ﵁ فأصاب سبيا من أهل ميناء (قال ابن إسحاق: وميناء هي السّواحل) فبيعوا، وفرّق بين الأمّهات والأولاد؛ فخرج رسول اللّه ﷺ وهم يبكون، فقال: «ما لهم؟» فأخبر خبرهم، فقال: «لا تبيعوهم إلاّ جميعا». ومدين من منازل جذام بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن عمرو بن عريب بن زيد ابن كهلان. وشعيب النّبيّ، المبعوث إلى أهل مدين، أحد بني وائل/ من جذام. وقد روي أنّ رسول اللّه ﷺ قال لوفد جذام: «مرحبا بقوم شعيب وأصهار موسى، ولا تقوم السّاعة حتى يتزوّج فيكم المسيح ويولد له». وقال محمد بن سهل الأحول: مدين من أعراض المدينة أيضا (¬a)، مثل فدك والفرع ورهاط (٢). قال مؤلّفه: وكان بأرض مدين عدّة مدائن كثيرة قد باد أهلها وخربت، وبقي منها إلى يومنا هذا - وهو سنة خمس وعشرين وثمان مائة (٣) - نحو الأربعين مدينة قائمة، منها ما يعرف اسمه، ومنها ما قد جهل اسمه؛ فممّا يعرف اسمه - فيما بين أرض الحجاز وبلاد فلسطين وديار مصر - ستّ عشرة مدينة، منها في ناحية فلسطين عشر مدائن، وهي: الخلصة، والسّنيطة (¬b)، والمدرة، والمنية، والأعوج، والخويرق، والبئرين، والماءين، والسّبع، والمعلّق؛ وأعظم هذه المدائن العشر مدينتا (¬a) الخلصة والسّنيطة (¬b)، وكثيرا ما تنقل حجارتها إلى غزّة ويبنى بها هناك. ومن مدن (¬c) مدين بناحية بحر القلزم والطّور مدينة فاران، ومدينة الرّقّة (٤)، ومدينة القلزم، ومدينة أيلة، ومدينة مدين. وبمدينة مدين إلى الآن آثار عجيبة، وعمد عظيمة.

стр. 633

ووجد في مدينة الأعوج، أعوام بضع وستين وسبع مائة، جبّ بقلعتها بعيد المهوى، يبلغ عمقه نحو مائة باع (¬a)، وبقاعه عدّة أسفار على رفوف، حمل منها سفر طوله ذراعان وأزيد، قد غلّف بلوحين من خشب، وكتابة بالقلم المسند، طول الألف واللام نحو شبر. فوجد ببلاد الكرك من قرأه، فإذا هو سفر من عشرة أسفار، قد ابتدأه بحمد اللّه، ثم قال: خروج موسى من أرض مصر إلى بلاد مدين، وملوك بني مدين فيما بعد شعيب. فذكر لموسى ﵇ عدّة أسماء منها: اسمه بالعربية موسى بن عمران، وبالعبرانية موشي، وبالفارسية داران، وبالقبطيّة هروهسيس؛ وذكر أنّه تزوّج ابنة شعيب، وأنّه أقام بمدين ثماني حجج، ثم قال لابنة شعيب: قد أتممت لك شرطك، وسأزيدك من عندي (¬b) سنتين فضلا منّي (¬c). قال (١): وخرج موسى متوجّها إلى مصر، والملك يومئذ على مدين أبجد. قال: وقوي أمر أبجد، فطغى حتى ملك الحجاز واليمن، وكان له خمسة أولاد، هم: هوّز، وحطّي، وكلمن، وسعفص، وقرشت. فأقام أبجد ملكا باليمن مائة سنة ومات. وقد استخلف من بعده ابنه كلمن باليمن، وجعل ابنه هوّز على الحجاز، وابنه حطّي على أرض مصر، وابنه سعفص على الجزيرة وبلادها حيث الموصل وحرّان إلى أرض العراق، وابنه قرشت على العراق ومشارفها من خراسان. وكان قرشت هو الجبّار فيهم، وكان سعفص وهوّز وكلمن أهل عدل وحلم، وكان حطّي صاحب بطش وحرب (¬d). وكان بنو إسرائيل إذ ذاك بالشّام، فلم يملك أولاد أبجد أرض الشّام، ولا احتووا عليها. وكانت مدّة ملكهم نحوا من مائة وخمسين سنة؛ فتمّ لهم بدولة أبيهم أبجد ثلاث مائة سنة وأزيد. ثم ملك بعدهم على بني إسرائيل روزيب بن هوّز، وعزريب بن حطّي بن أبجد، نحو سبع سنين. ثم خرجت الدولة عن أولاد أبجد. وأقام هذا الكتاب عندهم زمانا، ثم أعادوه إلى الجبّ من قلعة الأعوج. حدّثني بهذا الخبر الحافظ المتقن الضّابط أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن محمّد بن عبد الرّحمن الفرّياني التّونسي المالكي (٢)، قال: حدّثني به شتيّ بن غنيم العامريّ - شيخ لقيه بأرض فلسطين - أنّه شاهد هذا الكتاب (¬e) وهو شاب، وحفظ منه ما تقدّم ذكره.

стр. 634

وقيل إنّ مالك بن ذعر بن حجر بن جديلة بن لخم، كان له أربعة وعشرون ولدا ذكرا، فكثرت أولادهم حتى بنوا المدائن والقرى والحصون، وعمّروا بلاد مدين كلّها، وغلبوا على بلاد الشّام ومصر والحجاز وغيرها خمس مائة سنة. وقيل إنّما كان استيلاء ملوك مدين على مصر خمس مائة سنة، بعد غرق فرعون موسى وهلاك دلوكة بنت زبّان (¬a)، حتى أخرجهم منها نبيّ اللّه سليمان بن داود، فعاد الملك إلى القبط بعدهم (١). ذكر مدينة فاران هذه المدينة بساحل بحر القلزم (٢)، وهي من مدن العماليق، على تلّ بين جبلين، وفي الجبلين نقوب كثيرة لا تحصى مملوءة أمواتا. ومن هناك إلى بحر القلزم مرحلة واحدة، ويقال له هناك ساحل بحر فاران، وهو البحر الذي أغرق اللّه فيه فرعون. وبين مدينة فاران والتّيه مرحلتان. ويذكر أنّ فاران اسم لجبال مكّة، وقيل اسم لجبال الحجاز، وهي التي ذكرت في التّوراة (٣). والتّحقيق أنّ فاران والطّور كورتان من كور مصر القبليّة، وهي غير فاران المذكورة في التّوراة. وقيل إنّ فاران بن عمرو بن عمليق هو الذي نسب إليه جبال الحرم، فقيل جبال فاران، وبعضهم يقول جبال فران. (¬b)) والمشهور أنّ فران هو فران بن بلي بن عمرو بن إلحاف إليه ينسب معدن فران (¬b). وكانت مدينة فاران من جملة مدائن مدين وبها إلى اليوم نخل (¬c) كثير مثمر أكلت من ثمره، وبها نهر عظيم، وهي خراب يمرّ بها العربان.

стр. 635

ذكر أرض الجفار اعلم أنّ الجفار (١) اسم لخمس مدائن وهي: الفرما، والبقّارة، والورّادة، والعريش، ورفح. والجفار كلّه رمل، وسمّي بالجفار لشدّة المشي فيه على النّاس والدّواب، من كثرة رمله وبعد مراحله. والجفار تجفر فيه الإبل (٢)، فاتّخذ له هذا الاسم، كما قيل للحبل الذي يهجر به البعير هجّار، وللّذي يحجر به حجّار، وللّذي يعقل به عقّال، وللّذي يبطن به بطّان، وللّذي يخطم به خطّام، وللّذي يزم به زمّام. واشتقّت البقّارة من البقر، والورّادة من الوريد (¬a)، والعريش أخذ من العرش، وقيل إنّ رفح اسم جبل (٣). وكان يسكن الجفار في القديم جذام بن العربان. ويقال إنّ أرض الجفار كانت في الدّهر الأوّل والزّمن الغابر متّصلة العمارة، كثيرة البركات، مشهورة بالخيرات، لكثرة زراعة أهلها الزّعفران والعصفر وقصب السّكّر. وكان ماؤها غزيرا عذبا، ثم صار بها نخل يحدق بها من كلّ النّواحي، إلى أن دمّرها اللّه تدميرا، فصارت إلى اليوم ذات رمل عظيم يسلك فيه إلى العريش وإلى رفح، كلّه قفر، يعرف بعضه (¬b) برمل الغرابي، قليل الماء، عديم المرعى، لا أنيس به، فسبحان محيل الأحوال. ذكر صعيد مصر الصّعيد (٤): المرتفع من الأرض، وقيل الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة، وقيل ما لم يخالطه رمل ولا سبخة، وقيل هو وجه الأرض، وقيل الأرض الطّيّبة، وقيل هو كلّ تراب طيّب.
следующие страницы →