ويتفاضل البعد بينها في كلّ سنة بقدر فضل سنة الشّمس على سنة القمر التي هي ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوما، وثلاثة آلاف وستّ مائة واثنان وسبعون فنكا. ومقدار الفضل بينهما عشرة أيّام، وثمانية آلاف وسبع مائة وأربعة وستون فنكا. فإن زادت الأيام على زمان الشّهر القمري الأوسط، الذي هو تسعة وعشرون يوما وخمسة آلاف وثمان مائة وستة أفناك، نقص منها هذا العدد واحتسب بالباقي.
فإذا عرفت هذا من حسابهم، فاعلم أنّ عمر العالم عندهم ثلاث مائة ألف ون [Wan] وستون ألف ون، كلّ ون عشرة آلاف سنة، مضى من ذلك إلى أوّل سنة ثلاث وثلاثين وستّ مائة ليزدجرد - وهي دور شانكون [Shank-wan] الأعظم - ثمانية آلاف ون وثمان مائة وثلاثة وستون ونّا وتسعة آلاف وسبع مائة وأربعون سنة، فتكون المدّة العظمى على هذا: ثلاثة آلاف ألف ألف ألف ألف سنة وستّ مائة ألف ألف ألف ألف سنة (بهذه الصّورة ٣٦٠٠٠٠٠٠٠٠) والماضي منها إلى السّنة المذكورة: ثمانية وثمانون ألف ألف سنة وستّ مائة ألف سنة وتسعة وثلاثون ألف سنة وسبع مائة سنة وأربعون سنة (بهذه الصّورة ٨٨٦٣٩٧٤٠) (١)؛ ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [الآية ١٢٣ سورة هود].
وإنّما ذكرت طرفا من حساب سني البراهمة، وطرفا من حساب سني الخطا والإيغر المستخرج من حساب الصّين، ليعلم المنصف أنّ ذلك لم يضعه حكماؤهم عبثا، ولأمر ما جدع قصير أنفه.
وكم من جاهل بالتّعاليم، إذا سمع أقوالهم في مدّة سني العالم، يبادر إلى تكذيبهم من غير علم بدليلهم عليه؛ وطريق الحقّ أن يتوقّف فيما لا يعلمه حتى يتبيّن أحد طرفيه فيرجّحه على الآخر ﴿وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.
و (٢) قال أصحاب «السّند هند» (٣) - ومعناه الدّهر الدّاهر: إنّ الكواكب وأوجاتها وجوزهراتها
стр. 807
تجتمع كلّها في أوّل (¬a) برج الحمل، عند كلّ أربعة آلاف ألف ألف سنة وثلاث مائة ألف ألف سنة وعشرين ألف ألف سنة شمسية، وعندهم أن هذه السنين هي مدّة العالم، ويزعمون أنّها إذا اجتمعت برأس برج (¬b) الحمل فسدت المكوّنات الثلاث التي يحويها عالم الكون والفساد، المعبّر عنه بالحياة الدّنيا، والمكوّنات الثلاث هي (¬c): المعدن والنّبات والحيوان، قالوا (¬d): فإذا فسدت بقي العالم السّفلي خرابا دهرا طويلا إلى أن تتفرّق الكواكب والأوجات والجوزهرات في بروج الفلك، فإذا تفرّقت فيها بدأ الكون بعد الفساد، فعادت أحوال العالم السّفلي إلى الأمر الأوّل، وهذا يكون عودا بعد بدء إلى غير نهاية.
قالوا (¬e): ولكلّ واحد من الكواكب والأوجات والجوزهرات عدّة أدوار في هذه المدّة، يدلّ كلّ دور منها على شيء من المكوّنات، كما هو مذكور في كتبهم، ممّا لا حاجة بنا هنا إلى ذكره، وهذا القول منتزع من قول البراهمة الذي تقدّم ذكره.
(¬f)) وقال أصحاب الهاذروان من قدماء الهند (١): إنّ كلّ ثلاث مائة ألف سنة وستين ألف سنة شمسية يهلك العالم بأسره، ويبقى مثل هذه المدّة، ثم يعود بعينه ويعقبه البدل، وهكذا أبدا يكون الحال لا إلى نهاية.
قالوا: ومضى من أيّام العالم المذكورة إلى طوفان نوح ﵇ مائة ألف وثمانون ألف سنة شمسيّة، ومضى من الطّوفان إلى سنة الهجرة المحمّدية ثلاثة آلاف وسبع مائة وثلاث وعشرون سنة وأربعة أشهر وأيّام، وبقي من سني العالم حتى يبتدئ ويفنى مائة ألف وبضع وسبعون ألف سنة شمسيّة، أوّلها تأريخ الهجرة الذي يؤرّخ به أهل الإسلام (¬f).
стр. 808
وقال أصحاب الأرجبهز (¬a) (١): مدّة العالم، التى تجتمع فيها الكواكب برأس برج (¬b) الحمل هي وأوجاتها وجوزهراتها، جزء من ألف جزء من مدّة السّند هند، وهذا أيضا منتزع من قول البراهمة (٢).
وقال أبو معشر (٣) وابن نوبخت (٤): إنّ بعض الفرس يرى أنّ عمر الدّنيا اثنا عشر ألف سنة بعدّة البروج، لكلّ برج ألف سنة. فكان ابتداء أمر الدّنيا في أوّل ألف الحمل، لأنّ الحمل والثّور والجوزاء تسمّى أشرف الشّرف، وينسب إلى الحمل الفصل، وفيها تكون الشّمس في شرفها وعلوّها وطول نهارها، ولذلك الدّنيا كانت إلى ثلاثة آلاف سنة علوية روحانية طاهرة.
ولأنّ السّرطان والأسد والسّنبلة منتقصة، فإنّ الشّمس تنحطّ من علوّها في أوّل دقيقة من السّرطان، وكان قدر الدّنيا وأبنائها منحطّا في الثلاثة الآلاف الثانية.
ولأنّ الميزان أهبط الهبوط وبئر الآبار وضد البرج الذي فيه شرف الشّمس، دلّ على أنّه أصابت الدّنيا واكتسب أهلها المعصية، والميزان والعقرب والقوس إذا نزلتها الشّمس لم تزدد إلا انحطاطا والأيام إلاّ نقصانا؛/ فلذلك دلّت على البلايا والضّيق والشّدّة والشّرّ.
стр. 809
وحيث تبلغ الآلاف إلى أوّل الجدي الذي فيه أوّل ارتفاع الشّمس وإشرافها على شرفها، وفيه تزداد الأيام طولا، والدّلو والحوت اللّذان تزداد الشّمس فيهما صعودا حتى تصل لشرفها، فيدلّ على ظهور الخير وضعف الشّرّ، وثبات الدّين والعقل، والعمل بالحقّ والعدل، ومعرفة فضل العلم والأدب في تلك الثلاثة الآلاف سنة.
وما يكون في ذلك فعلى قدر صاحب الألف والمائة والعشرة، وعلى حسب اتّفاق الكواكب في أوّل سلطان صاحب الألف. فلا يزال ذلك في زيادة حتى يعود أمر الدّنيا في آخرها إلى مثل ما كان عليه ابتداؤها وهي في ألف الحمل.
وكلّما تقارب آخر كلّ ألف من هذه الألوف، اشتدّ الزّمان وكثرت البلايا، لأنّ أواخر البرج في حدود النّحوس، وكذلك في آخر المئين والعشرات، فعلى هذا الانقضاء للدنيا إذا كان الزّمان يعود إلى الحمل كما بدأ أوّل مرّة.
وزعموا أنّ ابتداء الخلق بالتحرّك، كان والشّمس في ابتداء المسير: فدار الفلك، وجرت المياه، وهبّت الرّياح، واتّقدت النّيران، وتحرّك سائر الخلائق بما هم عليه من خير وشرّ. والطّالع تلك السّاعة تسع عشرة درجة من برج السّرطان وفيه المشتري، وفي البيت الرابع الذي هو بيت العافية، وهو برج الميزان، زحل، وكان الذّنب في القوس، والمرّيخ والجدي والزّهرة وعطارد في الحوت، ووسط السّماء برج الحمل، وفي أوّل دقيقة منه الشّمس، وكان القمر في الثّور وفي بيت السّعادة، وكان الرأس في برج الجوزاء وهو بيت الشّقاء.
وفي تلك الدّقيقة من السّاعة كان استقبال أمر الدّنيا، فكان خيرها وشرّها وانحطاطها وارتفاعها وسائر ما فيها، على قدر مجاري البروج والنّجوم وولاية أصحاب الألوف وغير ذلك من أحوالها.
ولأنّ المشتري كان في السّرطان في شرفه، وزحل في الميزان في شرفه، والمرّيخ والشّمس والقمر في إشرافها، دلّت على كائنة جليلة، فكان نشو العالم.
وانبرز زحل فتولّى الألف هو والميزان، وكان المشتري في الطّالع مقبولا، وكذلك جميع الكواكب كانت مقبولة، فدلّ على نماء العالم وحسن نشوه.
وكان زحل هو المستولي والعالي في الفلك والبرج طويل المطالع، فطالت أعمار تلك الألف، وقويت أبدانهم، وكثرت مياههم.
وكون الميزان تحت الأرض، دلّ على خفاء أوّل حدوث العالم، وعلى أنّ أهل ذلك الزّمان ينظرون في عمارة الأرضين وتشييد البنيان.
стр. 810
ثم ولي الألف الثاني العقرب والمرّيخ، وكان في الطّالع المرّيخ، فدلّ على القتل في ذلك الألف، وسفك الدّماء والسّبي والظّلم والجور والخوف والهمّ والأحزان والفساد وجور الملوك.
وولي الألف الثّالث القوس، وشاركه عطارد والزّهرة بطلوعهما، وكان الذّنب في القوس:
فدلّ المشتري على النّجدة في تلك الألف والشّدة والجلد والبأس والرّياسة والعدل، وتقسيم الملوك الدّنيا وسفك الدّماء بسبب ذلك؛ ودلّت الزّهرة على ظهور بيوت العبادة وعلى الأنبياء؛ ودلّ عطارد على ظهور العقل والأدب والكلام. وكون البرج مجسّدا، دلّ على انقلاب الخير والشّرّ في تلك الألف مرّات، وعلى ظهور ألوان من آيات الحقّ والعدل والجور.
ثم ولي الألف الرّابع الجدي - وكان فيه المرّيخ - فدلّ على ما كان في تلك الألف من إهراق الدّماء، ودلّت الشّمس على ظهور الخير والعلم ومعرفة اللّه تعالى وعبادته وطاعته وطاعة أنبيائه، والرّغبة في الدين مع الشّجاعة والجلد. وكون البرج منقلبا هو والبرج الذي فيه الشّمس، دلّ على انقلاب ذلك في آخرها، وظهور الشّرّ والتّفرّق والغشم (¬a) والقتل وسفك الدّماء والغضب في أصناف كثيرة، وتحوّل ذلك وتلوّنه. وكون الجدي منحطّا، دلّ على أنّه يظهر في آخر تلك الألف الجنس (¬b) الشّبيه بصفة زحل والمرّيخ، وانقطاع العظماء والحكماء وبوارهم، وارتفاع السّفلة، وخراب العامر، وعمارة الخراب، وكثرة تلوّن الأشياء.
وولي الألف الخامس الدّلو بطلوع القمر - وكان القمر في الثّور - فدلّ الدّلو لبرودته وعسره على سقوط العظماء وعطلة أمرهم، وارتفاع السّفلة والعبيد، ومحمدة البخلاء، وظهور الجنس (¬c) الأسود والسّواد، وعلى كثرة التّفتيش والتفكّر وظهور الكلام في الأديان ومحبّة الخصومات.
وكون القمر في شرفه يدلّ على قهر الملوك، وظهور ولاة الحقّ، ونفاذ الخير، وظهور بيوت العبادة، والكفّ عن الدّماء، والرّاحة والسّعادة في العامّة، وثبات ما يكون من العدل والخير وطول المدّة فيه. وكون البرج مائيّا يدلّ على كثرة الأمطار والغرق، وآفة من البرد يهلك فيها الكثير.
ويلي الألف السّادس برج الحوت بطلوع المشتري والرأس، فيدلّ على المحمدة في الناس عامّة، وعلى الصّلاح والخير والسّرور وذهاب الشّرّ وحسن العيش.
ولكلّ واحد من الكواكب ولاية ألف سنة، فصار عطارد خاتما في برج السّنبلة.
стр. 811
وزعم ابن نوبخت أنّ من يوم سارت الشّمس إلى تمام خمس وعشرين من ملك أنو شروان، ثلاثة آلاف وثمان مائة وسبع وستون سنة، وذلك في ألف الجدي وتدبير الشّمس. ومنه/ إلى اليوم الأوّل من الهجرة سبع وثمانون سنة شمسية وستة وعشرون يوما. ومن الهجرة إلى قيام يزدجرد تسع سنين وثلاث مائة وسبعة وثلاثون يوما، فذلك الجميع إلى أن قام يزدجرد ثلاثة آلاف وتسع مائة وست وستون سنة.
وقال أبو معشر: وزعم قوم من الفرس أنّ عمر الدّنيا سبعة آلاف سنة بعدّة الكواكب السّبعة، وزعم أبو معشر أنّ عمر الدّنيا ثلاث مائة ألف سنة وستون ألف سنة؛ وأنّ الطّوفان كان في النّصف من ذلك على رأس مائة ألف وثمانين ألف سنة.
وقال قوم: عمر الدّنيا تسعة آلاف سنة: لكلّ كوكب من الكواكب السّبعة السّيّارة ألف سنة، وللرّأس ألف سنة، وللذّنب ألف سنة، وشرّها ألف الذنب. وأنّ الأعمار طالت في تدبير آلاف الثلاثة العلوية، وقصرت في آلاف الكواكب السّفلية.
وقال قوم: عمر الدّنيا تسعة عشر ألف سنة بعدد البروج الاثني عشر لكلّ برج ألف سنة، وبعدد الكواكب السّبعة السّيّارة لكلّ كوكب ألف سنة.
وقال قوم: عمر الدّنيا أحد وعشرون ألف سنة، بزيادة ألف للرّأس وألف للذّنب.
وقال قوم: عمر الدّنيا ثمانية وسبعون ألف سنة: في تدبير برج الحمل اثنا عشر ألف سنة، وفي تدبير برج الثّور أحد عشر ألف سنة، وفي تدبير الجوزاء عشرة آلاف سنة. فكانت الأعمار في هذا الرّبع أطول، والزّمان أجدّ. ثم تدبير الرّبع الثّاني مدّة أربعة وعشرين ألف سنة، فتكون الأعمار دون ما كانت في الرّبع الأوّل. وتدبير الرّبع الثالث خمسة عشر ألف سنة. وتدبير الرّبع الرابع ستة آلاف سنة.
وقال قوم: كانت المدّة من آدم إلى الطّوفان ألفين وثمانين سنة وأربعة أشهر وخمسة عشر يوما، ومن الطّوفان إلى إبراهيم ﵇ تسع مائة واثنتين وأربعين سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما، فذلك ثلاثة آلاف ومائتان وثلاث وعشرون سنة.
وقال قوم من اليهود: عمر الدّنيا سبعون ألف سنة منحصرة في ألف جيل، ولفّقوا ذلك من قول موسى ﵇ في صلاته: «إن الجيل سبعون سنة»، ومن قوله في الزّبور: «إنّ إبراهيم ﵇ قطع معه اللّه تعالى عهدا لبقاء البشر ألف جيل»، فجاء من ذلك أنّ مدّة الدّنيا سبعون ألف سنة، واستظهروا لقولهم هذا بما في التّوراة من قوله: «واعلم أنّ اللّه إلهك هو القادر المهيمن الحافظ العهد والفضل لمحبّيه وحافظي وصاياه لألف جيل».
стр. 812
وذكر أبو الحسن عليّ بن الحسين المسعودي في كتاب «أخبار الزّمان» عن الأوائل أنّهم قالوا:
كان في الأرض ثمان وعشرون أمّه ذات أرواح وأيد وبطش وصور مختلفات، بعدد منازل القمر، لكلّ منزلة أمّة منفردة تعرف بها تلك الأمّة. ويزعمون أنّ تلك الأمم كانت الكواكب الثابتة تدبّرها، وكانوا يعبدونها (١).
ويقال (¬a): لمّا خلق اللّه تعالى البروج الاثني عشر قسم دوامها في سلطانها (¬b): فجعل للحمل اثني عشر ألف عام، وللثّور أحد عشر ألف عام، وللجوزاء عشرة آلاف عام، وللسّرطان تسعة آلاف عام، وللأسد ثمانية آلاف عام، وللسّنبلة سبعة آلاف عام، وللميزان ستة آلاف عام، وللعقرب خمسة آلاف عام، وللقوس أربعة آلاف عام، وللجدي ثلاثة آلاف عام، وللدّلو ألفي عام، وللحوت ألف عام، فصار الجميع ثمانية وسبعين ألف عام. فلم يكن في عالم الحمل والثّور والجوزاء حيوان، وذلك ثلاثة وثلاثون ألف عام؛ فلمّا كان عالم السّرطان تكوّنت دوابّ الماء وهوامّ الأرض؛ فلمّا كان عالم الأسد تكوّنت ذوات الأربع من الوحش والبهائم، وذلك بعد تسعة آلاف عام من خلق دواب الماء والهواء؛ فلمّا كان عالم السّنبلة تكوّن الإنسانان الأوّلان، وهما أدمانوس وحيوانوس، وذلك لتمام سبعة عشر ألف عام لخلق دواب الماء وهوام الأرض، ولتمام ثمانية آلاف عام من خلق ذوات الأربع (٢).
وخلقت الأرض في عالم الميزان، ويقال بل خلقت الأرض أوّلا، وأقامت خالية ثلاثة وثلاثين ألف عام ليس فيها حيوان ولا عالم روحاني، ثم خلق اللّه تعالى هوام الماء ودواب الأرض وما بعد ذلك على ما تقدّم ذكره. فلمّا تمّ أربعة وعشرون ألف عام لخلق دواب الماء وهوام الأرض، ولتمام خمسة عشر ألف عام من خلق ذوات الأربع، ولتتمّة سبعة آلاف عام من لدن تكوّن الإنسانين، خلقت الطّيور.
ويقال إنّ مدّة مقام الإنسانين ونسلهما في الأرض مائة ألف وثلاثة وثلاثون ألف عام: منها لزحل ستة وخمسون ألف عام، وللمشتري أربعة وأربعون ألف عام، وللمرّيخ ثلاثة وثلاثون ألف عام.
стр. 813
و (١) يقال إنّ الأمم المخلوقات قبل آدم هي كانت الجبلّة الأولى، وهي ثمان وعشرون أمّة بإزاء منازل القمر، خلقت من أمزجة مختلفة أصلها الماء والهواء والنار، فتباين خلقها:
فمنها أمّة خلقت طوالا زرقا ذوات أجنحة، كلامهم قرقعة على صفة الأسود؛ ومنها أمّة أبدانهم أبدان الأسود، ورؤوسهم رؤوس الطّير، لهم شعور وآذان طوال، وكلامهم دويّ؛ ومنها أمّة لها وجهان: وجه أمامها، ووجه خلفها، ولها أرجل كثيرة، وكلامهم/ كلام الطّير. ومنها أمّة ضعيفة في صور الكلاب، لها أذناب، وكلامهم همهمة لا يعرف؛ ومنها أمّة تشبه بني آدم، أفواههم في صدورهم، يصفّرون إذا تكلّموا تصفيرا؛ ومنها أمّة يشبهون نصف إنسان، لهم عين واحدة، ورجل يقفزون بها قفزا، ويصيحون كصياح الطّير؛ ومنها أمّة لها وجوه كوجوه النّاس، وأصلاب كأصلاب السّلاحف، في رؤوسهم قرون طوال، لا يفهم كلامهم؛ ومنها أمّة مدوّرة الوجوه، لهم شعور بيض وأذناب كأذناب البقر، ورؤوسهم في صدورهم، لهم شعور وثدي وهم إناث كلّهن ليس فيهنّ ذكر، يلقّحن من الرّيح ويلدن أمثالهن، ولهن أصوات مطربة، يجتمع إليهن كثير من هذه الأمم لحسن أصواتهن؛ ومنها أمّة على خلق بني آدم، سود وجوههم، ورؤوسهم كرؤوس الغربان؛ ومنها أمّة في خلق الهوام والحشرات، إلاّ أنّها عظيمة الأجسام، تأكل وتشرب مثل الأنعام؛ ومنها أمّة كوجوه دواب البحر، لها أنياب كأنياب الخنازير وآذان طوال. ويقال إنّ هذه الثّمانية والعشرين أمّة تناتجت (¬a) فصارت مائة وعشرين أمّة (٢).
وسئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁: هل كان في الأرض خلق قبل آدم يعبدون اللّه تعالى؟ فقال: نعم، خلق اللّه الأرض، وخلق فيها [أمما من] (¬b) الجنّ يسبّحون اللّه ويقدّسونه لا يفترون؛ وكانوا يطيرون إلى السّماء، ويلقون الملائكة ويسلّمون عليهم، ويستعلمون منهم خبر ما في السّماء؛ ثم إن طائفة منهم (¬c) تمرّدت، وعتت عن أمر ربّها، وبغت في الأرض بغير الحقّ، وعدا بعضهم على بعض، وجحدوا الرّبوبية، وكفروا باللّه وعبدوا ما سواه، وتغايروا على الملك حتى سفكوا الدّماء، وأظهروا في الأرض الفساد، وكثر تقاتلهم، وعلا بعضهم على بعض؛ وأقام المطيعون للّه تعالى على دينهم، وكان إبليس من الطّائفة
стр. 814
المطيعة للّه والمسبّحين له، وكان يصعد إلى السّماء فلا يحجب عنها لحسن طاعته.
ويروى أنّ الجنّ كانت تفترق على إحدى وعشرين قبيلة، وأنّ بعد خمسة آلاف سنة ملّكوا عليهم ملكا يقال له شمائيل (¬a) بن آرس، ثم افترقوا فملّكوا عليهم خمسة ملوك، وأقاموا على ذلك دهرا طويلا؛ ثم أغار بعضهم على بعض وتحاسدوا، فكانت بينهم وقائع كثيرة، فأهبط اللّه تعالى إليهم إبليس - وكان اسمه بالعربيّة: الحارث، وكنيته أبو مرّة - ومعه عدد كثير من الملائكة، فهزمهم وقتلهم. وصار إبليس ملكا على وجه الأرض فتكبّر وطغى، وكان من امتناعه من السّجود لآدم ما كان. فأهبطه اللّه تعالى إلى الأرض، فسكن البحر وجعل عرشه على الماء، فألقيت عليه شهوة الجماع، وجعل لقاحه كلقاح الطّير وبيضه [كبيضه] (¬b).
ويقال إنّ قبائل الجنّ من الشّيّاطين خمس وثلاثون قبيلة: خمس عشرة قبيلة تطير في الهواء، وعشر قبائل مع لهب النّار، وثلاثون قبيلة يسترقون السّمع من السّماء. ولكلّ قبيلة ملك موكّل بدفع شرّها.
ومنهم صنف من السّعالي يتصوّرون في صور النّساء الحسان، ويتزوّجن برجال الإنس، ويلدن منهم؛ ومنهم صنف على صور الحيّات، إذا قتل أحد منهم واحدة هلك من وقته، فإن كانت صغيرة هلك ولده أو عزيز عنده (١).
وعن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: إنّ الكلاب من الجنّ، فإذا رأوكم تأكلون فألقوا إليهم من طعامكم، فإنّ لهم أنفسا - يعني أنّهم يأخذون بالعين (٢).
وروي أنّ الأرض كانت معمورة بأمم كثيرة، منهم الطمّ والرمّ والحنّ (¬c) والبنّ والحسّ والبسّ (¬d)، وأنّ اللّه تعالى لمّا خلق السّماء عمّرها بالملائكة، ولمّا خلق اللّه الأرض عمّرها بالجنّ، فعاثوا وسفكوا الدّماء، فأنزل اللّه إليهم جندا من الملائكة، فأتوا على أكثرهم قتلا وأسرا. فكان ممن أسر إبليس - وكان اسمه عزازيل - فلمّا صعد به إلى السّماء، أخذ نفسه بالاجتهاد في العبادة والطّاعة رجاء أن يتوب اللّه عليه، فلمّا لم يجد ذلك عليه شيئا خامر الملائكة القنوط، فأراد اللّه
стр. 815
أن يظهر لهم خبث طويّته وفساد نيّته، فخلق آدم، فامتحنه بالسّجود له ليظهر للملائكة تكبّره وإبانة ما خفي عنهم من مكتوم أنبائه.
وإلى عمارة الأرض قبل آدم ممّن أفسد فيها، أشار بقوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ اَلدِّماءَ﴾ [الآية ٣٠ سورة البقرة]؟ يعنون كما فعل بها من قبل، واللّه أعلم بمراده.
وقال أبو بكر أحمد بن عليّ بن وحشيّة في كتاب «الفلاحة»: إنّه عرّب هذا الكتاب ونقله من لسان الكسدانيين (¬a) إلى اللغة العربية، وإنّه وجده من وضع ثلاثة حكماء قدماء، وهم صغريت، ونيوساد، وقوثامي (¬b).
ابتدأه الأوّل وكان ظهوره في الألف السّابعة من سبعة آلاف سني زحل، وهي الألف التي يشارك فيها زحل القمر؛ وتمّمه الثاني وكان ظهوره في آخر هذه الألف؛ وأكمله الثالث وكان ظهوره بعد مضيّ أربعة آلاف سنة من دور الشّمس الذي هو سبعة آلا سنة، وإنّه نظر إلى ما بين زمان الأوّل والثالث، فكان ثمانية عشر ألف سنة شمسية وبعض الألف التاسعة عشرة (١).
وقد اختلف أهل الإسلام في هذه المسألة أيضا، فروى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄، أنّه قال: الدّنيا جمعه من جمع الآخرة، واليوم ألف سنة، فذلك سبعة آلاف سنة.
وروى سفيان عن/ الأعمش، عن أبي صالح قال: قال كعب الأحبار: الدّنيا ستّة آلاف سنة.
وعن وهب بن منبّه أنّه قال: قد خلا من الدّنيا خمسة آلاف سنة وستّ مائة سنة، إنّي لأعرف كلّ زمان منها ومن فيه من الملوك و (¬c) الأنبياء؛ فقيل له: فكم الدّنيا؟ قال: ستة آلاف سنة (٢).
وروى عبد اللّه بن دينار، عن عبد اللّه بن عمر ﵄ أنّه قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس».
وفي حديث أبي هريرة: «الحقب ثمانون عاما، اليوم منها سدس الدنيا»، والحقب هنا بكسر الحاء وضمّها.
стр. 816
قال أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانيّ في كتاب «الإكليل»: فكأنّ الدّنيا جزء من أربعة آلاف وسبع مائة وثلاثة وعشرين جزءا وثلث جزء من الحقب، على أنّ السّنة القمريّة ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم. فإذا كانت الدّنيا ستّة آلاف سنة واليوم ألف سنة، تكون سنين قمريّة ستة آلاف ألف سنة.
فإذا جعلناه جزءا وضربناه في أجزاء الحقب - وهي أربعة آلاف وسبع مائة سنة وثلاث وعشرون وثلث - خرج من السّنين ثمانية وعشرون ألف ألف ألف وثلاث مائة ألف ألف وأربعون ألف ألف.
وإذا كانت جمعة من جمع الآخرة، زدنا مع هذا العدد مثل سدسه، وهذا عدد الحقب (١).
وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطّبريّ في تاريخه الكبير (¬a): الصّواب من القول ما دلّ على صحّته الخبر (¬b) الوارد، فذكر قوله ﵇: «أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس»، وقوله ﵇: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» وأشار بالسّبّابة والوسطى، وقوله ﵇: «بعثت أنا والسّاعة جميعا إن كادت لتسبقني» (٢).
قال: فمعلوم إذا (¬c) كان اليوم أوّله طلوع الشّمس (¬d) وآخره غروب الشّمس، وكان صحيحا عن النّبي ﷺ قوله: «أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس»، وقوله: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين»، وأشار بالسّبّابة والوسطى. وكان قدر ما بين أوسط أوقات صلاة العصر - وذلك إذا صار ظلّ كلّ شيء مثليه - على التّحرّي إنّما يكون قدر نصف سبع اليوم يزيد قليلا أو ينقص قليلا، وكذلك فضل ما بين الوسطى والسّبّابة إنّما يكون نحوا من ذلك.
وكان صحيحا مع ذلك قوله ﵇: «لن يعجز اللّه أن يؤخّر هذه الأمّة نصف يوم» يعني نصف اليوم الذي مقداره ألف سنة، فأولى القولين، اللّذين أحدهما عن ابن عبّاس والآخر عن كعب، قول ابن عبّاس: «إن الدّنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف [سنة] (¬e)».
وإذا كان [ذلك] (¬e) كذلك، وكان قد جاء عنه ﵇: «إنّ الباقي من ذلك في حياته نصف يوم»، وذلك خمس مائة عام إذا كان ذلك نصف يوم من الأيام التي قدر الواحد منها ألف
стр. 817
عام، كان معلوما أنّ الماضي من الدّنيا، إلى وقت قوله ﵇، ستة آلاف سنة وخمس مائة سنة أو نحو ذلك (١).
وقد جاء عنه ﵇ خبر يدلّ على صحّة قول من قال: إنّ الدّنيا كلّها ستة آلاف سنة، لو كان صحيحا [سنده] (¬a) لم نعد القول به إلى غيره؛ وهو حديث أبي هريرة يرفعه:
«الحقب ثمانون عاما، اليوم منها سدس الدنيا» فتبيّن من هذا الخبر أنّ الدنيا كلّها ستّة آلاف سنة.
وذلك أنّ (¬b) اليوم، الذي هو من أيّام الآخرة، مقداره ألف سنة من سني الدنيا، وكان اليوم الواحد من ذلك سدس الدنيا، كان معلوما أنّ جميعها ستة أيّام من أيّام الآخرة، وذلك ستّة آلاف سنة (٢).
وقال أبو القاسم السّهيلي (¬c)) في كتاب «الرّوض الأنف»، وقد ذكر قول الطّبري الذي تقدّم (¬c):
وقد مضت الخمس مائة من وفاته ﷺ إلى اليوم بنيّف عليها، وليس في قوله: «لن يعجز اللّه أن يؤخّر هذه الأمّة نصف يوم» ما ينفى الزيادة على النّصف، ولا في قوله: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» ما يقطع به على صحّة تأويله - يعني الطّبري -، فقد نقل في تأويله غير هذا، وهو أنّه ليس بينه وبين السّاعة نبيّ ولا شرعه غير شرعته مع التقريب لحينها، كما قال تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ اَلسّاعَةُ﴾ [الآية ١ سورة القمر]، وقال: ﴿أَتى أَمْرُ اَللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [الآية ١ سورة النحل].
ولكن إذا قلنا إنّه ﵇ إنّما بعث في الألف الآخر بعد ما مضت منه سنون، ونظرنا إلى الحروف المقطّعة في أوائل السّور وجدناها أربعة عشر حرفا، يجمعها قولك: «ألم يسطع نص حق كره»، ثم نأخذ العدد على حساب أبي جاد، فيجيء تسع مائة وثلاثة (٣).
ولم يسمّ اللّه تعالى في (¬d) أوائل السّور إلاّ هذه الحروف، فليس يبعد أن يكون من بعض مقتضياتها وبعض فوائدها، الإشارة إلى هذا العدد من السّنين، لما قدّمناه من حديث الألف السّابع الذي بعث ﵇ فيه.
стр. 818
غير أنّ الحساب يحتمل أن يكون من مبعثه، أو من وفاته، أو من هجرته - وكلّ قريب بعضه من بعض - فقد جاء أشراطها: ولكن ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلّا بَغْتَةً﴾ [الآية ١٨٧ سورة الأعراف].
وقد روي (¬a)) أنّ المتوكّل العبّاسي سأل جعفر بن عبد الواحد القاضي عمّا بقي من الدنيا، فحدّثه بحديث رفعه إلى النّبيّ ﷺ (¬a) أنّه قال: «إن أحسنت أمّتي فبقاؤها يوم من أيّام الآخرة - وذلك ألف سنة - وإن أساءت فنصف يوم». ففي هذا (¬b) الحديث تتميم للحديث المتقدّم وبيان له، إذ قد انقضت الخمس مائة والأمّة باقية.
وقال (١) شاذان البلخيّ المنجّم: مدّة ملّة الإسلام ثلاث مائة وعشر سنين (¬c)؛ وقد ظهر كذب قوله وللّه الحمد.
وقال أبو معشر: يظهر بعد المائة والخمسين من سني الهجرة/ اختلاف كثير.
وقال جراش (¬d): (¬e)) رأيت في كتب الأقدمين (¬e) إنّ المنجّمين أخبروا كسرى أنو شروان بتملّك العرب وظهور النّبوّة فيهم، وأنّ دليلهم الزّهرة وهي في شرفها والزّهرة دليل العرب، فتكون مدّة ملك نبوّتهم ألفا وستين سنة، ولأنّ طالع القران الدال على ذلك برج الميزان والزّهرة صاحبته في شرفها (٢).
قال: وسأل كسرى وزيره برزجمهر عن ذلك، فأعلمه أنّ الملك يخرج من فارس وينتقل إلى العرب، وتكون ولادة القائم بإمرة العرب لخمس وأربعين سنة من وقت القران، وأنّ العرب تملك المشرق والمغرب من أجل أنّ المشتري دليل فارس قد قبل تدبير الزّهرة دليل العرب، والقران قد انتقل من المثلّثة الهوائية إلى المثلّثة المائية وإلى برج العقرب منها وهو دليل العرب أيضا؛ وهذه الأدلّة تقتضي بقاء الملّة الإسلامية بقدر دور الزّهرة، وهو ألف وستون سنة شمسية (٣).
стр. 819
وقال نوفيل (¬a) الرّومي، وكان في أيّام بني أميّة: تبقى ملّة الإسلام بقدر مدّة القران الكبيرة، وهي تسع مائة وستون سنة شمسية؛ فإذا عاد القران بعد هذه المدّة إلى برج العقرب كما كان في ابتداء الملّة، وتغيّر وضع تشكيل الفلك عن هيئته في الابتداء، فحينئذ يفتر العمل، ويتجدّد ما يوجب خلاف الظّنّ (١).
قال: واتّفقوا على أنّ خراب العالم يكون باستيلاء الماء والنّار حتى تهلك المكوّنات بأسرها، وذلك إذا قطع قلب الأسد أربعا وعشرين درجة من برج الأسد، الذي هو حدّ المرّيخ، بعد تسع مائة وستين سنة شمسية من قران الملّة.
ويقال إنّ ملك زابلستان - وهي غزنة (¬b) - بعث إلى عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون بحكيم اسمه ذوبان في جملة هديّة، فأعجب به المأمون وسأله عن مدّة ملك بني العبّاس، فأخبره بخروج الملك عن عقبه واتّصاله في عقب أخيه، وأنّ العجم تغلبهم على الخلافة، فيتغلّب الدّيلم أوّلا ثم يسوء حالهم، حتى يظهر التّرك من شمال المشرق فيملكوا الفرات والرّوم والشّام (٢).
وقال يعقوب بن إسحاق الكنديّ (٣): مدّة ملّة الإسلام ستّ مائة وثلاث وتسعون سنة (٤). (¬c)) وعلّل ذلك بتعاليل نجومية، ثم قال: وتعضّده الحروف الواقعة في أوائل السّور بحذف المكرّر واعتباره بحساب الجمّل. ومن هنا أخذ السّهيلي ما تقدّم ذكره عنه (¬d).
ويقال إنّ الكنديّ هذا وضع كتابا في القران الكائن في الملّة الإسلامية وتكلّم عليها، وأنّه حكم بانقراض دولة بني العبّاس في منتصف المائة السابعة من الهجرة وأنّ بانقراضها تنقضي (¬c)
стр. 820
(¬a)) ملّة الإسلام وهكذا وقع فإنّ هولاكو قتل الخليفة المستعصم وأزال دولة بني العبّاس في صفر سنة خمس وخمسين وستّ مائة وكان هو وسلفه على غير الملّة الإسلامية (١). والشّبهة التي أدّت بالقوم إلى القول بقيام السّاعة في هذا الوقت أنّه تقرّر عندهم من جهة الشريعة أنّها خاتمة الشّرائع وعلى أهلها تقوم السّاعة، ودلّتهم الأوضاع الفلكية على تلاف الملّة الإسلامية والقائمين بها على يد قائم من غير أهلها، فظنّوا أنّ ذلك هو وقت قيام السّاعة، فأصابوا بعضا وأخطأوا بعضا، وزالت دولة الإسلام من بلاد المشرق بانقراض خلفاء بني العبّاس وقامت المغول بأمر الملك وهم على غير ملّة الإسلام، وثبّت اللّه أهل مصر حتى حاربوا ملوك المغل والتّتر غير مرّة ودفعوهم عن مصر والشّام حتى أسلم من ملوك المغل من أسلم بعد ذلك، وصار المشرق بحمد اللّه دار إسلام إلى اليوم ولم تقم السّاعة، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون (¬a).
وقال الفقيه الحافظ أبو محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم (٢) في كتاب [«الفصل في] (¬b) الملل [والأهواء] (¬b) والنّحل»: وأمّا اختلاف الناس في التأريخ، فإنّ اليهود يقولون أربعة آلاف سنة، والنّصارى يقولون الدّنيا خمسة آلاف سنة، وأمّا نحن - يعني أهل الإسلام - فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا.
ومن ادّعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقلّ، فقد قال ما لم يأت قطّ عن رسول اللّه ﷺ فيه لفظة تصحّ، بل صحّ عنه ﵇ خلافه.
بل نقطع على أنّ للدنيا أمدا لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى، قال اللّه تعالى: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الآية ٥١ سورة الكهف]، وقال رسول اللّه ﷺ :
стр. 821
«ما أنتم في الأمم قبلكم إلاّ كالشّعرة البيضاء في الثّور الأسود، والشّعرة السّوداء في الثّور الأبيض».
وهذه نسبة من تدبّرها، وعرف مقدار عدد أهل الإسلام، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنّه الأكثر، علم أنّ للدنيا أمدا لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى.
وكذلك قوله ﵇: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين»، وضمّ أصبعيه المقدّستين السّبّابة والوسطى - وقد جاء النّصّ بأنّ السّاعة لا يعلم متى تكون إلاّ اللّه تعالى لا أحد سواه - فصحّ أنّه ﷺ إنّما عنى شدّة القرب لا فضل السّبّابة على السّبّاحة، إذ لو أراد ذلك لأخذت نسبة ما بين الأصبعين ونسب من طول الأصبع، فكان يعلم بذلك متى تقوم السّاعة، وهذا باطل.
وأيضا فكان تكون نسبته ﷺ إيّانا إلى من قبلنا بأنّنا كالشّعرة في الثّور كذبا - ومعاذ اللّه من ذلك - فصحّ أنّه ﵇ إنّما أراد شدّة القرب.
وله ﷺ منذ بعث أربع مائة (١) عام ونيّف، واللّه تعالى أعلم بما بقي للدنيا. فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عند ما سلف، لقلّته وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى، فهو الذى قاله ﷺ من أنّنا فيمن مضى كالشّعرة في الثّور أو الرّقمة في ذراع الحمار.
وقد رأيت بخطّ الأمير أبي محمّد عبد اللّه بن النّاصر قال: حدّثني محمد بن معاوية القرشي أنّه رأى بالهند بدّا (¬a) له اثنتان وسبعون ألف سنة.
وقد وجد محمود بن سبكتكين بالهند مدينة يؤرّخون بأربع مائة ألف سنة.
قال أبو محمّد: إلاّ أنّ لكلّ ذلك أوّلا ولا بدّ ونهاية، لم يكن شيء من العالم موجودا قبله، ﴿لِلّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٢) [الآية ٤ سورة الروم].
стр. 822
ذكر التّواريخ الّتي كانت للأمم قبل تأريخ القبط
التّأريخ كلمة فارسيّة أصلها ماه روز (¬a)، ثم عرّبت (¬b). قال محمّد بن أحمد بن محمّد بن يوسف البلخيّ (١) في كتاب «مفاتيح العلوم»، وهو كتاب جليل القدر (¬c): وهذا اشتقاق بعيد لولا أنّ الرّواية جاءت به (٢).
وقال قدامة بن جعفر في كتاب «الخراج»: تاريخ كلّ شيء آخره، وهو في الوقت غايته، يقال فلان تاريخ قومه، أي إليه ينتهي شرفهم. ويقال: ورّخت الكتاب توريخا، أورخته تأريخا. اللّغة الأولى لتميم، والثانية لقيس. ولكلّ مملكة و (¬d) أهل ملّة تأريخ (٣).
فكانت الأمم تؤرّخ أوّلا بتأريخ/ الخليقة وهو ابتداء كون النّسل من آدم ﵇، ثم أرّخت بالطّوفان، وأرّخت ببخت نصّر، وأرّخت بفيلبش، وأرّخت بالإسكندر، ثم بأغسطس، ثم بأنطينس (¬e)، ثم بدقلديانوس (¬f) وبه تؤرّخ القبط، ثم لم يكن بعد تآريخ القبط إلاّ تأريخ الهجرة، ثم تأريخ يزدجرد. فهذه تواريخ الأمم المشهورة، وللناس تواريخ أخر قد انقطع ذكرها.
стр. 823
فأمّا تأريخ الخليقة - ويقال له ابتداء كون النّسل، وبعضهم يقول بدو التّحرّك - فإنّ لأهل الكتاب من اليهود والنّصارى، والمجوس في كيفيته وسياقة التأريخ منه خلافا كثيرا (١).
قال المجوس والفرس (٢): عمر العالم اثنا عشر ألف عام على عدد بروج الفلك وشهور السّنة.
وزعموا أنّ زرادشت صاحب شريعتهم قال: إنّ الماضي من الدّنيا إلى وقت ظهوره ثلاثة آلاف سنة مكبوسة الأرباع. وبين ظهور زرادشت وأوّل تأريخ الإسكندر (¬a)) مائتا سنة وثمان وخمسون سنة تامّة، فيكون الماضي من أوّل العالم إلى الإسكندر (¬a) ثلاثة آلاف ومائتا سنة وثمان وخمسون سنة. وإذا حسبنا من أوّل كيومرت - الذي هو عندهم الإنسان الأوّل (٣) - وجمعنا مدّة كلّ من ملك بعده - فإنّ الملك متّسق (¬b) فيهم غير منقطع عنهم - كان العدد منه إلى الإسكندر ثلاثة آلاف وثلاث مائة وأربعا وخمسين سنة؛ فليس (¬c) يتّفق التّفصيل مع الجملة (٤).
وقال قوم: الثلاثة الآلاف الماضية إنّما هي من خلق كيومرت، فإنّه مضى قبله ألف (¬d) سنة والفلك فيها واقف غير متحرّك، والطّبائع غير مستحيلة، والأمّهات غير متمازجة، والكون والفساد غير موجود فيها، والأرض غير عامرة. فلمّا تحرّك الفلك، حدث الإنسان الأوّل في معدل (¬e) النّهار، وتولّد الحيوان وتوالد، وتناسل الإنس فكثروا، وامتزجت أجزاء العناصر للكون والفساد، فعمرت الدّنيا وانتظم العالم (٥).
وقال اليهود: الماضي من آدم إلى الإسكندر ثلاثة آلاف وأربع مائة وثمان وأربعون سنة. وقال النّصارى: المدّة بينهما خمسة آلاف ومائة وثمانون سنة، وزعموا أنّ اليهود نقصوها ليقع خروج عيسى ابن مريم ﵇ فى الألف الرابع وسط السبعة آلاف التي هي مقدار العالم
стр. 824
عندهم، حتى تخالف ذلك الوقت الذي سبقت البشارة من الأنبياء الذين كانوا بعد موسى بن عمران ﵇ بولادة المسيح عيسى (١).
وإذا جمع ما في التّوراة التي بيد اليهود، من المدّة التي بين آدم ﵇ وبين الطّوفان، كانت ألفا وستّ مائة وستّا وخمسين سنة. وعند النّصارى في إنجيلهم ألفان ومائتا سنة واثنتان وأربعون سنة.
وتزعم اليهود أنّ توراتهم بعيدة عن التّخاليط، وتزعم النّصارى أنّ توراة السبعين - التي هي بأيديهم - لم يقع فيها تحريف ولا تبديل، وتقول اليهود فيها خلاف ذلك، وتقول السّامريّة بأنّ توراتهم هي الحقّ وما عداها باطل، وليس في اختلافهم ما يزيل الشّكّ بل يقوّي الجالبة له (٢).
وهذا الاختلاف بعينه بين النّصارى أيضا في الإنجيل، وذلك أنّ له عند النّصارى أربع نسخ مجموعة في مصحف واحد: أحدها إنجيل متّى، والثاني لمارقوس، والثالث للوقا، والرابع ليوحنّا، قد ألّف كلّ من هؤلاء الأربعة إنجيلا على حسب دعوته في بلاده؛ وهي مختلفة اختلافا كثيرا حتّى في صفات المسيح ﵇ وأيّام دعوته، ووقت الصّلب بزعمهم، وفي نسبه أيضا، وهذا الاختلاف لا يحتمل مثله (٣).
ومع هذا فعند كلّ من أصحاب مرقيون وأصحاب ابن ديصان إنجيل يخالف بعضه بعض (¬a) هذه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل على حدة يخالف ما عليه النّصارى من أوّله إلى آخره، ويزعمون أنّه هو الصّحيح وما عداه باطل، ولهم أيضا إنجيل يسمّى إنجيل السّبعين ينسب إلى بلامس (¬b)، والنّصارى وغيرهم ينكرونه (٤).
وإذا كان الأمر من الاختلاف بين أهل الكتاب كما قد رأيت، ولم يكن للقياس والرّأي مدخل في تمييز حقّ ذلك من باطله، امتنع الوقوف على حقيقة ذلك من قبلهم، ولم يعوّل على شيء من أقوالهم فيه.
стр. 825
وأمّا غير أهل الكتاب، فإنّهم أيضا مختلفون في ذلك. قال أثنيوس (¬a): بين خلق آدم وبين ليلة الجمعة أوّل الطّوفان ألفا سنة ومائتا سنة وستّ وعشرون سنة وثلاثة وعشرون يوما وأربع ساعات (١).
وقال ما شاء اللّه - واسمه منشّا بن أثرى (٢) - منجّم المنصور والمأمون في كتاب «القرانات»: أوّل قران وقع بين زحل والمشتري في بدء التحرّك - يعني ابتداء النّسل من آدم - كان على مضي خمس مائة وتسع سنين وشهرين وأربعة وعشرين يوما مضت من ألف المرّيخ، فوقع القران في برج الثّور من المثلّثة الأرضية على سبع درج واثنتين وأربعين دقيقة.
وكان انتقال الممرّ من برج الميزان ومثلّثته الهوائية إلى برج العقرب ومثلّثته المائية، بعد ذلك بألفي سنة وأربع مائة سنة واثنتي عشرة سنة وستة أشهر وستة وعشرين يوما، ووقع الطّوفان في الشهر الخامس من السنة الأولى من القران الثاني من قرانات هذه المثلّثة المائية.
وكان بين وقت القران الأوّل الكائن في بدء التحرّك، وبين الشهر الذي كان فيه الطّوفان، ألفان وأربع مائة وثلاث وعشرون سنة وستة أشهر واثنا عشر يوما.
قال: وفي كلّ سبعة آلاف سنة وسنتين وعشرة أشهر وستة أيام، يرجع القران إلى موضعه من برج الثّور الذي كان/ في بدء التحرّك.
وهذا القول - أعزّك اللّه - هو الذي اشتهر حتّى ظنّ كثير من الملل أنّ مدّة بقاء الدنيا سبعة آلاف سنة. فلا تغتر به، وتنّبه إلى أصله تجده أوهى من بيت العنكبوت، فاطرحه.
стр. 826
وقيل: كان بين آدم وبين الطّوفان ثلاثة آلاف وسبع مائة وخمس وثلاثون سنة، وقيل كانت بينهما مدّة ألفين ومائتين وستّ وخمسين سنة، وقيل ألفان وثمانون سنة.
وأمّا تأريخ الطّوفان فإنّه يتلو تأريخ الخليقة، وفيه من الاختلاف ما لا يطمع في حقيقته، من أجل الاختلاف فيما بين [تأريخ] (¬a) آدم وبينه، وفيما بينه وبين تأريخ الإسكندر. فإنّ اليهود عندهم أنّ بين الطّوفان وبين الإسكندر ألفا وسبع مائة واثنتين وتسعين سنة؛ وعند النّصارى بينهما ألفا سنة وتسع مائة وثمان وثلاثون سنة؛ والفرس وسائر المجوس، والكسدانيّون (¬b) أهل بابل، والهند وأهل الصّين وأصناف الأمم المشرقية، ينكرون الطّوفان. وأقرّ بعض الفرس، لكنهم قالوا:
لم يكن الطّوفان بسوى الشّام والمغرب، ولم يعمّ العمران كلّه، ولا غرّق إلاّ بعض النّاس، ولم يتجاوز عقبة حلوان، ولا بلغ إلى ممالك المشرق. قالوا: ووقع في زمان طهمورث (¬c)، وأنّ أهل المغرب لمّا أنذر حكماؤهم بالطّوفان، واتّخذوا المباني العظيمة، كالهرمين بمصر ونحوهما، ليدخلوا فيها عند حدوثه.
ولمّا بلّغ طهمورث الإنذار بالطّوفان، قبل كونه بمائة وإحدى وثلاثين سنة، أمر باختيار مواضع في مملكته صحيحة الهواء والتّربة، فوجد ذلك بأصبهان، فأمر بتجليد العلوم ودفنها فيها في أسلم المواضع. ويشهد لهذا ما وجد بعد الثلاث مائة من سني الهجرة، في حيّ من مدينة أصبهان، من التّلال التي انشقّت عن بيوت مملوءة أعدالا عدّة كثيرة، قد ملئت من لحاء الشّجر التي تلبّس بها القسيّ وتسمّى التّوز، مكتوبة بكتابة لم يدر أحد ما هي (١).
وأمّا المنجّمون فإنّهم صحّحوا هذه السنين من القران الأوّل من قرانات العلويين زحل والمشتري، التي أثبت علماء أهل بابل والكلدانيين مثلها إذ كان الطّوفان ظهوره من جهة (¬d) ناحيتهم، فإنّ السّفينة استقرّت على الجوديّ، وهو غير بعيد من تلك النّواحي. قالوا: وكان هذا القران قبل الطّوفان بمائتين وتسع (¬a) وعشرين سنة ومائة وثمانية أيام، واعتنوا بأمرها وصحّحوا ما بعدها، فوجدوا ما بين الطّوفان وبين أوّل ملك بخت نصّر الأوّل ألفي سنة وستّ مائة وأربع سنين، وبين بخت نصّر هذا وبين الإسكندر أربع مائة وست وثلاثون سنة؛ وعلى ذلك بنى
стр. 827
أبو معشر أوساط الكواكب في زيجة، وقال: كان الطّوفان عند اجتماع الكواكب في آخر برج الحوت وأوّل برج الحمل، وكان بين وقت الطّوفان وبين تأريخ الإسكندر قدر ألفي سنة وسبع مائة وتسعين سنة مكبوسة وسبعة أشهر وستة وعشرين يوما (١)، وبينه وبين يوم الخميس أوّل المحرّم من السنة الأولى من سني الهجرة النّبويّة ألف ألف يوم وثلاث مائة ألف يوم وتسعة وخمسون ألف يوم وتسع مائة يوم وثلاثة وسبعون يوما، يكون من السّنين الفارسيّة المصرية ثلاثة آلاف سنة وسبع مائة سنة وخمسا وعشرين سنة وثلاث مائة يوم وثمانية وأربعين يوما.
ومنهم من يرى أنّ الطّوفان كان يوم الجمعة، وعند أبي معشر أنّه كان يوم الخميس.
ولمّا تقرّر عنده الجملة المذكورة، وخرجت له المدّة التي تسمّى أدوار الكواكب - وهي بزعمهم ثلاث مائة ألف وستون ألف سنة شمسية، وأوّلها متقدّم على وقت الطّوفان بمائة ألف وثمانين ألف سنة شمسيّة - حكم بأنّ الطّوفان كان في مائة ألف وثمانين ألف سنة، وسيكون فيما بعد كذلك. ومثل هذا لا يقبل إلاّ بحجّة، أو من معصوم (٢).
وأمّا تأريخ بخت نصّر فإنّه على سني القبط وعليه يعمل في استخراج مواضع الكواكب [السّيّارة] (¬a) من كتاب المجسطي، ثم أدوار فاللبس (¬b)، وأوّل أدواره في سنة ثماني عشرة وأربع مائة لبخت نصّر، وكلّ دور منها ستّ وسبعون سنة شمسيّة (٣). وكان فاللبس من جلّة أصحاب التّعاليم.
وبخت نصّر هذا ليس هو الذي خرّب بيت المقدس، وإنّما هو آخر كان قبل بخت نصّر مخرّب بيت المقدس بمائة وثلاث وأربعين سنة، وهو اسم فارسي أصله «بخت نرسي» ومعناه:
كثير البكاء والأنين، ويقال له بالعبرانية: نصّار، وقيل تفسيره عطارد، وهو ينطق وذلك لتحنّنه (¬c) على الحكمة وتغريب أهلها، ثم عرّب فقيل بخت نصّر (٤).
وأمّا تأريخ فيلبش فإنه على سني القبط، وكثيرا ما يستعمل هذا التأريخ من موت الإسكندر البنّاء المقدوني، وكلا الأمرين سواء، فإنّ القائم بعد البنّاء هو فيلبش، فسواء كان من موت الأوّل
стр. 828
أو من قيام الآخر، فإنّ الحالة المؤرّخة هي كالفصل المشترك بينهما، وفيلبش هذا هو أبو الإسكندر المقدوني. ويعرف هذا التأريخ بتأريخ الإسكندرانيين وعليه بنى ثاون الإسكندراني في زيجه (¬a) المعروف بالقانون (١).
وأمّا تأريخ الإسكندر فإنّه على سني الرّوم، وعليه يعمل أكثر الأمم إلى وقتنا هذا، من أهل الشّام وأهل بلاد الرّوم وأهل المغرب والأندلس والفرنج واليهود، وقد تقدّم الكلام عليه عند ذكر الإسكندرية من هذا الكتاب (٢).
وأمّا/ تأريخ أغسطس فإنّه لا يعرف اليوم أحد يستعمله. وأغسطس هذا هو أوّل القياصرة، ومعنى قيصر بالرّومية: شقّ عنه، فإنّ أغسطس هذا لمّا حملت به أمّه ماتت في المخاض، فشقّ بطنها حتى أخرج منه، فقيل قيصر، وبه يلقّب من بعده من ملوك الرّوم. ويزعم النّصارى أنّ المسيح ﵇ ولد لأربعين سنة من ملكه، وفي هذا القول نظر، فإنّه لا يصحّ عند سياقة السّنين والتّواريخ، بل يجيء تعديل ولادته ﵇ في السنة السابعة عشر من ملكه (٣).
وأمّا تأريخ أنطنينس فإنّ بطلميوس صحّح الكواكب الثابتة في كتابه المعروف بالمجسطي لأوّل ملكه على الرّوم، وسنو هذا التأريخ روميّة (٤).
ذكر تأريخ القبط
اعلم أنّ السّنة الشّمسيّة عبارة عن عود الشّمس في فلك البروج إذ تحرّكت على خلاف حركة الكلّ، إلى أي نقطة فرضت ابتداء حركتها، وذلك أنّها تستوفي الأزمنة الأربعة التي هي الرّبيع والصّيف والخريف والشّتاء، وتحوز طبائعها الأربع، وتنتهي إلى حيث بدأت [منه] (¬b) (٥).
وفي هذه المدّة يستوفي القمر اثنتي عشرة عودة وأقلّ من نصف عودة، ويستهلّ اثنتي عشرة مرّة، فجعلت المدّة التي فيها عودات القمر الاثنتا عشرة في فلك البروج سنة للقمر على جهة
стр. 829
الاصطلاح، وأسقط الكسر الذي هو أحد عشر يوما بالتّقريب، فصارت السّنة على قسمين:
سنة شمسيّة، وسنة قمريّة (١).
وجميع من على وجه الأرض من الأمم، أخذوا تواريخ سنيهم من مسير الشّمس والقمر: فالآخذون بسير الشّمس خمس أمم، هم اليّونانيون والسّريانيون والقبط والرّوم والفرس. والآخذون بسير القمر خمس أمم، هم الهند والعرب واليهود والنّصارى والمسلمون (٢).
فأهل قسطنطينيّة والإسكندرية وسائر الرّوم والسّرنانيون والكلدانيون وأهل مصر ومن يعمل برأي المعتضد، أخذوا بالسّنة الشّمسيّة التي هي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم بالتقريب، وصيّروا السّنة ثلاث مائة وخمسة وستين يوما، وألحقوا الأرباع بها في كلّ أربع سنين يوما حتى انجبرت السّنة، وسمّوا تلك السنة كبيسة لانكباس الأرباع فيها.
وأمّا قبط مصر القدماء فإنّهم كانوا يتركون الأرباع حتى يجتمع منها أيّام سنة تامّة، وذلك في كلّ ألف وأربع مائة وستين سنة، ثم يكبسونها سنة واحدة، ويتّفقون حينئذ في أوّل تلك السّنة مع أهل الإسكندرية وقسطنطينيّة (٣).
وأمّا الفرس فإنّهم جعلوا السّنة ثلاث مائة وخمسة وستين يوما من غير كبس، حتى اجتمع لهم من ربع اليوم - في مائة وعشرين سنة - أيّام شهر تام، ومن خمس السّاعة - الذي يتبع ربع اليوم عندهم - يوم واحد، فألحقوا الشّهر التّام بها في كلّ مائة وستّ عشرة سنة. واقتفى أثرهم في هذا أهل خوارزم القدماء والصّغد ومن دان بدين فارس (٤).
وكانت الملوك البيشذاذيّة منهم - وهم الذين ملكوا الدّنيا بحذافيرها - يعملون السّنة ثلاث مائة وخمسة وستين يوما، كلّ شهر منها ثلاثون يوما سواء، وكانوا يكبسون السّنة كلّ ست سنين بيوم ويسمّونها كبيسة، وكلّ مائة وعشرين سنة بشهرين: أحدهما بسبب الخمسة الأيام، والثاني بسبب ربع اليوم. وكانوا يعظّمون تلك السّنة ويسمّونها المباركة (٥).
стр. 830
وأمّا قدماء القبط وأهل فارس في الإسلام وأهل خوارزم والصّغد (¬a)، فتركوا الكسور، أعني الرّبع وما يتبعه أصلا (١).
وأمّا العبرانيّون وجميع بني إسرائيل والصّابئون والحرّانيّون، فإنّهم أخذوا السّنة من مسير الشّمس وشهورها من مسير القمر، لتكون أعيادهم وصيامهم على حساب قمريّ، وتكون مع ذلك حافظة لأوقاتها من السّنة، فكبسوا كلّ تسع عشرة سنة قمريّة بسبعة (¬b) أشهر. ووافقهم النّصارى في صومهم وبعض أعيادهم، لأنّ مدار أمرهم على فصح اليهود، وخالفوهم في الشّهور إلى مذهب الرّوم والسّريانيين (٢).
وكانت العرب في جاهليتها (¬c) تنظر إلى فضل ما بين سنتهم وسنة القمر، وهو عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمس ساعة، فيلحقون ذلك بها شهرا كلّما تمّ منها ما يستوفي أيام شهر، ولكنّهم كانوا يعملون على أنّه عشرة أيام وعشرون ساعة، وكان يتولّى ذلك النّسأة من بني كنانة المعروفون بالقلامس - واحدهم قلمّس، وهو البحر الغزير - وهم (¬d) أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أميّة بن قلع [بن عبّاد بن قلع بن خذيفة وكانوا كلهم نسأة] (¬e)؛ وأوّل من فعل ذلك منهم حذيفة بن عبد فقيم، وآخر من فعله أبو ثمامة (٣).
وأخذ العرب الكبس من اليهود قبل مجيء دين الإسلام بنحو المائتي سنة، وكانوا يكبسون في كلّ أربع وعشرين سنة تسعة أشهر، حتى تبقى أشهر السّنة ثابتة مع الأزمنة على حالة واحدة، لا تتأخّر عن أوقاتها ولا تتقدّم؛ إلى أن حجّ رسول اللّه ﷺ [حجّة الوداع] (¬e)، وأنزل اللّه تعالى عليه: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اَللّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اَللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاَللّهُ لا يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكافِرِينَ﴾ [الآية ٣٧ سورة التوبة]، فخطب ﷺ ، وقال: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السّموات والأرض» فبطل النّسيء، وزالت شهور العرب عمّا كانت عليه، وصارت أسماؤها غير دالّة على معانيها (٤).
стр. 831
وأمّا أهل الهند، فإنّهم يستعملون رؤية الأهلة في شهورهم، ويكبسون كلّ تسع مائة سنة وستة (¬a) وسبعين يوما بشهر قمريّ، ويجعلون ابتداء تأريخهم اتّفاق اجتماع في أوّل دقيقة من برج ما، وأكثر طلبهم لهذا الاجتماع أن يتّفق في إحدى نقطتي الاعتدالين، ويسمّون السّنة الكبيسة بذماسة (¬b) (١).
فهذه آراء الخليقة في السّنة.
وأمّا اليّوم فإنّه عبارة عن عود الشّمس بدوران الكلّ إلى دائرة قد فرضت. وقد اختلف فيه:
فجعله العرب من غروب الشّمس إلى غروبها من الغدّ. ومن أجل أنّ شهور العرب مبنيّة على مسير القمر، وأوائلها مقيّدة برؤية الهلال - والهلال يرى لدن غروب الشّمس - صارت اللّيلة عندهم قبل النّهار (٢).
وعند الفرس والرّوم اليوم بليلته من طلوع الشّمس بارزة من أفق المشرق إلى وقت طلوعها من الغد، فصار النّهار عندهم قبل اللّيل. واحتجّوا على قولهم بأنّ النّور وجود والظّلمة عدم، والحركة تغلب على السّكون، لأنّها وجود لا عدم وحياة لا موت، والسّماء أفضل من الأرض، والعامل الشّاب أصحّ، والماء الجاري لا يقبل عفونة كالرّاكد (٣).
واحتجّ الآخرون بأنّ الظّلمة أقدم من النّور والنّور طارئ عليها فالأقدم يبدأ به، وغلّبوا السّكون على الحركة بإضافة الراحة والدّعة إليه، وقالوا: الحركة إنّما هي الحاجة، والضّرورة والتّعب تنتجه الحركة، والسّكون إذا دام في الاستقصاءات مدّة لم يولّد فسادا، فإذا دامت الحركة في الاستقصاءات واستحكمت أفسدت، وذلك كالزّلازل والعواصف والأمواج وشبهها (٤).
وعند أصحاب التّنجيم أنّ اليوم بليلته من موافاة الشّمس فلك نصف النّهار إلى موافاتها إيّاه في الغد، وذلك من وقت الظّهر إلى وقت العصر، وبنوا على ذلك حساب أزياجهم. وبعضهم ابتدأ باليوم من نصف اللّيل، وهو صاحب زيج شهرياران الشاه (¬c) (٥)، وهذا هو حدّ اليوم على الإطلاق
стр. 832
إذا اشترط الليلة في التركيب. فأمّا على التّفصيل: فاليوم بانفراده والنّهار بمعنى واحد، وهو من طلوع جرم الشّمس إلى غروب جرمها، واللّيل خلاف ذلك وعكسه (١).
وحدّ بعضهم أوّل النّهار بطلوع الفجر، وآخره بغروب الشّمس، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيامَ إِلَى اَللَّيْلِ﴾ [الآية ١٨٧ سورة البقرة]، وقال: هذان الحدّان هما طرفا النّهار. وعورض بأنّ الآية إنّما فيها بيان طرفي الصّوم لا تعريف أوّل النّهار، وبأنّ الشّفق، من جهة المغرب نظير الفجر من جهة المشرق، وهما متساويان في العلّة، فلو كان طلوع الفجر أوّل النّهار لكان غروب الشّفق آخره، وقد التزم ذلك بعض الشّيعة (٢).
فإذا تقرّر ذلك فنقول: تأريخ القبط يعرف عند نصارى مصر الآن بتأريخ الشّهداء، ويسمّيه بعضهم تأريخ دقلطيانوس (¬a).
ذكر دقلديانوس (¬b) الذي يعرف تأريخ القبط به (٣) - اعلم أنّ دقلديانوس (¬b) [Diocletianus] هذا أحد ملوك الرّوم المعروفين بالقياصرة، ملك في منتصف سنة خمس وتسعين وخمس مائة من سني الإسكندر (٤). وكان من غير بيت الملك، فلمّا ملك تجبّر، وامتدّ ملكه إلى مدائن الأكاسرة ومدينة بابل، فاستخلف ابنه على مملكة رومة، واتّخذ تخت ملكه بمدينة أنطاكية، وجعل لنفسه بلاد الشّام ومصر إلى أقصى المغرب.
فلمّا كان في السنة التاسعة عشر من ملكه، وقيل الثانية عشرة، خالف عليه أهل مصر والإسكندرية، فبعث إليهم وقتل منهم خلقا كثيرا، وأوقع بالنّصارى، فاستباح دماءهم، وغلّق كنائسهم، ومنع من دين النّصارى، وحمل الناس على عبادة الأصنام، وبالغ في الإسراف في قتل النّصارى.
стр. 833
وأقام ملكا إحدى وعشرين سنة، وهلك بعد علل صعبة دوّد منها بدنه، وسقطت أسنانه.
وهو آخر من عبد الأصنام من ملوك الرّوم (١)، وكلّ من ملك بعده فإنّما كان على دين النّصرانية، فإنّ الذي ملك بعده ابنه سنة واحدة، وقيل أكثر من ذلك. ثم ملك قسطنطين الأكبر، فأظهر دين النّصرانية ونشره في الأرض (٢).
ويقال إنّ رجلا ثار بمصر يقال له «أجلة» [Achilleus]، وخرج عن طاعة الرّوم، فسار إليه دقلديانوس وحصر الإسكندرية - دار الملك يومئذ - ثمانية أشهر حتى أخذ أجلة وقتله، وعمّ أرض مصر كلها بالسّبي والقتل (٣).
وبعث قائدة فحارب سابور ملك فارس، وقتل أكثر عسكره، وهزمه وأسر امرأته وإخوته، وأثخن في بلاده، وعاد بأسرى كثيرة من رجال فارس، ثم أوقع بعامّة بلاد رومة فأكثر في قتلهم وسبيهم، فكانت أيّامه شنعة، قتل فيها من أصناف الأمم، وهدم من بيوت العبادات ما لا يدخل تحت حصر.
وكانت واقعته بالنّصارى/ هي الشّدّة العاشرة، وهي أشنع شدائدهم وأطولها، لأنّها دامت عليهم مدّة عشر سنين، لا يفتر يوما واحدا يحرق فيها كنائسهم، ويعذّب رجالهم، ويطلب من استتر منهم أو هرب ليقتل، يريد بذلك قطع أثر النّصارى وإبطال دين النّصرانيّة من الأرض، فلهذا اتّخذوا ابتداء ملك دقلطيانوس تأريخا.
وكان ابتداء ملكه يوم الجمعة، وبينه وبين يوم الاثنين أوّل يوم من توت، وهو أوّل أيّام ملك الإسكندر بن فيلبش المقدوني، خمس مائة وأربع وتسعون سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة أيام وبين يوم الجمعة، أوّل يوم من تأريخ دقلديانوس، وبين يوم الخميس أوّل يوم من سنة الهجرة النّبويّة ثلاث مائة وثمان وثلاثون سنة قمريّة وتسعة وثلاثون يوما.
وجعلوا شهور السّنة القبطيّة اثني عشر شهرا، كلّ شهر منها عدده ثلاثون يوما سواء. فإذا تمّت الأشهر الاثنا عشر، أتبعوها بخمسة أيّام زيادة على عدد أيّامها، وسمّوا هذه الخمسة الأيام أبو غمنا، وتعرف اليوم بأيّام النّسيء (٤).
стр. 834
فيكون الحال في النّسيء على ذلك ثلاث سنين متواليات، فإذا كان في السّنة الرابعة جعلوا النّسيء ستّة أيام، فتكون سنوهم ثلاث سنين متواليات كلّ سنة ثلاث مائة وخمسة وستون يوما، والرابعة يصير عددها ثلاث مائة وستة وستين يوما.
ويرجع حكم سنتهم إلى حكم سنة اليونانيين، بأن تصير سنتهم الوسطى ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، إلاّ أنّ الكبس يختلف فإذا كان كبس القبط في سنة، كان كبس اليونانيين في السنة الدّاخلة.
وأسماء شهور القبط - توت، بابه، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى (١). فهذه اثنا عشر شهرا، كلّ شهر منها عدده ثلاثون يوما، وإذا كانت عدّة شهر مسرى، وهو الشّهر الثاني عشر، زادوا أيام النّسيء بعد ذلك، وعملوا النّوروز أوّل يوم من شهر توت (٢).
ذكر أسابيع الأيّام
اعلم أنّ القدماء من الفرس والصّغد (¬a) وقبط مصر الأول لم يكونوا يستعملون الأسابيع من الأيّام في الشهور، وأوّل من استعملها أهل الجانب الغربي من الأرض، لا سيّما أهل الشّام وما حواليه، من أجل ظهور الأنبياء ﵈ فيما هنالك، وإخبارهم عن الأسبوع الأوّل وبدء العالم فيه، وأنّ اللّه خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام من الأسبوع.
ثم انتشر ذلك منهم في سائر الأمم، واستعملته العرب العاربة بسبب تجاور ديارهم وديار أهل الشّام، فإنّهم كانوا قبل تحوّلهم إلى اليمن ببابل، وعندهم أخبار نوح ﵇، ثم بعث اللّه تعالى إليهم هودا ثم صالحا ﵉، وأنزل فيهم إبراهيم خليل الرّحمن وابنه إسماعيل ﵉، فتعرّب إسماعيل.
وكانت القبط الأول تستعمل أسماء الأيّام الثلاثين من كلّ شهر، فتجعل لكلّ يوم منها اسما كما هو العمل في تاريخ الفرس؛ وما زالت القبط على هذا إلى أن ملك مصر أغسطس بن يوجس، فأراد أن يحملهم على كبس السّنين ليوافقوا الرّوم أبدا فيها، فوجدوا الباقي حينئذ إلى
стр. 835
تمام السنة الكبيسة الكبرى خمس سنين، فانتظر حتى مضى من ملكه خمس سنين، ثم حملهم على كبس الشّهور في كلّ أربع سنين بيوم كما تفعل الرّوم. فترك القبط من حينئذ استعمال أسماء الأيّام الثلاثين لاحتياجهم في يوم الكبس إلى اسم يخصّه (١)، وانقرض بعد ذلك مستعملو أسماء الأيام الثلاثين من أهل مصر والعارفون بها، ولم يبق لها ذكر يعرف في العالم بين النّاس، بل دثرت كما دثر غيرها من أسماء الرّسوم القديمة والعادات الأول، سنّة اللّه في الذين خلوا من قبل.
وكانت أسماء شهور القبط في الزّمن القديم: توت، باؤني (¬a)، أثور، شواقي (¬b)، طوبى، ماكير، فامينوث، برموثي، ناخون، باوني، أفيفي، أبيقا، وكلّ شهر منها ثلاثون يوما، ولكلّ يوم اسم يخصّه. ثم أحدث بعض رؤساء القبط، بعد استعمالهم الكبس، الأسماء التي هي اليوم متداولة بين الناس بمصر؛ إلاّ أنّ من الناس من يسمّي كيهك كياك، ويقول في برمهات برمهوط، وفي بشنس بشانس، وفي مسرى ماسوري.
ومن النّاس من يسمّي الخمسة الأيّام الزائدة أيّام النّسيء، ومنهم من يسمّيها أبو غمنا (¬c)، ومعنى ذلك: الشّهر الصّغير، وهي كما تقدّم تلحق في آخر مسرى، وفيه يزاد اليوم الكبيس، فيكون أبو غمنا (¬c) ستة أيام حينئذ، ويسمّون السّنة الكبيسة النّقط، ومعناه العلامة (٢).
ومن خرافات القبط أنّ شهورهم هي شهور سني نوح وشيث وآدم منذ ابتداء العالم، وأنّها لم تزل على ذلك إلى أن خرج موسى ببني إسرائيل من مصر، فعملوا أوّل سنتهم خامس عشر نيسان كما أمروا به في التّوراة، إلى أن نقل الإسكندر رأس سنتهم إلى أوّل تشرين.
وكذلك المصريون نقل بعض ملوكهم أوّل سنتهم إلى أوّل يوم من ملكه، فصار أوّل توت عندهم يتقدّم أوّل يوم/ خلق فيه العالم بمائتين وثمانية أيام، أوّلها يوم الثّلاثاء وآخرها يوم السّبت.
وكان توت أوّله في ذلك الوقت يوم الأحد، وهو أوّل يوم خلق اللّه فيه العالم، الذي يقال له الآن تاسع عشري برمهات.
стр. 836
وذلك أنّ أوّل من ملك على الأرض، بعد الطّوفان، نمرود بن كنعان بن حام بن نوح، فعمّر بابل، وهو أبو الكلدانيين. وملّك بنو مصريم بن حام بن نوح ﵇ منفس (¬a)، فبنى بمصر منف على النّيل، وسمّاها باسم جدّه مصرايم، وهو ثاني ملك ملك على الأرض. وهذان الملكان استعملا تأريخ جدّهما نوح ﵇ واستنّ بسنّتهم من جاء بعدهم حتى تغيّرت كما تقدّم.
ذكر أعياد القبط من النّصارى بديار مصر (١)
روى ابن يونس، عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: اجتنبوا عيد اليهود والنّصارى، فإنّ السّخط ينزل عليهم في مجامعهم، ولا تتعلّموا رطانتهم فتخلّقوا ببعض خلقهم.
(¬b)) وعن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الآية ٧٢ سورة الفرقان] قال: أعياد المشركين؛ فقيل له: أوما هذا في الشّهادة بالزّور؟ فقال: لا، إنّما آية شهادة الزّور: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ اَلسَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَاَلْفُؤادَ كُلُّ أُولائِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (¬b) [الآية ٣٦ سورة الإسراء].
اعلم أنّ نصارى مصر من القبط ينتحلون مذهب اليعقوبيّة كما تقدّم ذكره؛ وأعيادهم الآن، التي هي مشهورة بديار مصر، أربعة عشر عيدا في كلّ سنة من سنيهم القبطيّة: منها سبعة أعياد يسمّونها أعيادا كبارا، وسبعة يسمّونها أعيادا صغارا.
فالأعياد الكبار عندهم: عيد البشارة، وعيد الزّيتونة، وعيد الفصح، وعيد خميس الأربعين، وعيد الخمسين (¬c)، وعيد الميلاد، وعيد الغطاس.
والأعياد الصّغار: عيد الختان، وعيد الأربعين، وخميس العهد، وسبت النّور، وأحد الحدود، والتّجلّي، وعيد الصّليب.
стр. 837
ولهم مواسم أخر ليست هي عندهم من الأعياد الشّرعيّة، لكنّها عندهم من المواسم العادية، وهو يوم النّوروز.
وسأذكر من خبر هذه الأعياد ما لا تجده مجموعا في غير هذا الكتاب، على ما استخرجته من كتب النّصارى وتواريخ أهل الإسلام (١).
عيد البشارة -
هذا العيد عند النّصارى، أصله بشارة جبريل مريم بميلاد المسيح ﵉ وهم يسمّون جبريل غبريال، ويقولون مارت مريم، ويسمّون المسيح ياشوع، وربّما قالوا السّيّد يشوع. وهذا العيد تعمله نصارى مصر في اليوم التاسع والعشرين من شهر برمهات (٢).
عيد الزّيتونة -
ويعرف عندهم بعيد الشّعانين، ومعناه التّسبيح، ويكون في سابع أحد من صومهم. وسنّتهم في عيد الشّعانين أن يخرجوا بسعف (¬a) النّخل من الكنيسة، ويرون أنّه يوم ركوب المسيح اليعفور (¬b) (وهو الحمار) في القدس ودخوله إلى صهيون وهو راكب، والناس بين يديه يسبّحون، وهو يأمر بالمعروف، ويحث على عمل الخير، وينهى عن المنكر ويباعد عنه (٣).
وكان عيد الشّعانين من مواسم النّصارى بمصر التي تزيّن فيها كنائسهم. فلمّا كان لعشر خلون من شهر رجب سنة ثمان وتسعين (¬c) وثلاث مائة، كان عيد الشّعانين، فمنع الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور بن العزيز بالله، النّصارى من تزيين كنائسهم وحملهم الخوص على ما كانت عادتهم، وقبض على عدّة ممّن وجد معه شيئا من ذلك، وأمر بالقبض على ما هو محبّس على الكنائس من الأملاك، وأدخلها في الدّيوان، وكتب لسائر الأعمال بذلك، وأحرقت عدّة من صلبانهم على باب الجامع العتيق بمصر (¬d) والشّرطة (٤).
عيد الفصح (¬e) -
هذا العيد عندهم هو العيد الكبير، ويزعمون أنّ المسيح ﵇ لمّا تمالأ اليهود عليه، واجتمعوا على تضليله وقتله، قبضوا عليه وأحضروه إلى خشبة ليصلب عليها،
стр. 838
فصلب على خشبة عليها لصّان. وعندنا - وهو الحقّ - أنّ اللّه تعالى رفعه إليه، ولم يصلب ولم يقتل، وأنّ الذي صلب على الخشبة مع اللّصّين، غير المسيح ألقى اللّه عليه شبه المسيح (١).
قالوا: واقتسم الجند ثيابه، وغشي الأرض ظلمة من السّاعة السادسة من النّهار إلى السّاعة التاسعة من يوم الجمعة خامس عشر هلال نيسان للعبرانيين، وتاسع عشري برمهات، وخامس عشري آذار سنة [٥٧٠٣ قمرية] (¬a).
ودفن الشّبيه في (¬b) آخر النّهار بقبر، وأطبق عليه حجر عظيم، وختم عليه رؤساء اليهود، وأقاموا عليه الحرس باكر يوم السّبت كيلا يسرق. فزعموا أنّ المقبور قام من القبر ليلة الأحد سحرا، ومضى بطرس ويوحنّا التّلميذان إلى القبر، وإذا الثّياب التي كانت على المقبور فقط (¬c) بغير ميّت، وعلى القبر ملاك اللّه بثياب بيض، فأخبرهما بقيامة (¬d) المقبور من القبر.
قالوا: وفي عشيّة يوم الأحد هذا، دخل المسيح على تلاميذه وسلّم عليهم، وأكل معهم وكلّمهم وأوصاهم، وأمرهم بأمور قد تضمّنها إنجيلهم.
وهذا العيد عندهم بعد عيد الصّلبوت/ بثلاثة أيّام.
خميس الأربعين -
ويعرف عند أهل الشّام بالسّلاّق (¬e)، ويقال له أيضا عيد الصّعود، وهو اليوم (¬b) الثاني والأربعون من الفطر (٢). ويزعمون أنّ المسيح ﵇ بعد أربعين يوما من قيامته، خرج إلى بيت عنيا والتلاميذ معه، فرفع يديه وبارك عليهم وصعد إلى السّماء، وذلك عند إكماله ثلاثا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر. فرجع التّلامذة إلى أوراشليم - يعني بيت المقدس - وقد وعدهم باشتهار أمرهم، وغير ذلك ممّا هو معروف عندهم. فهذا اعتقادهم في كيفيّة رفع المسيح: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللّهِ حَدِيثاً﴾ [الآية ٨٧ سورة النساء].
عيد الخميس (¬f) -
وهو العنصرة، ويعملونه بعد خمسين يوما من يوم القيام (٣)، وزعموا أنّ بعد عشرة أيّام من الصّعود وخمسين يوما من قيامة المسيح، اجتمع التّلاميذ في علية صهيون، فتجلّى
стр. 839
لهم روح القدس في شبه ألسنة من نار، فامتلأوا من روح القدس، وتكلّموا بجميع الألسن، وظهرت على أيديهم آيات كثيرة، فعاداهم اليهود وحبسوهم، فنجّاهم اللّه منهم، وخرجوا من السّجن فساروا في الأرض متفرّقين يدعون الناس إلى دين المسيح.
الميلاد -
يزعمون أنّه اليوم الذي ولد فيه المسيح، وهو يوم الاثنين، فيجعلون عشيّة الأحد ليلة الميلاد (¬a). وسنّتهم فيه كثرة الوقود بالكنائس وتزيينها، ويعملونه بمصر في التاسع والعشرين من كيهك (١).
ولم يزل بديار مصر من المواسم المشهورة فكان يفرّق فيه - أيّام الدّولة الفاطميّة - على أرباب الرّسوم من الأستاذين المحنّكين والأمراء المطوّقين وسائر العوالي (¬b) من الكتّاب وغيرهم الجامات من الحلاوة القاهريّة، والمثارد التي فيها السّميذ، وقرابات الجلاّب، وطيافير الزّلابية، والسّمك المعروف بالبوري (٢).
ومن رسم النّصارى في الميلاد اللّعب بالنّار؛ ومن أحسن ما قيل:
[البسيط]
ما اللّعب بالنّار في الميلاد من سنّة (¬c) … وإنّما فيه للإسلام مقصود
ففيه بهت النّصارى أنّ ربّهم … عيسى بن مريم مخلوق ومولود
وأدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر إقليم مصر موسما جليلا، يباع فيه من الشّموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتّماثيل البديعة بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من النّاس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله. وكانوا يسمّونها الفوانيس (واحدها فانوس) (٣)، ويعلّقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئا يخرج عن الحدّ في الكثرة والملاحة. ويتنافس الناس في المغالاة في أثمانها، حتى لقد أدركت شمعة عملت فبلغ مصروفها ألف درهم وخمس مائة درهم فضّة، عنها يومئذ ما ينيف على سبعين مثقالا من الذّهب.
وأعرف السّؤّال في الطّرقات أيّام هذه المواسم، وهم يسألون اللّه أن يتصدّق عليهم بفانوس، فيشتري لهم من صغار الفوانيس ما يبلغ ثمنه الدّرهم وما حوله.
стр. 840
ثم لمّا اختلّت أمور مصر، كان من جملة ما بطل من عوائد التّرف عمل الفوانيس في الميلاد إلاّ قليلا.
الغطاس -
ويعمل بمصر في اليوم الحادي عشر من شهر طوبة؛ وأصله عند النّصارى أنّ يحيى ابن زكرياء ﵉ المعروف عندهم بيوحنّا المعمداني - عمّد المسيح (أي غسله) في بحيرة الأردنّ، وعندما خرج المسيح ﵇ من الماء اتّصل به روح القدس؛ فصار النّصارى لذلك يغمسون أولادهم في الماء في هذا اليوم، وينزلون فيه بأجمعهم، ولا يكون ذلك إلاّ في شدّة البرد، ويسمّونه يوم الغطاس، وكان له بمصر موسم عظيم إلى الغاية (١).
قال المسعوديّ: ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها، لا ينام الناس فيها، وهي ليلة الحادي عشر من طوبة. ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاث مائة ليلة الغطاس بمصر والإخشيد محمّد بن طغج - أمير مصر - في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة للنّيل (٢)، والنّيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج في جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل، غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشّمع. وقد حضر بشاطئ النّيل في تلك اللّيلة آلاف من النّاس من المسلمين ومن النّصارى: منهم في الزّوارق، ومنهم في الدّور الدّانية من النّيل، ومنهم على سائر الشّطوط، لا يتناكرون كلّ ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس وآلات الذّهب والفضّة والجوهر والملاهي والعزف والقصف؛ وهي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سرورا، ولا تغلق فيها الدّروب، ويغطّس أكثرهم في النّيل، ويزعمون أنّ ذلك أمان من المرض ونشرة للداء (٣).
وقال المسبّحيّ في «تاريخه» من حوادث سنة سبع وستين وثلاث مائة: منع النّصارى من إظهار ما كانوا يفعلونه في الغطاس من الاجتماع ونزول الماء وإظهار الملاهي، ونودي أنّ من عمل ذلك نفي من الحضرة (٤).
وقال: في سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة كان الغطاس، فضربت الخيام والمضارب والأسرّة في عدّة مواضع على شاطئ النّيل، ونصبت أسرّة للرّئيس فهد بن إبراهيم النّصراني كاتب الأستاذ برجوان، وأوقدت له الشّموع والمشاعل، وحضر المغنّون والملهون، وجلس مع أهله يشرب إلى أن كان/ وقت الغطاس فغطّس وانصرف (٥).
стр. 841
وقال: في سنة إحدى وأربع مائة، وفي ثامن عشري جمادى الأولى، وهو عاشر طوبة، منع النّصارى من الغطاس، فلم يغطّس أحد منهم في البحر (١).
وقال في حوادث سنة خمس عشرة وأربع مائة: وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة: كان غطاس النّصارى، فجرى الرّسم من النّاس في شراء الفواكه والضّأن وغيره، ونزل أمير المؤمنين الظّاهر لإعزاز دين اللّه لقصر جدّه العزيز باللّه في مصر، لنظر الغطاس ومعه الحرم، ونودي ألاّ يختلط المسلمون مع النّصارى عند نزولهم في البحر في اللّيل (¬a).
وضرب بدر الدّولة، الخادم الأسود متولّي الشّرطتين، خيمة عند الجسر وجلس فيها، وأمر أمير المؤمنين بأن توقد النّار والمشاعل في اللّيل، وكان وقيدا كثيرا، وحضر الرّهبان والقسوس بالصّلبان والنّيران، فقسّسوا هناك طويلا إلى أن غطّسوا (٢).
وقال ابن المأمون في «تاريخه» من حوادث سنة سبع عشرة وخمس مائة، وذكر الغطاس:
ففرّق أهل الدّولة ما جرت به العادة لأهل الرّسوم من الأترجّ والنارنج واللّيمون المراكبي (¬b)، وأطنان القصب والبوري، بحسب الرّسوم المقرّرة بالدّيوان لكلّ أحد (¬c) (٣).
الختان -
يعمل في سادس شهر بئونة، ويزعمون أنّ المسيح ختن في هذا اليوم، وهو الثامن من الميلاد، والقبط من دون النّصارى تختتن (¬d) بخلاف غيرهم (٤).
الأربعون -
وهو عندهم دخول المسيح الهيكل، ويزعمون أنّ سمعان الكاهن دخل بالمسيح مع أمّه [الهيكل] (¬e) وبارك عليه، ويعمل في ثامن شهر أمشير (٥).
خميس العهد -
ويعمل قبل الفصح بثلاثة أيّام، وسنّتهم فيه أن يملأوا إناء من ماء ويزمرمون عليه، ثم يغسل البترك به (¬f) أرجل سائر النّصارى، ويزعمون أنّ المسيح فعل هذا بتلامذته في مثل هذا اليوم كي يعلّمهم التّواضع، ثم أخذ عليهم العهد ألاّ يتفرّقوا، وأن يتواضع بعضهم لبعض.
стр. 842
وعوامّ أهل مصر في وقتنا يقولون: خميس العدس، من أجل أنّ النّصارى تطبخ فيه العدس المصفّى (١)؛ ويقول أهل الشّام: خميس الأرز وخميس البيض؛ ويقول أهل الأندلس: خميس إبريل، وإبريل اسم شهر من شهورهم.
وكان في الدّولة الفاطمية تضرب في خميس العدس هذا خمس مائة دينار، فتعمل خراريب تفرّق في أهل الدّولة برسوم مقرّرة (¬a)، كما ذكر في أخبار القصر من القاهرة عند ذكر دار الضّرب من هذا الكتاب (٢).
وأدركنا خميس العدس هذا في القاهرة ومصر وأعمالهما من جملة المواسم العظيمة، فيباع في أسواق القاهرة من البيض المصبوغ عدّة ألوان ما يتجاوز حدّ الكثرة، فيقامر به العبيد والصّبيان والغوغاء، وينتدب لذلك من جهة المحتسب من يردعهم في بعض الأحيان، ويهادي النّصارى بعضهم بعضا، ويهدون إلى المسلمين أنواع السّمك المنوّع مع العدس المصفّى والبيض. وقد بطل ذلك لما حلّ بالنّاس، وبقيت منه بقيّة.
سبت النّور -
وهو قبل الفصح بيوم، ويزعمون أنّ النّور يظهر على قبر المسيح - بزعمهم - في هذا اليوم بكنيسة القمامة من القدس، فتشعل مصابيح الكنيسة كلّها (٣). وقد وقف أهل الفحص والتّفتيش على أنّ هذا من جملة مخاريق النّصارى بصناعة يعملونها.
وكان بمصر هذا اليّوم من جملة المواسم، ويكون ثالث يوم من خميس العدس، ومن توابعه.
حدّ الحدود -
وهو بعد الفصح بثمانية أيّام، فيعمل أوّل أحد بعد الفطر لأنّ الآحاد قبله مشغولة بالصّوم، وفيه يجدّدون الآلات والأثاث واللّباس، ويأخذون في المعاملات والأمور الدّنيوية والمعاش (٤).
عيد التّجلّي -
يعمل في ثالث عشر شهر مسرى، يزعمون أنّ المسيح تجلّى لتلاميذه بعد ما رفع، وتمنّوا عليه أن يحضر لهم إيلياء وموسى ﵉ فأحضرهما إليهم بمصلّى بيت المقدس، ثم صعد إلى السّماء وتركهم (٥).
стр. 843
عيد الصّليب -
ويعمل في اليوم السّابع عشر من شهر توت، وهو من الأعياد المحدثة، وسببه
ظهور الصّليب -
بزعمهم - على يد هيلانا أمّ قسطنطين (١)، وله خبر طويل عندهم ملخّصه ما أنت تراه.
ذكر قسطنطين (٢) - وقسطنطين هذا هو ابن قسطنش بن وليطوس بن ولنطينوس بن دقيون بن كلوديش بن غايش بن أكتبيان أغشت الأعظم الملقّب قيصر؛ وهو أوّل من ثبّت دين النّصرانيّة، وأمر بقطع الأوثان وهدم هياكلها وبنيان البيع، وآمن من الملوك بالمسيح. وكانت أمّه هيلانة من مدينة الرّها، فنشأ بها مع أمّه وتعلّم العلوم، ولم يزل في غاية من الظّفر والسّعادة، معانا منصورا على كلّ من حاربه.
وكان في أوّل أمره على دين المجوس، شديدا على النّصارى ماقتا لدينهم، وكان سبب رجوعه عن ذلك إلى دين النّصرانيّة أنّه ابتلي بجذام ظهر عليه، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا، وجمع الحذّاق من الأطبّاء، فاتّفقوا على أدوية دبّروها له، وأوجبوا أن يستنقع - بعد أخذ تلك الأدوية - في صهريج مملوء من دماء أطفال رضّع ساعة يسيل منهم.
فتقدّم أمره بجمع جملة من أطفال النّاس، وأمر بذبحهم في صهريج ليستنقع في دمائهم وهي طريّة، فجمعت الأطفال لذلك، وبرز ليمضي فيهم ما تقدّم به من ذبحهم، فسمع ضجيج النّساء اللاّئي أخذ/ أولادهنّ فرحمهنّ وأمر فدفع لكلّ واحدة ابنها، وقال: احتمال علّتي أولى بي وأوجب من هلاك هذه العدّة العظيمة من البشر. فانصرف النّساء بأولادهنّ وقد سررن سرورا كثيرا.
فلمّا صار من اللّيل إلى مضجعه، رأى في منامه شيخا يقول له: إنّك رحمت الأطفال وأمّهاتهم، ورأيت احتمال علّتك أولى من ذبحهم، فقد رحمك اللّه ووهبك السّلامة من علّتك، فابعث إلى رجل من أهل الإيمان يدعى «شلبشتر» قد فرّ خوفا منك، وقف عند ما يأمرك
стр. 844
به، والتزم ما يخصّك عليه تتم لك العافية. فانتبه مذعورا، وبعث في طلب شلبشتر الأسقف، فأتي به إليه وهو يظنّ أنّه يريد قتله، لما عهده من غلظته على النّصارى ومقته لدينهم؛ فعند ما رآه تلقّاه بالبشر وأعلمه بما رآه في منامه، فقصّ عليه دين النّصرانيّة، وكانت له معه أخبار طويلة مذكورة عندهم. فبعث قسطنطين في جمع الأساقفة المنفيين والمسيّرين، والتزم دين النّصرانيّة، وشفاه اللّه من الجذام، فأيّد الدّيانة، وأعلن بالإيمان بدين المسيح.
وبينا هو في ذلك، إذ توقّع وثوب أهل رومة عليه وإيقاعهم به، فخرج عنها وبنى مدينة قسطنطينية بنيانا جليلا فعرفت به، وسكنها فصارت موضع تخت الملك من عهده (١).
وقد كان النّصارى، من لدن زمان نيرون (¬a) الملك الذي قتل [بيطر وبولس] (¬b) الحواريين ومن بعده ممّن ملك رومة، في كلّ وقت يقتلون ويحبسون ويشرّدون بالنّفي، فلمّا سكن قسطنطين مدينة قسطنطينية، جمع إلى نفسه أهل المسيح وقوّد (¬c) وجوههم، وأذلّ عبّاد الأوثان. فشقّ ذلك على أهل رومة، وخلعوا طاعته، وقدّموا عليهم ملكا، فأهمّه ذلك، ومرّت له معهم عدّة أخبار مذكورة في تاريخ رومة. ثم إنّه خرج من قسطنطينيّة يريد رومة، وقد استعدّوا لحربه، فلمّا قاربهم أذعنوا له، والتزموا طاعته، فدخلها فأقام إلى أن رجع لحرب الفرس، وخرج إليهم فقهرهم، ودانت له أكثر ممالك الدّنيا. فلمّا كان في عشرين سنة من دولته، خرجت القوط (¬d) على بعض أطرافه، فغزاهم وأخرجهم عن بلاده.
ورأى في منامه كأنّ بنودا شبه الصّليب قد رفعت، وقائلا يقول له: إن أردت أن تظفر بمن خالفك، فاجعل هذه العلامات على جميع بزّك (٢) وشكلك (¬e). فلمّا انتبه أمر بتجهيز أمّه
стр. 845
هيلانة [Helana] إلى بيت المقدس في طلب آثار المسيح ﵇ وبناء الكنائس وإقامة شرائع (¬a) النّصرانيّة، فسارت إلى بيت المقدس، وبنت الكنائس (١).
فيقال إنّ الأسقف مقاريوس دلّها على الخشبة التي زعموا أنّ المسيح صلب عليها، وقد قصّ عليها ما عمل به اليهود، فحفرت، فإذا قبر وثلاث خشبات على شكل الصّليب، فزعموا أنّهم ألقوا الثّلاث خشبات على ميّت، واحدة بعد واحدة، فقام حيّا عندما وضعت عليه الخشبة الثالثة منها. فاتّخذوا ذلك اليوم عيدا، وسمّوه «عيد الصّليب»، وكان في اليوم الرابع عشر من أيلول والسابع عشر من توت، وذلك بعد ولادة المسيح بثلاث مائة وثمان وعشرين سنة. وجعلت هيلانة لخشبات الصّليب غلافا من ذهب، وبنت كنيسة القمامة ببيت المقدس على قبر المسيح بزعمهم، وكانت لها مع اليهود أخبار كثيرة قد ذكرت عندهم، ثم انصرفت بالصّليب معها إلى ابنها (٢).
وما زال قسطنطين على ممالك الرّوم إلى أن مات بعد أربع وعشرين سنة من ولايته، فقام من بعده بممالك الرّوم ابنه قنسطنطين [Constantius] الأصغر (٣).
وقد كان لعيد الصّليب بمصر موسم عظيم يخرج الناس فيه إلى بني وائل بظاهر فسطاط مصر، ويتظاهرون في ذلك اليوم بالمنكرات من أنواع المحرّمات، ويمرّ لهم فيه ما يتجاوز الحدّ.