وقال: في سنة إحدى وأربع مائة، وفي ثامن عشري جمادى الأولى، وهو عاشر طوبة، منع النّصارى من الغطاس، فلم يغطّس أحد منهم في البحر (١).
وقال في حوادث سنة خمس عشرة وأربع مائة: وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة: كان غطاس النّصارى، فجرى الرّسم من النّاس في شراء الفواكه والضّأن وغيره، ونزل أمير المؤمنين الظّاهر لإعزاز دين اللّه لقصر جدّه العزيز باللّه في مصر، لنظر الغطاس ومعه الحرم، ونودي ألاّ يختلط المسلمون مع النّصارى عند نزولهم في البحر في اللّيل (¬a).
وضرب بدر الدّولة، الخادم الأسود متولّي الشّرطتين، خيمة عند الجسر وجلس فيها، وأمر أمير المؤمنين بأن توقد النّار والمشاعل في اللّيل، وكان وقيدا كثيرا، وحضر الرّهبان والقسوس بالصّلبان والنّيران، فقسّسوا هناك طويلا إلى أن غطّسوا (٢).
وقال ابن المأمون في «تاريخه» من حوادث سنة سبع عشرة وخمس مائة، وذكر الغطاس:
ففرّق أهل الدّولة ما جرت به العادة لأهل الرّسوم من الأترجّ والنارنج واللّيمون المراكبي (¬b)، وأطنان القصب والبوري، بحسب الرّسوم المقرّرة بالدّيوان لكلّ أحد (¬c) (٣).
الختان -
يعمل في سادس شهر بئونة، ويزعمون أنّ المسيح ختن في هذا اليوم، وهو الثامن من الميلاد، والقبط من دون النّصارى تختتن (¬d) بخلاف غيرهم (٤).
الأربعون -
وهو عندهم دخول المسيح الهيكل، ويزعمون أنّ سمعان الكاهن دخل بالمسيح مع أمّه [الهيكل] (¬e) وبارك عليه، ويعمل في ثامن شهر أمشير (٥).
خميس العهد -
ويعمل قبل الفصح بثلاثة أيّام، وسنّتهم فيه أن يملأوا إناء من ماء ويزمرمون عليه، ثم يغسل البترك به (¬f) أرجل سائر النّصارى، ويزعمون أنّ المسيح فعل هذا بتلامذته في مثل هذا اليوم كي يعلّمهم التّواضع، ثم أخذ عليهم العهد ألاّ يتفرّقوا، وأن يتواضع بعضهم لبعض.
стр. 842
وعوامّ أهل مصر في وقتنا يقولون: خميس العدس، من أجل أنّ النّصارى تطبخ فيه العدس المصفّى (١)؛ ويقول أهل الشّام: خميس الأرز وخميس البيض؛ ويقول أهل الأندلس: خميس إبريل، وإبريل اسم شهر من شهورهم.
وكان في الدّولة الفاطمية تضرب في خميس العدس هذا خمس مائة دينار، فتعمل خراريب تفرّق في أهل الدّولة برسوم مقرّرة (¬a)، كما ذكر في أخبار القصر من القاهرة عند ذكر دار الضّرب من هذا الكتاب (٢).
وأدركنا خميس العدس هذا في القاهرة ومصر وأعمالهما من جملة المواسم العظيمة، فيباع في أسواق القاهرة من البيض المصبوغ عدّة ألوان ما يتجاوز حدّ الكثرة، فيقامر به العبيد والصّبيان والغوغاء، وينتدب لذلك من جهة المحتسب من يردعهم في بعض الأحيان، ويهادي النّصارى بعضهم بعضا، ويهدون إلى المسلمين أنواع السّمك المنوّع مع العدس المصفّى والبيض. وقد بطل ذلك لما حلّ بالنّاس، وبقيت منه بقيّة.
سبت النّور -
وهو قبل الفصح بيوم، ويزعمون أنّ النّور يظهر على قبر المسيح - بزعمهم - في هذا اليوم بكنيسة القمامة من القدس، فتشعل مصابيح الكنيسة كلّها (٣). وقد وقف أهل الفحص والتّفتيش على أنّ هذا من جملة مخاريق النّصارى بصناعة يعملونها.
وكان بمصر هذا اليّوم من جملة المواسم، ويكون ثالث يوم من خميس العدس، ومن توابعه.
حدّ الحدود -
وهو بعد الفصح بثمانية أيّام، فيعمل أوّل أحد بعد الفطر لأنّ الآحاد قبله مشغولة بالصّوم، وفيه يجدّدون الآلات والأثاث واللّباس، ويأخذون في المعاملات والأمور الدّنيوية والمعاش (٤).
عيد التّجلّي -
يعمل في ثالث عشر شهر مسرى، يزعمون أنّ المسيح تجلّى لتلاميذه بعد ما رفع، وتمنّوا عليه أن يحضر لهم إيلياء وموسى ﵉ فأحضرهما إليهم بمصلّى بيت المقدس، ثم صعد إلى السّماء وتركهم (٥).
стр. 843
عيد الصّليب -
ويعمل في اليوم السّابع عشر من شهر توت، وهو من الأعياد المحدثة، وسببه
ظهور الصّليب -
بزعمهم - على يد هيلانا أمّ قسطنطين (١)، وله خبر طويل عندهم ملخّصه ما أنت تراه.
ذكر قسطنطين (٢) - وقسطنطين هذا هو ابن قسطنش بن وليطوس بن ولنطينوس بن دقيون بن كلوديش بن غايش بن أكتبيان أغشت الأعظم الملقّب قيصر؛ وهو أوّل من ثبّت دين النّصرانيّة، وأمر بقطع الأوثان وهدم هياكلها وبنيان البيع، وآمن من الملوك بالمسيح. وكانت أمّه هيلانة من مدينة الرّها، فنشأ بها مع أمّه وتعلّم العلوم، ولم يزل في غاية من الظّفر والسّعادة، معانا منصورا على كلّ من حاربه.
وكان في أوّل أمره على دين المجوس، شديدا على النّصارى ماقتا لدينهم، وكان سبب رجوعه عن ذلك إلى دين النّصرانيّة أنّه ابتلي بجذام ظهر عليه، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا، وجمع الحذّاق من الأطبّاء، فاتّفقوا على أدوية دبّروها له، وأوجبوا أن يستنقع - بعد أخذ تلك الأدوية - في صهريج مملوء من دماء أطفال رضّع ساعة يسيل منهم.
فتقدّم أمره بجمع جملة من أطفال النّاس، وأمر بذبحهم في صهريج ليستنقع في دمائهم وهي طريّة، فجمعت الأطفال لذلك، وبرز ليمضي فيهم ما تقدّم به من ذبحهم، فسمع ضجيج النّساء اللاّئي أخذ/ أولادهنّ فرحمهنّ وأمر فدفع لكلّ واحدة ابنها، وقال: احتمال علّتي أولى بي وأوجب من هلاك هذه العدّة العظيمة من البشر. فانصرف النّساء بأولادهنّ وقد سررن سرورا كثيرا.
فلمّا صار من اللّيل إلى مضجعه، رأى في منامه شيخا يقول له: إنّك رحمت الأطفال وأمّهاتهم، ورأيت احتمال علّتك أولى من ذبحهم، فقد رحمك اللّه ووهبك السّلامة من علّتك، فابعث إلى رجل من أهل الإيمان يدعى «شلبشتر» قد فرّ خوفا منك، وقف عند ما يأمرك
стр. 844
به، والتزم ما يخصّك عليه تتم لك العافية. فانتبه مذعورا، وبعث في طلب شلبشتر الأسقف، فأتي به إليه وهو يظنّ أنّه يريد قتله، لما عهده من غلظته على النّصارى ومقته لدينهم؛ فعند ما رآه تلقّاه بالبشر وأعلمه بما رآه في منامه، فقصّ عليه دين النّصرانيّة، وكانت له معه أخبار طويلة مذكورة عندهم. فبعث قسطنطين في جمع الأساقفة المنفيين والمسيّرين، والتزم دين النّصرانيّة، وشفاه اللّه من الجذام، فأيّد الدّيانة، وأعلن بالإيمان بدين المسيح.
وبينا هو في ذلك، إذ توقّع وثوب أهل رومة عليه وإيقاعهم به، فخرج عنها وبنى مدينة قسطنطينية بنيانا جليلا فعرفت به، وسكنها فصارت موضع تخت الملك من عهده (١).
وقد كان النّصارى، من لدن زمان نيرون (¬a) الملك الذي قتل [بيطر وبولس] (¬b) الحواريين ومن بعده ممّن ملك رومة، في كلّ وقت يقتلون ويحبسون ويشرّدون بالنّفي، فلمّا سكن قسطنطين مدينة قسطنطينية، جمع إلى نفسه أهل المسيح وقوّد (¬c) وجوههم، وأذلّ عبّاد الأوثان. فشقّ ذلك على أهل رومة، وخلعوا طاعته، وقدّموا عليهم ملكا، فأهمّه ذلك، ومرّت له معهم عدّة أخبار مذكورة في تاريخ رومة. ثم إنّه خرج من قسطنطينيّة يريد رومة، وقد استعدّوا لحربه، فلمّا قاربهم أذعنوا له، والتزموا طاعته، فدخلها فأقام إلى أن رجع لحرب الفرس، وخرج إليهم فقهرهم، ودانت له أكثر ممالك الدّنيا. فلمّا كان في عشرين سنة من دولته، خرجت القوط (¬d) على بعض أطرافه، فغزاهم وأخرجهم عن بلاده.
ورأى في منامه كأنّ بنودا شبه الصّليب قد رفعت، وقائلا يقول له: إن أردت أن تظفر بمن خالفك، فاجعل هذه العلامات على جميع بزّك (٢) وشكلك (¬e). فلمّا انتبه أمر بتجهيز أمّه
стр. 845
هيلانة [Helana] إلى بيت المقدس في طلب آثار المسيح ﵇ وبناء الكنائس وإقامة شرائع (¬a) النّصرانيّة، فسارت إلى بيت المقدس، وبنت الكنائس (١).
فيقال إنّ الأسقف مقاريوس دلّها على الخشبة التي زعموا أنّ المسيح صلب عليها، وقد قصّ عليها ما عمل به اليهود، فحفرت، فإذا قبر وثلاث خشبات على شكل الصّليب، فزعموا أنّهم ألقوا الثّلاث خشبات على ميّت، واحدة بعد واحدة، فقام حيّا عندما وضعت عليه الخشبة الثالثة منها. فاتّخذوا ذلك اليوم عيدا، وسمّوه «عيد الصّليب»، وكان في اليوم الرابع عشر من أيلول والسابع عشر من توت، وذلك بعد ولادة المسيح بثلاث مائة وثمان وعشرين سنة. وجعلت هيلانة لخشبات الصّليب غلافا من ذهب، وبنت كنيسة القمامة ببيت المقدس على قبر المسيح بزعمهم، وكانت لها مع اليهود أخبار كثيرة قد ذكرت عندهم، ثم انصرفت بالصّليب معها إلى ابنها (٢).
وما زال قسطنطين على ممالك الرّوم إلى أن مات بعد أربع وعشرين سنة من ولايته، فقام من بعده بممالك الرّوم ابنه قنسطنطين [Constantius] الأصغر (٣).
وقد كان لعيد الصّليب بمصر موسم عظيم يخرج الناس فيه إلى بني وائل بظاهر فسطاط مصر، ويتظاهرون في ذلك اليوم بالمنكرات من أنواع المحرّمات، ويمرّ لهم فيه ما يتجاوز الحدّ.
стр. 846
فلمّا قدمت الدّولة الفاطميّة إلى ديار مصر وبنوا القاهرة واستوطنوها، وكانت خلافة أمير المؤمنين العزيز بالله، أمر في رابع شهر رجب في سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة - وهو يوم الصّليب - فمنع الناس من الخروج إلى بني وائل، وضبط الطّرق والدّروب (١).
ثم لمّا كان عيد الصّليب في اليوم الرّابع عشر من شهر رجب سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة خرج الناس فيه إلى بني وائل، وجروا على عادتهم في الاجتماع واللّهو (٢).
وفي صفر سنة اثنتين وأربع مائة، قرئ في سابعه سجلّ بالجامع العتيق وفي الطّرقات، كتب عن الحاكم بأمر الله، يشتمل على منع النّصارى من الاجتماع على عمل عيد الصّليب، وألاّ يظهروا بزينتهم فيه، ولا يقربوا كنائسهم، وأن يمنعوا منها (٣).
ثم بطل ذلك حتى لم يكد يعرف اليوم بديار مصر ألبتّة.
النّوروز (¬a) -
وهو أوّل السّنة القبطيّة بمصر، وهو أوّل يوم من توت، وسنّتهم فيه إشعال النّيران والتّراش بالماء، وكان من مواسم لهو المصريين قديما وحديثا (٤).
(¬b)) قال وهب: بردت النار في الليلة التي ألقي فيها إبراهيم وفي صبيحتها على الأرض كلّها، فلم ينتفع بها أحد في الدنيا تلك الليلة وذلك الصّباح، فمن أجل ذلك بات الناس على النّار في تلك الليلة التي رمي فيها إبراهيم ﵇ ووثبوا عليها وتبخّروا بها، وسمّوا تلك الليلة نيروزا؛ والنّيروز في اللّسان السّرياني، العيد.
وسئل ابن عبّاس عن النّيروز: لم اتّخذوه عيدا؟ فقال: إنّه أوّل السّنة المستأنفة وآخر السنة المنقطعة، فكانوا يستحبّون أن يقدموا فيه على ملوكهم بالطّرف والهدايا، فاتّخذته الأعاجم سنّة (¬b).
قال الحافظ أبو القاسم عليّ بن/ عساكر في «تاريخ دمشق»، من طريق ابن عبّاس ﵄ قال: إنّ فرعون لمّا قال للملأ من قومه: ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية ٣٤ سورة الشعراء]؛
стр. 847
قالوا له: ابعث إلى السّحرة؛ فقال فرعون لموسى: يا موسى، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ [الآية ٥٨ سورة طه] فتجتمع أنت وهارون وتجتمع السّحرة؛ فقال موسى:
﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ﴾ [الآية ٥٩ سورة طه]. قال: ووافق ذلك يوم السّبت في أوّل يوم من السّنة وهو يوم النّيروز.
وفي رواية: أنّ السّحرة قالوا لفرعون: أيّها الملك واعد الرّجل، فقال: قد واعدته يوم الزّينة وهو عيدكم الأكبر، ووافق ذلك يوم السّبت، فخرج الناس لذلك اليوم.
قال: والنّوروز أوّل سنة الفرس، وهو الرّابع عشر من آذار وفي شهر برمهات.
ويقال: أوّل من أحدثه جمشيد من ملوك الفرس، وأنّه ملك الأقاليم السّبعة، فلمّا كمل ملكه ولم يبق له عدوّ، اتّخذ ذلك اليوم عيدا، وسمّاه نوروزا في اليوم الجديد (١).
وقيل إنّ سليمان بن داود ﵉ أوّل من وضعه، في اليوم الذي رجع إليه فيه خاتمه (٢).
وقيل: هو اليوم الذي شفي فيه أيّوب ﵇، وقال اللّه له: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ [الآية ٤٢ سورة ص]، فجعل ذلك اليوم عيدا، وسنّوا فيه رشّ الماء.
ويقال: كان بالشّام سبط من بني إسرائيل أصابهم الطّاعون، فخرجوا إلى العراق، فبلغ ملك العجم خبرهم، فأمر أن تبنى عليهم حظيرة يجعلون فيها، فلمّا صاروا فيها ماتوا، وكانوا أربعة آلاف رجل. ثم إنّ اللّه تعالى أوحى إلى نبيّ ذلك الزّمان: أرأيت بلاد كذا وكذا، فحاربهم بسبط بني فلان؛ فقال: يا ربّ، كيف أحارب بهم وقد ماتوا؟ فأوحى اللّه إليه أنّي أحييهم لك.
فأمطرهم اللّه ليلة من اللّيالي في الحظيرة، فأصبحوا أحياء، فهم الذين قال اللّه فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اَللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [الآية ٢٤٣ سورة البقرة]. فرفع أمرهم إلى ملك فارس، فقال: تبرّكوا بهذا اليوم، وليصبّ بعضكم على بعض الماء، فكان ذلك اليوم يوم النّوروز، فصارت سنّة إلى اليوم.
стр. 848
وسئل الخليفة المأمون عن رشّ الماء في النّوروز، فقال: قول اللّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اَللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾، هؤلاء قوم أجدبوا - تقول مات فلان هزالا - فغيثوا في هذا اليوم برشّة من مطر فعاشوا، فأخصب بلدهم، فلمّا أحياهم اللّه بالغيث - والغيث يسمّى الحيا - جعلوا صبّ الماء في مثل هذا اليوم سنّة يتبرّكون بها إلى يومنا هذا (١).
وقد روي أنّ الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطّاعون.
وقيل: أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك فأماتهم اللّه ليعرّفهم أنّه لا ينجّيهم من الموت شيء، ثم أحياهم على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل، في خبر طويل قد ذكره أهل التّفسير.
وقال عليّ بن حمزة الأصفهاني (٢) في كتاب «أعياد الفرس»: إنّ أوّل من اتّخذ النّيروز: النّيروز جمشيد - ويقال جمشاد - أحد ملوك الفرس الأول.
ومعنى النّوروز اليّوم الجديد. والنّوروز عند الفرس يكون يوم الاعتدال الرّبيعي، كما أنّ المهرجان أوّل الاعتدال الخريفي.
ويزعمون أنّ النّوروز أقدم من المهرجان، فيقولون: إنّ المهرجان كان في أيّام أفريدون، وإنّه أوّل من عمله لما قتل الضّحّاك - وهو بيوراسب - فجعل يوم قتله عيدا سمّاه المهرجان، وكان حدوثه بعد النّوروز بألفي سنة وعشرين سنة (٣).
стр. 849
وقال ابن وصيف شاه في ذكر مناوش بن منقاوش، أحد ملوك القبط في الدّهر القديم: وهو أوّل من عمل النّوروز بمصر، فكانوا يقيمون سبعة أيام يأكلون ويشربون إكراما للكواكب (١).
وقال ابن رضوان: ولمّا كان النّيل هو السّبب الأعظم في عمارة أرض مصر، رأى المصريّون القدماء - وخاصّة الذين كانوا في عهد دقلديانوس الملك - أن يجعلوا أوّل السّنة في أوّل الخريف عند استكمال النّيل الحاجة في الأمر الأكثر، فجعلوا أوّل شهورهم توت ثم بابه ثم هاتور، وعلى هذا الولاء بحسب المشهور من ترتيب هذه الشّهور (٢).
وقال ابن زولاق: وفي هذه السّنة - يعني سنة ثلاث وستين وثلاث مائة - منع أمير المؤمنين المعزّ لدين اللّه من وقود النّيران ليلة النّوروز في السّكك، ومن صبّ الماء يوم النّوروز (٣).
وقال في سنة أربع وستين: وفي يوم النّوروز، زاد اللّعب بالماء ووقود النّيران، وطاف أهل الأسواق وعملوا فيلة (¬a)، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، ولعبوا ثلاثة أيام، وأظهروا السّماجات (٤) والحليّ في الأسواق. ثم أمر المعزّ بالنّداء بالكفّ، وألاّ توقد نار ولا يصبّ ماء، وأخذ قوم فحبسوا، وأخذ قوم فطيف بهم على الجمال (٥).
وقال ابن المأمون في «تاريخه»: وحلّ موسم النّوروز في اليوم التاسع من رجب سنة سبع عشرة وخمس مائة، ووصلت الكسوة المختصّة بالنّوروز من الطّراز وثغر الإسكندرية، مع ما يتبعها من اللاّذات (¬b) (٦) المذهّبة والحريري والسّوادج، وأطلق جميع ما هو مستقرّ من الكسوات الرّجالية والنّسائية، والعين والورق، وجميع الأصناف المختصّة بالموسم على اختلافها بتفصيلها وأسماء أربابها.
وأصناف النّوروز: البطّيخ والرّمّان، وعناقيد الموز، وأفراد/ البسر، وأقفاص التّمر القوصي،
стр. 850
وأقفاص السّفرجل، وبكل الهريسة المعمولة من لحم الدّجاج ومن لحم الضّأن ومن لحم البقر، من كلّ لون بكلة، مع خبز برّ مارق.
قال: وأحضر كاتب الدّفتر الإثباتات (¬a) بما جرت به العادة، من إطلاق العين والورق والكسوات على اختلافها، في يوم النّوروز، وغير ذلك من جميع الأصناف، وهو: أربعة آلاف دينار ذهبا، وخمسة عشر ألف درهم فضّة، والكسوات عدّة كثيرة من شقق دبيقيّة مذهّبات وحريريات، ومعاجر وعصائب نسائيات ملوّنات، وشقق لاذ مذهّب وحريري ومشفّع، وفوط دبيقيّة حريرية.
فأمّا العين والورق والكسوات، فذلك لا يخرج عمّن تحوزه القصور ودار الوزارة والشّيوخ والأصحاب والحواشي المستخدمين ورؤساء العشاريّات وبحّاريها، ولم يكن لأحد من الأمراء على اختلاف درجاتهم في ذلك نصيب.
وأمّا الأصناف من البطّيخ والرّمّان والبسر والموز والسّفرجل والعنّاب والهرائس على اختلافها، فيشمل ذلك جميع من تقدّم ذكرهم، ويشركهم فيه جميع الأمراء أرباب الأطواق والأقصاب (¬b)، وغيرهم من الأماثل والأعيان ممّن له جاه ورسم في الدّولة (١).
وقال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة أربع وثمانين وخمس مائة: يوم الثّلاثاء رابع عشر رجب يوم النّوروز القبطي، وهو مستهلّ توت، وتوت أوّل سنتهم.
وقد كان بمصر، في الأيّام الماضية والدّولة الخالية، من مواسم بطالاتهم، ومواقيت ضلالاتهم، فكانت المنكرات ظاهرة فيه، والفواحش صريحة فيه. ويركب فيه أمير موسوم بأمير النّوروز ومعه جمع كثير، ويتسلّط على الناس في طلب رسم رتبه، ويرسم على دور الأكابر بالجمل الكبار، ويكتب مناشير، ويندب مرسّمين، كل ذلك يخرج مخرج الطّنز (¬c) (٢)، ويقنع بالميسور من الهبات.
ويتجمّع المؤنّثون (¬d) والفاسقات تحت قصر اللّؤلؤة، بحيث يشاهدهم الخليفة وبأيديهم الملاهي، وترتفع الأصوات، ويشرب الخمر والمزر شربا ظاهرا بينهم وفي الطّرقات، ويتراش الناس بالماء، وبالماء والخمر وبالماء ممزوجا بالأقذار.
وإن غلط مستور وخرج من بيته، لقيه من يرشّه ويفسد ثيابه ويستخفّ بحرمته، فإمّا أن يفدي
стр. 851
نفسه وإمّا أن يفضح. ولم يجر الحال على هذا، ولكن قد رشّ الماء في الحارات، وقد أحيا المنكرات في الدّور أرباب الخسارات.
وقال في «متجدّدات» سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة: وجرى الأمر في النّوروز على العادة من رشّ الماء، واستجدّ فيه هذا العام التّراجم بالبيض والتّصافع بالأنطاع، وانقطع الناس عن التّصرّف، ومن ظفر به في الطّريق رشّ بمياه نجسة، وخرق به (١).
وما زال يوم النّوروز يعمل فيه ما ذكر من التّراش بالماء، والتّصافع بالجلود وغيرها، إلى أن كانت أعوام بضع وثمانين وسبع مائة، وأمر الدّولة بديار مصر وتدبيرها إلى الأمير الكبير برقوق، قبل أن يجلس على سرير الملك ويتسمّى بالسّلطان، فمنع من لعب النّوروز، وتهدّد من لعب بالعقوبة.
فانكفّ الناس عن اللّعب في القاهرة، وصاروا يعملون شيئا من ذلك في الخلجان والبرك ونحوها من مواضع التّنزّه، بعدما كانت أسواق القاهرة تتعطّل في يوم النّوروز من البيع والشّراء، ويتعاطى الناس فيه من اللّهو واللّعب ما يخرجون به (¬a) عن حدّ الحياء والحشمة إلى الغاية من الفجور والعهر (¬b).
وقلّما انقضى يوم نوروز، إلاّ وقتل فيه قتيل أو أكثر، ولم يبق الآن للناس من الفراغ ما يقتضي ذلك، ولا من الرّفه والبطر ما يوجب لهم عمله. وما أحسن قول بعضهم:
[البسيط]
كيف ابتهاجك بالنّوروز يا سكني … وكلّ ما فيه يحكيني وأحكيه
فتارة كلهيب النّار في كبدي … وتارة كتوالي دمعتي فيه
وقال آخر:
[الرمل]
نورز الناس ونورز … ت ولكن بدموعي
وذكت نارهم والنّ … ار ما بين ضلوعي
وقال آخر:
[الطويل]
ولمّا أتى النّوروز يا غاية المنى … وأنت على الإعراض والهجر والصّدّ
بعثت بنار الشّوق ليلا إلى الحشا … فنورزت صبحا بالدّموع على الخدّ (٢)
стр. 852
ذكر ما يوافق أيّام الشّهور القبطّية من الأعمال في الزّراعات وزيادة النّيل وغير ذلك على ما نقله أهل مصر عن قدمائهم واعتمدوا عليه في أمورهم
/ اعلم أنّ المصريين القدماء اعتمدوا في تأريخهم السّنة الشّمسيّة - كما تقدّم ذكره - ليصير الزّمان محفوظا، وأعمالهم واقعة في أوقات معلومة من كلّ سنة، لا يتغيّر وقت عمل من أعمالهم بتقديم ولا تأخير ألبتّة (١).
توت [Tu? t] - بالقبطي هو أيلول، وكانت عادة مصر مذ عهد فراعنتها، في استخراج خراجها وجباية أموالها، أنّه لا يستتمّ استيفاء الخراج من أهلها إلاّ عند تمام الماء، وافتراشه على سائر أرضها، ويقع إتمامه في شهر توت.
فإذا كان كذلك، وربّما كانت زيادة عن ذلك، أطلق الماء في جميع نواحيها من ترعها، ثم لا يزال يترجّح في الزّيادة والنّقصان حتى يفرغ توت.
وفي أوّله يكون يوم النّوروز، ورابعه أوّل أيلول، وسابعه يلقّط الزّيتون، وثاني عشره يطلع الفجر بالصّرفة (٢).
وسابع عشره عيد الصّليب، فيشرط البلسان، ويستخرج دهنه، ويفتح ما يتأخّر من الأبحر والتّرع، وترتّب المدامسة لحفظ الجسور.
وفي ثامن عشرة تنقل الشّمس إلى برج الميزان، فيدخل فصل الخريف. وفي خامس عشريه يطلع الفجر بالعوّاء، ويكبر صغار السّمك.
وفي هذا الشّهر يعمّ ماء النّيل أراضي مصر.
وفيه تسجّل النّواحي، وتسترفع السّجلاّت والقوانين، وتطلق التّقاوي من الغلال لتخضير الأراضي. وفيه يدرك الرّمّان والبسر والرّطب والزّيتون والقطن والسّفرجل.
وفيه يكون هبوب ريح الشّمال أقوى من هبوب ريح الجنوب، وهبوب الصّبا أقوى من الدّبور.
стр. 853
وكان قدماء المصريين لا ينصبون فيه أساسا وفيه يكثر بمصر العنب الشّتوي، وتبذر المحمّضات.
بابه [Ba? bah] - في أوّله يحصد الأرز، ويزرع الفول والبرسيم وسائر الحبوب التي لا تشقّ لها الأرض.
وفي رابعه أوّل تشرين الأوّل.
وفي ثامنه طلوع الفجر بالسّماك (١)، وهو نهاية زيادة النّيل وابتداء نقصه، وقد لا يتمّ الماء فيه، فيعجز بعض الأرض عن أن يركبها الماء، فيكون من ذلك نقص الخراج عن الكمال.
وفي تاسعه يكون مجيء الكراكي إلى أرض مصر، وفي عاشره يزرع الكتّان.
وفي ثاني عشره يكون ابتداء شقّ الأرض بصعيد مصر، لبذر القمح والشّعير.
وفي ثامن عشره تنقل الشّمس إلى برج العقرب، ويقطع الخشب.
وفي تاسع عشره يكون ابتداء نقص ماء النّيل، ويكثر البعوض.
وفي حادي عشريه يطلع الفجر بالغفر (٢).
وفي هذا الشهر تصرف المياه عن الأراضي، ويخرج المزارعون لتخضير الأراضي: فيبدأون ببذر زراعة القرط، ثم بزراعة الغلّة البدرية أوّلا فأوّلا.
وفيه يستخرج دهن الآس ودهن النّيلوفر، ويدرك التّمر والزّبيب والسّمسم والقلقاس.
وفيه يكثر صغار السّمك ويقل كباره، ويسمن الراي والإبرميس من السّمط خاصّة وتستحكم حلاوة الرّمّان، ويكون فيه أطيب منه في سائر الشّهور التي يكون فيها، ويضع الضّأن والمعز والبقر الخيسيّة.
وفيه يملّح السّمك المعروف بالبوري، ويهزل الضّأن والمعز والبقر ولا تطيب لحومها، وتدرك المحمّضات.
وفيه يجب كتابة التّذاكر بالأعمال القوصيّة. وفيه يغرس المنثور ويزرع السّلجم.
هاتور [Ha? tur] - في خامسه يكون أوّل تشرين الثاني، ويطلع الفجر بالزّبانان (¬a) في رابعه (٣).
стр. 854
وفي سادسه يزرع الخشخاش. وفي سابعه يصرف ماء النّيل عن أراضي الكتّان، ويبذر في النّصف منه، وبعد تمام شهر يسبّخ.
وفي ثامنه أوان المطر الموسمي، وفي حادي عشره تهبّ ريح الجنوب، وفي خامس عشره تبرد المياه بمصر، وفي سابع عشره يطلع الفجر بالإكليل (١)، وفي ثامن عشره تحلّ الشّمس برج القوس، وفي تاسع عشره يغلق البحر الملح، وفي سابع عشريه تهبّ الرّياح اللّواقح.
وفي هذا الشّهر يلبس أهل مصر الصّوف من سابعه.
وفيه يكسر ما يحتاج إليه من قصب السّكّر برسم المعاصر، وبراح الغلّة في جميع ما يحتاج إليه فيها، ويهتمّ بعلف أبقارها وجمالها بعد بيع شارفها وعاجزها والتّعويض عنه بغيره، وإفراد الأتبان برسم وقود القنود، وترتيب القوامصة لعمل الأباليج والقواديس، والأمطار برسم القنود والأعسال.
وفيه يدرك البنفسج والنّيلوفر والمنثور، ومن البقولات الإسفاناخ والبلسان.
واختار قدماء المصريين في هاتور نصب الأساسات، وزرع القمح. وأطيب حملان السنة حمله وفيه يكثر العنب الذي كان يحمل من قوص.
كيهك [Kiyahk] - أوّله الأربعينات بمصر، ويدخل الطّير وكره.
وفي سادسه بشارة مريم بحمل عيسى ﵉. وفي سابعه أوّل كانون الأول.
وفي عاشره آخر اللّيالي البلق، وأوّلها أوّل هاتور. وفي حادي عشرة أوّل اللّيالي السّود، ويدخل النّمل الأحجرة.
وفي ثالث عشره يطلع الفجر بالشّولة (٢)، وتظهر البراغيث، ويسخن باطن الأرض.
وفي سادس عشره يسقط ورق الشّجر.
وفي سابع عشره تنقل الشّمس إلى برج الجدي، فيدخل فصل الشّتاء، ويزرع الهليون.
وفي حادي عشريه يكون آخر اللّيالي البلق، وفي ثاني عشريه عيد البشارة، وفي ثالث عشريه تزرع الحلبة والتّرمس.
وفي سادس عشريه يطلع الفجر بالنّعائم (٣).
стр. 855
وفي ثامن عشريه يبيض النّعام، وفي تاسع عشريه الميلاد.
وفي هذا الشّهر يزرع الخيار بعد/ إغراق أرضه.
وفيه يتكامل بذر القمح والشّعير والبرسيم الحراثي.
وفيه يستخرج خراج البرسيم بدار الوجه القبلي، وفيه ترتّب حرّاس الطّير.
وفيه كسر قصب السّكّر واعتصاره، واستخدام الطّبّاخين لطبخ القنود.
وفيه يكون إدراك النّرجس والمحمّضات والفول الأخضر والكرنب والجزر والكرّاث الأبيض واللّفت.
وفيه يقلّ هبوب ريح الشّمال، ويكثر هبوب ريح الجنوب.
وفيه يجود الجدا، ويكون أطيب منها في جميع الشهور التي يكون فيها.
وفيه يزرع أكثر حبوب الحرث، ولا يزرع بعده في شيء من أرض مصر غير السّمسم والمقاثي والقطن.
طوبة [Tu? bah] - في ثالثه ابتداء زراعة الحمّص والجلبان والعدس.
وفي سادسه أوّل كانون الثاني.
وفي تاسعه يطلع الفجر بالبلدة (١)، وعاشره صوم الغطاس، وحادي عشره الغطاس.
وفي ثاني عشره يشتدّ البرد، وفي رابع عشره يرتفع الوباء بمصر، ويغرس النّخل.
وفي سابع عشره تحلّ الشّمس أوّل برج الدّلو، ويكثر النّدى، ويكون ابتداء غرس الأشجار.
وفي العشرين منه يكون آخر اللّيالي السّود، وحادي عشريه اللّيالي البلق الثانية، وفي ثاني عشريه يطلع الفجر بسعد الذّابح (٢)، وفي ثالث عشريه تهبّ الرّياح الباردة.
وفي رابع عشريه تفرخ جوارح الطّير. وفي خامس عشريه يكون نتاج الإبل المحمودة. وفي سابع عشريه يصفو ماء النّيل.
وفي ثامن عشريه يتكامل إدراك القرط.
وفي هذا الشهر تقلّم الكروم، وينظّف زرع الغلّة من اللبسان وغيره، وينظّف زرع الكتّان من الفجل وغيره.
стр. 856
وفيه تبرّش الأراضي أوّل سكّة برسم الصّيافي والمقاثي والقطن والسّمسم، وينتهي برشها في أوّل أمشير.
وفيه تسقى أرض القلقاس والقصب، وتشقّ الجسور في آخره.
وفيه تستخرج أراضي الخرس، ويكثر القصب الرأس بعد إفراز ما يحتاج إليه من الزّرّيعة، وهو لكلّ فدّان طين قيراط طيب قصب رأس.
وفيه يهتمّ بعمارة السّواقي، وحفر الآبار، وابتياع الأبقار.
وفيه يظهر اللّوز الأخضر والنّبق والهليون.
وفيه أيضا يكون هبوب ريح الجنوب أكثر من هبوب الشّمال، وهبوب الصّبا أكثر من هبوب الدّبور.
وفيه يكون الباقلاّ الأخضر والجزر أطيب منهما في غيره.
وفيه يتناهى ماء النّيل في صفائه، ويخزّن فلا يتغيّر في أوانيه ولو طال لبثه فيها.
وفيه تطيب لحوم الضّأن أطيب منها في سائر الشهور.
وفيه تربط الخيول والبغال على القرط من أجل ربيعها.
وبطوبة يطالب النّاس بافتتاح الخراج، ومحاسبة المتقبّلين على الثّمن من السّجلاّت عن جميع ما بأيديهم من المحلول والمعقود.
أمشير [Amshi? r] - في أوّله تختلف الرّياح، وفي خامسه يطلع الفجر بسعد بلع (١)، وفي سادسه يكون أوّل شباط.
وفي تاسعه يجري الماء في العود، وحادي عشره أوّل جمرة باردة، وسادس عشره تحلّ الشّمس بأوّل برج الحوت.
وفي سابع عشره يخرج النّمل من الأحجرة، وفي ثامن عشره يطلع الفجر بسعد السّعود (٢).
وفي العشرين منه ثاني جمرة فاترة، وفي ثالث عشريه تقلّم الكروم، وخامس عشريه يفرخ النّحل.
وسابع عشريه ثالث جمرة حامية، ويورّق الشّجر وهو آخر غرسها، وفي آخر يكون آخر اللّيالي البلق.
стр. 857
وفي هذا الشهر يقلع السّلجم ويستخرج خراجه، وفيه يثنّى برش الصّيافي، وتبرّش أيضا ثالث سكّة.
وفيه يعمل مقاطع الجسور، وتمسح الأراضي، ويرقّد البيض في المعامل أربعة أشهر آخرها بشنس.
وفيه يكون ريح الشّمال أكثر الرّياح هبوبا.
وفيه ينبغي أن تعمل أواني الخزف للماء لتستعمل فيه طول السّنة، فإنّ ما عمل فيه من أواني الخزف يبرّد الماء في الصّيف أكثر من تبريد ما يعمل في غيره من الشّهور.
وفيه يتكامل غرس الشّجر وتقليم الكروم وفيه يدرك النّبق واللّوز الأخضر ويكثر البنفسج والمنثور.
ويقال: أمشير يقول للزّرع سير، ويلحق بالطّويل القصير.
وفيه يقلّ البرد، ويهب الهواء الذي فيه سخونة ما.
وفى أمشير يؤخذ الناس فيه بإتمام ربع الخراج من السّجلاّت.
برمهات [Baramhat] - أوّل يوم منه يطلع الفجر بالأخبية، وفي خامسه يحضن دود القزّ، وسادسه يزرع السّمسم.
وثاني عشره يقلع الكتّان، ورابع عشره يكون أوّل الأعجاز، ويطلع الفجر بالفرع المقدّم (١).
وفي سادس عشره تفتح الحيّات أعينها، وفي سابع عشره تنقل الشّمس إلى برج الحمل، وهو أوّل فصل الرّبيع، ورأس سنة الجند، ورأس سنة العالم.
وفي العشرين منه يكون آخر الأعجاز، وثاني عشريه نتاج الخيل المحمودة، وثالث عشريه يظهر الذّباب الأزرق، وخامس عشريه تظهر هوامّ الأرض، وسابع عشريه يطلع الفجر بالفرع المؤخّر (٢)، وفي آخره يتفرّق السّحاب.
وفي هذا الشهر تجري المراكب السّفريّة في البحر الملح إلى ديار مصر من المغرب والرّوم، ويهتمّ فيه بتجريد الأجناد إلى الثّغور كالإسكندرية ودمياط وتنّيس ورشيد.
وفيه كانت تجهّز الأساطيل ومراكب الشّواني لحفظ الثّغور.
стр. 858
وفيه زرع المقاثي والصّيفي، ويدرك الفول والعدس، ويقلع الكتّان، وتزرع أقصاب السّكّر في الأرض المبروشة المختارة لذلك، البعيدة العهد/ عن الزّراعة، ويأخذ المقشّرون في تنظيف الأرض المزروعة من القشّ في وقت الزّراعة، ويأخذ القطّاعون في قطع الزّرّيعة، ويأخذ المزارعون في رمي قطع القصب.
وفيه يؤخذ في تحصيل النّطرون، وحمله من وادي هبيب إلى الشّونة السّلطانيّة.
وفيه يكون ريح الشّمال أكثر الرّياح هبوبا.
وفيه تزهر الأشجار، وينعقد أكثر ثمارها.
وفيه يكون اللّبن الرّائب أطيب منه في جميع الشّهور التي يعمل فيها.
وفي برمهات يطالب الناس بالرّبع الثاني والثّمن من الخراج.
برمودة [Baramudah] - في سادسه أوّل نيسان، وفي عاشره يطلع الفجر بالرّشاء (١)، وفي ثاني عشره يقلع الفجل، وفي سابع عشره تحلّ الشّمس أوّل برج الثّور.
وفي ثالث عشريه يطلع الفجر بالشّرطين (٢)، وهو رأس الحمل وأوّل منازل القمر، وفيه ابتداء كسار الفول وحصاد القمح وهو ختام الزّرع.
وفي هذا الشهر يهتمّ بقطع خشب السّنط من الحراج الذي كان بمصر في القديم أيّام الدّولة الفاطميّة والأيّوبيّة، ويجرّ إلى السّواحل لتيسّر حمله في زمن النّيل إلى ساحل مصر، ليعمل شواني وأحطابا برسم الوقود في المطابخ السّلطانيّة.
وفيه يكثر الورد، ويزرع الخيار شنبر والملوخيّا والباذنجان، وفيه يقطف أوائل عسل النّحل، وينفض بزر الكتّان. وأحسن ما يكون الورد فيه من جميع زمانه.
وفيه يظهر البطن الأوّل من الجمّيز. وفيه تقع المساحة على أهل الأعمال، ويطالب النّاس بإغلاق نصف الخراج من سجلاّتهم، ويحصد بدري الزّرع.
بشنس [Bashans] - في خامسه تكثر الفاكهة. وسادسه أوّل أيار، وفيه طلوع الفجر بالبطين (٣).
وثامنه عيد الشّهيد، وتاسعه انفتاح البحر المالح، ورابع عشره يزرع الأرز، وثامن عشره تحلّ الشّمس أوّل برج الجوزاء، وفيه يطيب الحصاد.
وفي تاسع عشره يطلع الفجر بالثّريّا (٣)، وفيه زراعة الأرز والسّمسم.
стр. 859
ورابع عشريه يكون عيد البلسان بالمطريّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي دخلت فيه مريم إلى مصر.
وفي هذا الشّهر يكون دراس الغلّة، وهدار الكتّان، ونفض البزر والتّقاوي والأتبان وحملها.
وفيه زراعة البلسان وتقليمه وسقيه، وتكريم أراضيه من بئونة إلى آخر هاتور، واستخراج دهنه بعد شرطه في نصف توت، وإن كان في أوّله فهو أصلح إلى آخر هاتور. وصلاح أيّامه أيّام النّدى، ويقيم في النّدى سنة كاملة إلى أن يشرب أعكاره وأوساخه. ويطبخ الدّهن في الفصل الرّبيعي في شهر برمهات، فيعمل لكلّ رطل مصري أربعة وأربعون رطلا من مائة، فيحصل منه قدر عشرين درهما وما حولها من الدّهن.
وفي هذا الشهر أكثر ما يهبّ من الرّياح الشّمال (¬a).
وفيه يدرك التّفّاح القاسمي، ويبتدئ فيه التّفّاح المسكي والبطّيخ العبدلي، ويقال إنّه أوّل ما عرف بمصر عندما قدم إليها عبد اللّه بن طاهر بعد المائتين من سني الهجرة، فنسب إليه وقيل له العبدلي (١).
وفيه أيضا يبتدئ البطّيخ الحوفي (¬b) والمشمش والخوخ الزهريّ، ويجنى الورد الأبيض.
وفيه تقرّر المساحة، ويطالب الناس بما يضاف إلى المساحة من أبواب وجوه المال - كالصّرف والجهبذة وحقّ المراعي والقرط والكتّان - على رسوم كلّ ناحية.
ويستخرج فيه إتمام الرّبع ممّا تقرّرت عليه العقود والمساحة، ويطلق الحصاد لجميع الناس.
بئونة [Ba'u? nah] - في ثانيه يطلع الفجر بالدّبران (٢)، وفي خامسه يتنفّس النّيل، وفي تاسعه أوان قطف النّحل.
وفي حادي عشره تهبّ رياح السّموم، وفي ثاني عشره عيد ميكائيل فيؤخذ قاع النّيل، وفي ثالث عشره يشتدّ الحرّ، وفي خامس عشره يطلع الفجر بالهقعة (٣).
وفي عشريه تحلّ الشّمس أوّل برج السّرطان، وهو أوّل فصل الصّيف.
وفي سابع عشريه ينادى على النّيل بما زاده من الأصابع. وفي ثامن عشريه يطلع الفجر بالهقعة (٤).
стр. 860
وفي هذا الشهر تسفّر المراكب لإحضار الغلال والتّبن والقنود والأعسال وغير ذلك، من الأعمال القوصيّة ونواحي الوجه البحريّ.
وفيه يقطف عسل النّحل، وتخرص الكروم، ويستخرج زكاتها.
وفيه يندّى الكتّان، ويقلّب أربعة أوجه في بئونة وأبيب.
وفيه زراعة النّيلة بالصّعيد الأعلى، وتحصد بعد مائة يوم، ثم تترك وتحصد في كلّ مائة يوم حصده، ويحصل في أوّل كيهك وطوبة وأمشير وبرمهات، ويطلع في برمودة، وتحصد في عشرة أيّام من أبيب، وتقيم في الأرض الجيّدة ثلاث سنين، وتسقى كلّ عشرة أيام دفعتين، وثاني سنة ثلاث دفعات، وثالث سنة أربع دفعات.
وفي هذا الشهر يكون التّين الفيّومي، والخوخ الزّهريّ، والكمّثرى والقراصيا والقثّاء والبلح والحصرم، ويبتدئ إدراك العصفر.
وفيه يدخل بعض العنب، ويطيب التّوت الأسود، ويقطف جمهور العسل فتكون رياحه قليلة، والتّين يكون فيه أطيب منه في سائر الشّهور، وفيه يطلع النّخل، وفيه يستخرج تمام نصف الخراج مما بقي بعد المساحة.
أبيب [Abib] - في سابعه أوّل تموز، وفي عاشره آخر قطع الخشب، وفي حادي عشره يطلع الفجر بالذّراع (١)، وثاني عشره ابتداء تعطين الكتّان.
وفي خامس عشره يقلّ ماء الآبار، وتدرك الفواكه، ويموت الدّود. وفي حادي/ عشريه تحلّ الشّمس أوّل برج الأسد، وتذهب البراغيث، ويبرد باطن الأرض، وتهيج أوجاع العين.
وفي خامس عشريه يطلع الفجر بالنّثرة (٢)، وفي سادس عشريه تطلع الشّعرى العبور اليمانية.
وفي هذا الشهر أكثر ما يهبّ من الرّياح الشّمال، ويكثر فيه العنب ويجود.
وفيه يطيب التّين المقرون بمجيء العنب، ويتغيّر البطّيخ العبدلي وتقلّ حلاوته، وتكثر الكمّثرى السكّرية، ويطيب البلح.
وفيه يقطف بقايا عسل النّحل، وتقوى زيادة ماء النّيل فيقال: «في أبيب يدبّ الماء دبيب».
وفيه ينقع الكتّان بالمبلاّت، ويباع برسيم البذر برسم زراعة القرط والكتّان.
وفيه تدرك ثمرة العنب، ويحصد القرطم وفيه تستتم ثلاثة أرباع الخراج.
стр. 861
مسرى [Misra] - في سابعه يطلع الفجر بالطّرف (١)، وفي ثامنه أوّل آب، وفي حادي عشره يجمع القطن، وفي رابع عشره يحمى الماء ولا يبرد، وفي سابع عشره استكمال الثّمار.
وفي عشريه يطلع الفجر بالجبهة (٢)، وفي حادي عشريه تحلّ الشّمس برج السّنبلة.
وفي ثالث عشريه يتغيّر طعم الفاكهة لغلبة ماء النّيل على الأرض، وفي خامس عشريه يكون آخر السّموم، وفي تاسع عشريه يطلع سهيل بمصر.
وفي هذا الشّهر يكون وفاء النّيل ستة عشر ذراعا في غالب السّنين، حتّى قيل إن لم يوفّ النّيل في مسرى فانتظره في السّنة الأخرى.
وفيه يجري ماء النّيل في خليج الإسكندرية وتسافر فيه المراكب بالغلال والبهار والسّكر وسائر أصناف المتاجر وفيه يكثر البسر. وكانوا يخرصون النّخل، ويخرجون زكاة الثّمار في هذا الشهر، عندما كانت الزّكوات يجبيها السّلطان من الرّعيّة.
وأكثر ما يهبّ في هذا الشهر ريح الشّمال.
وفيه يعصر قبط مصر الخمر، ويعمل الخلّ من العنب وفيه يدرك الموز، وأطيب ما يكون الموز بمصر في هذا الشهر.
وفيه يدرك اللّيمون التّفّاحي، وكان من جملة أصناف اللّيمون بأرض مصر ليمون يقال له التّفّاحي، يؤكل بغير سكّر لقلّة حمضه ولذّة طعمه. وفيه يكون ابتداء إدراك الرّمّان.
وإذا انقضت أيّام مسرى، ابتدأت أيام النّسيء، ففي أوّلها ابتداء هيج النّعام، وفي رابعها يطلع الفجر بالخرتان (٣).
وفي مسرى يغلق الفلاّحون خراج أراضي زراعاتهم، وكانوا يؤخّرون البقايا على دقّ الكتّان في مسرى وأبيب، لأنّ الكتّان يبلّ في توت، ويدقّ في بابه.
стр. 862
ذكر تحويل السّنة الخراجيّة القبطيّة إلى السّنة الهلاليّة العربيّة وكيف عمل ذلك في الملّة الإسلامية (¬a) (١)
قد تقدّم، فيما سلف من هذا الكتاب، التّعريف بالسّنة الشّمسيّة والسّنة القمريّة، وما للأمم في كبس السّنين من الآراء. فلمّا جاء اللّه تعالى بالإسلام، تحرّز المسلمون من كبس السّنين خشية الوقوع في النّسيء (٢) الذي قال اللّه فيه: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الآية ٣٧ سورة التوبة].
ثم لمّا رأوا تداخل السّنين القمريّة في السّنين الشّمسيّة، أسقطوا عند رأس كلّ اثنتين وثلاثين سنة قمريّة سنة، وسمّوا ذلك الازدلاف (¬b)، لأنّ كلّ (¬c) ثلاث وثلاثين سنة قمريّة اثنتين وثلاثين سنة شمسية بالتقريب. وسأتلو عليك من نبأ ذلك ما لم أره مجموعا.
قال أبو الحسن (¬d) عبيد اللّه بن أحمد بن أبي طاهر (٣) في كتاب «أخبار أمير المؤمنين المعتضد باللّه أبي العبّاس أحمد بن أبي أحمد طلحة الموفّق ابن المتوكّل» ومنه نقلت: وخرج أمر المعتضد في ذي الحجّة سنة إحدى وثمانين ومائتين، بتصيير النّوروز لإحدى عشرة ليلة خلت من حزيران، رأفة بالرّعيّة وإيثارا لإرفاقها.
وقالوا: خرج التّوقيع في المحرّم سنة اثنتين وثمانين ومائتين، بإنشاء الكتب إلى جميع العمّال في النّواحي والأمصار، بترك افتتاح الخراج في النّوروز الفارسي الذي يقع يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وأن يجعل ما يفتتح من خراج سنة اثنتين وثمانين ومائتين يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة تخلو من شهر ربيع الآخر من هذه السّنة، وهو اليوم الحادي عشر من حزيران -
стр. 863
ويسمّى هذا النّوروز المعتضدي - ترفيها لأهل الخراج، ونظرا لهم (١).
ونسخة التّوقيع الخارج في تصيير افتتاح الخراج في حزيران:
«أمّا بعد، فإنّ اللّه لمّا حوّل أمير المؤمنين للمحلّ الذي أحلّه به من أمور عباده وبلاده، رأى أنّ من حقّ اللّه عليه ألاّ يكلّفها إلاّ ما به العدل والإنصاف لها والسّيرة القاصدة، وأن يتولّى لها صلاح أمورها، ويستقرئ السّير والمعاملات التي كانت تعامل بها، ويقرّ منها ما أوجب الحقّ إقراره، ويزيل ما أوجب إزالته، غير مستكثر لها كثير ما يسقطه العدل، ولا مستقلّ لها قليل ما يلزمه إياها الجور.
وقد وفّق اللّه أمير المؤمنين لما يرجو أن يكون لحقّ اللّه فيها قاضيا، ولنصيبها من العدل موازيا. وباللّه يستعين أمير المؤمنين على حفظ ما استرعاه منها، وحياطة ما قلّده من أمورها، وهو خير موفّق ومعين.
وأنّ أبا القاسم عبيد اللّه رفع إلى أمير المؤمنين - فيما أمر أمير المؤمنين به، من ردّ النّوروز الذي يفتتح به الخراج بالعراق والمشرق وما يتّصل بهما ويجري مجراهما، من الوقت/ الذي صار فيه من الزّمان إلى الوقت الذي كان عليه متقدّما، مع ما أمر به في مستقبل السّنين من الكبس، حتى يصير العدل عامّا في الزّمان كلّه، باقيا على غابر الدّهر ومرّ الأيام - مؤامرة أمر (¬a) أمير المؤمنين بنسخها (¬b) لك في آخر كتابه، مع ما وقع به فيها لتمثيله، فافعل ذلك إن شاء اللّه تعالى، والسّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته.
وكتب يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي الحجّة سنة إحدى وثمانين ومائتين».
نسخة المؤامرة (٢):
«أنهيت إلى أمير المؤمنين أنّ ممّا أنعم اللّه به على رعيّته، ورزقها إيّاه من
стр. 864
رأفته وحسن نظره، وإقامته عليها من عدله وإنصافه، ورفعه عنها في خلافته من الظّلم الشّامل ما كان الأقصى والأدنى، والصّغير والكبير، والمسلم والذّمّي فيه سواء، ما حرّرته من نقل كتب الخراج عن السّنة التي كانت تنسب إليها من سني الهجرة، إلى السّنة التي فيها تدرك الغلاّت ويستخرج المال.
وإنّ ذلك ما كان بعض أهل الجهل حاوله وبعض المتغلّبين استعمله، من تثبيت الخراج على أهله، ومطالبتهم به قبل وقت الزّراعة، وإعناتهم (¬a) بذكر سنة من السنتين اللّتين ينسب الخراج لإحداهما، وتدرك الغلاّت ويقع الاستخراج في الأخرى منهما، في حساب شهور الفرس التي عليها يجري العمل في الخراج بالسّواد وما يليه، والأهواز وفارس والجبل وما يتّصل به من جميع نواحي المشرق وما يضاف إليه.
إذا كان عمل الشّام والجزيرة والموصل جرى على حساب شهور الرّوم الموافقة للأزمنة، فليست تختلف أوقاتها مع الكبيسة المستعملة فيها.
والعمل في خراج مصر وما والاها على شهور القبط الموافقة لشهور الرّوم، وكانت من شهور الفرس قد خالفت مواقعها من الزّمان بما ترك من الكبس، منذ أزال اللّه ملك فارس، وفتح للمسلمين بلادهم، فصار النّوروز - الذي كان الخراج يفتتح فيه بالعراق والمشرق - قد تقدّم في ترك الكبس شهرين، وصارا بينه وبين إدراك الغلّة.
فأمر أمير المؤمنين - بما جبل اللّه عليه رأيه في التّوصّل إلى كلّ ما عاد بصلاح رعيّته، وحسما للأسباب المؤدّية إلى إعناتها (¬b) - بتأخير النّوروز الذي يقع في شهور سنة اثنتين وثمانين ومائتين من سني الهجرة، عن الوقت الذي يتّفق فيه أيّام سنة الفرس - وهو يوم الجمعة لإحدى عشرة تخلو من صفر - مثل عدّة أيام الشهرين من شهور الفرس التي ترك كبسها وهي ستون يوما، حتى يكون نوروز السنة واقعا يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة تخلو من شهر
стр. 865
ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وهو الحادي عشر من حزيران؛ وهو يتّصل بهما ويجري مجراهما، وينسب ويضاف إليهما، وسائر أعمالهم، وما يعمله أصحاب الحساب من التّقويمات وجميع الأعمال، وما يعدّه الفرس من شهورهم إلى شهوره الكبيسة الأوّل والآخر، ثم يكبس بعد ذلك في كلّ أربع سنين من سني الفرس، ولا يقع تفاوت بينه وبينها على مرور الأيّام.
وليكن أبدا واقعا في حزيران، وغير خارج عنه، وأن يلغى ذكر كلّ سنة من أربع سنين تنسب إلى الخراج بالعراق، وفي المشرق والمغرب وسائر النّواحي والآفاق، إذ كان مقدار سني أيّام الهجرة والسّنة الجامعة للأزمنة التي تتكامل فيها الغلاّت.
وأن يخرج التّوقيع بذلك، لتنشأ الكتب به من ديوان الرّسائل إلى ولاة المعاون والأحكام، وتقرأ على المنابر، ويحمل أصحاب المعاون الرّعيّة عليه، وتأخذها بامتثال ما أمر به أمير المؤمنين وسنّته الحكّام في ديوان حكمهم، ليمتثل الضّمناء والمقاطعون (¬a) ذلك على حسبه، واستطلع رأي أمير المؤمنين في ذلك، فرأى أمير المؤمنين في ذلك مرفقا (¬b) إن شاء اللّه تعالى، وكانت نسخة التّوقيع: ينّفذ ذلك إلى شاء اللّه تعالى.
وكتب في شهر ذي الحجّة لسنة إحدى وثمانين ومائتين».
قال (١): وكان السّبب في نقل الخراج إلى حزيران في أيّام المعتضد، ما حدّثني به أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم النّديم (¬c) (٢)، قال: كنت أحدّث أمير المؤمنين المعتضد، فذكرت خبر المتوكّل في تأخير النّوروز؛ فاستحسنه، وقال لي: كيف كان ذلك؟ قلت: حدّثني أبي،
стр. 866
قال: دخل المتوكّل، قبل تأخير النّوروز بعض بساتينه الخاصّة التي كانت في يديّ - وهو متوكّئ عليّ يحادثني، وينظر إلى ما أحدث في ذلك البستان - فمرّ بزرع فرآه أخضر، فقال: يا عليّ، إنّ الزّرع أخضر بعد ما أدرك! وقد استأمرني عبيد اللّه بن يحيى (١) في استفتاح الخراج، فكيف كانت الفرس تستفتح الخراج في النّوروز، والزّرع لم يدرك بعد؟ قال: فقلت له: ليس يجري الأمر اليوم على ما كان يجري عليه في أيّام الفرس، ولا النّوروز في هذه الأيّام في وقته الذي كان في أيّامها؛ قال: وكيف ذاك؟ فقلت: لأنّها كانت تكبس في كلّ مائة وعشرين سنة شهرا، وكان النّوروز إذا تقدّم شهرا، وصار في خمس من حزيران، كبست ذلك الشهر، فصار في خمس من أيار، وأسقطت شهرا وردّته إلى خمس من حزيران، فكان لا يتجاوز هذا.
فلمّا تقلّد العراق خالد بن عبد اللّه القسريّ، وحضر الوقت الذي تكبس فيه الفرس، منعها من ذلك وقال: هذا من النّسيء الذي نهى اللّه عنه فقال: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ﴾، وأنا لا أطلقه حتى أستأمر فيه أمير المؤمنين؛ فبذلوا على ذلك مالا جليلا، فامتنع عليهم/ من قبوله، وكتب إلى هشام ابن عبد الملك يعرّفه ذلك ويستأمره، ويعلمه أنّه من النّسيء الذي نهى اللّه عنه، فأمر بمنعهم من ذلك.
فلمّا امتنعوا من الكبس، تقدّم النّوروز تقدّما شديدا حتى صار يقع في نيسان والزّرع أخضر، فقال له المتوكّل: فاعمل لهذا يا عليّ عملا تردّ النّوروز فيه إلى وقته الذي كان يقع فيه في أيّام الفرس، وعرّف بذلك عبيد اللّه بن يحيى، وأدّ إليه رسالة منّي في أن يجعل استفتاح الخراج فيه؛ قال: فصرت إلى أبي الحسن عبيد اللّه بن يحيى، وعرّفته ما جرى بيني وبين المتوكّل، وأدّيت إليه رسالته؛ فقال لي: يا أبا الحسن، قد واللّه فرّجت عنّي وعن الناس، وعملت عملا كثيرا يعظم ثوابك عليه، وكسبت لأمير المؤمنين أجرا وشكرا، فأحسن اللّه جزاءك، فمثلك من يجالس الخلفاء.
وأحبّ أن يتقدّم بالعمل الذي أمر به المتوكّل، وينفذه إليّ حتى أجري الأمر عليه، وأتقدّم في كتب الكتب باستفتاح الخراج.
قال: فرجعت وحرّرت الحساب، فوجدت النّوروز لم يكن يتقدّم في أيّام الفرس أكثر من شهر يتقدّم من خمس تخلو من حزيران فيصير في خمسة أيام تخلو من أيام، فتكبس سنتها وتردّه إلى خمسة أيّام من حزيران.
стр. 867
وأنفذته إلى عبيد اللّه بن يحيى، فأمر أن يستفتح الخراج في خمس من حزيران، وتقدّم إلى إبراهيم بن العبّاس في أن ينشئ كتابا عن أمير المؤمنين في ذلك ينفذ نسخته إلى النّواحي، فعمل إبراهيم بن العبّاس [الصّولي] (¬a) (١) كتابه المشهور في أيدي النّاس. قال أبو أحمد: فقال لي المعتضد: يا يحيى، هذا واللّه فعل حسن، وينبغي أن يعمل به. فقلت: ما أحد أولى بفعل الحسن وإحياء السّنن الشّريفة من سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين، لما جمعه اللّه فيه من المحاسن، ووهبه له من الفضائل. فدعا بعبيد اللّه بن سليمان (٢)، وقال له: اسمع من يحيى ما يخبرك به، وأمض الأمر في استفتاح الخراج عليه. قال: فصرت مع عبيد اللّه بن سليمان إلى الدّيوان، وعرّفته الخبر، فأحبّ تأخيره عن ذلك لئلاّ يجري الأمر المجري الأوّل بعينه، فجعله في أحد عشر من حزيران، واستأمر المعتضد في ذلك فأمضاه (٣).
فقلت في ذلك شعرا أنشدته للمعتضد في هذا المعنى (٤):
[الرمل]
يوم نوروزك يوم … واحد لا يتأخّر
من حزيران يوافي … أبدا في أحد عشر
قال: وأخبرني بعض مشايخ الكتّاب، قال: كانت الخلفاء تؤخّر النّوروز عن وقته عشرين يوما وأقلّ وأكثر، ليكون ذلك سببا لتأخير افتتاح الخراج على أهله.
فأمّا (¬b) المهرجان فلم تكن تؤخّره عن وقته يوما واحدا، فكان أوّل من قدّمه عن وقته بيوم، المعتمد بمدينة السّلام في سنة خمس وستين ومائتين، وأمر المعتضد بتأخير النّوروز عن وقته ستين يوما.
стр. 868
وقال أبو الرّيحان محمد بن أحمد البيروني في كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» ومنه نقلت -[يعني] (¬a) ما ذكر ابن أبي طاهر - وزاد: ونفذت الكتب إلى الآفاق - يعني عن المتوكّل - في محرّم سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقتل المتوكّل ولم يتمّ له ما دبّر.
واستمرّ الأمر حتى قام المعتضد فاحتذى ما فعله المتوكّل في تأخير النّوروز، غير أنّه نظر فإذا المتوكّل أخذ ما بين سنته وبين أوّل تاريخ ملك (¬b) يزدجرد، فأخذ المعتضد ما بين سنته وبين السّنة التي زال فيها ملك الفرس بهلاك يزدجرد، ظنّا أنّ إهمالهم أمر الكبس من ذلك الوقت، فوجده مائتي سنة وثلاثا وأربعين سنة، حصّتها من الأرباع ستون يوما وكسر، فزاد ذلك على النّوروز في سنته، وجعله منتهى تلك الأيام - وهو [أوّل يوم] (¬a) من خرداذماه في تلك السنة - وكان يوم الأربعاء، ويوافقه اليوم الحادي عشر من حزيران، ثم وضع النّوروز على شهور الرّوم لتنكبس شهوره إذا كبست الرّوم شهورها (١).
وقال القاضي السّعيد ثقة الثّقات ذو الرّياستين أبو الحسن عليّ بن القاضي المؤتمن ثقة الدولة أبي عمرو عثمان بن يوسف المخزوميّ في كتاب «المنهاج في علم الخراج»: والسّنة الخراجيّة مركّبة على حكم السّنة الشّمسيّة، لأنّ السّنة الشّمسيّة (٢) ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، ورتّب المصريون سنتهم على ذلك، ليكون أداء الخراج عند إدراك الغلاّت من كلّ سنة.
ووافقها السّنة القبطيّة لأنّ أيام شهورها ثلاث مائة وستون يوما، ويتبعها خمسة أيام النّسيء وربع يوم بعد تقضّي مسرى، وفي كلّ أربع سنين تكون أيام النّسيء ستة أيام لينجبر الكسر، ويسمّون تلك السّنة كبيسة، وفي كلّ ثلاث وثلاثين سنة تسقط سنة، فيحتاج إلى نقلها لأجل الفضل بين السّنين الشّمسيّة والسّنين الهلاليّة، لأنّ السّنة الشّمسيّة ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، والسّنة الهلاليّة ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوما وكسر.
стр. 869
ولمّا كان كذلك احتيج إلى استعمال النّقل الذي تطابق به إحدى السّنتين الأخرى.
وقد قال أبو الحسن عليّ بن الحسن الكاتب (١)، ﵀: عهدت جباية أموال الخراج في سنين، قبل سنة إحدى وأربعين ومائتين من خلافة أمير المؤمنين/ المتوكّل على اللّه - رحمة اللّه عليه - تجري كلّ سنة في السّنة التي بعدها، بسبب تأخير الشّهور الشّمسيّة عن الشّهور القمريّة في كلّ سنة أحد عشر يوما وربع يوم وزيادة الكسر عليه؛ فلمّا دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين، كان قد انقضى من السّنين التي قبلها ثلاث وثلاثون سنة، أوّلهن سنة ثمان ومائتين من خلافة أمير المؤمنين المأمون - رحمة اللّه عليه - واجتمع من هذا المتأخّر فيها أيّام سنة شمسيّة كاملة، وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وزيادة الكسر، وبها إدراك غلاّت وثمار سنة إحدى وأربعين ومائتين في صفر سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٢).
وأمر أمير المؤمنين المتوكّل على اللّه - رحمة اللّه عليه - بإلغاء ذكر سنة إحدى وأربعين ومائتين، إذ كانت قد انقضت، وينسب الخراج إلى سنة اثنتين وأربعين ومائتين. فجرت الأعمال على ذلك سنة بعد سنة. إلى أن انقضت ثلاث وثلاثون سنة، آخرهنّ انقضاء سنة أربع وسبعين ومائتين، فلم ينتبه كتّاب أمير المؤمنين المعتمد على اللّه - رحمة اللّه عليه - على ذلك، إذ كان رؤساؤهم في ذلك الوقت إسماعيل بن بلبل (٣) وبني الفرات، ولم يكونوا عملوا في ديوان الخراج والضّياع في خلافة أمير المؤمنين المتوكّل على اللّه - رحمة اللّه عليه - ولا كانت أسنانهم أسنانا بلغت معرفتهم معها هذا النّقل، بل كان مولد أحمد بن محمد بن الفرات قبل هذه السّنة بخمس سنين، ومولد عليّ أخيه فيها، وكان إسماعيل بن بلبل يتعلّم في مجلس لم يبلغ أن ينسخ؛ فلمّا تقلّدت للنّاصر
стр. 870
للّدين أبي أحمد طلحة الموفّق ﵀ أعمال الضّياع بقزوين ونواحيها لسنة ستّ وسبعين ومائتين - وكان مقيما بأذربيجان، وخليفته بالجبل (¬a)) أحمد بن محمد (¬a) جرادة بن محمد وحمد (¬b) ابن محمد كاتبه - واحتجت إلى رفع جماعتي إليه، ترجمتها بجماعة سنة ست وسبعين ومائتين التي أدركت غلاّتها وثمارها في سنة سبع وسبعين ومائتين، ووجب إلغاء ذكر سنة ست وسبعين ومائتين؛ فلمّا وقفا على هذه الترجمة أنكراها، وسألاني عن السّبب فيها، فشرحت لهما، وأكّدت ذلك بأن عرّفتهما أنّي قد استخرجت حساب السّنين الشّمسيّة والسّنين القمريّة من القرآن الكريم بعد ما عرضته على أصحاب التّفسير، فذكروا أنّه لم يأت فيه شيء من الأثر، فكان ذلك أوكد في لطف استخراجي؛ وهو أنّ اللّه تعالى قال في سورة الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الآية ٢٥ سورة الكهف] فلم أجد أحدا من المفسّرين عرف معنى قوله:
﴿وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾، وإنّما خاطب اللّه نبيّه ﷺ بكلام العرب وما تعرفه من الحساب؛ فمعنى هذه التّسع أنّ الثلاث مائة كانت شمسيّة بحساب العجم ومن كان لا يعرف السّنين القمريّة، فإذا أضيف إلى الثلاث مائة القمرية زيادة التّسع، كانت سنين شمسية صحيحة فاستحسنّاه؛ فلمّا انصرف جرادة مع النّاصر لدين اللّه إلى مدينة السّلام، وتوفّي النّاصر ﵀ وتقلّد أبو القاسم عبيد اللّه بن سليمان كتابة أمير المؤمنين المعتضد بالله، أجرى له جرادة ذكر هذا النّقل، وشرح له سببه تقرّبا إليه، وطعنا على أبي القاسم عبيد اللّه في تأخيره إيّاه.
فلمّا وقف المعتضد على ذلك، تقدّم إلى أبي القاسم بإنشاء الكتب بنقل سنة ثمان وسبعين إلى سنة تسع وسبعين ومائتين، وكان هذا النّقل بعد أربع سنين من وجوبه؛ ثم مضت السّنون سنة بعد سنة، إلى أن انقضت الآن ثلاث وثلاثون سنة: أولاهن السّنة التي كان النّقل وجب فيها وهي سنة خمس وسبعين ومائتين، وآخرتهن انقضاء سنة سبع وثلاث مائة، وقد تهيّأ إدراك الغلاّت والثّمار في صدر سنة ثمان وثلاث مائة ونسبته إليها وقد عملت نسخة هذا النّقل، نسختها تحت هذا الموضع ليوقف عليها (١).
стр. 871
وقد كان أصحاب الدّواوين في أيّام المتوكّل، لمّا نقل سنة إحدى وأربعين ومائتين إلى سنة اثنتين وأربعين ومائتين، جبوا الجوالي والصّدقات لسنتي إحدى واثنتين وأربعين ومائتين في وقت واحد، لأنّ الجوالي بسرّ من رأى ومدينة السّلام وقصب المدن (¬a) المشهورة كانت تجبى على شهور الأهلّة، وما كان من جماجم أهل القرى في الخراج والضّياع والصّدقات والمستغلات، كان يجبى على شهور الشّمس.
وفي الثلاث (¬b) وثلاثين سنة اجتمعت أيّام سنة شمسيّة كاملة، فألزم أهل الذّمّة خاصّة بالجوالي، ورفعها العمّال في حسباناتهم، فمن لم يرفعها ألزموه بجوالي السّنة الزّائدة، فأحفظ أنّه اجتمع من ذلك ألوف ألوف (¬c) دراهم، ثم جدّدت الكتب إلى العمّال بأن تكون حسباناتهم الجوالي على شهور الأهلّة، فجرى الأمر على ذلك (١).
قال القاضي أبو الحسن (٢): وقد كان النّقل أغفل في الدّيار المصرية، حتّى كانت سنة تسع وتسعين وأربع مائة الهلاليّة تجري مع سنة سبع وتسعين الخراجيّة، فنقلت سنة سبع وتسعين وأربع مائة إلى سنة إحدى وخمس مائة، هكذا رأيت في تعليقات أبي ﵀ [قال] (¬d): وآخر ما نقلت السّنة في وقتنا هذا سنة خمس وستين وخمس مائة إلى سنة سبع وستين وخمس مائة الهلاليّة، فتطابقت السّنتان. وذلك أنّني لمّا قلت للقاضي الفاضل أبي عليّ/ عبد الرّحيم بن عليّ البيساني أنّه قد آن نقل السّنة، فأنشأ سجلاّ بنقلها نسخ في (¬e) الدّواوين، وحمل الأمر على حكمه. وما برح الملوك والوزراء يعتنون بنقل السّنين في أحيانها (٣).
وقال أبو الحسين هلال بن المحسّن الصّابئ (٤): حدّثني أبو عليّ قال: لمّا أراد الوزير أبو محمّد المهلّبي نقل سنة خمس وثلاث مائة الهلاليّة، أمر أبا إسحاق والدي وغيره من كتّابه في الخراج
стр. 872
والرّسائل، بإنشاء كتاب عن المطيع للّه في هذا المعنى؛ فكتب كلّ منهم، وكتب والدي الكتاب الموجود في رسائله، وعرضت النّسخ على الوزير فاختاره منها، وتقدّم بأن يكتب إلى أصحاب الأطراف، وقال لأبي الفرج بن أبي هشام خليفته: اكتب إلى العمّال بذلك كتبا محقّقة، وانسخ في أواخرها هذا الكتاب السّلطاني؛ فغاظ أبا الفرج وقوع التّفضيل والاختيار لكتاب والدي - وقد كان عمل نسخة اطّرحت في جملة ما اطّرح - وكتب: «قد رأينا نقل سنة خمسين إلى إحدى وخمسين، فاعمل على ذلك». ولم ينسخ الكتاب السّلطاني؛ وعرف الوزير ما كتب به أبو الفرج فقال له: لماذا أغفلت نسخ الكتاب السّلطاني في آخر الكتب إلى العمّال وإثباته في الدّيوان؟ فأجاب جوابا علّل فيه؛ فقال له: يا أبا الفرج ما تركت ذلك إلاّ حسدا لأبي إسحاق، وهو واللّه في هذا الفنّ أكتب أهل زمانه (١)، فأعد الآن الكتب، وانسخ الكتاب في أواخرها.
قال القاضي أبو الحسن (٢): وأنا أذكر بمشيئة اللّه نسخة الكتاب الذي أشار إليه أبو الحسن عليّ ابن الحسن الكاتب، وكتاب أبي إسحاق وكتاب القاضي الفاضل، ليستبين للناظر طريق نقل السّنين الخراجيّة إلى السّنين الهلالية. فإذا قاربت الموافقة وحسنت فيها المطابقة، فالكتاب الفاضليّ أكثر نجازا وأعظم إعجازا، ولا يخفى على المتأمّل قدر ما أورد فيه من البلاغة، كما لا يخفى على العارف قدر ما تضمّنه كتاب الصّابئ من الصّناعة.
نسخة الكتاب الذي أشار إليه أبو الحسن الكاتب:
«[أما بعد] (¬a) فإنّ أولى ما صرف إليه أمير المؤمنين عنايته، وأعمل فيه فكره ورويّته، وشغل به تفقّده ورعايته، أمر الفيء الذي خصّه اللّه به وألزمه جمعه وتوفيره، وحياطته وتكثيره، وجعله عماد الدّين، وقوام أمر المسلمين، وفيما يصرف منه إلى أعطيات الأولياء والجنود؛ ومن يستعان به لتحصين البيضة والذّبّ عن الحريم، وحجّ البيت، وجهاد العدو، وسدّ الثّغور، وأمن السبل، وحقن الدّماء، وإصلاح ذات البين. وأمير المؤمنين
стр. 873
يسأل اللّه راغبا إليه، ومتوكّلا عليه، أن يحسن عونه على ما حمّله منه، ويديم توفيقه لما أرضاه، وإرشاده إلى ما يقضي عنه وله.
وقد نظر أمير المؤمنين فيما كان يجري عليه أمر جباية هذا الفيء في خلافة آبائه الراشدين فوجده على حسب ما كان يدرك من الغلاّت والثّمار في كل سنة أولا أولا على مجاري شهور سني الشمس في النّجوم التي يحلّ مال كلّ صنف منها فيها، ووجد شهور السنة الشمسية تتأخّر عن شهور السنة الهلاليّة أحد عشر يوما وربعا وزيادة عليه، ويكون إدراك الغلات والثّمار في كل سنة بحسب تأخّرها.
فلا تزال السّنون تمضي على ذلك سنة بعد سنة حتى تنقضي منها ثلاث وثلاثون سنة وتكون عدّة الأيام المتأخّرة منها أيام سنة شمسيّة كاملة، وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وزيادة عليه، فحينئذ يتهيّأ بمشيئة اللّه وقدرته إدراك الغلاّت التي تجري عليها الضرائب والطّسوق في استقبال المحرّم من سني الأهلّة. ويجب مع ذلك إلغاء ذكر السنة الخارجة إذ كانت قد انقضت ونسبتها إلى السنة التي أدركت الغلاّت والثمار فيها. وإنه وجد ذلك قد كان وقع في أيام أمير المؤمنين المتوكّل على اللّه - رحمة اللّه عليه - عند انقضاء ثلاث وثلاثين سنة، آخرتهن سنة إحدى وأربعين ومائتين، فاستغني عن ذكرها بإلغائها ونسبتها إلى سنة اثنتين وأربعين ومائتين؛ فجرت المكاتبات والحسبانات وسائر الأعمال بعد ذلك سنة بعد سنة إلى أن مضت ثلاث وثلاثون سنة، آخرتهنّ انقضاء سنة أربع وسبعين ومائتين، ووجب إنشاء الكتب بإلغاء ذكر سنة أربع وسبعين ومائتين ونسبتها إلى سنة خمس وسبعين ومائتين. فذهب ذلك على كتّاب أمير المؤمنين المعتمد على اللّه وتأخّر الأمر أربع سنين إلى أن أمر أمير المؤمنين المعتضد باللّه ﵀ في سنة سبع وسبعين ومائتين بنقل خراج سنة ثمان وسبعين ومائتين إلى سنة تسع وسبعين ومائتين؛ فجرى الأمر على ذلك إلى أن انقضت في هذا الوقت ثلاث وثلاثون سنة: أولاهنّ السنة التي كان يجب نقلها فيها، وهي سنة خمس وسبعين ومائتين، وآخرتهن انقضاء شهور خراج سنة سبع وثلاث مائة؛ ووجب افتتاح خراج ما تجري عليه الضّرائب والطسوق في أولها وإنّ من صواب التدبير واستقامة الأعمال، واستعمال ما يخفّ على
стр. 874
الرعية معاملتها به نقل سنة الخراج لسنة سبع وثلاث مائة إلى سنة ثمان وثلاث مائة، فرأى أمير المؤمنين - لمّا يلزمه نفسه ويؤاخذها به، من العناية بهذا الفيء وحياطة أسبابه، وإجرائها مجاريها، وسلوك سبيل آبائه الراشدين رحمة اللّه عليهم فيها - أن يكتب إليك وإلى سائر/ العمّال في النواحي بالعمل على ذلك، وأن يكون ما يصدر إليكم من الكتب وتصدرونه عنكم وتجري عليه أعمالكم ورفوعكم وحسباناتكم وسائر مناظراتكم على هذا النّقل.
فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين واعمل به مستشعرا فيه وفي كلّ ما تمضيه تقوى اللّه وطاعته، ومستعملا عليه ثقات الأعوان وكفاتهم، مشرفا عليهم ومقوّما لهم، واكتب بما يكون منك في ذلك، إن شاء اللّه تعالى».
نسخة كتاب (¬a) أبي إسحاق الصّابئ:
«أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين لا يزال مجتهدا في مصالح المسلمين، وباعثا لهم على مراشد الدنيا والدّين، ومهيّئا لهم إلى أحسن الاختيار فيما يوردون ويصدرون، وأصوب الرأي فيما يبرمون وينقضون، فلا تلوح له خلّة داخلة على أمورهم إلا سدّها وتلافاها ولا حال عائدة بحظّ عليهم إلا اعتمدها وأتاها ولا سنّة عادلة إلا أخذهم بإقامة رسمها، وإمضاء حكمها، والاقتداء بالسّلف الصّالح في العمل بها والاتباع لها، وإذا عرض من ذلك ما تعلمه الخاصّة بوفور ألبابها، وتجهله العامة بقصور أفهامها، وكانت أوامره فيه خارجة إليك وإلى أمثالك من أعيان رجاله، وأماثل عمّاله، الذين يكتفون بالإشارة، ويجتزءون بيسير الإبانة والعبارة، لم يدع أن يبلغ من تلخيص اللّفظ وإيضاح المعنى إلى الحدّ الذي يلحق المتأخّر بالمتقدّم، ويجمع بين العالم والمتعلّم؛ ولا سيّما إذا كان ذلك فيما يتعلّق بمعاملات الرعيّة، ومن لا يعرف إلاّ الظّواهر الجليّة دون البواطن الخفيّة، ولا يسهل عليه الانتقال عن العادات المتكرره، إلى الرّسوم المتغيّره، ليكون القول بالمشروح لمن برّز في المعرفة مذكّرا، ولمن تأخّر فيها مبصّرا؛ ولأنه ليس من الحق أن تمنع هذه الطبقة من برد (١)
стр. 875
اليقين في صدورها، ولا أن يقتصر على اللّمحة الدالّة في مخاطبة جمهورها، حتّى إذا استوت الأقدام بطوائف النّاس في فهم ما أمروا به وفقه ما دعوا إليه وصاروا فيه على كلمة سواء لا يعترضهم شكّ الشاكّين ولا استرابة المستريبين، اطمأنّت قلوبهم، وانشرحت صدورهم، وسقط الخلاف بينهم، واستمر الاتفاق فيهم، واستيقنوا أنهم مسوسون على استقامة من المنهاج، ومحروسون من جرائر الزّيغ والاعوجاج؛ فكان الانقياد منهم وهم دارون عالمون، لا مقلّدون مسلّمون؛ وطائعون مختارون، لا مكرهون ولا مجبرون.
وأمير المؤمنين يستمدّ اللّه تعالى في جميع أغراضه ومراميه، ومطالبه ومغازيه، مادّة من صنعه تقف به على سنن الصّلاح، وتفتح له أبواب النّجاح، وتنهضه بما أهّله لحمله من الأعباء التي لا يدّعي الاستقلال بها إلاّ بتوفيقه ومعونته، ولا يتوجه فيها إلاّ بدلالته وهدايته، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
وأمير المؤمنين يرى أنّ أولى الأقوال أن يكون سدادا، وأحرى الأفعال أن يكون رشادا، ما وجد له في السابق من حكم اللّه أصول وقواعد، وفي النّص من كتابه آيات وشواهد؛ وكان مفضيا بالأمة إلى قوام من دين ودنيا، ووفاق في آخرة وأولى، فذلك هو البناء الذي يثبت ويعلو، والغرس الذي ينبت ويزكو، والسّعي الذي تنجح مباديه وهواديه، وتبهج عواقبه وتواليه، وتستنير سبله لسالكيها، وتوردهم موارد السعود في مقاصدهم فيها، غير ضالّين ولا عادلين، ولا منحرفين ولا زائلين.
وقد جعل اللّه لعباده من هذه الأفلاك الدائره، والنّجوم السائره، فيما تتقلّب عليه من اتّصال وافتراق، ويتعاقب عليها من اختلاف واتّفاق، منافع تظهر في كرور الشّهور والأعوام، ومرور اللّيالي والأيّام، وتناوب الضّياء والظلام، واعتدال المساكن والأوطان، وتغاير الفصول والأزمان، ونشء النّبات والحيوان، فما في نظام ذلك خلل، ولا في صنعة صانعه زلل، بل هو منوط بعضه ببعض، ومحوط من كلّ ثلمة ونقض، قال اللّه سبحانه: ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِياءً وَاَلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسابَ ما خَلَقَ اَللّهُ ذلِكَ إِلّا بِالْحَقِّ﴾ [الآية ٥ سورة يونس]، وقال جلّ من قائل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اَللّهَ يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهارِ وَيُولِجُ﴾
стр. 876
﴿اَلنَّهارَ فِي اَللَّيْلِ وَسَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اَللّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الآية ٢٩ سورة لقمان]، وقال: ﴿وَاَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ﴾ [الآية ٣٨ سورة يس]. وقال عزّت قدرته: ﴿وَاَلْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ﴾ [الآية ٣٩ سورة يس]. ففضّل اللّه تعالى في هذه الآيات بين الشمس والقمر، وأنبأنا في الباهر من حكمه، والمعجز من كلمه، أنّ لكلّ منهما طريقا سخّر فيها وطبيعة جبل عليها، وأن كلّ تلك المباينة والمخالفة في المسير، تؤدّي إلى موافقة وملازمة في التدبير؛ فمن هنالك زادت السنة الشمسة فصارت ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربعا بالتقريب المعمول عليه، وهي المدّة التي تقطع الشّمس فيها الفلك مرّة واحدة، ونقصت السنة الهلالية فصارت ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما وكسرا، وهي المدّة التي يجامع القمر فيها الشمس اثنتي عشرة مرة، واحتيج إذا انساق هذا الفضل إلى استعمال النّقل الذي يطابق إحدى السنتين بالأخرى إذا افترقتا، ويداني بينهما إذا تفاوتتا.
ومازالت الأمم السّالفة تكبس زيادات السنين على افتنان من طرقها ومذاهبها، وفي كتاب اللّه شهادة بذلك إذ يقول في قصّة أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الآية ٢٥ سورة الكهف]. فكانت هذه الزيادة بأن الفضل في السنين المذكورة على تقريب التقريب.
فأمّا الفرس فإنّهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثنا عشر شهرا، وأيامها ثلاث مائة وستون يوما، ولقّبوا الشهور اثني عشر لقبا، وسمّوا أيام الشهر منها ثلاثين اسما، وأفردوا الأيّام الخمسة الزائدة، وسمّوها المسترقة وكبسوا الرّبع في كل مائة وعشرين سنة شهرا.
فلمّا انقرض ملكهم، بطل في كبس هذا الربع تدبيرهم، وزال نوروزهم عن سنّته، وانفرج ما بينه وبين حقيقة وقته، انفراجا هو زائد لا يقف، ودائر لا ينقطع، حتّى إنّ موضوعهم فيه أن يقع في مدخل الصّيف وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الشّتاء، ويتجاوز ذلك، وكذلك موضوعهم في المهرجان أن يقع في مدخل الشتاء، وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الصّيف ويتجاوزه.
وأمّا الرّوم فكانوا أتقن منهم حكمة وأبعد نظرا في عاقبة: لأنهم رتّبوا شهور السنة على أرصاد رصدوها، وأنواء عرفوها، وفضّوا الخمسة الأيام
стр. 877
الزائدة على الشّهور، وساقوها معها على الدّهور، وكبسوا الرّبع في كلّ أربع سنين يوما، ورسموا أن يكون إلى شباط مضافا فقرّبوا ما بعّده غيرهم، وسهّلوا على الناس أن يقتفوا أثرهم، لا جرم أنّ المعتضد باللّه - صلوات اللّه عليه - على أصولهم بنى، ولمثالهم احتذى في تصييره نوروزه اليوم الحادي عشر من حزيران، حتى سلم مما لحق النواريز في سالف الأزمان، وتلافوا الأمر في عجز سني الهلال عن سني الشمس، بأن جبروها بالكبس، فكلّما اجتمع من فضول سني الشمس ما يفي بتمام شهر جعلوا السنة الهلاليّة التي يتّفق ذلك فيها ثلاثة عشر هلالا، فربّما تمّ الشهر الثالث عشر في ثلاث سنين وربّما تمّ في سنتين بحسب ما يوجبه الحساب، فتصير سنتا الشمس والهلال عندهم متقاربتين أبدا لا يتباعد ما بينهما.
وأمّا العرب فإنّ اللّه - جلّ وعزّ - فضّلها على الأمم الماضية، وورّثها ثمرات مساعيها المتعبة، وأجرى شهر صيامها ومواقيت أعيادها وزكاة أهل ملّتها، وجزية أهل ذمّتها، على السنة الهلاليّة، وتعبّدها فيها برؤية الأهلّة، إرادة منه أن تكون مناهجها واضحة، وأعلامها لائحة، فيتكافأ في معرفة الغرض ودخول الوقت الخاصّ منهم والعام، والناقص الفقه والتام، والأنثى والذكر، وذو الصّغر والكبر، فصاروا حينئذ يجبون في سنة الشمس حاصل الغلاّت المقسومة وخراج الأرض الممسوحة، ويجبون في سنة الهلال الجوالي والصّدقات والأرجاء والمقاطعات والمستغلاّت، وسائر ما يجري على المشاهرات، وحدث من التعاظل والتداخل بين السنين ما لو استمر لقبح جدّا، وازداد بعدا، إذ كانت الجباية الخراجية في السنة التي تنتهي إليها تنسب في التسمية إلى ما قبلها فوجب مع هذا أن تطرح تلك السّنة وتلغى، ويتجاوز إلى ما بعدها ويتخطّى، ولم يجز لهم أن يقتدوا بمخالفيهم في كبس سنة الهلال بشهر ثالث عشر؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لتزحزحت الأشهر الحرم عن مواقعها، وانحرفت المناسك عن حقائقها، ونقصت الجباية عن سني الأهلّة القبطية بقسط ما استغرقه الكبس منها، فانتظروا بذلك الفضل إلى أن تتمّ السنة، وأوجب الحساب المقرّب أن يكون كلّ اثنتين وثلاثين سنة
стр. 878
شمسية ثلاثا وثلاثين سنة هلالية؛ فنقلوا المتقدّمة إلى المتأخّرة نقلا لا يتجاوز الشّمسية، وكانت هذه الكلفة في دنياهم مستسهلة مع تلك النّعمة في دينهم.
وقد رأى أمير المؤمنين نقل سنة خمسين وثلاث مائة الخراجيّة إلى سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة الهلالية جمعا بينهما، ولزوما لتلك السّنّة فيهما.
فاعمل بما ورد به أمر أمير المؤمنين عليك، وما تضمّنه كتابه هذا إليك، ومر الكتّاب قبلك أن يحتذوا رسمه فيما يكتبون به إلى عمّال نواحيك، ويخلّدونه في الدواوين من ذكورهم ورفوعهم، ويقرّرونه في دروج الأموال، وينظمونه في الدّفاتر والأعمال، ويبنون عليه الجماعات والحسبانات، ويوعزون بكتبه من الرّوزنامجات والبراءات، وليكن المنسوب كان من ذلك إلى سنة خمسين وثلاث مائة التي وقع النقل عنها معدولا به إلى سنة إحدى وخمسين التي وقع النّقل إليها، وأقم في نفوس من بحضرتك من أصناف الجند والرعية وأهل الملّة والذّمّة أنّ هذا النقل لا يغيّر لهم رسما، ولا يلحق بهم ثلما، ولا يعود على قابضي العطاء بنقصان ما استحقّوا قبضه، ولا على مؤدّي حقّ بيت المال بإغضاء عمّا وجب أداؤه، فإنّ قرائح أكثرهم فقيرة إلى إفهام أمير المؤمنين الذي يوئر أن تزاح فيه العلّة، وتسدّ به منهم الخلّة، إذ كان هذا الشأن لا يتجدّد إلا في المدد الطّوال التي في مثلها يحتاج إلى تعريف الناشي، وإذكار النّاسي، وأجب بما يكون منك جوابا يحسن موقعه لك، إن شاء اللّه تعالى» (١).
وقال ابن المأمون (٢) في «تاريخه» من حوادث سنة إحدى وخمس مائة: وأوّل ما تحدّث فيه نقل السّنة الشّمسيّة إلى العربيّة، وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين، فتحدّث القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحي مع الأفضل بن أمير الجيوش في ذلك، فأجابه إليه وخرج أمره إلى
стр. 879
الشّيخ أبي القاسم بن الصّيرفي (١) بإنشاء سجلّ به (¬a)) فنسخ نصّه في دواوين الأموال والجيوش وخلّد بعد ذلك في بيت المال (¬a)، فأنشأ ما نسخته:
«بسم اللّه الرّحمن الرحيم الحمد للّه الذي ارتضى أمير المؤمنين أمينه في أرضه وخليفته، وألهمه أن يعمّ بحسن/ التّدبير عبيده وخليقته، ووفّقه لمصالح يستمد أسبابها، ويفتح بحسن نظره أبوابها، وأورثه مقام آبائه الرّاشدين الذين اختصّهم بشرف المفخر، وجعل اعتقاد ولائهم (¬b) سبب النّجاة في المحشر، وعناهم بقوله:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ﴾ [الآية ١٥٧ سورة الأعراف]، وأعلى منار سلطانه بمدبّر أفلاك دولته ومبيد أعداء مملكته، وأشرف من نصب للمجد (¬c) علما وراية، ووقف على مصلحة البرية نظره ورأيه وأرشد بهدايته الألباب الحائرة، وأذهب بمعدلته الأحكام الجائرة السّيّد الأجلّ الأفضل، ونتمّم النّعوت بالدّعاء للذي كمّل تدبيره نظام الصّلاح وتمّمه، وسدّد تقريره الأمور في كلّ ما قصده ويمّمه، وتنبّه (¬d) في السّياسة على ما أهمله من سبقه وأغفله من تقدّمه، وتتبّع أحوال المملكة فلم يدع مشكلا إلاّ أوضحه وبيّن الواجب فيه، ولا خللا إلاّ أصلحه وبادر بتلافيه، ولا مهملا إلاّ استعمله على ما يوافق الصّواب ولا ينافيه إيثارا لعمارة الأعمال وقصدا لما
стр. 880
يقضي بتوفير الأموال وتوخّيا لما عاد بضروب الاستقلال (¬a)، واعتناء برجال الدّولة العلويّة وأجنادها، واهتماما بمصالحهم التي ضعفت قواهم عن ارتيادها، ورعاية لمن ضمّته أقطار المملكة من الرّعايا، وحملا لهم (¬b) على أعدل السّنن وأفضل القضايا.
يحمده أمير المؤمنين على ما أعانه عليه من حسن النّظر للأمّة، وادّخره لأيّامه من الفضائل التي صفت بها ملابس النّعمة، ووفّقه لما يعود على الكافّة بشمول الانتفاع، حتى صار استئداء (¬c) الحقوق بواجبات الشّريعة الواضحة الأدلّة، واستيفاؤها بمقتضى المعدلة فيما يجري على أحكام الخراج وأوضاع الأهلّة، ويرغب إليه بالصّلاة على محمد الذي ميّزه بالحكمة وفصل الخطاب، وبيّن ما استبهم من سبل الصّواب، وأنزل عليه في محكم الكتاب ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِياءً وَاَلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسابَ﴾ [الآية ٥ سورة يونس]، صلّى اللّه عليه وعلى أخيه وابن عمّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كافيه فيما أعضل لمّا عدم المساعد، وواقيه بنفسه لمّا تخاذل الكفّ والسّاعد، وعلى الأئمّة من ذرّيتهما العاملين برضى اللّه تعالى فيما يقولون ويفعلون، والذين ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الآية ١٨١ سورة الأعراف]، وإنّ أولى ما أولاه أمير المؤمنين حظّا وافيا من تفقّده وأسهم له جزءا وافرا من كريم تعهّده، ونظر إليه بعين اهتمامه واختصّه بالقسم الأجزل من استمالة أمر الأموال التي يستعان بها على سدّ الخلل، وبرجائها يستدفع ما يطرق من الحادث الجلل، وبوفورها تستتبّ شئون المملكة وتستقيم أحوال الدّول، وباستخراجها على حكم العدل الشّامل وقضيّة (¬d) إنصاف المعامل تكون العمارة التي هي أصل زيادتها ومادّة كثرتها وغزارتها، ولمّا كانت جبايتها على حكمين: أحدهما يجيء هلاليّا، وذلك ما لا يدخله عارض ولا إشكال ولا إبهام ولا يحتاج فيه إلى إيضاح ولا إفهام، لأنّ شهور الهلال يشترك في معرفتها المبّرز (¬e) والمقصّر، ويستوي