← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

﴿اَلنَّهارَ فِي اَللَّيْلِ وَسَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اَللّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الآية ٢٩ سورة لقمان]، وقال: ﴿وَاَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ﴾ [الآية ٣٨ سورة يس]. وقال عزّت قدرته: ﴿وَاَلْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ﴾ [الآية ٣٩ سورة يس]. ففضّل اللّه تعالى في هذه الآيات بين الشمس والقمر، وأنبأنا في الباهر من حكمه، والمعجز من كلمه، أنّ لكلّ منهما طريقا سخّر فيها وطبيعة جبل عليها، وأن كلّ تلك المباينة والمخالفة في المسير، تؤدّي إلى موافقة وملازمة في التدبير؛ فمن هنالك زادت السنة الشمسة فصارت ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربعا بالتقريب المعمول عليه، وهي المدّة التي تقطع الشّمس فيها الفلك مرّة واحدة، ونقصت السنة الهلالية فصارت ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما وكسرا، وهي المدّة التي يجامع القمر فيها الشمس اثنتي عشرة مرة، واحتيج إذا انساق هذا الفضل إلى استعمال النّقل الذي يطابق إحدى السنتين بالأخرى إذا افترقتا، ويداني بينهما إذا تفاوتتا. ومازالت الأمم السّالفة تكبس زيادات السنين على افتنان من طرقها ومذاهبها، وفي كتاب اللّه شهادة بذلك إذ يقول في قصّة أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الآية ٢٥ سورة الكهف]. فكانت هذه الزيادة بأن الفضل في السنين المذكورة على تقريب التقريب. فأمّا الفرس فإنّهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثنا عشر شهرا، وأيامها ثلاث مائة وستون يوما، ولقّبوا الشهور اثني عشر لقبا، وسمّوا أيام الشهر منها ثلاثين اسما، وأفردوا الأيّام الخمسة الزائدة، وسمّوها المسترقة وكبسوا الرّبع في كل مائة وعشرين سنة شهرا. فلمّا انقرض ملكهم، بطل في كبس هذا الربع تدبيرهم، وزال نوروزهم عن سنّته، وانفرج ما بينه وبين حقيقة وقته، انفراجا هو زائد لا يقف، ودائر لا ينقطع، حتّى إنّ موضوعهم فيه أن يقع في مدخل الصّيف وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الشّتاء، ويتجاوز ذلك، وكذلك موضوعهم في المهرجان أن يقع في مدخل الشتاء، وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الصّيف ويتجاوزه. وأمّا الرّوم فكانوا أتقن منهم حكمة وأبعد نظرا في عاقبة: لأنهم رتّبوا شهور السنة على أرصاد رصدوها، وأنواء عرفوها، وفضّوا الخمسة الأيام

стр. 877

الزائدة على الشّهور، وساقوها معها على الدّهور، وكبسوا الرّبع في كلّ أربع سنين يوما، ورسموا أن يكون إلى شباط مضافا فقرّبوا ما بعّده غيرهم، وسهّلوا على الناس أن يقتفوا أثرهم، لا جرم أنّ المعتضد باللّه - صلوات اللّه عليه - على أصولهم بنى، ولمثالهم احتذى في تصييره نوروزه اليوم الحادي عشر من حزيران، حتى سلم مما لحق النواريز في سالف الأزمان، وتلافوا الأمر في عجز سني الهلال عن سني الشمس، بأن جبروها بالكبس، فكلّما اجتمع من فضول سني الشمس ما يفي بتمام شهر جعلوا السنة الهلاليّة التي يتّفق ذلك فيها ثلاثة عشر هلالا، فربّما تمّ الشهر الثالث عشر في ثلاث سنين وربّما تمّ في سنتين بحسب ما يوجبه الحساب، فتصير سنتا الشمس والهلال عندهم متقاربتين أبدا لا يتباعد ما بينهما. وأمّا العرب فإنّ اللّه - جلّ وعزّ - فضّلها على الأمم الماضية، وورّثها ثمرات مساعيها المتعبة، وأجرى شهر صيامها ومواقيت أعيادها وزكاة أهل ملّتها، وجزية أهل ذمّتها، على السنة الهلاليّة، وتعبّدها فيها برؤية الأهلّة، إرادة منه أن تكون مناهجها واضحة، وأعلامها لائحة، فيتكافأ في معرفة الغرض ودخول الوقت الخاصّ منهم والعام، والناقص الفقه والتام، والأنثى والذكر، وذو الصّغر والكبر، فصاروا حينئذ يجبون في سنة الشمس حاصل الغلاّت المقسومة وخراج الأرض الممسوحة، ويجبون في سنة الهلال الجوالي والصّدقات والأرجاء والمقاطعات والمستغلاّت، وسائر ما يجري على المشاهرات، وحدث من التعاظل والتداخل بين السنين ما لو استمر لقبح جدّا، وازداد بعدا، إذ كانت الجباية الخراجية في السنة التي تنتهي إليها تنسب في التسمية إلى ما قبلها فوجب مع هذا أن تطرح تلك السّنة وتلغى، ويتجاوز إلى ما بعدها ويتخطّى، ولم يجز لهم أن يقتدوا بمخالفيهم في كبس سنة الهلال بشهر ثالث عشر؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لتزحزحت الأشهر الحرم عن مواقعها، وانحرفت المناسك عن حقائقها، ونقصت الجباية عن سني الأهلّة القبطية بقسط ما استغرقه الكبس منها، فانتظروا بذلك الفضل إلى أن تتمّ السنة، وأوجب الحساب المقرّب أن يكون كلّ اثنتين وثلاثين سنة

стр. 878

شمسية ثلاثا وثلاثين سنة هلالية؛ فنقلوا المتقدّمة إلى المتأخّرة نقلا لا يتجاوز الشّمسية، وكانت هذه الكلفة في دنياهم مستسهلة مع تلك النّعمة في دينهم. وقد رأى أمير المؤمنين نقل سنة خمسين وثلاث مائة الخراجيّة إلى سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة الهلالية جمعا بينهما، ولزوما لتلك السّنّة فيهما. فاعمل بما ورد به أمر أمير المؤمنين عليك، وما تضمّنه كتابه هذا إليك، ومر الكتّاب قبلك أن يحتذوا رسمه فيما يكتبون به إلى عمّال نواحيك، ويخلّدونه في الدواوين من ذكورهم ورفوعهم، ويقرّرونه في دروج الأموال، وينظمونه في الدّفاتر والأعمال، ويبنون عليه الجماعات والحسبانات، ويوعزون بكتبه من الرّوزنامجات والبراءات، وليكن المنسوب كان من ذلك إلى سنة خمسين وثلاث مائة التي وقع النقل عنها معدولا به إلى سنة إحدى وخمسين التي وقع النّقل إليها، وأقم في نفوس من بحضرتك من أصناف الجند والرعية وأهل الملّة والذّمّة أنّ هذا النقل لا يغيّر لهم رسما، ولا يلحق بهم ثلما، ولا يعود على قابضي العطاء بنقصان ما استحقّوا قبضه، ولا على مؤدّي حقّ بيت المال بإغضاء عمّا وجب أداؤه، فإنّ قرائح أكثرهم فقيرة إلى إفهام أمير المؤمنين الذي يوئر أن تزاح فيه العلّة، وتسدّ به منهم الخلّة، إذ كان هذا الشأن لا يتجدّد إلا في المدد الطّوال التي في مثلها يحتاج إلى تعريف الناشي، وإذكار النّاسي، وأجب بما يكون منك جوابا يحسن موقعه لك، إن شاء اللّه تعالى» (١). وقال ابن المأمون (٢) في «تاريخه» من حوادث سنة إحدى وخمس مائة: وأوّل ما تحدّث فيه نقل السّنة الشّمسيّة إلى العربيّة، وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين، فتحدّث القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحي مع الأفضل بن أمير الجيوش في ذلك، فأجابه إليه وخرج أمره إلى

стр. 879

الشّيخ أبي القاسم بن الصّيرفي (١) بإنشاء سجلّ به (¬a)) فنسخ نصّه في دواوين الأموال والجيوش وخلّد بعد ذلك في بيت المال (¬a)، فأنشأ ما نسخته: «بسم اللّه الرّحمن الرحيم الحمد للّه الذي ارتضى أمير المؤمنين أمينه في أرضه وخليفته، وألهمه أن يعمّ بحسن/ التّدبير عبيده وخليقته، ووفّقه لمصالح يستمد أسبابها، ويفتح بحسن نظره أبوابها، وأورثه مقام آبائه الرّاشدين الذين اختصّهم بشرف المفخر، وجعل اعتقاد ولائهم (¬b) سبب النّجاة في المحشر، وعناهم بقوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ﴾ [الآية ١٥٧ سورة الأعراف]، وأعلى منار سلطانه بمدبّر أفلاك دولته ومبيد أعداء مملكته، وأشرف من نصب للمجد (¬c) علما وراية، ووقف على مصلحة البرية نظره ورأيه وأرشد بهدايته الألباب الحائرة، وأذهب بمعدلته الأحكام الجائرة السّيّد الأجلّ الأفضل، ونتمّم النّعوت بالدّعاء للذي كمّل تدبيره نظام الصّلاح وتمّمه، وسدّد تقريره الأمور في كلّ ما قصده ويمّمه، وتنبّه (¬d) في السّياسة على ما أهمله من سبقه وأغفله من تقدّمه، وتتبّع أحوال المملكة فلم يدع مشكلا إلاّ أوضحه وبيّن الواجب فيه، ولا خللا إلاّ أصلحه وبادر بتلافيه، ولا مهملا إلاّ استعمله على ما يوافق الصّواب ولا ينافيه إيثارا لعمارة الأعمال وقصدا لما

стр. 880

يقضي بتوفير الأموال وتوخّيا لما عاد بضروب الاستقلال (¬a)، واعتناء برجال الدّولة العلويّة وأجنادها، واهتماما بمصالحهم التي ضعفت قواهم عن ارتيادها، ورعاية لمن ضمّته أقطار المملكة من الرّعايا، وحملا لهم (¬b) على أعدل السّنن وأفضل القضايا. يحمده أمير المؤمنين على ما أعانه عليه من حسن النّظر للأمّة، وادّخره لأيّامه من الفضائل التي صفت بها ملابس النّعمة، ووفّقه لما يعود على الكافّة بشمول الانتفاع، حتى صار استئداء (¬c) الحقوق بواجبات الشّريعة الواضحة الأدلّة، واستيفاؤها بمقتضى المعدلة فيما يجري على أحكام الخراج وأوضاع الأهلّة، ويرغب إليه بالصّلاة على محمد الذي ميّزه بالحكمة وفصل الخطاب، وبيّن ما استبهم من سبل الصّواب، وأنزل عليه في محكم الكتاب ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِياءً وَاَلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسابَ﴾ [الآية ٥ سورة يونس]، صلّى اللّه عليه وعلى أخيه وابن عمّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كافيه فيما أعضل لمّا عدم المساعد، وواقيه بنفسه لمّا تخاذل الكفّ والسّاعد، وعلى الأئمّة من ذرّيتهما العاملين برضى اللّه تعالى فيما يقولون ويفعلون، والذين ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الآية ١٨١ سورة الأعراف]، وإنّ أولى ما أولاه أمير المؤمنين حظّا وافيا من تفقّده وأسهم له جزءا وافرا من كريم تعهّده، ونظر إليه بعين اهتمامه واختصّه بالقسم الأجزل من استمالة أمر الأموال التي يستعان بها على سدّ الخلل، وبرجائها يستدفع ما يطرق من الحادث الجلل، وبوفورها تستتبّ شئون المملكة وتستقيم أحوال الدّول، وباستخراجها على حكم العدل الشّامل وقضيّة (¬d) إنصاف المعامل تكون العمارة التي هي أصل زيادتها ومادّة كثرتها وغزارتها، ولمّا كانت جبايتها على حكمين: أحدهما يجيء هلاليّا، وذلك ما لا يدخله عارض ولا إشكال ولا إبهام ولا يحتاج فيه إلى إيضاح ولا إفهام، لأنّ شهور الهلال يشترك في معرفتها المبّرز (¬e) والمقصّر، ويستوي

стр. 881

في الفهم بها المتقدّم في العلم والمتأخّر، إذ كان الناس آلفين لأزمنة متعبّداتهم السّنين ممّا يحفظ لهم نظام مرسومهم. والآخر يجيء خراجيّا ويثبت بنسبته إلى الخراج، لأنّها تضبط أوقات ما يجري ذلك لأجله من النّيل المبارك والزّراعة، وتحفظ أحيانه دون السّنة الهلالية وتحرس أوضاعه، ولا يستقلّ بمعرفته إلاّ من باشره وعلم (¬a) موارده ومصادره، فوجب أن يوفّر (¬b) على السّنة الخراجية النّظر ويفعل فيها ما تعظم به الفائدة ويحسن فيه الأثر، ويعتمد في إيضاح أمرها وتقديم حكمها على ما تتحلّى به التواريخ وتزيّن به السّير، ويكون ذلك شاهدا لمساعي السّيّد الأجلّ الأفضل الذي لا يزال ساهرا ليله في حياطة الهاجعين، شاهرا سيفه في حماية الوادعين، مطلعا للدولة بدور السّعادة وشموسها، مذلّلا لها صعب الحوادث، وشموسها ناطقة تارة بأنّ أمّة هو راعيها قد فضّل اللّه سائسها وأسعد مسوسها، وهذا حين التّبصّر والإرشاد وأوان التبيين للغرض والمراد، للتتساوى العامّة والخاصّة في عمله، وتسعهم الفائدة في معرفة حكمه، وتتحقّق المنفعة لهم فيما يمنع من تداخل السّنين واشتباكها (¬c)، وتتيقّن المعدلة عليهم فيما يؤمن من المضار التي يحتاج إلى استدراكها. معلوم أنّ أيّام السّنة الخراجيّة - وهي السّنة الشّمسية - بخلاف السّنة الهلالية، لأنّ أيّام السنة الخراجية من استقبال النّوروز إلى آخر النّسيء ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، وأيّام السّنة الهلالية لاستقبال المحرّم إلى آخر ذي الحجة ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوما، والخلاف في كلّ سنة بالتقريب أحد عشر يوما، وفي كلّ ثلاث وثلاثين سنة سنة واحدة على حكم التّقديم (¬d)، ويقتضيه ما تقدّم من الترتيب. فإذا اتّفق أن يكون أوّل الهلالية موافقا لمدخل السّنة الخراجية وكانت نسبتهما واحدة، استمرّ اتّفاق التّسمية فيهما وبقي ذلك جاريا عليهما ولم تزالا متداخلتين لكونه مدخل الخراجيّة في أثناء شهور الهلالية إلى انقضاء ثلاث وثلاثين سنة، فإذا انقضت هذه المدّة بطلت المداخلة وخلت السّنة/ الهلالية

стр. 882

من نوروز يكون فيها، وبحكم ذلك بطل اتّفاق التسمية ويكون التّفاوت سنة واحدة للعلّة المقدّم ذكرها. ومن أين يستمرّ بينهما ائتلاف أو يعدم لهما اختلاف؟ أم كيف يعتقد ذلك أحد من البشر واللّه تعالى يقول: ﴿لَا اَلشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ﴾ [الآية ٤٠ سورة يس] فقد وضح دليل التّباعد بما جاء منصوصا في الكتاب، وظهر برهانه بما اقتضاه موجب الحساب، فيحتاج بحكم ذلك إلى نقل السّنة بالتسمية (¬a) إلى التي تليها لتكون موافقة للهلالية بالتسمية (¬b) وجارية معها، وفائدة النّقل أن لا تخلو السّنة الهلالية من مال خاصّ ينسب إلى السّنة الموافقة لها، لأنّ واجبات العسكرية على عظمها واتّساعها، وأرزاق المرتزقة على اختلاف أجناسها وأوضاعها، جارية على أحكام الهلالية غير معدول بها عن ذلك في حال من الأحوال، والمحافظة على ثمرة ارتفاعها متعيّنة ومنفعة العناية بما تجري عليه واضحة مبينة. ولمّا أهلّت سنة إحدى وخمس مائة ودخلت فيها سنة تسع وتسعين وأربع مائة الخراجيّة الموافقة لسنة إحدى وخمس مائة الهلالية، كان في ذلك من التّباين والتّعارض والتفاوت والتنافر بحكم إهمال النّقل فيما تقدّم، ما صارت السّنة الهلالية الحاضرة لا يجبى (¬c) خراج ما يوافقها فيها ولا تدرك غلاّت السنة المجرى مالها عليها إلاّ في السنة التي تليها، فهي تستهلّ وتنقضي وليس لها في الخراجيّ ارتفاع، والأعمال تطيف بالزّراعة ولا حظّ لها في ذلك ولا انتفاع، وهذه الحال فالمضرّة (¬d) بها على بيت المال غير خفيّة، والأذيّة فيها للرجال المقطعين بادية وأسباب تحيّفها (¬e) إياهم مستمرّة، ولا سيّما من وقّع له بإثبات وأنعم عليه بزيادات، فإنّهم يتعجّلون الاستقبال ويتأجّلون الاستغلال؛ ومتى لم تنقل هذه السّنة الخراجية كانت متداخلة بين سنتين هلالية وهي موافقة لغيرها، ومالها يجري على سنة تجري بينهما، لأنّ مدخلها في اليوم العاشر من المحرّم سنة إحدى وخمس مائة وانقضاؤها

стр. 883

في العشرين من المحرّم سنة اثنتين وخمس مائة، وهي متداخلة بين هاتين السنتين ومالهما يجري على سنة إحدى وخمس مائة، والحال في ذلك لا ينتهي إلى أمد، ولا يزال الفساد يتزايد طول الأبد. وقد رأى أمير المؤمنين، وباللّه توفيقه، ما خرج به أمره إلى السّيّد الأجلّ الأفضل، الذي نبّه على هذا الأمر وكشف غامضه، وأزال بحسن توصّله متنافيه وتناقضه، أن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجلّ مضمّنا ما رآه ودبّره، مودعا إنفاذ ما أحكمه وقرّره من نقل سنة تسع وتسعين وأربع مائة إلى سنة إحدى وخمس مائة لتكون موافقة لها ويجري عليها مالها، ويكون ما يستأدونه من إقطاعاتهم ويستخرجونه من واجباتهم جاريا على نظام محروس ونطاق محيط غير منحوس، وشاهدا بنصيب موفّى (¬a) غير منقوص، ويتّضح ما أبهم إشكاله التّعمية، ويزول الاستكراه في اختلاف التسمية، ويستمرّ الوفاق بين السّنين الهلالية والخراجية إلى سنة أربع وثلاثين وخمس مائة، وينسب إلى (¬b) مال الخراج والمقاسمات وما يستغلّ ويجبى من الإقطاعات ممّا كان جاريا على ذكر سنة تسع وتسعين وأربع مائة إلى سنة إحدى وخمس مائة، وتجري الإضافة إليها مجرى ما يرتفع من الهلالي فيها لتكون سنة إحدى من هذه مشتملة على ما يخصّها من مالها وعلى مال السّنة الخراجية بما يشرح من انتقالها، وكذلك نقل سنة تسع (¬c) وتسعين وأربع مائة الخراجية الثابتة بالتسمية إلى سنة إحدى وخمس مائة المشار إليها ويكون مالها جاريا عليها. فليعتمد ذلك في الدّواوين بالحضرة وفي سائر أعمال الدولة قاصيها ودانيها، وقريبها ودانيها (¬d)، وليتنبّه كافّة الكتّاب والمستخدمين وجميع العمّال والمتصرّفين إلى اقتفاء هذا السّنن واتّباعه، وليحذروا الخروج عن أحكامه المقرّرة وأوضاعه، وليبادروا إلى امتثال المرسوم فيه وليحذروا من تجاوزه وتعدّيه، ولينسخ في دواوين الأموال

стр. 884

والجيوش المنصورة وليخلّد بعد ذلك في بيت المال المعمور (¬a). وكتب في محرّم سنة إحدى وخمس مائة» (١). وقال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وستّين وخمس مائة، ومن خطّه نقلت: مستهلّ المحرّم نسخ منشور بنقل السّنة الخراجيّة إلى السّنة الهلاليّة، والمطابقه بين اسمهما لموافقة الشّهور العربية للشّهور القبطيّة، وخلوّ سنة سبع من نوروز، فنقلت سنة خمس وستّين وخمس مائة الخراجيّة إلى هذه السّنة؛ و (¬b)) كان آخر نقل نقلته هذه السّنة في الأيام (¬b) الأفضليّة، فإنّ سنة ثمان وتسعين وأربع مائة وسنة تسع وتسعين الخراجيتين، نقلتا إلى سنة إحدى وخمس مائة (¬c) (٢). وسبب هذا الانفراج بينهما زيادة عدد السّنة الشّمسيّة على عدد الهلاليّة أحد عشر يوما، وإغفال النّقل في سنة ثلاث وثلاثين في أيّام الوزير الأفضل رضوان بن ولخشي، وانسحب ذيل هذه الزّيادة وتداخل السّنين بعضها في بعض، إلى أن صار التّفاوت بينهما سنتين في هذه السّنة، فنقلت؛ وهو انتقال لا يعدو (¬d) التّسمية، ولا يتجاوز اللّفظ، ولا ينقص/ مالا لديوان ولا لمقطع، وإنّما يقصد به إزالة الإلباس وحلّ الإشكال. وقال القاضي أبو الحسن (¬e): ونسخة الكتاب الذي أنشأه القاضي الفاضل: «خرجت الأوامر الملكيّة النّاصريّة - زاد اللّه في علائها (¬f) - بإيداع هذا المنشور: إنّا نؤثر من حسن النّظر ما يؤثر أحسن الخبر، ولا ينصرف بنا الفكر عمّا يحلّي السّير ويجلّي الغير (¬g)، ولا تزال خواطرنا تعتلي فتطلع الذّراري، وتغوص فتخرج الدّرر. وإنّ أولى ما استجدّت به البصائر، وحرست فيه المصائر، كلّ أمر يصحّح المعاملات ويشرحها، ويطلق عقولهم من عقول الإشكال ويسرّحها.

стр. 885

ولمّا وجب نقل السّنة الخراجيّة والمطابقة بينها وبين الهلاليّة، لانفراجهما سنتين وموافقة الشهور الخراجيّة والهلاليّة في هذه السّنة مطلع المستهلّين، أمضينا هذه السّنة الخالية في هذه السّنة الآتية، واستخرنا اللّه تعالى في نقل سنتي خمس وستّ وستين وخمس مائة إلى سنة سبع وستين وخمس مائة، التي سمّيت بهذا النّقل هلاليّة خراجيّة، نفيا للأمور المشتبهة والتّسمية المموّهة، وتنزيها لسني الإسلام عن التّكبيس ولتأريخه عن ملابسة التّلبيس، وإعلاما بالوفاق الذي استشعرته آباؤنا (¬a) وبنوها، وإعلانا باتّباعنا عوايد (¬b) السّلف التي خلّفوها للخلف وبيّنوها. وفي ذلك ما تحمد به العواقب، وتنفسح به المذاهب، وتتيسّر به المطالب، ويزول به الإشكال، ويؤمن به الاختلال، وينحسم به الغلط في الحساب، ويؤلّف بين السّنين المختلفة الأنساب، ويحفظ على العمر (¬c) معاملته ويبعد عن التأريخ معاطلته، ويقرّب على الكاتب محاولته، ويصرف عن نعمة اللّه هجنته كونها مقدّمة في التّسنية مؤخّرة في التّسمية، وعن معاملة بيت المال وصحبته (¬d) كونها معذوقة بالمطل وقد بالغت في التوفية، لأنّ من أعطى في سنة سبع وستين وخمس مائة استحقاق سنة خمس، فلا ريب أنّه قد مطل بحكم السّمع، وإن كان قد أنجز بحكم الشّرع. فتوسم هذه السّنة المباركة بالهلاليّة الخراجيّة، وترفع الحسبانات بهذا الوضع، ويعمل في التّقريرات والتّسجيلات على هذا. فليفعل في ذلك ما يقضي بارتياج هذا الانفراج وجبر هذا الصّدع، وليعلم في الدّواوين علمه، ولينفذ فيها حكمه بعد ثبوته، بحيث (¬e) يثبت مثله إن شاء اللّه تعالى».

стр. 886

و (١) أمّا تأريخ العرب فإنّه لم يزل في الجاهليّة والإسلام يعمل بشهور الأهلّة، وعدّة شهور السّنة عندهم اثنا عشر شهرا، إلاّ أنّهم اختلفوا في أسمائها. فكانت العرب العاربة تسمّيها: ناتق، ونقيل، وطليق، وأسنح، وأنتح (¬a)، وحلك، وكسح، وزاهر، ونوط، وحوف، وبغش، فناتق هو المحرّم، ونقيل هو صفر … وهكذا ما بعده على سرد الشّهور (٢). وكانت ثمود تسمّيها: موجب، وموجر، ومورد، وملزم، ومصدر، وهوبر، وهوبل، وموهاء، وديمر، ودابر، وحيقل، ومسبل. فموجب هو المحرّم، وموجر صفر، إلاّ أنّهم كانوا يبدأون بالشّهور من ديمر وهو شهر رمضان، فيكون أوّل شهور السنة عندهم (٣). ثم كانت العرب تسمّيها بأسماء أخر، وهي: مؤتمر، وناجر، وخوّان، وصوّان، وحنتم، وزبّاء، والأصمّ، وعادل، وناتق، وواغل (¬b)، وهوّاع، وبرك (٤). ومعنى المؤتمر أنّه يأتمر بكلّ شيء ممّا تأتي به السّنة من أقضيتها؛ وناجر من النّجر وهو شدّة الحرّ؛ وخوّان «فعّال» من الخيانة، وصوان - بكسر الصّاد وضمّها - «فعال» من الصّيانة؛ والزّبّاء الداهية العظمية المتكاثفة، سمّي بذلك لكثرة القتال فيه؛ ومنهم من يقول: بعد صوّان الزّباء، وبعد الزّبّاء بائدة، وبعد بائدة الأصمّ، ثم واغل، وباطل، وعادل، وورنه، وبرك؛ فالبائد من القتال، إذ كان فيه يبيد كثير من النّاس، وجرى المثل بذلك فقيل: «العجب كلّ العجب بين جمادى ورجب»، وكانوا

стр. 887

يستعجلون فيه ويتوخّون بلوغ ما [كان لهم من] (¬a) الثّأر والغارات قبل [دخول] (¬a) رجب فإنّه شهر حرام، ويقولون له «الأصمّ» لأنّهم كانوا يكفّون فيه عن القتال، فلا يسمع فيه صوت سلاح؛ والواغل الدّاخل على شراب ولم يدعوه، وذلك لأنّه تهجّم على شهر رمضان، وكان يكثر في شهر رمضان شربهم الخمر، لأنّ الذي يتلوه هي شهور الحجّ؛ وناطل هو مكيال الخمر، سمّي به لإفراطهم فيه في الشّرب، وكثرة استعمالهم لذلك المكيال؛ وأمّا العادل فهو من العدل، لأنّه من أشهر الحجّ، وكانوا يشتغلون فيه عن الباطل؛ وأما الرّنّة (¬b) فلأنّ الأنعام كانت ترن (¬c) فيه لقرب النّحر؛ وأمّا برك فهو لبروك الإبل إذا أحضرت (¬d) المنحر (١). وقد روي أنّهم كانوا يسمّون المحرّم مؤتمر، وصفر ناجر، وربيع الأوّل نصار، وربيع الآخر خوان، وجمادى الأولى حمين، وجمادى الآخرة الرّنّة، ورجب الأصمّ - وهو شهر مضر، وكانت العرب تصومه في الجاهلية، وكانت تمتار فيه وتمير أهلها، وكان يأمن بعضهم بعضا فيه، ويخرجون إلى الأسفار ولا يخافون - وشعبان عادل، ورمضان ناتق، وشوّال واغل، وذو القعدة هواع، وذو الحجّة برك، ويقال فيه أيضا أبروك، وكانوا يسمّونه الميمون. ثم سمّت العرب أشهرها بالمحرّم، وصفر، وربيع الأوّل، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان ورمضان، وشوّال، وذي القعدة، وذي الحجّة (٢). / واشتقّوا أسماءها من أمور اتّفق وقوعها عند تسميتها: فالمحرّم كانوا يحرّمون فيه القتال، وصفر كانت تصفّر فيه بيوتهم لخروجهم إلى الغزو، وشهرا ربيع كانا زمن الرّبيع، وشهرا جمادى كانا يجمد فيهما الماء لشدّة البرد، ورجب الوسط، وشعبان يشعب فيه القتال، ورمضان من الرّمضاء لأنّه كان يأتي فيه القيظ، وشوّال تشيل فيه الإبل أذنابها، وذو القعدة لقعودهم في دورهم، وذو الحجّة لأنّه شهر الحجّ (٣).

стр. 888

وأنت إذا تأمّلت اشتقاق أسماء شهور الجاهليّة أوّلا، ثم اشتقاقها ثانيا، تبيّن لك أنّ بين التّسميتين زمانا طويلا، فإنّ صفر في أحدهما هو صميم الحرّ (¬a) وفي الآخر رمضان، ولا يمكن ذلك في وقت واحد أو وقتين متقاربين. وكانت العرب أوّلا تستعمل هذه الشّهور على نحو ما يستعمله أهل الإسلام، إمّا بطريق إلهي أو لأنّ العرب لم يكن لها دراية بمراعاة حساب حركات النّيرين، فاحتاجت إلى استعمال مبادي الشّهور لرؤية الأهلّة، وجعلت زمان الشّهر بحسب ما يقع بين كلّ هلالين: فربّما كان بعض الشّهور تامّا، أعني ثلاثين يوما، وربّما كان ناقصا أعني تسعة وعشرين يوما، وربّما كانت أشهر متوالية تامّة أكثرها أربعة وهذا نادر، وربّما كانت أشهر متوالية ناقصة أكثرها ثلاثة. وكان يقع حجّ العرب في أزمنة السّنة كلّها، وهو أبدا عاشر ذي الحجّة من عهد إبراهيم وإسماعيل ﵉، فإذا انقضى موسم الحجّ تفرّقت العرب طالبة أماكنها، وأقام أهل مكّة بها. فلم يزالوا على ذلك دهرا طويلا إلى أن غيّروا دين إبراهيم وإسماعيل، فأحبّوا أن يتوسّعوا في معيشتهم، ويجعلوا حجّهم في وقت إدراك شغلهم من الأدم والجلود والثّمار ونحوها، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة في أطيب الأزمنة وأخصبها، فتعلّموا كبس الشّهور من اليهود الذين نزلوا يثرب من عهد شمويل نبيّ بني إسرائيل، وعملوا النّسيء قبل الهجرة بنحو مائتي سنة، وكان الذي يلي النّسيء يقال له القلمّس، يعني الشّريف (١). وقد اختلف في أوّل من أنسأ الشّهور منهم: فقيل القلمّس هو عديّ بن زيد؛ وقيل القلمّس هو سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وأنّه قال: أرى شهور الأهلّة ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما، وأرى شهور العجم ثلاث مائة وخمسة وستين يوما. فبيننا وبينهم أحد عشر يوما، ففي كلّ ثلاث سنين ثلاثة وثلاثون يوما، ففي كلّ ثلاث سنين شهر. وكان إذا جاءت ثلاث سنين قدّم الحجّ في ذي القعدة، فإذا جاءت ثلاث سنين أخّر في المحرّم. وكانت العرب إذا حجّت قلّدت الإبل النّعال وألبستها الجلال وأشعرتها، فلا يتعرّض لها أحد إلاّ خثعم.

стр. 889

وكان النّسيء (١) في بني كنانة، ثم في بني ثعلبة بن مالك بن كنانة، وكان الذي يلي ذلك منهم أبو ثمامة المالكي. ثم من (¬a) بني فقيم. وبنو فقيم هم النّسّاءة، وهو منسئ الشّهور، وكان يقوم على باب الكعبة فيقول: إنّ آلهتكم العزّى قد أنسأت صفر الأوّل، وكان تحلّه عامّا وتحّرمه (¬b) عاما، وكان أتباعهم على ذلك غطفان وهوازن وسليم وتميم. وآخر النّسّاءة جنادة بن عوف بن أميّة بن قلع بن عبّاد بن حذيفة بن عبد بن فقيم. وقيل القلمّس هو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عديّ بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم توارث ذلك منه بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو ثمامة جنادة. وكانت العرب إذا فرغت من حجّها اجتمعت إليه، فأحلّ لهم من الشّهور وحرّم، فأحلّوا ما أحلّ وحرّموا ما حرّم. وكان إذا أراد أن ينسئ منها شيئا، أحلّ المحرّم فأحلّوه، وحرّم مكانه صفر فحرّموه، ليواطئوا عدّة الأربعة [الأشهر الحرم] (¬c) (٢). فإذا أرادوا الهدي، اجتمعوا إليه فقال: اللّهم إنّي لا أجاب ولا أعاب في أمري، والأمر لما قضيت، اللّهم إنّي قد أحللت دماء المحلّين من طيّئ وخثعم، فاقتلوهم حيث ثقفتموهم - أي ظفرتم بهم - اللّهم إنّي قد أحللت أحد الصّفرين: الصّفر الأوّل، وأنسأت الآخر من العام المقبل. وإنّما أحلّ دم طيّئ وخثعم، لأنّهم كانوا يعدون على النّاس في الشهر الحرام من بين جميع العرب. وقيل أوّل من أنسأ سرير بن ثعلبة وانقرض، فأنسأ من بعده ابن أخيه القلمّس، واسمه عديّ ابن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن كنانة، ثم صار النّسيء في ولده، وكان آخرهم أبو ثمامة

стр. 890

جنادة. وقيل أخذ (¬a) عوف بن أميّة بن قلع، عن أبيه أميّة بن قلع، عن جدّه قلع بن عبّاد، عن جدّ أبيه عبّاد ابن حذيفة، عن جدّ جدّه حذيفة بن عبد بن فقيم. وكان يقال لحذيفة القلمّس، وهو أوّل من نسأ (¬b) الشّهور على العرب، فأحلّت منها ما أحلّ، وحرّمت (¬c) ما حرّم. ثم كان بعد عوف المذكور ولده أبو ثمامة جنادة بن عوف، وعليه قام الإسلام، وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمدا، يقال إنّه نسأ (¬b) أربعين سنة. ولهم يقول عمير بن قيس جذل الطّعان يفتخر: [الوافر] وأيّ النّاس لم يسبق بوتر … وأيّ النّاس لم يعلك لجاما ألسنا النّاسئين على معدّ … شهور الحلّ نجعلها حراما وقال (¬d) عبّاد بن ثعلبة بن أنف الكلب الصّيداوي من بني أسد بن خريمة: [الطويل] / أتزعم أنّي من فقيم بن مالك … لعمري لقد غيّرت ما كنت أعلم لهم ناسئ يمشون تحت لوائه … يحلّ إذا شاء الشّهور ويحرم وقيل كانت العرب تكبس في كلّ أربع وعشرين سنة قمريّة بتسعة أشهر، فكانت شهورهم ثابتة مع الأزمنة، جارية على سنن واحد، لا تتأخّر عن أوقاتها ولا تتقدّم. وكان النّسيء الأوّل للمحرّم، فسمّي صفر باسمه، وشهر ربيع الأوّل باسم صفر. ثم والوا بين أسماء الشّهور، فكان النّسيء الثاني بصفر فسمّي الذي كان يتلوه بصفر أيضا، وكذلك حتى دار النّسيء في الشّهور الاثني عشر وعاد إلى المحرّم، فأعادوا فعلهم الأوّل. وكانوا يعدون أدوار النّسيء، ويحدون بها الأزمنة فيقولون: قد دارت السّنون، من لدن زمان كذا إلى زمان كذا كذا وكذا، دورة؛ فإن ظهر لهم مع ذلك تقدّم شهر عن فصله من الفصول الأربعة، لما يجتمع من كسور سنة الشّمس وبقيّة فضل ما بينها وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها، كبسوها كبسا ثانيا، وكان يظهر لهم ذلك بطلوع منازل القمر وسقوطها، حتى هاجر النّبيّ ﷺ ، وكانت نوبة النّسيء بلغت شعبان، فسمّي محرّما وشهر رمضان صفر.

стр. 891

وقيل إنّ النّاسئ الأوّل نسأ المحرّم وجعله كبسا، وأخّر المحرّم إلى صفر، وصفر إلى ربيع الأوّل، وكذا بقيّة الشهور. فوقع لهم في تلك السنة عاشر المحرّم، وجعل تلك السنة ثلاثة عشر شهرا، ونقل الحجّ بعد كلّ ثلاث سنين شهرا. فمضى على ذلك مائتان وعشر سنين، وكان انقضاؤها سنة حجّة الوداع. وكان وقوع الحجّ في السّنة التاسعة من الهجرة عاشر ذي القعدة، وهي السّنة التي حجّ فيها أبو بكر الصّدّيق ﵁ بالنّاس. ثم حجّ رسول اللّه ﷺ في السّنة العاشرة حجّة الوداع، لوقوع الحجّ فيها عاشر ذي الحجّة كما كان في عهد إبراهيم وإسماعيل، ولذلك قال ﷺ في حجّته هذه: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السّماوات والأرض»، يعني رجوع الحجّ والشّهور إلى الوضع (١). وأنزل اللّه تعالى إبطال النّسيء بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اَللّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اَللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ [الآية ٣٧ سورة التوبة]، فبطل ما أحدثته الجاهليّة من النّسيء، واستمرّ وقوع الحجّ والصّوم برؤية الأهلّة، وللّه الحمد. وكانت العرب لها تواريخ معروفة عندها قد بادت، فممّا كانت تؤرّخ به أنّ كنانة أرّخت من موت كعب بن لؤيّ، حتى كان عام الفيل أرّخوا (¬a) به، وهو عام مولد رسول اللّه ﷺ . وكان بين كعب بن لؤيّ والفيل خمس مائة وعشرون سنة، وكان بين الفيل وبين الفجار أربعون سنة. ثم عدّوا من الفجار إلى وفاة هشام بن المغيرة فكان ستّ سنين، ثم عدّوا من وفاة هشام بن المغيرة إلى بنيان الكعبة فكان تسع سنين، ثم كان بين بنائها وبين هجرة رسول اللّه ﷺ خمس عشرة سنة.

стр. 892

ثم وقع التّأريخ من الهجرة النّبويّة، فعن سعيد بن المسيّب قال: جمع عمر بن الخطّاب ﵁ الناس فسألهم: من أي يوم يكتب التأريخ؟ فقال عليّ بن أبي طالب: من يوم هاجر رسول اللّه ﷺ وترك أرض الشّرك، ففعله عمر (١). وعن سهل بن سعد السّاعديّ قال: أخطأ الناس في العدد، ما عدّوا من مبعثه ولا من وفاته، إنّما عدّوا من مقدمه المدينة (٢). وعن ابن عبّاس ﵄ قال: كان التأريخ من السّنة التي قدم فيها رسول اللّه ﷺ المدينة (٣). وقال قرّة بن خالد عن محمد كان عند عمر بن الخطّاب ﵁ عامل جاء من اليمن فقال لعمر: أما تؤرّخون؟ تكتبون في سنة كذا وكذا من شهر كذا وكذا. فأراد عمر والناس أن يكتبوا من مبعث رسول اللّه ﷺ ، ثم قالوا من عند وفاته، ثم أرادوا أن يكون ذلك من الهجرة. ثم قالوا: من أي شهر؟ فأرادوا أن يكون من رمضان، ثم بدا لهم فقالوا من المحرّم (٤). وقال ميمون بن مهران: رفع إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ صكّ ومحله شعبان، فقال: أيّ شعبان هو؟ أشعبان الذي نحن فيه أو الآتي (٥)؟ ثم جمع وجوه الصّحابة فقال: إنّ الأموال قد كثرت، وما قسمنا منها غير موقّت، فكيف التّوصّل إلى ما يضبط به ذلك؟ فقالوا: يجب أن يعرف ذلك من رسوم الفرس. فعندها استحضر عمر ﵁ الهرمزان وسأله عن ذلك؛ فقال: إنّ لنا حسابا نسمّيه «ماه روز» معناه حساب الشّهور والأيام؛ فعرّبوا الكلمة، وقالوا مؤرّخ، ثم جعلوه اسم التأريخ واستعملوه (٦). ثم طلبوا وقتا يجعلونه أوّلا لتأريخ دولة الإسلام، فاتّفقوا على أن يكون المبدأ من سنة الهجرة. وكانت الهجرة النّبويّة من مكّة إلى المدينة وقد تصرّم من شهور السنة وأيّامها المحرّم وصفر وأيام من ربيع الأوّل. فلمّا عزموا على تأسيس الهجرة، رجعوا القهقرى ثمانية وستين يوما، وجعلوا التأريخ من أوّل محرّم هذه السّنة. ثم أحصوا من أوّل يوم في المحرّم إلى آخر عمر رسول اللّه ﷺ ، فكان عشر سنين وشهرين.

стр. 893

وأمّا إذا/ حسب عمره المقدّس من الهجرة حقيقة، فيكون قد عاش ﷺ بعدها تسع سنين وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما. وكان بين مولده ﷺ ، وبين مولد المسيح ﵇ خمس مائة وثمان وسبعون سنة، تنقص شهرين وثمانية أيام. وابتداء تأريخ الهجرة يوم الخميس أوّل شهر اللّه المحرّم، وبينه وبين الطّوفان ثلاثة آلاف وسبع مائة وخمس وثلاثون سنة وعشرة أشهر واثنان وعشرون يوما، على ما عرّفنا من الخلاف في ذلك. وبينه وبين تأريخ الإسكندر بين فيليبش المجدوني الرّومي تسع مائة وإحدى وستون سنة قمرية وأربعة وخمسون يوما، تكون من السنين الشّمسية تسع مائة واثنتين وثلاثين سنة ومائتين وتسعة وثمانين يوما، عنها تسعة أشهر وتسعة عشر يوما. وبينه وبين تأريخ القبط ثلاث مائة وسبع وثلاثون سنة وتسعة وثلاثون يوما. وقال ابن ما شاء اللّه (١): إنّ انتقال الممرّ (¬a) من المثلّثة الهوائية التي هي برج الجوزاء وذواتها (¬b)، إلى برج السّرطان ومثلّثته المائية التي كانت دولة الإسلام فيها، عند تمام ستة آلاف وثلاث مائة وخمس وأربعين سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوما من وقت القران الأوّل الواقع في بدء التّحرّك - يعني خلق آدم ﵇، وأنّ القران من هذه المثلّثة وقع في أربع درج ودقيقة واحدة من برج العقرب، وهو قران الملّة الإسلامية. قال: وفي السّنة الثانية من هذا القران ولد رسول اللّه ﷺ ، وكان بين دخول الشّمس برج الحمل في هذه السّنة وبين أوّل يوم من سنة الهجرة، سنون فارسية عدّتها إحدى وخمسون سنة وثلاثة أشهر وثمانية أيام وستّ عشرة ساعة، وكان (¬c) من وقت الطّوفان إلى وقت قران الملّة ثلاثة آلاف وتسع مائة واثنتا عشرة سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوما. وزعمت اليهود أنّ من آدم ﵇ إلى سنة الهجرة أربعة آلاف واثنتين وأربعين سنة وثلاثة أشهر. وزعمت النّصارى أنّ بينهما خمسة آلاف وتسع مائة وتسعين سنة وثلاثة أشهر. وزعمت المجوس - أعني الفرس - أنّ بينهما أربعة آلاف ومائة واثنتين وثمانين سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما. وقد عرفت أنّ شهور تأريخ الهجرة

стр. 894

قمريّة، وأيّام كلّ سنة منه عدّتها ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم. وجميع الأحكام الشّرعيّة مبنية على رؤية الهلال عند جميع فرق الإسلام، ما عدا الشّيعة فإنّ الأحكام مبنية عندهم على عمل شهور السّنة بالحساب، على ما ستراه في ذكر القاهرة وخلفائها. ثم لمّا احتاج منجّمو الإسلام إلى استخراج ما لا بدّ منه من معرفة الأهلّة وسمت القبلة وغير ذلك، بنوا أزياجهم على التاريخ العربي، وجعلوا شهور السّنة العربيّة شهرا كاملا وشهرا ناقصا، وابتدأوا بالمحرّم اقتداء بالصّحابة ﵃. فجعلوا المحرّم ثلاثين يوما، وصفر تسعة وعشرين يوما، وربيعا الأوّل ثلاثين يوما، وربيعا الآخر تسعة وعشرين يوما، وجمادى الأولى ثلاثين يوما، وجمادى الآخرة تسعة وعشرين يوما، ورجب ثلاثين يوما، وشعبان تسعة وعشرين يوما، ورمضان ثلاثين يوما، وشوّالا تسعة وعشرين يوما، وذا القعدة ثلاثين يوما، وذا الحجّة تسعة وعشرين يوما. وزادوا من أجل كسر اليوم، الذي هو خمس وسدس، يوما في ذي الحجّة إذا صار هذا الكسر أكثر من نصف يوم، فيكون شهر ذي الحجّة في تلك السّنة ثلاثين يوما، ويسمّون تلك السّنة كبيسة، ويصير عددها ثلاث مائة وخمسة وخمسين يوما، ويجتمع في كلّ ثلاثين من الكبس أحد عشر يوما، واللّه أعلم. وأمّا تأريخ الفرس ويعرف أيضا ب «تاريخ يزدجرد»، فإنّه من ابتداء تملّك يزدجرد بن شهريار ابن كسرى أبرويز، أرّخ به الفرس من أجل أنّ يزدجرد قام في المملكة، بعد ما تبدّد ملك فارس، واستولى عليه النّساء والمتغلّبون، وهو أيضا آخر ملوك فارس، وبقتله تمزّق ملكهم (١). وأوّل هذا التاريخ يوم الثلاثاء، وبينه وبين تاريخ الهجرة تسع سنين وثلاث مائة وثمانية وثلاثون يوما؛ وأيّام سنة هذا التاريخ تنقص عن السّنة الشّمسية ربع يوم، فيكون في كلّ مائة وعشرين سنة شهرا واحدا، ولهم في كبس السّنة آراء ليس هذا موضع إيرادها. وعلى هذا التاريخ يعتمد في زمننا أهل العراق وبلاد العجم، وللّه عاقبة الأمور (٢).

стр. 895

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير تعدّ المخطوطات الإسلامية السّجلّ الحافل الذي يجمع خلاصة ما أنتجه الفكر العربي والإسلامي على امتداد أربعة عشر قرنا. وكان إحياء هذه المخطوطات في عصر الطّباعة بنشرها نشرا علميّا وتوفيرها لجمهور أكبر من العلماء والباحثين والقرّاء، عملا بدأه المستشرقون ثم قام بعبئه العلماء العرب والمسلمون. ورأت مؤسّسّة الفرقان للتراث الإسلامي أن تساهم في هذا المجال الهام بنشر بعض المخطوطات القديمة في تحقيقات جديدة تواكب ما وصل إليه علم المخطوطات الحديث، وتدفع بالقديم من تراثنا إلى طريق حضارة إنسانية شاملة. والكتاب الذي تقدّمه المؤسّسة اليوم «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» لشيخ مؤرّخي مصر الإسلامية تقيّ الدين أبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/ ١٤٤٢ م، يعدّ أحد مفاخر التّراث العربي وأهمّ مصادر تاريخ مصر الإسلامية، فهو مصدر لا غنى عنه لدارسي تاريخ مصر الإسلامية وآثارها فقد حفظ لنا المقريزي في هذا الكتاب - إضافة إلى ملاحظاته الشّخصيّة - نقولا مهمّة للمؤلّفين القدماء الذين فقدت مؤلّفاتهم اليوم. وكان الدكتور أيمن فؤاد سيّد قد قام بتحقيق مسوّدة هذا الكتاب المحفوظة في متحف طوبقبوسراي باستانبول ونشرتها له مؤسّسة الفرقان سنة ١٩٩٥، وكان للاستقبال الطّيّب الذي قوبلت به هذه النّشرة من جانب المتخصّصين والمعنيين بتاريخ وجغرافية وآثار مصر، دافعا قويّا له للإقدام على تحقيق وإخراج نصّ الكتاب كاملا بعد أن تعرّف على نسخه الأصلية، سواء مسوّدات المقريزي أو النّسخ الكاملة المنسوخة عن أصوله المكتوبة بخطّه والمحفوظة على الأخصّ في مكتبات إستانبول. وقد عهدت المؤسّسة ممثّلة في مجلس الخبراء إلى الدكتور أيمن فؤاد القيام بعبء إخراج هذا الكتاب، فهو من المتخصّصين في دراسة تاريخ القاهرة حيث كتب أطروحة

стр. 896

عن «عاصمة مصر حتى نهاية عصر الفاطميين»، ونشر العديد من مصادر التاريخ المصري في العصر الفاطمي، وكتب تقييما جديدا للدّولة الفاطمية في مصر، كما أنّه من خبراء علم المخطوطات وأصدر فيه كتابه «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات». وقام الدكتور أيمن فؤاد بتحقيق الكتاب اعتمادا على أقدم نسخ الكتاب وأهمّها المنقولة عن خطّ المؤلف، وأضاف إليه شروحا وتعليقات غنيّة اعتمادا على ما ظهر من نصوص جديدة ودراسات متخصّصة حديثة، كما قام بربط أجزاء الكتاب بعضها ببعض، وخرّج معلوماته من مصادرها الأصلية. وابتداء من هذا المجلّد قام المحقّق بإضافة صور ومخطّطات لمعالم المدينة الفاطميّة مع خرائط توضّح نموّ المدينة منذ نشأة الفسطاط وحتى استيلاء الأيّوبيّين على الحكم في منتصف القرن السّادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. ومؤسّسة الفرقان إذ تسهم بنشر هذا الكتاب، تأمل أن تؤدّي جزءا من واجب كبير يلقى على عاتقها وعاتق المؤسّسات العلمية التي تشاركها أهدافها. واللّه من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السّبيل. لندن مايو ٢٠٠٢ أحمد زكي يمانيّ رئيس مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي

стр. 897

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة المحقّق يشتمل المجلّد الثّاني من كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» للمقريزي - الذي ننشره اليوم - على الجزأين الثّالث والرّابع من تجزئة المؤلّف (فيما تقدم ٨: ١)، وهما: «أخبار فسطاط مصر ومن ملكها» و «أخبار القاهرة وخلائفها وما كان لهم من الآثار». ويحتوي هذان الجزآن على أشمل وصف متكامل لنشأة عواصم مصر الإسلامية ونموّها، من الفسطاط إلى القاهرة، مرورا بالعسكر والقطائع. ويقدّم لنا المقريزي أيضا في هذا المجلّد تراجم مفيدة لولاة مصر وتتابعهم في العصر الإسلامي، بدءا من عمرو بن العاص وحتّى آخر الخلفاء الفاطميين الخليفة العاضد لدين اللّه الذي انتهت بوفاته الخلافة الفاطميّة في مصر سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م (فيما يلي ٤٠ - ١٢٢، ١٧٦ - ٢٠٦)؛ كما يشتمل هذا المجلّد على ذكر خطط الفسطاط الأولى عند إنشائها وما طرأ عليها حتّى نهاية عصر الدّولة الفاطميّة، وما طرأ كذلك على ساحل النّيل الشّرقي المواجه للفسطاط من تغيّر حتّى القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. وقد اعتمد المقريزي في ذلك - في الأساس - على مؤلّفات ابن عبد الحكم والكندي وابن زولاق والمسبّحي والقضاعي والشّريف الجوّاني وابن المتوّج. وأفاض المقريزي في الحديث عن تأسيس مدينتي العسكر والقطائع، ثم الخراب الذي حلّ بالقطائع على يد محمد بن سليمان الكاتب سنة ٢٩٢ هـ/ ٩٠٥ م. وختم هذا الجزء بالحديث على أسباب خراب الفسطاط التي حصرها المقريزي في سببين رئيسين هما: «الشّدّة العظمى» و «حريق الفسطاط» (فيما يلي ١٣٥ - ١٤٦). أمّا الجزء الرّابع المشتمل على «أخبار القاهرة وخلائفها وما كان لهم من الآثار»، فيكاد يكون أشمل وأتمّ وصف وصل إلينا لتاريخ القاهرة في زمن الفاطميين، كما أنّه أكثر أجزاء الكتاب

стр. 898

أصالة - رغم أنّه يعتمد على مصادر قديمة - لأنّها فقدت كلّها الآن. فيقدّم لنا المقريزي - اعتمادا على المصادر المعاصرة وعلى مشاهداته الشّخصيّة - وصفا دقيقا لأسوار القاهرة المتعاقبة: سور جوهر القائد، وسوربدر الجمالي، وسور صلاح الدّين، ولأبواب القاهرة سواء الأبواب الأولى التي أنشأها جوهر والتي زال أغلبها في وقته، أو الأبواب التي أنشأها بدر الجمالي وصلاح الدّين. ورغم أنّ المقريزي - كعادته في سائر الكتاب - لا يقدّم لنا أيّ وصف معماريّ لهذه الأبواب أو أبعادها وارتفاعاتها وما تمتاز به عمارتها، إنّما يكتفي فقط بالتأريخ لإنشائها وملابساته ومن أنشأها وما طرأ عليها مع الزّمن، وبتحديد مواضعها من المدينة الفاطميّة، اعتمادا على نقاط استدلال كانت موجودة في وقته وما زال بعضها قائما حتى الآن، فإنّ وصفه - رغم ذلك - يظلّ أكمل وأتمّ وصف نتعرّف من خلاله على تاريخ معالم القاهرة وأهمّ منشآتها. كما يقدّم لنا المقريزي أيضا - اعتمادا على المصادر المبكّرة - وصفا رائعا للقصور الفاطميّة: «القصر الشّرقي الكبير» و «القصر الغربي الصّغير»، وأهمّ القاعات التي كانت في هذه القصور والدّهاليز التي كانت تؤدّي إليها، مع وصف تفصيلي لمجالس الخلفاء في هذه القاعات ومن كان من عادته حضورها وترتيب جلوسهم فيها قربا وبعدا من الخليفة، وكذلك وصف للأسمطة التي كانت تمدّ فيها، سواء في رمضان أو في الأعياد، ممّا يعيننا على بناء الطّبوغرافيا الدّاخليّة لقسم كبير من القصر الفاطمي. ويشتمل هذا الجزء كذلك على وصف لخزائن القصر الفاطمي المختلفة وما كانت تحتوي عليه من ذخائر وتحف، وعلى عرض متكامل للدّواوين الفاطميّة، ووصف ل «دار الوزارة الكبرى» ولل «مناظر» التي اتّخذها الخلفاء الفاطميّون للنّزهه، وأهمّ الاحتفالات الموكبيّة في العصر الفاطمي والرّسوم المتّبعة فيها والطّريق الذي كانت تسلكه، مع تحديد مواضع المنشآت الفاطميّة، فيما عدا الجوامع التي أفرد لها حديثا مفصّلا في المجلّد الرّابع (٢٧٣: ٢ - ٢٩٣). وأنهى المقريزي هذا الجزء بالحديث على زوال الدّولة الفاطميّة واعتقال من بقي من أفرادها، أوّلا في «دار الضّيافة» ثم في «قلعة الجبل» حتى أشهد السّلطان الملك الظّاهر بيبرس البندقداري في ١٣ جمادى الأولى سنة ٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م على من بقي منهم أنّ جميع المواضع التي حلّت محلّ القصور الفاطميّة والمناظر ودار الضّيافة ودار الفطرة «ملك لبيت المال بالنّظر المولوي السّلطاني الملكي الظّاهري من وجه صحيح شرعي لا رجعة لهم فيها … خلا ما في ذلك من مسجد للّه أو مدفن لآبائهم» (فيما يلي ٢٨٧، ٦١٠).

стр. 899

وينفرد هذا الجزء كذلك بذكر تفاصيل هامّة عن أنواع الأسلحة المحفوظة بخزانة السّلاح بالقصر الفاطمي، وما كان يستخدم منها في الاحتفالات الموكبيّة التي كان يشهدها الإمام الفاطمي وخاصّة في النّصف الأوّل للقرن السّادس الهجري (فيما يلي ٣٨٠ - ٣٨١، ٤٦٢ - ٤٧٣)، استمدّ المقريزي مادّتها من كتاب «الذّخائر والتّحف» الذي لا نعرف اسم مؤلّفه، وكتاب «نزهة المقلتين» لابن الطّوير القيسراني. كما يقدّم لنا هذا الجزء كذلك مادّة غنيّة عن أنواع الخلع والتّشاريف التي كان ينعم بها الخلفاء الفاطميون على أرباب الرّتب في الأعياد والمناسبات المختلفة، على الأخصّ في زمن خلافة الآمر بأحكام اللّه ووزارة المأمون بن البطائحي، اعتمادا على ما أورده الأمير جمال الملك موسى بن المأمون البطائحي في «تاريخه». مصادر المجلّد الثّاني إذا كان الجزء الثّالث الخاصّ ب «فسطاط مصر» قد وصلت إلينا أغلب مصادره التي اعتمد عليها المقريزي وتمكّنت من تخريج نقوله ومقابلتها على هذه المصادر، فإنّ أهميّة الجزء الرّابع المشتمل على «أخبار القاهرة وخلائفها وما كان لهم من الآثار» يرجع إلى قيمة المصادر التي اعتمد عليها المقريزي والتي فقد القسم الأكبر منها الآن، بحيث أصبح ما يقدّمه لنا المقريزيّ هو المصدر الوحيد الذي نعرف من خلاله تاريخ هذه الفترة ووصف الآثار التي خلّفها الفاطميّون والاحتفالات الموكبيّة التي كانت تتم في عهدهم. ويأتي في مقدّمة مصادر الجزء الثّالث كتاب «فتوح مصر وأخبارها»، لأبي القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم، المتوفى سنة ٢٥٧ هـ/ ٨٧٠ م. وقد أشرت في مقدّمة المجلّد الأوّل إلى أنّه المصدر الوحيد الذي سجّل باطّراد أحداث الفتح العربي الإسلامي لمصر، وقد نقل المقريزي غالب كتاب ابن عبد الحكم، وعلى الأخصّ روايات محمد بن حبيب وعبد اللّه بن لهيعة واللّيث بن سعد، مثلما فعل في المجلّد الأوّل عند حديثه على ملوك مصر قبل الإسلام (٣٨٣: ١ - ٣٨٩) وفتح العرب المسلمين لمدينة الإسكندرية (٤٤١: ١ - ٤٥٨) (١). _________ (١) انظر مقدمة المجلد الأوّل ٧٢ *.

стр. 900

والمصدر الثّاني الذي اعتمد عليه المقريزي هو مؤلّفات أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي، المتوفى سنة ٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م (١). قال المقريزي: «كان عارفا بأحوال النّاس وسير الملوك، قال أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الفرغاني: كان من أعلم النّاس بالبلد وأهله وأعماله وثغوره … من جلّة أهل العلم بالحديث والنّسب». وصنّف الكثير في أخبار مصر مثل كتاب «أمراء مصر»، وكتاب «الموالي»، و «أخبار مسجد أهل الرّاية الأعظم»، وكتاب «الخندق» وكتاب «الجند الغربي» أو «الأجناد الغرباء»، وكتاب «الخطط» وكتاب «أخبار السّري بن الحكم» (٢). ولم يصل إلينا من مؤلّفات الكندي سوى كتاب «أمراء مصر» الذي نشر باسم «ولاة مصر» أو «كتاب الولاة»، وقطعة من كتاب آخر يعرف ب «كتاب القضاة». واعتمد المقريزيّ في هذا المجلّد - من بين مؤلّفات الكندي - على كتاب «أمراء مصر» وكتاب «الموالي». فقد نقل المقريزي ما ذكره من أسماء ولاة مصر من عمرو بن العاص وحتّى قرب نهاية الدّولة الإخشيديّة من كتاب «أمراء مصر». وقد أثبت جاستون فييت Gaston Wiet أنّ المقريزي نقل في «الخطط» نصف كتاب «أمراء مصر» للكندي كلمة كلمة دون أن يذكر اسم الكندي في أغلب الأحيان. فمن بين ٤٨٦٦ سطرا - هي حجم «كتاب الولاة» في طبعة جست Guest - يوجد ٢١٤٥ سطرا لم ينقلها المقريزي، وإذا أسقطنا منها ١٦١ سطرا هي عناوين الفصول و ١٦٤ سطرا تحمل أسانيد الكندي و ٦٩٧ سطرا عبارة عن شواهد شعرية و ٢٢٩ سطرا تذكر أسماء موظّفين ثانويين كانوا ينوبون عن الولاة عند مغادرتهم مصر في حملات عسكرية، لا يبقى سوى ٨٩٤ سطرا ذات صبغة تاريخية أهملها المقريزيّ لأنّها حوادث غير ذات قيمة أو لتناولها أحداثا لا تتعلّق مباشرة بمصر (٣). وما فعله فييت مع كتاب الكندي يمكننا القيام به مع سائر المصادر التي استقى منها المقريزيّ مادّته: «فتوح مصر» لابن عبد الحكم، و «خطط مصر» للقضاعي، و «سيرة المعزّ لدين اللّه» لابن زولاق، و «أخبار مصر» لابن المأمون، و «نزهة المقلتين» لابن الطّوير، و «الذّخائر والتّحف» مجهول المؤلّف … إلخ. _________ (١) راجع ترجمته عند، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٤٦: ٥؛ المقريزي: المقفى الكبير ٤٨٩: ٧ - ٤٩٠؛ محمد عبد اللّه عنان: مصر الإسلامية ٣٢ - ٣٤؛ Rosental، F.، El ٢ art.al-Kindi v، p. ١٢٤؛ ولحسن أحمد محمود كتاب: الكندي المؤرخ، القاهرة ١٩٧٧. (٢) المقريزي: المقفى الكبير ٤٩٠: ٧. (٣) Wiet، G.، «Kindi et Maqrizi»، BIFAO XII (١٩١٨)، pp. ٦١ - ٧٣.

стр. 901

وتبدو قيمة هذه النّقول وأهميتها على الأخصّ في المصادر التي لم تصل إلينا والتي أصبح المقريزيّ هو مصدرها الوحيد. ونظرا لأنّنا في الحالات التي أمكننا فيها تحقيق روايته في أصولها تبيّن لنا أنّ المقريزي أهلا للثّقة، فإنّنا نستطيع أن نثق تماما في صحّة نقوله من المصادر التي لم تصل إلينا. ولكن العيب الموجود لدى المقريزي هو أنّه يصعب أحيانا تحديد نهاية النّقل عنده، كما أنّه ينقل نصوصا كثيرة مضمّنة مصادر المؤلّف الأصلي ممّا يوهم بأنّها من بين مصادره هو. واعتمد المقريزي كذلك، فيما يخصّ الفترة المبكّرة من تاريخ مصر الإسلامية، على مؤلّفات أبي سعيد عبد الرّحمن بن أحمد بن يونس الصّدفي، المتوفى سنة ٣٤٧ هـ/ ٩٥٨ م (١)؛ وهو أحد أئمّة علم التّاريخ، روى عنه ابن منده وعبد الواحد بن محمد البلخي وجماعة من الرّحّالة، وله كلام في الجرح والتّعديل يدلّ على بصره بالرّجال ومعرفته بالعلل. صنع ابن يونس لمصر تاريخين: «تاريخ مصر» أو «تاريخ المصريين» وهو تاريخه الكبير، و «تاريخ مصر المختصّ بالغرباء» أو «تاريخ الغرباء الذين قدموا مصر»، وهو صغير يشتمل على ذكر الغرباء والواردين عليها. وميّز ابن حجر العسقلاني بين الكتابين بأنّه إذا قيل «تاريخ ابن يونس» فالمقصود «تاريخ مصر» (٢). ولا ندري كيف كان ترتيب كتابي ابن يونس، أهو على الحروف أم السّنين أم الطّبقات؟ ولكن يبدو من أحد النّقول عنه أنّه اتّبع طريقة الترتيب على المدن، ممّا جعله يكرّر بعض التّراجم كأن يذكر صاحب الترجمة في البغداديين ثم يذكره في الكوفيين، ويتعلّق هذا فقط بكتاب «الغرباء». ويدلّ أحد النّصوص التي اقتبسها ابن حجر من «تاريخ ابن يونس» أنّه بدأه بمقدّمة ولكن لا يمكننا معرفة محتواها بدقّة. كما تدلّ المقتطفات التي أوردها من نقلوا عن ابن يونس أنّه تناول في كتابيه رجال الحديث من أهل مصر والواردين عليها ممّن حدّثوا بها مع ذكر كناهم ونسبتهم ومدنهم ورحلتهم وجرحهم وتعديلهم وبعض صفاتهم وأخلاقهم ومصنّفاتهم _________ (١) راجع ترجمته عند، ابن الطحان: تاريخ علماء أهل مصر، الرياض ١٤٠٨ هـ، ٩٥ - ٩٦؛ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٧٥: ٦؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ١٣٧: ٣ - ١٣٨؛ الذهبي: تذكرة الحفاظ ٨٩٨ - ٨٩٩، سير أعلام النبلاء ٥٧٨: ١٥ - ٥٧٩؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ١٠٨: ١٨ - ١١٠؛ ابن شاكر: فوات الوفيات ٢٦٧: ٢ - ٢٦٩؛ Sezgin، F.، GASI، pp. ٣٥٧ - ٥٨; Rosenthal، F.، El ٢ art.Ibn Yunus، III، p. ٩٩٦. (٢) ابن حجر: تهذيب التهذيب ٤٥٤: ٢.

стр. 902

ومروياتهم وتواريخ وفاتهم ومواضعها وأحيانا موالدهم، ومن تولّى منهم القضاء وبعض الوظائف الأخرى كالحسبة والطّراز، كما أورد قليلا من الشّعر خلال بعض التّراجم. واقتبس من «تاريخ مصر» لابن يونس - إلى جانب المقريزي - كلّ من الخطيب البغدادي والحافظ ابن عساكر وابن ماكولا والسّمعاني والقفطي والذّهبي والسّبكي وابن حجر والسّخاوي والسّيوطي والمقّري. أمّا كتاب «الغرباء» فاقتبس منه أيضا - إلى جانب المقريزي - كلّ من الخطيب البغدادي وابن عساكر والسّمعاني وابن حجر العسقلاني. وأحصى أكرم ضياء العمري في دراسته الهامّة عن «موارد الخطيب في تاريخ بغداد» أنّ الخطيب البغدادي اقتبس من ابن يونس في ١١٧ موضعا منها ثمان مواضع نقلها مباشرة من كتابيه: «تاريخ مصر» و «تاريخ الغرباء» بلفظ: «ذكره في تاريخه» و «ذكر في الغرباء الذين حدّثوا بمصر». أمّا معظم المقتطفات فقد أوردها من طريق محمد بن عليّ الصّوري وهو شخص كتب نسخة من «تاريخ مصر» بخطّه وقعت لابن ماكولا ونقل منها في كتاب «الإكمال» (١). وأمّا أخبار الدّولة الطّولونيّة ومؤسّسها أحمد بن طولون فقد اعتمد المقريزي في سرد أخبارها على كتاب «سيرة آل طولون» أو «السّيرة الطّولونيّة»، لأبي محمد عبد اللّه بن محمد المديني البلوي؛ المتوفى - على أقرب الرّوايات إلى الصّحّة - بعد نيّف وثلاثين وثلاث مائة/ ٩٤٢ م. وقد أراد البلوي بتأليف كتابه أن يضع في سيرة الطّولونيين كتابا «أكبر شرحا وأكمل وصفا» من الكتاب الذي ألّفه في سيرتهم أبو جعفر أحمد بن يوسف ابن الدّاية، المتوفى نحو سنة ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م. وقد فقد الآن كتاب ابن الدّاية، وإن كان ابن سعيد المغربي قد احتفظ لنا بقسم كبير منه في كتابه «المغرب في حلى المغرب» في الباب الذي سمّاه «الدّرّ المكنون في حلى دولة بني طولون». وقد اعتمد البلوي اعتمادا كبيرا على ابن الدّاية واقتبس منه نحو الخمسين قصّة من قصص ابن طولون ذكرها في كتابيه «سيرة آل طولون» و «المكافأة»، وزاد أربعين قصّة يرجّح أنّها منقولة عن النّسخة الأصلية من كتاب ابن الدّاية. ونشر كتاب البلوي علاّمة الشّام محمد كرد علي في دمشق سنة ١٣٥٨ هـ، بعنوان «سيرة أحمد بن طولون»، لأنّ النّسخة الوحيدة من الكتاب التي وصلت إلينا لا يوجد بها سوى سيرة أحمد بن طولون وضاع منها بقيّة أخبار خلفائه. _________ (١) أكرم ضياء العمري: موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، الرياض - دار طيبة، ١٩٨٥، ٣٠٠؛ وجمع عبد الفتاح فتحي عبد الفتاح النّصوص المنسوبة إلى ابن يونس ونشرها في قسمين بعنوان «تاريخ ابن يونس المصري»، الأوّل: «تاريخ المصريين»، والثاني: «تاريخ الغرباء»، وصدرا في بيروت عن دار الكتب العلمية سنة ٢٠٠٠.

стр. 903

وتنبّه الأستاذ محمد كرد عليّ إلى حجم استفادة المقريزي في خططه من كتاب البلوي فكتب يقول: «وعجيب أن تجازي الطّبيعة من يستحق جزاءها إذا خرج على قانونها. فقد رأينا البلوي في القرن الرّابع استحلّ نقل أخبار برمّتها عن ابن الدّاية، سيّد كتّاب مصر في الدّهر الغابر، دون أن يشير إلى أبي عذرها، فاقتصّت الطّبيعة لابن الدّاية منه بعد أربعة قرون، سلّطت على البلوي المقريزيّ فغزاه في خططه وسلخ من كلامه صفحات طويلة في سيرة ابن طولون وما أقامه من أعمال العمران، فكانت واحدة بواحدة: غزا البلوي ابن الدّاية فسطا المقريزيّ على البلوي، وسلّط على من جوّز سرقة من تقدّمه من يسرقه بعد زمن ولا يرحمه» (١)! ورغم ما في عبارات محمد كرد علي من تحامل شديد، لأنّه لم يكن أمام المؤلّفين المتقدّمين سبيل آخر لتأكيد ما يوردونه من معلومات سوى الاعتماد على المؤلّفين القدماء، فالعيب الواضح عند المقريزي أنّه تجاهل تماما ذكر اسم البلوي ولم يصرّح به في أي موضع من كتابه، واكتفى فقط عند النّقل عنه بقوله: «قال جامع السّيرة الطّولونية» (فيما تقدم ٤٦٣: ١، ٦٢٣) أو «جامع سيرة ابن طولون» (فيما يلي ١٢٣: ٢، ١٧٨، ٢٦٥، ٢٦٦، ٤٠٥، ٤٥٧). وعند ما تناول المقريزي الحديث عن الدّولة الإخشيديّة والسّنوات الأولى للحكم الفاطمي في مصر كان مصدره الرّئيس في ذلك مؤلّفات أبي محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين اللّيثي المعروف بابن زولاق، المتوفى سنة ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م (٢)، الذي اعتمد المقريزي على كتابيه: «سيرة محمّد بن طغج الإخشيد» و «سيرة الماذرائيين». و «سيرة محمد بن طغج الإخشيد» أحد مصادر ابن العديم في كتابه «بغية الطّلب»، وقف عليها وقال: «وجدت في سيرة محمد بن طغج جمع الحسن بن إبراهيم بن زولاق» (٣)، ولكنّ _________ (١) محمد كرد علي: مقدمة سيرة أحمد بن طولون ١٢. (٢) انظر ترجمته عند، ياقوت الحموي: معجم الأدباء ٢٢٥: ٧ - ٢٣٠؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٩١: ٢ - ٩٣؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٧٠: ١١؛ المقريزي: المقفى الكبير ٢٨٤: ٣ - ٢٨٦؛ ابن حجر: لسان الميزان (حيدر آباد) ١٩١: ٢؛ Gottheil، R.، «al-Hasan ibn Ibr?him ibn Zulak»، JAOS ٢٨ (١٩٠٧)، pp. ٢٥٤ - ٧٠; Sezgin، F.، GASI، ٣٥٩; El ٢ Ibn Zulak III، p. ١٠٠٣. (٣) ابن العديم: بغية الطلب ٢٤٠٨: ٥.

стр. 904

المقريزي لم ينقل مباشرة عن ابن زولاق مثل ابن العديم، وإنّما اعتمد على هذه السّيرة من خلال ابن سعيد المغربي الذي ضمّن كتابه «المغرب في حلى المغرب» نصّ هذه السّيرة في الجزء الذي سمّاه «العيون الدّعج في حلى دولة بني طغج»، حيث تتّفق نقول المقريزي مع ما جاء في كتاب ابن سعيد. (١) ونقل المقريزيّ أخبار أسرة الماذرائيين، وهي أسرة عراقيّة الأصل شغل أفرادها العديد من المناصب الإدارية الهامّة في عصر الإخشيديين، من كتاب «سيرة الماذرائيين» لابن زولاق، وهو مصدر مفقود الآن (٢). ونقل المقريزي كذلك أخبار الفتح الفاطمي لمصر والفترة التي تولّى فيها القائد جوهر الصّقلبي حكم مصر نيابة عن سيّده الإمام المعزّ لدين اللّه من كتاب «تتمّة كتاب أخبار أمراء مصر للكندي» لابن زولاق وهو مصدر مفقود أيضا (٣). واعتمد في سرد أخبار المعزّ لدين اللّه على كتاب مفقود آخر لابن زولاق هو «سيرة المعزّ لدين اللّه»، يقول: «وقفت عليه بخطّه حكى فيها أخبار المعزّ منذ دخل مصر إلى أن مات يوما يوما … فإنّه كان حاضرا ذلك ومشاهدا له وممّن يدخل عليه ويسلّم مع الفقهاء عليه؛ ويروي في هذه السّيرة أشياء بالمشاهدة وأشياء مدّته بها ثقات الدّولة وأكابرها كما هو مذكور فيها» (٤). والمصدر الذي نقل عنه المقريزي تفاصيل ما تمّ في عهد الإمام الحاكم بأمر اللّه والسّنوات القليلة التي أعقبت وفاته والتي حكم فيها ابنه الظّاهر لإعزاز دين اللّه، فكتاب «أخبار مصر وفضائلها وعجائبها» للأمير المختار عزّ الملك محمد بن عبيد اللّه بن أحمد بن عبد العزيز المسبّحي - بضمّ الميم وفتح السين المهملة وتشديد الباء الموحّدة وكسرها ثم حاء مهملة - المتوفى _________ (١) نشرها لأوّل مرّة تلكوست Talqvist في ليدن سنة ١٨٩٩، ثم أعاد نشرها مع السفر الثالث من الكتاب المتضمن أخبار الدولة الطولونية: زكي محمد حسن وشوقي ضيف وسيّدة إسماعيل كاشف، القاهرة ١٩٥٣. (٢) فيما تقدم ٢٢٠: ١، وفيما يلي ١٢٦. (٣) المقريزي: مسودة المواعظ ٣٦، ٣٧٤، ٣٧٨؛ وفيما يلي ٢٥: ٢، ١٣٧، ١٧٠. (٤) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٢٣٢: ١، مسودة المواعظ ٨٤، ١٨٤؛ وفيما يلي ٣٠٠.

стр. 905

سنة ٤٢٠ هـ/ ١٠٢٩ م (١). وهي مذكّرات يوميّة للفترة التي عاصرها، وتمثّل قيمة كبيرة لأحداث النّصف الثاني من خلافة العزيز باللّه، وكلّ خلافة الحاكم بأمر اللّه، والخمس سنوات الأولى لخلافة الظّاهر لإعزاز دين اللّه. ونشأ الأمير المسبّحي على زيّ الأجناد وعمل في خدمة الفاطميين في مصر في عهد الحاكم بأمر اللّه أواخر المئة الرابعة، حيث تولّى القيس والبهنسا من أعمال صعيد مصر، ثم ديوان التّرتيب، كما كانت له مع الخليفة الحاكم «مجالس ومحاضرات». وضع الأمير المختار عزّ الملك محمد بن عبيد اللّه المسبّحي عددا من المؤلّفات لم يصل إلينا منها غير قسم صغير من كتابه في التاريخ وعنوانه كاملا: «أخبار مصر وفضائلها وعجائبها وطوائفها وغرائبها وما بها من البقاع والآثار وسير من حلّها وحلّ غيرها من الولاة والقضاة والأئمّة والخلفاء» ويقع في نحو ثلاثة عشر ألف ورقة في رواية (٢) أو ثلاثة آلاف ورقة في رواية أخرى (٣). ولا نعرف من هذا الكتاب الهام إلاّ الجزء الأربعين منه في ٢٨٩ ورقة، وهو محفوظ الآن في مكتبة دير الإسكوريال بأسبانيا برقم ٢ ٥٣٤ csE. ويحتوي على بقيّة أخبار سنة ٤١٤ هـ ثم أخبار سنة ٤١٥ هـ، ويتخلّله سقط ضاعت معه حوادث الشهور من جمادى الأولى وحتى أثناء شهر رجب سنة ٤١٥ هـ. ويبدو أنّ طول الكتاب وصعوبة مراجعته لمن يطلب مادّة سريعة جعل من الصّعب الاحتفاظ بنسخة كاملة منه، وإن كان يظنّ أنّ قسما كبيرا من الكتاب كان بحوذة أشخاص مختلفين في عصر المقريزي. ويمدّنا المسبّحي في تاريخه بمعلومات غنيّة ودقيقة عن طبقات الشّعب المختلفة وحرفهم وأعمالهم، حتى إنّ ابن حجر العسقلاني وصفه بأنّه «من أعرف النّاس بالمصريين لا سيّما من عاصره» (٤). وتناول المسبّحي في تاريخه الأزمات الاقتصادية التي تعرّض لها المصريون في وقته، والتي أرجعها لانخفاض منسوب النّيل ممّا أدّى إلى نقص الغلال وارتفاع أسعارها وتعذّر الحصول على الخبز، حتّى صاح النّاس في وجه الخليفة من شدّة الجوع (٥). _________ (١) راجع عنه، مقدمتي لنشرة أخبار مصر للمسبحي والمصادر المذكورة صفحة (م) وأضف إليها، المقريزي: المقفى الكبير ١٦٣: ٦ - ١٦٥؛ Bianquis، Th.، El ٢ art. Musabbihi VII، pp. ٦٥٠ - ٥١. (٢) ابن سعيد: المغرب في حلى المغرب (قسم مصر) ٢٦٧؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٣٧٧: ٤ - ٣٧٨. (٣) المقريزي: المقفى الكبير ١٦٣: ٦. (٤) ابن حجر: رفع الإصر ٧١. (٥) المسبحي: أخبار مصر ٧٣.

стр. 906

والكتاب كذلك مصدر هام للتعرّف على رسوم الخلافة الفاطميّة ونظمها في مصر في بداية عصر الفاطميين، وممّا يزيد من قيمة هذه المعلومات أنّ المؤلّف نفسه. كان حاضرا ومشاركا في بعضها كأن يقول: «ودخلت فيمن دخل على رسمي وجلسنا بحضرته» أو «ودخلنا إليه من باب العيد … فسلّمنا وجلسنا ساعة وانصرفنا» أو «ومشينا بين يديه في ذهابه وعوده على رسومنا مع كافّة الشّيوخ» أو «ومشينا بين يديه إلى المصلّى قبل وصولنا إلى بابه» أو «ولم أحضر العيد في هذا اليوم لوجع نالني» (١). ويبدو أنّ المسبّحي ذكر في الأجزاء الأولى - التي لم تصل إلينا - بتفصيل أكثر ما جاء موجزا في هذا الجزء المعروف من الكتاب. وإضافة إلى ذلك فالكتاب مصدر عظيم القيمة لدراسة الأدب المصري في النّصف الأوّل من القرن الخامس الهجري، حيث أورد نماذج متعدّدة من شعر الشّعراء المصريين في هذه الفترة (٢). وترجع أغلب النّقول التاريخية عن هذا الكتاب عند المتأخّرين إلى الفترة الواقعة بين سنتي ٣٧٥ هـ/ ٩٨٥ م و ٤١٥ هـ/ ١٠٢٥ م، وأخبار قليلة تعود إلى تواريخ سابقة على ذلك. واعتمد على تاريخ المسبّحي: ابن ظافر الأزدي وابن خلّكان وابن العديم وابن سعيد المغربي، كما توجد نقول منه عند تقيّ الدّين الفاسي في «شفاء الغرام» (٣). فقد نصّ ابن ظافر على النّقل عن المسبّحي في موضع واحد لتحديد تاريخ مولد الحاكم (٤)، ولكنّ هذا لا يمنع من أن يكون ابن ظافر قد استفاد من تاريخ المسبّحي في فترة خلافة العزيز باللّه، حيث تتّفق بعض أخباره مع ما جاء نقلا عن المسبّحي في مصادر متأخّرة. وكان مع ابن خلّكان مجلّد على الأقلّ من تاريخ المسبّحي، يقول في ترجمة الوزير يعقوب بن كلّس: «ورأيت في تاريخ … المسبّحي - المقدّم ذكره - فصلا طويلا يتعلّق بشرح حال الوزير المذكور، ومعظم ما ذكرته هاهنا نقلته منه» (٥). ويذكر في موضع آخر كتابا هو في الغالب «تاريخ المسبّحي»، يقول: « … هكذا نقلته من بعض تواريخ المصريين وهو مرتّب على الأيّام، قد كتب مؤلّفه كلّ يوم وما جرى فيه من الحوادث، _________ (١) المسبحي: أخبار مصر ٣٦، ٣٩، ٦٢، ٦٦، ٦٧. (٢) المسبحي: أخبار مصر (القسم الأدبي)، تحقيق حسين نصار، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ١٩٨٤. (٣) الفاسي: شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، مكة المكرمة ١٩٩٩؛ ٣٧٤: ٢، ٣٧٥. (٤) ابن ظافر: أخبار الدول المنقطعة ٦٠. (٥) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٣٠: ٧.

стр. 907

رأيت منه مجلّدا واحدا ولا أعلم كم عدد مجلّداته» (١)؛ ثم أعاد ذكره بعد قليل قائلا: «ومبناه على الحوادث الكائنة بمصر يوما فيوما» (٢). وتقع حوادث المجلّد الذي كان مع ابن خلّكان في أيّام الخليفة العزيز باللّه وابنه الخليفة الحاكم بأمر اللّه، وإن نقل عنه بعض أخبار متأخّرة يرجع بعضها إلى حوادث الجزء الذي وصل إلينا من الكتاب (٣). أمّا ابن سعيد المغربي فقد نقل عن المسبّحي أخبارا سابقة على تاريخ دولة الفاطميين في مصر، خاصّة من حوادث سنة ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ م (٤)، ممّا يجعلنا نظنّ أنّ المسبّحي لم يبدأ تاريخه بقيام دولة الفاطميين بل عرض للحوادث والأخبار السّابقة على ذلك وإن كنّا لا نستطيع أن نؤكّد بالتحديد من أي سنة بدأ. يؤيّد ذلك مؤرّخ حلب الصّاحب كمال الدّين عمر بن أحمد بن أبي جرادة المعروف بابن العديم، المتوفى سنة ٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م الذي وقعت له أجزاء من تاريخ المسبّحي، ونقل عنه في أكثر من موضع في كتابه «بغية الطّلب في تاريخ حلب» (٥)؛ يقول في أحد هذه المواضع: «قرأت في تاريخ مختار الملك المسبّحي، قال في سنة تسع وخمسين ومائة: وفيها مات حميد بن قحطبة» (٦)؛ ويضيف في موضع آخر: «قرأت في تاريخ مختار الملك المسبّحي، قال: سنة ثمانين ومائتين فيها مات أبو زكريا بن يحيى الأنطاكي» (٧). ولكن أهمّ المؤرّخين الذين اعتمدوا على «تاريخ» المسبّحي هو مؤرّخنا تقيّ الدّين أحمد بن علي المقريزي الذي نقل نقولا مطوّلة من الكتاب في أربعة من مؤلّفاته - بعضها بالتّصريح وبعضها دون إشارة - وهذه الأربعة المؤلّفات هي: «المواعظ والاعتبار» و «اتّعاظ الحنفا» و «المقفّى الكبير» و «إغاثة الأمّة». فكان معه على الأقلّ مجلّدان من هذا التاريخ الهام: أحدهما هو نفس المجلّد المحفوظ الآن في مكتبة دير الإسكوريال وهو الجزء الأربعون، حيث سجّل المقريزي على الطّرف الأعلى الأيسر لظهريّة الكتاب عبارته المعروفة: «استفاد منه داعيا له أحمد بن علي المقريزي»، وطالع نفس هذه النّسخة معاصر المقريزي الأوحدي وسجّل على الطّرف الأيمن للظّهريّة: «طالعه أحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الأوحدي بالقاهرة سنة ٨٠٣» (انظر مقدمة المجلد الأول ١١٢). _________ (١) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٣٨١: ٣. (٢) نفسه ٣٨٤: ٣. (٣) نفسه ١٣٠: ١، ١٣٢، ٣٧٢؛ ٧٠: ٢، ٢١٨؛ ٨٣: ٣، ٣١٩، ٤٣٠، ٤٣١؛ ١٠٣: ٤، ٣٧٥، ٤١٨؛ ٣٧٢: ٥، ٣٧٤ - ٣٧٥، ٤١٥؛ ٣٣١: ٧. (٤) ابن سعيد: المغرب ٢٠٢، ٣٥٠. (٥) ابن العديم: بغية الطلب ٦٧٥: ٢، ١٠٩٧: ٣، ١١١١، ٢٣٧٦: ٥. (٦) نفسه ٢٩٧٥: ٦. (٧) نفسه ٣٨٣٣: ٨.

стр. 908

والثاني هو الجزء الرّابع والثلاثون، يقول عند ذكر دار العلم: «قال الأمير المختار عزّ الملك محمد ابن عبيد اللّه بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز المسبّحي في تاريخه الكبير ومنه نقلت من الجزء الرّابع والثلاثين ما نصّه» (فيما يلي ٥٠٢). وبمقارنة الجزء الذي وصل إلينا من الكتاب بالحوادث الموازية له عند المقريزي في «الخطط» و «اتّعاظ الحنفا»، نجد أنّ المقريزي قد نقل هذا الجزء كاملا تقريبا - فيما عدا شعر الشّعراء الذين ترجم لهم المسبّحي - في حوادث سنة ٤١٥ هـ في «اتّعاظ الحنفا» دون أن يشير إلى ذلك في أي موضع في هذه السّنة، رغم أنّه أشار إلى نقله عن المسبّحي في مواضع أخرى من الكتاب (١)، بينما نصّ على النّقل عنه من هذه السّنة في مواضع متفرّقة من «الخطط». وعند نشري للجزء الأربعين من «أخبار مصر» للمسبّحي وجدت أنّ المقريزي - وهو ينقل عن نفس النّسخة التي وصلت إلينا - يتوقّف في النّقل عند الكلمات المبهمة أو التي لم يستطع قراءتها في النّسخة. وأثار انتباه ناشر الجزء الثاني من كتاب «اتّعاظ الحنفا» أنّ حوادث سنة ٤١٥ هـ في الكتاب مسهبة، وأنّها تقع في نحو الأربعين صفحة (من هذه النّشرة) (٢)، ولكنّه لم يحقّق سبب ذلك وهو أنّ المقريزي كان تحت يده تاريخ مرتّب على الأيام لحوادث هذه السّنة من صنع المسبّحي، ولعلّ عذره في ذلك أنّ المقريزي نفسه لم يشر إلى مصدر اقتباسه في «اتّعاظ الحنفا». ومن العجيب أنّ المقريزي - الذي ضمّن كتابيه «الخطط» و «الاتّعاظ» العديد من السّجلاّت والمكاتبات الرّسميّة - لم ينقل السّجلاّت الواردة في هذا الجزء على أهميتها، واكتفى فقط بالإشارة إلى مضمونها بطريقة موجزة. وقد نقل المقريزي في هذا المجلّد وعند ذكره حارات القاهرة في أوّل المجلّد الثالث، كلّ ما يخصّ الخمسين عاما الأولى من تاريخ الفاطميين في مصر عن المسبّحي. واعتمد على تاريخ المسبّحي كذلك معاصر المقريزي؛ ابن حجر العسقلاني، حيث نقل عنه في كتاب «رفع الإصر عن قضاة مصر» تراجم القضاة الذين ذكرهم في كتابه وعاشوا في الفترة التي كتب فيها المسبّحي تاريخه (٣). وكانت الحرب الأهليّة التي شهدتها مصر في أواسط القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، والتي تسلّط فيها الأتراك بقيادة ناصر الدّولة بن حمدان وحصروا فيها الخليفة المستنصر _________ (١) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٢٤٤: ١، ٦٠: ٢، ٦٩ (قارن إغاثة الأمة ٦٤)، ٧٢. (٢) مقدمة الجزء الثاني من اتعاظ الحنفا للمقريزي ١١. (٣) ابن حجر: رفع الإصر ٧٣، ١٤٠، ١٤٣، ٢٤٦.

стр. 909

وأجبروه على إخراج ذخائره وكنوزه وقوّموها على أنفسهم بأبخس الأثمان، سببا في تأليف كتاب هامّ يعرّف بهذه الذّخائر التي أخرجت من القصر الفاطمي عنوانه: «الذّخائر والتّحف وما كان بالقصر من ذلك»، قال المقريزيّ: «وهو جمع بعض المصريين مجهول المصنّف وفيه فوائد جمّة ومنه نقلت … » (١). وبفضل هذا الكتاب استطاع المقريزيّ أن يقدّم لنا وصفا تفصيليّا لما كانت تحتوي عليه خزائن القصر الفاطمي من ذخائر وتحف (فيما يلي ٣٢١، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٦٨، ٣٧٠ - ٣٧٣، ٣٧٧، ٣٧٨، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٣ - ٣٨٦، ٣٩٦)، فقد كان مؤلّف هذا الكتاب - الذي لا نعرف عنه أي شيء - مقيما في مصر ومعاصرا لفترة الحرب الأهليّة التي أخرجت فيها ذخائر القصر، حيث نقل عنه المقريزي قوله: «وحدّثني من أثق به قال: كنت بالقاهرة يوما من شهور سنة تسع وخمسين وأربع مائة … » (٢)، وفي موضع آخر «وكنت بمصر في العشر الأول من محرّم سنة إحدى وستين وأربع مائة … » (٣). وإضافة إلى التّفاصيل الغنيّة التي نقلها منه المقريزي عند وصفه لخزائن القصر الفاطمي في كتاب «الخطط»، نجد أنّ حوادث سنة ٤٦١ هـ في كتاب «اتّعاظ الحنفا» للمقريزي منقولة كلّها من كتاب «الذّخائر والتّحف» وإن لم ينصّ صراحة على ذلك (٤)، وختم هذه النّقول بقوله: «قال ابن ميسّر: رأيت مجلّدة تجيء في نحو العشرين كرّاسة، فيها ذكر ما خرج من القصر من التّحف والآثاث والثّياب والذّهب وغير ذلك» (٥). وقد علّق عالم الفنون الإسلامية الرّاحل زكي محمد حسن (١٩٠٨ - ١٩٥٧ م) على هذا القول - كما ورد في كتاب ابن ميسّر - قائلا: «ولسنا ندري تماما هل كان هذا المجلّد سجلاّ لتحف القصر، أو كان بيانا بما نهب أو تفرّق من التّحف» (٦)؟ وعندي أنّ هذا المجلّد، الذي وقف عليه ابن ميسّر، هو الكتاب الذي سمّاه المقريزي في الخطط «الذّخائر والتّحف وما كان بالقصر من ذلك». ووصل إلينا كتاب يحمل نفس هذا العنوان محفوظ في مكتبة أفيون قره حصار في تركيا برقم ٧٠٢، وجاء في مقدّمة هذه النّسخة: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. ربّ يسّر وأعن يا كريم. هذا كتاب فيه ذكر الهدايا والتّحف العظيمة الأقدار والنّفقات في الولائم والدّعوات _________ (١) المقريزي: مسودة المواعظ والاعتبار ١٤١، وفيما يلي ٣٩٦. (٢) فيما يلي ٣٢١. (٣) فيما يلي ٣٥٦. (٤) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٢٧٨: ٢ - ٢٩٥؛ مقدمة أخبار مصر لابن ميسر ض - ظ. (٥) نفسه ٢٩٦: ٢؛ ابن ميسر: أخبار مصر ٣٧. (٦) زكي محمد حسن: كنوز الفاطميين ١٩.

стр. 910

والإعذارات والحذاقات والأيام المشهودة والاجتماعات في الأوقات المعهودة وغرائب الموجودات، والذّخائر المصونات الموجودات بعد الوفيات، والمغانم والفتوحات، والكنوز والدّفائن، والنّفقات، وما أخرج من خزائن قصر الإمام المستنصر باللّه في أيّام الفتنة في سنة ستين وسنة إحدى وستين وأربع مائة» (١). ولا يشتمل المجلّد المحفوظ في تركيا على كلّ ما أورده المقريزي منسوبا إلى هذا الكتاب، ممّا يدلّ على أنّ الكتاب الذي وقف عليه المقريزي كان يشتمل على نصوص أوسع، كما أنّه كان يختصّ فقط بما أخرج من القصر الفاطمي وقت الشّدّة، بينما يشتمل المجلّد المحفوظ في تركيا على ذكر هدايا وذخائر أخرى خاصّة بالملوك القدماء والخلفاء العبّاسيين. ونشر هذا الكتاب في الكويت سنة ١٩٦٠ محمّد حميد اللّه منسوبا إلى القاضي الرّشيد بن الزّبير، المتوفى سنة ٥٦١ هـ/ ١١٦٦ م! وقد تعرّف المقريزي على كتاب «الذّخائر والتّحف» أثناء كتابته مسوّدة الخطط، فكلّ النّقول التي نقلها عنه توجد على هامش المسوّدة أو في طيّارات موجودة بين أوراق المسوّدة، أو على سبيل التّذكير كأن يقول مثلا: «ينقل هنا ما ذكره صاحب الذّخائر والتّحف». ومن أهم مصادر المقريزي في هذا المجلّد كتاب «أخبار مصر» أو «السّيرة المأمونية» للأمير شرف الخلافة جمال الملك (الدّين) أبي علي موسى بن المأمون محمد بن فاتك بن مختار البطائحي، المتوفى بالقاهرة في سادس جمادى الأولى سنة ٥٨٨ هـ/ ١١٨٩ م (٢). ويمثّل هذا الكتاب أهميّة كبيرة لفترة خلافة الآمر بأحكام اللّه ووزارة الأفضل بن بدر الجمالي والوزير المأمون ابن البطائحي والد المؤلّف؛ فابن المأمون هو مصدر المعلومات الهامّة التي قدّمها لنا المقريزي في المجلّد الأوّل عن حلّ الإقطاعات وإعادة روك البلاد الذي أمر به الوزير الأفضل بن بدر الجمالي سنة ٥٠١ هـ/ ١١٠٧ م (٢٢٢: ١ - ٢٣٠)، وكذلك تحويل السّنة الخراجيّة القبطيّة إلى السّنة الهلاليّة العربيّة، الذي أمر به كذلك الوزير الأفضل في نفس السّنة (٧٥٦: ١ - ٧٦٢). ولكنّ تاريخ ابن المأمون ارتبط أكثر بأحداث السّنوات من نهاية ٥١٥ إلى بداية ٥١٩ هـ/ ١١٢٢ - ١١٢٥ م وهي السّنوات التي تولّى فيها الوزارة والده المأمون بن البطائحي، الأمر الذي يسّر له النّفاذ إلى _________ (١) الرشيد بن الزبير: الذخائر والتحف، المقدمة ٢٥. (٢) المقريزي: السلوك ١١١: ١؛ وفيما يلي ٥: ٣٦٤.

стр. 911

بلاط الخليفة والاطّلاع على الوثائق الرّسميّة، ممّا يضفي على تاريخه أهميّة كبيرة. ورغم أنّ تاريخ ابن المأمون عرفه كلّ من ابن ميسّر وابن سعيد المغربي والنّويري، وربّما ابن ظافر الأزدي، فإنّ المقريزي هو أكثر من استفاد من المعلومات الهامّة التي يقدّمها لنا ابن المأمون، فهو أحد ثلاثة مؤرّخين استفاد منهم المقريزي في «الخطط» فيما يختصّ بالنّظم الفاطمية والمواسم التي كان يحتفل بها الفاطميون، هو وابن الطّوير وصاحب الذّخائر والتّحف. فعن طريقه استطاع المقريزي أن يصف لنا بانتظام تفاصيل الاحتفالات التي تمّت في عهد الخليفة الآمر بأحكام اللّه وعلى الأخصّ في الأعوام ٥١٦، ٥١٧، ٥١٨ هـ. ونصّ ابن المأمون الذي حفظه لنا المقريزي - سواء في الخطط أو في اتّعاظ الحنفا - مليء بالتّفاصيل الغنيّة - والتي اضطرّ المقريزي في بعض الأحيان إلى الاعتذار عن تضمينها جميعا خشية الإطالة (فيما يلي ١٣: ٥٤٢) - وأيضا بأسماء الموظّفين الرّسميين ومراتبهم، والأسماء الاصطلاحية للملابس والخلع التي كانت توزّع في المواسم الكثيرة التي كان يحتفل بها الفاطميون. وبلغت إشارات المقريزي في «الخطط» لتاريخ ابن المأمون ثلاثا وخمسين إشارة، وقد تمكّنت من خلال هذه النّقول المطوّلة - الموجودة أيضا عند المقريزي في «اتّعاظ الحنفا» و «المقفّى الكبير» - من أن أعيد بناء قسم من هذا الكتاب الهام صدر عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة ١٩٨٣. ولكنّ أهمّ مصدر اعتمد عليه المقريزي لوصف رسوم الفاطميين في مصر هو كتاب «نزهة المقلتين في أخبار الدّولتين الفاطميّة والصّلاحيّة» لأبي محمد المرتضى عبد السّلام بن الحسن القيسراني المصري المعروف بابن الطّوير، المتوفى سنة ٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م (١)؛ وهو أحد موظّفي الدّولة المنخرطين في الأعمال الدّيوانيّة زمن الفاطميين والأيّوبيين، وهو بذلك ينتمي إلى نفس طبقة المؤلّفين الذين أوكلت إليهم الحكومة في زمن الفاطميين والأيّوبيين وظائف الإشراف العليا على الدّواوين الإداريّة في مصر والتي ينتسب إليها: ابن الصّيرفي والقاضي المرتضى بن _________ (١) انظر ترجمته عند، المنذري: التكملة لوفيات النقلة ٧: ٣ - ٨؛ الذهبي: تاريخ الإسلام، الطبقة الثانية والستون، ص ٣١٦؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٤١٧: ١٨ - ٤١٨؛ Cahen، Cl.، El ٢ art.Ibn al-Tuwayr III، p. ٤٨٥؛ مقدمة نزهة المقلتين ٩ *- ١١ *.

стр. 912

المحنّك والمخزومي والقاضي الفاضل وابن ممّاتي والنابلسي. وكان ابن الطّوير سنّي المذهب - مثل المخزومي والقاضي الفاضل - وتكوّن مثلهما في الإدارة الفاطمية قبل أن ينخرط في خدمة الأيّوبيين. وكما تولّى المخزومي «ديوان المجلس» أكثر من مرّة في الدّولة الفاطميّة، تولّى ابن الطّوير كذلك «ديوان الرّواتب» في أواخر عصر الدّولة (فيما يلي ٣٢٤). ويقدّم لنا ابن الطّوير رواية على جانب كبير من التّفصيل لأحداث النّصف الأوّل من القرن السّادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي حتى استيلاء الأيّوبيّين على السّلطة في مصر سنة ٥٦٧ هـ/ ١٠٧١ م، حيث انفرد بإيراد تفصيلات تاريخية موسّعة لا نجدها عند غيره من المؤرّخين اعتمد عليها - إلى جانب المقريزي - معاصره ابن الفرات في تاريخه. وتناول ابن الطّوير كذلك النّظام الإداري للدّولة الفاطمية، وعلى الأخصّ في الخمسين عاما الأخيرة من عمرها، كما نقل عنه المقريزي ترتيب دواوين الدّولة المختلفة وأرباب الوظائف بها، وأهمّ خزائن القصر، والأهراء والحواصل ومن يشرف عليها ورواتبهم والطّبقة التي ينتمون إليها: هل هم من أرباب السّيوف أم من أرباب الأقلام أم من أرباب العمائم؟ ولكنّ أهمّ موضوعات كتاب «نزهة المقلتين» التي جعلت منه نصّا له خطورته بين مصادر التّاريخ الفاطمي، هي الفصول التي تناول فيها ابن الطّوير وصف المواكب الاحتفاليّة للخلفاء الفاطميين، ووصف مجالس الخلفاء بالقصر، التي اعتمد عليها كذلك - إلى جانب المقريزي - اثنان من معاصريه هما: القلقشندي وتلميذ المقريزي أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي، والتي استطاع من خلالها كلّ من المستشرق الرّوسي إنسترونزف Inostrantsev والمستشرق الفرنسي ماريوس كانار Marius Canard كتابة دراستيهما عن «احتفال ركوب أوّل العام عند الفاطميين» (١). فنعرف من خلال ما نقله عنه المقريزي أنّه خصّص الفصل الخامس من كتابه لذكر «ركوب الخليفة في المواكب العظام» وصف فيه تفصيلا الاستعدادات لهذه المواكب، والآلات الموكبيّة المصاحبة لها، وكيفيّة ركوب الخليفة ومن يكون في صحبته وكيفيّة استقدامهم، والطّريق الذي يسلكه الموكب في الذّهاب والعودة إلى غير ذلك من التّفصيلات الدّقيقة التي انفرد بها ابن الطّوير. ويعدّ وصف ابن الطّوير لركوب الخليفة في موسم أوّل العام وصفا نموذجيّا _________ (١) Inostrantsev، K.A.، «Toryestvenii Viezd Fatimidiskikh Kalifov» in Zap.Vost.Otdyel. Imp.Russ.Arkheol.Obshcestva، XVII (st. Petersborurg ١٩٠٥); Canard، M.، «La Procession du Nouvel An chez les Fatimides»، AIEOX (١٩٥٢)، pp. ٣٦٤ - ٩٥.

стр. 913

Prototype لمّا ينبغي أن تكون عليه الصّورة التّامّة لهذا الاحتفال الموكبي، وهو يعود إلى العقود الثلاثة الأخيرة من عصر الدّولة الفاطمية. وخصّص ابن الطّوير كذلك الفصل العاشر لذكر «هيئة الخلفاء في الجلوس العام بمجلس الملك»، والذي كان يتمّ، اعتبارا من عهد الخليفة الآمر بأحكام اللّه، في يومي الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، وقدّم لنا في خلال ذلك وصفا دقيقا لترتيب قاعة الذّهب والإيوان الكبير والدّهاليز الطّوال التي تقود الدّاخل من أبواب القصر إلى مختلف قاعاته وإلى فنائه الدّاخلي، ممّا يعين على إعادة بناء الطّبوغرافيا الدّاخلية لجزء كبير وهام من القصر الفاطمي. وكتب ابن الطّوير كتابه على الأرجح فى زمن السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وقصد به عمل ما يشبه الموازنة بين نظام الدّولة الفاطمية - الذي خبره جيّدا - ونظام الدّولة الصّلاحيّة، وهو ما يفسّر عنوان الكتاب « … أخبار الدّولتين». ولكنّ المؤرّخين المتأخّرين الذين نقلوا عنه - وعلى الأخصّ القلقشندي وابن الفرات والمقريزي وأبو المحاسن - اقتصرت نقولهم عنه على وصفه لاحتفالات الدّولة الفاطمية، وهي الاحتفالات التي ميّزت هذه الدّولة، ممّا جعل المؤرّخ أبا المحاسن يوسف بن تغري بردي يصفه بأنّه «أجدر بأخبار الفاطميين» (١). وقد تمكّنت كذلك من خلال النّقول المطوّلة التي حفظها على الأخصّ كلّ من ابن الفرات والمقريزي، مع الاستعانة بما نقله عنه ابن خلدون والقلقشندي وأبو المحاسن، من أن أعيد بناء قسم هام من كتاب ابن الطّوير، وصدر عن المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت عام ١٩٩٢. وفيما يخصّ حوادث النّصف الثّاني من القرن السّادس الهجري كان اعتماد المقريزي على «متجدّدات» القاضي الفاضل عبد الرّحيم بن عليّ بن الحسن البيساني رئيس ديوان الإنشاء في عهد صلاح الدّين ويده اليمنى، الذي اعتمد عليه في تنفيذ كلّ إصلاحاته الإدارية والمالية والحربية، المتوفى سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م (٢). وكانت مع المقريزي - الذي أطلق على الكتاب أحيانا _________ (١) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٢٤١: ٥. (٢) راجع أخباره في التّواريخ التي تناولت فترة حكم صلاح الدّين كالكامل لابن الأثير، والنوادر السلطانية لابن شداد والروضتين لأبي شامة ومفرج الكروب لابن واصل والبرق الشامي للعماد الكاتب، وانظر كذلك العماد الكاتب: خريدة القصر (قسم مصر) ٣٥: ١ - ٥٤؛ المنذري: التكملة لوفيات النقلة ٣٥١: ١ - ٣٥٢؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ١٥٨: ٣ - ١٦٣؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء

стр. 914

«تعليق المتجدّدات» أو «المياومات» (١) أو «متجدّدات الحوادث» (٢) - نسخة بخطّ القاضي الفاضل حيث يتبع نقله منه عادة بقوله: «ومن خطّه نقلت» (٣)، وربّما كانت هذه النّسخة هي النّسخة نفسها التي اطّلع عليها ابن خلّكان، يقول: «ورأيت في تاريخ القاضي الفاضل الذي رتّبه على الأيام وهو بخطّه يذكر فيه ما يتجدّد في كلّ يوم» (٤)، وهو بذلك يشبه الأجزاء الأخيرة من «أخبار مصر» للمسبّحي. وكانت مع مؤرّخ حلب كمال الدّين ابن العديم نسخة منه بعضها بخطّ القاضي الفاضل وبعضها الآخر بخطّ أبي غالب عبد الواحد بن الحصين (٥). وتنحصر نقول المقريزي من «متجدّدات» القاضي الفاضل في الفترة بين سنتي ٥٦٦ هـ و ٥٩٤ هـ، وقد نقل عنها في مواضع عديدة من المجلّد الأوّل. ويوجد قسم كبير من هذه النّقول في طيّارات بين أوراق «مسوّدة الخطط» ممّا يدلّ على تعرّف المقريزي عليها أثناء إعداد مادّة كتابه، وهي أشبه بيوميّات لماجريات ما كان يحدث في الفترة التي حكم فيها صلاح الدّين، وتستمر بعد وفاته إلى نحو سنة ٥٩٤ هـ/ ١١٩٨ م. وترجع أهميّة هذه النّقول إلى المكانة الهامّة التي كان يتمتّع بها القاضي الفاضل في ظلّ سلطنة النّاصر صلاح الدّين. ونقل المقريزي نقولا مطوّلة من «متجدّدات» القاضي الفاضل في المجلّد الأوّل (٦). ونقل المقريزي كذلك عن المؤرّخ الشّيعي يحيى بن حميد بن ظافر بن النّجّار بن عليّ بن عبد اللّه الحلبي المعروف بابن أبي طيّ، المتوفى نحو سنة ٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م، وقد سبق أن أشار إليه واقتبس منه كذلك في المجلّد الأوّل (٢٨٢: ١). وكانت مؤلّفات ابن أبي طيّ أيضا من أهمّ مصادر المؤرّخين أبي شامة المقدسي وابن الفرات. ولا نعرف عن ابن أبي طيّ كثير شيء، وكلّ معلوماتنا عنه هو ما كتبه معاصره ياقوت الحموي في كتابه «معجم الأدباء» - وهو من الأقسام السّاقطة من _________ = ٣٣٨: ٢١ - ٣٤٤؛ السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ١٦٦: ٧ - ١٦٨؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٣٥: ١٨ - ٣٧٩؛ Cahen، Cl.، El ٢ art.al-K?dial-F?dil IV pp. ٩٣ - ٣٩٢؛ وفيما يلي ٣٦٦: ٢ - ٣٦٧؛ وللدكتور أحمد أحمد بدوي: القاضي الفاضل، دراسة ونماذج، القاهرة - مكتبة نهضة مصر د. ت، ونشر ديوانه في جزأين صدرا في القاهرة في سلسلة تراثنا ١٩٦١؛ كما نشرت الدكتورة فتحية النبراوي «إنشاءات القاضي الفاضل»، القاهرة ١٩٨٠. (١) فيما تقدم ٢٧٠: ١. (٢) فيما تقدم ٦٧٥: ١. (٣) فيما تقدم ٦٧٥: ١، ٧٦٢؛ وفيما يلي ٣٥٠، ٦١١. (٤) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢٥٨: ١. (٥) ابن العديم: بغية الطلب ٣٨٦٠: ٨. (٦) انظر فيما تقدم ١٦٠: ١، ١٦١، ٢٣٢ - ٢٣٥، ٢٧٠، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٨، ٢٩١، ٢٩٤، ٢٩٥، ٥٠٠، ٤٠٤، ٥٧٤، ٦٧٥، ٧٢٨، ٧٢٩، ٧٦٢.

стр. 915

الكتاب - وإن كان من حسن الحظّ أن حفظه لنا خليل بن أيبك الصّفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» وابن شاكر الكتبي في كتابه «فوات الوفيات» (١). كان ابن أبي طيّ يتعيّش من نسخ الكتب، يقول ياقوت: «وقد جعل التّصنيف حانوته، ومنه مكسبه وقوته، وأكثر تصانيفه قطع فيها الطّريق وأخاف السّبيل، يأخذ كتابا قد أتعب العلماء فيه خواطرهم فيقدّم فيه أو يؤخّر أو يزيد قليلا أو يختصر، ويخلق له اسما غريبا وينتحله انتحالا!» (٢)؛ وعلى ذلك فإنّ كثيرا من الكتب التي تنسب إليه من الصّعب التأكّد منها، كما أن عناوينها لا تتّفقّ دائما مع الموضوعات التي ينقلها عنه المتأخّرون. وبما أنّه لم يصل إلينا شيء من مؤلّفات ابن أبي طيّ، فلا يسعنا إلاّ الرّجوع إلى ما نقله عنه مؤرّخون من أمثال: أبي شامة المقدسي الذي اعتمد عليه باستمرار فيما يتعلّق بعصر النّاصر صلاح الدّين، ونقل من كتاب عنوانه «كنز الموحّدين في سيرة صلاح الدّين» (٣)، وابن خلّكان وابن الفرات والمقريزي. ولا تعيننا النّقول الموجودة عندهم على تحديد عناوين مؤلّفاته التي نقلوا منها، فابن الفرات ينقل عن كتاب عنوانه «معادن الذّهب في تاريخ الملوك والخلفاء وذوي الرّتب» (٤)، بينما نصّ المقريزي على أنّ عنوان كتابه الذي ينقل منه هو «تاريخ حلب» (٥) لا «تاريخ مصر» الذي ذكره الصّفدي، كما قد يتبادر إلى الذّهن. ويبدو أنّ كتاب «تاريخ حلب» الذي يشير إليه المقريزي هو عنوان مختصر لكتاب «معادن الذّهب» الذي ينقل عنه ابن الفرات، وهو يوحي بأنّه من ناحية تاريخ عام للعالم الإسلامي، ومن ناحية أخرى حوليّات محليّة لمدينة حلب مسقط رأس المؤلّف. وابن أبي طيّ هو مصدر الرّواية التي أوردها المقريزي عن حجم خزانة كتب الفاطميين وأنّها «كانت من عجائب الدّنيا ويقال: إنّه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنّه كان فيها ألف ومائتا نسخة من «تاريخ» الطّبري _________ (١) الصفدي: الوافي بالوفيات، الجزء الثامن والعشرون (تحت الطبع)؛ ابن شاكر: فوات الوفيات ٢٦٩: ٤ - ٢٧١؛ Cahen، Cl.، «Une chronique chic? ite au temps des Croisades» dans Comptes Rendues des Sce? ances del'Acade? mie des Inscriptions، ١٩٣٥، pp. ٢٥٨ - ٦٩; id.، El ٢ art.Ibn Abi? Tayyi'III، p. ٧١٥؛ وفيما تقدم ٢٨٢: ١ هـ ١. (٢) ابن شاكر: فوات الوفيات ٢٦٩: ٤. (٣) أبو شامة: الروضتين ٤١٥: ٢/ ١. (٤) ابن الفرات: تاريخ الدول والملوك ٩٠: ١/ ٤. (٥) فيما يلي ٤٥٣، ٤٩٥.
следующие страницы →