← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

مسوّدة المواعظ ١٥ - ١٧ ذكر ما عليه مدينة مصر الآن. ١٩ - ٣١ ذكر طرف ممّا قيل في القاهرة المعزّيّة. ٣١ ذكر الجبال. ٣١ المقطّم. ٣٢ - ٣٦ ذكر القاهرة المعزّيّة. ٣٦ - ٤٦ سور القاهرة. ٤٧ - ٥٧ ذكر ما كانت عليه القاهرة في الدّولة الفاطمية. ٥٨ - ٦٣ ذكر ما صارت إليه القاهرة بعد زوال الدّولة الفاطمية. ٦٤ - ٨٣ ذكر قصور الخلفاء. ٦٨ القصر الكبير الشّرقي. ٦٩ الإيوان الكبير بالقصر. ٧٠ قاعة الذّهب وتسمّى قصر الذّهب. ٧٦ ذكر سماط شهر رمضان الذي يعمل بهذه القاعة. ٧٧ - ٨١ ذكر سماط العيد بهذه القاعة. ٨١ المحوّل بالقصر. ٨٢ الإيوان الكبير. ٨٢ ذكر سماط الفطرة. ٨٣ - ٩١ عيد الغدير. ٨٤ ذكر الاجتماع والخطبة في يوم عيد الغدير. ١٩ - ٩٤ ذكر داعي الدّعاة. ٩٥ - ١٠٦ ذكر وصف الدّعوة وشرحها وكيفية مجرى أمرها وكيف رتّبت. ١٠٦ - ١٠٩ ذكر حدوث هذه الدّعوة ومنشأها. ١٠٩ - ١١١ ذكر العهد الذي يؤخذ عند الدّعوة. هذه النّشرة ١٥٥ - ١٥٧ ذكر ما عليه مدينة مصر الآن وصفتها. ٢٢٥ - ٢٤١ ذكر طرف ممّا قيل في القاهرة ومتنزهاتها. ٣٣٤: ١ ذكر الجبال. ٣٣٥: ١ ذكر الجبل المقطّم. ٢٠٩ - ٢١٢ ذكر حدّ القاهرة. ٢٥٤ - ٢٦٧ ذكر سور القاهرة. ٢١٢ - ٢٢٢ ذكر بناء القاهرة وما كانت عليه في الدّولة الفاطمية. ٢٢٢ - ٢٢٥ ذكر ما صارت إليه القاهرة بعد استيلاء الدّولة الأيّوبيّة عليها. ٢٩٤ - ٢٩٨ ذكر قصور الخلفاء ومناظرهم والإلماع بطرف من مآثرهم وما صارت إليه أحوالهم من بعدهم. ٢٨٤ - ٢٩٨ القصر الكبير. ٢٩٨ الإيوان الكبير. ٢٨٧ قاعة الذّهب. ٢٩٣ كيفيّة سماط شهر رمضان بهذه القاعة. ٢٩٣ - ٢٩٨ عمل سماط عيد الفطر بهذه القاعة. ٣٠٥ - ٣٠٨ ذكر المحوّل. ٢٩٨ الإيوان الكبير. ٢٩٨ - ٣٠٥ عيد الغدير. ٣٠٨ - ٣١٧ وصف الدّعوة وترتيبها. ٣١٧ - ٣١٨ ابتداء هذه الدّعوة. ٣١٨ - ٣٢٠ صفة العهد الذي يؤخذ على المدعو.

стр. 947

مسوّدة المواعظ ١١٢ - ١١٣ ذكر العيد الذي أحدثه الحافظ. ١١٣ المناظر الثّلاث. ١١٤ قاعة الفضّة. ١١٤ قاعة السّدرة. ١١٥ قاعة الخيم. ١١٥ قصر الشّوك. ١١٦ الموضع المعروف بقصر أولاد الشّيخ. ١١٧ قصر الزّمرّد من القصر. ١١٨ الرّكن المخلّق. ١١٩ السّفينة من حقوق القصر. ١١٩ دار الضّرب. ١٢٠ - ١٢٥ ذكر أبواب القصر الكبير. ١٢٥ ذكر الباقي الآن من القصر الكبير. ١٢٦ خزائن السّلاح. ١٢٦ المارستان العتيق. ١٢٦ التّربة المعزّيّة. ١٢٧ - ١٣٠ القصر الغربي وهو القصر الصّغير. ١٣٠ أبواب القصر الغربي. ١٣١ ميدان الخلفاء. ١٣١ البستان الكافوري. ١٣١ القصر النافعي. ١٣٢ - ١٣٣ دار الوزارة القديمة، وهي دار الدّيباج بسويقة الصّاحب. ١٣٣ - ١٣٥ دار الضّيافة، هي دار المظفّر بحارة برجوان. ١٣٦ - ١٣٧ ذكر رتبة الوزارة. ١٣٨ - ١٦٩ ذكر الخزائن التي كانت بالقصر وخارج القصر وما يتعلّق بذلك. ١٣٨ - ١٤١ خزانة الكتب. ١٤١ - ١٥٠ خزانة البنود. هذه النّشرة ٥٩٣ عيد النّصر. ٣٤٣ ذكر المناظر الثّلاث. ٣٤٢ ذكر قاعة الفضّة. ٣٤٢ - ٣٤٣ ذكر قاعة السّدرة. ٣٤٣ ذكر قاعة الخيم. ٣٤٣ ذكر قصر الشّوك. ٣٤٤ ذكر قصر أولاد الشّيخ. ٣٤٤ - ٣٤٥ قصر الزّمرّد. ٣٤٥ ذكر الرّكن المخلّق. ٣٤٥ - ٣٤٨ السّفينة. ٣٤٩ - ٣٥٠ ذكر دار الضّرب. ٤٢١ - ٤٣١ ذكر أبواب القصر الكبير الشّرقي. ٣٥٠ ذكر خزائن السّلاح. ٣٥٠ - ٣٥١ ذكر المارستان العتيق. ٣٥١ - ٣٥٣ ذكر التّربة. ٤٩٥ - ٤٩٦ ذكر القصر الصّغير الغربي. ٥٠١ أبواب القصر الغربي. ٤٩٦ الميدان. ٤٩٦ - ٤٩٧ البستان الكافوري. ٣٥٤ ذكر القصر النّافعي. ٥١٩ - ٥٢٠ دار الدّيباج. ٥٠٨ - ٥١٠ ذكر دار الضّيافة. ٤٤٢ - ٤٥٣ ذكر رتبة الوزارة وهيئة خلعهم ومقدار جاريهم وما يتعلّق بذلك. ٣٥٥ - ٤٠١ ذكر الخزائن التي كانت بالقصر. ٣٥٥ - ٣٥٩ خزانة الكتب. ٣٩٥ - ٤٠١ خزانة البنود.

стр. 948

مسوّدة المواعظ ١٥٠ - ١٥١ خزانة السّلاح بالقصر. ١٥٢ خزانة الدّرق وهي خارج القصر. ١٥٣ خزانة السّروج بالقصر. ١٥٤ خزانة الفرش في القصر. ١٥٤ - ١٥٨ خزانة الكسوات بالقصر وهما خزانتان. ١٥٨ خزانة الأدم. ١٥٨ خزانة الشّراب. ١٦٠ خزانة التّوابل. ١٦١ خزائن دار أفتكين خارج القصر. ١٦٢ - ١٦٩ دار التّعبئة. ١٧٠ - ١٧٥ دار الفطرة. ١٧٦ - ١٨٢ المنحر. ١٨٦ ذكر ما كان ينحر في عيد الأضحية وعيد الغدير. ١٨٣ مصلّى العيد. ١٨٤ - ١٨٨ ذكر ركوب الخليفة من القصر إلى هذا المصلّى في العيدين. ١٨٩ - ٢١٧ [ركوب أوّل العام]. ٢١٨ - ٢٢٩ ذكر الكسوة والخلع للأمراء وغيرهم في عيد الفطر ولباس الخليفة وأقاربه وجهاته. ٢٢٩ - ٢٣٩ بقيّة سماط الفطرة بقاعة الذّهب وخروج الخليفة إلى المصلّى. ٢٤١ مطبخ القصر. ٢٤٢ ذكر ما كان للخلفاء من الإسطبلات والمناخات والأهراء. ٢٤٢ - ٢٤٥ إسطبل الطّارمة. ٢٤٥ إسطبل الجمّيزة بحارة زويلة. ٢٤٦ إسطبل الحجريّة. ٢٤٦ - ٢٤٨ الأهراء السّلطانيّة بالقاهرة. ٢٤٩ المناخ السّعيد بالعطوفية. هذه النّشرة ٣٨٠ - ٣٨١ خزائن السّلاح. ٣٨١ خزانة الدّرق. ٣٨١ - ٣٨٣ خزائن السّروج. ٣٧٧ - ٣٨٠ خزائن الفروش والأمتعة. ٣٥٩ - ٣٧٠ خزانة الكسوات. ٣٩٩ خزانة الأدم. ٣٨٧ - ٣٩٢ خزانة التّوابل. ٣٩٣ - ٣٩٥ خزائن دار أفتكين. ٣٩٢ - ٣٩٣ دار التّعبئة. ٤٠١ - ٤٠٥ دار الفطرة. ٤٣١ - ٤٣٢ ذكر المنحر. ٤٣٢ - ٤٣٦ ذكر ما كان يعمل في عيد النّحر. ٤٧٨ - ٤٩٤ ذكر مصلّى العيد. ٤٧٨ - ٤٩٢ ذكر هيئة صلاة العيد وما يتعلّق بها. ٤٦١ - ٤٧٦ ذكر موسم أوّل العام. ٣٦٠ - ٣٦٨ خزانة الكسوات. ٤٨٢ - ٤٨٩ هيئة صلاة العيد. ٥١٠ - ٥١١ ذكر مطبخ القصر. ٤٥٧ - ٤٥٩ ذكر إسطبل الطّارمة. ٥١٨ - ٥١٩ إسطبل الجمّيزة. ٥١٠ ذكر إسطبل الحجريّة. ٥٢٠ - ٥٢٢ الأهراء السّلطانيّة. ٤٥٦ ذكر المناخ السّعيد.

стр. 949

مسوّدة المواعظ ٢٥٠ - ٢٥١ ذكر رتبة متولي دار الضّيافة في أيام الخلفاء. ٢٥١ - ٢٥٨ دار الوزارة الكبرى وتسمّى الدّار الأفضلية والدّار السّلطانية أيضا. ٢٥٨ ذكر رتبة الوزراء أرباب السّيوف في الدّولة الفاطمية وهيئة خلع الوزراء وهم ملوك مصر من استقبال وزارة أمير الجيوش إلى آخر أيامهم. ٢٦٠ - ٢٦٥ ذكر خلع الوزراء أرباب السّيوف في الدّولة الفاطمية. ٢٦٥ ذكر الرّاتب المقرّر الذي كان للوزراء والإقطاعات التي كانت لهم في دولة الخلفاء الفاطميين. ٢٦٧ - ٢٧٠ الحجر برسم الصّبيان الحجريّة. مماليك الخلفاء. ٢٧١ دار الضّرب التي كانت في أيّام الخلفاء بالقاهرة بخطّ الخرّاطين الآن. ٢٧٢ ذكر دنانير الغرّة التي كانت تضرب وتفرّق في أوّل السّنة في أيام الخلفاء. ٢٧٣ ذكر ما كان من موسم أوّل العام. ٢٧٥ ذكر ركوب الخلفاء في أوّل كلّ سنة. ٢٧٧ ذكر ما كان يضرب من الخراريب الذّهب في خميس العدس في أيام الخلفاء. ٢٧٨ ذكر من كان يتولّى النّظر في دار الضّرب أيّام الخلفاء الفاطميين. ٢٧٩ دار الوكالة الآمرية. ٢٧٩ المنظرة بالجامع الأزهر. ٢٧٩ - ٢٨٦ المنظرة المعروفة باللّؤلؤة وتسمّى بقصر اللّؤلؤة على الخليج. ٢٨٨ المنظرة المعروفة بالغزالة. هذه النّشرة ٥٠٩ - ٥١٠ دار الضّيافة. ٤٣٨ - ٤٤٢ ذكر دار الوزارة الكبرى. ٤٤٢ - ٤٥٣ ذكر رتبة الوزارة وهيئة خلعهم ومقدار جاريهم وما يتعلّق بذلك. ٤٥٣ - ٤٥٥ ذكر الحجر التي كانت برسم الصّبيان الحجريّة. ٤٥٩ - ٤٦٠ ذكر دار الضّرب وما يتعلّق بها. ٤٧٦ - ٤٧٧ دنانير الغرّة التي كانت تضرب وتفرّق في أوّل السّنة في أيّام الخلفاء. ٤٦١ - ٤٧٦ ذكر موسم أوّل العام. ٤٧٧ ذكر ما كان يضرب في خميس العدس من خراريب الذّهب. ٣٤٠ - ٣٤٢ قاضي القضاة. ٤٧٨ ذكر دار الوكالة الآميريّة. ٥٢٢ منظرة الجامع الأزهر. ٥٢٨ - ٥٣٣ منظرة اللّؤلؤة. ٥٣٣ - ٥٣٤ منظرة الغزالة.

стр. 950

مسوّدة المواعظ ١٢٨٨ - ٢٨٩ ذكر الخدمة في الطّراز الشريف أيام الخلفاء. ٢٩٠ - ٢٩٣ دار الذّهب. ٢٩٣ المنظرة خارج باب الفتوح. ٢٩٣ المنظرة بالمقس. ٢٩٤ - ٣٠٠ ذكر اهتمام الخلفاء بالجهاد. ٣٠٠ - ٣٠٧ دار العلم. ٣٠٧ الدّكّة. ٣٠٨ بستان البعل. ٣٠٩ التّاج والخمس وجوه. ٣١٠ - ٣١٤ المشهد الحسيني. ٣١٤ - ٣١٨ ذكر ما كان يعمل في يوم عاشوراء. ٣١٨ المارستان العتيق. ٣٢٠ دكّة الحسبة. ٣٢١ دار العيار. ٣٢٣ المنظرة خارج باب الفتوح. ٣٢٥ منظرة المقس. ٣٢٦ الأندلس بالقرافة. هذه النّشرة ٥٣٤ - ٥٣٦ الطّراز الشّريف. ٥٣٦ - ٥٣٧ دار الذّهب. ٥٦٨ - ٥٧٠ منظرة باب الفتوح. ٥٦٢ - ٥٦٥ ذكر منظرة المقس. ٥٠٢ - ٥٠٨ ذكر دار العلم. ٥٦٢ منظرة الدّكّة. ٥٦٥ - ٥٦٧ منظرة البعل. ٥٦٧ - ٥٦٨ منظرة التّاج - منظرة - الخمس الوجوه. ٤٠٥ - ٤١١ المشهد الحسيني. ٤١٧ - ٤٢١ ما كان يعمل في يوم عاشوراء. ٥١٦ - ٥١٨ ذكر الحسبة ودار العيار. ٥٦٨ - ٥٧٠ منظرة باب الفتوح. ٥٦٢ - ٥٦٥ ذكر منظرة المقس. ٥٨٠ - ٥٨١ قصر الأندلس بالقرافة.

стр. 951

طريقتي في إخراج النّصّ اتّبعت في إخراج هذا المجلّد الثّاني المنهج نفسه الذي اتّبعته في المجلّد الأوّل، من حيث الاكتفاء بالإشارة إلى الخلافات والأسقاط بين الأصول التي اعتمدتها ونشرة بولاق التي ظلّت في أيدي النّاس ما يقرب من القرن ونصف القرن. والنّصّ المثبت هنا هو النّصّ الوارد في نسخة مكتبة آياصوفيا رقم ٣٤٨٣ - وهي أقدم النّسخ المنقولة من خطّ المؤلّف - والذي يتّفق تماما مع نسخة مكتبة حسين جلبي رقم ٧٩١ ونسخة مكتبة الفاتح رقم ٤٤٩٨. فكلّ السّقط الموجود في بولاق والذي استدركته هنا هو من هذه النّسخ الثّلاث. واستدركت كذلك بعض الإضافات - وعلى الأخصّ فيما يتّصل بالمصادر وتحديدها - من القطعة الأولى من مسوّدة المواعظ التي نشرتها سنة ١٩٩٥. واستعنت في بعض المواضع بنسخة المكتبة الظّاهريّة بدمشق رقم ٣٤٣٧ والتي رمزت لها بالرّمز (ظ) والتي رجّحت أنّها منقولة من مسوّدة المؤلّف (فيما تقدم ١١٢: ١). أمّا «حواشي المؤلّف» الموجودة على نسخته والمثبتة في نسخ آياصوفيا وحسين جلبي وليدن، فقد نقلتها في الهامش مسبوقة بالعبارة التالية: «حاشية بخطّ المؤلّف». وعارضت في هذا المجلّد نقول المقريزي على مصادرها التي وصلت إلينا، وأحلت إلى مواضع هذه النّقول في المصادر؛ كما شرحت المصطلحات الحضاريّة مع الإحالة إلى الدّراسات والبحوث الحديثة والمتخصّصة. وقسمت هوامش الكتاب - تماما مثل المجلّد الأوّل - إلى قسمين: قسم للمقابلات واختلاف القراءات بين الأصول المعتمدة وبين طبعة بولاق ومصادر المقريزي التي وصلت إلينا، وقسم للتّعليقات والشّروح والتّخريجات. ونظرا لأنّ هذا المجلّد يتناول تاريخ عواصم مصر الإسلامية منذ الفسطاط وحتّى استيلاء الأيّوبيّين على قصور الفاطميين في القاهرة، فكان لا بدّ أن يصحب التّحقيق وضع خرائط توضّح تطوّر عواصم مصر الإسلامية والخطط الأولى للفسطاط، وتحوّل مجرى نهر النّيل أمام الفسطاط والقاهرة نحو نهاية القرن الخامس الهجري، وتحديد موضع أسوار القاهرة وأبوابها

стр. 952

الفاطميّة، والقصور الفاطميّة، وأهمّ معالم القاهرة الفاطميّة، بالإضافة إلى صور فوتوغرافية لما تبقّى من أسوار القاهرة وأبوابها الفاطميّة، وإيراد لنصوص النّقوش والكتابات الأثريّة التي ذكرها المقريزي. فالوصف الذي يقدّمه لنا المقريزي - على سبيل المثال - لأبواب القاهرة الشّرقيّة (باب البرقيّة والباب المحروق) والغربيّة (باب القنطرة وباب الخوخة وباب سعادة) إضافة إلى بابي الفرج والشّعريّة، لا يعين إطلاقا على تحديد مواضع هذه الأبواب. وعنيت كذلك بتحديد موضع المعالم التي ذكرها المقريزي وضاعت آثارها اليوم، وما حلّ محلّها في العصور التالية، وذكرت رقم تسجيل الآثار للمعالم التي ما تزال قائمة من العصر الفاطمي. *** ولا يسعني في ختام هذه المقدّمة إلاّ أن أتقدّم بالشّكر مجدّدا إلى أعضاء لجنة الخبراء لمؤسّسة الفرقان للتراث الإسلامي: الأستاذ إبراهيم شبّوح، والأستاذ الدكتور أكمل الدّين إحسان أوغلو، والأستاذ الدكتور إيرج أفشار، والأستاذ الدكتور رشدي راشد، والدكتور محمد عيسى ولي، والأستاذ الدكتور يان يوست ويتكام، والأستاذ الدكتور يوسف إبيش، وإلى معالي رئيس المؤسّسة العالم الأديب الشيخ أحمد زكي يماني، الذين يسّروا لي كلّ السّبل لإخراج هذا المجلّد في هذه الصّورة التي تليق بعمل المقريزي الخالد، سائلا اللّه سبحانه العون على إتمام إخراج الكتاب، هو مولانا ﴿فَنِعْمَ اَلْمَوْلى وَنِعْمَ اَلنَّصِيرُ﴾. القاهرة في ١٠ ربيع الأوّل سنة ١٤٢٣ هـ ٢٧ مايو سنة ٢٠٠٢ م أيمن فؤاد سيّد

стр. 953

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باللّه المستعان ذكر فسطاط مصر قال الجوهريّ: الفسطاط بيت من شعر. قال: ومنه فسطاط مدينة مصر (١). اعلم أنّ فسطاط مصر اختطّ في الإسلام بعد ما فتحت أرض مصر، وصارت دار إسلام، وقد كانت بيد الرّوم والقبط وهم نصارى ملكانية ويعقوبية ومنانية (¬a). وحين اختطّ المسلمون الفسطاط، انتقل كرسيّ المملكة من مدينة «الإسكندريّة»، بعد ما كانت منزل الملك ودار الإمارة زيادة على تسع مائة سنة، وصار من حينئذ «الفسطاط» دار إمارة ينزل به أمراء مصر. فلم يزل على/ ذلك حتى بني «العسكر» بظاهر الفسطاط، فنزل فيه أمراء مصر وسكنوه، وربّما سكن بعضهم الفسطاط. فلمّا أنشأ الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون «القطائع» بجانب العسكر، سكن فيها، واتّخذها الأمراء من بعده منزلا إلى أن انقرضت دولة بني طولون، فصار أمراء مصر من بعد ذلك ينزلون بالعسكر خارج الفسطاط. وما زالوا على ذلك، حتى قدمت عساكر الإمام المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ الفاطمي مع كاتبه جوهر القائد، فبنى «القاهرة» (¬b) ونزل فيها بمن معه من العساكر ثم قدم المعزّ فنزل في قصره من القاهرة وصارت دار خلافة (¬b).

стр. 954

واستمرّ سكنى الرّعيّة بالفسطاط، وبلغ من وفور العمارة وكثرة الخلائق ما أربى على عامّة مدن المعمور - حاشا بغداد (١) - وما زال على ذلك حتى تغلّب الفرنج على سواحل البلاد الشّاميّة، ونزل مرّي [Amaury] ملك الفرنج بجموعه الكثيرة على بركة الحبش يريد الاستيلاء على مملكة مصر وأخذ الفسطاط والقاهرة. فعجز الوزير شاور بن مجير السّعدي عن حفظ البلدين معا، فأمر النّاس بإخلاء مدينة الفسطاط واللّحاق بالقاهرة للامتناع من الفرنج - وكانت القاهرة إذ ذاك من الحصانة والامتناع بحيث لا ترام - فارتحل النّاس من الفسطاط، وساروا بأسرهم إلى القاهرة، وأمر شاور فألقى العبيد النّار في الفسطاط، فلم تزل به بضعا وخمسين يوما حتى احترقت أكثر مساكنه (٢). فلمّا رحل مرّي [Amaury] عن القاهرة، واستولى شيركوه على الوزارة، تراجع النّاس إلى الفسطاط ورمّوا بعض شعثه، ولم يزل في نقص وخراب إلى يومنا هذا. وقد صار الفسطاط يعرف في زمننا ب «مدينة مصر»، واللّه أعلم. ذكر ما كان عليه موضع الفسطاط قبل الإسلام إلى أن اختطّه المسلمون مدينة اعلم أنّ موضع «الفسطاط» - الذي يقال له اليوم «مدينة مصر» - كان فضاء ومزارع فيما بين النّيل والجبل الشّرقي الذي يعرف بالجبل المقطّم، ليس فيه من البناء والعمارة سوى حصن، يعرف اليوم بعضه ب «قصر الشّمع» وب «المعلّقة»، ينزل به شحنة الرّوم المتولّي على مصر من قبل القياصرة ملوك الرّوم، عند مسيره من مدينة الإسكندرية، ويقيم فيه ما شاء، ثم يعود إلى دار الإمارة ومنزل الملك من الإسكندرية. وكان هذا الحصن مطلاّ على النّيل، وتصل السّفن في النّيل إلى بابه الغربي الذي كان يعرف بباب الحديد، ومنه ركب المقوقس في السّفن (¬a) حين غلبه المسلمون على الحصن المذكور، وصار

стр. 955

فيه إلى الجزيرة التي تجاه الحصن، وهي التي تعرف اليوم ب «الرّوضة» قبالة مصر. وكان مقياس النّيل بجانب الحصن. قال ابن المتوّج: وعمود المقياس موجود في زقاق مسجد ابن النّعمان؛ قلت: وهو باق إلى يومنا هذا، أعني سنة عشرين وثمان مائة (١). وكان هذا الحصن لا يزال مشحونا بالمقاتلة، وسيرد في هذا الكتاب خبره إن شاء اللّه. وكان بجوار هذا الحصن من بحريه - وهي الجهة الشمالية - أشجار وكروم صار موضعها الجامع العتيق. وفيما بين الحصن والجبل عدّة كنائس وديارات للنّصارى، أكثرها (¬a) في الموضع الذي يعرف اليوم براشدة. وبجانب الحصن - فيما بين الكروم التي كانت بجانبه وبين الجرف الذي يعرف اليوم بجبل يشكر حيث جامع ابن طولون والكبش - عدّة كنائس وديارات للنّصارى، في الموضع الذي كان يعرف في أوائل الإسلام بالحمراء، وعرف الآن بخطّ قناطر السّباع والسّبع سقايات. وبقي بالحمراء (¬b) عدّة من الدّيارات إلى أن هدمت في سلطنة الملك النّاصر محمد بن قلاوون، على ما ذكر في هذا الكتاب عند ذكر كنائس النّصارى (٢). فلمّا افتتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية الفتح الأوّل، نزل بجوار هذا الحصن، واختطّ الجامع المعروف بالجامع العتيق وبجامع عمرو بن العاص، واختطّت قبائل العرب من حوله، فصارت مدينة عرفت ب «الفسطاط»، ونزل النّاس بها. فانحسر بعد الفتح بأعوام ماء النّيل عن أرض تجاه الحصن والجامع العتيق، فصار المسلمون يعرقون (¬c) (٣) هناك دوابّهم، ثم اختطّوا فيه المساكن شيئا بعد شيء. وصار ساحل البلد حيث الموضع الذي يقال له اليوم في مصر المعاريج، مارّا إلى الكوم الذي على يسرة الداخل من باب مصر بحدّ الكبارة، وفي موضع هذا الكوم كانت الدّور المطلّة على النّيل. ويمرّ السّاحل من باب مصر المذكور إلى حيث بستان ابن كيسان، الذي يعرف اليوم ببستان الطّواشي، في أوّل مراغة مصر.

стр. 956

وجميع الأماكن التي تعرف اليوم بمراغة مصر وبالجرف إلى الخليج عرضا، ومن حيث قنطرة السّدّ إلى سوق المعاريج طولا، كان غامرا بماء النّيل، إلى أن انحسر عنه ماء النّيل بعد سنة ستّ مائة من سني الهجرة، فصار رملة. ثم اختطّ فيه الأمراء ممّا يلي النّيل آدرّا عند ما عمّر الملك الصّالح نجم الدين أيّوب قلعة الرّوضة (١)، واختطّ بعضه شونا إلى أن أنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون جامعه المعروف بالجامع/ الجديد النّاصريّ، ظاهر مصر، فعمر ما حوله (٢). وقد كان عند فتح مصر سائر المواضع التي من منشأة المهراني إلى بركة الحبش طولا، ومن ساحل النّيل بموردة الحلفاء، وتجاه الجامع الجديد إلى سوق المعاريج، وما على سمته إلى تجاه المشهد الذي يقال له مشهد الرّأس - وتسمّيه العامّة اليوم مشهد زين العابدين - كلّها بحرا لا يحول بين الحصن والجامع، وما على سمتهما إلى الحمراء الدّنيا التي منها اليوم خطّ قناطر السّباع، وبين جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالرّوضة، شيء سوى ماء النّيل. وجميع ما في هذه المواضع من الأبنية، انكشف عنه النّيل قليلا قليلا (٣)، واختطّ على ما يتبيّن لك في هذا الكتاب. ذكر الحصن الذي يعرف بقصر الشّمع اعلم أنّ هذا القصر أحدث بعد خراب مصر على يد بخت نصّر، وقد اختلف في الوقت الذي بني فيه ومن أنشأه من الملوك، (¬a) فذكر الواقديّ أنّ الذي بناه اسمه الرّيّان بن الوليد بن أرسلاوس (٤). وكان هذا القصر يوقد عليه الشّمع في رأس كلّ شهر، وذلك أنّه إذا حلّت الشّمس في برج من البروج، أوقد في تلك الليلة الشّمع على رأس ذلك القصر، فيعلم النّاس بوقود الشّمع أنّ الشّمس انتقلت من البرج الذي كانت فيه إلى برج آخر غيره. فلم (¬b) يزل القصر على حاله إلى أن خربت مصر زمن بخت نصّر بن نيروز الكلداني، فأقام خرابا خمس مائة سنة، ولم يبق منه إلاّ أثره فقط؛ فلمّا غلب الرّوم على مصر وملكوها من أيدي

стр. 957

اليّونانيين، ولي مصر من قبلهم رجل يقال له أرجاليس بن مقراطيس، فبنى القصر على ما وجد من أساسه (¬a) (١). وقال ابن سعيد: وصارت مصر والشّام بعد بخت نصّر في مملكة الفرس، فوليها منهم كشرجوش الفارسي باني قصر الشّمع، وبعده طخارست الطويل الولاية، وتوالت بعده نوّاب الفرس إلى ظهور الإسكندر. وقال غيره: إنّ الذي بناه طخشاست، أحد ملوك الفرس، عند ما سار لمحاربة أهل مصر، فلمّا غلب قسطرا (¬b) ملك مصر الذي يعرف بفرعون سابان، وفرّ منه إلى مقدونية، غلب على ملك مصر، واستولى عليها، وبنى للفرس قصرا، وجعل فيه بيت نار على شاطئ النّيل الشرقي، وعرف بقصر الشّمع لأنّه كان له باب يقال له باب الشّمع، وجعل في القصر بيت نار، وهو باق. وقال ابن عبد الحكم، عن اللّيث بن سعد: وكانت الفرس قد أسّست بناء الحصن الذي يقال له باب أليون، وهو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم، فلمّا انكشفت (¬c) جموع فارس عن الرّوم، وأخرجتهم الرّوم من الشّام، أتمّت بناء ذلك الحصن وأقامت به. فلم تزل مصر في ملك الرّوم حتى فتحها اللّه تعالى على المسلمين (٢). قال: وكان أبو الأسود نضر بن عبد الجبّار (٣) يقولها بالميم - يعني باب اليوم -

стр. 958

(¬a) ويقول (¬b) إنّما سمّي كذا لأنّهم كانوا يقولون: من يقاتل اليوم (¬a) (١)؟ وقال القضاعيّ: ذكر الحصن المعروف بقصر الشّمع: يقال إنّ فارس لمّا ظهرت على الرّوم، وملكت عليهم الشّام وملكت مصر، بدأت ببناء هذا القصر، وبنت فيه هيكلا لبيت النار، ولم يتم بناؤه على أيديهم إلى أن ظهرت الرّوم عليهم، فتمّمت بناءه وحصّنته، ولم تزل فيه إلى حين الفتح. وهيكل النّار هو القبّة المعروفة اليوم بقبّة الدّخان، وبحضرتها مسجد معلّق أحدثه المسلمون. (¬a) وقال أبو عبيد البكري: باب أليون بمصر إن كان عربيّا فإنّه مثل يوم ويوح ممّا فاؤه ياء وعينه واو، وقد يجوز أن يكون فعلا من بين، وهو اسم موضع على مذهب أبي الحسن في «فعل» من البيع بوع. قال: وليست الألف واللام فيه للتعريف، فعلى هذا يجب أن تثبت في الرّسم. وقال أبو صخر (٢): [الطويل] جلوا من (¬c) تهام أرضنا وتبدّلوا … بمكّة باب اليون، والرّيط بالعصب والرّواية في شعر كثيّر عزّة في قوله (٣): [الطويل] جرى بين باب اليون والهضب (¬d) دونه … رياح أسفّت بالنّقا وأشمّت بالباء وبفتح النون غير مجرور للعجمة، على أنّ همزته مقطوعة وصلها للضرورة (٤). وقال الحازمي (٥): باب أليون - بالياء - اسم مدينة مصر، فتحها المسلمون وسمّوها الفسطاط (¬a).

стр. 959

(¬a) وقال عبد الملك بن هشام: بابليون المنسوب إليه مصر، هو بابليون بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإنّ من ولده عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ، وهو الملك على مصر لمّا قدم إليها إبراهيم خليل الرّحمن صلوات اللّه عليه. والقبط تسمّى عمرا هذا طوطيس، ومن ولده حلوان بن بابليون بن عمرو بن امرئ القيس، وبه سمّيت حلوان (¬a) (١). وقال القاضي القضاعيّ: في ظاهر الفسطاط القصر المعروف بباب ليون بالشّرف - ليون اسم بلد مصر بلغة السّودان والرّوم - وقد بقيت من بنائه بقيّة مبنية بالحجارة/ على طرف الجبل بالشّرف، وعليه اليوم مسجد. قال كاتبه (¬b): فهذا - كما ترى - صريح في أنّ قصر باب أليون غير قصر الشّمع، فإنّ قصر الشّمع في داخل الفسطاط، وقصر باب أليون هذا - عند القضاعي - على الجبل المعروف بالشّرف، والشّرف خارج الفسطاط، وهو خلاف ما قاله ابن عبد الحكم في كتاب «فتوح مصر» واللّه أعلم. ويقال إنّ في زمن ناحور بن شاروع - وهو الثامن عشر من آدم - ملك مصر رجل اسمه أفطوطس مدّة اثنتين وثلاثين سنة، وإنّه أوّل من أظهر علم الحساب والسّحر، وحمل كتب ذلك من بلاد الكلدانيين إلى مصر. وفي ذلك الزّمان بنيت بابليون على بحر النّيل بمصر، وذلك لتمام ثلاثة آلاف وثلاث مائة وتسعين للعالم. وقال ابن سعيد في كتاب «المغرب»: وأمّا فسطاط مصر فإنّ مبانيها كانت في القديم متّصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام وبها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن، وعليه نزل عمرو ابن العاص، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه (٢). وهذا وهم من ابن سعيد، فإنّ فسطاط عمرو إنّما كان مضروبا عند درب حمّام شمول بخطّ الجامع (٣)، كذا (¬c) هو بخط الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النّسّابة، وهو أقعد بخطط مصر وأعرف من ابن سعيد.

стр. 960

وأمّا موضع الجامع فكان كروما وجنانا، وحاز موضعه قيسبة التّجيبي ثم تصدّق به على المسلمين، فعمل المسجد. وستقف على هذا إن شاء اللّه تعالى في ذكر جامع عمرو، عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب (١). وقال ابن المتوّج: خطّ قصر الشّمع، هذا الخطّ يعرف بقصر الشّمع، وفيه قصر الرّوم، وفيه أزقّة ودور (¬a) ودروب؛ قال: وكنيسة المعلّقة بمصر بباب القصر، وهو قصر الرّوم. وقال ابن عبد الحكم: وأقرّ عمرو بن العاص القصر لم يقسمه ووقفه (٢). وقال أبو عمر الكنديّ في كتاب «الأمراء»، وقد ذكر قيام عليّ بن محمد بن عبد اللّه ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب وطروق المسجد، في إمارة يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة على مصر: وورد كتاب أبي جعفر المنصور على يزيد بن حاتم يأمره بالتّحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الدّيوان في كنائس القصر، وذلك في سنة ستّ وأربعين ومائة (٣). ذكر حصار المسلمين للقصر وفتح مصر اختلف النّاس في فتح مصر، فقال محمد بن إسحاق وأبو معشر ومحمد بن عمر الواقدي ويزيد بن أبي حبيب وأبو عمر الكندي: فتحت سنة عشرين؛ وقال سيف بن عمر: فتحت سنة ستّ عشرة؛ وقيل فتحت سنة ستّ وعشرين، وقيل سنة إحدى وعشرين، وقيل سنة اثنتين وعشرين؛ والأوّل أصحّ وأشهر (٤).

стр. 961

قال ابن عبد الحكم: لمّا قدم عمر بن الخطّاب ﵁ الجابية، قام إليه عمرو بن العاص فخلا به، فقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أسير إلى مصر وحرّضه عليها وقال: إنّك إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا، وأعجزها (¬a) عن القتال والحرب. فتخوّف عمر بن الخطّاب وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظّم أمرها عند عمر بن الخطّاب ويخبره بحالها، ويهوّن عليه فتحها حتى ركن لذلك. فعقد له على أربعة آلاف رجل كلّهم من عكّ، ويقال بل ثلاثة آلاف وخمس مائة. وقال له عمر: سر وأنا مستخير اللّه في مسيرك، وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء اللّه تعالى، فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك، واستعن باللّه واستنصره. فسار عمرو بن العاص من جوف اللّيل، ولم يشعر به أحد من النّاس. واستخار عمر اللّه، فكأنّه تخوّف على المسلمين في وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك عمرا الكتاب إذ هو برفح؛ فتخوّف عمرو إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرّسول (١) ودافعه، وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها، فقيل إنّها من مصر. فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو لمن معه: ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من مصر؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ أمير المؤمنين عهد إليّ، وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا وامضوا على بركة اللّه. ويقال بل كان عمرو بفلسطين، فتقدّم عمرو بأصحابه إلى مصر بغير إذن، فكتب فيه إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر وهو دون العريش، فحبس الكتاب فلم يقرأه حتى بلغ العريش فقرأه، فإذا فيه:

стр. 962

«من عمر بن الخطّاب إلى العاصي ابن العاصي. أمّا بعد، فإنّك سرت إلى مصر ومن/ معك، وبها جموع الرّوم، وإنّما معك نفر يسير، ولعمري لو كان ثكل أمك (¬a) ما سرت بهم، [فإذا جاءك كتابي هذا] (¬b) فإن لم تكن بلغت مصر فارجع». فقال عمرو: الحمد للّه أيّة أرض هذه؟ قالوا: من مصر، فتقدّم كما هو (١). ويقال بل كان عمرو في جنده على قيساريّة مع من كان بها من أجناد المسلمين وعمر بن الخطّاب ﵁ إذ ذاك بالجابية، فكتب سرّا فاستأذن أن يسير إلى مصر، وأمر أصحابه، فتنحّوا كالقوم الذين يريدون أن ينتحّوا من منزل إلى منزل قريب، ثم سار بهم ليلا. فلمّا فقده أمراء الأجناد، استنكروا الذي فعل، ورأوا أن قد غرّر (¬c)، فرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فكتب إليه عمر: «إلى العاصي ابن العاصي أمّا بعد، فإنّك قد غرّرت بمن معك، فإن أدركك كتابي ولم تدخل مصر فارجع، وإن أدركك وقد دخلت فامض، واعلم أنّي ممدّك». ويقال إنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص بعد ما فتح الشّام: أن اندب النّاس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خفّ معك فسر به؛ وبعث به مع شريك بن عبدة؛ فندبهم عمرو، فأسرعوا إلى الخروج مع عمرو. ثم إنّ عثمان بن عفّان ﵁ دخل على عمر بن الخطّاب، فقال عمر: كتبت إلى عمرو ابن العاص يسير إلى مصر من الشّام؛ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، إنّ عمرا لمجرؤ فيه (¬d) إقدام وحبّ للإمارة، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة، فيعرّض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا؛ فندم عمر على كتابه إلى عمرو، وإشفاقا (¬e) ممّا قال عثمان، فكتب إليه: «إن أدركك كتابي هذا (¬f) قبل أن تدخل إلى مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت فامض لوجهك».

стр. 963

فلمّا بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، توجّه إلى موضع الفسطاط، فكان يجهّز على عمرو الجيوش، وكان على القصر رجل من الرّوم يقال له الأعيرج واليا عليه، وكان تحت يدي (¬a) المقوقس. وأقبل عمرو حتى إذا كان بجبل الحلال نفرت معه راشدة وقبائل من لخم، فتوجّه عمرو حتى إذا كان بالعريش أدركه النّحر، فضحّى عن أصحابه يومئذ بكبش. وتقدّم فكان أوّل موضع قوتل فيه الفرما، قاتلته الرّوم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح اللّه عليه. وكان عبد اللّه بن سعد على ميمنة عمرو منذ توجّه من قيساريّة إلى أن فرغ من حربه. وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو ميامين (¬b)، فلمّا بلغه قدوم عمرو إلى مصر، كتب إلى القبط يعلمهم أنّه لا يكون للرّوم دولة، وأنّ ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقّي عمرو، فيقال إنّ القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا. ثم توجّه عمرو لا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف (¬c)، حتى نزل القواصر، فسمع رجل من لخم نفرا من القبط يقول بعضهم لبعض: ألا تعجبون من هؤلاء القوم، يقدمون على جموع الرّوم وإنّما هم في قلّة من النّاس؟! فأجابه رجل منهم فقال: إنّ هؤلاء القوم لا يتوجّهون إلى أحد إلاّ ظهروا عليه، حتى يقتلوا خيرهم. وتقدّم عمرو لا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من الشهر حتى فتح اللّه عليه. ثم مضى لا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف حتى أتى أمّ دنين، فقاتلوه بها قتالا شديدا. وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمدّه، فأمدّه بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف، وقيل بل أمدّه باثني عشر ألفا، فوصلوا إليه أرسالا يتبع بعضهم بعضا، فكان فيهم أربعة آلاف (١) عليهم أربعة: الزّبير بن العوّام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصّامت، ومسلمة بن مخلد؛ وقيل إنّ الرابع خارجة بن حذافة دون مسلمة. ثم أحاط المسلمون بالحصن، وأميره يومئذ المندقور (¬d) - الذي يقال له الأعيرج - من قبل المقوقس بن قرقب اليوناني، وكان المقوقس ينزل الإسكندرية وهو في سلطان هرقل، غير أنّه كان

стр. 964

حاضر الحصن حين حاصره المسلمون، فقاتل عمرو بن العاص من بالحصن (١). وجاء رجل إلى عمرو فقال: اندب معي خيلا حتى آتي من ورائهم (¬a) عند القتال. فأخرج معه خمس مائة فارس، عليهم خارجة بن حذافة في قول، فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بني وائل قبل الصّبح. وكانت الرّوم قد خندقوا خندقا، وجعلوا له أبوابا، وبثّوا في أفنيتها حسك الحديد، فالتقى القوم حين أصبحوا، وخرج خارجة من ورائهم، فانهزموا حتى دخلوا الحصن، وكانوا قد خندقوا حوله (٢). فنزل عمرو على الحصن، وقاتلهم قتالا شديدا يصبحهم ويمسيهم. وقيل إنّه لمّا أبطأ الفتح على عمرو، كتب إلى عمر بن الخطّاب يستمدّه ويعلمه بذلك، فأمدّه بأربعة آلاف رجل، على كلّ ألف رجل منهم رجل (¬b) مقام الألف: الزّبير بن العوّام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصّامت، ومسلمة بن مخلد، وقيل بل خارجة بن حذافة لا يعدون مسلمة؛ وقال عمر: اعلم أنّ معك اثنى عشر ألفا، ولا تغلب اثنا عشر ألفا من قلّة (٣). وقيل قدم الزّبير في اثني عشر ألفا؛ وإنّ عمرا لمّا قدم من الشّام كان في عدّة قليلة، فكان يفرّق أصحابه ليرى العدوّ أنّهم أكثر ممّا هم. فلمّا انتهى إلى الخندق نادوه: أن قد رأينا ما صنعت، وإنّما معك من أصحابك كذا وكذا؛ فلم يخطئوا برجل واحد. فأقام عمرو على ذلك أيّاما، يغدو في السّحر فيصفّ أصحابه على أفواه الخندق عليهم السّلاح، فبينا هو على ذلك إذ جاءه خبر الزّبير ابن العوّام أنّه قدم/ في اثني عشر ألفا، فتلقّاه عمرو، ثم أقبلا يسيران. ثم لم يلبث الزّبير أن ركب، ثم طاف بالخندق، ثم فرّق الرّجال حول الخندق، وألحّ عمرو على القصر، ووضع عليه المنجنيق. ودخل عمرو إلى صاحب الحصن، فتناظرا في شيء ممّا هم فيه، فقال عمرو: أخرج وأستشير أصحابي؛ وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي على الباب إذا مرّ به عمرو أن يلقي عليه صخرة

стр. 965

فيقتله، فمرّ عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب فقال له: قد دخلت، فانظر كيف تخرج. فرجع عمرو إلى صاحب الحصن فقال له: إنّي أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت. فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحبّ إليّ من قتل واحد. وأرسل إلى الذي كان أمره بما أمره به من قتل عمرو: ألاّ يتعرّض له، رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم (١). فخرج عمرو، وعبادة بن الصّامت في ناحية يصلّي وفرسه عنده، فرآه قوم من الرّوم، فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزّة، فلمّا دنوا منه سلّم من صلاته، ووثب على فرسه، ثم حمل عليهم. فلمّا رأوه ولّوا راجعين، فاتّبعهم فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، وهو لا يلتفت إليه، حتى دخلوا الحصن، ورمي عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يتعرّض لشيء ممّا طرحوا من متاعهم، حتى رجع إلى موضعه الذي كان به فاستقبل الصّلاة، وخرج الرّوم إلى متاعهم يجمعونه (٢). فلمّا أبطأ الفتح على عمرو، قال الزّبير: إنّي أهب نفسي للّه (¬a) أرجو أن يفتح اللّه بذلك على المسلمين؛ فوضع سلّما (٣) إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمّام، ثم صعد فأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا، فما شعروا إلاّ والزّبير على رأس الحصن يكبّر ومعه السّيف، وتحامل الناس على السّلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر. وكبّر الزّبير، فكبّرت الناس معه، وأجابهم المسلمون من خارج، فلم يشكّ أهل الحصن أنّ العرب قد اقتحموا جميعا، فهربوا. وعمد الزّبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحم المسلمون الحصن. فخاف المقوقس على نفسه ومن معه، فحينئذ سأل عمرو بن العاص الصّلح ودعاه إليه، على أن يفرض للعرب على القبط دينارين على كلّ رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك. وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر (٤).

стр. 966

قال: وقد سمعت في فتح القصر وجها آخر، هو أنّ المسلمين لمّا حاصروا (¬a) باب أليون، كان به جماعة من الرّوم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس، فقاتلوهم شهرا. فلمّا رأى القوم الجدّ من العرب على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحّى المقوقس وجماعة من أكابر القبط، وخرجوا من باب القصر القبلي ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة (١) - موضع الصّناعة اليوم - وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النّيل. ويقال إنّ الأعيرج تخلّف في الحصن بعد المقوقس، وقيل خرج معهم، فلمّا خاف فتح الحصن ركب هو وأهل القوّة والشّرف، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن، ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة (٢). فأرسل المقوقس إلى عمرو: «إنّكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنّما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلّتكم الرّوم، وجهّزوا إليكم ومعهم من العدّة والسّلاح، وقد أحاط بكم هذا النّيل، وإنّما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فلعلّه أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبّون ونحبّ، وينقطع عنّا وعنكم القتال قبل أن تغشاكم جموع الرّوم، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلّكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم، فابعثوا إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء». فلمّا أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس، حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنّهم يقتلون الرّسل، ويستحلّون ذلك في دينهم؟ وإنّما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين. فردّ عليهم عمرو مع رسله: «إنّه ليس بيني وبينكم إلاّ إحدى ثلاث خصال: إمّا أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد

стр. 967

وأنتم صاغرون، وإمّا أن جاهدناكم بالصّبر والقتال حتى يحكم اللّه بيننا وبينكم، وهو خير الحاكمين». فلمّا جاءت رسل المقوقس إليه قال: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبّ إلى أحدهم من الرّفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنّما جلوسهم على التّراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السّيّد منهم من العبد، وإذا حضرت الصّلاة لم يتخلّف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم. فقال عند ذلك المقوقس: والذي يحلف به، لو أنّ هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النّيل، لم يجيبوا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا/ على الخروج من موضعهم. فردّ إليهم المقوقس رسله: ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم. فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، أحدهم عبادة بن الصّامت، وكان طوله عشرة أشبار، وأمره أن يكون متكلّم القوم، ولا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلاّ إحدى هذه الثّلاث خصال، فإنّ أمير المؤمنين قد تقدّم إليّ في ذلك، وأمرني ألاّ أقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث خصال. وكان عبادة أسود، فلمّا ركبوا السّفن إلى المقوقس ودخلوا عليه، تقدّم عبادة، فهابه المقوقس لسواده، وقال: نحّوا عنّي هذا الأسود، وقدّموا غيره يكلّمني. فقالوا جميعا: إنّ هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيّدنا وخيرنا والمقدّم علينا، وإنّما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا ألاّ نخالف رأيه وقوله؛ قال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنّما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ قالوا: كلاّ، إنّه وإن كان أسود كما ترى، فإنّه من أفضلنا موضعا وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس ينكر السّواد فينا؛ فقال المقوقس لعبادة: تقدّم يا أسود وكلّمني برفق، فإنّي أهاب سوادك، وإن اشتدّ كلامك عليّ، ازددت لك هيبة. فتقدّم عليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك، وإنّ فيمن خلّفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشدّ سوادا منّي وأفظع منظرا، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد ولّيت وأدبر شبابي، وإنّي مع ذلك - بحمد اللّه - ما أهاب مائة رجل من عدوّي لو استقبلوني جميعا، وكذلك أصحابي؛ وذلك إنّما رغبتنا وهمّتنا الجهاد في اللّه واتّباع رضوانه، وليس غزونا عدوّا ممن

стр. 968

حارب اللّه لرغبة في دنيا ولا طلب للاستثكار منها، إلاّ أنّ اللّه قد أحلّ لنا ذلك، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا؛ وما يبالي أحدنا إن كان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلاّ درهما، لأنّ غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسدّ بها جوعه لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلاّ ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة اللّه، واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما كان في الدنيا، لأنّ نعيم الدّنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء، إنّما النّعيم والرّخاء في الآخرة. وبذلك أمرنا اللّه (¬a)، وأمرنا به نبيّنا وعهد إلينا ألاّ تكون همّة أحدنا من الدنيا إلاّ ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همّته وشغله في رضاء ربّه وجهاد عدوّه. فلمّا سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرّجل قطّ؟ لقد هبت منطره، وإنّ قوله لأهيب عندي من منظره، إنّ هذا وأصحابه أخرجهم اللّه لخراب الأرض، ما أظنّ ملكهم إلاّ سيغلب على الأرض كلّها. ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصّامت فقال له: أيّها الرّجل الصّالح، قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك. ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلاّ بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلاّ لحبّهم الدّنيا ورغبتهم فيها. وقد توجّه إلينا لقتالكم من جمع الرّوم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنّجدة والشّدّة، ما يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنّا لنعلم أنّكم لم تقدروا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلّتكم. وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم في ضيق وشدّة من معاشكم وحالكم، ونحن نرقّ عليكم لضعفكم وقلّتكم وقلّة ما بين أيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكلّ رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به. فقال عبادة بن الصّامت: يا هذا لا تغرّن نفسك ولا أصحابك، أمّا ما تخوّفنا به من جمع الرّوم وعددهم وكثرتهم وأنّا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا بالذي تخوّفنا به، ولا بالذي يكسرنا عمّا نحن فيه. وإن كان ما قلتم حقّا فذلك واللّه أرغب ما يكون في قتالهم، وأشدّ لحرصنا عليهم، لأنّ ذلك أعذر لنا عند ربّنا إذا قدمنا عليه؛ إن قتلنا عن آخرنا، كان أمكن لنا في رضوانه وجنّته، وما شيء أقرّ لأعيننا، ولا أحبّ لنا من ذلك. وإنّا منكم حينئذ لعلى إحدى

стр. 969

الحسنيين: إمّا أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدّنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنّها (¬a) لأحبّ الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منّا؛ وإن اللّه قال لنا في كتابه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللّهِ وَاَللّهُ مَعَ اَلصّابِرِينَ﴾ [الآية ١٤٩ سورة البقرة]؛ وما منّا رجل إلاّ وهو يدعو ربّه صباحا ومساء أن يرزقه الشّهادة، وألاّ يردّ إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منّا همّ فيما خلّفه، وقد استودع كلّ واحد منّا ربّه أهله وولده، وإنّما همّنا ما أمامنا. وأمّا قولك إنّا في ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السّعة، لو كانت الدّنيا كلّها لنا، ما أردنا منها لأنفسنا أكثر ممّا نحن عليه. فانظر الذي تريد فبيّنه لنا، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها، إلاّ خصلة من ثلاث، فاختر أيّتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني/ الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول اللّه للّه من قبل إلينا. إمّا أجبتم (¬b) إلى الإسلام الذي هو الدين القيّم الذي لا يقبل اللّه غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا اللّه تعالى أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين اللّه؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحلّ أذاكم ولا التّعرّض لكم؛ وإن أبيتم إلاّ الجزية، فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وأن نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كلّ عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمّتنا، وكان لكم به عهد علينا؛ وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلاّ المحاكمة بالسّيف حتى نموت من آخرنا، أو نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا الذي ندين اللّه تعالى به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم. فقال المقوقس: هذا ما لا يكون أبدا، ما تريدون إلاّ أن تتّخذونا عبيدا ما كانت الدنيا؛ فقال له عبادة: هو ذاك، فاختر لنفسك ما شئت؛ فقال المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال؟ فرفع عبادة يديه إلى السّماء فقال: لا وربّ هذه السّماء وربّ هذه الأرض وربّ كلّ شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم. فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه فقال: قد فرغ القوم فما ترون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذّلّ! أمّا ما أرادوا من دخولنا في دينهم، فهذا لا يكون أبدا أن نترك دين المسيح بن مريم

стр. 970

وندخل في دين غيره لا نعرفه؛ وأمّا ما أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدا، فالموت أيسر من ذلك، لو رضوا منّا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا. فقال المقوقس لعبادة: قد أبى القوم فما ترى، فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرّتكم هذه ما تمنّيتم وتنصرفون؛ فقال عبادة وأصحابه: لا. فقال المقوقس عند ذلك: أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثّلاث، فواللّه ما لكم بهم طاقة، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنّهم إلى ما هو أعظم كارهين؛ فقالوا: وأيّ خصلة نجيبهم إليها؟ قال: إذن أخبركم، أمّا دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به، وأمّا قتالهم فأنا أعلم أنّكم لن تقووا عليهم ولن تصبروا صبرهم، ولا بدّ من الثالثة؛ قالوا: فنكون لهم عبيدا أبدا. قال: نعم تكونون عبيدا مسلّطين في بلادكم، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم، خير لكم من أن تمونوا من آخركم، وتكونوا عبيدا تباعوا وتمزّقوا في البلاد، مستعبدين أبدا أنتم وأهليكم وذراريكم؛ قالوا: فالموت أهون علينا. وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط وبالجزيرة وبالقصر من جمع القبط والرّوم كثير. فألحّ المسلمون عند ذلك بالقتال على من بالقصر حتى ظفروا بهم، وأمكن اللّه منهم، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر، وانجرّت السّفن كلّها إلى الجزيرة، وصار المسلمون يراقبونهم، وقد أحدق بهم الماء من كلّ وجه، لا يقدرون على أن ينفذوا نحو الصّعيد، ولا إلى غير ذلك من المدن والقرى. والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا (¬a) وأخافه عليكم، ما تنتظرون؟ فو اللّه لتجيبنّهم إلى ما أرادوا طوعا، أو لتجيبنّهم إلى ما هو أعظم منه كرها، فأطيعوني من قبل أن تندموا. فلمّا رأوا منهم ما رأوا، وقال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية، ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه. وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: إنّي لم أزل حريصا على إجابتكم إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إليّ بها، فأبى عليّ من حضرني من الرّوم والقبط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم، وقد عرفوا نصحي لهم وحبّي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت: أنا في نفر من أصحابي، وأنت في نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تمّ ذلك جميعا، وإن لم يتمّ رجعنا إلى ما كنّا عليه.

стр. 971

فاستشار عمرو أصحابه في ذلك، فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصّلح ولا الجزية حتى يفتح اللّه علينا، وتصير الأرض كلّها لنا فيئا وغنيمة، كما صار لنا القصر وما فيه. فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إليّ أمير المؤمنين في عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إليّ فيها، أجبتهم إليها وقبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم. فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض لهم على جميع من بمصر، أعلاها وأسفلها، من القبط: ديناران ديناران عن كلّ نفس، شريفهم ووضيعهم، ممّن بلغ منهم الحلم، ليس على الشّيخ الفاني، ولا على الصّغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا على النّساء شيء (١). وعلى أنّ للمسلمين عليهم النّزل بجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك، كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة عليهم، وأنّ لهم أرضهم وأموالهم، لا يعرض لهم في شيء منها؛ فشرط ذلك كلّه على القبط خاصّة. وأحصوا عدد القبط يومئذ، خاصّة من بلغ منهم الجزية وفرض/ عليهم الديناران - رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكّدة - فكان جميع من أحصي يومئذ بمصر - أعلاها وأسفلها - من جميع القبط، فيما أحصوا وكتبوا ورفعوا، أكثر من ستة آلاف ألف نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف ألف دينار في كلّ سنة (٢). وقال ابن لهيعة، عن يحيى بن ميمون الحضرمي: لمّا فتح عمرو مصر، صالح عن جميع من فيها من الرّجال من القبط، ممّن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدّتهم ثمانية آلاف ألف. قال: وشرط المقوقس للرّوم أن يخيّروا: فمن أحبّ منهم أن يقيم على مثل هذا، أقام على ذلك لازما له مفترضا عليه، ممّن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلّها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الرّوم، خرج؛ وعلى أنّ للمقوقس الخيار في الرّوم خاصّة، حتى يكتب إلى ملك الرّوم ويعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك ورضيه، جاز عليهم، وإلاّ كانوا جميعا على ما كانوا عليه (٣).

стр. 972

وكتبوا به كتابا، وكتب المقوقس إلى ملك الرّوم كتابا يعلمه بالأمر كلّه. فكتب إليه ملك الرّوم يقبّح رأيه ويعجزه، ويرد عليه ما فعل، ويقول في كتابه: «إنّما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبّوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا، فإنّ عندك بمصر من الرّوم، وبالإسكندرية ومن معك، أكثر من مائة ألف معهم العدّة والقوّة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الرّوم في حال القبط أذلاّء، فقاتلهم أنت ومن معك من الرّوم حتى تموت أو تظهر عليهم، فإنّهم فيكم، على قدر كثرتكم وقوّتكم وعلى قدر قلّتهم وضعفهم، كأكلة، ناهضهم القتال، ولا يكن لك رأي غير ذلك». وكتب ملك الرّوم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الرّوم؛ فقال المقوقس لمّا أتاه كتاب ملك الرّوم: واللّه أعلم أنّهم على قلّتهم وضعفهم أقوى وأشدّ منّا على قوّتنا وكثرتنا؛ إنّ الرّجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منّا، وذلك أنّهم قوم الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقبل يتمنّى ألاّ يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده، ويرون أنّ لهم أجرا عظيما فيمن قتلوه منّا، ويقولون إنّهم إن قتلوا دخلوا الجنّة، وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذّة إلاّ قدر بلغة العيش من الطّعام واللّباس؛ ونحن قوم نكره الموت، ونحبّ الحياة ولذّتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم؟ واعلموا معشر الرّوم، واللّه إنّي لا أخرج ممّا دخلت فيه، ولا صالحت العرب عليه، وإنّي لأعلم أنّكم سترجعون غدا إلى قولي ورأيي، وتتمنّون أن لو كنتم أطعتموني، وذلك أنّي قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه، أما يرضي أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة. ثم أقبل المقوقس إلى عمرو فقال له: إنّ الملك قد كره ما فعلت وعجّزني، وكتب إليّ وإلى جماعة الرّوم إلاّ نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج ممّا دخلت فيه وعاقدتك عليه، وإنّما سلطاني على نفسي ومن أطاعني. وقد تمّ صلح القبط فيما بينك وبينهم ولم يأت من قبلهم نقض، وأنا متمّ لك على نفسي، والقبط متمّون لك على الصّلح الذي صالحتهم عليه وعاقدتهم، وأمّا الرّوم فأنا منهم بريء. وأنا أطلب إليك أن تعطيني

стр. 973

ثلاث خصال: لا تنقض بالقبط وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاقدتك عليه فهم متمّون لك على ما تحبّ. وأمّا الثانية إن سألك الرّوم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا، فإنّهم أهل ذلك لأنّي نصحتهم فاستغشّوني، ونظرت لهم فاتّهموني. وأمّا الثالثة أطلب إليك إن أنا متّ أن تأمرهم أن يدفنوني في أبي يحنّس بالإسكندرية (¬a). فأنعم له عمرو بذلك، وأجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعا، ويقيموا لهم الأنزال والضّيافة والأسواق والجسور، ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية. ففعلوا، وصارت لهم القبط أعوانا كما جاء في الحديث (١). وقال ابن وهب في حديثه عن عبد الرّحمن بن شريح: فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن، فحاصرهم حتى سألوه أن يسير منهم بضعة عشر أهل بيت ويفتحوا له الحصن، ففعل ذلك، ففرض عليهم عمرو لكلّ رجل من أصحابه دينارا وجبّة وبرنسا وعمامة وخفّين. وسألوه أن يأذن لهم أن يهّيئوا له ولأصحابه صنيعا، ففعل، وأمر عمرو أصحابه فتهيّئوا ولبسوا البرود ثم أقبلوا. فلمّا فرغوا من طعامهم سألهم عمرو: كم أنفقتم؟ قالوا: عشرين ألف دينار؛ قال عمرو: لا حاجة لنا بصنيعكم بعد اليوم، أدّوا إلينا عشرين ألف دينار. فجاءه النّفر من القبط، فاستأذنوه إلى قراهم وأهليهم، فقال لهم عمرو: كيف رأيتم أمرنا؛ قالوا: لم نر إلاّ حسنا؛ فقال الرّجل الذي قال في المرّة الأولى [ما قال لهم] (¬b): إنّكم لن تزالوا تظهرون على كلّ من لقيتم حتى تقتلوا خيركم رجلا. فغضب عمرو وأمر به، فطلب إليه أصحابه وأخبروه/ أنّه لا يدري ما يقول حتى خلّصوه. فلمّا بلغ عمرا قتل عمر بن الخطّاب ﵁ أرسل في طلب ذلك القبطيّ فوجدوه قد هلك، فعجب عمرو من قوله. ويقال إنّ عمرو بن العاص قال: فلمّا طعن عمر بن الخطّاب، قلت: هو ما قال القبطيّ، فلمّا حدّثت أنّه إنّما قتله أبو لؤلؤة رجل نصرانيّ، قلت:

стр. 974

لم يعن هذا إنّما عنى من قتله المسلمون. فلمّا قتل عثمان، عرفت أنّ ما قال الرجل حقّ. فلمّا فرغ القبط من صنيعهم، أمر عمرو بن العاص بطعام فصنع لهم، وأمرهم أن يحضروا لذلك، فصنع لهم الثّريد والعراق، وأمر أصحابه بلباس الأكسية واشتمال الصّمّاء والقعود على الرّكب. فلمّا حضرت الرّوم، وضعوا كراسي الدّيباج فجلسوا عليها، وجلست العرب إلى جوانبهم، فجعل الرجل من العرب يلتقم اللّقمة العظيمة من الثّريد، وينهش من ذلك اللّحم، فيتطاير على من إلى جنبه من الرّوم. فبشعت الرّوم بذلك وقالت: أين أولئك الذين كانوا أتونا قبل؟ فقيل لهم أولئك أصحاب المشورة، وهؤلاء أصحاب الحرب (١). وقال الكنديّ: وذكر يزيد بن أبي حبيب أنّ عدد الجيش الذين كانوا مع عمرو بن العاص خمسة عشر ألفا وخمس مائة. وذكر عبد الرّحمن بن سعيد بن مقلاص أنّ الذين جرت سهامهم في الحصن من المسلمين اثنا عشر ألفا وثلاث مائة، بعد من أصيب منهم في الحصار بالقتل والموت (٢). ويقال إنّ الذين قتلوا في هذا الحصار من المسلمين دفنوا في أصل الحصن. وذكر القضاعيّ أنّ مصر فتحت يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين، وقيل فتحت سنة ستّ عشرة، وهو قول الواقدي، وقيل فتحت والإسكندرية سنة خمس وعشرين، والأكثر على أنّها فتحت قبل عام الرّمادة، وكانت الرّمادة في آخر سنة سبع عشرة وأوّل ثمان عشرة (٣). ذكر ما قيل في مصر هل فتحت بصلح أو عنوة وقد اختلف في فتح مصر فقال قوم: فتحت صلحا، وقال آخرون: إنّما فتحت عنوة. فأمّا الذين قالوا: كان فتح مصر بصلح، فإنّ حسين بن شفيّ قال: لمّا فتح عمرو بن العاص الإسكندرية بقي من الأسارى بها، ممّن بلغ الخراج وأحصى يومئذ، ستّ مائة ألف سوى النّساء والصّبيان؛ فاختلف الناس على عمرو في قسمهم، فكان أكثر المسلمين يريد قسمها. فقال عمرو: لا أقدر على قسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين؛ فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها وأنّ المسلمين طلبوا قسمها؛ فكتب إليه عمر ﵁: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم

стр. 975

فيئا للمسلمين، وقوّة لهم على جهاد عدوّهم. فأقرّها عمرو، وأحصى أهلها، وفرض عليهم الخراج. فكانت مصر كلّها صلحا بفريضة دينارين دينارين، إلاّ أنّه يلزم بقدر ما يتوسّع فيه من الأرض والزّرع، إلاّ الإسكندرية، فإنّهم كانوا يؤدّون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم، لأنّ الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمّة (١). وقال اللّيث عن يزيد بن أبي حبيب: مصر كلّها صلح، إلاّ الإسكندرية فإنّها فتحت عنوة. وقال عبيد اللّه (¬a) بن أبي جعفر: حدّثني رجل ممّن أدرك عمرو بن العاص قال: للقبط عهد عند فلان، وعهد عند فلان، فسمّى ثلاثة نفر. وفي رواية: أنّ عهد أهل مصر كان عند كبرائهم. وفي رواية: سألت شيخا من القدماء عن فتح مصر قلت له: فإنّ ناسا يذكرون أنّه لم يكن لهم عهد؛ فقال: ما يبالي ألاّ يصلّي من قال إنّه ليس لهم عهد؛ فقلت: فهل كان لهم كتاب؟ فقال: نعم، كتب ثلاثة: كتاب عند طلما صاحب إجنا (¬b)، وكتاب عند قزمان صاحب رشيد، وكتاب عند يحنّس صاحب البرلس. قلت: كيف كان صلحهم؟ قال: دينارين على كلّ إنسان جزية، وأرزاق المسلمين؛ قلت: فتعلم ما كان من الشّروط؟ قال: نعم، ستّة شروط: لا يخرجون من ديارهم، ولا تنزع نساؤهم، ولا كفورهم، ولا أراضيهم، ولا يزاد عليهم (٢). وقال يزيد بن أبي حبيب، عن أبي جمعة مولى عقبة، قال: كتب عقبة بن عامر إلى معاوية ابن أبي سفيان ﵁ يسأله أرضا يسترفق بها عند قرية عقبة؛ فكتب له معاوية بألف ذراع في ألف ذراع؛ فقال له مولى له كان عنده: انظر - أصلحك اللّه - أرضا صالحة. فقال له عقبة: ليس لنا ذلك، إنّ في عهدهم شروطا ستة: لا يؤخذ من أنفسهم شيء، ولا من نسائهم، ولا من أولادهم، ولا يزاد عليهم، ويدفع عنهم موضع الخوف من عدوّهم، وأنا شاهد لهم بذلك.

стр. 976

وعن يزيد بن أبي حبيب، عن عوف بن حطّان، أنّه كان لقريات من مصر - منهن أمّ دنين وبلهيب - عهد، وأنّ عمر بن الخطّاب ﵁ لمّا سمع بذلك، كتب إلى عمرو يأمره أن يخيّرهم: فإن دخلوا في الإسلام فذاك، وإن كرهوا فارددهم إلى قراهم (١). وقال يحيى بن أيّوب وخالد بن حميد: ففتح اللّه أرض مصر كلّها بصلح غير الإسكندرية، وثلاث قريات ظاهرت الرّوم على المسلمين - سلطيس، ومصيل، وبلهيب - فإنّه كان للرّوم جمع، فظاهروا الرّوم على المسلمين. فلمّا ظهر عليها المسلمون استحلّوها، وقالوا: هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية. فكتب/ عمرو بن العاص بذلك إلى عمر بن الخطّاب ﵁، فكتب إليه عمر أن يجعل الإسكندرية وهؤلاء الثلاث قريات ذمّة للمسلمين، ويضربون عليهم الخراج، ويكون خراجهم وما صالح عليه القبط كلّه قوّة للمسلمين، لا يجعلون فيئا ولا عبيدا، ففعلوا ذلك إلى اليوم (٢). وقال آخرون: بل فتحت مصر عنوة بلا عهد ولا عقد. قال سفيان بن وهب الخولاني: لمّا افتتحنا مصر بغير عهد ولا عقد، قام الزّبير بن العوّام فقال: اقسمها يا عمرو بن العاص؛ فقال عمرو: واللّه لا أقسمها؛ فقال الزّبير: واللّه لنقسمنّها كما قسم رسول اللّه ﷺ خيبر؛ فقال عمرو: واللّه لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: أقرّها حتى يغزو منها حبل الحبلة. وصولح الزّبير على شئ أرضي به (٣). وقال ابن لهيعة عن عبد اللّه بن هبيرة: إنّ مصر فتحت عنوة. وعن عبد الرّحمن بن زياد بن أنعم قال: سمعت أشياخنا يقولون إنّ مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد، منهم أبي يحدّثنا عن أبيه، وكان فيمن شهد فتح مصر. وعن أبي الأسود، عن عروة، أنّ مصر فتحت عنوة (٤). وعن عمرو بن العاص أنّه قال: لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر عليّ عهد ولا عقد إلاّ أهل أنطابلس، كان لهم عهد يوفّى به: إن شئت قتلت، وإن شئت خمّست، وإن شئت بعت.

стр. 977

وعن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن أنّ عمرو بن العاص فتح مصر بغير عهد ولا عقد، وأنّ عمر ابن الخطّاب ﵁ حبس درّها وضرعها أن يخرج منه شيء، نظرا للإسلام وأهله. وعن زيد بن أسلم قال: كان تابوت لعمر بن الخطّاب فيه كلّ عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فلم يوجد فيه لأهل مصر عهد فمن أسلم منهم فأمّة (¬a)، ومن أقام منهم فذمّة. وكتب حيّان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز يسأله أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم. فسأل عمر عراك بن مالك، فقال عراك: ما سمعت لهم بعهد ولا عقد، وإنّما أخذوا عنوة بمنزلة العبيد. فكتب عمر إلى حيّان أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم (١). وقال يحيى بن عبد اللّه بن بكير: خرج أبو سلمة بن عبد الرّحمن يريد الإسكندرية في سفينة، فاحتاج إلى رجل يجذّف، فتسخّر (¬b) رجلا من القبط، فكلّم في ذلك، فقال: إنّما هم بمنزلة العبيد إن احتجنا إليهم. وقال ابن لهيعة عن الصّلت بن أبي عاصم: إنّه قرأ كتاب عمر بن عبد العزيز إلى حيّان بن شريح أنّ مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد. وعن عبيد اللّه بن أبي جعفر أنّ كاتب حيّان حدّثه أنّه احتيج إلى خشب لصناعة الجزيرة، فكتب حيّان إلى عمر بن عبد العزيز يذكر ذلك له، وأنّه وجد خشبا عند بعض أهل الذّمّة، وأنّه كره أن يأخذ (¬c) منهم حتى يعلمه. فكتب إليه عمر: خذها منهم بقيمة عدل، فإنّي لم أجد لأهل مصر عهدا أفي لهم به. وقال عمر بن عبد العزيز لسالم: أنت تقول ليس لأهل مصر عهد؟ قال: نعم. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه أنّ عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطّاب في رهبان يترهّبون بمصر، فيموت أحدهم وليس له وارث. فكتب إليه عمر: «إنّ من كان منهم له عقب فادفع ميراثه إلى عقبه، فإن لم يكن له عقب فاجعل ماله في بيت مال المسلمين، فإنّ ولاءه للمسلمين».

стр. 978

وقال ابن شهاب: كان فتح مصر بعضها بعهد وذمّة، وبعضها عنوة، فجعلها عمر بن الخطّاب ﵁ جميعها ذمّة، وحملهم على ذلك، فمضى ذلك فيهم إلى اليوم (١). و (¬a) قال القضاعيّ: فلمّا رأى المقوقس أنّ العرب قد ظفروا بالحصن جلسوا في سفينة هو وأهل القوّة فلحقوا بالجزيرة، وسأل المقوقس في الصّلح فبعث إليه عمرو بعبادة بن الصّامت فصالحه المقوقس عن القبط والرّوم على أنّ للرّوم الخيار في الصّلح إلى أن يوافي كتاب ملكهم، فإن رضي تمّ ذلك وإن سخط انتقض الصّلح ما بينه وبين الرّوم، وأمّا القبط فبغير خيار. فمن قال إنّ مصر فتحت صلحا تعلّق بهذا الصّلح. وقال: إنّ الأمر لم يتمّ إلاّ بما جرى بين عبادة بن الصّامت وبين المقوقس وعلى ذلك أكثر علماء أهل مصر مهم: عقبة بن عامر ويزيد بن أبي حبيب واللّيث بن سعد وغيرهم. وذهب الذين قالوا إنّها فتحت عنوة إلى أنّ الحصن فتح عنوة فكان حكم جميع الأرض كذلك. وممّن قال إنّها فتحت عنوة: عبيد اللّه بن المغيرة النّسائي وعبد اللّه بن وهب ومالك بن أنس وغيرهم. وذهب قوم إلى أنّ بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحا منهم ابن شهاب وابن لهيعة. وكان منها يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنّه قال: اشتبه على النّاس أمر مصر والصلح في أمرها: إن أبي قدمها فقاتله أهل أليون ففتحها قهرا ودخلها المسلمون. وكان الزّبير أوّل من علا حصنها فقال صاحبها لأبي: إنّه قد بلغني فعلكم بالشّام ووضعكم الجزية على النّصارى واليهود وإقراركم الأرض في الأيدي أهلها يعمرونها ويؤدّون خراجها وإن فعلتم بنا مثل ذلك كان أردّ عليكم من قبلنا وسبينا واحلاينا فاستشار أبي المسلمين فأشاروا عليه بأن يفعل ذلك إلاّ نفر منهم سألوا أن يقسم الأرض بينهم فوضع على كلّ رجل حالم دينارين جزية إلاّ أن يكون فقيرا وألزم كل ذي أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطيّ زيت وقسطيّ عسل وقسطيّ خلّ رزقا للمسلمين يجمع في دار الرّزق ويقسم فيهم وأحصى المسلمين فألزم جميع أهل مصر لكلّ رجل منهم جبّة صوف وبرنسا وعمامة وسراويل وخفّين في كلّ عام أو عدل الجبة الصوف سويا قبطيّا وكتب بذلك إلى عمر بن الخطّاب فأجاز ذلك، وصارت الأرض أرض خراج، إلاّ أنّه لمّا وقع هذا الشّرط والكتاب ظنّ بعض النّاس أنّها فتحت صلحا. وقال ابن عبد البرّ: إنّ عمر بن الخطّاب لم يقسم أرض السّواد ومصر والشّام وجعلها

стр. 979

مادّة للمسلمين ولمن يجيء بعد العالمين واحتجّ بالآية في سورة الحشر، ولا أعلم أحدا من الصّحابة روي عنه - بعد عمر - إنكار لفعل عمر، وروى مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر بن الخطّاب، قال: لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول اللّه ﷺ خيبر (¬a) (١). و (¬b) اشترى اللّيث بن سعد شيئا من أرض مصر لأنّه كان يحدّث عن يزيد بن أبي حبيب أنّ مصر صلح. وكان مالك بن أنس ينكر على اللّيث ذلك، وأنكر عليه أيضا عبد اللّه بن لهيعة ونافع بن يزيد لأنّ مصر عندهم كانت عنوة (¬b). ذكر من شهد فتح مصر من الصّحابة ﵃ قال ابن عبد الحكم: وكان من حفظ من الذين شهدوا فتح مصر، من أصحاب رسول اللّه ﷺ من قريش وغيرهم، وممّن لم يكن له برسول اللّه ﷺ صحبة: الزّبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاص، وعمرو بن العاص - وكان أمير القوم - وعبد اللّه بن عمرو، وخارجة بن حذافة العدويّ، وعبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، وقيس بن أبي العاص السّهمي، والمقداد بن الأسود، وعبد اللّه بن أبي سعد بن أبي سرح العامريّ، ونافع بن عبد قيس الفهري - ويقال بل هو عقبة بن نافع - وأبو عبد الرّحمن يزيد بن أنس الفهري، وأبو رافع مولى رسول اللّه ﷺ ، وابن عبدة، وعبد الرّحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة، ووردان مولى عمرو بن العاص، وكان حامل لواء عمرو بن العاص. وقد اختلف في سعد بن أبي وقّاص، فقيل إنّما دخلها بعد الفتح. وشهد الفتح من الأنصار: عبادة بن الصّامت، وقد شهد بدرا وبيعة العقبة، ومحمد بن مسلمة الأنصاري - وقد شهد بدرا وهو الذي بعثه عمر بن الخطّاب ﵁ إلى مصر، فقاسم عمرو ابن العاص ماله، وهو أحد من كان صعد الحصن مع الزّبير بن/ العوّام - ومسلمة بن مخلد الأنصاري يقال له صحبة، وأبو أيّوب خالد بن زيد الأنصاري، وأبو الدّرداء عويمر بن عامر، وقيل عويمر بن زيد. ومن أفناء (¬c) القبائل: أبو بصرة (¬d) جميل بن نصرة الغفاري، وأبو ذرّ جندب بن جنادة الغفاري وشهد الفتح مع عمرو بن العاص، وهبيب بن مغفل (¬e) - وإليه ينسب وادي هبيب الذي بالمغرب -

стр. 980

وعبد اللّه بن الحارث بن جزء الزّبيدي، وكعب بن ضبّة العبسي - ويقال كعب بن يسار بن ضنّة (¬a) - وعقبة بن عامر الجهنيّ - وهو كان رسول عمر بن الخطّاب إلى عمرو بن العاص حين كتب إليه يأمره أن يرجع إن لم يكن دخل أرض مصر - وأبو زمعة البلوي، وبرح بن حسكل - ويقال برح بن عسكر - وشهد فتح مصر واختطّ بها، وجنادة بن أميّة الأزدي، وسفيان بن وهب الخولاني وله صحبة، ومعاوية بن حديج الكندي - وهو كان رسول عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب بفتح الإسكندرية وقد اختلف فيه: فقال قوم له صحبة، وقال آخرون: ليست له صحبة - وعامر مولى جمل، الذي يقال له عامر جمل، شهد الفتح وهو مملوك، وعمّار بن ياسر، ولكن دخل بعد الفتح في أيام عثمان، وجّهه إليها في بعض أموره (١). قال ابن عبد الحكم: منهم من اختطّ بالبلد فذكرنا خطّته، ومنهم من لم يذكر له خطّة؛ قال: فاختطّ عمرو بن العاص داره التي عند باب المسجد بينهما الطريق، وداره الأخرى اللاصقة إلى جنبها، وفيها دفن عبد اللّه بن عمرو - فيما زعم بعض مشايخ البلد - لحدث كان يومئذ في البلد، والحمّام الذي يقال له حمّام الفأر - وإنّما قيل له حمّام الفأر، لأنّ حمّامات الرّوم كانت ديماسات كبارا، فلمّا بني هذا الحمّام ورأوا صغره، قالوا: من يدخل هذا؟ هذا حمّام الفأر (٢). ذكر السّبب في تسمية مدينة مصر بالفسطاط قال ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب: إنّ عمرو بن العاص لمّا فتح الإسكندرية، ورأى بيوتها وبناءها مفروغا منها، همّ أن يسكنها وقال: مساكن قد كفيناها. فكتب إلى عمر بن الخطّاب ﵁ يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرّسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النّيل. فكتب عمر إلى عمرو: «إنّي لا أحبّ أن تنزل المسلمين (¬b) منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف». فتحوّل عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط.

стр. 981

قال: وكتب عمر بن الخطّاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقّاص وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة، وإلى عمرو بن العاص وهو نازل بالإسكندرية: «ألاّ تجعلوا بيني وبينكم ماء، متى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت». فتحوّل سعد من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحوّل صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه فنزل البصرة، وتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط (١). قال: وإنّما سمّيت الفسطاط لأنّ عمرو بن العاص لمّا أراد التّوجّه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الرّوم، أمر بنزع فسطاطه فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال عمرو: لقد تحرّم منّا بمتحرّم، فأمر به فأقرّ كما هو، وأوصى به صاحب القصر. فلمّا قفل المسلمون من الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي كان خلّفه، وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار الحصا (¬a) عند دار عمرو الصغيرة (٢). قال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني: كان فسطاط عمرو عند درب حمّام شمول بخطّ الجامع (٣). وقال ابن قتيبة في كتاب «غريب الحديث» في حديث النبيّ ﷺ ، إنّه قال: «عليكم بالجماعة، فإنّ يد اللّه على الفسطاط» يرويه سويد بن عبد العزيز، عن النّعمان بن المنذر، عن مكحول، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ . الفسطاط المدينة، وكلّ مدينة فسطاط، ولذلك قيل لمصر فسطاط. (¬b) وأخبرني أبو حاتم، عن الأصمعي، أنّه قال: حدّثني رجل من بني تميم قال: قرأت في كتاب رجل من قريش: هذا ما اشترى فلان بن فلان من عجلان مولى زياد، اشترى منه خمس مائة جريب حيال الفسطاط، يريد البصرة. ومنه قول الشّعبي في الآبق: إذا أخذ في الفسطاط عشرة، وإذا أخذ خارجا عن

стр. 982

الفسطاط أربعون. وأراد أنّ يد اللّه على أهل الأمصار، وأنّ من شذّ عنهم، وفارقهم في الرّأي، فقد خرج عن يد الله. وفي ذلك آثار (١). وقال البكريّ: الفسطاط - بضمّ أوّله وكسره وإسكان ثانيه - اسم لمصر. ويقال فسطاط وبسطاط. قال المطرّزي: وفصطاد وفستاد، وبكسر أوائل جميعها، فهي عشر لغات. وقال ابن قتيبة: كلّ مدينة فسطاط، وذكر حديث «عليكم بالجماعة، فإنّ يد اللّه على الفسطاط» (٢). ذكر الخطط التي كانت بمدينة الفسطاط اعلم أنّ الخطط التي كانت بمدينة فسطاط مصر، بمنزلة الحارات التي هي اليوم بالقاهرة، فقيل لتلك في مصر خطّة/، وقيل لها في القاهرة حارة (٣). قال القضاعيّ: ولمّا رجع عمرو من الإسكندرية، ونزل موضع فسطاطه، انضمّت القبائل بعضها إلى بعض، وتنافسوا في المواضع. فوّلى عمرو على الخطط معاوية بن حديج التّجيبي، وشريك بن سميّ الغطيفي، وعمرو بن قحزم الخولاني، وحيويل بن ناشرة

стр. 983

المعافري، وكانوا هم الذين أنزلوا النّاس وفصلوا بين القبائل، وذلك في سنة إحدى وعشرين (١). خطّة أهل الرّاية - أهل الرّاية جماعة من قريش والأنصار وخزاعة وأسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وثقيف ودوس وعبس بن بغيض وجرش من بني كنانة وليث بن بكر، والعتقاء منهم، إلاّ أنّ منزل العتقاء في غير الرّاية (٢). وإنّما سمّوا أهل الرّاية، ونسبت الخطّة إليهم، لأنّهم جماعة لم يكن لكلّ بطن منهم العدد ما ينفرد بدعوة من الدّيوان، فكره كلّ بطن منهم أن يدعى باسم قبيلة غير قبيلته؛ فجعل لهم عمرو بن العاص راية ولم ينسبها إلى أحد، فقال: يكون موقفكم تحتها، فكانت لهم كالنّسب الجامع، وكان ديوانهم عليها. وكان اجتماع هذه القبائل لما عقده رسول اللّه ﷺ من الولاية بينهم. وهذه الخطّة محيطة بالجامع من جميع جوانبه، ابتدأوا من المصفّ الذي كانوا عليه في حصارهم الحصن - وهو باب الحصن الذي يقال له باب الشّمع - ثم مضوا بخطّتهم إلى حمّام الفأر، وشرعوا بغربيها إلى النّيل، فإذا بلغت إلى النّحّاسين، فالجانبان لأهل الرّاية إلى باب المسجد الجامع، المعروف بباب الورّاقين، ثم يسلك على حمّام شمول. وفي هذه الخطّة زقاق القناديل إلى تربة عفّان، إلى سوق الحمام، إلى باب القصر الذي بدأنا بذكره. خطّة مهرة بن حيدان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير (٣) - وخطّة مهرة هذه قبليّ خطّة الرّاية. واختطت مهرة أيضا على سفح الجبل الذي يقال له جبل يشكر ممّا يلي الخندق، إلى شرقيّ العسكر، إلى جنان بني مسكين. ومن جملة خطّة مهرة الموضع الذي يعرف اليوم بمساطب الطّبّاخ، واسمه حمد. ويقال إنّ الخطّة التي لهم قبليّ الرّاية، كانت حوزا لهم يربطون فيها خيلهم إذا رجعوا إلى الجمعة، ثم انقطعوا إليها وتركوا منازلهم بيشكر. خطّة تجيب - وتجيب هم بنو عديّ وسعد ابني الأشرس بن شبيب بن السّكن بن الأشرس بن كندة (٤)، فمن كان من ولد عديّ وسعد يقال لهم تجيب. وتجيب أمّهم: وهذه الخطّة تلي خطة مهرة، وفيها درب الممصوصة، آخره حائط من الحصن الشّرقي.

стр. 984

وخطط لخم في موضعين - فمنها خطّة لخم بن عديّ بن مرّة بن أدد ومن خالطها من جذام (١)، فابتدأت لخم بخطّتها من الذي انتهت إليه خطّة الرّاية، وأصعدت ذات الشّمال. وفي هذه الخطّة سوق بربر، وشارعه مختلط فيما بين لخم والرّاية. ولهم خطّتان أخريان: إحداهما منسوبة إلى بني ريّة بن عمرو بن الحارث بن وائل ابن راشدة من لخم، وأوّلها شرقيّ الكنيسة المعروفة بميكائيل التي عند خليج بني وائل (٢). وهذا الموضع اليوم ورّاقات يعمل فيها الورق بالقرب من باب القنطرة خارج مصر. والخطّة الثانية خطّة راشدة بن أذبّ بن جزيلة من لخم (٣)، وهي متاخمة للخطّة التي قبلها. وفي هذه الخطّة جامع راشدة (٤)، وجنان كهمس بن معمر الذي عرف بالماذرائي، ثم عرف بجنان الأمير تميم، وهو اليوم يقال له المعشوق (٥)، بجوار رباط (¬a) الآثار النّبويّة. ولهم مواضع مع اللّفيف، وخطط بالحمراء أيضا (¬b). خطط اللّفيف - إنّما سمّوا بذلك لالتفاف بعضهم ببعض، وسبب ذلك أنّ عمرو بن العاص لمّا فتح الإسكندرية، أخبر أنّ مراكب الرّوم قد توجّهت إلى الإسكندرية لقتال المسلمين، فبعث عمرو بعمرو بن جمالة الأزدي الحجريّ ليأتيه بالخبر، فمضى. وتسرّعت (¬c) هذه القبائل التي تدعى اللّفيف، وتعاقدوا على اللّحاق به، واستأذنوا عمرو بن العاص في ذلك، فأذن لهم، وهم جمع كثير، فلمّا رآهم عمرو بن جمالة استكثرهم، وقال: تاللّه ما رأيت قوما قد سدّوا الأفق مثلكم، وإنّكم كما قال اللّه تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الآية ١٠٤ سورة الإسراء]، فبذلك سمّوا من يومئذ اللّفيف. وسألوا عمرو بن العاص أن يفرد لهم دعوة، فامتنعت عشائرهم من ذلك، فقالوا لعمرو: فإنّا نجتمع في المنزل حيث كنّا؛ فأجابهم إلى ذلك. فكانوا مجتمعين في المنزل متفرّقين في الدّيوان، إذا دعي كلّ بطن منهم انضمّ إلى بني أبيه. قال قتادة ومجاهد والضّحّاك بن مزاحم في قوله: ﴿جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ قال: جميعا.

стр. 985

وكان عامّتهم من الأزد من الحجر ومن غسّان ومن شجاعة، والتفّ بهم نفر من جذام ولخم والوحاف (¬a) وتنوخ من قضاعة، فهم مجتمعون في المنزل، متفرّقون في الدّيوان (١). وهذه الخطّة أوّلها ممّا يلي الرّاية، سالكا ذات الشمال إلى نقّاشي البلاط، وفيها دار ابن عشرات إلى نحو من سوق وردان. خطط أهل الظّاهر - إنّما سمّي هذا المنزل بالظّاهر، لأنّ القبائل التي نزلته كانت بالإسكندرية، ثم قفلت بعد قفول عمرو بن العاص، وبعد أن اختطّ النّاس خططهم. فخاصمت إلى عمرو، فقال لهم معاوية بن حديج، وكان ممّن يتولّى الخطط يومئذ: أرى لكم أن تظهروا على أهل هذه القبائل، فتتّخذوا منزلا، فسمّي الظّاهر بذلك. وكانت القبائل التي نزلت الظّاهر/ العتقاء، وهم جماع من القبائل كانوا يقطعون الطّريق (¬b) على أيّام النّبيّ ﷺ ، فبعث إليهم، فأتى بهم أسرى فأعتقهم، فقيل لهم العتقاء (٢)؛ وديوانهم مع أهل الرّاية، وخطّتهم بالظّاهر متوسّطة فيه، وكان منهم (¬c) طوائف من الأزد وفهم. وأوّل هذه الخطّة من شرقي خطّة لخم، وتتّصل بموضع العسكر. ومن هذه الخطّة سويقة العراقيين، وعرفت بذلك لأنّ زيادا لمّا ولاّه معاوية بن أبي سفيان البصرة، غرّب جماعة من الأزد إلى مصر، - وبها مسلمة بن مخلد - في سنة ثلاث وخمسين، فنزل منهم هنا نحو من مائة وثلاثين، فقيل لموضعهم من خطّة الظّاهر سويقة العراقيين (٣). خطط غافق - هو غافق بن الحارث بن عكّ بن عدثان بن عبد اللّه بن الأزد (٤). وهذه الخطّة تلي خطّة لخم إلى خطّة الظّاهر، بجوار درب الأعلام. خطط الصّدف - واسمه مالك بن سهل بن عمرو بن قيس بن حمير، ودعوتهم مع كندة (٥). و (¬d) خطط خولان بن عمرو بن مالك بن يزيد بن عريب. وهذه الخطّة تتّصل بالقطائع (¬d).
следующие страницы →