(يَأَ يُّهَا النَّاسُ):
هذا نداءٌ من الله للناس - جميعًا - منذ نزول الآية إِلى يوم القيامة. وبَدْءُ الكلام به، يشعر بعظمة ما سيلقى على المخاطبين كي تتفتح له قلوبهم، وتعيَهُ عقولهم، ويتوجه إِليه اهتمامهم.
(قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ):
الظاهر من السياق، أَن المراد بالبرهان: الرسول، أَي قد أَتاكم رسول هو محمَّد ﷺ مِن عند ربكم، أَي مربيكم، وهو الله الذي أنشأَكم وربَّاكم، وأَوصلكم غاية الكمال المراد لكم.
وسمِّيَ الرسول برهانًا، لأَن وظيفته، إِقامة الحجة، وإِظهار البرهان على تحقيق الحق وإِبطال الباطل.
وفي تسميته برهانا، وتنكير لفظة (بُرْهَان) وبيان أَنه أَتاهم من لدن مُربِّيهم ومتولي شئونهم إِشعارا بأَنه أَعظم برهان.
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا):
أَي: وأَنزلنا - من أَعلى المنازل لهدايتكم ولنفعكم - القرآن المجيد؛ أَعظم الكتب التي أَنزلناها لهداية البشر، وإِخراجهم من الظلمات إِلى النور.
وسمَّاه: نورًا مبينا، إِذ هو كالنور؛ يضيء الطريق ويظهر الحق، ويهدي إِلى سبيل الخير والرشاد.
وقيل المراد بالبرهان: القرآن، عبر عنه تارةً بالبرهان؛ لأَنه حجة على صحة نبوة محمَّد ﷺ الذي جاءَ به لإِحقاق الحق وإِبطال الباطل، وتارة أَخرى بالنور المبين؛ لأَنه ينير طريق الهداية أَمام الناس أَجمعين.
وقد تحدثت هذه الآية الكريمة، عن نعمتين عظيمتين، تفضل الله بهما على عباده:
النعمة الأُولى: تَفضُّلُه بإِرسال محمَّد ﷺ أَعظم نِعم الله على الناس.
стр. 1017
والثانية: تفضلُه سبحانه، بإِنزال القرآن هدًى للمتقين.
والناس - بالنسبة لهاتين النعمتين الجليلتين - فريقان: فريق المؤمنيين. وقد بين سبحانه حالهم العظيم ومآلهم الحسن بقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ … ) الآية.
ولم يتناول بالذكر هنا حال الكافرين - وهم الفريق الثاني: تهوينا لشأْنهم، إِذ قد أَغلقوا قلوبهم، فلم تعمر بالإِيمان، وأَغمضوا أَعينهم فلم تر النور المبين.
١٧٥ - (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ … ) الآية.
أَي: فأَما الذين صدقوا باللهِ، في ذاته وصفاته وأَفعاله، وبما أَنزله من شرائع.
(وَاعْتَصَمُوا بِهِ):
أَي: وعَصَموا بطاعته أَنفُسَهم، من التردى في هاوية الضلال، وطلبوا منه أَن يُثَبِّتَهم على الِإيمان، ويصونَهم من نزعات الشيطان.
(فَسَيُدْخِلُهُم في رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ):
أَي: فسيدخلهم الله في أَنواع رحمات كثيرة، لمن يرحمهم الله بها في الدنيا بتمكينهم في الأرض، وإِظهار شأُنهم على أَعدائهم، وفي الآخرة بالجنة.
(وَفَضْلِ): والفضل؛ هو ما يتفضل به سبحانه عليهم من علو القدر في الدنيا، وفي الجنة من النعيم الزائد عما جُوزوا به؛ مما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت.
(وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مًّسْتَقِيمًا):
أَي: ويهديهم ربهم طريقا مستقيما، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ..
قال ابن كثير: "وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة. فهي - في الدنيا - على منهاج استقامته وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات. وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إِلى روضات الجنات".
стр. 1018
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾.
المفردات:
(يَسْتَفْتُونَكَ): الاستفتاءُ؛ طلب الفُتْيا، والفُتْيا والفتوى: اسم من أفتى العالِم إِذا بين الحكم.
(الْكَلَالَةِ): الذي لا ولد له ولا والد. وقيل الكلَالة: مصدر من تكلله النسب أَي تطرفه. كأَنه أَخذ طرفيه من جهة الوالد والولد: فليس له منهما أَحد، فسمى بالمصدر. ومن هنا أُطلقت على الميت الذي لم يترك والدا ولا ولدا "مِنْ كَلَّ" إِذا ضعف. وهذا قول علي وابن مسعود. وقال سعيد بن جبير: هي الوارث الذي ليس ولدًا ولا والدا، لأَن هؤلاءِ الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليس في عمود نسبه. كالإِكليل يحيط بالرأْس، ووسَطُ الرأْس خال منه.
التفسير
١٧٦ - (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ .... ) الآية.
الربط:
تتصل هذه الآية بالآية التي قبلها، فإِن بها بيانَ ما يتعلق ببعض أَحكام الميراث، من الهداية إِلى صراط مستقيم.
стр. 1019
ولم تُذكر هذه الآية عقب آيات المواريث المذكورة في أَوائل السورة، لأَنها لم تنزل معها في وقت واحد.
فقد روى الشيخان، عن البراءِ: أَنها آخر آية نزلت من الفرائض.
وخُتمت السورة بهذه الآية: كما بُدئت بذكر سائر الحقوق المالية؛ ليعلم المسلم: أَن القرآن الكريم يهتم ببيان حقوق الناس، كما يهتم بتوضيح حقوق الله.
روى الترمذي عن جابر بن عبد الله، يقول: "مرضتُ فأَتاني رسولُ الله ﷺ يعودني قد فوجدني قد أَغمى عَليّ، فأَتى ومعه أَبو بكر وعمر، وهما ماشيان، فتوضأَ رسولُ الله ﷺ فصب عليّ من وضوئه، "فأَفَقْتُ. فقلت: يا رسولَ الله، كيف أَقضي في مالي؟ أَو كيف أَصنع في مالي؟ فلم يجبني شيئًا - وكان له تسع أَخوات - حتى نزلت آية المواريث (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ):
قال جابر: فِيَّ نزلت".
قال أَبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(يَسْتَفْتُونَكَ):
أَي: يطلب الصحابة منك، أَن تبين لهم الحكم في ميراث الميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا.
أَو أَن المستفتي جابر وحده - كما جاءَ في سبب النزول - ونسب إِليهم؛ لَأن الحكم يعمهم جميعًا - ومن بعدهم - إِلى يوم القيامة. وحذف المستفتى فيه وهو ميراث الكلالة، كما بين لدلالة فتوى الله عليه في قوله:
(قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ):
أَي: قل لهم يا محمَّد: الله يبين لكم حكم ميراث الكلَالة، فيما أَنزله علىّ جوابا عن استفتائكم على النحو التالي:
(إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ):
أَي: إِن مات شخص، ولا ولد له ولا والد، وله أُخت شقيقة، أَو لَأب - عند عدم الشقيقة - فلها نصف ما ترك.
стр. 1020
وأَما الإِخوة لأُم، فقد سبق بيان ميراثهم، في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثُّلُثِ) (١).
(وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ):
وهو أَي: والأَخ إِذ لم يكن لها ولد - ذكر أَو أُنثى - ويأْخذ الباقي إِن لم يكن لها ولد ذكر.
(فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ):
أَي: فإِن كانتا أَي الأُختان اثنتين فلهما الثلثان مما ترك أَخوهما المتوفى، فإِن زادت الأَخوات عن اثنتين، فلهن الثلثان أَيضا مما ترك الأَخ المتوفى أَو الأُخت، بدليل القصة التي نزلت فيها الآية، فقد كان لجابر بن عبد الله ﵁ تسعُ أَخواتٍ في رواية الترمذي، وقياسا على ميراث البنات.
(وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ):
أي: وإِن كان الورثة إِخوة - رجالا ونساءً - فللذكر منهم مثل نصيب الأُنثيين.
(يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا):
أَي: يوضح الله لكم شرائع دينكم، ويفصلها، كراهة أَن تضلوا عن الطريق السوي. فتمنعوا مستحقا، وتعطوا غير مستحق.
والآية صريحة في أَن من تعدَّى حدودَ الله في أَحكامِ الميراث، فقد ضل طريق الحق، وأَخطأَ سبيل الرشاد.
(وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ):
أَي: والله الذي بَيَّن تلك الفرائض لعباده، وشرعها لهم، قد أَحاط بكل شئٍ علمًا، فعلمهِ تام بما يُصِلح المجتمعَ الإِسلامي، من الشرائع والأَحكام.
روى الشيخان عن البراءِ: أَنها آخر آية نزلت في الفرائض (٢).
стр. 1021
سورة المائدة
تسمى سورة العقود أَيضا.
أَما تسميتها بسورة المائدة فلأَنها تحدثت - في أَواخرها - عن المائدة التي طلب الحواريون من عيسى بن مريم ﵇ أَن يسأَل ربَّه أَن ينزلَها عليهم: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) (١).
وأَما تسميتها: سورة العقود. فلأَنها افتتحت بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ) … الآية، ولأَنها ذُكِرَ فيها كثيرٌ من المواثيق، التي أخذت على بني إِسرائيل.
وهي مدينّةٌ جميعها، ومنها: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (٢)، فإِنها نزلت بعرفة، عام حجة الوداع.
فقد ورد في الصحيحين عن عمر ﵁ "أَن هذه الآية، نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع".
وكل ما نزل بعد الهجرة يعتبر مدنيا. وإِن نزل بغير المدينة.
وهذه السورة من أَواخر القرآن نزولا.
ووجه المناسبَة بينها وبين سورة النساء التي قبلها في ترتيب المصحف:
أَن سورة النساءِ قد اشتملت على عدة عهود، وسورة المائدة افتتحت بالأَمر بالوفاءِ بالعقود.
وفي سورة النساء تمهيد لتحريم الخمر بقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصلَاةَ وَأنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ … ) الآية، وسورة المائدة حرّمتها تحريما قاطعا بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) (٣).
стр. 1022
كما أَن السورتين اشتركتا في الدعوة إِلى التوحيد وإِبطال عقيدة النصارى في عيسى، ودعواهم: أَنه ابن الله، وأن الله ثالث ثلاثة …
إِلى غير ذلك من المناسبات.
ومما اشتملت عليه هذه السورة من المقاصد:
١ - وجوب الوفاء بالعقود؛ قد جاءَ في السورة ذكر العقود والمواثيق التي أَخذها الله على بني إِسرائيل وإِن دأبوا على نقضها، ومعاقبة الله تعالى لهم على ذلك بأَنواع العقوبات.
٢ - ذكر ما أَحلَّه الله - تعالى - من الأَطعمة وما حرّمه منها، كما جاءَ في السورة، وذكر ما حرّمه العرب على أَنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، مما لم يحرمه الله.
٣ - وفيها بيان لأحكام الطهارة ويسر الشريعة.
٤ - وذكر فيها: نقض بني إِسرائيل للعهود، وتحريفهم هم والنصارى الكتاب المقدس، ورفضهم دخول الأَرض المقدسة.
٥ - وقصة ولدي آدم، وما كان من ارتكاب أَول جريمة للقتل في الأَرض وأَن سببب ذلك هو الحسد والمنافسة.
٦ - عقوبة قطاع الطريق، وحد السرقة.
٧ - هيمنة القرآن على ما قبله من الكتب السماوية. ووجوب الحكم به: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ).
٨ - المسلمون أولياء بعضهم البعض.
٩ - النهي عن تحريم طيبات ما أَحله الله: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا).
١٠ - الأَيمان وكفارتها.
١١ - تحريم الخمر والميسر، والأَنصاب والأَزلام.
١٢ - حكم الصيد برًّا وبحرا وفي الحَرَم، وفي الإِحرام.
١٣ - مكانة الكعبة الشريفة، وأَنها قيام للناس جميعاً وأمان للإِنسان والحيوان. فهي حَرَم آمن.
١٤ - إِشهاد المحتضر على وصيته اثنين ذَوَيْ عدل وحلفهما.
стр. 1023
١٥ - وفيها ذكر للمعجزات التي أَظهرها الله على يدي المسيح تصديقا له، وتأْييدا. وطلب الحواريين منه أَن يسأَل ربه أَن ينزل عليهم مائدة من السماءِ.
١٦ - وفي الختام، ذكَرَت يوم القيامة، وأَنه اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم، وجزاءُ الله لهم عليه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)).
المفردات:
(أَوفُوا بِالْعُقُودِ): الوفاءُ؛ الإِيتاءُ بالشيء وافيا. والعقود: جمع عَقْد. والمراد منه هنا: العهد الموَثَّق.
(بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ): البهيمة؛ هي ما لا عقل له من الحيوان. وخصصت - في العرف - بذوات الأَربع. والأَنعام: هي الإِبل والبقر والغنم .. وأُلْحِق بِها ما يماثلها .. كالظباء وبقر الوحش وَحُمُرِه. والإِضافة هنا: بيانية أَي بهيمة هي الَأنعام.
(حُرُمٌ): أَي محرمون بالحج أَو العمرة.
التفسير
١ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .... ) الآية.
ينادي الله عباده المؤْمنين، آمرا إِياهم: بالوفاء بجميع العقود.
стр. 1024
وهذا أَمر عام: يشمل جميع ما أَلزم الله به عباده، وعقده عليهم: من التكاليف والأَحكام الدينية، وما يعقدونه - فيما بينهم - من عقود الأَمانات والمعاملات ونحوها، مما يجب الوفاء به.
فيجب على كل مؤْمن - بمقتضى أَمر الله أَن يَفِيَ بما عقده وارتبط به. ما لم يكن العقد محلّلًا لِحَرَامٍ، أَو محرِّما لحلال؛ فذلك يحرم تنفيذه كما حَرُمَ توقيعه.
أَمر الله المؤْمنين بالوفاءِ بالعهود على وجه الإِجمال. ومنها إِباحة تناول الطيبات، وتحريم الخبائث.
وبدأَ بما يتعلق بضروريات المعايش فقال:
(أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأنْعَامِ):
أَي أُحلت لكم - أَيها المؤْمنون - أَكل بهيمة الَأنعام: من الِإبل والبقر والغنم وما شابهها. من الظباءِ، وبقر الوحش، والحمر الوحشية.
(إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ):
استثنى من هذه الَأطعمة ما سيتلى في الآية الثالثة من هذه السورة، مما حَرمَّه الله سبحانه فإِنه يجب اجتنابه.
(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأنتُمْ حُرُمٌ):
أَي: هذه الأَنعام حلالٌ لكم، حالة كونكم غير مُحِلِّي الصيد وأَنتم محرمون بالحج أَو العمرة.
فلا يجوز لكم الاصطياد - أَو الانتفاع بالمصيد - ما دمتم محرمين فإِذا تحللتم من إِحرامكم، فلا جناح عليكم أَن تصيدوا، أو تنتفعوا بالمصيد، ولكن في غير الحرم.
أما الحَرَمُ، فلا يحل الاصطياد فيه، ولا الانتفاع بما صيد فيه، سواءٌ في ذلك المحْرِم وغير المحرِم.
стр. 1025
(إنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ):
أَي: إِن الله يقضي في خلقه بما يشاءُ. ومن ذلك تحليل ما أَراد تحليله، وتحريم ما أَراد تحريمه … كما يشاءُ حسبما يعلمه من المصالح لعباده، لا حسب شهواتهم وأَهوائهم.
وفي ختم الآية بذلك، بيان أَن موجب الحكم والتكليف، هو إِرادته ، فلا اعتراض عليه فيما شرع. ولا معقب لحكمه.
وعلى العباد أَن يمتثلوا أَمره تعالى، ويجتنبوا نهيه، وفاءً بعهده. سواء أَدركوا حكمة التشريع، أَم لم يدركوها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢).
المفردات:
(شَعَائِرَ اللهِ): جمع شعيرة، وهي: العلامة. والمراد: ما جُعِلَ شعارا وعلامة للنسك. من مواقف الحج.
(الشَّهْرَ الْحَرَامَ): الَأشهر الَأربعة التي حرَّمها الله وهي:
ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
стр. 1026
(الهَدْيَ): ما يُهدَى إِلى الحَرَم الشريف من الأَنعام.
(الْقَلَائِدَ): جمع قلادة، وهي: ما يُعَلَّق في عنق الأَنعام، علامةً على أَنها هَدْى.
والمراد: ذوات القلائد.
(آمِّينَ): قاصدين.
(لَا يَجْرِمَنَّكُمْ): لا يَحْمِلَنَّكُم.
(شَنَآَنُ): بُغْض.
(صَدُّوكُمْ): منعوكم.
(الْبِرّ): كلمة تجمع وجوه الخير.
(الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ): الِإثم؛ الذنب مطلقا. والعدوان؛ خاص بما يقع على الغير.
التفسير
لمَّا بيَّن الله حُرْمة الاصطياد في الِإحرام، عقب ذلك بنهي المؤمنين عن استحلال شعائر الله، ومعالم حدوده فقال:
٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ … ﴾ الآية.
هذا نداءٌ: ثانٍ من الله تعالى للمؤمنين، في قوة النداء السابق بالوفاء بالعقود، لتساوي
الحكمين وجوبا فيقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ﴾:
أَي لا تستبيحوا وتنتهكوا أيَّةَ شعيرة من شعائر الدين: في الحج أَو غيره؛ لأَنه يؤَدي إِلى الاستخفاف بالشرع. وذلك كفر بالله لأَنه هو المُشرِّع.
(وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ):
أَي: ولا تستبيحوا وتستحلوا القتال في الأَشهر الحُرُم، وذلك لحرمة القتال فيها، إِلا إِذا اضطُررتم إِلى ذلك. فإِنه لا يحرم عليكم القتال فيها.
قال تعالى: "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ … " (١).
стр. 1027
والأَشهر الحُرُمُ هي: - كما قدمنا - ذو القعدة، وذو الحِجة، والمُحرم، ورجب.
(وَلَا الْهدْىَ ولَا الْقَلائِدَ):
كذلك نهاهم أَيضا، عن أَن يعتدوا على الهَدْيِ الذي يُهدَى إِلى الحرم، من الأنعام لينتفِع به عباد الله، أَو أَن يعتدوا على ما قُلِّدَ من هَدْيِ الأَنعام، فَجُعِلتْ به علامة للدلالة على أَنه مُهْد إِلى بيت الله، وذلك بقوله تعالى: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ): وخص القلائد بالنهي عن الاعتداءِ عليها - مع أَنها داخلة في الهَدي - تشريفا لها، واعتناءً بها.
والمراد من إِحلالِ الهَدْيِ والقلائد المنهي عنه - غصبها، أَو منعُها من بلوغ محلها، أَو إِصابتها بسوءٍ، وذهب ابن كثير إِلى أَن المعنى: لا تتركوا عبادة الإِهداءِ إِلى البيت الحرام فإِن فيه تعظيم شعائر الله. ولا تتركوا تقليدها في أَعناقها لتُعْرَف به عما عداها من الأَنعام، وليعلم أَنها هدى إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوءٍ، وتبعث من يراها على الإِتيان بمثلها.
ونهى الله أَيضا، عن أَن يتعرضوا لقاصدي البيت الحرام بسوءٍ، فقال:
(وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن ربِّهِمْ وَرِضوَانًا):
وذلك لأَنهم إِنما قصدوا أَداءَ المناسك، وابتغاءَ فضل الله ورضوانه.
وهذه المنهيات كلها، دليل على أَن الله يوجب أَن يكون زمان الحج ومكانه، وقاصده والبيت الحرام وما يهدى إِليه - كل ذلك - في أَمْن واطمئنان، فلا خوف ولا اضطراب في أَداءِ هذه الفريضة.
وتكرار "لا" أَربع مرات في (وَلَا الشَّهْرَ الْحرَامَ)، (وَلَا الْهَدْيَ)، (وَلَا الْقَلائِدَ)، (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) للدلالة على أَن قوة التحريم في كلٍّ واحدة.
وذكر كل واحدة من هذه المنهيات الخمس منفردة، مع أَنها مجمَلة في (شَعائِرِ اللهِ): لأَهميتها.
стр. 1028
(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا):
أَي وإِذا تحللتم أَيها المؤْمنون - من إِحرامكم وخرجتم من أَرض الحرم، فقد أُحِلَّ
لكم الاصطيادُ والانتفاع بالمصيد، كما تشاءُون. فإِنما حُرم عليكم الصيدُ - في أَرض
الحرم - سواء كنتم محرمين أَو محلين .. وكذلك حرم عليكم الصيدُ في حال الإِحرام -
مطلقا - في أَي أَرض تكونون.
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا):
أَي: ولا يحملنكم بغضكم للمشركين - بسبب صدهم إِياكم - عن أَداءِ العمرة عام الحديبية بغير حق .. لا يحملنكم هذا البغض على الاعتداءِ عليهم بغير حق.
وهذا من عدالة الإِسلام وسماحته، فهو يكره الاعتداءَ دائما.
وهذه الآية - وإِن نزلت في شأْن عمرة الحديبية - فإِن حكمها عام في منع الاعتداءِ على الناس بغير حق، لدافع الكراهية أَو البغضاءِ.
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَقْوَى (١)):
أَتبع الله النهي عن العدوان، بالأَمر بالتعاون على البر والتقوى، وكل ما فيه خير وصلاح للفرد والمجتمع.
(وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى اْلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ):
نهى - سبحانه - عن التعاون على المعاصي والمنكرات، وكل ما فيه إِضرار بمصالح الأَفراد والجماعات.
وعقب تلك النواهي بالتحذير من مخالفتها، فقال:
(وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ):
стр. 1029
أَي: ولتكن تقوى الله - دائما، والخشية منه - ماثلة أَمام أَعينكم، في كل ما تأَتون وما تتركون، فراقبوه دائما في جميع أَعمالكم .. ومن أَهمها: تنفيذ ما أُمِرتم به، وترك ما نُهيتم عنه، واحذروا شديد عقابه، وأَليم عذابه، على المخالفة والعصيان.
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)).
المفردات:
(أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ): الإِهلال، رفع الصوت، والمراد مما أُهِل لغير الله به: ما ذكر غير اسم الله عليه عند الذبح.
(الْمُنْخَنِقَةُ): ما ماتت خنقًا.
(الْمَوْقُوذَةُ): هي التي ضُرِبت حتى ماتت.
(الْمُتَرَدِّيَةُ): ما سقطَت من علو فماتت.
(وَالنَّطِيحَةُ): ما نطحها غيرها حتى ما تت.
(السَّبُعُ): كلُّ حيوان مفترس.
стр. 1030
(ذَكَّيْتُمْ): ذبحتم ذبحا شرعيا.
(النُّصُب): جمع نصاب. وقيل: واحد الأَنصاب، وهي أَحجارٌ نصبوها حول الكعبة. وكانوا يذبحون عليها ويعظمونها.
(تَسْتَقْسِمُوا): تطلبوا معرفة ما قسم وقُدِّر لكم.
(بِالأَزْلَامِ): جمع زلم، وتسمى القداح، وهي سهام كانت عندهم في الجاهلية؛ يطلبون بها معرفة ما قسم لهم بتناولها، من نحو كيس وضعت فيه، وسيأْتي شرح ذلك.
(فِسْقٌ): خروج عن طاعة الله.
(يَئِسَ): اليأْس؛ انقطاع الرجاءِ.
(مَخْمَصَةٍ): شدة الجوع.
(مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ): مائل إِلى الإِثم، من الجنف وهو: الميل.
التفسير
٣ - (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِه … ) الآية.
بعد أَن ذكر الله - سبحانه - أَنه أَحل بهيمة الأَنعام، شرع في بيان المحرمات منها، التي استثناها بقوله: "إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ". وهي عشرة أَنواع:
١ - (الْمَيْتَةُ): وهي التي ماتت بدون تذكية مشروعة، لأَن الغالب فيها: أَنها ماتت من مرض، فلا يحل أَكلها؛ لما فيها من الضرر؛ ولأَنها تعافها الأَنفس.
٢ - (وَالدَّمُ): والمراد به؛ الدم السائل. وحكمة تحريمه، أَن فيه من الجراثيم والفضلات ما يؤذي مَن يتناوله. بخلاف المتجمد منه، وهو الكبد والطحال وما يتخلل اللحم، فإِن هذه ليست من الدم المسفوح، وليست محرمة.
٣ - (وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ): والمراد، لحمه ودهنه، وكل شيءٍ فيه. وذلك: لخبثه، وللأَضرار. التي تنشأُ عن أَكله.
стр. 1031
٤ - (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ): أَصل معنى الإِهلال؛ رفع الصوت، وكان أَهل الجاهلية يذبحون باسم أَصنامهم، رافعين أَصواتهم بذلك.
والمراد منه: ما ذبح على غير اسم الله؛ لأَن الذبح لغير الله فيه تعظيم لذلك الغير. والآكل من هذا المذبوح مشارك في التعظيم لغير الله.
٥ - (وَالمُنْخِنقَةُ): وهي التي ماتت خنقا ولم تذبح؛ وذلك لاحتباس الدم فيها وسواءٌ أَكان الخنق بفعلها أَم بفعل غيرها، فإِنها لا تحل.
٦ - (وَالْمَوْقُوذَةُ): وهي التي قذفت بمثقل كالحجارة ونحوها، حتى ماتت من الوقذ. أَي من الضرب، ولم تذبح ذبحا شرعيا.
٧ - (وَالْمُتَرَدِّيَةُ): وهي التي سقطت من مكانٍ عالٍ، أَو هوت في بئر فماتت من التردي.
٨ - (وَالنَّطِيحَةُ): وهي التي نطحتها غيرها فأَماتتها.
٩ - (وَمَا أَكَل السَّبُعُ): أَي ما افترسها السبع وأَكل منها، فلا يؤكل ما بقى، وكذا الحكم لو افترسها فماتت ولم يأَكل منها. وهذه الأَنواع من المنخنقة - وما عطف عليها - إِن أُدركَت وبها حياة فذكيت ذكاة شرعية، حَلَّ أَكلها.
واشترط الأَحناف في الحياة، أَن تكون فوق حياة المذبوح.
وقال غيرهم: يكتفى فيه أَن تدرك وبها حياة في الجملة كأَن تطرف عينها، أَو تضرب برجلها أَو غير ذلك. فمتى أَدركها الإِنسان وبها مثل هذا النوع من الحياة فذكَّاها - أَي ذبحها - حل أَكلها.
١٠ - (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ):
والنصب حجارة نصبها أَهل الجاهلية حول الكعبة. وكانوا يذبحون عليها، تقربا للأَصنام. وهو حرام؛ لأن في هذا الذبح تعظيمًا للأصنام، وهو إِشراك بالله .
стр. 1032
وهذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى؛ إِنما حرمت لأَن فيها إضرارا بالصحة أَو العقيدة.
(وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ):
كانوا يستقسمون بالأَزلام، أَي يطلبون معرفة ما لهم وما قدر عليهم، عن طريق الأَزلام.
والأَزلام: قطع من الخشب على هيئة السهام. وتسمى القداح. وهي ثلاثة: مكتوب على أَحدهما: أَمرنى ربي. وعلى الآخر: نهاني ربي. والثالث غفل من الكتابة. وكانوا في الجاهلية إِذا أَراد أَحدهم سفرا أَو غزوا. أَو زواجا أَو بيعا أَو نحو ذلك، أَتى إِلى بيت الأَصنام أَربابهم؛ ليطلب معرفة ما قسم له من هذا الذي أراده: أَيُقْدِم عليه؟ أَم يُحجِم عنه؟ فيحرك هذه الأَزلام، فإِن خرج الذي عليه، أَمرني ربي: أَقدم على الفعل. وإِن خرج الذي عليه، نهاني ربي: أَمسك وإِن خرج الثالث وهو الغفل: أَعاد ثانيا حتى يخرج الآمر أَو الناهي.
وهذا من الخرافات والأَوهام. التي لا يقدم عليها إِلا من سيطر على عقله الجهل. وجعل نفسه ألعوبة في أَيدي الكهان. ومن يدعون معرفة الغيب.
والإِسلام بريء من كل ذلك فطلب معرفة الْحَظِّ - عن طريق التنجيم وضرب الرمل والودع، وفنجان القهوة وما شابه ذلك - من الأُمور التي لم يشرعها الله.
وإِنما حرم الاستقسام، ومعرفة النصيب على هذا الوجه وما شابهه؛ لأَن خروج ورقة أَو نحوها؛ عليها: أَمرني ربي. أَو: نهاني ربي - رجمٌ بالغيب، وتَقَوُّلٌ على الله تعالى؛ لأَنه لا يمكن تعرُّف أَمر الله أَو نهيه بمثل هذا الطريق؛ لأَن الله لم يعط هذه الكائنات - أَو غيرها - معرفة قَدَرِه الذي استأثر بعلمه. قال تعالى: " … وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (١). فكيف نطلب العلم عن طريقها وفاقد الشيء لا يعطيه؟
стр. 1033
وإِن أَولئك الذين يلجأُون إِلى العرّافين والمنجمين ونحوهم، إِنما يتركون جانب الله العلم القدير، ويركنون إِلى أدعياء يجهلون كل شيء عن مراد الله تعالى، ويعرّضون أَنفسهم؛ لسخط الله، إِلى جانب إِهدار عقولهم وبذل أَموالهم فيما يضرهم ولا ينفعهم.
ولقد علَّمنا رسول الله ﷺ الاستخارة في الأُمور كلها. وهي من الالتجاءِ إِلى الله تعالى: أَن يقدر الخير لفاعلها ويُرَضِّيه به.
روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأَمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إِذا هَمَّ أَحدُكُم بالأَمرِ فَليَركَعْ رَكْعَتَيْن من غَيْرِ الفَريضَةِ. ثُمَّ ليَقلْ. اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ. وأَستَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وَأَسأَلُكَ مِن فَضْلِكَ العَظِيم. فَإِنَّكَ تَقْدِر وَلَا أَقْدِرُ، وتَعْلَمُ ولَا أَعْلَمُ. وأَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهُم إِنْ كُنت تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمرَ - ويُسَمِّي حاجَتَهُ - خَيْرٌ لي في دِيِني وَمَعاشِي وَعَاقِبَةَ أَمْري - أَو قَالَ عاجِلَ أَمْري وآجِلَةُ - فَاقْدُرْهُ لِي، ويَسِّرْهُ ليِ، ثُمَّ بارِكْ لِي فِيه. وإِنْ كُنتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ - ويُسَمِي حاجَتَهُ - شَرٌّ لِي في دِيِني ومَعاشِي، وعَاقبَةِ أَمْري - أَو قال في عاجِلِ أَمْري وآجِلِه - فاصْرفْهُ عَنِّي واصْرفْنِي عَنْهُ، واقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثمَّ رَضِّنِي - أَو أَرضِنِي - بِه". (١)
هذه هي الاستخارة المشروعة لمن أَراد أَن يوفقه الله لعمل الخير، وخير العمل.
(ذَلِكُمْ فِسْقٌ):
المشار إِليه، هو: كل ما ذكر من المحرمات السابقة؛ لأَن ارتكاب شيءٍ منها خروج عن طاعة الله تعالى، وعن دينه وشرعه. ولذلك كانت فسقًا. (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ):
المراد باليوم: يوم نزول هذه الآية، وهو عشية عرفة: عام حجة الوداع كما رواه الشيخان عن عمر ﵁.
وقد أَخبر ، عباده المؤمنين، بأَن الكفار قد انقطع رجاؤهم من زوال دين الإِسلام. أو النَّيل منه ومن أَتباعه. فقد بدّل الله المؤمنين من ضَعْفِهِمْ قوةً، ومن خوفهم أَمْنًا، ومن فقرهم غنًى. فوجب عليهم أَلَّا يخشَوْا إِلا الله، وأَلَّا يرهبوا أَحدًا سواه.
стр. 1034
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ):
وقد أَكمل الله الدين لعباده. فبين حلاله وحرامه. فليسوا في حاجة إِلى تحليلٍ أَو تحريم بعد ذلك. وما كان من حكم غير منصوص، جاءَ عن طريق: الإِجماع، أَو القياس - فهو مستمد من الكتاب أَو السنة.
(وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي):
وأَتم الله عليهم نعمة النصر على الأَعداءِ والغلبة عليهم. فأَصبحَتْ لهم اليدُ العليا، ودخلوا مكة ظافرين منتصرين، وأَدَّوُا المناسك آمنين مطمئنين، وهُدِمَت معالمُ الجاهلية، وأُبْطِلت مناسِكُها، وانتَشَر الإِسلامُ في أَرجاء الجزيرة العربية.
(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا):
واختار الله لهم الإِسلام دينا .. فمن طلب الهدى في غيره، فقد ضل سواءَ السبيل، وخسر خسرانا مبينا. (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في اْلآخِرَةِ مِنَ الخَاِسرِينَ) (١).
وبنزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلَامَ دِينًا): عرف رسول الله ﷺ ، أَن رسالته تمت، وأَن أَجله اقترب، وأَنه عما قريب - لاحق بالرفيق الأَعلى.
(فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
هذا الجزءُ من الآية يتصل بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) إِلى قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) وقد توسط قوله تعالى: (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) إِلى هنا؛ لتأْكيد التحريم لما تقدم ذكره، لأَن تحريمَ هذه الخبائث، من جملة الدين الكامل. أَي: ما ذُكِر من المحرماتِ السابقة - محظورٌ تناول أَي شيءٍ منه في حالة الاختيار، ولكن قد يقع الِإنسان في الأَضرار بأَن تصيبَه مخمصة - أَي مجاعة - فتضطرَّهُ إِلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات، إِنقاذًا لحياته، لأَنه لا يجد غيرَها أَمامه. فكان من رحمة الله بعباده أَن رَفَعَ الحرج عن المضطر، إِذا تناول شيئًا من هذه المحرمات، بشرط أَن يكون غير متجانف لإِثم: أَي غير مائل إِلى الإِثم. وذلك بتجاوزه حد الضرورة. ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى: (فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ):
стр. 1035
أَي لا يؤَاخِذ الله من يُضْطَرُّ إِلى ذلك. وهذا من مظاهر رحمته سبحانه.
وقد قررت الآية مبدأَين من مباديء التشريع، بني عليهما كثير من فروع الشريعة؛ أَولهما: أَن الضرورات تبيح المحظورات.
ثانيهما: أَن الضرورة تقدر بقدرها .. وهذا من يُسْرِ الإِسلام وسماحته قال تعالى:
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (١).
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥).
المفردات:
(الطَّيِّبَاتُ): ما طاب من الأَطعمة وحَلَّ.
(الْجَوَارِحِ): واحدها جارحة. وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور.
стр. 1036
(مُكَلِّبِينَ): مبالغين في تدريبها على الصيد. فالمكلِّبُ: مؤَدِّب الجوارح ومدربُها على الصيد.
(الْمُحْصَنَات): العفيفات.
(مُسَافِحِينَ): مجاهرين بالزنى.
(أَخْدَانٍ) جمع خدن. وهو؛ الصديق في السر. يطلق على الذكر والأُنثى. والمراد من قوله: "وَلَا مُتَّخِدِي أَخْدَانٍ": ولا مسِرّين بالزنى مع الصديقات.
(حَبِطَ عَمَلُهُ): بطل ثواب عمله.
التفسير
٤ - (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) الآية.
أَخرج ابن أَبي حاتم عن ابن جبير: أَن السائل: عديُّ بنُ حاتم. وزيُد بن المهلهل الطائيان - وكانا أَهل صيد - قالا: يا رسول الله، إِنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة.
وإِن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباءَ. فمنه ما ندرك ذكاتَهُ. ومنه ما تقتله، فلا ندرك ذكاته. وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت الآية.
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ):
يسأَلك المؤْمنون: ماذا أَحل الله لهم من الطعام؟ فقُلْ لهم يا محمَّد: أَحَلَّ لكم ما تستطيبون أَكلَه وتشتهونه مما حَلَّ لكم ..
ولا شك أَن الأَشياءَ الممنوعة التي ذكرت في الآية السابقة، إِنما هي من المستقذرات التي تعافها النفوس بطبيعتها، ولا تشتهيها إِلا إِذا انحرفت عن طبيعتها وفطرتها.
(وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ):
وأَحل لكم كذلك صيد ما علمتم من الجوارح.
стр. 1037
(مُكَلِّبِينَ):
أَي مبالغين في تعليمها، بحيث تُصبح إِذا أُرسِلت استرسلت. وإِذا زُجرت ازدجرت، وإِذا أَمسكت صيدّا لم تأْكل منه شيئًا. وذلك هو ما عناه الله بقوله سبحانه:
(تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ):
أَي: تعلمونهن بعض ما علمكم الله من الحيل في الصيد.
(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ):
أَي: فكلوا من الصيد الذي أمسكته هذه الجوارح عليكم ومن أَجلكم. بأَن لم تأْكل منه شيئًا.
أَمَّا إذا أَكلت منه فلا تأْكلوه؛ لأَنها أَمسكته لنفسها، بدليل أَنها أَكَلت منه. وذلك ناشيءٌ من أَنها لم يتم تعليمُهَا.
(وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ):
أَي: واذكروا اسم الله على هذه الجوارح التي علمتموها عند إِرسالها.
روى أَصحاب السنن من حديث عدي بن حاتم: أَن النبي ﷺ قال: "إِذا أَرسَلْتَ كلَابَكَ المعلَّمَةَ، وذكرتَ اسمَ اللهِ، فَكُلْ مما أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إِلا أَن يأْكُلَ الكلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، فِإني أَخافُ أَن يَكونَ إِنَّما أمْسَكَ على نَفْسِه".
ولأَجل هذا الحديث الذي شرح المراد من الآية، قال بعض الفقهاءِ: بحرمة الصيد الذي أَكل منه الجارح ولم يدركه الصائد حيا؛ لأَنه أَمسكه على نفسه.
وقال مالك والليث: يُؤْكَلُ وإِن أَكَلَ منه الكلبُ.
وقال أَبو حنيفة وأَصحابه: إِذا أَكل الكلبُ من الصيد فلا يُؤْكلُ منه، ويُؤْكلُ صيدُ البازي وإِن أَكل منه؛ لأَن تأْديب سباع الطير إِلى حد أَلا تأْكل منه متعذر، بخلاف الكلاب فإِنه غير متعذر.
стр. 1038
وإِن أدرك الصائد ما أكل منه السبع حيًّا حياة مستقرة. فذَكَّاه - أي ذبحه - حلَّ أَكلُه اتفاقًا، لقوله تعالى: (وَمَا أكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ).
وإن كانت حياته غير مستقرة وذكاه، فالحكم كذلك عند الجمهور لعموم الآية.
قال أَبو طليحة الأسدي: "سأَلتُ ابنَ عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنيها، ثم انتشر قصبها - أَي أَمعاؤها - فَأَدْرَكْتُ ذكاتَها، فذكّيتُها، فقال: كُلْ، وما انتشر من قصبها فلا تأكل".
قال إسحاق بن راهويه: السُّنة في الشاة، على ما وصف ابن عباس. فإنها - وإن خرجت أَمعاؤُها - فهي حية بعد. وموضع الذكاة منها سالم. وإِنما يُنْظرُ - عند الذبح - أَحية هي أَم ميتة؟ ولا ينظر إِلى ما أصابها: هل تعيش معه أم لا؟
قال ابن إِسحاق: ومن خالف هذا فقد خالف جمهور الصحابة وعامة العلماء.
(وَاذْكُرُوا اسْم اللهِ عَلَيْهِ):
هذا أمرٌ بتسمية الله - تعالى - عند إرسال الكلب والطير على الصيد. فالحكم في التسمية عنده، كالحكم فيها عند الذبح.
وقيل: هو أمر بالتسمية على الصيد عند الأكل منه.
قال الآلوسي: وهو بعيد، وإن استظهره أبو حيان.
واستيفاءُ الأحكام مبسوط في المراجع الفقهية، فليرجع إليه من شاءَ.
(وَاتَّقُوا الله أن اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ):
واتقوا الله - أيها المؤمنون - في هذه الحدود، فلا تتجاوزوا ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم.
إن الله رقيب عليكم، ومحاسبكم على ما قدمتم من أعمال.
стр. 1039
وتذييل الآية، بالأَمر بالتقوى - إِثر بيان حكم الصيد - لِحَثِّ متعاطيه على التقوى، دَفْعًا لِمَظَنَّةِ التهاون والغفلة عن طاعة الله.
واستُدِل بالآية: على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة؛ لأَن التعليم قد يحتاج إِلى ذلك، وعلى إِباحة اتخاذ الكلب للصيد. ومثلة الحراسة، والانتفاع به فيما يحقق المصالح العامة، مثل تعقب اللصوص، وإِنقاذ الغرقى، وقيادة العميان.
٥ - (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ .. ) الآية.
هذا الحكم - فضلا عن أنه تأْكيد لما سبق؛ تمهيد لما سيترتب عليه، في قوله سبحانه:
(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ):
أَي: وطعام أَهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، حلالٌ لكم أَيها المؤمنون، وذلك لمخالطتهم للمسلمين.
والمقصود من الطعام: ما يعم الذبائح، إِذا كانت من الأَنواع التي يُحِلُّها الإِسلام.
(وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ):
أَي: ويحل لكم أَن تطعموهم من طعامكم الذي أَحل الله لكم، كالأَبقار والأَغنام، لأَن الإِسلام لا يرى مجرد المخالفة في الدين، مانعة من المؤَاكلة.
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ):
بعد بيان ما أَحل من الطعام، ذكر الله تعالى حِلَّ المحصناتِ بالزواج، لينهى عن العادة الذميمة وهي السفاح.
والمراد بالمحصنات من المؤْمنات: أَي العفيفات. على ما ذهب إِليه الحسن والشعبي، أَو الحرائر على ما ذهب إِليه مجاهد.
وقال جماعة: هن العفائف والحرائر. وتخصيصهن بالذكر، للحث على ما هو الأَوْلى، لا لحرمة ما عداهنَّ فإِن نكاح الإِماء المسلمات بشروطه - جائز بالاتفاق.
وكذا نكاح غير العفائف منهن.
стр. 1040
وأَما الإِماءُ الكتابيات: فهن كالمسلمات عند أَبي حنيفة.
وفهم أَبو عبيد من تفسير مجاهد للمحصنات بالحرائر أَنه لا يذهب إِلى حِل نكاح إِماءِ أَهل الكتاب لقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) (١).
قال القرطبي: وهذا القول الذي عليه جلةُ العلماءِ. أهـ. من الآلوسي والقرطبي.
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ):
وكذلك أُحِلَّ لكم تزوجُ الحرائِر العفيفاتِ من الكتابيات، مثل العفيفات من المؤمنات.
وهذا من سماحة الإِسلام وعدالته في معاملة أَهل الكتاب.
(إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ):
أَي أعطيتموهن مهورهن. وقيد حلّ المحصناتِ من المؤْمنات ومن أَهل الكتاب بإِتيانهن لتأْكيد وجوبها، لا لتوقف الحِلّ على إِتيانها، فإِن الزواج يحل بالصداق المؤجل، كما يحل إِذا تم بدون مهر، فإِنه ليس من أَركان العقد، ولا من شروط صحته. ولكنه يتقرر فيه - أَي في العقد بغير ذكر المهر - مهر المثل بالوطء؛ لأَن الوطءَ لا يباح بمجرد الإباحة، بل لا بد من العقد؛ لما فيه من حق الله تعالى.
وسمى اللهُ المهور أُجورًا؛ لأَنها عوض عن الاستمتاع بهن، كما قاله ابن عباس وغيره.
وتسمى صداقا؛ لأَنها مشعرة بصدق رغبة باذليها في الزواج، وقد فرضت لذلك إِعزازا للمرأَة وتكريما لها.
وقد أَوجب الله أَن يكون الغرض من الزواج، الإِحصانَ والعفة، فقال تعالى:
(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ):
أَي: أَعفَّاءَ غير مجاهرين بالزنى، ولا مُسِرِّين به، مع الخليلات والصديقات.
وكما أَن هذا هو المطلوب بالنسبة لزواج الرجل، فهو مطلوب بالنسبة لزواج المرأَة.
стр. 1041
والأَخدان: جمع خدن وهو الصديق، ذكرا كان أَم أُنثى.
(وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ):
أَي: من ينكر شرائع الإِيمان وفروعه، وقوانينه وأَحكامه، التي من جملتها: ما بَيَّن هنا من الأَحكام المتعلقة بالحِل والحرمة، ويمتنع عن قبولها، من يفْعل هذا:
(فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ): فقد بطلَ عمله، فلا يُعْتدُّ به، وضلَّ سعيه.
(وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ):
ويكون في الآخرة من الهالكين.
وفي ذلك تعظيم لشأْن ما أَحلَّه الله وما حرَّمه، وتحذيرٌ من المخالفة لشرائع الدين، وتغليظٌ للعقوبة على مَن خالف ذلك.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧).
стр. 1042
المفردات:
(قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاِة): أَردتم القيام إِليها وأَنتم مُحْدِثون.
(المَرَافِقِ): جمع مرفق؛ وهو ما يصل الذراع في العضد.
(الكَعْبَيْنِ): العظمين الناتئين من الجانبين. عند مفصل الساق والقدم.
(الْغَائِطِ) المنخفض الواسع من الأَرض. وهو هنا؛ كناية عن قضاءِ الحاجة.
(لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ): كناية عن الاتصال الجنسي، أَو مطلق المباشرة.
(صَعِيدًا): الصعيد؛ وجه الأَرض البارز.
(طَيِّبًا): طاهرا.
(مِيثَاقَهُ): عهده.
(وَاثَقَكُم بِهِ): عاهدكم به.
التفسير
٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم … ﴾ الآية.
بعد ما بَيَّن الله تعالى، الأَحكامَ المتعلقة بالأَطعمة وغيرها، شرع في بيان أَحكامٍ أُخرى، تتعلق بالعبادات فقال:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ):
يَأَيها الذين آمَنُوا إِذا أَردتم القيام إِلى الصلاة وأَنتم محدثون.
(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ):
فتوضأُوا بغَسل وجوهكم وأَيديكم إِلى المرافق.
(وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ):
(وَأَرْجُلَكُمْ): بالنصب، عطفا على (وُجُوهَكُمْ): داخلا معها في حكم الغسل، فواجب الرجلين هو الغسل عند الأَكثرين؛ ومنهم الصحابة. وفي توسيط مسْح الرأْس بينَ
стр. 1043
الأَعضاء التي تغسل، إِيماءٌ إلى وجوب مراعاة الترتيب. كما ذهب إِليه الشافعية إِذ لو لم يكن الترتيب واجبا، لأتى بالأَعضاء التي تُغْسل متتابعة، وأَخَّر عنها الممسوح.
وقرئ (وَأَرْجُلِكُمْ): بالجر، عطفا على (رُءُوسِكُمْ): ولا يفيد ذلك أَن الواجب في الرجلين هو المسح، بل للإِيذان بأَنه لا ينبغي الإِسراف في غسلهما. والمسح هنا محمول الغسل كما صرح به كثير من أَهل اللغة.
يقال للرجل إِذا توضأَ: تمسح، ويقال مَسَحَ المطرُ الأَرضَ: إِذا غسلها. وقيل المسح على ظاهره. والأرجل معطوفة على المغسولات. كما في قراءَة النصب .. والجرِّ بسبب المجاورة.
ويرى الشيعة الإِمامية: أَن الواجب في الرجلين هو المسح، أَخذًا من قراءَة الجر ..
وأَوجب داود: الجمع بين المسح والغسل فيهما، مراعاة للقراءتين.
والأَرجح: هو رأَي جمهور الفقهاء. وهذا الوضوءُ: شرور من شروط الصلاة على المحدث حدثا أَصغر. فلا تصح الصلاة بدون الوضوء.
روى الشيخان عن عمرو بن عامر الأَنصارى، قال: "سمعتُ أَنَسَ بنَ مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأُ عند كل صلاة. قال: قلتُ: فأَنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوءٍ واحد، ما لم نُحدِثْ".
وروى البخاري عن أَبي هريرة، مرفوعًا: "لا يَقبلُ الله صلاةَ أَحدِكُم إِذا أَحدثَ حتى يتوضأَ".
والمذكور في الآية من فرائض الوضوءِ: غسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح الرأْس، وغسل الرجلين مع الكعبين.
على خلاف بين الأَئمة في المقدار الممسوح من الرأْس.
فيرى الشافعية أَن المراد بمسح الرأْس: البعض ولو شعرة، لأَن الباءَ للتبعيض.
ويرى الحنفية: أَن المراد: ربع الرأْس من أَي جانب ويستدلون بما رواه مسلم عن المغيرة: "أَن النبيَّ ﷺ تَوضأَ فمسحَ بناصيتهِ" فهذا الحديث بيَّن المجملَ في الآية.
стр. 1044
والباءُ عندهم في (بِرُءُوسِكُمْ): للإِلصاق.
ويرى المالكية والحنابلة أن المراد: مسحُ جميع الرأس. والباءُ عندهم في (بِرُءُوسِكُمْ) زائدة، لأَن الفعل "امْسَحُوا" يتعدى بنفسه.
وبهذا المذكور في الآية، اكتفى الأحناف في فرائض الوضوء.
وزاد عليها غيرُهم فرائضَ أخرى، أُخذَت من مفهوم الآية وغيرها - كما هو مبين في كتب الفقه.
(وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَهَّرُوا):
هذا بيان لحكم الحدث الأكبر - بعد بيان حكم الحدث الأَصغر - فإِذا كان الإِنسان جُنُبًا بمخالطةٍ أَو باحتلام أَو غيره، فلابد من أَن يتطهر بالغسل. وهو تعيمم الجسد كله بالماء.
وقد اختلف الأئمة في وجوب النية في الغسل والوضوءِ. كما اختلفوا في وجوب الدَّلْك أو سُنيَّتَّه.
(وَإِن كُنتم مَّرْضَى أَو عَلَى سَفر):
يعني: أَن من لم يستطع منكم استعمالَ الماءِ؛ لمرضٍ، أَو كان - مسافرا ولم يجد الماءَ، أو هو في حاجة إِلى الماء لحفظ حياته.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾:
وقد أَحدثتم حدثا أَصغر أَو أكبر.
(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا):
أَي اقصدوا ترابا طاهرا: فالتيمم: القصد.
(فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكم منْه):
وهو أَن يمسح وجهَه ويَديْهِ: بضربتين يضربهما على الصعيد. إحداهما للوجه، والثانية لليدين، على خلاف بين المذاهب في ذلك.
стр. 1045
ويكفيه هذا التيمم عن كل من الطهارتين أَو مجموعهما، حتى يجد الماءَ أَو يقدر على استعماله بزوال عذره.
وهو تيمم لكل فريضة مع نوافلها، أَو يصلي به ما شاءَ من فرائض ونوافل؟
خلاف بين الفقهاء …
وفي هذا من اليسر والسهولة والسماحة في الدين، وعدم الضيق والحرج - ما يليق بسماحة الإِسلام. ولذا قال تعالى:
(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ):
أَي ما يريد الله أَن يشدد ويضيق عليكم أَيها المؤمنونَ بأَن يكلفَكم بما يشق عليكم، فيما شرعه لكم من الوضوءِ والغسل والتيمم.
(وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ):
ولكن يريد - بما شرعه لكم منها - أَن يطهرَكُم من الأَدناس والأَقذار، والذنوب والأَوزار؛ لأَن الوضوءَ والغسل - كما ينظف الجسم من الأَقذار - يكفر الله تعالى به الذنوبَ والخطايا.
ولأَن التيمم - بالغبار الطاهر النظيف - مَظْهَرٌ للتواضع والخضوع لله.
أَخرج مالك ومسلم وابن جرير، عن أَبي هريرة ﵁، أَن النبي ﷺ قال: "إذا تَوضَّأَ العبدُ المسْلمُ فغَسَلَ وجَهَهُ، خَرَج من وجهِه كل خَطيئةٍ نَظَر إِليْها بِعينيْهِ مع الماءَ، فإِذا غَسلَ يَديْهِ، خَرجَ مِن يديْهِ كُلُّ خَطيئةٍ بطشتْهَا يداهُ مع الماء، فإِذا غَسل رِجليْهِ، خرجَتْ كُل خَطِيئة مَشَتْها رِجْلاهُ مع الماء حَتى يَخْرجَ نقيًّا مِنَ الذنُوبِ".
والتيمم - كالوضوءِ - في هذا الثواب الجزيل.
(وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ):
أَي: وشرع لكم ما سبق من الأَحكام - في الوضوء والغسل والتيمم - ليتم نعمته عليكم.
(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):
ولكى تشكروه دائما على نعمه؛ بطاعتكم إِياه فيما أَمركم به.
стр. 1046
٧ - ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ … ﴾ الآية.
أَمرنا الله بأَن نتذكر نعمته علينا، بهدايته إِيانا إِلى الإيمان، وإِنفاذنا به من الكفر، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وإِنما أَمرنا الله بأَن نتذكر نعمته علينا لنعرف موجِباتِ شكره فنشكره على أَنعمه …
﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾:
أَي: واذكروا ميثاقه وعهده الذي أخذه عليهم بالسمع والطاعة.
والمراد بالميثاق، هو الميثاق الذي أَخذه عليهم، حين بايعهم الرسول ﷺ في العقبة الثانية، سنة ثلاث عشرة من النبوة، على السمع والطاعة، في حال اليسر والعسر، والمنشط والمكره، كما أَخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت.
وإِضافة الميثاق إِليه - تعالى - مع صدوره عن النبي ﷺ لكون المرجع
إِليه .
﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
أَي: واتقوا الله في سركم وعلانيتكم، وفي كل ما تأْتون، وما تَذَرون، فهو ، عليم بذات الصدور: لا تخفى عليه خافية.
والمراد بذات الصدور: النوايا التي اشتملت عليها الصدور والقلوب.
وتخصيص العلم بها، للتحذير من المخالفة في السر، وللإِيذان بعلمه بما عداها بطريق الأَولَى.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
стр. 1047
المفردات:
﴿قَوَّامِينَ﴾: أي قائمين حق القيام.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَحْمِلنَّكم.
﴿شَنَآنُ﴾: بُغض وعداوة.
﴿خَبِيرٌ﴾: عالم بكل الأُمور على وجه الدقة.
التفسير
٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ .... ﴾ الآية.
بعد أن بين الله - في الآيات السابقة - من الشرائع ما يتعلق بالمؤمنين - شرع في بيان الشرائع المتعلقة بما يجرى بينهم وبين غيرهم. فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ﴾:
هذا أمر من الله ، لعباده المؤمنين، بأن يكون دَأبهم - دائِما - القيام لله بحقوقه؛ في أنفسهم بالعمل الصالح، وفي غيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ﴾:
أن يؤدوا الشهادة بالعدل، على وجهها الصحيح، من غير مراعاة لقرابة أو صداقة، ومن غير محاباة أَو مجاملة.
وعقب ذلك بالنهي عن الجَوْر مع مَن يَبغضونهم، فقال:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾:
أي: ولا يحملنكم بُغْض قومٍ أو عداوتهم - على أن تجوروا في حكمكم، أو تُغيّروا في شهادتكم؛ لأن المؤمن يجب أن يكون - دائما - مؤثِرًا للعدل على كل ما عداه، وأَن يجعله فوق شهواته وأَهوائه.
وأكد ذلك بقوله:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾:
أي: أن العدل، هو أقرب الطرق الموصلة إِلى تقوى الله وخشيته، وأَنسبُ الطاعات لها.
стр. 1048
ثمَّ أمر بتقواه - دائما - في جميع الأحوال والأعمال: ظاهرها وباطنها. فقال:
﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾: لأن التقوى ملاك الأمر كله. فليحذر المؤمنون مخالفة أمر الله تعالى، وليتمسكوا بالعدل دائما، ولا يحيدوا عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
إن الله عليم بدقائق أموركم، وسيجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرًّا فشر.
وخَتْمُ الآية بذلك: تحذيرٌ من مخالفة الله، وتنبيهٌ على أنه مطلع على دقائق الأمور.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾.
التفسير
٩ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾:
أي: وعد الله عباده المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان، وظهرت آثاره على وجوههم فعملوا الصالحات في أنفسهم - وفي روابطهم الاجتماعية - بأَن لهم مغفرةً وأجرًا عظيما.
وفي قَرْنِ الإِيمان بالعمل الصالح. دليل على أن العَملَ لا بدَّ مِنهُ، مع التصديق والإذعان؛ ليتحقق وعد الله.
ولما كانت الأمور تتميز بأضدادها، فلذا قَرَن وعْدَ المومنين بوعيد الكافرين فقال:
١٠ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا … ﴾ الآية.
أي: كذبوا بآيات الله المنزلة على رسله، وآياتِه التي أقامها في الأنفس والآفاق، للدلالة على وحدانيته، وكمال قدرته وسائر صفاته.
стр. 1049
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾:
هؤُلاء الكفار المكذبون، سيصلون نارا شديدة التأجج، ملازمة لهم، ملازمة الشيء لصاحبه. وهذا دليل على استحقاقهم لها بأعمالهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.
المفردات:
﴿يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: يبطشوا بكم.
﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: فمنعهم عن إيذائكم.
التفسير
١١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية.
في هذه الآية، تذكير للمؤمنين بنعمة إنجائهم من شر أَعدائهم، بعد تذكيرهم بنعمة إيصال الخير إليهم.
ورد في سبب نزولها - كما في صحيح مسلم وغيره: من حديث جابر - أَن المشركين رَأوْا رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم بعسفان، قد قاموا إلى صلاة الظهر معًا. فلما صلُّوا، ندموا ألاَّ كانوا أكَبُّوا عليهم؟ وهمّوا أن يوقعوا بهم؛ إذا قاموا إلى صلاة العصر بعدها فرد الله - تعالى - كيدهم، بأَن أنزل صلاة الخوف.
وقد يكون هذا عندما همَّ المشركون بقتال المسلمين في عام الحديبية.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾:
المفردات:
(مِيثَاقَ): الميثاق؛ العهد المؤَكد - بين طرفين - في شأن هام.
(نَقِيبًا): النقيب؛ هو كبير القوم، المعْنِيُّ بشأنهم.
﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾: ناصركم ومعينكم.
﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾: آزرتموهم ونصرتموهم.
﴿أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾: أنْفَقتم في سبيل الله نفقة طيبة.
﴿لَعَنَّاهُمْ﴾: اللعن؛ الطرد من الرحمة.
﴿قَاسِيَةً﴾: شديدة غليظة، لا تقبل خيرا.
﴿خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾: خيانةٍ وغدرِ منهم.
التفسير
١٢ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ … ﴾ الآية.
بعد أن أَمر الله بالوفاءِ بالعهد، وذكَّر المؤْمنين بميثاقه الذي واثقهم به على السمع والطاعة - ذَكَرَ بعضَ ما صدر من بني إسرائيل من نقض العهود؛ وما كان من عقاب الله لهم عليها ليتعظ المؤْمنون، ويعملوا على حفظ نعم الله - تعالى - بمراعاة حق الميثاق، وتحذيرهم من نقضه، فقال:
﴿وَلَقَدْ أخذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾:
أَي: لقد أَخذ الله العهد على بني إِسرائيل: أَن يعملوا بما في التوراة، ويقبلوها بجدٍّ ونشاط.
وقد أخذ الله عليهم مواثيق فرعية تتصل بما كلَّفهم الله به. ومنها ما سيأتي في الآية التي معنا.
وقد سبق بيان بعض المواثيق التي أُخذت عليهم؛ في سورتي البقرة، وآل عمران.
فارجعْ إليها وإلى شرحها إن شئت.
﴿وَبَعَثنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾:
وأمر الله موسى ﵇: أَن يختار منهم اثنى عشر رئيسا دينيا، يتولون أُمور الأسباط، ويقومون على رعايتم، ففعل، وبعثهم يتحسسون العدوَّ ليقاتلوه.
стр. 1052
﴿وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾:
بالنصر والتأييد على أَعدائكم. أَو المراد منه: أنه معهم بعلمه: يسمع كلامهم، ويعلَمُ ضمائرهم، وأنه مجازيهم على ما يحدث منهم.
﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: أي أديتموها حق أدائها.
﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾: وأعْطَيتموهَا مستحقيها، من مال طيبٍ، وكَسْبٍ حلال.
﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾: كلهم.
﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾: نصرتموهم وجاهدتم الأعداء معهم.
﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾:
أي: أنفقتم في سيل الله، عن طيب نفس، دون مَنٍّ أو حُبٍّ للفخر والرياء.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: لأمحوَنَّ ذنوبَكم.
﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾:
أي: ولأُدخلنكم - في الآخرة - جناتٍ تجري من تحت أشجارها الأنهار، تَتَنَعَّمُونَ فيها بما أعدَّ لكم من النعيم.
وقد أكد الله - تعالى - وعيدَه بالقَسَم وغيره من التوكيدات؛ ليحملهم على تنفيذ مما عاهدوا الله عليه.
﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾:
أي: فمن كفر منكم - بعد ذلك الوعد بالنصر، وتكفير السيئات، وإدخال الجنات، بأن نقض العهد والميثاق - فقد حادَ عن الصراط السوي: الذي رسمه الله لهم، كي يسيروا عليه.
ولكن بني إسرائيل لم يرفوا يعهدهم، ونقضوا الميثاق، الذي أخذه الله عليهم. فعاقبهم الله تعالى، وفي ذلك يقول سبحانه:
١٣ - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ … ﴾ الآية.
تعرض الآية النتائج المترتبة على موقفهم من الميثاق. فتقول:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾: أي فبحسب نقضهم عهدهم المؤَكد.
стр. 1053
﴿لَعَنَّاهُمْ﴾:
أي طردناهم من رحمتنا، عقوبةً لهم؛ لأنهم قد فسدت فطرتهم.
﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾:
أي: أورثنا قلوبهم الغِلظة والقسوة. فهي لا تلين، ولا تنفذ إليها الحجة، ولا تؤَثر فيها الموعظة.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾:
أي يغيرون كلام الله في التوراة، بالمحو والإِثبات، والزيادة والنقصان، وسوءِ التأويل.
﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾:
أي: وأعرضوا عن بعض ما أمِروا به في التوراة، من إتباع الرسول ﷺ والإِيمان به، وغير ذلك. وإنما قال: يحرّفون، ولم يقل: حَرّفوا؛ للدلالة على أن هذا الخلق طبع فيهم؛ تتجدد آثاره آنًا فآنًا.
ولذا قال الله - تعالى - لنبيه عقب ذلك.
﴿وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾:
أي: إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لليهود. منتقلة فيهم. من الأصول إِلى الفروع.
فلا تزال - أَيها الرسول - تطَّلع من هؤُلاءِ اليهود المعاصرين. على خيانةٍ إثر خيانة. فهم قومٌ لا عهد لهم، ولا وَفَاءَ عندهم.
لقد دمغتهم السماوية بالغدر والخيانة والقسوة. فرماهم نبيهم أَرمياءُ بالكذب والسرقة والزنى والشرك، وأَنهم حوّلوا بيت الله إلى مغارة لصوص (١).
ورماهم السيد المسيح ﵇ بأَنهم مثل القبور المبيضة من الخارج. المليئة بالجيف من الداخل. ووصفهم بأنهم الحيَّات. أَولاد الأفاعي. وأَنهم قَتَلُوا الأَنبياء والحكماءَ، وجعلوا بيت الله مغارة لصوص (٢).
والآيات القرآنية العديدة تؤيد هذه الصفات.
стр. 1054
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾:
وهم من آمنوا بك، واتَّبعوك كعبد الله بن سلام وأمثاله من الذين آمنوا باللهِ ورسوله، فلا تظنن بهم سوءًا، ولا تخف منهم خيانة؛ لأَن الله طهرهم بالإِسلام.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾:
فاعفُ عما فرط بن هؤُلاء اليهود، واصفح عمن أَساءَ منهم وعامِلْهم بالإحسان؛ تأليفًا لهم، فلعل الله أن يهديهم.
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾:
وأنت أَحق الناس بالاتصاف بالإحسان، واتباع ما يحبه الله.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾.
المفردات:
﴿نَصَارَى﴾: جمع نصران، كندمان وندامى، ولم يُستعمل إلا بياء النسب، وقد صارت كلمة "نصراني" لقبًا لكل من اعتنق المسيحية. قيل: لقبوا أَنفسهم بذلك، على معنى أَنهم أنصار الله. وقيل: نسبة إلى الناصرة بلدة بالشام، استَقر بها المسيح، بعد رجوع أمه به من مصر إلى الشام.
﴿حَظًّا﴾: نصيبًا أو مقدارا.
﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾: أَي فأَلقينا بينهم العداوة.
التفسير
١٤ - ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ … ﴾ الآية.
بعد أَن بيَّن اللهُ شرور اليهود وآثامهم، أَتبعه ذكر قبائح النصارى فقال:
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ … ﴾. والضمير في قوله: ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ عائد على النصارى.
стр. 1055
والمعنى: أي وأَخذنا العهد واليثاق على النصارى: بالثبات على الطاعة، وتصديق الرسل واتِّباعهم.
وعبر بقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ بدلا من قوله: (ومن النصارى)، للإيذان بأنهم على دين النصارى بزعمهم، لا حقيقة الواقع؛ لعدم عملهم بموجب دينهم، ومخالفتهم لما في الإنجيل من التوحيد، والتبشير بنبوة محمَّد ﷺ .
وقيل: للإشارة إلى أنهم لقبوا أنفسهم بذلك، على معنى أنهم أنصار الله، مع أنهم لا ينصرون - بكفرهم وسوء أعمالهم - إِلا الشيطان.
﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾:
فسلكوا طريق اليهود في نقض العهد والميثاق، وتركوا نصيبًا وافرًا مما ذكِّروا به في كتابهم، من عقيدة التوحيد، ومن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسم.
﴿فَأَغرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاَء﴾:
فكان جزاؤُهم أن بث الله فيهم العداوة والبغضاءَ، حتى صارت صفة ملازمة لهم.
﴿إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾:
حسبما تقتضيه أَهواؤُهم المختلفة، وعقائدهم المتنافرة.
وقد حدث هذا عبر الأجيال إلى يومنا هذا.
فكل طائفة من طوائفهم: تُكفِّر الأخرى، وتحرم التزاوج منها.
وبالرجوع إِلى التاريخ، تعرف هذه الحقيقة القرآنية الحليلة.
ولا يزالون كذلك إلى يوم القيامة.
﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾:
وسيجازيهم الله - يوم القيامة - بما صنعوا في الدنيا، من نكث العهد، ونقض الميثاق، وتحريفهم الكتاب الذي أُنزل عليهم.