← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وهذا ما حدث له فيهم بعد ذلك: عن القتل والإِجلاءِ، جزاءَ ما صنعوا معه ﷺ ، من نكث العهود والخيانة في أَوقات الشدة. ١٥٤ - ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ … ﴾ الآية. لمَّا جاءَهم موسى بأَلواح التوراة، استثقلوا العمل بما جاءَ فيها من التكاليف، فلم يأُخذوها بعزم وقوة. بل بتثاقل وتراخ وامتناع؛ لأَن قلوبهم لا تزال مشدودة إلى عبادة العجل. فلذا، رفع الله فوقهم الجبل، تهديدا لهم، ليقبلوا العمل بالتوراة، ويأُخذوها بقوة وعزم، ويعطوا الميثاق والعهد على ذلك. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). وهكذا كان شأُن اليهود: عصيانٌ لما يؤْمرون به، وعقابٌ أَو تهديد بعقاب من الله، حتى يستقيموا على العبادة. والمعنى: ورفعنا فوقهم الطور بسبب ميثاقهم ليعطوه، ويتعهدوا بالعمل بالتوراة. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: المراد بالباب؛ باب القرية التي أمروا بدخولها، بعد أَن يخرجوا من التيه. والقائل هو الله على لسان نبي من أَنبياءِ بني إسرائيل وهذا النبي هو موسى ﵇. ويشهد له ما سبقه من الحديث عن إيتاءِ موسى سلطانا مبينا، ومن رَفْع الطور فوقهم، فإن ذلك كان في عهد موسى. والمراد باالسجود، الخضوع أَو الركوع. وقيل: إِن القائل عن الله تعالى، هو النبي يوشع. فإِن الظاهر أَن قوله: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾: أَمرٌ بدخول القرية بعد فتحها. وموسى ﵇ لم يدخل تلك القرية؛ لأَنها فتحت بعد التيه بقيادة يوشع. وموسى ﵇ توفي أَثناء التيه. واختلف في هذا الباب الذي أُمروا أَن يدخلوه سجدا. فقيل: هو باب بيت المقدس.

стр. 982

روى ابن المنذر وغيره، عن قتادة: "كنا نتحدث أَنه باب من أَبواب بيت القدس"، وقيل: باب إيلياء. وقيل: باب أريحاء. وقد أمروا أن يسألوه تعالى أن يحط عنهم ذنوبهم، فيقولوا: "حِطَّةٌ". كما جاءَ في قوله تعالى ﴿ .... وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ … ﴾ (١). ولكنهم لما دخلوا منتصرين، تنكروا لما أمرهم الله به من الخضوع والخشوع لله سبحانه. بل سخروا بالخشوع والاستغفار واستبدلوا بهما عملا ماجنا، وقولا هازئا. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه رسلم قال: "قِيلَ لِبَني إسْرَائِيلَ ادْخُلوا الْبَابَ سجَّدًا وَقُولُوا حِطَّة، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِم فَبَدَّلُوا، وَقَالُوا: حِنْطَة؛ حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ" (٢). وفي ذلك يقول الله تعالى: "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأنزَلْنَا عَلَى اَلذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا منَ السَّماَءِ بِهَ كَانُوا يَفْسُقُونَ" (٣). ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا في السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: نهاهم الله عن العدوان في يوم السبت: بفعل ما حرم عليهم فيه من صيد الحيتان وغيره، وأخَذَ عليهم بذلك ميثاقا غليظا - أَي عهدا مؤَكَّدا -. ويجوز أن يكون المراد بالميثاق الغلِيظ هنا؛ هو ما أخذه الله منهم بعد رفع الجبل فوقهم كأَنه ظلة، تهديدا لهم. فقد أَعطوْا موسى ﵇ عهدا بالعمل بالتوراة، تحت تأثير هذا التهديد.

стр. 983

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾. المفردات: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾: أي فبسبب نقضهم ومخالفتهم للعهد الوثيق المؤكد. و (مَا) في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾: لتوكيد هذا النقض، فإنها كثيرا ما توصل بالكلام لهذا الغرض كقوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ منَ اللَهِ لِنتَ لَهُمْ": أي فبرحمة مؤَكدة من الله كنت لينا معهم. ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: أي مغلفة ومغطاة بأَغشية تمنعها من قبول ما جاءَ به الرسول. وغلف: جمع أغلف. وهو: مما له غلاف. ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾: أي تخلى عن هدايتها بسبب إصرارهم على الكفر. ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: كذبا فظيعا؛ يبهت من يقال فيه، ويدهشه، ويحيره. التفسير ١٥٥ - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ … ﴾ الآية. ختم الله الآية السابقة بقوله.: ﴿وَأخَذْنَا مِنْهُم ميثَاقًا غَلِيظًا﴾ وجاءَت هذه الآية بعدها

стр. 984

تطوى تحت إِيجازها: أنهم نقضوا هذا الميثاق، وأنهم عوقبوا بسبب هذا النقض (١). والإِيجاز مقصد من مقاصد البلاغة. والمعنى: فَنَقَضَ بنو إِسرائيل الميثاق الغليظ الذي أخذناه عليهم، فبسبب هذا النقض، لعَنَّاهم وعاقبناهم، كما لعناهم وعاقبناهم بسبب كفرهم بآيات الله الكونية العجيبة، التي أَجراها لله على يد موسى، إذ عبدوا العجل بعدها، وقالوا: ﴿أَرِنَا الله جَهرَةً﴾. وكذلك آيات التوراة، فقد أَخفوا ما جاءَ فيها من بشارات عن النبي محمَّد ﷺ ، أَو أَساءُوا تَأَويلها؛ ليبرروا كفرهم به. وكما لعنَّاهم بذلك، لعناهم بقتلهم أَنبياءهم بغْيًا وحسدًا، دون شائبة من الحق، كما فعلوا بيحيى وزكريا وشعيب وغيرهم ﵈ ولعناهم وعاقبناهم بقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. والمقصود من قولهم: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أَنها محجوبة ومغلفة بغلاف من الصدود والرفض لدعوتك يا محمَّد، فلن تصل إليها براهينك، فلا تُتعبِ نفسك معنا. ويجوز أن يكون المراد: أَن قلوبهم أَوعية للعلم وأَغلفة له، فليسوا بحاجة إلى علم جديد، وهذا الأخير مبني على أن غُلْف - بسكون اللام - مخفف غُلُف - بضمها - جمع غلاف. وكلا المعنيين قبيح بهم، فالصد عن الحق، والإِعراض عنه، لا يجوز ممن يدَّعون العلم، ويتعالون به على الناس، فهم أَولى بالأَخذ به من الجهلاءِ. ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾: هذا رد من الله لا أَرادوه من قولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أَي ليست قلوبهم مليئة بالعلم كما زعموا. وليس فيما جاءَ به محمَّد ما يصرفهم عن قبوله. فهو الحق الذي ينفذ إِلى

стр. 985

شغاف القلوب، ولكن الأَمر أَن الله طبع على قلوبهم وحجبها عنه؛ بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي. (فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلاً): أي فلا يؤْمنون إلا إيمانا قليلًا، ليس له وزن عند الله، لفقدانه العناصر الضرُورية لصحته. فهو والعدم سواء. ١٥٦ - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: هاتان سيئتان من سيئاتهم المنكرة، معطوفتان على ما تقدم منها، من سيئات، مثل نقض الميثاق والكفر بآيات الله .. إلخ. داخلة جميعها في حيز السببية لِلَعْن الله لهم، وعقابه إِياهم، كباقي سيئاتهم التي ستأْتي بعد. والمعنى: فبسبب نقضهم ميثاقهم وما تلاه من قبائحهم، وبكفرهم بعيسى ﵇، ورميهم أُمه مريم الطاهرة بالزنى، لعنَّاهم وطردناهم عن رحمتنا، فإِنها ﵍ وإن حملت وهي غير متزوجة، فقد برَّأَها الله من السِّفَاح، على لسان وليدها الذي أنطقه الله عقب الوضع، فَبرَّأَ والدته، وأخبرهم أَنه عبد الله، وأَنه آتاه الكتاب وجعله نبيا .. إلخ. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾. المفردات: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾: أَي أَلقى شبهه على غيره لينجو من القتل فاشتبه عليهم. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾: أي لفي حيرة وتردد، وليس إلى الجزم - بأَنه عيسى - من سبيل.

стр. 986

التفسير ١٥٧ - (قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ … ) الآية. أي ولُعِنوا بقولهم - على سبيل الفخر - إِنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم، فنسبوه إلى أُمه تهكما به، وغمزًا له ولأُمه - بما هو معروف من رأْيهم فيهما إلى يومنا هذا - مع أَن عيسى برَّأها أَمامهم في مهده، وقال لهم: " … إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نبيا" (١) وكفى بذلك آية على طهرها … فإن الطفل لا يتكلم - في مهده - إلا بباعث من الله، وإِذن منه. وكلمة (رَسُولَ اللهِ): إن كانت من قول اليهود، فهي من باب التهكم بدعواه أَنه رسول الله، كما قال المشركون في حق رسولنا ﷺ : " … يَأ أيهَا الَّذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الِذّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ" (٢). فكأنهم يقولون: إِنا قتلنا المسيح الذي يزعم أنه رسول الله. ولو كان كذلك، لما استطعنا قتله. وأَما إِن كانت من قول الله تعالى وليست من قولهم، فهي استئناف من الله تعالى أريد به مدح عيسى ﵇، ورفعُ منزلته، وإظهارُ غاية جراءَتهم عليه، ووقاحتهم في شأنه، إِذ تصَدَّوْا لقتله وهو رسول الله. ولقد كذبهم الله في دعواهم قتله وصلبه، فقال: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ): وذلك أنهم تآمروا على قتله، مع الحاكم الروماني الذي كان يحكم بيت المقدس، بعد أن أفهموه أن دعوته خطر على الحكم الروماني وعلى الشعب، فإنه سيجمع الأمة على رفع سلطتهم عن الأرض المقدسة وإِجلائهم عنها. فظاهَرَهُم على قتله، واتخذوا من أَحد حوارييه جاسوسا عليه، يرصد حركاته وتنقلاته ويخبرهم بها، وكان اسمه يهوذا الإسخريوطي. وقد جعلوا له - في مقابل ذلك - ثلاثين درهما.

стр. 987

وفي يوم عيد لهم، كان السيد المسيح ضيفا مع حوارييه عند بعض اتباعه، وكان يهوذا معهم، فأخبرهم - السيد المسيح - أَن أَحدهم سيسلمه إلى الأعداء. فقال يهوذا: هُوَ ذَا أنا يا معلم؟ قال: أنت قلت .. وفي اليوم التالي جاءت قوة من الرومان يتقدمهم يهوذا، ودخلوا عليه حيث يوجد في دار مضيفه، فألقى الله شبهه على يهوذا، ورفع عيسى إِليه، فقبضوا على يهوذا ليصلبوه ويقتلوه، فقال لهم: أنا يهوذا. فقالوا: بل أنت عيسى، فإن كنت يهوذا كما تدعى فأين عيسى؟ فقال لهم هذا الشبيه: إِن كنت أنا عيسى - كما قلتم - فأين يهوذا؟ فلم يأبهوا لجداله، وأَخذوه وصلبوه. هذه هي إحدى الروايات التي ذكرت في الرجل الذي ألقى الله شبه عيسى عليه فقتلوه مكانه (١) … وهناك روايات أخرى لا نرى داعيا لذكرها. ونقول: إن القرآن الكريم، أمسك عن ذكر اسم مَن أَلقى الله عليه شبهَ عيسى فقتل مكانه، واكتفى بنفي قتلهم وصلبهم لعيسى وأَنه شُبِّهَ لهم. وهذا هو القدر الذي يتحتم القطع به. أما مَا سواه، فيحتمل الصدق والكذب. والله تعالى أَعلم. (وَإنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ): لما قتل الرومان واليهود هذا الشبيه الذي جعله اللهُ فداءً لعيسى، اختَلَفَ الناسُ في شأنه. فمن قائل: إنه هو المسيح وكان كاذبا فقتلناه. وقال آخرون: إِن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأَين عيسى؟ وقال غيرهم: لا نظن أَنهم قتلوه، فالوجه وجه عيسى والجسد لغيره. وبالجملة: فإن أمارات القطع - بأَنه هو أَو غيره - لم تكن متوفرة لديهم. فلذلك شَكُّوا، واختلفت أَقوالهم في شأنه.

стр. 988

ومن عجيب أن تنص أَناجيل المسيحيين، على أَن المسيح أخبر حوارييه أنهم جميعًا سيشكون فيه ليلة الصلب (١) فكيف ساغ لهم القطع بقتله وصلبه، حتى أَلزموا أنفسهم تأْويلات سخيفةً، ناشئة عن اعتقادهم أُلوهيته وصلبه، إِذْ زعموا أَنه صُلِب ليفتديَ أهلَ الخطايا جميعًا!!. وهذا زعم لا يقبله عاقل. فإنه إِن كان إلها، أَو ابن الله كما زعموا: يستطيع أَن يغفر لمن شاءَ، وَألَّا يُحَكِّم في جسده أَسلحة أَعدائه، كما أَنه - باستسلامه لهم - تسبب في زيادة خطاياهم بقتله، وهذا عكس المقصود!! (مَا لَهُم بِهِ مِنْ علم الَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ): بعد أَن أثبت الله شك المختلفين في أمره، وأنهم لا ينزعون - فيما قالوه في شأنه - عن يقين، بل عن حيرة وتردد في أمره، أَكد ذلك بقوله: (مَا لَهم بهِ مِنْ عِلْم) أي ليس لهم بما قالوه في قتل عيسى علمٌ ناشيءٌ عن أدلة يقينية: (إلاَّ اتِّبَاعَ الظّنَّ) أي لكنهم يتبعون - فيما قالوه - الظن والتخمين. (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا): هذا تأكيد ثانٍ. أي وما قَتَلَ اليهودُ والرومانُ عيسى قتلا يقينا. ١٥٨ - (بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ): أَي: بل رفعه الله إِلى موضع؛ تولى الله فيه حفظه وحمايته، حتى لا يجريَ فيه حكم أعدائه. (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا): أَي وكان الله - ولم يزل - غالبا لا يعجزه شيء، حكيما فيما يصنع؛ فلذلك نَجّى عيسى مِن أَعدائه، ولم يمكِّن من جسده الشريف خصومَ الحق.

стр. 989

(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) التفسير ١٥٩ - (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ … ) الآية. أَي وما من أَحد من أَهل الكتاب، إِلا ليؤْمنن بعيسى قبل موته، والضمير في (مَوْتِهِ) راجع إِلى عيسى ﵇ كما جنح إِليه بعض المفسرين. ومعنى ذلك: أَن عيسى حين ينزل - آخر الزمان - يجتمع الناس على الإِيمان بأَنه رسول الله، فلا يعود اليهود إلى تكذيبه، ولا النصارى إِلى ادعاءِ أُلوهيته، أَو بنوته لله تعالى. وبذلك يؤمنون به جميعًا قبل أَن يموت. وتصبح الأَديان كلها دينًا واحدا، هو دين الإِسلام، الذي جاءَ به محمد ﷺ .. ليكون خاتمَة الأَديان باقيا إِلى آخر الزمان. وحجة مَن قال برجوع الضمير في كلمة: (قَبْلَ مَوْتِهِ) إِلى عيسى: إِن هذا هو ظاهر النص القرآني. وظاهر ما جاءَ في السنة الصحيحة. فقد أَخرج البخاري في كتاب: الأَنبياء، عن أَبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنّ أَن يَنزِلَ فيكُم ابْنُ مَرْيمَ حكَمًا عَدْلًا، فَيكْسرَ الصِّليبَ، ويقْتُلَ الخِنزِيرَ، ويضعَ الجِزْيَةَ (١)، ويفيضَ المالُ حتى لا يقبَلهُ أَحَدٌ، حتى

стр. 990

تكونَ السَّجدةُ الواحِدَةُ خَيْرا مِنَ الدُّنيَا وما فِيهَا … " ثم يقول أَبو هريرة واقرءُوا إِن شئتم: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا). هكذا رواه مسلم، عن أَبى هريرة، وزاد: أَنه (يَقْتُلُ الدَّجَّالَ). والدليل على أَنه يحكم بشريعة الإِسلام، ما رواه البخارى، عن نافع - مولى أَبي قتادة الأَنصارى - أَن أَبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كَيْفَ أَنتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكمُ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ، وإِمامُكم مِنْكُم … " إِلخ! وفي رواية لأَحمد مع زيادات. ورأَى بعض المفسرين: أَن ضمير (قَبْلَ مَوْتِهِ) يعود على (أَحَد) مقدر، أَي وما أَحد من أَهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى، قبل موت هذا الأَحد. وحاصل المعنى على هذا: أَن كل يهودي ونصراني - وهو يحتضر - يؤمن بعيسى قبل أَن تزهق روحُهُ، فيعتقد أَنه - أَي عيسى - عبدُ الله ورسوله، لأَن حقائق الحق تنكشف للمحتضر؛ ولكن هذا الإِيمان لا ينفعه، لأَنه حدث في وقت انقطع فيه عنه التكليف، لأَن وقت الغرغرة من عالم الآخرة. ويؤيد هذا الرأْي قراءة أُبَيّ: (لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ) بضم النون، وصيغة الجمع. وقد جنح إِلى هذا الرأْي، ابن عباس، كما نقله عنه ابن المنذر وغيره. والإِخبار بحالتهم هذه وعيدٌ لهم، وتحريض على المسارعة إِلى الإِيمان بعيسى ﵇ قبل أَن يُضطَرُّوا إِليه - عند الموت - مع عدم فائدته. (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا): أَي ويوم القيامة يكون عيسى على أَهل الكتاب شهيدا، فيشهد على اليهود؛ بتكذيبهم إِياه، وعلى النصارى بقولهم فيه: إِنه ابن الله.

стр. 991

(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١). المفردات: (الَّذِينَ هَادُوا): هم اليهود. هادوا: أَي تابوا من عبادة العجل. (أَعْتَدْنَا): أَعددنا لهم قبل قدومهم. التفسير ١٦٠ - (فَبِظُلْم مِّنَ الّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ … ) الآية الحديث لا يزال موصولا في شأْن أَهل الكتاب. والمعنى: فبسبب ظلم عظيم من الذين هادوا -أَي تابوا من عبادة العجل- حرمنا ما كان حلالًا لهم من الطيبات، ولم نحرمه ابتداءً بغير ذنب منهم، كما يزعمون، وذلك أَن الطيبات كانت حلالًا لهم، منذ بدءِ تكليفهم بشريعة موسى، كما كانت حلالًا لهم قبل أَن تنزل التوراة، منذ عهد إِسحق الذي اشتهر بإِسرائيل. ولكن هؤلاءِ اليهود كانوا كثيري الآثام وكبائر الذنوب فلذا عاقبهم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة من كبائرهم، حرَّم الله عليهم نوعا من الطيبات التي كانت حلالًا لهم ولمن سبقهم. جزاء على ما ارتكبوا. ولما أَنزل الله هذه الآية الكريمة التي تدمغهم بالجريمة والعقاب، تبجحوا وافتروا على الله تعالى فقالوا: لسنا بأَوَّل مَن حُرِّمت عليه تلك الأَطعمة. وإنما كانت محرمةً على

стр. 992

نوح، وإِبراهيم ﵉ وعلى من بعدهما، حتى انتهى الأمر إِلينا. وادعوا أَن ذلك ثابت في التوراة. فأنزل الله -في سورة آل عمران- تبكيتا لهم وتحدّيا، قوله تعالى: "كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (١) وقد مضى الكلام عن ذلك في تلك السورة. والمراد بالطيبات: ما طاب ولذَّ لآكله. وسيأْتي الحديث عما حرم عليهم بظلمهم عند الكلام على قوله تعالى: "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ … " ١٤٦ من سورة الأنعام. (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا): أَي وحرمنا عليهم الطيبات - أَيضا. بسبب صدهم ومنعهم الناس منعا كثيرا عن طاعة الله، التي هي السبيل الموصلة إِلى مرضاته. ١٦١ - (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ … ) الآية. أَي وحرمنا عليهم الطيبات - أَيضا - بسبب أَخذهم الربا في أَموالهم التي يقرضونها غيرهم، وفي أَخذهم أَموال الناس بغير حق. وكل ذلك كان محرما عليهم في التوراة الأَصيلة التي أَنزل الله على موسى، ولكنهم ابتدعوا حِلَّ ذلك بالنسبة لغير اليهود، فقد أَباح لهم تلمودهم (٢) أَموال غيرهم يأْخذونها بأَي طريق، كما أَباح لهم سفر الخروج (٣) أَن يأخذوا أَموال المصريين وأَمتعتهم وحليّهم وهم خارجون من مصر، وكل ذلك مدخول على ما شرعه الله في التوراة، وباطل لا يشرعه الله.

стр. 993

وقد ابتدع هذا الشعب النَّهِمُ الذي لا يشبع، ما لا يعرفه الناس من الوسائل الظالمة، لابتزاز أموال الناس بالباطل، حتى أثْرَوْا إثراءً فاحشا، وتحكموا في كل مصادر ثروات الناس، وأَجهزتهم الإِعلامية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية. وأَصبح واجبا على المجتمع الدولي أن يأخذ على أَيديهم قبل أَن تحل الكارثة التي يبيِّتونها للبشرية. (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا): أي وأعدَدْنَا - في الآخرة - للكافرين منهم خاصة، عذابا شديد الإِيلام. وقد استفيد مما تقدم: أن العقوبات الدنيوية، يقع أَثرها على الكافر والمؤمن والعاصي والطائع. وهي للعصاة عقاب، وللمطيعين ابتلاءٌ. وفي ذلك يقول الله تعالى: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّة … " (١). أَما العقوبات في الآخرة، فإِنها تختص بالعصاة والكفار. ولذا قال تعالى في عقوبة الآخرة: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اليمًا): فخص الكافرين بالعذاب، وقال في عقوبة الدنيا: (فبظُلْم مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أحِلَّتْ لَهُمْ). فعمَّ جميع اليهود بتحريم الواد من الطيبات. ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾.

стр. 994

المفردات: (الراسِخُونَ في العِلْمِ): الثابتون فيه. التفسير ١٦٢ - (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ (١) في الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ … ): بعد أَن حكى الله مخازيَ اليهود في عقائدهم وأَعمالهم، وذكرَ ما أَعد لهم من العذاب العظيم، استثنى طائفة منهم عرفوا الحق فآمنوا به، وأَثنى عليهم بما هم أهله، ووعدهم بالثواب العظيم. وهم طائفة الراسخين في العلم. سبب النزول: أَخرج البيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس ﵄: أَن هذه الآية نزلت فيمن آمَنَ مِنْ أَحبار أَهل الكتاب، إِيمانا صادقًا: كعبد الله بن سلام، وأَسد بن عبيد، وثعلبة بن سَعْيَةَ وأُسَيْد بن سَعْية وغيرهم. وهذا هو المشهور عن كثير من المفسرين، كما ذكره محمَّد بن إسحاق. المعنى: لقد كفر عامة اليهود بما أُنزل إليك لجهلهم وعنادهم، لكِنِ الثابتون في العلم منهم، والصادقون في الإيمان بكتابهم، كعبد الله بن سلام - وغيره من علمائِهم، يؤْمنونِ بما أُنزِل إليك من القرآن، وبما أُنزِل مِن قبلك من الكتب التي جاءَ بها الأنبياءُ والمرسلون وليسوا متعصبين لدينهم بالباطل، كسائر بني قومهم. (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ (٢) وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ):

стр. 995

هذه بقية أَوصاف المؤْمنين من علماء أَهل الكتاب. وُصِفُوا - أَولاً - بكونهم راسخين في علم الكتاب، ثابتين فيه: لا يعترضهم شك، ولا تُزَلْزِلُهُم شبهة، ولا يصرفهم عن الحق جهل أَو عناد. ووصفوا - ثانيا - بأَنهم يؤْمنون بما أُنزل إليك من القرآن، وما أُنزِل إِلى المرسلين قبلك من سائر الكتب، فإن رسوخهم في العلم، يدعوهم إلى ذلك، وإلى ما يليه من الصفات المحمودة بخلاف بني قومهم الذين كانوا كريشة في جو الضلال: تقلِّبهم الشكوك والأَوهام كيف مَرت بهم. ثم وصفوا؛ بأَنهم يقيمون الصلاة، ويؤَدونها حق أَدائها في أَوقاتها، بسبب عمق إيمانهم. ثم وصفوا؛ بأَنهم يعطون الزكاة لمستحقيها؛ لرقة قلوبهم، وصفاءِ نفوسهم. ثم وصفوا بأَنهم يؤْمنون بالله الذي هو مبديء الكائنات ومعيدها، ويؤْمنون باليوم الآخر. الذي يُبعثون فيه، ويعادون للحساب والجزاءِ. وبهذا، حققوا الإِيمان بطرفيه، الإِيمان بالمبدإِ، والإِيمان بالميعاد. وفي وصفهم بالإِيمان بالله واليوم الآخر، تعريض بأَن مَن عداهم من أهل الكتاب، ليسوا مؤمنين بهما حقيقة، لأَنهم مزجوا الإِيمان بالله بالتجسيد، وادّعَوْا أَن النار لن تمسَّهم إِلا أَياما معدودة. وبعض فرقهم ينكرون البعث بعد الموت، وهم فرقة الصدوقيين. ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: أَي: أُولئك العلماء الراسخون في العلم من أَهل الكتاب، الذين حفزهم رسوخهم في العلم على الإيمان بما أُنزل إِليك، وما أُنزل إِلى سائر المرسلين، وحفزهم أَيضا على إِقامة

стр. 996

الصلاة، وإِيتاءِ الزكاة، والإِيمان بالله، واليوم الآخر - هؤلاءِ العلماءُ - سنؤتيهم في الآخرة أَجرا عظيما، بخلاف من عداهم ممن أَصروا على الكفر، واستحقوا أَن يُعِدَّ الله لهم عذابا عظيما. ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾. المفردات: (الأَسْبَاطِ): جمع سبط وهو الحفيد. والمراد بهم: حفدة يعقوب ﵇ أَو أَبناؤه الاثنا عشر وذراريهم. فإِنهم حفدة إبراهيم وإسحق. وقيل: الأَسباط - في ولد إِسحاق: كالقبائل في العرب: ولد إِسماعيل. وقد بعث منهم عدة رسل. فالمراد أَوحينا إِلى الأَنبياءِ منهم، إِذ ليسوا جميعًا أَنبياءَ. (زَبُورًا): أَي مكتوبا. وهو الكتاب المنزل على داود ﵇. ويسمى: المزامير، في العهد القديم. (حُجَّةٌ): معذرة يعتذر بها.

стр. 997

التفسير ١٦٣ - ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ … ) الآية. أَجاب الله - سبحانه - عن جهالة من جهالات اليهود، حين طلبوا من محمَّد ﷺ أَن ينزِّل عليهم كتابا من السماءِ، جملة واحدة، كما أُنزِل على موسى بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أَي إِنا أَنزلنا إِليك - يا محمَّد - من المعجزات، ما يكفي لإِثبات نبوتك وصدق رسالتك والإِيمان بك، إِنزالًا مشابها لإنزالنا على السابقين من رسلنا في التحقق والثبوت، وفي أَن كل رسول جاءَ بالمعجزة المناسبة لزمانه وقومه. فلم تتحد معجزات السابقين من المرسلين في نوعها، ولا في كيفية إِنزالها. فمن المبالغة في التعنت والإِبعاد في الضلال، أَن يطلبَ غلاةُ اليهود منك ما طلبوا - مع إِقرارهم بنبوة هؤلاء الأَنبياءِ المذكورين وغيرهم - مع اختلاف معجزة كل منهم: في نوعها، وكيفية إِنزالها. ولم يكن ذلك قادحا في نبوتهم، ولا مانعا لليهود من الاعتراف بهم، فكذلك لا يقدح في نبوتك إِنزال القرآن عليك منجما. ولكن لا غرابة أَن يسأَلوا محمدا ذلك، فقد سأل أَسلافهم موسى أَكثر من ذلك، وهو أَن يُرِيَهُم الله جهرة. وبديء بذكر نوح ﵇ لأَنه الأَب الثاني لبني البشر - إِذ قام عمرانُ الأَرض بعد الطوفان على ذريته، وما حمله معه في السفينة، وَلِيُذَكِّرَ محمدا ﷺ بقوة احتماله، وعظم صبره. فقد صبر على أَذى قومه أَلف سنة إِلا خمسين عاما. فهو خير أُسوة له ﷺ في الصبر على الأذى، ولينذر بالهلاك الذين كفروا بمحمد ﷺ كما أَهلك قومَ نوح من قبل، بسبب رفضهم دعوته، فقد أهلك الله - بدعائه - كل من كان على ظهر الأَرض من الكافرين. ثم جاءَ ذكر النبيين من بعد نوح جملة، ليعم كل نبيٍّ أُوحِيَ إِليه. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾:

стр. 998

خصَّ هؤلاء النبيين بالذكر بعد التعميم؛ لشهرتهم، وللتنويه بفضلهم، وعلوَّ قدرهم، وزيادة في تقريع اليهود؛ إِذ كانوا من أَتباع هؤلاءِ الأَنبياء. وأَول في ذكر بخصوصه إِبراهيم ﵇ فقد كان لقبه: (أَبو الأَنبياء). قال الزبير بن بكار: "كل في ذكر في القرآن فهو من ولد إِبراهيم، غير إدريس ونوح وهود ولوط وصالح". والثاني: إسماعيل بن إبراهيم. والثالث: إسحاق بن إِبراهيم. والرابع: يعقوب ابن إِسحاق. كما خص جماعة سماهم القرآن الكريم - الأَسباط: وهم أَولاد يعقوب، على ما هو المشهور عند العلماء. ثم إِن العلماءَ لم يجمعوا على نبوة أَحد من هؤلاء الأَسباط إلا على نبوة يوسف ﵇ ورسالته. وذكر سادسًا: عيسى بن مريم، وسابعا: أَيوب. وثامنا: يونس. وتاسعا: هارون. وعاشرا: سليمان. وحادي عشر: داود. وسمى كتابه: زبورا. وأُسند الإِتيان إِلى ضمير ذاته العلية، وخص في: ﴿وَآتَيْنَا﴾: إِشعارًا بعظمته وعظمة ما فيه، لأَن كل ما فيه تسبيح وتقديس، وحكم ومواعظ. وكما تفيد الآية: الردَّ صراحة على منكري نبوة محمَّد ﷺ ، ترد أَيضا - على الذين يطعنونها بشبهات وأَباطيل. وقد كان ذلك كثيرا زمن حياته ﷺ وما زال كذلك كثيرًا إِلى اليوم، حتى جرف ذلك التيار بعض ضعاف العقيدة، ممن ينتسبون إلى الإِسلام بالاسم فقط.

стр. 999

١٦٤ - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ … ﴾ الآية. أَي: وأَرسلنا رسلا قد سميناهم لك في القرآن، وعرفناك أَخبارهم، ومَن بعثوا إليهم من الأُمم، وذكرنا لك ما وقع بينهم وبين أَقوامهم، من قبل نزول هذه الآيات مثل: صالح، وهود، ولوط وغيرهم من المرسلين. ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾: أَي وأَرسلنا كذلك رسلاً كثيرين لم نذكر لك قصصهم في القرآن، وَلَم نوحِ إليك بهم في غير القرآن، ولم يقدح في نبوتهم عدم إِنزالِ كتاب من السماء جملة واحدة، أَو كتاب موجه إِلى زعماءِ أَقوامهم يشهد بصدقهم فيما بلغوه إِلى أُممهم، كما طلب المتعنتون ذلك منا يا محمَّد. ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: أَي وكلم الله موسى - بدون وساطة الروح الأَمين جبريل - تكريما له ﵇. والتكلم - بغير واسطة - أَعلى مراتب الوحى. خص به موسى من بين سائر الأَنبياء غير محمَّد صلى الله وعليه وسلم، ولم يكن تخصيصه بذلك قادحا في نبوَّتهم، فكيف يتوهم أَن يكون نزول التوراة عليه جملة واحدة قادحا في نبوة محمَّد ﷺ بسبب نزول القرآن عليه مفصلا ومفرقا حسب الوقائع، مع أَنه أُنزل مفرقا لحكم اقتضت ذلك. أَظهرها التدرج بالمرسل إليهم، وعدم الإِثقال عليهم حتى لا يملوا! والعرب تسمى الكلام الذي يصل من متكلم إلى إِنسان ما، مباشرة، أَو بواسطة مبلِّغ، أَو بأَي طريق تسميه: كلاما، إِذا لم يؤكد بالمصدر، فإِذا أُكد بالمصدر، لم يكن المراد إِلا حقيقة الكلام المباشر، بدون واسطة مبلغ أَو غيره. كما في الآية الكريمة، لأَن قوله تعالى: (تَكْلِيمًا) مصدر مؤكد لقوله تعالى: (وَكَلَّمَ). ومما تجدر الإِشارة إِليه: أَن الله كلَّم محمَّد ﷺ بدون وساطة جبريل ليله الإِسراءِ والمعراج (١)، كما فضَّله على سواه: بأَن أَعطاه مثل ما أَعطى سائر الأَنبياء

стр. 1000

١٦٥ - ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ … ﴾ الآية. المقصود من هذه الآية: بيان مهمة الرسل الذين ذكرهم الله لرسوله في القرآن، والذين لم يذكرهم له. والمعنى: وأَرسلنا هؤُلاءِ الرسل الذين ذكرناهم لك - يا محمَّد - في القرآن، والذين لم نذكرهم لك؛ لبشارة المؤْمنين بالثواب، وتخويف من كذَّب وكفر بالعقاب. ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾: أَي: لكي تنقطع المعذرة، ولا يقول الناس: ﴿ … مَا جَآءَناَ مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ … ﴾ (١). وما أَرسلتَ إِلينا رسولًا ينبهنا ويعلمنا من شرائعك ما لم نكن نعلم؛ لقصور قدرتنا عن إِدراك الصالح وعجزنا عن فهم الخير، فلذلك زلت أَقدامنا، ووقعنا في الضلال البعيد … يوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣). وقد أَنعم الله على الإِنسان بنعمة العقل، وأَبدع الكون ونظمه حتى صار - بعجائبه ودقة نظامه - شاهدا للعاقل على وجوده وتفرده وقدرته، دون حاجة إِلى صياغة المقدمات، وترتيب النتائج. ومع ذلك، فقد اقتضت رحمته بعباده أَن يرسل الرسل، ضمانا لهداية الله الناس؛ لأَن العقل قد يعجز عن إِدراك حقائق الاُمور ونتائجها. والرسل عليهم الصلاة والسلام - إِنما جاءُوا لينبهوا إلى النظر في عجائب الكون وما فيه من دلائل ويُبَيِّنُوها، وهم الذين يبلغون رسالات ربهم إلى الناس، ويبينون لهم أَحكامه، وشرائعه.

стр. 1001

وفي قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ … ) الآية، جواب أَيضًا عن شبهة اليهود المتقدم بيانها. وخلاصة هذا الجواب: أَن المقصود من إِرسال الرسل وإِنزال الكتب، هو الإعذار والإِنذار، وهذا المقصود متحقق، سواءٌ أَنَزَل الكتابُ دفعة واحدة، أَم نزَل منجمًا ومفرقًا، على حسب الوقائع، فكان اقتراح اليهود أَن ينزل الله عليهم الكتاب جملة واحدة، اقتراحًا غير سديد. (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حكِيمًا): أَي: (وَكاَنَ الله) - ولم يزل - (عَزِيزًا) لا يغالَب، ولا يُغْلب فيما يريد، ومِن تمام عزته؛ أَلا يجيب المتعنت ولا ينزل على إِرادته. (حَكِيمًا): أَي بالغ الحكمة في كل ما يدبر من شئون الكون. ومن ذلك تدبير أَمر النبوة، وتخصيص كل نبي بنوع من الوحي والإِعجاز، على النحو الذي اقتضت حكمته، مراعاةً للزمان والمكان الذي بعِث فيه كلُّ رسول، كما يشير ختم الآية بهذين الوصفين إلى قدرته - سبحانه - على ثواب من آمن، وعقاب من خالف. ١٦٦ - (لَكِنِ (١) اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ … ) الآية. أي: أَنه لما تعنّت أَهل الكتاب، وطلبوا أَن ينزل القرآن على رسول الله ﷺ جملة واحدة وردَّ الله على تعنُّتهم بقوله: (إنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك) الآية. وتمادوْا في التعنت، وقالوا: نحن لا نشهد لك بذلك. قال سبحانه: (لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ) بحقيّة ما أَنزل إِليك من القرآن المعجز الناطق بنبوتك. فكون القرآن على أَعلى درجة من فصاحة اللفظ، وسمو المعنى، وقوة التشريع، وصلاحيته لإِسعاد البشر في كل زمان ومكان، بحيث عجز الأَولون والآخرون عن معارضته، أَو الإِتيان بمثله - كونه بهذا الوضع البديع - معجزة باهرة. وإِظهارُ المعجزة شهادة بينة بصدق من جاءَ بها.

стр. 1002

(أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ): أَي: إنّ هذا القرآن الذي أنزله الله تعالى إِليك يا محمَّد أَنزله بعلم تام بالمنزَّل والمنزَّل إِليهم والمنزَّل عليه. فجاءَ في غاية الحسن ونهاية الجودة والكمال، وأَعلى درجات الفصاحة والبلاغة، كما جاءَ مشتملا على ما فيه سعادة الناس في الدنيا والآخرة، ثم هو - بعد ذلك - برهان ساطع ودليل قاطع، على صحة رسالة محمَّد ﷺ . (وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا): أَي: والملائكة الكرام يشهدون بنبوتك، وكفى بالله شهيدا على صدقك، حيث أَيَّدَكَ بالمعجزات الباهرة، والبراهين الساطعة؛ المغنية عن شهادة هؤلاءِ المعاندين، وقد عُرفت شهادة الملائكة بشهادة الله، فإِن من شهد الله له، شهدت له ملائكته. فكأنه قيل: يا محمَّد، إِنْ كَذَّبك هؤُلاء اليهود، فلا تُبالِ بهم، فإِن إِله العالمين يصدقك في ذلك، وملائكته يصدقونك كذلك. ومَن صدّقه رب العالمين، والملائكة كلهم أَجمعون، لم يَلْتَفِتْ إلى تكذيبِ مَن هم أَخسُّ الناس، وهم اليهود؛ أَهل الخيانة والغدر. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٦٩)). المفردات: (صَدُّوا): صد عن الأَمر، أَعرض عنه. وصدّه عن الأَمر: صرفه عنه ومنعه منه. (سَبِيلِ اللهِ): السبيل؛ الطريق، يذكر ويؤَنث قال تعالى: " ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾. (١)

стр. 1003

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (١). والمراد بـ (سَبِيلِ اللهِ): دين الله الذي ارتضاه لعباده. (ضَلُّوا): الضلال ضد الرشاد. والمراد: بعدوا عن طريق الحق المستقيم. التفسير ١٦٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ … ﴾ الآية. بعد أَن بين القرآن الكريم - في الآيات السابقة - تعنت اليهود فيما سأَلوا، والرد على هذا التعنت، جاءَت هذه الآيات تصف من كفروا ومنعوا غيرهم من اتباع الهدى، بالإِيغال في الضلال، والبعد عن سبيل الله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: أَي: إِن الذين كفروا بالله، وأَنكروا نبوة محمَّد ﷺ ، وكذَّبوا بالقرآن ومنعوا الناس من الدخول في الإِسلام، واتباع طريق الهدى والفلاح بإِلقاءِ الشبهات في قلوبهم؛ كقول اليهود مثلا: لو كان محمَّد رسولًا حقًّا، لأَتى بكتابه دَفعة واحدة من السماءِ، كما نزلت التوراة على موسى. (قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا): أَي: قد بلغوا في البعد عن الطريق المستقيم، أَقصى النهايات إِذ لا ضلال أَشد وأَقبحُ من ضلال مَن فَهِم أَنه على الحق، وأَضلَّ غيره عن الصراط المستقيم. ومن كفر فقد بَعُدَ عن الحق، ومن أَضل غيره فقد زاد بعدُه، وكلما استمر على الِإضلال وإِغواء المهتدين، وإِثارة الشبهات حول دينهم - فقد أَوغل في البعد عن الطريق السويّ. والمراد بالذين كفروا: اليهود أَو ما هو أَعمّ. وقد جمعت الآية - في التعريف بهم - بين الوصف بالكفر، والصد عن سبيل الله تعالى وكل منهما - بانفراده - يستلزم اتصافهم بالضلال؛ للِإشارة إِلى عظم جرمهم وعمق ضلالهم.

стр. 1004

ولما وصف كيفية ضلالهم، ذكر بعده وعيدهم وما أَعدّه لهم في الآخرة من الخلود في النار فقال: ١٦٨ - (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا … ) الآية. المراد بهم: هو المراد بالذين كفروا وصدوا، المذكورين في الآية السابقة. ومعنى ظلموا: أَي ظلموا رسول الله ﷺ بإنكار نبوته، وتكذيب الكتاب الذي أَنزله الله عليه، وكتمانِ ذكر بعثته في التوراة، وظلموا الناس بإلقاءِ الشبهات في قلوبهم، وظلموا أَنفسهم باتباع الهوى، وترك هداية الإِسلام، وغير ذلك من جرائمهم التي لا تُحْصَى. وغاير بين الوصفين، إِذ قال أَولا: كفروا وصدوا. وقال ثانيا: كفروا وظلموا. إِشارةً إلى بشاعة جرمهم، وليبنيَ عليه وعيدَهم الشديد، وهو حرمانهم من غفران ذنوبهم، ومن الهداية إِلى طريق النجاة. فقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾: أَي: لم يكن عن تدبير الله الحكيم العلم: أَن يغفر الذنوب لمن اختاروا الضلالة على الهدى، وماتوا وهم كافرون، إِذ لا غفران للكافرين. ولم يكن أَيضا من الحكمة في التدبير: أَن يهدى الله تعالى إِلى الصراط المستقيم قوما أصروا على الكفر، وابتعدوا عن الحق عنادا. فلا يستمعون نداءَ الخير والفلاح إِذا أَصمُّوا دونه آذانهم، وأَغلقوا قلوبهم، فهم لا يفقهون. ١٦٩ - (إلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا … ) الآية. الاستثناءُ من ختام الآية السابقة (وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَريِقًا). وبما أَن الهداية لا تكون إِلا إِلى طريق الخير والسلامة، فاستعمالها - مع طريق جهنم - إنما هو من باب التهكم بهم، والاستهزاءِ بسوءِ اختيارهم الذي أوصلهم إلى مثل هذا المصير. والخلود: هو المكث الطويل.

стр. 1005

والأَبد: مدة الزمان الذي لا يتجزأ، ولا غاية له. وتأَكيد الخلود بالأَبدية، يدل على دوام العذاب بلا نهاية. والمعنى: أَن أَجسامهم تبقى في جهنم لا تبلى، ولا تذهب حساسيتها؛ ليذوقو االعذاب دواما. (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا): أَي: وكان إِيصال العذاب إِليهم شيئًا فشيئا، ودوام تعذيبم في جهنم - أَمرا يسيرا على الله. وختم الآية بذلك، لبيان أَنه غالبٌ على أَمره. لا يعجزه شيءٌ. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. التفسير ١٧٠ - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ … ) الآية. بعد أَن أَجاب سبحانه عن شبهات اليهود وردّ أَباطيلهم بأَبلغ رد، وبين فساد طريقتهم. وبعد تأَكيد نبوته ﷺ ، بشهادته ، وشهادة ملائكته. وبعد بيان حال الكافرين وخطئهم الفاضح، وما أعد لهم من سوء المصير. بعد ذلك جاءَت هذه الآية الكريمة: تخاطب الناس - جميعًا - بالدعوة إلى دين محمَّد ﷺ . (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ): نداءُ الناس جميعًا - لإِخبارهم بأَن الرسول قد جاءَهم بالحق من ربهم - دليل على عموم رسالته، وتكرار للشهادة التي أَكدها فيما سبق، وتقرير لها. إِذ كونُ المرسل: (رَبّكُم)

стр. 1006

أَي الذي يقوم بتربيتكم، ورعاية مصالحكم، هو الذي يبلغ بكم غاية الكمال المرجو لكم، وكون المرسل به - بالْحقِّ - أَي الثابت الذي لا يعتريه شك، وهو الدين الذي يدعو إلى عبادة الله، والإِعراض عن غيره. وكون حامل الرسالة الرسول المعهود لكم، المعروف بالصدق وكرم الخلق، وعظم الشأْن - كل ذلك - يؤكد فضلَ الرسالة وكمالَها، كما أنه تمهيد للأَمر بالإِيمان به. ولهذا يقول الله : (فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ): أَي: وإِذا كان قد جاءَكم هذا الرسول محمَّد ﷺ بالحق من ربكم، فآمنوا به يكنْ ذلك الإِيمان خيرا لأَنفسكم، مما أَنتم فيه. أي أَحْمَدُ عاقبة من الكفر والضلال، فإن آثار الإِيمان تعود عليكم بالنفع، لا على الرسول ولا على ربكم. (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): أَي: وإِن تكفروا بي وبالرسول الذي أَرسلتُه إِليكم، فالضرر لاحِقٌ بكم، فإِن الله غِنيّ عن إيمانكم وعن طاعتكم؛ لأَنه مالك السموات وما فيها من أَفلاك وكواكب ونجوم ومدارات، والأَرضِ وما على ظهرها وما في باطنها … فضرر الكفر كلّه يقع على الكافرين، والله لا يرضى لعباده الكفر. (وَكَانَ اللهُ علَيمًا حَكيِمًا): فتصرف في ملكه الواسع، حسب علمه القديم المحيط بكل شيءٍ، وحكمته البالغة التامة. وحسب علمه المحيط، وحكمته البالغة، التي لا تخطيء: أَرسل محمدا ﷺ إِلى الناس كافة؛ بشيرا ونذيرا. فاتَّبِعوه وآمِنوا به، وقِفوا عند ما شرع لكم، تكونوا من الفائزين.

стр. 1007

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (١٧١)). المفردات: (لَا تَغْلُوا): الغلو؛ مجاوزة الحد. وغُلُوُّ النصارى في دينهم: إِفراطهم في تعظيم عيسى، حتى جعلوه إِلها أَو ابنًا الله. وغُلُوُّ اليهود: مبالغتهم في الطعن في عيسى حتى اتهموه وأُمه بما لا يليق. (الْمَسِيحُ): أَصل المسيح. الممسوح، وسمى به عيسى. (كَلِمَتُهُ): المراد بها؛ عيسى ﵇ وأُطلقت الكلمة عليه؛ لَأنه جاءَ بكلمة: كُنْ .. بدون أَب. (رُوحٌ مَّنْهُ): رحمة منه؛ لأَنه رحمة من الله لمن آمن به. التفسير ١٧١ - (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ .... ) الآية. بعد أَن تحدثت الآيات السابقة عن تعنت اليهيود فيما سأَلوا، وعن الرد على هذا التعنت. وبعد أَن ذكرت طرفا من جرائمهم - وهذا لا ريب غلو ومجاوزة للحد، جاءَ نَهْي القرآن بعد ذلك، في هذه الآية - للنصارى، عن الغلو في الدين فقال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ):

стр. 1008

وأَهل الكتاب: لفظة تعم اليهود والنصارى، ولكن سياق النص هنا، يخصصها بالنصارى أَما اليهود، فقد سبق الحديث عن غلوهم في شأْن عيسى، إِذ بالغوا في الطعن فيه، وغلوهم في دينهم، إِذ قالوا لموسى: " ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ (١) وقولهم: " … عُزَيْرٌ ابْنُ اللَهِ … " (٢) وغير ذلك من جرائمهم التي لا تُحْصَى. وغُلوّ النصارى في دينهم: أَنهم أَفرطوا في تقديس عيسى ﵇ حتى أَخرجوه من مرتبة البشرية، واتخذوه إِلها من دون الله، وجعلوه ابنًا لله. وفي نداءِ الله إِياهم بأَهل الكتاب: غايةُ التوبيخِ والتقريع لهم، إذ مقتضى أَنهم أَهل كتاب أَن يتدبروا كتابهم المنزلَ على رسولهم، ويتأَملوا ما فيه. وهو - بلا ريب - ليس فيه شيء مما يدَّعون ويفترون ولكن العصبية الحمقاء تعمى عقولهم. (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ): أَي: ولا تفتروا على الله كذبا لا أَساس له، ولا دليل يعتمد عليه وهو قول النصارى: " … الْمَسِيحُ ابنُ اللهِ … " (٣) وهذا القول يناقض الدليل الواضح، والحق الثابت؛ إِذ الإِلَه لا يلد، ولا يولد، فإِن ذلك أَمارةُ الحدوث، وعلامةُ الاحتياج. والتعبير بلفظ (عَلَى): إِشارة إِلى أَن ما قالوه، افتراءٌ على الله، وجرم شنيع في حقه تعالى. ولمَّا نهاهم عن الغلو والافتراءِ على الله، بيَّن لهم ما هو الحق بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ): أَي: ما عيسى ابن مريم إِلا رسولٌ، وليس إلها من دون الله، ولا ابنًا لله، كما تدّعُون. وفي قصْر عيسى على الرسالة - كما فهم من أُسلوب الآية - زجرُ شديد لهؤُلاءِ الذين يقولون على الله غير الحق، وإِشعارٌ بأَنهم قوم مفترون. وفي ذكر اسمه: عيسى. وفي نسبته إِلى أُمه: مريم - إِشارةٌ إِلى أَنه إِنسان ككل الناس ولدته أنثى، كما أَن في هذه النسبة أَيضا، تكذيبًا لمن نسبوه إلى يوسف النجار.

стр. 1009

(وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ): أَي: وعيسى كلمةُ الله، أَي إِنه تَكوَّن في بطن أُمه، وَوُجِدَ بسبب كلمة الله وأَمره: (كُنْ) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾. (١) من غير سبب مادي من وجود زوج، كما جرت به سنة الله في توالد بني آدم. (وَرُوحٌ منْهُ): أَي: إِن عيسى تَكوَّن في بطن أُمه، ونشأ فيها بنفخ الله تعالى - الروح فيه. وكما أَن عيسى من روح الله، فإن آدم وسائر ذريته من روح الله تعالى - التي خلقها وأَودعها في كل كائن حي، كما قال تعالى: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (٢). وحديث: "إِن أَحدَكُم يجمعُ خَلْقهُ في بَطنِ أُمهِ أَربعينَ يَوما نُطفةً، ثمَّ يكونُ عَلقةً مِثْل ذلك، ثم يَكُون مضغةً مِثْل ذلك، ثُم يَبعثُ اللهُ إِليهِ مَلَكًا، ويُؤْمر بأَربعِ كلماتٍ يُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَملَه ورِزقَه وأَجلَه وشقيٌّ أَو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجلَ منكم لَيَعملُ بعملِ أَهلِ الجنَّةِ حتى لا يكونَ بينَهُ وبينهَا إِلا ذِراعٌ فَيسبِقَ عليهِ الكِتَابُ فَيعْمَلَ بعملِ أَهلِ النارِ فيدخلَ النارَ، وإِنَّ الرجلَ لَيعمَلُ بعملِ أَهلِ النارِ حتى ما يكونَ بينَه وبينَها إِلا ذِراعٌ فَيسبِقَ عليهِ الكِتابُ فَيعملَ بِعَملِ أَهلِ الجَنَّةِ فيدخلَ الجَنةَ" (٣). ولما لم يتكون عيسى ﵇ من نطفة أَب وإِنما تكون من نفخة بإِذن الله - وصف بأَنه: روح. ومعنى (مِنْهُ): أَي من الله. أَي كائنة من الله، تشريفًا وتفضيلا له، وهذا وجه من وجوهٍ وردت في بيان معنى الروح، ومنها: أَن معنى الروح؛ الرحمة والنعمة من الله على عباده، أَي أَن عيسى ﵇ لما كان رحمة من الله لقومه، ونعمة عظيمة

стр. 1010

منه عليهم، من حيث إِنه كان يرشدهم إِلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، سمى روحا منه وكانت منه تشريفا وتعظيما له ﵇. والمعنى: أَن عيسى روح عظيمة، وهبة جليلة، مبتدأَة من الله. و (مِنْ): ابتدائية على كل معنى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لروح. أَي وروح عظيمة مبتدأة من جهته تعالى، وليست (مِنْ) تبعيضيةكما تَزْعُم النصارى، ليصلوا إِلى باطل من أَباطيلهم، وهو أَن عيسى جزءٌ من الله. (فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ولَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ): أَي: وِإذا كان هذا شأْن المسيح وحاله: ليس إلها ولا ابنا لله، فآمنوا باللهِ - وحده - ربًّا لا شريك له في العبادة، ولا في الملك والسلطان، وليس معه ثان ولا ثالث، وليس بوالد ولا ولد، وآمنوا بالرسل جميعًا. وفي جملتهم: عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ولا تكفروا بأَحدٍ منهم، ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة، الله واحد منهم. والتعبير بقوله: (وَلَا تَقُولُوا) دون ولا تؤْمنوا بثلاثة: لبيان أَن مجرد النطق بذلك منكر وقبيح، فضلا عن أَن يكون اعتقادا وإيمانا، وفيه إِشارة إِلى أَن ما ذهبوا إِليه لا ظلا له من الحقيقة وإنما هو مجرد قول بالَأفواه. (انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ): أَي: انتهوا عن الشرك والتثليث يكن الانتهاءُ عن ذلك خيرا لكم؛ لأَنكم - به - تخرجون من العقيدة الناشئة عن الضلال والأَوهام، إِلى العقيدة المبنية على الحجة والبرهان، فتفوزون من الله بالرضوان. (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ): أَي: إِن العقيدة الصحيحة التي جمعت الخير كله، هي عقيدة التوحيد التي عبر القرآن عنها بقوله: (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أَي إنما الله واحد بالذات، منزّه عن التعدد بأَي وجه من الوجوه، متفِّرد في ألوهيته، وليس كما ادّعاه النصارى من أَن عيسى وأَمه

стр. 1011

مريم إِلهان مع الله. وليس كما زعموه أَيضا من تركُّبه من أَقانيم ثلاثة (١) - الأَب والابن والروح القدس - وأَن كلا منهما له صفات الأُلوهية، وأَنها اتحدت وصارت إِلها واحدا؛ لأَن العقل - كما يحيل تعدد الآ لهة - يحيل كذلك تركبها واتحادها. وفي هذا النص الكريم، من تأْكيد أَمر التوحيد ما لا يخفى. وبعد أَن أَكد التوحيد، نزه نفسه عن اتخاذ الولد بقوله: (سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ): أَي: تنزه الله تعالى - تنزيهًا عظيما: لا حدود له، عن أَن يكون له ولد؛ لأَن اتخاذ الولد دليل الضعف، وأَمارةُ الحدوث، وصفةُ العاجز المحتاج إِلى من يعينه في حياته، ويَخْلفُهُ بعد مماته، واللهّ تنزه عن ذلك، فقول النصارى: إِن عيسى ولد الله ليس شركا فقط، بل هو وصف لله - العلى القادر، المعبود الحق - بالعجز والضعف والحدوث. ثم ذكر - تأْكيدًا لتنزيهه عن اتخاذ الولد - ما يدل على كمال قدرته، وتمام غناه فقال تعالى: ﴿لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ﴾: أَي: لله سبحانه كل ما في السمَوَات من أَكوانٍ علوية: ما عرفناه منها وما لم نعرفه، وكذلك أَجرام السمَوَات، وله كل ما في الأَرض من أَجزائها، وما على ظهرها، وما في بطنها: خلقا وملكا وتدبيرا.

стр. 1012

ومن كان مالكا لكل السمَوَات والأَرض ولكل ما فيهما، كان مالكا لعيسى ولمريم بل أَولى. إِذ هناك في الكون من هو أَعظم منهما، فكيف يعقل مع هذا توهم كون عيسى ولدا لله ومريم زوجة له؟!! والمتأَمل يرى أَنه سبحانه، في كل موضع نزه فيه نفسه عن الولد - ذكر كونَهُ ملكا ومالكا لما في السمَوات والأَرض ليكون دليلًا عليه، إِذ المعنى: تَنَزَّه اللهُ عن أَن يكون له ولد؛ لأَن له ما في السموات وما في الأَرض. (وَكَفَى بِالله وَكِيلًا): أَي: إِن اللهَ سبحانه، كاف - وحده - في تدبير المخلوقات، وفي حفظ هذا الكون، فلا يحتاج إِلى ولد يعينه، ولا إِلى إِله آخر يدبر أَمر الكون معه. (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) .. المفردات: (لَن يَسْتَنكِفَ): لن يأْنف ولن يستكبر، وأَصله من النَّكْف. وهو تنحية الدمع عن الخد بالإصبع. (الْمُقَربُونَ): الذين قربهم الله تعالى ورفع منازلهم على غيرهم. (وَيَسْتَكْبِرْ): أَصل الاستكبار؛ طلب الكبر والترفع عن الناس من غير استحقاق.

стр. 1013

التفسير ١٧٢ - (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ .... ) الآية. بعد أَن أَثبتت الآية الكريمة السابقة - الدليل الواضح - تنزيه الله تعالى، عما أَلصقوه به - جاءَت هذه الآية، استئنافا مقررا لهذا التنزيه، ومؤكدا له. إذ نفت أَن يأنَفَ عيسى ﵇ الذي رفعوه إِلى الأُلوهية - من أَن يكون عبدا لله. (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ): أَي: لن يأْنَف مَن وصفتموه بالأُلوهية، وأَنه ابن الله، من أَن يكون عبدًا لِله، ولن يترفع عن ذلك؛ لأَنه شرف عظيم يفخر به المخلصون. (ولَاَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ): أَي: ولا الملائكة المقربون عند الله، ومنهم الروح الأَمين: جبريل ﵇، لا يأْنفون من أَن يكونوا عبيدا لله، ولا يترفعون عن ذلك، لأَنهم مفطورون على الطاعة. (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (١). والمقصود بهذا الاستطراد: تقوية الردّ على النصارى وتأْكيده، حيث زعموا أَن عيسى إِله مع الله، فلن يكون عبدا لله. ولما كان منشأُ ذلك عندهم أَنه خُلق من غير أَب، بيَّن الله لهم أَن الملائكة خُلِقوا من غير أَب ولا أُم، ولهم عند الله تلك المكانة العالية، وأَنهم أَكمل حالًا في العلم بالمغيبات، وفي القدرة على حمل ما لا يستطيعه البشر، وهم - مع ذلك - لا يأْنفون من وصفهم بالعبودية، بل يعتزون بأَنهم عباد الله … فكيف يأْنف عيسى من ذنك؟! والعبودية لله أَعلى مراتب الشرف، وأَعظم درجات الكمال. وإِن كانت الشبهة التي عليها يعولون في إِثبات أَن المسيح ابن الله، هي أَنه كان يخبر عن المغيبات، وكان يأْتي بخوارق العادات، فتلك شبهة واهية؛ لَأنه لم يكن - في ذلك - بدْعًا من الرسل، فقد أجرى الله على يد غيره من الَأنبياءِ كثيرا من خوارق العادات. والمعنى: لا أَحد يأْنف من ذلك.

стр. 1014

(وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا): أَي: ومن يأْنف من عبادة الله ويترفع عنها، ظنا منه أَن العار يلحقه بسبب هذه العبادة، فمَردُّهُم - وسائر الخلق - إِلى الله، حيث يلقى كل جزاءَه، ومن يستكبرْ على الخضوع له تعالى - لتوهمه أَن طاعة الله دون مقامه - فسيحشر الله العابدين والمعبودين إليه - جميعًا - يوم القيامة، حيث لا يملكون لأَنفسهم نفعا ولا ضَرًّا. والاستكبار دون الاستنكاف. والاستكبار: طلب الكبر. وهذا وعيد شديد، للذين يقولون على الله غير الحق. ولما ذَكَر سبحانه: أَنه سيحشرهم إِليه جميعًا، ذكر أَولًا: ثواب المؤمنين، ثم ذكر آخرًا: عقاب المستنكفين. وقد بين ثواب المؤمنين بقوله: ١٧٣ - (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ … ) الآية. أَي: فأَما الذين حققوا في نفوسهم هذين الوصفين العظيمين: الإِيمان والعمل الصالح، فيجزيهم الله على ذلك جزاءً وافيًا ثابتا - لا شك فيه - ثبوت الأَجر للعامل، تحقيقا لوعد الله الذي لا يتخلف كما بيَّن أَن هناك زيادة يَمُنُّ الله بها عليهم من فضله. والتعبير بلفظ الماضي (آمَنُوا وَعَمِلُوا): إِشارة إِلى أَنه لا بد من تحقق هذين الوصفين، كي ينال الموصوف بهما ما ذُكِرَ من جزاء. وذِكْرُ الجزاءَ بلفظي المضارع (يُوَفَيِّهِمْ … وَيَزِيدُهُمْ): دون استعمال السين أَو سوف؛ فسيوفيهم، أَو فسوت يوفيهم - مثلا - لاستحضار صورة قريبة تستضئُ بها أَنفسهم وتدعو العامة والخاصة إِلى الاقتداء بهم. ثم ذكَرَ ما أَعده الله عقابا للمستنكفين والمستكبرين فقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجدُونَ لَهُم من دُونِ اللهِ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًا): وهذا حال الكافرين الذين ذكروا في مقابلة المؤْمنين.

стр. 1015

وقد وصفهم الله بوصفين: الاستنكاف والاستكبار: بيانًا لسبب هذا الوعيد واستحقاقهم لعذاب شديد الأَلم، وأَنهم لا يجدون أَحدا غير الله يلجأُون إِليه، ولا نصيرا يعينهم على الخلاص مما هم فيه من العذاب الشديد سواه، . وقدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين، لأَنهم إِذا رأَوا - أَولا - ثواب المطيعين ثم رأَوا - بعده - عقاب أَنفسهم كان ذلك أَعظم في تَحسّرهم. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ في رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)). المفردات: (بُرهَانٌ): البرهان؛ الحجة والمراد به هنا محمَّد ﷺ ، لأَن مهمته إِقامة البرهان على إِحقاق الحق، وإِبطال الباطل. وقيل: المراد به؛ المعجزات، أَو القرآن. (نُورًا): المراد به؛ القرآن الكريم؛ لأَنه ينير الطريق للسالكين. (وَاعْتَصَمُوا بِهِ): عصموا بالإِيمان به أَنفسهم من المعاصي وحفظوها. (في رَحْمَةٍ مِّنْهُ): المراد بالرحمة هنا؛ الجنة. التفسير ١٧٤ - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ … ) الآية. بعد أَن بين الله سبحانه، انحراف المنافقين والكافرين، واليهود والنصارى، وأَقام الحجة عليهم، وأَبطل شبهاتهم عمم الخطاب، ودعا الناس - جميعًا - إِلى الِإيمان بمحمد ﷺ واتّباع طريق الحق والهدى فقال:

стр. 1016

(يَأَ يُّهَا النَّاسُ): هذا نداءٌ من الله للناس - جميعًا - منذ نزول الآية إِلى يوم القيامة. وبَدْءُ الكلام به، يشعر بعظمة ما سيلقى على المخاطبين كي تتفتح له قلوبهم، وتعيَهُ عقولهم، ويتوجه إِليه اهتمامهم. (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ): الظاهر من السياق، أَن المراد بالبرهان: الرسول، أَي قد أَتاكم رسول هو محمَّد ﷺ مِن عند ربكم، أَي مربيكم، وهو الله الذي أنشأَكم وربَّاكم، وأَوصلكم غاية الكمال المراد لكم. وسمِّيَ الرسول برهانًا، لأَن وظيفته، إِقامة الحجة، وإِظهار البرهان على تحقيق الحق وإِبطال الباطل. وفي تسميته برهانا، وتنكير لفظة (بُرْهَان) وبيان أَنه أَتاهم من لدن مُربِّيهم ومتولي شئونهم إِشعارا بأَنه أَعظم برهان. (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا): أَي: وأَنزلنا - من أَعلى المنازل لهدايتكم ولنفعكم - القرآن المجيد؛ أَعظم الكتب التي أَنزلناها لهداية البشر، وإِخراجهم من الظلمات إِلى النور. وسمَّاه: نورًا مبينا، إِذ هو كالنور؛ يضيء الطريق ويظهر الحق، ويهدي إِلى سبيل الخير والرشاد. وقيل المراد بالبرهان: القرآن، عبر عنه تارةً بالبرهان؛ لأَنه حجة على صحة نبوة محمَّد ﷺ الذي جاءَ به لإِحقاق الحق وإِبطال الباطل، وتارة أَخرى بالنور المبين؛ لأَنه ينير طريق الهداية أَمام الناس أَجمعين. وقد تحدثت هذه الآية الكريمة، عن نعمتين عظيمتين، تفضل الله بهما على عباده: النعمة الأُولى: تَفضُّلُه بإِرسال محمَّد ﷺ أَعظم نِعم الله على الناس.

стр. 1017

والثانية: تفضلُه سبحانه، بإِنزال القرآن هدًى للمتقين. والناس - بالنسبة لهاتين النعمتين الجليلتين - فريقان: فريق المؤمنيين. وقد بين سبحانه حالهم العظيم ومآلهم الحسن بقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ … ) الآية. ولم يتناول بالذكر هنا حال الكافرين - وهم الفريق الثاني: تهوينا لشأْنهم، إِذ قد أَغلقوا قلوبهم، فلم تعمر بالإِيمان، وأَغمضوا أَعينهم فلم تر النور المبين. ١٧٥ - (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ … ) الآية. أَي: فأَما الذين صدقوا باللهِ، في ذاته وصفاته وأَفعاله، وبما أَنزله من شرائع. (وَاعْتَصَمُوا بِهِ): أَي: وعَصَموا بطاعته أَنفُسَهم، من التردى في هاوية الضلال، وطلبوا منه أَن يُثَبِّتَهم على الِإيمان، ويصونَهم من نزعات الشيطان. (فَسَيُدْخِلُهُم في رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ): أَي: فسيدخلهم الله في أَنواع رحمات كثيرة، لمن يرحمهم الله بها في الدنيا بتمكينهم في الأرض، وإِظهار شأُنهم على أَعدائهم، وفي الآخرة بالجنة. (وَفَضْلِ): والفضل؛ هو ما يتفضل به سبحانه عليهم من علو القدر في الدنيا، وفي الجنة من النعيم الزائد عما جُوزوا به؛ مما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت. (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مًّسْتَقِيمًا): أَي: ويهديهم ربهم طريقا مستقيما، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف .. قال ابن كثير: "وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة. فهي - في الدنيا - على منهاج استقامته وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات. وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إِلى روضات الجنات".

стр. 1018

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾. المفردات: (يَسْتَفْتُونَكَ): الاستفتاءُ؛ طلب الفُتْيا، والفُتْيا والفتوى: اسم من أفتى العالِم إِذا بين الحكم. (الْكَلَالَةِ): الذي لا ولد له ولا والد. وقيل الكلَالة: مصدر من تكلله النسب أَي تطرفه. كأَنه أَخذ طرفيه من جهة الوالد والولد: فليس له منهما أَحد، فسمى بالمصدر. ومن هنا أُطلقت على الميت الذي لم يترك والدا ولا ولدا "مِنْ كَلَّ" إِذا ضعف. وهذا قول علي وابن مسعود. وقال سعيد بن جبير: هي الوارث الذي ليس ولدًا ولا والدا، لأَن هؤلاءِ الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليس في عمود نسبه. كالإِكليل يحيط بالرأْس، ووسَطُ الرأْس خال منه. التفسير ١٧٦ - (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ .... ) الآية. الربط: تتصل هذه الآية بالآية التي قبلها، فإِن بها بيانَ ما يتعلق ببعض أَحكام الميراث، من الهداية إِلى صراط مستقيم.

стр. 1019

ولم تُذكر هذه الآية عقب آيات المواريث المذكورة في أَوائل السورة، لأَنها لم تنزل معها في وقت واحد. فقد روى الشيخان، عن البراءِ: أَنها آخر آية نزلت من الفرائض. وخُتمت السورة بهذه الآية: كما بُدئت بذكر سائر الحقوق المالية؛ ليعلم المسلم: أَن القرآن الكريم يهتم ببيان حقوق الناس، كما يهتم بتوضيح حقوق الله. روى الترمذي عن جابر بن عبد الله، يقول: "مرضتُ فأَتاني رسولُ الله ﷺ يعودني قد فوجدني قد أَغمى عَليّ، فأَتى ومعه أَبو بكر وعمر، وهما ماشيان، فتوضأَ رسولُ الله ﷺ فصب عليّ من وضوئه، "فأَفَقْتُ. فقلت: يا رسولَ الله، كيف أَقضي في مالي؟ أَو كيف أَصنع في مالي؟ فلم يجبني شيئًا - وكان له تسع أَخوات - حتى نزلت آية المواريث (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ): قال جابر: فِيَّ نزلت". قال أَبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. (يَسْتَفْتُونَكَ): أَي: يطلب الصحابة منك، أَن تبين لهم الحكم في ميراث الميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا. أَو أَن المستفتي جابر وحده - كما جاءَ في سبب النزول - ونسب إِليهم؛ لَأن الحكم يعمهم جميعًا - ومن بعدهم - إِلى يوم القيامة. وحذف المستفتى فيه وهو ميراث الكلالة، كما بين لدلالة فتوى الله عليه في قوله: (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ): أَي: قل لهم يا محمَّد: الله يبين لكم حكم ميراث الكلَالة، فيما أَنزله علىّ جوابا عن استفتائكم على النحو التالي: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ): أَي: إِن مات شخص، ولا ولد له ولا والد، وله أُخت شقيقة، أَو لَأب - عند عدم الشقيقة - فلها نصف ما ترك.

стр. 1020

وأَما الإِخوة لأُم، فقد سبق بيان ميراثهم، في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثُّلُثِ) (١). (وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ): وهو أَي: والأَخ إِذ لم يكن لها ولد - ذكر أَو أُنثى - ويأْخذ الباقي إِن لم يكن لها ولد ذكر. (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ): أَي: فإِن كانتا أَي الأُختان اثنتين فلهما الثلثان مما ترك أَخوهما المتوفى، فإِن زادت الأَخوات عن اثنتين، فلهن الثلثان أَيضا مما ترك الأَخ المتوفى أَو الأُخت، بدليل القصة التي نزلت فيها الآية، فقد كان لجابر بن عبد الله ﵁ تسعُ أَخواتٍ في رواية الترمذي، وقياسا على ميراث البنات. (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ): أي: وإِن كان الورثة إِخوة - رجالا ونساءً - فللذكر منهم مثل نصيب الأُنثيين. (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا): أَي: يوضح الله لكم شرائع دينكم، ويفصلها، كراهة أَن تضلوا عن الطريق السوي. فتمنعوا مستحقا، وتعطوا غير مستحق. والآية صريحة في أَن من تعدَّى حدودَ الله في أَحكامِ الميراث، فقد ضل طريق الحق، وأَخطأَ سبيل الرشاد. (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): أَي: والله الذي بَيَّن تلك الفرائض لعباده، وشرعها لهم، قد أَحاط بكل شئٍ علمًا، فعلمهِ تام بما يُصِلح المجتمعَ الإِسلامي، من الشرائع والأَحكام. روى الشيخان عن البراءِ: أَنها آخر آية نزلت في الفرائض (٢).
следующие страницы →