← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المفردات: (مِيثَاقَ): الميثاق؛ العهد المؤَكد - بين طرفين - في شأن هام. (نَقِيبًا): النقيب؛ هو كبير القوم، المعْنِيُّ بشأنهم. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾: ناصركم ومعينكم. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾: آزرتموهم ونصرتموهم. ﴿أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾: أنْفَقتم في سبيل الله نفقة طيبة. ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾: اللعن؛ الطرد من الرحمة. ﴿قَاسِيَةً﴾: شديدة غليظة، لا تقبل خيرا. ﴿خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾: خيانةٍ وغدرِ منهم. التفسير ١٢ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ … ﴾ الآية. بعد أن أَمر الله بالوفاءِ بالعهد، وذكَّر المؤْمنين بميثاقه الذي واثقهم به على السمع والطاعة - ذَكَرَ بعضَ ما صدر من بني إسرائيل من نقض العهود؛ وما كان من عقاب الله لهم عليها ليتعظ المؤْمنون، ويعملوا على حفظ نعم الله - تعالى - بمراعاة حق الميثاق، وتحذيرهم من نقضه، فقال: ﴿وَلَقَدْ أخذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أَي: لقد أَخذ الله العهد على بني إِسرائيل: أَن يعملوا بما في التوراة، ويقبلوها بجدٍّ ونشاط. وقد أخذ الله عليهم مواثيق فرعية تتصل بما كلَّفهم الله به. ومنها ما سيأتي في الآية التي معنا. وقد سبق بيان بعض المواثيق التي أُخذت عليهم؛ في سورتي البقرة، وآل عمران. فارجعْ إليها وإلى شرحها إن شئت. ﴿وَبَعَثنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: وأمر الله موسى ﵇: أَن يختار منهم اثنى عشر رئيسا دينيا، يتولون أُمور الأسباط، ويقومون على رعايتم، ففعل، وبعثهم يتحسسون العدوَّ ليقاتلوه.

стр. 1052

﴿وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾: بالنصر والتأييد على أَعدائكم. أَو المراد منه: أنه معهم بعلمه: يسمع كلامهم، ويعلَمُ ضمائرهم، وأنه مجازيهم على ما يحدث منهم. ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: أي أديتموها حق أدائها. ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾: وأعْطَيتموهَا مستحقيها، من مال طيبٍ، وكَسْبٍ حلال. ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾: كلهم. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾: نصرتموهم وجاهدتم الأعداء معهم. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: أي: أنفقتم في سيل الله، عن طيب نفس، دون مَنٍّ أو حُبٍّ للفخر والرياء. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: لأمحوَنَّ ذنوبَكم. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: ولأُدخلنكم - في الآخرة - جناتٍ تجري من تحت أشجارها الأنهار، تَتَنَعَّمُونَ فيها بما أعدَّ لكم من النعيم. وقد أكد الله - تعالى - وعيدَه بالقَسَم وغيره من التوكيدات؛ ليحملهم على تنفيذ مما عاهدوا الله عليه. ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: أي: فمن كفر منكم - بعد ذلك الوعد بالنصر، وتكفير السيئات، وإدخال الجنات، بأن نقض العهد والميثاق - فقد حادَ عن الصراط السوي: الذي رسمه الله لهم، كي يسيروا عليه. ولكن بني إسرائيل لم يرفوا يعهدهم، ونقضوا الميثاق، الذي أخذه الله عليهم. فعاقبهم الله تعالى، وفي ذلك يقول سبحانه: ١٣ - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ … ﴾ الآية. تعرض الآية النتائج المترتبة على موقفهم من الميثاق. فتقول: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾: أي فبحسب نقضهم عهدهم المؤَكد.

стр. 1053

﴿لَعَنَّاهُمْ﴾: أي طردناهم من رحمتنا، عقوبةً لهم؛ لأنهم قد فسدت فطرتهم. ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾: أي: أورثنا قلوبهم الغِلظة والقسوة. فهي لا تلين، ولا تنفذ إليها الحجة، ولا تؤَثر فيها الموعظة. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: أي يغيرون كلام الله في التوراة، بالمحو والإِثبات، والزيادة والنقصان، وسوءِ التأويل. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: أي: وأعرضوا عن بعض ما أمِروا به في التوراة، من إتباع الرسول ﷺ والإِيمان به، وغير ذلك. وإنما قال: يحرّفون، ولم يقل: حَرّفوا؛ للدلالة على أن هذا الخلق طبع فيهم؛ تتجدد آثاره آنًا فآنًا. ولذا قال الله - تعالى - لنبيه عقب ذلك. ﴿وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾: أي: إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لليهود. منتقلة فيهم. من الأصول إِلى الفروع. فلا تزال - أَيها الرسول - تطَّلع من هؤُلاءِ اليهود المعاصرين. على خيانةٍ إثر خيانة. فهم قومٌ لا عهد لهم، ولا وَفَاءَ عندهم. لقد دمغتهم السماوية بالغدر والخيانة والقسوة. فرماهم نبيهم أَرمياءُ بالكذب والسرقة والزنى والشرك، وأَنهم حوّلوا بيت الله إلى مغارة لصوص (١). ورماهم السيد المسيح ﵇ بأَنهم مثل القبور المبيضة من الخارج. المليئة بالجيف من الداخل. ووصفهم بأنهم الحيَّات. أَولاد الأفاعي. وأَنهم قَتَلُوا الأَنبياء والحكماءَ، وجعلوا بيت الله مغارة لصوص (٢). والآيات القرآنية العديدة تؤيد هذه الصفات.

стр. 1054

﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾: وهم من آمنوا بك، واتَّبعوك كعبد الله بن سلام وأمثاله من الذين آمنوا باللهِ ورسوله، فلا تظنن بهم سوءًا، ولا تخف منهم خيانة؛ لأَن الله طهرهم بالإِسلام. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾: فاعفُ عما فرط بن هؤُلاء اليهود، واصفح عمن أَساءَ منهم وعامِلْهم بالإحسان؛ تأليفًا لهم، فلعل الله أن يهديهم. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: وأنت أَحق الناس بالاتصاف بالإحسان، واتباع ما يحبه الله. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾. المفردات: ﴿نَصَارَى﴾: جمع نصران، كندمان وندامى، ولم يُستعمل إلا بياء النسب، وقد صارت كلمة "نصراني" لقبًا لكل من اعتنق المسيحية. قيل: لقبوا أَنفسهم بذلك، على معنى أَنهم أنصار الله. وقيل: نسبة إلى الناصرة بلدة بالشام، استَقر بها المسيح، بعد رجوع أمه به من مصر إلى الشام. ﴿حَظًّا﴾: نصيبًا أو مقدارا. ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾: أَي فأَلقينا بينهم العداوة. التفسير ١٤ - ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ … ﴾ الآية. بعد أَن بيَّن اللهُ شرور اليهود وآثامهم، أَتبعه ذكر قبائح النصارى فقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ … ﴾. والضمير في قوله: ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ عائد على النصارى.

стр. 1055

والمعنى: أي وأَخذنا العهد واليثاق على النصارى: بالثبات على الطاعة، وتصديق الرسل واتِّباعهم. وعبر بقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ بدلا من قوله: (ومن النصارى)، للإيذان بأنهم على دين النصارى بزعمهم، لا حقيقة الواقع؛ لعدم عملهم بموجب دينهم، ومخالفتهم لما في الإنجيل من التوحيد، والتبشير بنبوة محمَّد ﷺ . وقيل: للإشارة إلى أنهم لقبوا أنفسهم بذلك، على معنى أنهم أنصار الله، مع أنهم لا ينصرون - بكفرهم وسوء أعمالهم - إِلا الشيطان. ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: فسلكوا طريق اليهود في نقض العهد والميثاق، وتركوا نصيبًا وافرًا مما ذكِّروا به في كتابهم، من عقيدة التوحيد، ومن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسم. ﴿فَأَغرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاَء﴾: فكان جزاؤُهم أن بث الله فيهم العداوة والبغضاءَ، حتى صارت صفة ملازمة لهم. ﴿إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: حسبما تقتضيه أَهواؤُهم المختلفة، وعقائدهم المتنافرة. وقد حدث هذا عبر الأجيال إلى يومنا هذا. فكل طائفة من طوائفهم: تُكفِّر الأخرى، وتحرم التزاوج منها. وبالرجوع إِلى التاريخ، تعرف هذه الحقيقة القرآنية الحليلة. ولا يزالون كذلك إلى يوم القيامة. ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: وسيجازيهم الله - يوم القيامة - بما صنعوا في الدنيا، من نكث العهد، ونقض الميثاق، وتحريفهم الكتاب الذي أُنزل عليهم.

стр. 1056

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾. المفردات: (نُورٌ): المراد به؛ محمد ﷺ . ﴿كِتَابٌ مُبِينٌ﴾: هو القرآن. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: طرق النجاة والسلامة. التفسير ١٥ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ … ﴾ الآية. سبب النزول: أخرج ابن جرير، عن عكرمة، أنه قال: "إن نبي الله تعالى، أتاه اليهود يسألونه عن الرَّجم، فَقَالَ ﵊: أيُّكم أعْلمُ؟ فأشارُوا إلى ابنِ صوريا، فَناشَدهُ باِلذِي أنزلَ التَّوراةَ عَلَى مُوسى ﵇، وَالذِي رَفَع الطورَ، وبِالمواثِيقِ التي أخِذَتْ عليهم، حتى أخذه أفْكل (رعدة) فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مِائَة، وحلقنا الرءُوس. فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله تعالى الآية".

стр. 1057

وهذا الحديث يفيد: أن (ابن صوريا) الحبر اليهودي، لم يذكر أن كتابهم يحتوى على الرجم، تهربًا من توقيع هذا الجزاءِ على الزاني اليهودي، ولكن النبي ﷺ أمر بتطبيق حكم الرجم عليه؛ لأنه شرعُ الله في التوراة والقرآن. الربط: بعد أن رمى الله اليهود والنصارى بنقض العهود، ساق مثلا على ذلك، فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: نداءً لهم. والتفاتا إلى خطابهم. وعبر عنهم بأهل الكتاب؛ تشنيعًا عليهم، لأن أهلية الكتاب تقتضي مراعاته، والعمل به. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: قد أرسلنا إليكم رسولنا محمدا ﷺ مؤيدا بالمعجزات. وأضافه إلى ضمير العظمة؛ تشريفًا له؛ وإيذانًا بوجوب اتباعه. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي: يظهر لكم كثيرا من الأحكام التي كنتم تخفونها عن العوام. وذلك مثل: حكم رجم الزاني المحصن. ومثل: البشارة بالنبي ﷺ ، وكتمان وصفه ﵇. وكان بيان الرسول - صل الله عليه وسلم - لهم ذلك: من دلائل نبوته، إذ هم يعلمون أنه نبيٌّ أُميٌّ، لم يطع على شيءٍ من كتبهم. ومن ثَّمَ آمنَ به عددٌ من أحباوهم وعلمائهم. ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: ويترك كثيرا مما كنتم تكتمونه، مما لم تَدْعُ الحاجة الدينية إلى إظهاره؛ صيانةً لكم عن زيادة الافتضاح. أو ويُغضي عن كثير من إساءتكم فيقابلها بالصفح والغفران.

стр. 1058

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾: قد جاءكم النور العظيم؛ محمَّد ﷺ لأنه أنار الطريق، ووضح السبيل إلى الحق. وقد وصفه الله بأنه أرسله: "سِرَاجًا مُّنِيرًا" (١). (وَكِتَابٌ مبِينٌ): يبيّن الحق، ويُوضح كل ما يحتاج إليه الناس لهدايتهم. وهو القرآن الكريم. ١٦ - ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ .... ﴾ الآية. يهدي الله - بهذا القرآن - منَ كان همُّه الدينَ، واتَّبع كلَّ ما يُرضي ربه، فإنه طريق النجاة والفلاح، والخير والرشاد. ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ ويخرجهم من ظلمات الضلال والأوهام، إلى نور الإيمان واليقين. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: ويهديهم إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنة النعيم. وجمع الضمير في قوله: (يُخْرِجُهُمْ)، (وَيَهْدِيهِمْ) باعتبار معنى "مَنْ". وهذه الهداية هي عين الهداية السابقة. وإِنما عطفت عليها؛ تأكيدًا لمدلولها، وتنزيلًا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي. وجاء الفعل المضارع "يَهدِي"، "وَيُخْرِجُهُمْ"، "وَيَهدِيهِمْ" للدلالة على استمرار هذه النعم في الاستقبال، كما هي في الحال.

стр. 1059

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾. التفسير ١٧ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ … ﴾ الآية أَرسل الله عيسى ﵇ إِلى بني إسرائيل: يدعوهم إلى التوحيد، والعمل الصالح. ولما كانت ولادته من غير أب - كما تقدم في سورة آل عمران - غَلَا فيه النصارى. فزعموا أنه: إِله أو ابن الله: ﴿تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلوًّا كَبِيرًا﴾. ولهذا القول الشنيع، حَكَمَ القرآنُ عليهم بالكفر، وردَّ عليهم بما يبطل عقيدتهم بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. أي: قل لأُولئك الكفار يا محمد: مَن يقدر أن يمنعَ الله من شيء أَراده .. ومِنْ ذلك أَن يُهلك المسيح ابن مريم وأُمَّهُ ومن في الأرض جميعًا؟ .. لا أَحد يستطيع ذلك … وهم يقرّون به. وإذا كان المسيح لا يستطيع أَن يدفع عن نفسه ولا عن أمه - شيئًا؟. فكيف يكون إِلها، وهو لا يستطيع دفع الهلاك عن نفسه؟

стр. 1060

ومن صفات الإله أنه لا يعجز عن شيء. وإذن، فالمسيح ابن مريم - وأمه - مخلوقان كسائر مخلوقات الله، التي ينفذ فيها حكم الله، ولا يُرَدُّ عنها قضاؤه. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: ولله - وحده - ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما. فلا شريك له في ذلك. وهذا دليل آخَر، على نَفْيِ الأُلوهية عن عيسى؛ لأنه لو كان إلها - كما يزعمون - لكان له شيءٌ في ملك السموات والأرض وما بينهما - وقد ثبت في كتبهم أنه يردُّ الأُمور كلها إلى الله ملكا وتصرفا. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: أي: يبدع ما يشاؤُه عن المخلوفات - على أي صورة - وفقًا لحكمته - جل وعلا -. ﴿وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: وهو القادر على كل شيءٍ من الخَلقِ وغيره. ومن ذلك: أنه خلق عيسى من غير أب كما خلق آدم من غير أب وأم. وفي هذه الآية، بيان لبعض أحكام الملك والأُلوهية، على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبه في أمر المسيح ﵇ لولادته من غير أب. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.

стр. 1061

التفسير ١٨ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ … ﴾ الآية. سبب النزول: أَخرج ابن جرير، والبيهقي، عن ابن عباس ﵄ قال: "أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسم نعمانُ بنُ آصا، وبحرُ بن عمر، وشاسُ بن عدي فكلموه، فكلمهم رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الله، وحذَّرهم نقمتَهُ، فقالوا: ما تُخوّفُنَا يا محمَّد؟ نحن أبناءُ الله وأحباؤُه!! فأنزل الله فيهم الآية". وكلمة "الله" ترددت في أسفار العهد القديم: "سفر الخررج: ٤: ٢٢ يقول الرب: إسرائيل ابني البكر"، والمزامير ٨٩: ٢٦، ٢٧: "يدعوني أبي: أنت إِلهي، وصخر حياتي". وشر أرمياء ٣١: ٩ "لأني صِرتُ لإسرائيل أبًا، وافرايم هي بكرى" كما تردد في العهد الجديد: إنجيل متى ٥: ٩ "طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم: أبناءُ الله يدعون" وفي رسالة بولس إِلى أهل رومية ٨: ١٤ "لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم: أَبناءُ الله" واليهود يطلقون على أَنفسهم الآن (شعب الله المختار)، يعنون بذلك أنهم أحباؤُه، المختصون به دون سائر البشر. ومعنى الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى﴾ هذه المقالة النابية: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فلنا من الفضل والتكريم ما ليس لغيرنا. فهو يعاملنا معاملة الأب لأبنائه: يعطف علينا، ويرحمنا ولا يعذبنا. فرد الله عليهم هذا الزعم الباطل بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾: أي: قل لهم يا محمد: إن كنتم كما زعمتم: أبناء الله وأحباءه، فلأي شيء يعذبكم بذنوبكم. وأنتم مقرون بأنكم ستعذبون على ما ارتكبتم من خطايا، كما حكى القرآن عنكم:

стр. 1062

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا معدودةً﴾ (١): وهذا يتنافى مع دعواكم القرب من الله، ومحبته لكم؟! وإذن، فلا مزية ولا فضل لكم على سائر البشر. ولستم بأبناء الله ولا بأحبائه. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾: أَي ما أنتم إلا بشر كسائر البشر من خَلق الله، من غير مزية لكم عليهم. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: والله يغفر لمن يشاءُ من عباده: الذين فرط منهم بعض الخطايا: وهم المؤمنون باللهِ تعالى وبرسله. ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاَءُ﴾: وهم الكفرة الذين كفروا بالله وبرسله وأَنتم، متهم فكيف تزعمون محبته لكم، وعدم تعذيبكم على ذنوبكم؟! ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: وله - وحده - ملك السمو ات والأرض وما بينهما: خلقًا، وملكًا، وتصرفًا. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. ومصير البشر جميعًا ومرجعهم، إليه تعالى وحده، فيجازي الذين أساءُوا بما عملوا، ويجازي الذين أَحسنوا بالحسنى. وليس له من خلقه بنون ولا بنات وليس لأحد عنده من فضل أو مزية على غيره إِلا بالإيمان والعمل الصالح. فآمنوا باللهِ وبرسوله محمد ﷺ واتركوا تلك الدعاوي الباطلة، لتكونوا من المفلحين.

стр. 1063

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾. المفردات: ﴿فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾: أَي بعده مدة خلت من الرسل. التفسير ١٩ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ … ﴾ الآية. كرر الله تعالى الخطاب بطريق الالتفات؛ بعد ما أعرض عن خطابهم فذكرهم بأُسلوب الغيبة. وهو يحكي أَكاذيبهم. وإنما التفت إِليهم: تلطفًا في دعوتهم، لعلهم يهدون. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: قد أتاكم رسولنا محمَّد صلى الله عليه وسم وهو الذي بَشَّرَتْكُم به كُتُبُكُم، وأخبركم به أنبياؤُكم. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾: جاءكم بعد مدة خلت من الرسل: يبين لكم ما اندثر من الأحكام، ويبلغكم ما احتاج إِليه العصر من شرع جديد، ويصحح ما حدث في كتبكم من تحريف. روى البخاري عن أبي هريرة: أنه ﷺ ، قال: "أَنا أوْلَى الناس بعيسَى ابنِ مريمَ؛ لأنه ليسَ بيني وبينَهُ نَبِيٌّ (١) ".

стр. 1064

﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾: أرسلناه إليكم لئلا تقولوا: ما جاءَنا بشير يُبَشرنا بحُسْن العاقبة للمؤمنين، ولا نذير يندرنا بسوءِ المصير للضالين. ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾: فقد جاءَكم البشير والنذير، يبين لكم: أن الخلاص والنجاة والسعادة، منوطة بالإِيمان بما جاءَ به، وبالعمل الصالح الذي يدعوكم إليه. والتعبير بقوله: (مِن بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ): حيث جاء بمِنْ، لاستغراق النفي لكل الأَفراد. ونكَّر لفظ: "بَشير ونَذِير" لتأكيد الاستغراق في النفي. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: والله هو القادر على كل شيءٍ. فهو - لذلك - يَقْدِر على ثواب من أَطاعه، وعقاب من عصاه. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾. المفردات: (مُلُوكًا): أَحرارا، عندكم ما تمكون به أموركم، بعد أن كنتم مملوكين للفراعنة. (الْمُقَدَّسَةَ): المعظمة، حيث جعلت مسكن الأنبياء. (تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ): ترجعوا على أعقابكم: بعدم امتثال ما أُمرتم به.

стр. 1065

التفسير ٢٠ - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية. هذا كلام مستأنف، لبيان ما فعله بنو إسرائل، بعد أن أَخذ الله الميثاق منهم، وتفصيل لكيفية نقضهم له. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾: والمعنى: واذكر لهم - أَيها الرسولُ - ما حدث من أسلافهم، وقت أن قال موسى ﵇ لقومه ناصحًا، ومستميلا لهم بإضافتهم إليه: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: تذكَّروا إِنعام الله عليكم واشكروه على هذا الإِنعام. ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾: لأنه جعل فيكم أنبياء كثيرين؛ يبلغونكم الخير، ويرشدونكم إلى سواءِ السبيل. ولم يبعث في أَمة من الأمم من الأنبياء، مثل ما بعث في بني إسرائيل. ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾: وجعلكم أحرارًا تملكون أمور أنفسكم وأموالكم، بعد أَن كنتم عبيدًا مستذلين لفرعون وجنده. ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: وأعطاكم من النعم ما لم يعطِ غيركم من العالمين. إذْ أنجاكم من عدوكم، وشق البحر لكم، وأغرق فرعون وجنوده فيه، وأظلَّكم بالغمام، وأَنزل عليكم الْمَنَّ والسَّلوى، وغير ذلك. ٢١ - ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ … ﴾ الآية. دعاهم موسى مستميلا إِياهم - أَيضا - بإضافتهم إِلى نفسه، طالبًا منهم، أن يدخلوا الأرض المقدسة، التي وَعَدَهُمُ الله سُكْنَاها - بعد خروجهم من مصر - فقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾:

стр. 1066

أَي: ادخلوا الأرض المقدسة التي قدَّر الله لكم دخولها لتنشروا التوحيد بين أهلها، ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: ولا تنكصوا على أعقابكم، بمخالفة ما أمركم به، فترجعوا خاسرين في دنياكم وأُخراكم. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾. المفردات: (جَبَّارِينَ): جمع جبار، وهو العاتي الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يريده منهم. التفسير ٢٢ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾: أي: قال بنو إسرائيل: هلعًا وجُبْنًا يا موسى إن فيها قوما شديدي البطش لا نستطيع مقاومتهم، ولا قدرة لنا على قتالهم وهم الكنعانيون ومن جاورهم - فَلن نَدْخُلَها حتى يخرجوا منها بِأنفسهم .. فإِن خرجوا منها، فإنا ندخلها دون حرب وقتال، وهذا مطلب عجيب؛ إذ كيف

стр. 1067

يخرج أهل البلد الأقوياءُ الجبارون من بلدهم طواعيةً؛ ليدخلها هؤُلاء الجبناءُ فاتحين! (١). ٢٣ - ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا … ﴾ الآية. قال لهم رجلان من الذين يخافون الله، ويخشون مخالفة أمره، وعصيان رسوله: قد أَنعم الله عليهما بنعمة التوفيق والسداد وفي وصفهم بذلك، تعريضٌ بأن مَن عداهما من القوم، لا يخافون الله، بل يخافون العدو، ويَجْبنُون عن لقائه. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾: باب المدينة، وباغِتوهُم بالقتال، ولا تَدَعوا لهم فرصةً للتفكير والاستعداد لكم. ﴿فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾: فإذا فعلتم ذلك، كان الله معكم بعونه ونصرته، وانتصرتم عليهم وغلبتموهم وتَمَّ لكم ما أردتم، فإن المباغتة تصيب العدو بالشلل. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: وعلى الله - وحده - فتوكلوا عند الهجوم عليهم، ولا تخشَوْا عدوكم بعد أن تتخذوا الأسباب وتعدوا العدة - إن كنتم مؤْمنين بالله حق الإيمان، مصدقين بوعده، واثقين بنصره. وفي الأمر بالتوكل على الله - بعد اتخاذ الأسباب - دليل على أنها لا تؤَثر وحدها، دون إِذنه ومعونته، كما أَنه دليل أَيضا، على أن التوكل - بغير اتخاذ الأسباب لا يليق بالمؤْمنين. وهو حينئذ، يكون تواكلا لا توكُّلًا. والتواكل مدعاة للهزيمة. ولكنَّ بني إسرائيل، لم يقنعهم هذا القول، بل أصروا على موقفهم، ولم يبالوا بنصح الناصحين لهم. وقالوا لنبيهم موسى ما حكاه القرآن عنهم بقوله:

стр. 1068

﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾. المفردات: (فَافْرُقْ): فافصل. (الْفَاسِقِينَ): الخارجين عن الطاعة. (يَتِيهُونَ في الْأَرْضِ): يتحيرون ولا يهدون. (فَلَا تَأْسَ): فلا تحزن. التفسير ٢٤ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا … ﴾ الآية. أَي إنا - يا موسى - لن ندخلها أبدا ما دام هؤُلاء - الجبارون مسيطرين عليها؛ لأَنه لا طاقة لنا بلقائهم. وذلك لجبنهم المغروس في نفوسهم، وضَعْفِ إِيمانهم. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾: فإن كنت مصمما على دخولها، فاذهب أنت وربك لقتالهم وإخراجهم منها. وكأنهم يصورون الله بأنه إِله موسى وحده، وليس إِلهًا للجميع - أما نحن فإنا ها هنا قاعدون منتظرون. فما أقبحَ تَصَوُّوَهم في شأن الله تعالى، وَزَعمَهُم أنه جسد ينزل إِلى الأرض ويقاتل من أجلهم!!

стр. 1069

والظاهر أَنهم قالوا ذلك: استهانةً بالله وبموسى ﵇. ولما وجد موسى ﵇ منهم هذا العنادَ والإِصرارَ على المخالفة، والجبن عند لقاءِ الأعداءِ، التجأَ إِلى ربه، متضرعًا يشكو إليه فسوق قومه وجبنهم. وهذا ما حكاه الله بقوله: ٢٥ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي … ﴾ الآية. اتجه موسى إلى مولاه وناداه أَي قال: يا رب؛ لا سلطان لي على أَحد إلا على نفسي وأَخي هارون فأنا وهو في طاعتك، ولا أَحد من هؤُلاءِ الجبناء أستطيع أن أَحمله على الطاعة والاستجابة إلى ما دعوت إِليه. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: فاقض بيننا وبين هؤُلاء القوم الخارجين عن طاعتك. بأَن تحكم لنا بما نستحقه، وعليهم بما يستحقونه. ٢٦ - ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية. أجاب الله ، دعاءَ نبيه موسى ﵇. فقضى بتحريم هذه الأرض المقدسة على هؤُلاءِ الفاسقين، أَربعين سنة، يتيهون متحيرين في البيداء؛ لا يهتدون، ولا يعرفون لهم قرارا، جزاءَ جبنهم وضعفهم عن لقاءِ الأعداء، واستهانتهم بأَوامر الله. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: فلا تحزنْ يا موسى، على هؤُلاء الجبناءِ، إِذْ عوقبوا بهذه العقوبة، فإِنهم فاسقون متمردون، مستحقون لها. ولقد كان بنو إسرائيل - في هذا الوقت - في سيناء.

стр. 1070

ثم إِن اليهود لما دخلوا فلسطين - بعد هذه العقوبة - مكثوا فيها مدة محدودة، ثم أشركوا باللهِ. فقضى الله عليهم بالتشريد في أنحاء الأرض. وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وغضب عليهم غضبا شديدا. وفي هذا تذكير لبني إسرائيل المعاصرين للنبي - صلى الله عليه رسلم - بما كان عليه أسلافهم من قبائح، ليتركوها، حتى لا يتعرضوا لعقاب الله وانتقامه، كما حلَّ بأسلافهم بسبب عصيانهم وجبنهم. وفي هذه القصة: تسليةٌ للرسول ﷺ فكأنه تعالى يقول له: فهؤُلاء هم اليهود .. وهذه هي أَعمالهم مع أنبيائهم .. وهذا هو جبنهم وخورُهم .. فاصْبرْ على ما أصابك منهم، وتعزَّ بما أَصاب موسى ﵇ والعاقبة لك، ولأتباعك المؤمنين.

стр. 1071

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾. المفردات: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ): واقرأ على اليهود والنصارى. أَو على أُمتك يا محمَّد. (نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ): خَبَرَهما. (قُرْبَانًا): القربان؛ ما يُتقرَّب به إِلى الله من ذبيحة أَو صدقة أَو نحوهما. (بَسَطْتَ): مَدَدْت. (تبُوَءَ): ترجع. (بِإِثْميِ وَإثْمِكَ): بذنبي وذنبك. التفسير ٢٧ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ … ﴾ الآية. قِصَّةُ ولدَي آدم، جاءت في أَثناء الحديث عن اليهود؛ لتذكيرهم - وخاصة أنهم أَهل بغي - ولتذكير غيرهم من الأُمم، بأن من قتل نفسًا - بغير نفس أو إفساد - فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها - بصلاح أَو إصلاح - فكأنما أَحيا الناس جميعًا، لعلهم يثوبون إِلى الرشاد، ويكفون عن الفساد.

стр. 1072

وقد بدأها القرآن الكريم، بخطاب النبي ﷺ . فقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾: والمعنى: واتل يا محمَّد على اليهود - أو على أُمتك - خبر ابنيْ آدم تلاوة مقترنةً بالحق والصدق، حين قَدَّم كل منهما إلى الله قربانًا، ولم يكونا على درجة واحدة من الإِخلاص فيما تقربا به، فتقبَّل اللهُ قربان المخلص، ولم يتقبل قربان غيره. فامتلأَ قلبه غيظًا وحسدًا وحقدًا على أخيه التَّقِي الذي قُبِل قربانُه، مع أَنه لا ذنب للتقي في رفض الله قربان الشقي لأن المذنب هو الشقي بعدم إخلاصه لله تعالى. ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: قال الشقي لأَخيه التقي: لأَقتلنك. يريد بذلك أَن يتخلص منه، حتى لا يراه بعدما تقبل الله قربانه. فإن غريزة الفساد، لا تطيق الصلاح. فأَجابه أَخوه الصالح بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ يريد بذلك أَنه لا ذنب له في عدم قبول قربانه، وأَن الذنب آت من قبله هو؛ لأنه لما لم يتق الله، لم يقبل الله قربانه، فإِنه تعالى، لا يتقبل إِلا من أَهل التقوى. فلو اتقاه قبل منه قربانه … فلا وجه لتحميله تبعة رفض قربانه وإقسامه على قتله. وكما ذكرنا؛ طبيعة الشقي تسوغ له أَلَّا يرى إِلا الأَشقياء. كما أَن طبيعة التقي، تحبب إِليه أَلا يوجد إِلا الأَتقياء. فقال لأَخيه: ٢٨ - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: يقول الأخ الصالح الذي تُقبِّل قربائه لأخيه الذي لم يتقبلْ منه، وتورط في الإِقسام على قتله: تالله لئن مَددتَ إلى يدك لتقتلني، ما أَنا بباسط يدي إليك لأَقتلك، لأَنِّي أَخاف عقوبة الله رب العالمين إِن أنا قتلتك!! يريد بمَا قاله: أَن يوقظ ضمير أَخيه، ليخاف عقاب الله تعالى، فيعدل عما أَقسم عليه، من قتله بدافع الحقد الذي لا مبرر له.

стр. 1073

٢٩ - ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾: إِني أريد باستسلامي لك، وعدم قتلك - ابتداءً أو دفاعًا - أَن ترجع بإِثم قتلك لي، وإِثمك الذي لأجله لم يتقبَّلْ قربانك، إِذا أَصررت على قتلي ولم تخف رب العالمين، فتكون بذلك من أصحاب النار اللازمين لها، وهذا عقاب الظالمين المعتدين. يريد بذلك، أن يوقظ ضميره، وأَن يعلم المصير الذي ينتظر القاتلين. وأنه لا ينبغي لأخ أن يقاتل أخاه، ولكن له أَن يدافع عن نفسه دون قتل أخيه إِذا استطاع إِلى ذلك سبيلا. والإِسلام يقرر ردَّ العدوان بمثله. ويمنع قتال المسلم لأخيه المسم، ما لم يكن مضطرا للدفاع عن نفسه ولم يجد له نجاة إلا بقتل من اعتدى عليه. قال تعالى: "… فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ … " (١). قال الجصاص: فالصحيح من المذهب - أي مذهب المالكية - أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره، وإِن أَدى ذلك إِلى القتل. وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ … ﴾ الآية. إن المعنى: لئن بسطت إِليَّ يدك - على سبيل الظلم والابتداء - لتقتلني، ما أَنا بباسط يدي إليك، على وجه الظلم والابتداء. وعلى هذا التفسير، تكون الآية داعية إِلى الاستسلام للقاتل، حتى تكون منسوخةً بنصوص الدفاع عن النفس، كما ذهب إِليه بعضهم. بل الغرض منها: أَنه لن يكون بادئا بالقتل، حتى لا يكون ظالما؛ لأنه يخاف الله رب العالمين. قال الآلوسي: ولعل مراده بالذات، إِنما هو عدم ملابسته للإِثم، لا ملابسة أَخيه للإِثم، إِذ إرادة الإِثم من آخر، غير جائزة.

стр. 1074

والصحيح الذي عليه الجمهور: أن هذه القصة لولدين لآدم ﵇ من صلبه - وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر النص - وليست لرجلين من بني إسرائيل كما قال الحسن البصري؛ لأن بني إِسرائيل كانوا يَعْرِفون كيف يُدْفَنُ الموتى. ولم يكونوا بحاجة إلى أَن يتعرفوا ذلك بالاقتداء بالغراب. وخلاصة ما قيل في قصتهما: أَن حواءَ أُم البشرية، كانت تلد - في كل بطن - ذكرا وأُنثى، وكان آدم ﵇ يزوج ذكر بطن لأُنثى بطن الآخر. بالعكس. ويجعل الافتراق بالبطون، بمنزلة الافتراق بالنسب، للضرورة. وكانت التوأم لا تخل - في شريعته - لتوءَمها. وحدث أن حواءَ ولدت ولدا أسمته قابيل، وكانت توءَمُهُ أنثى جميلةً. ثم ولدت ذكرا آخر أسمته هابيل، وكانت توءمه أنثى غير جميلة. فلما بلغوا مبلغ الزواج، أراد آدم أن يجري عليهم شريعته، بأَن يزوج قابيل لتوءَم هابيل، ويزوج هابيل لتوءَم قابيل. فرفض قابيل ذلك، وقال أنا أَحق بتوأمي من هابيل. ولم يكترث بزجر أَبيه إياه، فدعاهما آدم إلى أَن يُقَرِّبَا قرْبَانًا إِلى الله، وذكر لهما أَن من قُبل قربانُه فهو صاحب الحق في التزوج بالأُخت الجميلة، وإِنما قال ذلك، لعلمه أن الله تعالى، لن يقبل من قابيل، لأن زواجه من توءَمه ليس مما شرعه الله لهم. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ماشية، فقدم كلاهما قربانًا مما عنده فقبل الله قربان هابيل دون قابيل. وتأكد بذلك حقه في الزواج من توءم قابيل. فحقد قابيل على هابيل، وحلف ليقتلنه. وكان من أمره وأَمر أَخيه ما قص الله تعالى. وهذه خلاصة ما ذكرته كتب التفسير، وإن لم نجد لها سندا في كتب السنة.

стр. 1075

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾. المفردات: (فَطَوَّعَتْ): فسهَّلت ويسرت. ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾: أَي يحفر في الأَرض. ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾: السوءَة في الأصل؛ العورة. والمراد بها هنا: جسد أخيه الذي قتله. (يَاوَيْلَتَا): كلمة جزع وتحسُّر، والويلة والويل بمعنى الهلكة. كأنه ينادى هلاكه ليَحُل به لينقذه مما حل به من الدواهي. (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ): أَي يسبب ذلك. (بالْبَيِّنَاتِ): بالحجج الواضحات. (الَمسْرِفُونَ): المجاوزون الحد في الطغيان.

стр. 1076

التفسير ٣٠ - ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي فسهلت لقابيل نفسه أن يقتُلَ أخاه الصالح، الذي لا ذنب له في عدم قبول قربانه، فقتله، بعد أن بذل له من النصح والإرشاد، والترغيب والترهيب. فما أورثه ذلك إلا الإِصرار على الغَي والانهماك في الفساد، فأصبح - بجريمته النكراء التي لا مبرر لها - من الخاسرين، الذين خسروا أنفسهم فأفسدوا فطرتها. وخسروا أَقرب الناس إليهم وأعونهم على بأساء الحياة. وخسروا حسن السمعة في الدنيا. وخسروا النجاة من العقاب في الآخرة. وبذلك خسر الدنيا والآخرة: وذلك هو الخسران المبين. ٣١ - ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ … ﴾ الآية. لم يكن الدفن معروفًا للبشرية، قبل هذه الحادثة الأولى، التي راح ضحيتها - لأول مرة - إنسان كان مملوءًا حيوية ونشاطا، فأصبح جثة هامدة يتسرب إليها العفن، ويسرع إليها النتن، ويؤْذي ريحها الأنوف، ويضيق النفوس. والجاني - أَمام جريمته وآثارها - حيران لا يدري كيف يتصرف. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾: وحينئذ: أَرسل الله غرابا. وجعله يحفر أَمامه في الأَرض - بمنقاره ورجليه - حفرة ثم أَلقى فيها غرابا آخر ميتا وواراه بالتراب. فعرف قابيل بذلك كيف يواري سوءَة أَخيه. ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾: أي فنادى - متّحسرا جزعا -: يا ويلتا اعجزت عن أن أكون مثل هذا الغراب، فأُواري جثة أَخي. كما وارى الغراب جثة أَخيه!! ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾: على قتله، بعد ما رأَى وعاش في آثار جريمته. ٣٢ - ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا … ﴾ الآية. أَي من أجل فظاعة القتل ظلما، وسوء آثاره في الدنيا والآخرة، قضينا على بني إِسرائيل في كتابهم: أَنَّ من قتل نفسا بغير قصاص في نفس، أَو بغير فساد في الأَرض

стр. 1077

يوجب إهدار الدم كالشرك، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن الواحد صورة للجماعة، فالجرأة على قتله، استهانة بحق المجتمع كله. وجرأة عليه كله. ومن أحيا نفسا ليس عليها قصاص ولا حدّ - بأَن حال دون قتلها ظلما بالنصيحة أو القوة، أَو أنقذها من التهلكة بنحو غرق أو حرق - فكأَنما أحيا الناس جميعًا. وفائدة هذا التشبيه: الترهيب والردع من قتل نفس واحدة، بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والتحضيض إحيائها، بتصويره بصورة إحياء جميع الناس. وتخصيص بني إِسرائيل بالذكر - مع أن الأَمر كذلك بالنسبة إلي غيرهم - لأَن الحسد كان منشأ هذه الجريمة، وهو غالب عليهم، ولأنهم كانوا يستهينون بجريمة القتل، حتى لم يتورعوا عنها في أَنبيائهم، فنبههم الله - في كتابهم - إِلى فظاعة هذه الجريمة حتى يحذروها. ولقد اهتدى علماءُ القانون، إِلى ما قرره القرآن الكريم، من أَن العدوان على الفرد يعتبر عدوانا على المجتمع. ولذا، لو تنازل المجني عليه - أَو ورثته عن حقوقهم قِبلَ الجاني - فمن حق النائب العام الذي يمثل المجتمع، عدم التنازل، حفاظًا على حق المجتمع، وصونا لحرُماته. ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾: ولقد جاءَتْهُم رسل الله - واحدا بعد آخر - بالآيات الواضحات؛ الناطقة بتقرير ما كتبناه عليهم، ثم إِن كثيرا منهم - بعد ما كتبناه عليهم وأَكدناه بإِرسال الرسل - لمسرفون في قتل الناس غير مبالين به. فمن قرأَ تاريخهم، هاله ما ارتكبوه: من المذابح والتحريق والتمثيل بالبشر .. وكتبهم ناطقة بذلك مما يندى له الجبين. ولا يزالون - حتى اليوم - علَى عنتهم في الإِسراف في سفك الدماءِ. وهذه أرض فلسطين - وما جاورها من البلاد العربية - تشهد أفظع المذابح والإبادة للعرب بأيدي الإِسرائيليين الدنسة.

стр. 1078

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾. المفردات: (يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): المحارب؛ من يحمل السلاح على الناس في البر أو البحر أو الجو، دون إثارة منهم له. والمغتال كالمحارب. ويشمل القراصنة في البر والبحر والجو، كقطاع الطرق … ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: أي تمردا على ما شرعه الله من الأمن والطمأنينة للإنسانية كلها. ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾: المقصود بالأرض؛ الأرض التي يكتسبون فيها نفوذا حراما. ينفَوْن منها إلى حيث لا نفوذ لهم، ولو سجنا. شَلًّا للجريمة. التفسير ٣٣ - ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا … ﴾ الآية. الربط: لمَّا بين الله - قبل هذه الآية - أن قتل النفس الواحدة له خطورتُه عند الله تعالى، وأنه يعتبر - عنده - كقتل الناس جميعًا، أتبع ذلك هذه الآية الكريمة، التي تضمنت من التشريع، ما يردَع المعتديَ الأثيم، ويكفه عن ترويع الناس والإِفساد فيما بينهم. فقال تعالى:

стр. 1079

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾: والآية نزلت في قطاع الطريق. كما قاله كثير من المفسرين والفقهاءِ، وأصحاب الرأي … نقل ذلك الطبرسي وغيره. والمقصود من محاربتهم اللهَ ورسولَهُ، قطعُهُم الطريقَ على الناس، وإفسادُهم في الأرض وترويع الآمنين. وجعْل عملهم هذا حربًا لله ورسوله؛ إِنما هو لتمردهم على ما شرعه الله ، من وجوب الكف عن إيذاء الناس، وتوفير أسباب الأمن والسلام لهم. المعنى: أَفادت الآية، أَن الذين يَسْعَوْن في الأرض فسادًا، بقطعهم الطريق على الناس، يسلبونهم أموالهم أو أعراضهم، أو يقتلونهم، أو يقطون أطرافهم - يعاقبون بتقتيلهم أو تصليبهم (١)، أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو نفيهم من الأرض. وبيان ذلك في مسائل: ١ - أن وصف المحارب لله ولرسوله، يطلق على من حمل السلاح على الناس في مدينة أو قرية، أَو في طريق أَو صحراءَ، وكابرهم عن أنفسهم وأَموالهم، دون إثارة منهم له، أو ثأَر أَو عداوة. ٢ - أن المغتال كالحارب. وهو أَن يحتال في قتل إنسان، ليأخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح. بأَن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأَطعمه سُمًّا فِقتله، فَيُقتَل حدًّا لا قَوَدًا أي يقتل قصاصًا. ٣ - اختلف العلماءُ في حكم المحارب. فمنهم من قال: يعاقب بقدر ما فعل. من أَخاف السبيل وأَخذ المال - قُطِعَت يدُه ورجلهُ من خلاف. وإن أَخذ المال وقَتَل، قُطِعَت يدُهُ ورجلُهُ، ثم صُلِبَ وقُتِلَ. فإِذا قَتَلَ ولم يَأخذِ المالَ، قُتِلَ. وإِن لم يَأخُذِ المالَ ولم يَقْتُل، نُفِيَ. وبهذا قال النخعي، وعطاء وغيرها.

стр. 1080

وقال أبو يوسف: إذا أخَذَ المالَ وقَتَلَ، صُلِبَ وقُتِلَ على الخشبة. قال الليث: بالحربة: مصلوبًا. وقال أبو حنيفة: إذا قَتَلَ قُتِلَ. وإِذا أَخَذَ المالَ ولم يَقتُل، قُطِعَتْ يَدُهُ ورجلُه من خلاف. وإذا أخَذَ المالَ وقَتَلَ: فالسلطان مخيرٌ فيه: إن شاء قَطَع يدَهَ ورجلَه، وإن شاء لم يَقْطَع وقَتَله وَصَلَبَه. وقال الشافعي: إذا أخذ المالَ، قُطِعتْ يده اليُمنَى، وحسِمت (١)، ثم قُطِعَتْ رجْلُهُ اليسرى وحُسِمَت. وخُلِّيَ سبيلُه، لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة. وإِذا قَتَلَ قُتِلَ، وإذا أخذَ المالَ وقَتَلَ، قُتِلَ وصُلِبَ. وروى عنه أنه قال: يُصَلَّبُ ثلاثَةَ أيام، وأَنه يكره أن يُقْتَلَ مصلُوبًا، بل يصلبُ بعد القتل، لنهي رسول الله ﷺ عن الْمُثْلَة … وبمثل قوله قال أحمد. وقال أَبو ثور: الإِمام مخير على ظاهر الآية. وكذا قال مالك وابن عباس، وسعيد ابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي كلهم قال: الإِمام مخير في الحكم على المحاربين؛ يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى، من القتل والصلب، أَو القطع، أو النفي. أَخذًا بظاهر الآية. وروى عن ابن عباس، أنه قال: إن كان في القرآن "أَوْ" فصاحبه بالخيار. وهذا هو الأظهر، وهو ما نرجحه. ٤ - النفي من الأرض؛ اختلف في معناه: فعن الشافعي: أنهم يُخْرَجون من بلد إلى بلد، ويطْلبون لتقام عليهم الحدود. وبه قال الليث بن سعد، والزهري. وقال مالك: ينْفى من البلد الذي أَحدث فيه الحرابة إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني.

стр. 1081

وقال الكوفييون: نفيهم؛ سجنهم … فيُنْفَى من سعة الدنيا إلى ضيقها. حكى مكحول عن عمر قال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة. ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيَهُم. قال القرطبي: والظاهر أَن الأرض في الآية هي أرض النازلة - أي مكان الجريمة - ثم قال: ينبغي للإمام - إِذا كان هذا المحارب مخوف الجانب: يظن أَن يعود إلى حرابة، أَو إفساد - أَن يسجنه في البلد الذي يغرب إِليه. وإن كان غير مخوف الجانب، سرِّح. قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك؛ أَن يغرب ويسجن حيث يغرب. وهذا على الأغلب في أنه مخوف. ورجحه الطبري؛ لأن نفيه من أَرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعد، بحسب الخوف منه. فإن تاب وفهمت توبته، سرِّح. ٥ - لا يراعي في المال الذي يأخذه المحارب نصاب، كما يراعي في السارق. وقيل: يراعى أن يكون ربع دينار. وهو نصاب القطع. قال ابن العربي: قال الشافعي، وأَصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق، إِلا مَنْ أَخذ قدر ما تقْطع فيه يدُ السارق. وقال مالك: يُحْكم عليه بحكم المحارب. وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى - وقّت على لسان نبيه القطع في السرقة، في ربع دينار. ولم يوقت في الحرابة شيئًا، بل ذكر جزاءَ المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء - على المحاربة - عن حقه. ثم إن هذا قياس أصل على أَصل. وهو مختلفٌ فيه. وقياس أدنى على أعلى. وذلك عكس القياس وكيف يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال، فإن شعر به فرّ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صِيح عليه وحارب عليه، فهو محارب: يُحْكم عليه بحكم الحارث. قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس: إذا جاءَني أَحد بسارق - وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأَصحابه يأخذون مال

стр. 1082

الرجل - حكمت فيهم بحكم المحاربين .. فافهموا هذا من أَصل الدين، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين. إ هـ. نقول: وهذا ما يسميه علماءُ القانون: "سرقة بالإِكراه". وفي المسألة أحكام عظيمة، وتفاصيل نفيسة ينبغي لأَهل القضاءِ أن يعرفوها ليطبقوها على الذين يعيثون في الليل والنهار فسادا. فليتعرفها هؤلاء القضاة من مظانها في كتب التفسير المطولة. المعنية بأحكام القرآن، وفي كتب الفقه. ولينفذوها في أولئك المحاربين لله ورسوله، قطعًا لدابرهم. ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أَي: ذلك الذي مرّ من جزاء المحاربين، خزيٌ وذل وفضيحة لهم في الدنيا .. ولهم في الآخرة عذاب عظيم. وإنما بولغ في جزاء قطاع الطريق؛ لأنهم يَسُدُّون سبيل الكسب والتجارة على الناس، ويُلْزِمُونهم البيوت، ويقطعون الأرزاق عن عباد الله، ويروِّعونهم في مآمنهم، فلذا، شُرِعَ لهم أشدُّ العقاب، قطعًا لدابرهم. ٣٤ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أفادت هذه الآية: أن توبةَ المحاربين - بعد القدرة عليهم - لا تنفعهم، بل لا بد من أن تقام عليهم الحدود التي وجبت في الآية السابقة. أما إِن تابوا قبل القدرة عليهم وإمساكهم، فإن حق الله يسقط عنهم، بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أَما حقوق الآدميين من قصاص وغيره، فلا تَسْقُطُ بالتوبة، فإن شاءُوا عَفَوْا، وإِن شاءُوا استوفَوْا منهم حقوقهم، قصاصا عادلًا.

стр. 1083

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾. المفردات: ﴿وَابْتَغُوا﴾: واطلبوا. ﴿الْوَسِيلَةَ﴾: هي ما يتوسل به، ويتقرب إلى الله من فعل الطاعات، وترك المعاصي. التفسير ٣٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ … ﴾ الآية. لما ذُكِرَ جزاءُ المحاربين لله ورسوله، وعِظَمُ جنايتهم، وفُتِحَ لهم بابُ المتاب والغفران، عقب ذلك بأَمر المؤْمنين - عامة - بتقوى الله، والجهاد في سبيله. تأمينا للإنسانية، وإسعادا لحياتها. ويدخل في أمر المؤمنين بتقوى الله المحاربون لله ورسوله. فعليهم أَن يتقوا الله ويجاهدوا أَنفسهم في سبيل رضاه. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا، اجعلوا أَنفسكم في وقاية من عذاب الله. واطلبوا إليه الوسيلة التي تتوسلون بها إِلى ثوابه والوقاية من عذابه، وهي فعل الطاعات وترك المعاصي. ويدخل في الطاعات: التوبة من الذنوب، والاستغفار، والجهاد في سبيل الله: ودفع الفساد. كما يدخل في المعاصي: قطع الطريق والإِفساد في الأَرض اللذان تقدم الحديث عنهما، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ (١).

стр. 1084

أما التقوى، فهي اتقاء المحارم. وأَما ابتغاء الوسيلة إِلى الله، فليس بالاستعانة بالصالحين .. فقد قال فيه الشيخ الآلوسي ما نصه: واستدَلَّ بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم بهم بأَن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا .. ومنهم من يقول للغائب أَوالميت من عباد الله الصالحين، يا فلان، ادع الله تعالى أَن يرزقني كذا وكذا، ويزعمون أَن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة: ويروون عن النبي ﷺ أنه قال: "إذَا أعْيَتْكم الأمورُ فَعلَيْكُم بِأَهلِ القُبُورِ" أو"فَاسْتَعِينوا بِأَهْلِ القبور". وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل. وتحقيق الكلام في هذا المقام: أَن الاستعانة بمخلوق وجعلَهُ وسيلةً - بمعنى طلب الدعاء منه - لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه التوسل حيا، ولا يتوقف على أَفضليته عن الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول. فقد صح أن النبي ﷺ قال لعمر - لما استأذنه في العمرة: "لا تنسنا يا أُخَي من دعائك" وأَمره أَن يطلب من أويس القرني ﵀ أَن يستغفر له، وأمر أمته ﷺ بطلب الوسيلة له" (١) وبأَن يصلوا عليه. وأَما إذا كان المطلوب منه التوسل ميتا أَو غائبا، فلا يستريب أَي عالم في أَنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أَحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم يستطرد الآلوسي ﵀ فيقول: "نعم؛ السلام على أهل القبور مشروع، ومخاطبتهم جائزة. فقد صح أنه ﷺ كان يُعلِّم أَصحابَه إذا زاروا القبور أَن يقولوا: "السلام عَلَيْكم أَهل الديارِ مِنَ المؤمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَهُ بكمُ لَاحِقون. يَرْحَمُ الله المْستقْدِمِينَ مِنْكم - وَالمسْتأخِرِينَ. نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيةَ. اللهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُم، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهم، واغْفرْ لَنَا وَلَهُم".

стр. 1085

ولم يرد عن أحد من الصحابة ﵃ وهم أَحرص الخلق على كل خير - أنه طلب من ميت شيئًا. بل صح عن ابن عمر ﵄، أَنه كان يقول: إذا دخل الحجرة النبوية: "السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أَبا بكر. السلام عليك يَا أَبَتِ" ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك، ولا يطلب من سيد العالمين ﷺ أَو من ضَجِيعَيْهِ المُكَرَّميْن ﵄ شيئًا. ثم قال ﵀: نَعَمْ، الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة، والروضة المعظمة، أَمر مشروع. فقد كانت الصحابة تدعو هناك: مستقبلين القبلة، ولم يرد عنهم استقبال القبر الشريف عند الدعاء. ثم قال - بعد كلام طويل في هذا الموضوع وغيره - مستدلا على أن التوسل لا يكون إلا بالأحياءِ ما نصه: "ففي صحيح البخاري، عن أنس: أَن عمر ﵁ كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس ﵁ فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بِنَبِيِّكَ - صلى الله تعالى عليه وسلم - فَتَسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا فَيُسْقوْن". فإِنه لو كان التوسل به ﵊ بعد انتقاله من هذه الدار - جائزا، لما عدلوا إلى غيره، بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا. وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس، إِلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أَدنى مساغ لذلك. فعُدُولهم هذا - مع أنهم السابقون الأَولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله ﷺ وبحقوق الله تعالى ورسوله ﵊. وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع وهم في وقت ضرورة ومخمصة - أي مجاعة - يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق - دليلٌ واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره". وقد أَطال الآلوسي في هذا الموضوع وما اتصل به، فكتب خمس صفحات تقريبا .. فأرجع إِليه إن شئت (١).

стр. 1086

﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: وجاهِدوا أَعداءكم وأنفسكم، بما أمكنكم في سبيل مرضاة الله، لعلكم تفوزون بالأمن من الأعداء، والحفاظ على الإِسلام وبلاد المسلمين. وحسن ثواب الآخرة. ٣٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هَذا كلام مستانف، مسوق لبيان أن الذين أمرنا الله بجهادهم. هم الكافرون المعذبون بكفرهم يوم القيامة. والمعنى: إن الذين كفروا، لو أن لهم ما في الأرض - جميعًا - من أموالها، وزروعها، وكنوزها، ونفائسها، ومنافعها، ومثله معه - ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة الذي استحقوه بكفرهم، ما تقبله الله منهم، لعظم جريمتهم. ولهم عذاب شديد الإيلام، ولو أنهم فطنوا - في الدنيا - لافتدوا أنفسهم من هذا العذاب بشيء سهل يسير هو الإيمان والعمل الصالح. قبل أن يفاجئهم الموت، ويشهدوا يومًا فيه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١). ٣٧ - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: وأفادت هذه الآية السابقة: أَن الكفار لو أرادوا الافتداءَ من النار كيلا يدخلوها، فلا يقبل منهم. وأفادت هذه الآية: أنهم - بعد دخولها - لا يستطيعون الخروج منها بحال. والإرادة في الآية: بمعنى التمني. كما قال الجبائي. أي يتمنى الكافرون الخروج من النار - بعد أن اصطلوا بسعيرها - وما هم بخارجين منها. بك يبقون فيها. ولهم عذاب دائم لا ينتهي أبدا. وهذه الآية خاصة بالكافرين، كما يفيده نصها. أما المسلمون المذنبون، الذين أُدخلوا النار بسبب معاصيهم، فيخرجون منها ويدخلون الجنة.

стр. 1087

فقد أخرج مسلم، وابن المنذر، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ". وأخرج ابن جرير، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق، قال لابن عباس ﵄: "تزْعمُ أن قومًا يخرجون من النار؟ وقد قال الله تعالى: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنهَا) فقال ابن عباس ﵄: "وَيْحَكَ، اقرأ ما فوقها، يعني: اقرأ أولَ الآية - هذه في الكفار". ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ المفردات: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾: أي عقابًا من الله، ينكل به السارق. أي يردع عن معاودة السرقة، وَيُحَذر به هو وغيره من فعلها. قال صاحب القاموس: النَّكال: ما نكفت به غيرك كائنًا ما كان. وقال أَيضًا: ونكَّل به تنكيلا: صنع به صنيعًا يُحَذِّر غيره. (وَاللهُ عَزِيزٌ): أي غالب، فلا يفوته المعتدون. (حكِيمٌ): في شرع هذا الحد؛ لما فيه من الردع.

стр. 1088

التفسير ٣٨ - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (١) جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ … ﴾ الآية. هذا شروع في بيان حكم السارق، بعد بيان حكم قاطع الطريق. وما بينهما يتصل بحكم قاطع الطريق - كما مر بيانه في الربط. كما أنه يتصل بحكم السرقة، ويعرف ذلك بأدنى تأمل. وقد بين الله في هذه الآية: أن السارق، عقابه قطع يده؛ ذَكَرا كان أَو أنثى. نكالا من الله للسارق وغيره. والنكال: ما نكلت به غيرك، أَي ما حذرته به. ولا شك أن قطع يد السارق، فيه تحذير للسارق نفسه من العودة إلى السرقة، وتحذير لغيره من أن يفعل مثل ما فعل، حتى لا يجْزى مثل جزائه. وقد شدد الله في عقوبة السرقة على هذا النحو، لما تسببه من الانزعاج والأمراض النفسية، والحرمان من أَموال رتَّب صاحبها عليها مصالحه وأَغراضه. فإذا قُطِعت يدُ السارق، كف عن العودة إلى هذه الجريمة غالبًا، وسلِم الناس من آثارها، وارتدع بها من يفكر في السرقة، والتمس - كلاهما - سبيلا إلى الرزق الحلال.

стр. 1089

والسارق: هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ولا شبهة له فيه، دون طعن بسلاح أو تهديد به، فإِن طعن بصلاح، أو هدد به - وهو ما يعرف الآن بالسطو المسلح - فحكمه حكم قاطع الطريق، الذي يسعى في الأَرض فسادا. وقد مر بيانه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ (١). ولا يعاقب السارق هذا العقاب، إلا إذا كان بالغًا عاقلا، غير مالك للمسروق منه، ولا ولاية له عليه .. فلا تقطع يد صبي ولا مجنون، ولا سيد أَخذ مال عبده؛ لأن العبد وماله لسيده. ولا يدُ عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة. قال عمر بن الخطاب ﵁، في غلام لعبد الله بن عمرو الحضرمي سرق مرآة لامرأته ثمنها ستون درهمًا: "غلامكم، سرق متاعكم" ولم تقطع يده. ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما لقوله ﷺ : "أنتَ ومالُكَ لأبِيكَ" (٢)، ويقطع هو في سرقة مال أبويه؛ لأنه لا شبهة له فيه. كذا قيل. والراجح: أَنه لا يقطع؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة. وإِذا كان العبد لا يقطع في سرقة مال سيده، فالابن أولى. وإذا استكمل هذه الشروط، فلا تقطع يده، إلا إِذا سرق ما قيمته ربع دينار. لقوله ﷺ : "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ في رُبعْ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (٣). وبهذا أَخذ عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، والشافعي، والليث وغيرهم. ومن العلماء من قال: تقطع يده في عشرة دراهم، ومنهم من قال: في خمسة دراهم. ومنهم من قال: تقطع في القليل والكثير. والقول الأول: أصح؛ لاستناده إِلى الحديث الصحيح، الذي ذكرناه. وأَما ما رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ: يَسرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ".

стр. 1090

فإن الغرض منه: التحذير بالقليل - فضلا عن الكثير - كما جاءَ في معرض الترغيب بالقليل في بناء المساجد في قوله ﷺ : "مَنْ بَنَى لِله مَسْجدًا وَلَوْ مثْلَ مَفْحَصِ قَطاةٍ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجنةِ". فإِن المساجد لا تكون كمفحص القطاة، وهو المكان الذي تفرخ فيه من الأرض. ومنهم من أوَّل هذا الحديث بأنه: إِذا سرق القليل، اجترأَ على سرقة الكثير الذي تقطع فيه اليد، وهو ربع دينار فأكثر!! ولا يقطع إلا إذا أخذ المسروق من حرز مثله. وهو ما أُعِدَّ - عادة لحفظ أموال الناس. وهو في كل شيءٍ بحسبه. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم .. وإِنما ذلك كالإجماع من أَهل العلم. أهـ. فالبيت حرز للفراش والثياب والمتاع الذي فيه. والقبر والمسجد حرز لما فيهما. والخزانة في مكاتب الناس - أو الحكومة - حرز لما فيها. وظهور الدواب حرز لما تحمل. وأفنية الحوانيت حرز لما فيها … وهكذا … وإذا اشترك جماعة في السرقة، قطعت يد كل منهم، إن بلغت حصته مما سرقوا ربع دينار. ولا يقطع إذا سرق مال نفسه من غاصبه أو مستأجره أو نحو ذلك. كسرقته مالا يشترك فيه مع غيره، أو سرق مالًا له فيه شبهة، كسرقة من يستحق النفقة ممن يجب أن يُنفِق عليه، كالأب من ولده وبالعكس.
следующие страницы →