← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: وجاهِدوا أَعداءكم وأنفسكم، بما أمكنكم في سبيل مرضاة الله، لعلكم تفوزون بالأمن من الأعداء، والحفاظ على الإِسلام وبلاد المسلمين. وحسن ثواب الآخرة. ٣٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هَذا كلام مستانف، مسوق لبيان أن الذين أمرنا الله بجهادهم. هم الكافرون المعذبون بكفرهم يوم القيامة. والمعنى: إن الذين كفروا، لو أن لهم ما في الأرض - جميعًا - من أموالها، وزروعها، وكنوزها، ونفائسها، ومنافعها، ومثله معه - ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة الذي استحقوه بكفرهم، ما تقبله الله منهم، لعظم جريمتهم. ولهم عذاب شديد الإيلام، ولو أنهم فطنوا - في الدنيا - لافتدوا أنفسهم من هذا العذاب بشيء سهل يسير هو الإيمان والعمل الصالح. قبل أن يفاجئهم الموت، ويشهدوا يومًا فيه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١). ٣٧ - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: وأفادت هذه الآية السابقة: أَن الكفار لو أرادوا الافتداءَ من النار كيلا يدخلوها، فلا يقبل منهم. وأفادت هذه الآية: أنهم - بعد دخولها - لا يستطيعون الخروج منها بحال. والإرادة في الآية: بمعنى التمني. كما قال الجبائي. أي يتمنى الكافرون الخروج من النار - بعد أن اصطلوا بسعيرها - وما هم بخارجين منها. بك يبقون فيها. ولهم عذاب دائم لا ينتهي أبدا. وهذه الآية خاصة بالكافرين، كما يفيده نصها. أما المسلمون المذنبون، الذين أُدخلوا النار بسبب معاصيهم، فيخرجون منها ويدخلون الجنة.

стр. 1087

فقد أخرج مسلم، وابن المنذر، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ". وأخرج ابن جرير، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق، قال لابن عباس ﵄: "تزْعمُ أن قومًا يخرجون من النار؟ وقد قال الله تعالى: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنهَا) فقال ابن عباس ﵄: "وَيْحَكَ، اقرأ ما فوقها، يعني: اقرأ أولَ الآية - هذه في الكفار". ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ المفردات: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾: أي عقابًا من الله، ينكل به السارق. أي يردع عن معاودة السرقة، وَيُحَذر به هو وغيره من فعلها. قال صاحب القاموس: النَّكال: ما نكفت به غيرك كائنًا ما كان. وقال أَيضًا: ونكَّل به تنكيلا: صنع به صنيعًا يُحَذِّر غيره. (وَاللهُ عَزِيزٌ): أي غالب، فلا يفوته المعتدون. (حكِيمٌ): في شرع هذا الحد؛ لما فيه من الردع.

стр. 1088

التفسير ٣٨ - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (١) جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ … ﴾ الآية. هذا شروع في بيان حكم السارق، بعد بيان حكم قاطع الطريق. وما بينهما يتصل بحكم قاطع الطريق - كما مر بيانه في الربط. كما أنه يتصل بحكم السرقة، ويعرف ذلك بأدنى تأمل. وقد بين الله في هذه الآية: أن السارق، عقابه قطع يده؛ ذَكَرا كان أَو أنثى. نكالا من الله للسارق وغيره. والنكال: ما نكلت به غيرك، أَي ما حذرته به. ولا شك أن قطع يد السارق، فيه تحذير للسارق نفسه من العودة إلى السرقة، وتحذير لغيره من أن يفعل مثل ما فعل، حتى لا يجْزى مثل جزائه. وقد شدد الله في عقوبة السرقة على هذا النحو، لما تسببه من الانزعاج والأمراض النفسية، والحرمان من أَموال رتَّب صاحبها عليها مصالحه وأَغراضه. فإذا قُطِعت يدُ السارق، كف عن العودة إلى هذه الجريمة غالبًا، وسلِم الناس من آثارها، وارتدع بها من يفكر في السرقة، والتمس - كلاهما - سبيلا إلى الرزق الحلال.

стр. 1089

والسارق: هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ولا شبهة له فيه، دون طعن بسلاح أو تهديد به، فإِن طعن بصلاح، أو هدد به - وهو ما يعرف الآن بالسطو المسلح - فحكمه حكم قاطع الطريق، الذي يسعى في الأَرض فسادا. وقد مر بيانه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ (١). ولا يعاقب السارق هذا العقاب، إلا إذا كان بالغًا عاقلا، غير مالك للمسروق منه، ولا ولاية له عليه .. فلا تقطع يد صبي ولا مجنون، ولا سيد أَخذ مال عبده؛ لأن العبد وماله لسيده. ولا يدُ عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة. قال عمر بن الخطاب ﵁، في غلام لعبد الله بن عمرو الحضرمي سرق مرآة لامرأته ثمنها ستون درهمًا: "غلامكم، سرق متاعكم" ولم تقطع يده. ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما لقوله ﷺ : "أنتَ ومالُكَ لأبِيكَ" (٢)، ويقطع هو في سرقة مال أبويه؛ لأنه لا شبهة له فيه. كذا قيل. والراجح: أَنه لا يقطع؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة. وإِذا كان العبد لا يقطع في سرقة مال سيده، فالابن أولى. وإذا استكمل هذه الشروط، فلا تقطع يده، إلا إِذا سرق ما قيمته ربع دينار. لقوله ﷺ : "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ في رُبعْ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (٣). وبهذا أَخذ عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، والشافعي، والليث وغيرهم. ومن العلماء من قال: تقطع يده في عشرة دراهم، ومنهم من قال: في خمسة دراهم. ومنهم من قال: تقطع في القليل والكثير. والقول الأول: أصح؛ لاستناده إِلى الحديث الصحيح، الذي ذكرناه. وأَما ما رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ: يَسرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ".

стр. 1090

فإن الغرض منه: التحذير بالقليل - فضلا عن الكثير - كما جاءَ في معرض الترغيب بالقليل في بناء المساجد في قوله ﷺ : "مَنْ بَنَى لِله مَسْجدًا وَلَوْ مثْلَ مَفْحَصِ قَطاةٍ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجنةِ". فإِن المساجد لا تكون كمفحص القطاة، وهو المكان الذي تفرخ فيه من الأرض. ومنهم من أوَّل هذا الحديث بأنه: إِذا سرق القليل، اجترأَ على سرقة الكثير الذي تقطع فيه اليد، وهو ربع دينار فأكثر!! ولا يقطع إلا إذا أخذ المسروق من حرز مثله. وهو ما أُعِدَّ - عادة لحفظ أموال الناس. وهو في كل شيءٍ بحسبه. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم .. وإِنما ذلك كالإجماع من أَهل العلم. أهـ. فالبيت حرز للفراش والثياب والمتاع الذي فيه. والقبر والمسجد حرز لما فيهما. والخزانة في مكاتب الناس - أو الحكومة - حرز لما فيها. وظهور الدواب حرز لما تحمل. وأفنية الحوانيت حرز لما فيها … وهكذا … وإذا اشترك جماعة في السرقة، قطعت يد كل منهم، إن بلغت حصته مما سرقوا ربع دينار. ولا يقطع إذا سرق مال نفسه من غاصبه أو مستأجره أو نحو ذلك. كسرقته مالا يشترك فيه مع غيره، أو سرق مالًا له فيه شبهة، كسرقة من يستحق النفقة ممن يجب أن يُنفِق عليه، كالأب من ولده وبالعكس.

стр. 1091

وفي سرقة الزوجة من زوجها ما يقابل النفقة رأْيان: ومن قال بالقطع فيها: فرَّق بينها وبين نفقة الأقارب، بأن نفقة الأقارب لأجل إحياء النفس .. وأما نفقة الزوجة فهي معاوضة كالإجارة. ومن نفى القطع استدل بسماح الرسول صلى الله عليه وسم لهند زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله - أي مال زوجها - ما يكفيها وولدها بالمعروف. وذلك حين شَكَتْ له شُحَّ أبي سفيان. كما ورد في الصحيحين. ولا يقطع من سرق لجوع شديد أصابه. وقد ثبت أن عمر ﵁، رَفع حَدَّ السرقة عام المجاعة. وعلى الحاكم أن يتثبت بعناية من واقعة السرقة وظروفها ودواعيها، وأن يعدل عن القطع عند وجود شبهة، لقوله ﷺ : "ادْرَءُوا الحدُودَ عَنِ المسْلِمِينَ مَا استَطَعْتُمْ، فَإنْ وَجَدْتُم للمُسْلِم مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنْ الْإمَامَ لَأنْ يُخْطِيء في العَفْوِ خَير مِنْ أنْ يخطيء في العُقُوبَةِ" (١). وتقطع يد السارق اليمنى من الكوع عند المفصل، الذي بين الساعد والكف. فإن سرق ثانيا، قطعت رجله اليسرى. فإن سرق ثالثا، قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعا، قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عُزِّر بما يراه الحاكم رَادعًا مانعًا. وتثبت السرقة بالبينة، وبالإقرار. ثم ختم الله الآية بقوله: (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ): أي: والله غالب، فلا يفوته المعتدون، حكيم في شرع هذا الحد، للقضاء على هذه الجريمة النكراء. تأمينا لحياة الناس.

стр. 1092

٣٩ - ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي فمن تاب من سرقته - من بعد أن ظلم بها من سرق منه، وأصلح أمره - فإن الله يقبل توبته؛ لأن الله عظيم الغفران والرحمة. وإصلاح أَمره يكون: بالتقصّي عن التَّبِعَات، وردِّ ما سرقه إن أمكن، أَو باستسماح صاحب المال .. فإن لم يعرف صاحبه، أنفقه في سبيل الله. وقيل: المراد بالإصلاح أن يستقيم على التوبة. ولكن لا يسقط حد السرقة بالتوبة، إن كان قد رفع أمر السارق إلى القضاء. فإن كانت توبته قبل أن يرفع أمره إِلى القضاء، فلا قطع، كما قال به عطاء: وجماعة من الفقهاء. استنادا إلى قوله تعالى: "إلاَّ الذينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عليْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (١) فإنه وإن نزل في قطاع الطريق، فحكمه عام في جميع الحدود، عند هؤُلاء العلماء. وقد بسط العلماءُ القول في أحكام السرقة، والاختلاس، والغصب، وغير ذلك. فليرجع إليها من أراد، في موسوعات كتب التفسير والفقه. ٤٠ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هذه الآية، مسوقة لتقرير حق الله تعالى في أَن يشرع ما تقدم من عقاب قاطع الطريق، والسارق، والعفو عن التائب منهما. والخطاب لكل من يصلح له. والمعنى: أَلم تعلم أَن الله تعالى، له السلطان الكامل على السموات والأرض وما فيهما. ومن كان كذلك، فإِن له كامل الحق، في أَن يعذب من شاءَ من المعتدين، ويغفر لمن شاءَ من التائبين، والله على كل شيءٍ قدير: عظيمُ القدرة، فلا يمنعه عن تشريعه الحكيم مانع، ولا يدفعه عن جزائه لهم في الدنيا والآخرة دافع.

стр. 1093

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾. المفردات: (يُسَارِعُونَ في الْكفْرِ): يجدُّون فيه. (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا): أي من اليهود. (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ): يسيئون تأْويله. (فِتْنَتَهُ): إخلاله لسوء اختياره. (خِزْي): هَوَانٌ ومذلة. التفسير ٤١ - (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ … ) الآية. سبب نزول هذه الآية: على ما رواه مسلم عن ابن عمر ﵄ أَن رسول الله ﷺ ، أُتِيَ بيهوديٍّ ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاءَ يهود. فقال: ما تجدون في التوراة على مَنْ زنى؟، قالوا: نسوّد وجوههما

стр. 1094

ونحملهما. ونُخالف بين وجوههما. ويطاف بهما. قال فأَتُوا بالتوراة إن كنتم صادقين. فجاءُوا بها فقرءُوها، حتى إذا مرُّوا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأَ ما بين يديه وما وراءَها. فقال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله ﷺ مُرْة فليرفع يديه، فرفعهما فإِذا تحتهما آية الرجم: فأَمر بهما رسول الله ﷺ ، فَرُجِمَا. وروى أحمد عن البراءِ بن عازب قال: مُرَّ على رسول الله ﷺ أي جيء إليه بيهودى محمم (١) مجلود. فدعاهم. فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم. فقال: أنشدك (٢) بالذي أَنزل التوراة على موسى: أهكذا تجدون الزاني قى كتابكم؟ فقال: لا والله. ولولا أَنك نشدتني لم أخْبرك. نجد حد الزاني في كتابنا الرجم … ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أَخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالَوْا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع. فاجتمعنا على: التحميم والجلد. فقال النبي ﷺ : "اللهمَّ إِني أولُ مَنْ أَحيا أمْرك، إذْ أَماتوه. قال: فأمر به فرجم" (٣). فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ … ﴾ الآية. فخوطب ﷺ ، بعنوان الرسالة، للتشريف، والإيذان بأن عدم الحزن من مقتضيات الرسالة … ويشير بقوله تعالى: (يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ): إلى أنهمِ مستقرون في الكفر لا يبرحونه. والمراد: نَهْيُ الرَّسول ﷺ ، عن التأثر بذلك، أَو المبالاة بهم، وتسليته عما حدث منهم، على أبلغ وجه. أَي لا تحزن، ولا تبال بتهافتهم في الكفر والإسراع فيه.

стр. 1095

﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾: هذا بيان للمسارعين في الكفر، وأَنهم فريقان: منافقون، ويهود. فالمنافقون: هم الذين تفوَّهوا بكلمة الإيمان، من غير أن تلتفت إليها قلوبهم، ولم يتأثر بها باطنهم … والفريق الثاني: هم اليهود … والفريقان: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: هذا الوصف يعود إِلى الفريقين، أو إِلى اليهود خاصة. أي الذين يسارعون في الكفر هم سماعون للكذب، أي كثيرو السماع للكذب من أحبارهم ورؤسائهم، الذين يلقون إليهم أكاذيب اخترعوها، وأباطيل افْتَروْها. ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾: أَي: كما أنهم سماعون للكذب من أَحبارهم ورؤَسائهم، فهم - أيضًا - سماعون منك لأجل قرم آخرين هم رؤَساؤُهم. فقد بعث بهم الرؤَساءُ إلى الرسول ﷺ ليعرفوا ما عنده من حكم الزاني المحصن. وقالوا لهم: اذهبوا إِلى محمَّد. فإن أفتاكم بعقوبة غير الرجم، قبلناها، وكانت حجتنا عند الله. وقلنا هي: فتيا نبي من أنبيائك. وإِن أفتى بالرجم، فلا تتبعوه ولا تستمعوا لكلامه. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: صفة أخرى (لِقَوْمٍ) أي أنهم يميلون بالتوراة، وَيُؤَؤلُونَ الكلامَ الواردَ فيها على غير تأويله. ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾: أي يقُولُون لاتباعهم السماعين لهم - عند إلقائهم إليهم الأقاويل الباطلة -: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: أَي إِن أفتاكم محمَّد بما تريدون - وهو الجلد - فخذوه، واعملوا بموجبه.

стр. 1096

(وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ): بل أُوتيتم غيره وهو الرجم، (فَاحْذَروا) قبوله، وإياكم أن تعملوا به. ولا شك أن هذا ضلال منهم. ولذلك جاءَ بعدها قوله تعالى: (وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا): أي: من يُرد الله به الضلالة والبعد عن طريق الحق، فلن تستطيع دفْعه عن ذلك، لأنَّك لا تملك له من الله شيئًا في دفع الفتنة عنه. (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ): أَي هؤُلاء المذكورون - من المنافقين واليهود - هم الذين لم يرد الله أَن يطهر قلوبهم من الكفر والضلالة؛ لأنهم منهمكون فيهما، مُصِرُّون عليهما، معْرضون عن طريق الهداية والرشاد. (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ): أَي لهؤُلاءَ - وأولئك - في الدنيا خزي؛ بكَشْفِ حال المنافقين، وهَتْكِ أسرارهم، وبَيَانِ كذب اليهود، وإذلالِهم بضرب الجزية عليهم. (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ): بدخولهم النار، والخلود فيها. ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾. المفردات: (أكَّالُونَ): كثيرو الأَكل. (لِلسُّحْتِ): السحت؛ الحرام. كالربا ونحره. (بِالْقِسْطِ): بالعدل.

стр. 1097

التفسير ٤٢ - (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ … ) الآية. كرر تَسمُّعَهم للكذب والباطل، تأكيدًا لاتصافهم بهذه الرذيلة الشنيعة، وتمهيدا لما بعده، من وصمهم برذيلة أُخرى، وهي أكلهم أموالَ الناس بالباطل .. كأَكلهم الربا، وأخذهم الرشوة؛ لِيُحِلُّوا لأنفسهم ما حرم الله عليها. وعبر عن المال الحرام بالسحت؛ لأنه يسحت البركة في المال، ويذهب به. (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ): أي فإِن جاءَكَ اليهود - متحاكمين إليك بعد ما سمعت من تفاصيل أَحوالهم - فأنت بالخيار بين أن تحكم بينهم، لأنهم اتخذوك حكمًا، أَو تعرضَ عنهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق. ومثل هؤُلاء: لا يُهْتم بهم، ولا يُلتفتُ إِليهم. ومن هذه الآية، استدل العلماءُ: على أن الإِمام مخير في الحكم بين أهل الذمة، أو الإِعراض عنهم. (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا): أي. وإن اخترتَ عدم الحكم بينهم، وأعرضت عن ذلك، فلن يقدروا على الإضرار بك؛ لأن الله عاصمُكَ من الناس. (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ): أي وإن اخترت الحكم بينهم، فالواجب أن يكون الحكم بينهم بالعدل، كما أراك الله، قال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: أَي: يرضى عن العادلين فيما ولَّاهم من أحكام، ويحفظهم من كل ما يضرهم.

стр. 1098

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾. التفسير ٤٣ - ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ … ﴾ الآية. هذا تعجيب من تحكيمهم من لا يؤْمنون به ولا بكتابه، مع أن الْحُكْم منصوص عليه في كتابهم الذي يدعون الإيمان به وهو التوراة. إذ كانت - مع تحريفها - مشتملة على حكم تلك المسألة، التي جاءُوا يتحاكمون فيها إلى رسول الله ﷺ وهي: حكم الزاني المحصن. (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): أي يعرضون من بعد حكمك الموافق لما في كتابهم. (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ): أَي وما أولَئكَ المتصِفُون - بما ذكر - بالمؤْمنين بما في كتابهم؛ لإعراضهم عنه وعن حكمك الموافق له. وفي الآية دليل على أن التولِّي عن حكم الله، يخرج صاحبه من الإيمان.

стр. 1099

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾. المفردات: (وَالرَّبَّانِيُّونَ): جمع رباني؛ وهو المنسوب إلى الرب. والمراد: الزهّاد والعُبّاد. (وَالْأَحْبَارُ): جمع حبر؛ وهو؛ العالم، أَو رؤَساءُ العلماء عند اليهود. (اسْتُحْفِظُوا): كلفوا من الله بالمحافظة عليه. (شُهَدَآءَ): أي رقباءَ يحمونه من التغيير والتبديل. التفسير ٤٤ - (إنَّاَ أنزَلْناَ التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ .... ) الآية. هذا كلام مستأنف، سيق لبيان علوِّ شأن التوراة، وأَنها كانت مرعية فيما بين أَنبياء بني إسرائيل، وعُبَّادهم وعلمائهم. (فيهَا هُدًى وَنُورٌ): أَي فيها هداية للناس إلى سبيل الله، ونور يكشف لهم أحكام الله حلالًا كانت أو حرامًا. (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا): أَي يحكم بها أنبياءُ بني إِسرائيل، من موسى إلى عيسى ابن مريم ﵈، وهم الذين انقادوا وخضعوا لأوامر الله الواردة فيها: بإجراء أَحكامها على اليهود.

стр. 1100

(وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ): أي ويحكم بها الزهاد، والعلماءُ من اليهود، الذين التزموا طريقة النبيين، وجانبوا كتب اليهود المحرفة. وحكم هؤُلَاء وأُولئك بالتوراة، بسبب التزامهم المحافظة على كتاب الله المنزل إليهم. وكانوا - جميعًا - رقباءَ على كتاب الله - التوراة - يحمونه من محاولات التغيير والتبديل، بأي وجه من الوجوه. (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ): هذا خطاب لرؤَساء اليهود، في عهد النبي ﷺ . والمعنى: إذا كان شأن التوراة - مع النبيين والأحبار السابقين - كما ذكر، فلا تخافوا، يا علماءَ اليهود، أحدا من الناس، كائنا من كان. وعليكم أن تُطَبقوها كما أنزل الله، وخافُون، فلا تُخِلُّوا بمراعاتها. (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا): أي: لا تستبدلوا بآياتي المنزلة فيها ثمنا قليلًا. وذلك بتغييرها وتبديلها، في مقابل رشوة تأُخذونها، أو جاهٍ تحرصون عليه، أو أي حظٍّ من حظوظ الدنيا وزُخرُفِها. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ): هذه الآية وما يأتي من قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) نزلت كلها في الكفار، وعلى هذا رأْي أَكثر المفسرين. فأما المسلم، فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة. وقيل في الآية إضمار، تقديره: ومن لم يحكم بما أنزل الله رادًّا للقرآن، وجحدا لقول الرسول ﷺ فهو كافر، قاله ابن عباس، ومجاهد … فالآية عامة على هذا. وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، معتقدا ذلك، مستحلا له. وأَما مَن فعل ذلك وهو معتقد أنه مرتكب محرما، فهو من فُسَّاق المسلمين وعُصَاتِهِم (١).

стр. 1101

﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾. المفردات: (قِصَاصٌ): القصاص؛ عقاب الجاني بمثا ما جنى. (تَصَدَّق): أَي عفا عن الجاني. (كَفَّارَةٌ لَّهُ): مَحْوٌ لذنوبه وآثامه. التفسير ٤٥ - ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ … ﴾ الآية. في هذا توبيخ وتقريع لليهود: لأَن عندهم في نص التوراة: أن النفس بالنفس. وهم يخالفون حكم ذلك. عمدا وعنادا. ويفرقون بين الخاصة والعامة في القصاص. كما خالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن. على ما أَشارت إِليه الآية السابقة. والمعنى: وفرضنا على اليهود في التوراة؛ أَن النفس القاتلة. تُقْتَلُ بالنفس المقتولة. وأَن العين تُفقَأ بالعين. وأَن الأَنفَ يُجْدَع بالأَنف. وأَن الأُذنَ تُقطع بالأُذن. وأَن السنَّ تُقْلَعُ بالسن. والجروح ذاتَ قصاص (١) وذلك إِذا كانت المساواة ممكنة.

стр. 1102

فإِذا تعذرت المساواة كما إذا فقأَ أَعمى عينَ مبصر، أو كان فيها خطر على حياة المقتص منه - كما إِذا فقأ أعورُ عينَ مبصر - ففي ذلك دية الجراح. وفي ذلك تفصيل: محله كتب الفقه. (فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ): أَي فمن عفا عن القصاص من الجاني بقبول الدية - أو مع التنازل عنها - فعفوه كفارة لذنوبه، ومَحْوٌ لسيئاته. وعبر عن العفو بالتصدق؛ للترغيب فيه، وإظهار جزيل ثوابه. والقصاص المذكور في الآية، إنما يكون حال العدوان العمد. أَما الخطأ - أَو شِبْهه - ففيه الدية. وهذا الحكم المذكور في التوراة، جاءَت به الشريعة الإِسلامية. ففي حديث أَنس بن مالك عند البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له: أن الرُّبَيّع: عمةُ أنس، كَسَرت ثنيةَ جارية. فطلبوا إلى القوم العفو، فَأَبَوْا … فأَتَوْا رسولَ الله ﷺ فقال: القصاص. فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول اللهِ تكسر ثنية فلانة، فقال رسول الله ﷺ : كتاب الله؛ القصاص. قال: فقال: لا، والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية فلانة. قال: فرضِيَ القوم، فعفَوْا وتركوا القصاص. فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَن لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأبَرَّهُ". (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): لأنهم لم يراعوا المساواة - فيما أَمر الله به - في القصاص.

стр. 1103

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾. المفردات: (وَقَفيْنَا): أَتبعنا. (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): لما تقدَّمه. التفسير ٤٦ - (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ … ) الآية. شروع في بيان أحكام الإِنجيل؛ إِثر بيان أَحكام التوراة. المعنى: وأَرسلنا عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل؛ بعد أَنبيائهم الذين أَشارت إليهم الآية السابقة. (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ): أَي مؤَيدا للأحكام السابقة التي وردت في التوراة. (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ): أَي وأَعطيناه الإِنجيل. (فِيهِ هُدًى وَنُورٌ): أَي فيه هُدًى إلى الحق، ونور يستضاءُ به في إزالة الشبهات، وحل المشكلات.

стр. 1104

(وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ): أَي: ومؤَيدا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل. كما قال تعالى - على لسان المسيح ﵇ لبني إِسرائيل: " … وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ … " (١). وتكرار (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْرَاةِ): لتأكيد توافق الكتابين الكريمين: التوراة والإِنجيل، لأَن مصدرهما واحد … هو الله … (وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ): أَي وجعلنا الإِنجيل الذي أَنزله الله على عيسى هدى يُهتدى به، وزاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم لمن اتقى الله، وخاف عقابه. أَما تكرار (هُدًى): فهي في الأُولى جزءٌ من اثنين: الهدى، والنور. وفي الثانية تُتَمِّمُ - مع الموعظة - فضيلة التقوى؛ لبيان ميزة الهدى في الحالتين. ٤٧ - (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ … ) الآية. أَمر من الله للمسيحيين، بأَنْ ينفذوا الأحكام الواردة في الإنجيل، الذي أنزله الله على عيسى ﵇. وهذا الأمر ممتد إِلى البعثة المحمدية؛ لأن البشارة وردت بمحمد ﷺ ، في الإنجيل. فهم مأمورون بأَن يعملوا بما فيه. ومن جملة ما فيه: دلائلُ رسالته ﷺ ، ووجوبُ اتباعه فيما يجيءُ به. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): أَي ومن لم يحكم بما أَنزل الله في الإِنجيل، ولم يتبع ما ورد فيه من البشارة بمحمد، والإِيمان برسالته، فأَولئك هم المتمرِّدون الخارجون عن حكمه. وقد تقدم الكلام على ذلك عند الآية (٤٤). وفي هذا ما يدل على خروجهم على الإِنجيل، وأنهم به كافرون.

стр. 1105

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾. المفردات: (مُهَيّمِنًا عَلَيْهِ): مسيطرا. (شِرْعَةً): شريعة. (وَمِنْهَاجًا): طريقا واضحا في تطبيق هذه الشريعة. (لِيَبْلُوَكُمْ): ليختبركم. (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ): أي فليسبق كل منكم الآخر إلى فعل الخيرات. التفسير ٤٨ - (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ … ) الآية. بعد أَن تكلم الله - سبحانه - عن التوراة وما فيها من هدى ونور، وعن الإِنجيل وتصديقه للتوراة، وما احتواه من الهدى والنور والموعظة - كل ذلك قبل أن يلحقهما التغير والتبديل - ذَكَر بعد ذلك، القرآن المنزل على محمَّد ﷺ فبين أَنه - حق لا سبيل إِلى تحريفه: "لَا يَأَتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ … " (١) فقال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكَتَابَ بِالْحَقِّ … ) الآية.

стр. 1106

والمعنى: وأنزلنا إليك يا محمَّد، القرآن: قائما بالحق، الذي لا ريب فيه، مصدقا لما تقدمه من الكتب السماوية، التي نزلت على الأنبياء قبله. فلا يختلف عنها - ولا تختلف عنه - فيما جاءَ من أصول العقائد والشرائع. (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ): أي مسيطرا ورقيبا على سائر الكتب السماوية التي تقدمته قبل تحريفها. وَمُنَبِّهًا إلى ما وقع فيها من تحريف. ومقتضى الهيمنة أَنَّ صاحبها هو - لا سواه - المصدر التشريعي للإِنسانية. (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ): أَي فاحكم بين أهل الكتاب بالحق، الذي أَنزله الله إليك في كتابه الكريم. فإِنه المرجع السماوي الصحيح، المحفوظ من التحريف. وكل ما لا يوافقه في التوراة والإِنجيل دخيل، يحرم العمل به وتصديقه. ويَكفر مَن يعتقده تنزيلا من عند الله تعالى. (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ): أَي لا تعدل عما جاءَك من الحق، متبعا أَهواءَهم الزائفة الناشئة عن التحريف والتبديل. (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً): أَي لكل أمة منكم - يا بني آدم - جعلنا شريعة تناسب أَحوالها وأَزمانها. (وَمِنْهَاجًا): أَي طريقا واضحًا تسير عليه في تنفيذ أَحكام شريعتهم. فالقرآن الكريم. شريعة زمانه. إِلى يوم القيامة. قال ابن كثير: هذا إِخبار عن الأُمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأَحلام المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أَبي هريرة ﵁ أَن رسول الله ﷺ قال: "أَنَا أَوْلى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَالْأَنْبِياءُ إِخْوةٌ لِعَلَّاتٍ. أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُم وَاحِدٌ".

стр. 1107

أي: في التوحيد الذي أرسل به كما رسول أرسله. وضمنه كل كتاب أَنزله، قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" (١). (وَلَوْ شَاَءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً): أي جماعة متفقة على شريعة واحدة في جميع الأزمنة. من غير اختلاف بينكم في شيءٍ من الأحكام الدينية. (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ): أي ولكن أَنزل إليكم شرائع، مناهج مختلفة؛ ليعاملكم معاملة من يختبركم فيما آتاكم من الشرائع. ومدى امتثالكم لأحكامها. هل تعملون بها مذعنين لها. معتقدين أَن في اختلافها نفعًا لكم في معاشكم ومعادكم؟ وهل تستجيبون لدعوة خاتَمِ أَنبيائه: الذي جاءَكم بالشريعة، التي خُتِمَتْ بها الشرائع، لتكون شريعة الناس كافة إِلى أَن يرث الله الأرض ومن عليها؟ (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ): أَي فليسبق كل منكم غيره إلى فعل الخيرات. وهي تتجلى - في أسمى معانيها - في شريعة الإِسلام التي جاء بها القرآن. (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا): أي إلى الله - لا إِلى غيره - مصيركم ومعادكم أَيها الناس. (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ): أَي فيخبركم بما كنتم فيه تختلفون في الدنيا، من أمور الدين، ويجازيكم ويفصل بين المحق منكم والمبطل، والعامل والمفرط.

стр. 1108

﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾. التفسير ٤٩ - ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ … ﴾ الآية روى ابن جرير. وابن أَبي حاتم، عن ابن عباس ﵄: أن هذه الآية نزلت في كعب بن أسد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس وغيرهم. فقد قالوا فيما بينهم: اذهبوا إلى محمَّد: لعلنا نفتنه عن دينه، فأَتَوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أننا أَحبار يهود وأشرافهم وسادتهم. وإنا - إن اتبعناك - اتبعنا يهود. ولم يخالفونا. وإِنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤْمن لك ونصدقك … فأبى ذلك رسول الله ﷺ فأَنزل الله الآية. (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ … ): جملة (وَأَنِ احْكُمْ … ) معطوفة على لفظ الكتاب، في قوله: (وَأنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكتَابَ بِالْحَقِّ … ). والمعنى: وأَنزلنا إِليك الكتاب - وأمرناك بالحكم بينهما بما أَنزل الله إِليك في كتابه - أَي القرآن الكريم. (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ): التي يسيرون عليها، ويتبعون طريقها. فإِنها أَهواء زائفة باطلة. (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ): أَي واحذرهم مخافة أَن يصرفوك عن شيءٍ مما أَنزل الله إِليك، ولو كان أَقلَّ قليل.

стр. 1109

أَو احذر فتنتهم لك، وَصَرْفَهُم لك عن بعض المُنزَلِ إليك. وإِعادة (مَاَ أَنزَلَ اللهُ إلَيْكَ): لتأْكيد التحذير: بتهويل الخطب إِذا تمكنوا من صرفه عن ذلك. (فَإِن تَوَلَّوْا): أَي أَعرضوا عن قبول الحكم المنزل، وأَرادوا غيره، مما يتفق مع أهوائهم. (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ): أَلَا وهو ذنب التولِّي والإعراض عن حكم الله، والرغبةِ في خلافه. وفي قوله: (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ): إشارة إلى أَن ذنوبهم كثيرة. وأن التولي والإعراض بعضها. (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ): أي لخارجون عن طاعة الله، منحرفون عن حكمه، متمردون في الكفر. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾. التفسير ٥٠ - (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ … ) الآية. هذا إنكار وتعجيب من حالهم، وتوبيخ لهم. أي: أيتولَّون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية؟! والمراد بالجاهلية: متابعة الهوى والمداهنة في الأحكام؛ لأن الجاهل لا يُصدِر حُكمَه عن كتاب، ولا يرجع إلى وحي. أو المراد: أهل الجاهلية ممن كانوا قبل الإِسلام، يخضعون للهوى في أحكامهم. أي أَيطلبون حكم من كانوا في عصر الجهل والضلال.

стр. 1110

(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ): أَي ومن أحسن من الله قضاءً لقوم يؤْمنون باللهِ، ويجزمون بأن حكمه هو أَحسن الأحكام وأعدلها للإنسانية كلها. وفي هذا إنكار لأن يكون أحدٌ، حكمهُ أحسنَ من حكم الله، أو مساويا له؛ لقصور العقول البشرية. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾. المفردات: (أوْلِيَاَء): أحبابا، أو أصدقاءَ، أو نصراءَ. (في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ): شكٌّ ونفاق. (أَنْ تُصِيبَنَا): أن تدركنا وتستأصلنا. من أصاب الشيءَ: أدركه واستأصله. (دَائِرَةٌ): الدائرة؛ الهزيمة، أَو الداهية. يقال: دارت عليهم الدوائر. أي: نزلت بهم الدواهي.

стр. 1111

(نَادِمِينَ): نَدِم على ما فعل؛ أَسِف وتَحسَّر. (حَبِطَتْ): بطلت أَعمالهم، ولم تقبل. (خَاسِرِينَ): أَي لم ينالوا ثمرة أَعمالهم؛ لبطلانها وعدم قبولها. التفسير ٥١ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ … ) الآية. روى ابن جرير: أَن هذه الآية - وما بعدها - نزلت في عبد الله بن أُبيّ. حينما تشبَّث بمحالفة اليهود. وقال: إِني رجل أَخاف الدوائر، لا أَبرأ من موالاة مواليَّ. والآية خطاب من الله تعالى لجميع المؤْمنين، يحذرهم فيه من مصافاة اليهود والنصارى، مصافاة الأَحباب، ومعاشرتهم معاشرة الأَصدقاءِ والنصراءِ. (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ): أَي لا يتخذْ أَحد منكم أَحدا منهم وليًّا يعتمد عليه. ويستنصر به. ويتودد إليه ويخالطه مخالطة الأَصفياءِ. وجاءَ الوصف بالإِيمان؛ ليسارع المؤمنون إلى الابتعاد عما نُهوا عنه؛ لأن الوصف به - في مقابل ذكر الفريقين الآخرين بوصف اليهود والنصارى - من أقوى الزواجر عن مودتهما ومحبتهما. (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ): أَي بعض كل فريق كل من هذين الفريقين، نصراءُ بعض أخر، ثم إِن الفريقين - جميعًا مجمعون على كل مخالفتكم وعداوتكم، فكيف تكون بينكم وبينهم موالاة؟ وفي الإِتيان بهذه الجملة، تأكيد لوجوب الابتعاد عن مودتهم، وتعليل للنهي عن موالاتهم، كما يتأَيد النهي بآيات أخرى منها قوله تعالى: "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ … " (١).

стр. 1112

وليس المراد من الآية الكريمة: أَن يكون بعض اليهود أَولياءَ لبعض النصارى؛ لانتفاءِ الموالاة بين الفريقين أَصلا، قال تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ … " (١) إِلا في عداوتهم للمسلمين، فهم فيها أَولياء بعضهم للبعض. ولهذا أَكد القرآن على نبذ الولاية لهم؛ وتأكيد الولاية للإِسلام بقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ): أَي ومن يتوددْ إِلى اليهود والنصارى، ويستنصر بهم، فإِنه من جملتهم، وليس من جماعة المؤْمنين؛ لأنه قد خالف الله ورسوله مثل ما خالفوا هم، ووجبت معاداته كما وجبت معادتهم، واستحق عذاب النار كما استحقوه، لأَنه أَضعف الإِسلام بهذه الولاية، قال تعالى: "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ" (٢). وقد استفيد من الحكم: أَن من يتودد إِلى اليهود والنصارى يكون منهم، من قوله تعالى: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ): لأَن انحصار الموالاة - بين اليهود والنصارى في عداوتهم للإِسلام - يترتب عليه: أَن يكون من يواليهم منهم، لا من المؤْمنين. (إنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ): أَي إِن الله لا يوفق إِلى قبول الحق، أُولئك الذين ظلموا أَنفسهم باختيار الضلالة على الهدى، وظلموا غيرهم بإِيذائهم ومضاررتهم، وتدبير الكَيد لهم: فلا يهدى إِلى الإِيمان من ظلم نفسه من المسلمين بموالاة غير المؤْمنين، واتباع غير طريق المسلمين. وفي ختام الآية بهذا: زجر شديد للمؤْمنين عن موالاة اليهود والنصارى؛ وأَنه ظالم للإسلام، لا يهدي الله صاحبه. ٥٢ - (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ … ) الآية، خطاب للرسول ﵇ ولكل من تتوفر له وسائل الإِبصار أَو العلم بأَحوالهم. خطاب، بيَّن فيه حال الذين يوالون اليهود والنصارى، وأَشار فيه إِلى سبب هذه

стр. 1113

الموالاة منهم، وأنه هو ما استقر في قلوبهم من النفاق والحقد على محمَّد ﷺ والشكِّ في صدقه، فلا إِيمان يملأُ قلوبهم، ولا يقين - برسالته - تعمر به نفوسهم. ولذا، تراهم مسارعين إِلى تحقِيق مودتهم لليهود والنصارى ومعاونتهم في حرص شديد، وعناية فائقة. كما أَفاده التعبير بقوله: (يُسَارِعُونَ فِيهِم) دون التعبير بلفظ: يُسارِعُونَ إِليْهِم: إِذ معناه؛ أَنهم مستقرون في مودتهم. وإِذا كانوا مستقرين في موالاتهم: فالمسارعة فيا بينهم - إِنما تكون في الانتقال من مرتبة من مراتب الموالاة، إِلى مرتبة أُخرى أكثر أو أكبر. (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ): أَي يقولون - معتذرين عن تلك الموالاة - بأَننا إِنما نفعل ذلك؛ خوفا من أن يدور الدهر علينا: إِما بقحط أو جدب، فلا يعطوننا طعامًا ولا مالا. وإما بانقلاب الأمر … فتصبح - بتلك الوسيلة الحمقاء - الدولة للكفار، والغلبة لليهود والنصارى على المسلمين، فيدور الأمر كما كان قبل ذلك، فلا يتم لمحمد ﷺ شأْن، ولا يدوم له نصر. فرد الله على هؤُلاءِ المنافقين فيما اعتذروا به بقوله تعالى: (فَعَسَى اللهُ أَن يَأتِيَ بِالْفَتْحِ): وهو وعد من الله تعالى لرسوله وللمؤْمنين بأَن يحقق لهم الغلبةَ على أَعدائهم والقضاءَ عليهم. والمراد بالفتح الذي يأْتي به الله تعالى: نصرُه سبحانه لرسوله ﷺ على من خالفه، وإِعزازُ الإِسلام، وإِظهارُ المسلمين على أَعدائهم، أَو هو فتح مكة، أو فتح قرى اليهود كخيبر، وفدك، أَو فتح بلاد المشركين للمسلمين - وكل ذلك قد كان. (أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ): أَي أَو أَن يأْتي الله بأَمر من عنده، وهو القضاءُ على اليهود، وقطع دابرهم، واستئصال شأْفتهم، بقارعة تصيبهم. أَو هو الخصْب والسعة للمسلمين، بعد الذي كانوا فيه من ضيق العيش وشدة الحياة.

стр. 1114

أو هو الجزية التي تفرض على اليهود والنصارى، كدليل على استسلامهم وخضوعهم لنظام الإسلام - وقد خافهم من قبل مرضى القلوب من المنافقين، ونافقوا الرسول من أجلهم. أو هو إظهار أمر المنافقين، والإِخبار بأسمائهم والأَمر بقتلهم. والحق: أن كل ذلك قد حققه الله للذين آمنوا بمحمد ﷺ ، وأَيقنوا بصدق رسالته. وكلمة (فَعَسَى): من الله تعالى، وعدٌ واجب التحقق. لكن لا بإِيجاب أَحواله عليه تعالى، بل جريا على سنن العظماء الأكرمين؛ لأَن الكريم إذا أَطمع في خيرٍ، فَعَلَه، فما بالكم بأعظم العظماء، وأَكرم الأَكرمين!! (فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ): أَي: فيصبح هؤُلاء المنافقون - بعد أَن جاء فتح الله ونصره لرسوله - على ما حدثوا به أنفسهم وكتموه في صدورهم، من الكفر والشك في أَمر رسول الله ﷺ ، آسفين متحسرين بعد أَن تبين لهم أَنهم كانوا - فيما فعلوه - مخطئين. وترتيب الندم على ما أَسرُّوه من الكفر - دون ما أَظهروه من الموالاة - لأَن ما أبطنوه، كان السببَ الذي حملهم على إِظهار الموالاة وأَغراهم بها، فكان الندم على ما أَبطنوه، طريق أَسفهم على ما أَظهروه. ٥٣ - (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ .... ) الآية. أَي: ويقول الذين آمنوا - مخاطبين اليهود على سبيل التقريع والتوبيخ - بعد ما هزموا ودارت الدائرة عليهم مشيرين إلى المنافقين بهذا الاستفهام: استهزاءً بهم وإِنكارا لصنيعهم واستبعادا له. (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ): أَهؤُلاءِ هم الذين حلفوا لكم باللهِ: مغلظين الأَيمان، مجتهدين فيها؛ إنهم ليكونون معكم بالعون والنصر على محمَّد إذا قاتلتموه؟

стр. 1115

(حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ): أَي بطُلت أَعمال هؤُلاء، وفسدت وذهبت سدى، فكانت عاقبة أَمرهم: خُسْرا في الدنيا، إِذ لم تقم للكافرِين دولة فينتفعوا بثمار مساعدتهم، وأَجر موالاتهم. وخُسْرا في الآخرة؛ أَي حُرِموا ثوابَ الإِيمان بالله، والإِخلاصَ في طاعته. وفيه عن التقريع لليهود، والاستهزاءِ بالمنافقين ما لا يخفى. ونظير هذا قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ" (١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾. المفردات: (يَرْتَدَّ): يرجع عما هو عليه. (أَذِلَّةٍ): جمع ذليل؛ لين. رحيم. متواضع لا بمعنى مهين. أَي: رحماءَ متواضعين. (أَعِزَّةٍ): أَقوياء أَشداء. (لَوْمَةَ): المرة من اللوم. ولامه كدَّره بالكلام؛ لإتيانه ما لا ينبغي.

стр. 1116

٥٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ … ﴾ الآية. لما نهى القرآن الكريم عن موالاة اليهود والنصارى - فيما تقدم من آياته - وبيَّن أَن مَن يتولَّهم، فإنه يكون منهم - وذلك يقتضي الارتداد - وأوضح عاقبة الموالين من المنافقين، جاءَت هذه الآية: تبين حال المرتدين مطلقا. (يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ): يأيها الذين آمنوا، مَن يرجع منكم عن دين الإِسلام إِلى الكفر، وإِنكَار ما جاءَ به الإِسلام من تكاليفَ: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ): بأُناس آخرين. (يُحِبُّهُمْ): يَرضى عنهم، إِذْ هداهم إلي خَيْرَيِ الدنيا والآخرة. (وَيُحِبُّونَهُ): ويحرصون على طاعته، وينصرون دينه ويبتعدون عن معاصيه. (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ): أي: هؤُلاءِ الأَقوام يكونون متواضعين للمؤْمنين، متذللين لهم: متعاطفين معهم، حافِّين عليهم، رحماءُ فيما بينهم: أَشداءُ على الكفار - أَقوياء في جهادهم. قال تعالى: " … أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ … " (١). (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ): أَي يجاهد هؤُلاءِ القوم - بإِخلاص نية وصدق عزيمة - في سبيل نصرة الحق. وإِعزاز الإِسلام وأَهله، حتى تكون كلمة الله هي العليا. ولا يخافون أَية ملامة من أَي لائم؛ لقوة تَدَيُّنِهم، ورسوخ يقينهم؛ لأَنهم لا يوالون أَحدًا إِلا الله بخلاف المنافقين فإِنهم كانوا يوالون اليهود حرصًا على أَنفسهم. ومخافة أَن تدور الدائرة على النبي وأَصحابه ومن ثَمَّ، لا ينتصر بهم، ولا يصلحون للدفاع عن الدعوة.

стр. 1117

(ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتيهِ مَن يَشَاَءُ): أي ما تقدم من الأوصاف العظيمة، والفضائل الجليلة، من محبة الله لهم، ومحبتهم لله تعالى، وحنوهم على المؤْمنين. والشدةِ على الكفار، والجهاد في سبيل الله - دون خشيةِ أَحد - إنما هو لطفُ الله وإحسانهُ: يتفضل - وحده - بمنحه من يشاءُ من عباده. وذلك بتوفيقه للعمل على تحصيله، والحرص على التحلِّي به. (وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ): كامِلُ القدرة، كثير الإِفضال، كامل العلم، محيط بكل شيء. فلا يعجزه أَن يأتيَ بمن يُحِبُّهُمْ ويحبونه، ولا يفوته العلم بمن هو أَهلٌ لذلك الفضل. وقد تحدثت الآية عمن يرتدون قبل أَن تقع ردتهم، فكان ذلك إخبارا عن مغيبات، وكان معجزة للرسول، وإعجازا للقرآن. وقد ارتد من العرب في أَواخر عهد الرسول ﷺ ثلاث فرق: ١ - بنو مدلج: تحت رياسة الأسود العنسي؛ تنبَّأَ باليمن، ثم قتله فيروز الديلمي، في الليلة التي قُبض الرسولُ ﷺ من غدها. ٢ - بنو حنيفة: أَصحاب مسيلمة الكذاب، الذي تنبأَ فحاربه أَبو بكر ﵁ وقتله الوحشي؛ قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت في جاهليتي خيرَ الناس، وقتلت في إسلامي شرَّ الناس. ٣ - بنو أَسد: قوم طلحة بن خويلد، الذي ادعى النبوة، فبعث رسول الله ﷺ خالدا ﵁ لقتاله، فهرب بعد القتال إلى الشام ثم أَسلم، وحَسُنَ إِسلامه. وفي خلافة أبي بكر الصديق ارتدت بعض القبائل العربية. وبعضها امتنع عن دفع الزكاة واعتبرها جرما. فرأى أَبو بكر ﵁ قتال المرتدين والممتنعين عن دفع الزكاة، وشرح الله صدور المسلمين لهذا، وجهز الجيوش، واستطاع القضاء على هذه الفتنة، وضَمّ المسلمين بعد أَن كَادوا يتفرقون.

стр. 1118

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾. المفردات: (حِزْبَ اللهِ): الحزب في اللغة؛ القوم الذين يجتمعون لأمر حَزَبَهم. وحِزْبُ الرجل: أصحابُه الذين يكونون معه على رأيه. وأظهرُ ما قاله المفسرون في بيان معناه: أنهم الذين يطيعون الله فيما أمَرَ ونَهَى، فينصرهم الله. التفسير ٥٥ - ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾: بعد أن نهى القرآن الكريم المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياءَ؛ لأن بعضهم أولياءُ بعض، فلا يتصور أَن يخلصوا في مودة المؤْمنين، وبيّن أَن من يصافيهم يكون منهم، وأَن مودتهم تؤَدي إلى الارتداد. ثم بيّن حكمَ المرتدين مطلقا … بعد ذلك، جاءَت هذه الآية، تبين أَن الوليَّ حقا الجدير بأن يستنصر به هو الله تعالى وحده. وكذلك رسوله ﷺ والمؤْمنون. فإن الاستعانة بهم، استعانةٌ بالله تعالى. جاءت الآية بذلك - تحريضًا للمؤْمنين على الاستنصار بالله ورسوله والمؤْمنين، وتحذيرا من موالاة مَنْ تَجُرُّهُ مصافاته لغير المسلمين، إلى الردة عن دين الله.

стр. 1119

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا): أي: إنما وليكم الجدير بالولاء، هو الله وحده، وكذلك رسوله والمؤْمنون. (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ): أي الذين يحافظون على أداء الصلاة في أَوقاتها، وإِعطاءِ الزكاة لمستحقيها، وهم خاشعون خاضعون، منقادون لله في كل ما أمر به، ونهى عنه، فيؤَدون الصلاة تامة، مستوفية الأركان والشروط: في إِخلاص نية وصدق عزيمة. ويعطون الزكاة لأصحابها، من أفضل أموالهم، دون أن يُشْبِعوها مَنًّا ولا أذًى. وإنما قال: (وَلِيُّكُم) بالإفراد ولم يقل أولياؤكم - مع أَنهم في الآية جمع: الله، ورسوله، والذين آمنوا - لبيان أن الولاية حقًّا - وفي الأصل - لله تعالى وحده، والاستعانة بالرسول ﷺ ، وبالمؤْمنين الصادقين، بطريق تبعيتها للاستعانة باللهِ تعالى. والآية عامة في حق جميع المؤمنين. فكل من كان مؤْمنا، فهو نصير لجميع المؤمنين. ونظيره قوله تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ … " (١). وعلى هذا فقوله: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ): وصف لجميع المؤْمنين. والمراد تمييزهم من المنافقين، لأنهم كانوا يدّعون الإيمان، ولا يداومون على الصلاة والزكاة، قال تعالى: " … وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ" (٢). وخص الصلاة والزكاة - دون سائر العبادات - لأهميتهما من بين العبادات؛ لأَن الصلاة حق الله على عباده، والزكاة حق الفقراء على الأغنياء.

стр. 1120

٥٦ - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾: أَي وكل مسلم يوالي الله بالطاعة، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، ويتخذ منه نصيرا ومعينا. وكذلك كل مسلم يتخذ الرسول إِمامًا يَهتدِي بهديه، ويسترشد بإِرشاده، ويستنصر به وبالمؤْمنين ويصافيهم، ويخلص الحب لهم - فإِن هؤلاءَ المسلمين، هم الغالبون على أعدائهم؛ لأنهم حزب الله: الذين يطيعون أَمره، ويجتنبون نهيه: فكان لهم النصر على أعدائهم. وذكر (الله) باسمه الظاهر - دون الضمير، فلم يقل: فإِنهم هم الغالبون كما يقتضيه الظاهر - تشريفًا لِمَنْ وَالى اللهَ ورسولَه، ولإِثبات الغلبة لأَولياءَ الله بالدليل. إذ معناه: ومن يوالِ هؤُلاء - بالطاعة والمصافاة والاستنصار - فإِنهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾. المفردات: (هُزُوًا): هَزَأ بفلان؛ سَخِر منه، واستخف به. واتخذه هزوا أَي: جعله موضع سخرية منه.

стр. 1121

التفسير ٥٧ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ … ) الآية. خطاب من الله - تعالى - لجميع المؤْمنين: يحذرهم فيه من موالاة من ليسوا على الحق مطلقا: سواءٌ من كان منهم صاحب دين غَيَّره وصرفه عن الصواب. تبعًا لهواه كأَهل الكتاب، ومَن لم يكن منهم له دين .. كالمشركين، فيقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ … ) الآية. أَي: لا تجعلوا - أيها المؤمنون - أولئك الذين تلاعبوا بدينكم من أَهل الكتاب والكفار واستهزءُوا به، وسخروا منه: بإِظهار الإِسلام بأَلسنتهم مع الإِصرار على الكفر بقلوبهم أولياءَ أبدا. وصدَّر أهل الكتاب في الذكر، لزيادة التشنيع عليهم، لأنهم أَعرف بالتديُّن السليم ممن سواهم، ممن كفروا ولا دين لهم. إذ مقتضى وصفهم بأنهم أهل كتاب أنزله الله عليهم أن يبتعدوا عن التلاعب بالدين الذي جاءَ به القرآن المصدق لكتابهم. فضلا عن أَن البشارة بالإِسلام، واردة عندهم. (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): أي: وخافوا - أيها المؤْمنون - عقاب الله، وحصّنوا أَنفسكم من الوقوع فيه. بالابتعاد عن المعاصي واجتناب المحرمات، إن كنتم مؤْمنين بالله حقا. فإِن الإِيمان الصادق، يقي صاحبَه من عذاب الله، ومن الجنوح إلى الولاء المحرم الآثم. ويدخل في هذا التوقِّي، النهي عن موالاة الكفار الآخرين من باب أولى.

стр. 1122

٥٨ - (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ): بعد أَن بينت الآية السابقة، استهزاءَهم بالدين مطلقا، جاءَت هذه الآية: تتحدث عن استهزائهم ببعض ما شرعه الله في هذا الدين من أحكام - واختارت الصلاة لأنها أكثر أركان الإِسلام مظهرا - إِظهارًا لغاية شقاوتهم، وفظاعة جرمهم. (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا): أَي: وإِذا أَذَّن المؤذِّن منكم - أيها المؤْمنون - لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، ليقبلوا على أدائها. استهزءُوا بهذه العبادة التي تشمل الأذان والصلاة جميعًا. وكانت لهم في الاستهزاء والسخرية، أَساليبُ متنوعة. منها كما رُوِىَ - أنهم كانوا حين يقوم المسلمون للصلاة يقولون: صَلُّوا … لا صلَّوا … قاموا … لا قاموا. ومنها: أنهم كانوا يقولون: يا محمد، لقد ابتدعتَ شيئًا لم يُسْمَعْ به فيما مضى. فإن كنت نبيًّا، فقد خالفت - فيما أحدثت - جميع الأنبياءِ .. فمن أَين لك صياحٌ كصياح العير؟! (ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ): أي ذلك الذي تقدم - من الاستهزاء بصلاة المؤمنين والأذان لها - إنما وقع بسبب أنهم سفهاء لا يعقلون؛ لأن السفه يؤَدي إلى الجهل بمحاسن الحق، والاستهزاء به. ولو كان عندهم أدنى إدراك، أو أقل تعقل، لَمَا أَقدموا على هذه السفاهات، ولما ارتكبوا تلك الحماقات، ولَعَلِموا أن الصلاة - كما قال بعض الحكماء - أَشرف الحركات. فهي خضوع لله، ومَنجاةٌ، فضلا عن ربطها الوثيق للجماعات الإِسلامية، وإِشعار المسلمين بولائهم لله ورسوله وعامتهم. هذا إلى جانب ما في الصلاة، من تقوية روحية وبدنية، وتنظيمات عسكرية. وليس فيها شيء مما يدعو إِلى السخرية.

стр. 1123

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾. المفردات: (تَنقِمُونَ): تعيبون علينا وتنكرون منا. (الطَّاغوتَ): رأس الضلال. وقيل: الشيطان، أو كل معبود من دون الله. (مَثُوبَةً): المثوبة والثواب؛ الجزاءُ على الأعمال خيرها، وشرها. وكثر استعماله في الخير. التفسير ٥٩ - (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ … ) الآية. بعد أن نهى الله المؤمنين عن موالاة الذين استهزءُوا بدين الإِسلام، وتلاعبوا به، جاءَت هذه الآية تقول لهم: ما الذي تعيبونه على الإِسلام وأَهله، وتكرهونه منه: مما يسوغ لكم اتخاذه هزوًا ولعبا؟، إِنكم - في واقع الأمر - لا تجدون شيئًا يعاب به. رُوي عن ابن عباس ﵁ أَن نفرا من اليهود أَتَوا رسولَ الله ﷺ فسألوه عمن يؤْمن به من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فقال أُومن بالله، وما أُنزِل علينا، وما أنْزِل على إِبراهيم وإِسماعيل، وإِسحاق ويعقوب والأسباط. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته. وقالوا: والله، مما نعلم أَهلَ دينٍ أقلَّ حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم - فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها.

стр. 1124

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ): أَمرٌ من الله تعالى لرسوله: أَن يقول لأَهل الكتاب، الذين استهزءُوا بالدين وكفروا به، خطابًا لهم على سبيل التعجيب: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا): أي: ما تنكرون منا وتعيبون علينا، إلا إِيماننَا بالله وبما أُنزل إِلينا من القرآن المجيد، وإِيماننَا بما أُنزِل من قبل إِنزال القرآن الكريم: من التوراة والإِنجيل المنزلين عليكم، وسائر الكتب السماوية وكذلك إِيماننا بأَنكم قوم فاسقون متمردون على الحق، خارجون عن الطريق المستقيم للصالح الإِنساني، مكذبون بنبوة محمَّد الذي بشرت به كتبكم وجاءَ لخلاصكم. وكان هذا القول على سبيل التعجيب، لأن هذه الأُمور التي أَنكروها. ليست بما يعاب وينكر، بل يجب أن تكون مما يُعلَم ويُحفظ، لأن الإيمان بالله، هو الأَصْل الذي عليه تُبنى جميع الطاعات .. والإِيمان بجميع الأنبياءِ، هو الحق والصدق الذي أمر الله به. وقد اتبعناه. والتزام الصالح الإِنساني، الذي لا يضل عنه إِلا فاسق فاجر. وأَما ما عليه هؤُلاء المستهزءُون: من التمرد والخروج عن الإِيمان، والكفر ببعض الرسل والإِيمان ببعض، فباطلٌ. وليس من الحق في شيءٍ. وهو الجدير بأَن يُعَاب وينكر. لأن كفرهم بمحمد ﷺ وهو الذي جاء مصدقا لمن تقدمه من الرسل - كفرٌّ منهم برسلهم وبمكارم الأخلاق. وخاطبهم بقوله: (يَاَ أهْلَ الْكِتَابِ) توبيخًا لهم وتقريعًا، إذ مقتضى هذا الوصف أَن يؤْمنوا بمحمد ﷺ وبما جاءَ به، وأَلَّا يستهزءوا به ويسخروا من الدين الذي ارتضاه الله تعالى - شريعة للناس جميعًا. محققة للصراط المستقيم، والسعادة البشرية. ٦٠ - (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ … ) الآية. بعد أن أَمر الله رسوله ﷺ ، أَن يبين لأهل الكتاب: أَن الأَساس الذي بنوا عليه إِنكارهم للدين الذي جاءَ به، كان يقتضي إيمانَهم به وكفرهم بما هم عليه

стр. 1125

من الضلال، جاءَت هذه الآية الكريمة، تأْمره ﵊: أَن يبيِّن لهؤُلاء اليهود: أَن الجدير بالإِنكار حقا: ما هم عليه من الضلال الذي ألحقوه بشريعتهم. (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ): أَي قل يا محمد: ألا أُخبركم - أيها اليهود - بمن هم شرٌّ وأَسوأُ حالًا في العقوبة الثابتة المقررة لهم عند الله تعالى - وأَشدُّ نكالا يوم القيامة من المسلمين - في زعمكم الباطل أيها اليهود - هم أولئك الذين طَرَدَهُمُ الله من رحمته، وأَبْعَدَهم عن رضوانه، وحلّ عليهم سُخْطه، هم: (مَن لعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغوتَ): أَي: وجعل منهم من يشبه القردة في التقليد الأعمى، والخنازير في الانغماس في كل ما هو قذر … وكذلك جعل منهم الذين عبدوا الكهنة ورؤَساءَ الضلال: الذين قادوهم إلى الكفر بما أنزل الله تعالى - من الهدى لإِخراج الناس من الظلمات إلى النور. (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ): أي: هؤُلاء الموغلون في الاتصاف بتلك القبائح والخبائث، التي أَوقعتهم في سوءِ المصير … هم في شر المكانة، وأَحط المقام؛ في الدنيا والآخرة، وأَكثر انحرافا وبعْدًا عن الطريق المستقيم. وقد مهد بالاستفهام الذي خاطبهم به - لِمَا اراد إلقاءَه إِليهم - لشدِّ انتباههم، وإيقاظ أذهانهم، لبيان أَن للمخبر به شأْنًا خطيرًا؛ يستحق أَن يتلقاه السامع؛ بالحفظ والتدبر والرعاية. وليس في الدين الإِسلامي - ولا في أَهله - أَدنى شيءٍ من شر أو ضر، بل كله خير محض في نفسه. وأَتباعه خيّرون ما تمسكوا باتباعه .. وإِنما اعتبرت الشرية في قوله تعالى: (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ) من باب المجاراة لهؤلاء المبطلين فيما اعتقدوه - لا فيما هو الواقع - لإِلزامهم بأَن ما هم عليه من الفساد، شرٌّ من كل محتمل .. ولو في زعمكم أيها اليهود الأشرار. على فرض أن في الإِسلام وأهله شرًّا كما تزعمون؟!.
следующие страницы →