← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

التفسير ٥٧ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ … ) الآية. خطاب من الله - تعالى - لجميع المؤْمنين: يحذرهم فيه من موالاة من ليسوا على الحق مطلقا: سواءٌ من كان منهم صاحب دين غَيَّره وصرفه عن الصواب. تبعًا لهواه كأَهل الكتاب، ومَن لم يكن منهم له دين .. كالمشركين، فيقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ … ) الآية. أَي: لا تجعلوا - أيها المؤمنون - أولئك الذين تلاعبوا بدينكم من أَهل الكتاب والكفار واستهزءُوا به، وسخروا منه: بإِظهار الإِسلام بأَلسنتهم مع الإِصرار على الكفر بقلوبهم أولياءَ أبدا. وصدَّر أهل الكتاب في الذكر، لزيادة التشنيع عليهم، لأنهم أَعرف بالتديُّن السليم ممن سواهم، ممن كفروا ولا دين لهم. إذ مقتضى وصفهم بأنهم أهل كتاب أنزله الله عليهم أن يبتعدوا عن التلاعب بالدين الذي جاءَ به القرآن المصدق لكتابهم. فضلا عن أَن البشارة بالإِسلام، واردة عندهم. (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): أي: وخافوا - أيها المؤْمنون - عقاب الله، وحصّنوا أَنفسكم من الوقوع فيه. بالابتعاد عن المعاصي واجتناب المحرمات، إن كنتم مؤْمنين بالله حقا. فإِن الإِيمان الصادق، يقي صاحبَه من عذاب الله، ومن الجنوح إلى الولاء المحرم الآثم. ويدخل في هذا التوقِّي، النهي عن موالاة الكفار الآخرين من باب أولى.

стр. 1122

٥٨ - (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ): بعد أَن بينت الآية السابقة، استهزاءَهم بالدين مطلقا، جاءَت هذه الآية: تتحدث عن استهزائهم ببعض ما شرعه الله في هذا الدين من أحكام - واختارت الصلاة لأنها أكثر أركان الإِسلام مظهرا - إِظهارًا لغاية شقاوتهم، وفظاعة جرمهم. (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا): أَي: وإِذا أَذَّن المؤذِّن منكم - أيها المؤْمنون - لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، ليقبلوا على أدائها. استهزءُوا بهذه العبادة التي تشمل الأذان والصلاة جميعًا. وكانت لهم في الاستهزاء والسخرية، أَساليبُ متنوعة. منها كما رُوِىَ - أنهم كانوا حين يقوم المسلمون للصلاة يقولون: صَلُّوا … لا صلَّوا … قاموا … لا قاموا. ومنها: أنهم كانوا يقولون: يا محمد، لقد ابتدعتَ شيئًا لم يُسْمَعْ به فيما مضى. فإن كنت نبيًّا، فقد خالفت - فيما أحدثت - جميع الأنبياءِ .. فمن أَين لك صياحٌ كصياح العير؟! (ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ): أي ذلك الذي تقدم - من الاستهزاء بصلاة المؤمنين والأذان لها - إنما وقع بسبب أنهم سفهاء لا يعقلون؛ لأن السفه يؤَدي إلى الجهل بمحاسن الحق، والاستهزاء به. ولو كان عندهم أدنى إدراك، أو أقل تعقل، لَمَا أَقدموا على هذه السفاهات، ولما ارتكبوا تلك الحماقات، ولَعَلِموا أن الصلاة - كما قال بعض الحكماء - أَشرف الحركات. فهي خضوع لله، ومَنجاةٌ، فضلا عن ربطها الوثيق للجماعات الإِسلامية، وإِشعار المسلمين بولائهم لله ورسوله وعامتهم. هذا إلى جانب ما في الصلاة، من تقوية روحية وبدنية، وتنظيمات عسكرية. وليس فيها شيء مما يدعو إِلى السخرية.

стр. 1123

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾. المفردات: (تَنقِمُونَ): تعيبون علينا وتنكرون منا. (الطَّاغوتَ): رأس الضلال. وقيل: الشيطان، أو كل معبود من دون الله. (مَثُوبَةً): المثوبة والثواب؛ الجزاءُ على الأعمال خيرها، وشرها. وكثر استعماله في الخير. التفسير ٥٩ - (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ … ) الآية. بعد أن نهى الله المؤمنين عن موالاة الذين استهزءُوا بدين الإِسلام، وتلاعبوا به، جاءَت هذه الآية تقول لهم: ما الذي تعيبونه على الإِسلام وأَهله، وتكرهونه منه: مما يسوغ لكم اتخاذه هزوًا ولعبا؟، إِنكم - في واقع الأمر - لا تجدون شيئًا يعاب به. رُوي عن ابن عباس ﵁ أَن نفرا من اليهود أَتَوا رسولَ الله ﷺ فسألوه عمن يؤْمن به من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فقال أُومن بالله، وما أُنزِل علينا، وما أنْزِل على إِبراهيم وإِسماعيل، وإِسحاق ويعقوب والأسباط. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته. وقالوا: والله، مما نعلم أَهلَ دينٍ أقلَّ حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم - فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها.

стр. 1124

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ): أَمرٌ من الله تعالى لرسوله: أَن يقول لأَهل الكتاب، الذين استهزءُوا بالدين وكفروا به، خطابًا لهم على سبيل التعجيب: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا): أي: ما تنكرون منا وتعيبون علينا، إلا إِيماننَا بالله وبما أُنزل إِلينا من القرآن المجيد، وإِيماننَا بما أُنزِل من قبل إِنزال القرآن الكريم: من التوراة والإِنجيل المنزلين عليكم، وسائر الكتب السماوية وكذلك إِيماننا بأَنكم قوم فاسقون متمردون على الحق، خارجون عن الطريق المستقيم للصالح الإِنساني، مكذبون بنبوة محمَّد الذي بشرت به كتبكم وجاءَ لخلاصكم. وكان هذا القول على سبيل التعجيب، لأن هذه الأُمور التي أَنكروها. ليست بما يعاب وينكر، بل يجب أن تكون مما يُعلَم ويُحفظ، لأن الإيمان بالله، هو الأَصْل الذي عليه تُبنى جميع الطاعات .. والإِيمان بجميع الأنبياءِ، هو الحق والصدق الذي أمر الله به. وقد اتبعناه. والتزام الصالح الإِنساني، الذي لا يضل عنه إِلا فاسق فاجر. وأَما ما عليه هؤُلاء المستهزءُون: من التمرد والخروج عن الإِيمان، والكفر ببعض الرسل والإِيمان ببعض، فباطلٌ. وليس من الحق في شيءٍ. وهو الجدير بأَن يُعَاب وينكر. لأن كفرهم بمحمد ﷺ وهو الذي جاء مصدقا لمن تقدمه من الرسل - كفرٌّ منهم برسلهم وبمكارم الأخلاق. وخاطبهم بقوله: (يَاَ أهْلَ الْكِتَابِ) توبيخًا لهم وتقريعًا، إذ مقتضى هذا الوصف أَن يؤْمنوا بمحمد ﷺ وبما جاءَ به، وأَلَّا يستهزءوا به ويسخروا من الدين الذي ارتضاه الله تعالى - شريعة للناس جميعًا. محققة للصراط المستقيم، والسعادة البشرية. ٦٠ - (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ … ) الآية. بعد أن أَمر الله رسوله ﷺ ، أَن يبين لأهل الكتاب: أَن الأَساس الذي بنوا عليه إِنكارهم للدين الذي جاءَ به، كان يقتضي إيمانَهم به وكفرهم بما هم عليه

стр. 1125

من الضلال، جاءَت هذه الآية الكريمة، تأْمره ﵊: أَن يبيِّن لهؤُلاء اليهود: أَن الجدير بالإِنكار حقا: ما هم عليه من الضلال الذي ألحقوه بشريعتهم. (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ): أَي قل يا محمد: ألا أُخبركم - أيها اليهود - بمن هم شرٌّ وأَسوأُ حالًا في العقوبة الثابتة المقررة لهم عند الله تعالى - وأَشدُّ نكالا يوم القيامة من المسلمين - في زعمكم الباطل أيها اليهود - هم أولئك الذين طَرَدَهُمُ الله من رحمته، وأَبْعَدَهم عن رضوانه، وحلّ عليهم سُخْطه، هم: (مَن لعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغوتَ): أَي: وجعل منهم من يشبه القردة في التقليد الأعمى، والخنازير في الانغماس في كل ما هو قذر … وكذلك جعل منهم الذين عبدوا الكهنة ورؤَساءَ الضلال: الذين قادوهم إلى الكفر بما أنزل الله تعالى - من الهدى لإِخراج الناس من الظلمات إلى النور. (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ): أي: هؤُلاء الموغلون في الاتصاف بتلك القبائح والخبائث، التي أَوقعتهم في سوءِ المصير … هم في شر المكانة، وأَحط المقام؛ في الدنيا والآخرة، وأَكثر انحرافا وبعْدًا عن الطريق المستقيم. وقد مهد بالاستفهام الذي خاطبهم به - لِمَا اراد إلقاءَه إِليهم - لشدِّ انتباههم، وإيقاظ أذهانهم، لبيان أَن للمخبر به شأْنًا خطيرًا؛ يستحق أَن يتلقاه السامع؛ بالحفظ والتدبر والرعاية. وليس في الدين الإِسلامي - ولا في أَهله - أَدنى شيءٍ من شر أو ضر، بل كله خير محض في نفسه. وأَتباعه خيّرون ما تمسكوا باتباعه .. وإِنما اعتبرت الشرية في قوله تعالى: (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ) من باب المجاراة لهؤلاء المبطلين فيما اعتقدوه - لا فيما هو الواقع - لإِلزامهم بأَن ما هم عليه من الفساد، شرٌّ من كل محتمل .. ولو في زعمكم أيها اليهود الأشرار. على فرض أن في الإِسلام وأهله شرًّا كما تزعمون؟!.

стр. 1126

﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾. المفردات: (الإِثمِ): الذنب وكل المعاصي، ويطلق على الكذب. (وَالْعُدْوَانِ): مجاوزة الحد في الظلم. (السُّحْتَ): الحرام. (لَوْلَا): هلَّا. وهي هنا: للتحضيض. (الرَّبَّانِيُّونَ): العلماءُ العارفون باللهِ، ويكونون في اليهود وغيرهم. (الأحْبَارُ): علماء اليهود، وقيل: هما في اليهود، لأن الحديث لا زال متصلًا ببيان شأْنهم. التفسير ٦١ - ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ. . .﴾ الآية. لا زال الحديث متصلًا في بيان جرائم اليهود منهم عامة، والمنافقين منهم خاصة. فقد جاءَت هذه الآيات الثلاث، تحكي في الآية الأُولى منها: بعض طرقهم في المكر والخداع.

стр. 1127

كما تبين الآية الثانية: تسابقَ الكثيرين منهم إِلى ارتكاب المحرمات، وانخفاضهم إلى الحضيض الخُلُقي. وتنفي الآية الثالثة على علمائهم، عدمَ إرشاد عامتهم إِلى الصواب. مبينة أن الساكت على الشر هو وفاعلُه سواء في استحقاق العذاب. أسباب النزول: كان جماعة من اليهود يدخلون على رسول الله ﷺ ويُظهرون له الإيمان؛ نفاقًا؛ لخداعه والمكر به، فإذا خرجوا من لدنه ﵇ خرجوا بالكفر كما دخلوا، دون أَن يتأثروا بما سمعوه من هَدي الرسول وإِرشاده. فأنزل الله هذه الآية، لإظهار نفاقهم. والمعنى: وإِذا جاءكم - أَيها الرسول ومن معك من المؤْمنين - هؤُلاءِ اليهود، أظهروا لكم الإيمان بألسنتهم؛ نفاقًا لخداعكم. والحال أنهم خرجوا - من مجلسكم - وهم أشد تمسكًا بالكفر الذي ملأ قلوبهم حال دخولهم عليكم: متصفين به، لم يتأثروا بما سمعوه من نصح الرسول، وهدْيه وإِرشاده. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾: أَي والله أَعلم بما كتموه من الكفر، وبما أضمروه من الحرص الشديد على عداوة المسلمين وبغضهم، والجد في المكر بهم، وتدبير الكيد لهم، وإِلحاق أَبلغ الضرر بهم. وفيه من الوعيد الشديد لهم - بأشد أَنواع العقاب - ما لا يخفى. وفي هذا الموقف النفاقي، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). ٦٢ - ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ. . .﴾ الآية. هذا خطاب لرسول الله ﷺ ولكل من تتوافر له وسائل الإبصار أَو العلم بأحوالهم، بيّن الله تعالى فيه، حال كثير من هؤُلاء اليهود المنافقين. وهبوطهم الإنساني.

стр. 1128

أَي وترى يا محمد، كثيرا من هؤُلاءِ اليهود مسارعين إِلى ارتكاب الإِثم - أَي الكذب أو ارتكاب جميع المعاصي والمحرمات، وبخاصة نوعين من أَشد المحرمات قبحًا. هما: العدوان … وأكْل السحت. أما العدوان: فهو مجاوزة الحد في الظلم. ومصدره الأنانية الكافرة. وأما السحت: فهو أكل الحرام. وأَظهرهُ الربا وأَخذ الرشوة. ومصدره الأثرة الفاجرة. وخُصَّا بالذكر - بعد دخولهما في جميع المعاصي - للمبالغة في إِظهار قبحهما. وخطورتهما على المجتمع البشري. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: إِن استمرارهم على ارتكاب تلك المعاصي زاد أَعمالهم قبحًا، وزادهم أَهلية للذم والتوبيخ. قال تعالى: (وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ): ولم يقل وتراهم؛ لأَن قليلًا منهم كانت فيهم إنسانية فيستحيون، فيتركون المعاصي. وأَكثر ما يستعمل لفظ المسارعة، في الخير. قال تعالى: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ … ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ … ﴾ (٢) فاستعماله هنا، يدل على أَنهم كانوا يرتكبون المعاصي - وكأَنهم على حق فيما يفعلون. كما أَفاد التعبير بلفظ (في)، دون (إلى) أَنهم كانوا حريصين أشد الحرص على إِتيان المحرمات. إذ المعنى: أَنهم مستقرون في المعاصي، منغمسون فيها. وكذلك أَفاد التعبير بلفظ (يُسَارِعُونَ) أَنهم كانوا يتسابقون: مسرعين إِلى الكفر وارتكاب هذه الآثام. ٦٣ - ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ. . .﴾ الآية. بعد أَن بينت الآية السابقة: أَن كثيرا من اليهود، كانوا يتسابقون إِلى ارتكاب المعاصي والآثام. جاءَت هذه الآية: تنعي على علمائهم، عدا النهي عن ارتكاب المعاصي والآثام.

стр. 1129

﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾: أي: هلَّا قام أولئك العلماءُ بالنهي عن التسابق إلى ارتكاب المعاصي والانغماس في الشهوات؟! والمراد من هذا الأسلوب، تحريض العلماءِ على القيام بهذا النهي، وتوبيخهم على تركه، وتعطيل وظيفة العلم. وهذا يتضمن - بالنسبة لعلمائهم المقصرين - نعيًا على تقصيرهم في النهي والإِبلاع. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: أَي: إن استمرار العلماءِ على ترك النهي عن المنكر، أقبح ما صنعوه، وأجدره بالذم واللوم والإنكار. ويحتمل أن العموم في (كَانُوا) فيعم اليهود جميعًا. فعلى الأول المراد أَن الله سبحانه، أنكر على علماء أهل الكتاب، واستبعد منهم - عدمَ قيامهم بنَهْيِ المتسابقين إلى ارتكاب المعاصي والمحرمات. وقد دل ذلك على أَن تارك النهي عن المنكر - ومرتكبه - في الذم سواءٌ. بل إِن الذم على ترك النهي عن المعاصي، أَشد وأقوى؛ لأن الله تعالى، قال في ذم من يأتون المعاصي: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وقال في ذم العلماءِ الذين لا ينهون عن المنكر: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. والصنع أقوى من العمل؛ لأن الصنع عملُ الإِنسان، بعد التدرب عليه، والتروي في إتقانه، والتحري في إجادته، حتى يصير مستقرا في النفس، راسخا فيها. وأيضًا كان الذم على ترك النهي عن المنكر أَشدَّ؛ لأن العالم يقوم بالنهي عن المنكر حِسْبة ابتغاء رضوان الله. فكان تركه أَقبحَ من إِتيان المعصية، لميل النفس إِلى فعلها، تحقيقا للَّذة الفانية، ولا كذلك الساكت على المعاصي، التارك لإنكارها. فكان - لذلك - جديرا بأبلغ الذم وأشد التوبيخ. عن ابن عباس ﵁ هذه أشد آية في القرآن، أي: على تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 1130

وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوفَ عندي من هذه الآية، أي بالنسبة لمن يتركون النهي عن المنكر. وروى الترمذي في صحيحه بسنده عنه ﷺ : "إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوُا الظالِمَ وَلَم يَأخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أوْشَكَ أن يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِن عِندِهِ". قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١). ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤). المفردات: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾: اليد في كلام العرب تكون؛ للجارحة، وللنعمة، وللقوة، وللقدرة، وللصلة، وللتأييد، وللنصرة. ﴿مَغْلُولَةٌ﴾: الغُل؛ قيد من الجلد، أَو الحديد يوضع في اليد أو العنق. ومرادهم بذلك: أنها مقبوضة بخيلة بالعطاء. ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾: البسط؛ المد بالعطاءِ. والمراد منه هنا؛ الجود والإعطاءُ. ﴿أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾: أَوقد النار؛ أَشعلها. والمراد هنا، آثاروا الفتن، ودبروا المكائد التي تؤدي إلى وقوع الحرب بين الناس.

стр. 1131

التفسير ٦٤ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. . .﴾ الآية. لا زال الحديثُ متصلًا في بيان جرائم اليهود، وما استوجبوه من الإهانة والذل في الدنيا، والعذاب في الآخرة. فقد جاءت هذه الآية، تتحدث عن نوع آخر من أَشنع جرائمهم. قال ابن عباس وعكرمة والضحاك: "إن اللهَ وسَّعَ عَلَى اليَهُودِ في الدُّنْيَا، حَتى كَانُوا أكْثَرَ الناسِ مَالًا. فَلَمَّا عَصَوُا اللهَ، وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَكذَّبُوه، ضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ في زَمَنِهِ ﷺ ، فقال فنحاص بن عازوراء ومن معه - من يهود - يد اللهِ مغلولةٌ. فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: مغلولة أي: مقبوضة بالعطاءِ. كناية عن البخل والإمساك. أَي: إِن الله بخيلٌ علينا بما عنده من المال والعطاء والرزق. أَو المراد بهذا: أَنه فقير، لا يجد ما يعطيه لنا، ليتفق مع ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى: ﴿ … إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ … ﴾ (١) وقد عاقب الله هؤُلاء اليهود بعقاب من جنس عملهم، جزاءً وفاقا حين قال عنهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾: والمراد إلصاقهم بالبخل والنكد، والمسكنة والعجز، والطرد من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة. والبعدِ عن رضوانه. بسبب قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وكما يراد منه الدعاء عليهم بالبخل والعجز، يجوز أَن يكون المراد به الدعاء عليهم: أن تُقَيَّدَ أَيديهم في الدنيا حقيقة. بأخذهم أَسارى، ويوم القيامة يسحبون في النار على وجوههم بأغلالهم.

стр. 1132

وقد حقق الله قضاءه فيهم. فكانوا أبخل الناس في الدنيا. وأحرصهم على المال. وباءوا في الآخرة بالخلود في النار. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: أي: ليس الأمر كما يزعم هؤلاء اليهود. بل هو سبحانه. في غاية ما يكون من الجود والغنى .. نِعَمُهُ الظاهرة والباطنة منتشرة بين الناس جميعًا: تغمرهم بفيضها، وتمتد عليهم في الدنيا والآخرة بظلالها. لا تغيض ولا تنفد. وقد أشير بتثنية اليد إلى تقرير غاية جوده وغناه. فإن أَقصى ما تصل إِليه همة الجواد السخى، أَن يُعطىَ ما يعطيه، بكلتا يديه. وفي قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ تأكيد لكمال جوده وغناه، وتقرير لهما … إِذ معناه أَنه تعالى يرزق كما يريد: إن شاءَ وسّع والعطاءِ، وإِن شاءَ ضيقه. فعطاؤه تابع لمشيئته المبنية على الحكم التي شاءَ الله أن يقوم عليها نظام الدنيا والآخرة. وليس ضيق العيش لنقص في خزائنه. ولا لإِمساك الخيرِ والبخل به عن عباده. وإنما هو لحكمة يعلمها ولا نعلمها. قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (١) وقال تعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَمِينُ اللهِ ملأى لَا يَغِيضُهَا سَخَاءُ اللَّيل والنهارِ. أَرَأَيْتمْ مَا أَنفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ!! فَإِنَّه لمْ يَغِضْ مَا في يَمِينِهِ - قال - وَعَرْشُهُ عَلىَ الماءِ، وبيده الأخرى القبض. . . يَرْفع وَيخفضُ" (٣). ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: المراد بالكثير: علماءُ اليهود ورؤَساؤهم. وهم طغاة كافرون. ولكنهم يزدادون شدة في الكفر، وغلوًّا في الإِنكار والطغيان، كلما سمعوا آية أَنزلها الله إِليك.

стр. 1133

أو المراد بالزيادة أَنهم يضمون - إِلى كفرهم وطغيانهم القديمين - كفرا جديدا، وطغيانا جديدا؛ لأَنهم كلما سمعوا آية أَنزلها الله إِليك، كفروا بها .. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١). ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أَي: أوقعنا بين طوائف اليهود، الخضومةَ الشديدة بقوة، ومكَنَّا في قلوبهم، بُغْضَ بعضهم بعضا. بسبب جرائمهم. فلا تتوافقُ قلوبهم، ولا تتطابق أَقوالهم أَبدا إِلى يوم القيامة. ولقد كانوا كذلك طوال تاريخهم. منذ أَن أَرسل الله إِليهم الرسل، ودأَبوا على قتل الأنبياء بغير حق، إِلى أَن أَرسل الله خاتَمَ الأَنبياء محمدا ﷺ ، بالنور والهدى فكذبوه، واستمروا على اقتراف جرائمهم، وازدادوا فيها. قال تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى … ﴾ (٢). إِذ يستفاد من هذه الجملة الكريمة. دفع ما عساه يخطر بالبال، من أَثر شدتهم في الكفر وغلوهم في الطغيان، من أَنهم قد يجتمعون على أَمر يؤدي إِلى الإِضرار بالمسلمين، - فدفع هذا الخاطر - ببيان أَنهم لا يجتمعون على كلمة أَبدا. ثم بين سبحانه، أَن دأبهم على إِشعال نار الحروب والفتن بين الناس، وتدبير المكر السيئِ لا يعود عليهم إلا بالخيبة والهزيمة، بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾: أي: كلما همُّوا بحرب الرسول ودبروا لإيذائه وركبوا كل صعب وسهْلٍ في سبيل ذلك ردّهم الله وقهرهم بإِلحاق الهزيمة بهم. أَو أَوقع الله بينهم نزاعا فَرَّقهم، فكف الله به عنه شرهم. أَو كلما حاربوا أَحدا أَو جماعة غُلِبُوا وهزِمُوا!! وقد كان أَمرهم كذلك على مدى التاريخ.

стр. 1134

﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: ولقد كان شأنهم أنهم يجتهدون في تدبير الكيد، وإثارة الفتن، وهتك المحارم، قصدا إِلى نشر الفساد في الأرض. والله لا يرضى عن كل من يعيثون في الأرض فسادا: فلا يرضى عن عبث اليهود وجرائمهم. فلا يجازيهم إلا شرًّا. ومنذ القدم واليهود كلما جمعوا جموعهم، وأعدوا عُدتهم لإيذاءِ الناس، أو إشعال نار الفتنة على عباد الله شتَّت الله شملهم، وخيّب رجاءَهم، ودمّر كيدهم. والتاريخ أكبر شاهد على صدق ذلك، وإلا كانوا أهلكوا العالم. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾. المفردات: ﴿أقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: نفَّذوا ما فيهما من الأَحكام التي شرعها الله لخير الإِنسانية، والتزموا بالمحافظة على أدائها. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: المراد لوسَّع الله عليهم أرزاقهم. ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾: الاقتصاد في اللغة؛ الاعتدال من غير غُلُوّ ولا تقصير؛ أَي من اليهود طائفة معتدلة، وهم الذين آمنوا إيمانا حقيقيا بمحمد ﷺ . ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾: كثير من اليهود ظَلُّوا على الكفر وأفرطوا في العداوة والبغضاء فبئس ما عملوا.

стр. 1135

التفسير ٦٥ - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: أي: ولو أن أصحاب الكتاب - مع ما اقترفوه من أنواع الجنايات قولا وفعلا - آمنوا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وبما جاء به، وحفظوا أنفسهم من عقاب الله بترك الكفر، وسائر المنكرات التي حكاها القرآن عنهم، وأقبلوا على طاعة الله تعالى بصدق وإخلاص، ولم يأتوا بالإِيمان نفاقًا لغَرضٍ من أغراض الدنيا - لو آمنوا على هذا النحو- لرفع الله عنهم عقابَ ما ارتكبوه من الجرائم، وإن بلغت غاية القبح ومنتهى الكثرة والشناعة. ولأكرَمَهُم بإدخالهم جناتِ النعيم دخولا مؤَكدا، على كثرة ما سبق من معاصيهم. إذ الإِسلام يزيل آثار كل ما سبقه من الذنوب والآثام وإن كثرت وجاوزت كل الحدود. وتلك هي السعادة العظمى في الدار الآخرة. وذِكْرُهم بأنهم أَصحاب كتاب، لزيادة التشنيع عليهم. إذ مقتضى ذلك: أَن يؤْمنوا بمحمد ﷺ هذا الرسول الذي عَرَفوه بوصفه في كتبهم. ٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ. .﴾ الآية. ولَمَّا بينت الآية السابقة: أَنهم لو آمنوا لفازوا بسعادة الآخرة، جاءت هذه الآية تبين أَنهم لو وفوا بعهود الله، وأذاعوا صفة محمَّد ﷺ وأقاموا ما لا يتعارض مع القرآن من أَحكام التوراة والإنجيل، وآمنوا بسائر الكتب المنزلة إليهم من عند الله - لفازوا بسعادة الدنيا، وغمرتهم جنَّاتُها وعمتهم طيباتُها. والمعنى: ولو أَن أَصحاب الكتاب عملوا بما في التوراة والإِنجيل من الوفاءِ بعهود الله وأَقروا باشتمالهما على صفة محمَّد ﷺ ودلائل بعثته، والتزموا بأحكامهما وحدودهما الصحيحة المتفقة مع القرآن المجيد، ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه، والتزموا كذلك

стр. 1136

بالقرآن الكريم المصدق لكتبهم، المنزل إليهم - لأنه منزل إِلى الناس جميعًا - وليس كما يزعمون من أَنه لم يُنْزَل إلى بني إسرائيل، وآمنوا أَيضا بسائر الكتب المنزلة على بني إسرائيل. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: أي: لو أقام أهلُ الكتاب التوراةَ والإِنجيل، وسائرَ ما أنزلَ الله إليهم، على النحو الذي تقدم، لوسَّع الله عليهم أرزاقهم، ولأفاض عليهم من بركات السماءِ والأرض، ولفازوا بسعادة الدنيا وغمرتهم طيباتها، وجاءَهم الخير من كل مكان، فوق فوزهم بتحقيق وعد الله لهم بسعادة الآخرة. ثم بيّن سبحانه، أن أهل الكتاب لم يكونوا جميعا مُصِرِّين على الكفر وعدم الإيمان، بل منهم طائفة آمنت، وكثير منهم ظل على إساءَته وعناده بقوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾: أي: من أَهل الكتاب طائفة معتدلة: لم تغل ولم تقصر، وهم الذين آمنوا بمحمد ﷺ وبما جاءَ به، وبسائر الكتب التي أنزلها الله على رسله، فكانوا بذلك على النهج السليم، والطريق المستقيم دون إِفراط أَو تفريط. وكما كان من أهل الكتاب أَمة وسط: استقامت على منهج الحق. والْهُدَى، كان كثير منهم ما أَسوأَ عَمَلَهُم! إِذ أَفرطوا في عنادهم وعداوتهم، وظلوا على كفرهم، وأكثروا من فعل السيئات، ولَجّوا في طغيانهم يعمهون، وأَعرضوا عن الإِيمان، مع ما يحققه لأهله من السعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 1137

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾. المفردات: ﴿يَعْصِمُكَ﴾: يحفظك وينجيك. التفسير ٦٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. .﴾ الآية. خاطب اللهُ نبيَّه محمدا ﷺ ، بعنوان الرسالة في هذه السورة الكريمة مرتين: دعاه في الأُولى منهما، إِلى عدم الحزن على مسارعة الكفار في إنكار رسالته. وذكر له أمثلة عديدة، مما فُطِروا عليه من مكابرة وعناد، وإمعان في الضلال. سواء أَكانوا من أَهل الكتاب أَم المنافقين أَم المشركين. ودعاه بها في هذه الآية مناديا إِياه بهذا النداءِ الكريم، إلى تبليغ جميع ما أنزله الله عليه من آياته البينات، ولم يُعيِّن مَنْ يبلغهم؛ لبيان عموم رسالته، للبشر أَجمعين. وإِضافة لفظ الرب إِلى الضمير العائد على الرسول؛ تكريمٌ له وإشعارٌ بأَن رسالته صادقة، واجبة الأَداءِ، وإِيذانٌ له بأَن ربَّه سيحفظه ويرعاه. ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾: وإِن لم تُبلِّغ الرسالة - بأَن كتمتها أَو بعضها أَو أَخَّرْتَه أَو بدَّلْتَه - فما تكون قد بلغت، وتكون غيرَ أَهل لحمل الأَمانة.

стр. 1138

وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه، أن يقصّر في حق الله تعالى، فقد أَدبه ربُّه فأحسن تأديبه، وهذّبه فأحسن تهذيبه قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ … ﴾ (١). والمراد هنا: بيان أنه ﷺ ، أدى رسالته كاملة، فلا مجال لزيادة فيها أو نقصان. جاءَ في الصحيحين: أن سائلا سأل الإِمام عليًّا ﵁: هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما كان في كتاب الله؟ فقال: "لَا وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلاَّ فَهْمًا يُعْطِيه اللهُ رَجُلًا في الْقرْآنِ وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَة" (٢). وروى البخاري والترمذي: "مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدًا كتَمَ شَيْئًا مِمَّا أنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقَدْ كَذَبَ". وروى الشيخان أَن السيدة عائشة ﵂ قالت: [لو كان النبي ﷺ كاتمًا شيئًا من الْوَحْيِ، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ … ﴾ (٣) لما فيها من عتاب شديد للنبى ﷺ ]. وكما أَن هذه الآيةْ تُبَيِّن أَن الرسول لم يكتم شيئًا من الوحي عن أحد من الناس، فإِن قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤) يدل على أَن الله تَكفَّل بحفظ كتابه الكريم؛ الذي أمر الرسول بتبليغه فبلغه. قال الزهرى - فيما رواه البخاري - "مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ. وَعَلَى الرَّسُولِ البَلَاغُ. وَعَلَيْنَا التسْلِيمُ. وَقدْ شَهدَت أمتُه لَه بتَبْليغ الرِّسالَةِ في حجة الوداع" وقد أَدى هذه الشهادة أَربعون أَلفا حضروا معه حجة الوداع.

стр. 1139

﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾: إن القرآن الكريم، فضح أكاذيب المنافقين، وسفّه أحلام المشركين، وأظهر انحراف اليهود والنصارى عن الصراط القويم، مما حمل الجميع على مقاومة الرسول ﷺ ، أو إعلان الحرب عليه، أو محاولة اغتياله. وهو لا يبالى بما يلقاه في سبيل الله، ولكن الله سبحانه، زاده اطمئنانا بأنه سيمكّنه من أداءِ رسالته كاملة، وأنه سيحفظه ويرعاه، حتى يلقى الله. رَوَى الترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم: أنه كان للنبي ﷺ ، حَرَسٌ يحرسونه فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أخرج رأْسه من القُبّه، فقال لحرَّاسه: "يَأيها النّاسُ انصرِفُوا فَقَدْ عَصَمنِي اللهُ". ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: أمر الله نبيه ﷺ أن يبلِّغ رسالته، وطمأنه بأَن الله سيحفظه ويرعاه، فلا عليه بعد هذا من أعدائه الكفار، وإن الهدى هدى الله. والله لا يهدي من ظلموا أَنفسهم بالتزامهم الإِمعان في الكفر، واللجاج في العناد، والإِصرار على الإِلحاد. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾. المفردات: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا﴾: حتى تؤدوا أَداءً كاملا على أحسن وجه. ﴿طُغْيَانًا﴾: الطغيان؛ تجاوز الحد في الضلال. ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: فلا تحزن.

стр. 1140

التفسير ٦٨ - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. . .﴾ الآية. أمر الله رسوله أن يخبر اليهود والنصارى، بأنهم ليسوا على شيءٍ من العقيدة الصحيحة حتى - أَي إلى أن - يلتزموا بما أنزل الله في كتبه من التوراة والإنجيل وبما ورد فيهما من البشارة بمحمد ﷺ . وحتى يؤمنوا بالقرآن الكريم الذي جاءَ مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنا عليه. وحتى يلتزموا الإِيمان بجميع الرسل، وعدم التفريق بينهم. والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (١). ومن المعروف: أن اليهود والنصارى حرَّفوا التوراة والإنجيل، ولم يعملوا بما بقى بين أيديهم منها، فارتكبوا المنكرات، واتبعوا الشهوات. والآية - وإن كانت واردة في أهل الكتاب - فإِن فيها تحذيرا عامًّا لكل من لا يقيم حدود الله. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: كان الأَولى باليهود والنصارى؛ أَن يؤْمنوا بما أَنزله الله إِليك؛ لأَن الحق فيه واضح بيَّن، مؤَيَّدٌ بالإِعجاز؛ ولأَن البشارة بك واردة في كتبهم. ولكنهم أَمعنوا في الضلال والإِضلال، وجاوزوا الحدَّ في الكفر والعناد. وبدلا من أَن يزدادوا إِيمانا بما أَنزله الله إليك، ازدادوا إِمْعانا في الضلال والجحود، ولَجَاجا في الكفر والعناد، إِلا قليلًا منهم استجابوا للحق، فآمنوا بما أَنزله الله عليك من الآيات البينات. وبقى الكثيرون على ضلالهم القديم.

стр. 1141

﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: فلا تحزن على من تَمكَّن الكفرُ فيهم، وصَيْرُورته وصفا لازما لهم. وحسبك الله ومن اتبعك من المؤْمنين. ولم يقل: فلا تأس عليهم. بل ذكر لفظ ﴿الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: لإِبراز علَّة ضلالهم، وأَنهم لهذا غير جديرين بالحزن عليهم. وفي هذا ما يدل على عظمة الحنان النبوى بالبشرية كلها، لخوفه عليها من الكفر والانحراف. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ المفردات: ﴿الصَّابِئُونَ﴾: المائلون من عقيدة إِلى عقيدة، والمراد؛ أَتباع بعض الرسالات السماوية السابقة. التفسير ٦٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى. . .﴾ الآية إِن أَتباع الديانات السماوية: من المؤْمنين برسالة محمَّد ﷺ . ومن اليهود المتمسكين برسالة موسى ﵇، قبل المسيحية ممن لم يحرفوا كتب أَنبيائهم.

стр. 1142

ومن الصابِئين الذين تمسكوا بملة إِبراهيم ﵇ قبل نسخها. ومن المسيحيين الذين تمسكوا بالمسيحية ولم يحرفوها قبل بعثة محمد ﷺ هؤُلاءِ جميعًا إِذا آمنوا باللهِ تعالى. إيمانا صحيحا غير ملتبس بالشرك واستمسكوا بهذا الإِيمان، واتبعوا أنبياءَهم وما جاء على أَلسنتهم من التبشير بمحمد ﷺ ، وآمنوا به عند مبعثه، وآمنوا بالبعث والنشور، وبالجنة والنار وما فيهما من جزاءٍ، وعملوا الأَعمال الصالحة التي يقتضيها الإِيمان باللهِ واليوم الآخر، طبقا لما ورد في الكتب المنزلة السليمة من التصحيف والتحريف - إن هؤُلاءِ جميعًا - يظفرون بالثواب الجزيل على ما قدموه من إِيمان وعمل صالح، ولا خوف عليهم من عقاب، ولا يعتريهم حزن من سوءِ الجزاءِ. فلا يخافون بَخْسًا ولا رهقا، ولا يحزنهم الفزع الأَكبر (١). ورفَعَ: ﴿الصَّابِئُونَ﴾ إِبرازا: لأنهم - أيضا - ناجون، شأنهم شأن المؤْمنين والنصارى واليهود، ودفعا لما يسبق إِلى الأَذهان من أَنهم عبدة أَوثان. ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ المفردات: ﴿مِيثَاقَ﴾: الميثاق، العهد القوي. ﴿فِتْنَةٌ﴾: الفتنة؛ الاختبار بالنار. ومعناها - هنا - العذاب.

стр. 1143

التفسير ٧٠ - ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا. . .﴾ الآية. أَكد الله سبحانه - قصة أَخذ العهد الوثيق على بني إسرائيل بعبادته وحده، وأَداءِ جميع أَوامره، واجتناب جميع نواهيه، وأن ينفذوا هذا بقوة، قال تعالى: ﴿ … خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). وقد أشار القرآن الكريم - عدة مرات - إِلى هذا الميثاق ونقضهم له (٢). وقد وردت إشارة كاملة إلى هذا الميثاق في "سفر تثنية الاشتراع" وهو أَحد أَسفار التوراة الباقية بأَيديهم (٣)، وكلها مع ما أَشار إليه القرآن الكريم. ولم يكتف الله بأَخذ الميثاق عليهم بل أَرسل إليهم رسلا عديدين يذَكِّرونهم به، ويَدْعونهم إليه ويُنْذِرونهم بالعقاب الأَليم، الذي ينتظرهم إذا هم عادوا إِلى نقضه، بحيث لم يبق لهم عذْرٌ في مخالفته بعد أَن أَخذه الله عليهم، ونَبَّهتهم الرسل العديدون إليه. ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾: ولكنهم لم يكتفوا بنقض الميثاق، بل كانوا يجابهون رسلهم بالتكذيب والجحود، إِذا دعَوْهم إِلى ما يخالف أَهواءَهم وشهواتهم، ولم يقتصروا على التكذيب، بل قتلوا بعض هؤُلاءِ الأنبياءِ. والتقدير: كلما جاءَهم رسول بما يخالف أَهواءَهم، استكبروا ولجُّوا في العناد، فكذبوا فريقا من الأَنبياء، وقتلوا فريقا منهم. كما قال تعالى لهم: ﴿ … أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (٤).

стр. 1144

والتعبير بالفعل المضارع ﴿يَقْتُلُونَ﴾: لاستحضار فظاعته في الذهن، ولأن آثاره تمتد من الماضي السحيق إلى المستقبل البعيد. ٧١ - ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا. . .﴾ الآية. أي: وظن اليهود أَلا يكون عليهم - في قتلهم أَنبياءَهم وتكذيبهم لهم - عذاب، فعموا وصموا عن الحق، فلم يتبصروا في آياته الكونية ولم يسمعوا آياته التنزيلية، وظلوا سادرين في غيهم. ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾: أَي: ثم قبل الله توبتهم لما رجعوا إِليه. ثم رجعوا إلى ما كانوا فيه من غي، فَعَمى كثير منهم وصَمُّوا مرة أُخرى، وأوغلوا في الفساد. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: فيعاقبهم بما صنعوا من الآثام والمعاصي. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾. التفسير ٧٢ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. . .﴾ الآية. بعد أَن تحدث الله عن اليهود، ونَقْضِهم الميثاق، وتكذيبهم وقتلهم الأنبياء، ذَكَر مَن انحرف من النصارى عن التوحيد، وادعى أن الله هو المسيح ابن مريم.

стр. 1145

والمعنى: لقد كفر الذين زعموا من النصارى أن الله هو المسيح ابن مريم. مع أنه بشر والبشر لا يصح أن يكون إِلها. ونسبة المسيح إلى مريم، للإِيذان بأنه ليس له حظ من الأُلوهية. ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾: قالوا هذا - على الرغم من أن المسيح ﵇، قال لهم: اعبدوا الله ربي وربكم .. وقدم ربوبية الله تعالى إليه على ربوبيته إليهم، للدلالة على أَنه بشر مثلهم. ولهذا عطفهم عليه. ونحن نوقِن - بل نؤمن - بأن الأناجيل الباقية، قد تطرَّق إليها التحريف والتغيير والتبديل، وزخرت بالمتناقضات، ولكنها بقيت فيها - مع هذا - بقية ناطقة بالتوحيد تؤَيد ما قررته هذه الآية والآيات الأخرى الكثيرة الكريمة: فمما في الأناجيل، ما قاله المسيح ﵇ "وهذه هي الحياة الأبدية: أَن يعرفوك أنت الإِله الحقيقي وحدك. ويسوع: المسيح الذي أرسلته" (١). وقوله: "وأنا إِنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" (٢). وقوله: "للرب إلهك نسجد وإياه وحده نعبد" (٣). وقوله: "ليس لأعمل لمشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني" (٤). والأمثلة عديدة لا يتسع لها المجال. ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾: دعاهم المسيح ﵇ إلى أن يعبدوا الله وحده؛ لأَنه ربه وربهم، كما تقدم. وفي هذا الجزء من الآية، أنذرهم بأَن الله قضى - ولا رادّ لقضائه - أن الله حرّم دخول الجنة على من أشرك في عبادته أحدا من خلقه، وأَن مقرّ المشركين - جميعًا - في نار جهنم.

стр. 1146

والجملة مؤَكدة. ويعززها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١). ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: تعقيب من كلام الله سبحانه جاءَ تأييدًا لدعوة عيسى ﵇ ببيان أن من ظلموا أنفسهم فقابلوا نِعمَه المتوالية عليهم بالكفر، لا ينقذهم أَحد من عقابه ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، فإنهم سيلقَوْن الله جميعًا يوم ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٢). ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ التفسير ٧٣ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. . .﴾ الآية. نصت الآية على كُفْر مَن قال: إن الله ثالث ثلاثة. والتثليث: هو العقيدة السائدة بين الطوائف المسيحية، حيث يطلقون على الله - سبحانه - لقب الأب، ويشركون معه الابن وهو عيسى ﵇ وروح القدس. أما الرد على دعواهم أن المسيح ابن الله؛ لأنه ورد وصفة بهذا أربعا وأربعين مرة في العهد الجديد - وهو يضم الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها - فهو أن هذا اللقب فيه، لم ينحصر في المسيح ﵇، ولم يقتصر عليه، بل أطلق:

стр. 1147

على آدم ﵇. وعلى إسرائيل حيث أطلق عليه لفظ (ابن الله البكر). وعلى داود ﵇. كما أطلق فيه على الملائكة وعلى المؤمنين جميعًا. فلم يكن مقصورًا على المسيح ﵇. ومع هذا، فقد ورد أيضًا في العهد الجديد وصف المسيح - بما يقرب من ضعفي هذا العدد - بأنه ابن الإِنسان ثمانية وسبعين مرة (١). وطبيعي أن هذين الوصفين، يهدمان البنوة بمعنى الألوهية. وإذا انهدمت البنوة فقد انهدمت تبعًا لها الأبوة. أَما روح القدس: فهو جبريل ﵇، وهو من الملائكة المقربين - وهو بهذا من خَلْق الله - وكلامهم فيه مضطرب مختل. وأَما كلمة التثليث: فقد اعترف كبار علماء اللاهوت - في قاموس الكتاب المقدس - أنها: "لم ترد في الكتاب القدس. ويُظنُّ أن أولَ من صاغها واخترعها واستعملها، هو ترتليان، في القرن الثاني للميلاد. وقد خالفه كثيرون. ولكن مجمع نيقية أقر التثليث سنة ٣٢٥ ميلادية. ثم استقر التثليث - بعد ذلك - عند الكنيسة السيحية، على يد أوغسطنيوس في القرن الخامس" (٢). ومن هنا يتضح أَن التثليث نبت بعد المسيح ﵇، بأكثر من ثلاثة قرون وربع القرن، وأنه دخيل على المسيحية الحقة الموحدة. وبهذا استحق القائلون به الحكم عليهم بالكفر الصريح. وقال كبار الباحثين: إن التثليث تسرَّبَ إلى المسيحية من العقائد الوثنية الهندية القديمة. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: والحق أنه لا يمكن - عقلا - أن يكون الإله إلاَّ واحدا.

стр. 1148

أَما تعدد الآلهة، فهو وصم لها بالقصور؛ لأن قدرة كل منهم تكون - حينئذ - مقيدة بقدرة الآخرين، والإِله لا يكون محدود القدرة والسلطان. ولو فرض اتفاق الآلهة على ما يخلقون، فإِن كان كلُّ واحد منهم قادرا على ما يقدر عليه الآخر، فما فائدة التعدد؟ وإِن كان كل منهم عاجزا، فلا يصلحون - جميعًا - للألوهية. وإِن كان البعض قادرا والبعض عاجزا، فالقادر هو الإِله وحده. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: معناه: أَنه لا يمكن أن يكون الإِله سوى إِله واحد. كما ذكرنا في الأَدلة السابقة. ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذا تهديد للقائلين بالتثليث، وإنذار لهم بأَن عليهم أَن يستجيبوا للوحي السماوي الصادق: الذي يؤَيده العقلُ السليم، والنظرُ الدقيق. وهو التوحيد. فإِن لم يرجعوا إِليه، فإِن الله سبحانه، سيأخذهم بعذاب مؤْلم، جزاء كفرهم القبيح. وجواب الشرط مؤَكد بلام القسم ونون التوكيد وتنكير العذاب، ووصفه بالإِيلام، لإِيراد شدته وهَوْلِه. ووعد القرآن الكريم بقوله: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾، ولم يقل ليمسنهم، بأَن هذا الوعد بسبب كفرهم. ٧٤ - ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ. . .﴾ الآية. هذه دعوة من الله لهم إِلى التوبة من جريمة الكفر - مع بشاعتها - رحمة بهم لإِنقاذهم من العذاب الأَليم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: تعقيب لتأكيد مغفرة الله ورحمته لمن يلتمسها ويحققها فإِنه سبحانه يقبل توبة التائبين، ويغفر للمستنيبين النادمين، ويرحم المذنبين المستغفِرين، فهو سبحانه عظيم الغفران واسع الرحمات.

стр. 1149

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ المفردات: ﴿صِدِّيقَةٌ﴾: دائمة الصدق في النية والقول والعمل. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: كيف يصرفهم الضلال عن الحق الواضح. التفسير ٧٥ - ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. . .﴾ الآية. في الآيات السابقة حكمَ الله يسبحانه وتعالى، بكفر من قالوا: إِن الله هو المسيح ابن مريم، وبكفر من قالوا: إِن الله ثالث ثلاثة. وهنا، تقرر الآية الكريمة: أَنه رسول من البشر، كسائر من سبقه من الرسل. فليس إلها، ولا ابنا للإِله. ونسبته إلى مريم، للإِيذان بأنه وُلِدَ من غير أب، فإِن الولد ينسب إلى أبيه لا إلى أمه؛ وللدلالة على بشريته وبشريتها؛ لأَن التوالد من صفات البشر. وأَما معجزاته فهي كمعجزات الأَنبياءِ السابقين: أَجراها الله على أَيديهم، لتأييدهم … وليست من صنعهم. وكل نبي له معجزة تناسب أمته … فإِذا كان عيسى قد أَحيا الموتى بإِذن الله، فقد أَلقى موسى العصا، فانقلبت من جماد إلى حية تسعى بإذن الله.

стр. 1150

وهذا أبلغ من إحياءِ الموتى، لأن الحياة، هنا أجريت على جماد لم تسبق له حياة حيوانية، بخلاف إِحياء ميت سبقت له الحياة. على أن إِحياة عيسى للموتى، كان بقدر المعجزة، فم يتجاوزها إِلى إِحياءِ كل ميت، كشأن الإِله القادر. فكيف يكون إِلها؟! والأناجيل الباقية بين أيدينا، تؤَيد ما ذكره القرآن الكريم. فقد جاءَ فيها: أَن المسيح ﵇ قال مخاطبا ربه سبحانه: "أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (١). ففي هذا النص، يعترف السيد المسيح، بأن الله هو الإِله وحده، وأنه رسول من عنده. وهذا ينقض دعواهم أنه إِله. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾. ومريم ﵍ أم المسيح، صِدِّيقة من البشر. والصِّدِّيق: هو الذي يلتزم الصدق، ويؤَيد فعلُهُ قولَهُ ونِيَّتَهُ، وشأنه أَن يلتزم الحقَّ دائِما. وهي من سلالة طاهرة، ونشأَت في بيئة طيبة، في كفالة نبي الله زكريا ﵇، وشبَّت على طاعة الله تعالى: ﴿ … وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٢). ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾: أَي: أَنهما كسائر البشر يأكلان الطعام، لحفظ حياتهما، ولو حُرمَا الطعام، لهلكا كسائر الكائنات الحية. ومَنْ هذا شأنه، لا يكون إِلها، وإِن كان من المصطفَيْنَ الأخيار.

стр. 1151

وقد جاءَ في كتابهم: أنه كان يطلب الطعام من أتباعه. كما في إنجيل لوقا (١): "أعندكم ها هنا طعام؟ فناولوه جزءًا من سمك، وشيئا من شهد عسل. فأخذ وأكل قُدَّامهم". وأكْلُ الطعام: يستدعي الحاجة إِليه للانتفاع به. والإِله غني عما سواه. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: هذا خطاب لكل مستعد للنظر والتدبر. أَي: تأمل واعجبْ من شأن هؤْلاءِ الكفار الذين بيَّن الله لهم آياته الواضحات، المؤَيدة بالدليل العقلي والبرهان الحسن، ليؤْمنوا به وحده، ولينصرفوا عما هم فيه من ضلال مبين!! ثم تدبَّرْ واعجَبْ من شأنهم، حين تبيَّن لهم الحقُّ فانصرفوا عنه، وانقادوا لأَهوائهم وشهواتهم، فآثروا الضلال عام الهدى، والكفر على الإِيمان. ٧٦ - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. . .﴾ الآية. انصرف المسيحيون إلى عبادة المسيح دون الله سبحانه فأشركوا، كما عبد المشركون: البشر والملائكة والأَصنام … فكفروا. فَأمَرَ الله رسوله أن يخاطبهم متعجبا منكرا: كيف تعبدون من لا يملك لكم ضرا فيضركم إذا انصرفتم عنه، ولا يملك لكم نفعا فينفعكم إِذا اقبلتم على عبادته؟. بل لا يملك لنفسه - هو- ضَرًّا ولا نفعا. على أن أساس العبادة، الرغبة في تحصيل نفع أو دفع ضر، والضر والنفع من الله وحده. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ … ﴾ (٢). ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي: كيف تعبدون من لا يسمع نجواكم، ولا يعلم أموركم الخفية، ونياتكم الباطنة، وتتركون عبادة الله المحيط علمه بالأمور والشئون، وإِن بالغتم في كتمانها وإِخفائها، فيجازيكم على أعمالكم ونياتكم أَبلغ الجزاءِ؛ لأنه - سبحانه - يعلم السر وأخفى؟!

стр. 1152

قال عَزَّ مِنْ قائل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ … ﴾ (١). ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ المفردات: ﴿لَا تَغْلُوا﴾: لا تبالغوا مبالغة شديدة. ﴿أَهْوَاءَ﴾: شهوات. ﴿سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: وسطه المستوى القويم. التفسير ٧٧ - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ. . .﴾ الآية. بيَّن الله - فيما سبق - انحراف كل من اليهود والنصارى عن دينهم القويم. ثم دعاهم إِلى التوبة والاستغفار، ونبذ ما انحرفوا إليه من الشرك، ودعاهم إِلى اتباع شريعة الإِسلام التي جاءَت البشارة بها في كتبهم، وعلى أَلسنة أنبيائهم. ثم بيَّن لهم هنا، سبب الانحراف، وهو الخروج عن حد القصد، والمبالغة في تقديس بعض أنبيائهم، مبالغة أَخرجتهم عن نطاق البشر، ورفعتهم إِلى الأُلوهية. وأمر الله رسوله أَن يقول لهم: يَأهل الكتاب، لا ينبغي لكم أن تبالغوا في عقيدتكم، مبالغة

стр. 1153

تُجاوز الحد، وتُخرج عن القصد، تاركين الحق، ومخالفين الصواب .. وبهذا تخرجون عن نطاق التوحيد، إِلى الإِيغال في الشرك والضلال. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: أي: ولا ينبغي لكم أن تنقادوا لشهوات الأحبار والرهبان، الذين قد ضلوا من قبل، فشرعوا من الدين ما لم يَأذَن به الله، فأضلوا كثيرا ممن اتبعوهم - دون رَوِيَّةٍ أَو تفكير - ثم لمَّا جاءهم الإِسلام: يردّهم إلى الحق والصواب، ويدعوهم إلى جادة الطريق القويم، الذي لا عوج فيه ولا التواءَ ولا مغالاة - ضلوا عن الطريق السوِي، وهو طريق القرآن، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين، وعلى كل من أَتبع غير طريق الحق. روَى أَحمد والنسائي وابن ماجه عن النبي ﷺ قال: "إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدَّين، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِالْغُلُوِّ في الدِّين". ٧٨ - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. . .﴾ الآية. بعد أن نهى الله عن الغلو في العقيدة غلوًّا ينحرف به المرء عن الصواب. جاءَت هذه الآية دالةً على استحقاق اليهود اللعن والطرد من رحمة الله، على لسان داود وعيسى بن مريم، بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمرَّيْن. واقتصرت الآية على ذكر هذين النبيَّيْن، مع أَنهم لعنوا من غير هذين، لأَن داود ﵇ قادهم إلى النصر، ومهَّد لهم الملك، وعيسى ﵇ آخر أنبيائهم. وقد لقِى منهم أشدَّ أَنواع الإِيذاءِ. وقد حاولوا قتْلَه فنجّاه اللهُ من كيدهم الأثيم. ولذا سماهم - عيسى - أولادَ الأفاعي (١). ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: أي: استحقوا الطرد من رحمة الله، بسبب دعاءِ أَنبيائهم عليهم، لتمردهم وعصيانهم وغلوهم، وبسبب استمرارهم في البغي والعدوان، حتى كذبوا بعض أَنبيائهم: وقتلوا بعضهم، وبالغوا في إِيذاءِ الآخرين.

стр. 1154

والتعبير بقوله: ﴿يَعْتَدُونَ﴾ للدلالة على تجدد البَغي والعدوان فيهم، وهو المشاهد فيهم حتى الآن. ٧٩ - ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ. . .﴾ الآية. أي: ومما استحقوا به اللعنة: أَن المنكر فشا فيهم، حتى أَصبح مألوفا بينهم معروفا فيهم، لا يلقى مقاومة ولا زَجْرا ولا إنكارا، فلا ينهى بعضهم بعضا عنه. روى الإِمام أَحمد والترمذي وأَبو داود عن النبي ﷺ . قال: "لمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ في المَعَاصِى، نهتْهُمْ علماؤُهم فلم ينتَهوا. فجالسوهم في مجالِسِهم أوْ في أَسْواقِهِمْ - وَواكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُم. فَضرَبَ الله قلوب بَعضهِم بِبَعض، وَلَعَنَهم عَلَى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْن مَرْيَمَ. ذَلِكَ بمَا عصوا وَكَانُوا يَعْتَدونَ. وَكانَ ﷺ متَّكِئا فَجَلَسَ فَقالَ: لا، وَالذِي نَفْسِى بيَدِهِ، حَتى تأَطِروهُمْ على الحق أَطرا" (١)، أي تعطفوهم عليه. وفي رواية لأَبي داود وابن ماجه والترمذي: "واللهِ لَتَأمرُن بالمعروفِ وَلتنهَوُنَّ عن المنكر، وَلَتَأخُذُنَّ على يَدِ الظالِم، وَلَتَأطِرنَّه على الحق أطْرًا. أَو لَيَضرِبَن الله قلُوبَ بعضكم بِبَعضٍ، ثَم يَلْعَنُكم كَما لَعَنَهُمْ". ومن هذا يتضح: أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مفروض، في جميع الرسالات السماوية. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: أي ما أَقبح فعلهم وسكوتهم على المنكر! وقد عقب الله بهذا على الوصف السابق، لإظهار مدى قبح وشناعة ما كانوا يصنعون والتعبير بقوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ للدلالة على استحضار الصورة القبيحة لما كانوا يفعلون، وللدلالة على استمرارهم في ذلك.

стр. 1155

﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ المفردات: ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾: يوالون ويناصرون. ﴿سَخِطَ﴾: غضب غضبا شديدا. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: نصراء. ﴿فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن شعائر الدين. التفسير ٨٠ - ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ الآية. أَي: من جرائمهم التي نراها: أَن كثيرا منهم - وهم أَهل كتاب ورسالة سماوية - يناصرون الكافرين، ويؤَيدونهم، ويتوددون إِليهم. والمقصود بالكفار هنا: المشركون، وقد أَعلن كعب بن الأَشرف - وهو من زعمائهم - أن المشركين ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. وقيل: المراد بالذين كفروا - هنا - المنافقون وكان زعيم المنافقين بالمدينة: عبد الله ابن أبي، يوالي اليهود ويوالونه. فلما غدروا بالمسلمين وغزاهم الرسول ﷺ واستسلموا له، جاءَ عبد الله بن أبيّ إلى النبي ﷺ وقال: يا محمد أَحْسِن في مواليّ: أربعمائة حاسر - أي بدون دروع - وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر

стр. 1156

والأسود: تحصدهم في غداة واحدة؟! إني والله، امرؤ أَخشى الدوائر. فقال ﷺ : هُمْ لَكَ، عَلَى أَن يَخْرُجُوا مِنَ المدِينَةِ وَلَا يُجَاوِرُوني بِهَا. والواقعَ أَن اليهود بالمدينة، كانوا يوالون مشركي قريش ومنافقي المدينة. وكانوا على صلات وثيقة بالروم. فهم يوالون كل مناهض للإِسلام. ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أَكّد اللهُ ذَمَّه لليهود، بأنهم اختاروا لأنفسهم أسوأَ ما يختاره إِنسان لنفسه، حيث قدموا من الأَعمال التي يتوقعون أَن تنفعهم في الآخرة، ما يستدعي غضب الله وسخطه عليهم، بأَن حاربوا الإِسلام - وهو دين التوحيد الذي بشرت به توراتهم - وناصروا المشركين والمنافقين، الذين يتجهون إلى غير الله بالعبادة والتوحيد. ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾: أَي: وسيكون جزاؤُهم على هذا في الآخرة الخلود في النار، ومقاساة عذابها الأليم. ٨١ - ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ. . .﴾ الآية. أَي: لو كان هؤُلاءِ اليهود، يؤْمنون باللهِ ورسوله محمَّد ﷺ وكتابه الكريم، أَو بالله ورسوله موسى ﵇ الذي يدِّعون اتباعه وبما أنزل عليه من التوراة - لو كان لديهم هذا الإِيمان - ما اتخذوا المنافقين ولا المشركين نصراءَ، وهم يعرفون أنهم عبدة أَصنام. ويجوز أَن يكون المراد: لو أَن المشركِين والمنافقين آمنوا بالله ورسوله، وما أنزل الله عليه، ما اتخذوا اليهود أَصدقاءَ ونصراءَ. ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: ولكن كثرتهم انحرفت بهم عن الحق، وجنحت إِلى الضلال، فوالت الكفار، وأعانتهم على المؤْمنين؛ لأَن خروجهم عن الدين القويم، أَلَّف بين هؤُلاء الكافرين. وإذا كانت الكثرة قد انحرفت عن الصواب، فعلى القلة أَن تقاومها ما استطاعت إِلى ذلك سبيلا. وإلا فالجميع في الحكم سواء. وهكذا كل كثرة على صواب، إِلى يوم القيامة.

стр. 1157

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾. المفردات: (قِسِّيسِينَ): جمع قِسِّيس؛ وهو رئيس دينى مسيحى. (ورُهْبَانًا): الرهبان؛ جمع راهب، وهو المتبتل، المنقطع للعبادة وحرمان النفس من الاستمتاع بالزوج والولد. (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ): أَي تمتلئ أَعينُهم بالدمع حتى يتدفق من جوانبها؛ لكثرته. التفسير ٨٢ - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا … ﴾ الآية. بعد أن أَقام الله الحججَ القاطعةَ على أَهل الكتاب، المعاندين المكذبين. وبعد أن ذكر

стр. 1158

فضائحَهم ومخازيَهُم - ذكر تعالى في هذه الآيات. أحوالَ اليهود والنصارَى في عداوتهم ومحبتهم للمؤمنين. كما بيَّن حالَ المشركين. سبب النزول: تعددت الروايات في سبب نزول هذه الآيات. ولكنها تلتقى في أَن بعض طوائف النصارى، استمعوا إلى القرآن الكريم، فتأثَّرت به نفوسهم، وفاضت أعينهم فأَعلنوا الإِسلام. ويذهب جمهور المفسرين: أنها نزلت في النجاشي - ملك الحبشة - ومَن معه من القسيسين والرهبان. وجميع الروايات: تدل على أنه أسلم هو ومن معه. وكُتُبُ السيرةِ، تدل على أن قيصر عظيم الروم - وهو مسيحى - تلقَّى دعوةَ الرسول ﷺ ، في رِفق وأَناة. وأنه - لولا خشيته على مُلْكه - لاستجاب للإسلام. كما تدل كتب السيرة، على أن المقوقس - زعيم الأقباط في مصر - تَلَقَّى دعوةَ الرسول ﷺ ، في مَوَدَّةٍ ولِينْ. وأَرسل إليه بعض الهدايا القيمة. وكان تَلقى الناس للدعوة الإِسلامية متنوعًا بتنوع عقائدهم وطبائعهم. وأبرز الطوائف التي استقبلت هذه الدعوة الجديدة: أولًا - اليهود: وقد استقبلوا الإِسلام بالعداوة والبغضاء، مع أَن ملَّتَهم تقوم على التوحيد؛ لأن تطوّر اليهودية، وعبَثَ اليهود بكتابهم - أَبْعَدَ اليهودَ عن أصول عقيدتهم، وجعلها قائمة على التعصب الأعمى والأَنانية الحمقاء؛ حيث زعموا أَنهم: شعب الله المختار وأنهم لهذا لن يدخلوا النار مهما فعلوا إِلا أَياما معدودات. فاسترسلوا في شهواتهم ونزواتهم. فقتلوا الأنبياءَ، واستباحوا الحُرماتِ. وأَكلوا أموالَ الناس بالباطل. وأسرفوا في التمرد والعصيان، مما مسخ فِطَرَهم الإِنسانية إِلى غرائز القردة والخنازير، وعبدة الطاغوت.

стр. 1159

ولهذا - لما جاءَ الإِسلام - عادوه بألوان العداء، وشنوا عليه الحروب الطاغية: بقوة السلاح، أو بالدسائس والمؤامرات، أَو بمحاولة تشويهه بما دسُّوا فيه من الإسرائيليات: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) ولا يزال هذا دأبهم حتى الآن. ولهذا صدرتهم الآية، وصرحت بهم. ثانيًا - المشركون: وهم كفار مكة وأَمثالهم. فقد قاوموا الدعوة الإِسلامية مقاومة عنيفة؛ لأن الإِسلام يحدُّ من طغيانهم وعصبياتهم الحمقاء، وما أعتادوه من إستعْلاء وكبرياء وهم - إلى هذا - تشتعل نفوسهم بالحسد والبغضاء للرسول ﷺ ، فقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ (٢) وجاهروا المسلمين بالعداء، حتى قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (٣) وما زالوا بهم تعذيبا واضطهادا، حتى أَخرجوهم من ديارهم، وصادروا أموالهم. ثالثا - النصارى: أَنكر الإِسلام على النصارى إيمانهم بالفداء، وبحدوث الصلب وعقيدة التثليث، ولكنه مَع هذا أَنصف المسيح ﵇ ورفعه إِلى مكانته السامية الجديرة به، ونادى بطهارة السيدة مريم وأفضليتها على النساء. والمسيحية - في كتابهم (٤) - تقوم على التسامح، ومقابلة الإِساءة بالاحسان، وعلى النفور من العدوان. كما تقوم المسيحية أيضًا: على الحد من الشهوات والمطامع، وحب الاستعلاء وهي - في هذا - تقارب الإِسلام. ونظرا لأَن هذه المبادئ تدعو إِلى المسامحة، فإِنهم لم يقابلوا الإِسلام بالعداوة والبغضاء، كما فعل اليهود.

стр. 1160

وموقف النجاشى، والمقوقس، وهرقل - من الدعوة الإِسلامية - معروف. والنصارى - لا النصرانية - لم يحاربوا الإِسلام، إلا بعد أن خرجوا على تعاليم النصرانية دينهم، وبعد أن استبدت بهم المطامع والشهوات، فشَنُّوا الحروب البيزنطية، والحروب الصليبية، والحروب الاستعمارية على الإِسلام والمسلمين. والنصرانية من كل هذا براء. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: شدة العداوة من اليهود: قائمة - أساسا - على تعصبهم واستعلائِهِم، وكراهتهم خروج النبوة من ولد إِسرئيل، ثم على تَرَسُّلِهِم في شهواتهم، مما أدى إلى تمردِهم على الأَنبياء، وتكذيبهم، وقتل المئات - بل الآلاف - منهم في هذا السبيل. وأشد ما لاقى الرسول ﷺ من الأذى والعنت والعداء - كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب. ولا سيما مشركي مكة وما حولها، ولكن مشركي العرب - على جاهليتهم - كانوا أرق من اليهود قلوبا، وأعظم مروءَة وإِيثارا. ولهذا بدأَ باليهود - كما أَسلفنا - في ترتيب العداء للإسلام. فقد حاربوا الإِسلام بالسلاح، كما حاربوه بالكيد والتآمر، ومحاولة تشويه تعاليمه السامية، بما دسّوا فيه من إِسرائيليات، فضلا عما اخْتُصُّوا به من قتل بعض الأنبياء بغير حق، وإِيذائهم لبعضهم الآخر، واستحلالهم أَكل أموال غيرهم بالباطل من الربا والرشوة، مما يزخر به تاريخهم. ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾: أي لتجدن يا محمد، أقربَ الناس محبةً ومودةً لك وللمؤمنين: الذين قالوا إنا نصارى. وقد رأَى النبي ﷺ ، ورأى صحابته من نصارى الحبشة، وملكهم - حُسْنَ الحماية والرعاية وطيبَ المودة للذين هاجروا إلى الحبشة، حيث عاشوا في أَمن وسلام ولم يسلموهم إِلى أَعدائهم المشركين، الذين استعْدَوْا عليهم ملك الحبشة، وحاولوا
следующие страницы →