والأسود: تحصدهم في غداة واحدة؟! إني والله، امرؤ أَخشى الدوائر. فقال ﷺ : هُمْ لَكَ، عَلَى أَن يَخْرُجُوا مِنَ المدِينَةِ وَلَا يُجَاوِرُوني بِهَا.
والواقعَ أَن اليهود بالمدينة، كانوا يوالون مشركي قريش ومنافقي المدينة. وكانوا على صلات وثيقة بالروم. فهم يوالون كل مناهض للإِسلام.
﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾:
أَكّد اللهُ ذَمَّه لليهود، بأنهم اختاروا لأنفسهم أسوأَ ما يختاره إِنسان لنفسه، حيث قدموا من الأَعمال التي يتوقعون أَن تنفعهم في الآخرة، ما يستدعي غضب الله وسخطه عليهم، بأَن حاربوا الإِسلام - وهو دين التوحيد الذي بشرت به توراتهم - وناصروا المشركين والمنافقين، الذين يتجهون إلى غير الله بالعبادة والتوحيد.
﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾:
أَي: وسيكون جزاؤُهم على هذا في الآخرة الخلود في النار، ومقاساة عذابها الأليم.
٨١ - ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ. . .﴾ الآية.
أَي: لو كان هؤُلاءِ اليهود، يؤْمنون باللهِ ورسوله محمَّد ﷺ وكتابه الكريم، أَو بالله ورسوله موسى ﵇ الذي يدِّعون اتباعه وبما أنزل عليه من التوراة - لو كان لديهم هذا الإِيمان - ما اتخذوا المنافقين ولا المشركين نصراءَ، وهم يعرفون أنهم عبدة أَصنام.
ويجوز أَن يكون المراد: لو أَن المشركِين والمنافقين آمنوا بالله ورسوله، وما أنزل الله عليه، ما اتخذوا اليهود أَصدقاءَ ونصراءَ.
﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾:
ولكن كثرتهم انحرفت بهم عن الحق، وجنحت إِلى الضلال، فوالت الكفار، وأعانتهم على المؤْمنين؛ لأَن خروجهم عن الدين القويم، أَلَّف بين هؤُلاء الكافرين.
وإذا كانت الكثرة قد انحرفت عن الصواب، فعلى القلة أَن تقاومها ما استطاعت إِلى ذلك سبيلا. وإلا فالجميع في الحكم سواء.
وهكذا كل كثرة على صواب، إِلى يوم القيامة.
стр. 1157
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾.
المفردات:
(قِسِّيسِينَ): جمع قِسِّيس؛ وهو رئيس دينى مسيحى.
(ورُهْبَانًا): الرهبان؛ جمع راهب، وهو المتبتل، المنقطع للعبادة وحرمان النفس من الاستمتاع بالزوج والولد.
(تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ): أَي تمتلئ أَعينُهم بالدمع حتى يتدفق من جوانبها؛ لكثرته.
التفسير
٨٢ - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا … ﴾ الآية.
بعد أن أَقام الله الحججَ القاطعةَ على أَهل الكتاب، المعاندين المكذبين. وبعد أن ذكر
стр. 1158
فضائحَهم ومخازيَهُم - ذكر تعالى في هذه الآيات. أحوالَ اليهود والنصارَى في عداوتهم ومحبتهم للمؤمنين. كما بيَّن حالَ المشركين.
سبب النزول:
تعددت الروايات في سبب نزول هذه الآيات. ولكنها تلتقى في أَن بعض طوائف النصارى، استمعوا إلى القرآن الكريم، فتأثَّرت به نفوسهم، وفاضت أعينهم فأَعلنوا الإِسلام.
ويذهب جمهور المفسرين: أنها نزلت في النجاشي - ملك الحبشة - ومَن معه من القسيسين والرهبان.
وجميع الروايات: تدل على أنه أسلم هو ومن معه.
وكُتُبُ السيرةِ، تدل على أن قيصر عظيم الروم - وهو مسيحى - تلقَّى دعوةَ الرسول ﷺ ، في رِفق وأَناة. وأنه - لولا خشيته على مُلْكه - لاستجاب للإسلام.
كما تدل كتب السيرة، على أن المقوقس - زعيم الأقباط في مصر - تَلَقَّى دعوةَ الرسول ﷺ ، في مَوَدَّةٍ ولِينْ. وأَرسل إليه بعض الهدايا القيمة.
وكان تَلقى الناس للدعوة الإِسلامية متنوعًا بتنوع عقائدهم وطبائعهم.
وأبرز الطوائف التي استقبلت هذه الدعوة الجديدة:
أولًا - اليهود: وقد استقبلوا الإِسلام بالعداوة والبغضاء، مع أَن ملَّتَهم تقوم على التوحيد؛ لأن تطوّر اليهودية، وعبَثَ اليهود بكتابهم - أَبْعَدَ اليهودَ عن أصول عقيدتهم، وجعلها قائمة على التعصب الأعمى والأَنانية الحمقاء؛ حيث زعموا أَنهم: شعب الله المختار وأنهم لهذا لن يدخلوا النار مهما فعلوا إِلا أَياما معدودات. فاسترسلوا في شهواتهم ونزواتهم. فقتلوا الأنبياءَ، واستباحوا الحُرماتِ. وأَكلوا أموالَ الناس بالباطل. وأسرفوا في التمرد والعصيان، مما مسخ فِطَرَهم الإِنسانية إِلى غرائز القردة والخنازير، وعبدة الطاغوت.
стр. 1159
ولهذا - لما جاءَ الإِسلام - عادوه بألوان العداء، وشنوا عليه الحروب الطاغية: بقوة السلاح، أو بالدسائس والمؤامرات، أَو بمحاولة تشويهه بما دسُّوا فيه من الإسرائيليات: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) ولا يزال هذا دأبهم حتى الآن.
ولهذا صدرتهم الآية، وصرحت بهم.
ثانيًا - المشركون: وهم كفار مكة وأَمثالهم. فقد قاوموا الدعوة الإِسلامية مقاومة عنيفة؛ لأن الإِسلام يحدُّ من طغيانهم وعصبياتهم الحمقاء، وما أعتادوه من إستعْلاء وكبرياء وهم - إلى هذا - تشتعل نفوسهم بالحسد والبغضاء للرسول ﷺ ، فقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ (٢) وجاهروا المسلمين بالعداء، حتى قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (٣) وما زالوا بهم تعذيبا واضطهادا، حتى أَخرجوهم من ديارهم، وصادروا أموالهم.
ثالثا - النصارى: أَنكر الإِسلام على النصارى إيمانهم بالفداء، وبحدوث الصلب وعقيدة التثليث، ولكنه مَع هذا أَنصف المسيح ﵇ ورفعه إِلى مكانته السامية الجديرة به، ونادى بطهارة السيدة مريم وأفضليتها على النساء.
والمسيحية - في كتابهم (٤) - تقوم على التسامح، ومقابلة الإِساءة بالاحسان، وعلى النفور من العدوان.
كما تقوم المسيحية أيضًا: على الحد من الشهوات والمطامع، وحب الاستعلاء وهي - في هذا - تقارب الإِسلام.
ونظرا لأَن هذه المبادئ تدعو إِلى المسامحة، فإِنهم لم يقابلوا الإِسلام بالعداوة والبغضاء، كما فعل اليهود.
стр. 1160
وموقف النجاشى، والمقوقس، وهرقل - من الدعوة الإِسلامية - معروف. والنصارى - لا النصرانية - لم يحاربوا الإِسلام، إلا بعد أن خرجوا على تعاليم النصرانية دينهم، وبعد أن استبدت بهم المطامع والشهوات، فشَنُّوا الحروب البيزنطية، والحروب الصليبية، والحروب الاستعمارية على الإِسلام والمسلمين. والنصرانية من كل هذا براء.
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾:
شدة العداوة من اليهود: قائمة - أساسا - على تعصبهم واستعلائِهِم، وكراهتهم خروج النبوة من ولد إِسرئيل، ثم على تَرَسُّلِهِم في شهواتهم، مما أدى إلى تمردِهم على الأَنبياء، وتكذيبهم، وقتل المئات - بل الآلاف - منهم في هذا السبيل.
وأشد ما لاقى الرسول ﷺ من الأذى والعنت والعداء - كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب. ولا سيما مشركي مكة وما حولها، ولكن مشركي العرب - على جاهليتهم - كانوا أرق من اليهود قلوبا، وأعظم مروءَة وإِيثارا.
ولهذا بدأَ باليهود - كما أَسلفنا - في ترتيب العداء للإسلام. فقد حاربوا الإِسلام بالسلاح، كما حاربوه بالكيد والتآمر، ومحاولة تشويه تعاليمه السامية، بما دسّوا فيه من إِسرائيليات، فضلا عما اخْتُصُّوا به من قتل بعض الأنبياء بغير حق، وإِيذائهم لبعضهم الآخر، واستحلالهم أَكل أموال غيرهم بالباطل من الربا والرشوة، مما يزخر به تاريخهم.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾:
أي لتجدن يا محمد، أقربَ الناس محبةً ومودةً لك وللمؤمنين: الذين قالوا إنا نصارى.
وقد رأَى النبي ﷺ ، ورأى صحابته من نصارى الحبشة، وملكهم - حُسْنَ الحماية والرعاية وطيبَ المودة للذين هاجروا إلى الحبشة، حيث عاشوا في أَمن وسلام ولم يسلموهم إِلى أَعدائهم المشركين، الذين استعْدَوْا عليهم ملك الحبشة، وحاولوا
стр. 1161
أن يوغروا صدره، ويوقعوا بينه وبين المهاجرين، من المؤمنين: بأنهم ما جاءُوا إِلا ليفسدوا عليه قومه.
ولكنه لم يستجب لهم وأكرم المسلمين.
ثم بين ، سبب مودة النصارى للمؤمنين بقوله:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾:
وقد تضمن ذلك وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة، والتواضع والزهد.
فسبب مودة النصارى ومحبتهم للمؤمنين: أن منهم قسيسين يتولون رعاياهم بالتعليمِ الديني، ويتعهدونهم بتهذيب الأخلاق، ويربونهم على الآداب والفضائل.
كما أن منهم - كذلك - رهبانا: عُبَّادًا يضربون لهم المُثُلَ في الزهد، والإِعراضِ عن زخرف الدنيا وزينتها، ويُكثِرُون في نفوسهم الخوف من الله تعالى ومراقبته، والإنقطاع للتبتل والعبادة.
كما أَن من أسباب مودتهم للمسلمين: التواضع، وأنهم لا يستكبرون عن الخضوع والإِذعان للحق، متى ظهر لهم.
٨٣ - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ … ﴾ الآية.
قيل: إِنه كلام مستأْنف. وقيل: إِنه معطوف على قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
فهذه الآية متصلة بما قبلها.
والمعنى: ولتجدن أقربهم مودة للمؤمنين، أُولئك الذين قالوا إِنا نصارى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وَأَنَّهم: ﴿إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ عند سماع القرآن وهم الذين استجابوا للإِسلام فآمنوا عندما سمعوا القرآن، لِما عرفوا من الحق، الذي جاءَ في كتابهم عن محمَّد ﷺ ، وعن دينه.
стр. 1162
وفي تفسير الخازن؛ قال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه، لَمَّا قرأ عليهم جعفر ابن أَبي طالب سورةَ مريم. قال: فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة.
﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَق﴾:
أَي تفيض عيونهم من الدمع، من أَجل ما عرفوه من الحق (١).
وهذا شأن العلماء المخلصين، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ … ﴾ (٢) الآية.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾:
يقولون - بعد أن اطمأنت قلوبهم للإسلام - ربنا آمنا بنبيك محمَّد ورسالته، فتقبل منا، واجعلنا مع أُمة محمَّد الذين سيشهدون على الأمم يوم القيامة، كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣) الآية.
نقل هذا عن ابن عباس، وابن جريج.
وقال الحسن: الذين يشهدون بالإيمان.
وقال أَبو علي: الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك.
٨٤ - ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾:
وأَىُّ شيءٍ يصرفنا عن الإيمان بالله، وتصديق ما جاءنا من الحق بعد ما تبين لنا صدق الرسول، وصحة رسالته - أَي لا شئَ يصرفنا عن ذلك!!.
ونظير هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَمَا لِىَ لَاَ أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٤).
والمراد بالحق: القرآن والإِسلام.
стр. 1163
والمراد من ﴿الْقَوْمٍ الصَّالِحِينَ﴾ أُمةُ محمَّد ﷺ أي وكيف ننصرف عن الإيمان، ونحن نطمع أن يُدْخِلَنا رَبُّنا مع القوم الصالحين، أَي من جملتهم!
٨٥ - ﴿فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾:
أَي فجازاهم الله وكافأهم - بسبب قولهم: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين - وأَسعدهم بما أعد لهم من جنات، وصفها الله تعالى، بأن الأنهار تجرى من تحت قصورها وأشجارها، كما وصفهم بالخلود والبقاء في نعيمها فلا يزول عنهم النعيم ولا يفارقونه.
وقد رتب الله تعالى الجزاء المذكور، على قولهم: ﴿رَبنَا آمَنا﴾ وما اقترن به، مما يدل على كمال الإِخلاص: من بكائهم عند سماع القرآن، وقولهم: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ … ﴾. إلخ.
ثم ختم الله الآية بقوله:
﴿وذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: ليبين أن هذا الجزاء الكريم، ليس قاصرا على من نزلت الآية بسببهم، بل هو يعمُّ كلَّ من أحسن إحسانهم.
٨٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾:
في هذه الآية، يبين الله تعالى، سوء مصير الكافرين، بعد بيان حسن مصير المؤْمنين وبضدها تتميز الأشياءُ.
والمعنى: والذين كفروا - من اليهود والنصارى والمشركين ومن لا دين لهم - ودأبو على التكذيب عنادا واستكبارا، بعدما وضح الحق، وقامت الأدلة والحجج على صدق الرسول محمَّد ﷺ .
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾:
أي أولئك هم أصحاب النار وسُكَّانها المقيمون بها لا يبرحونها.
والجَاحِم والجَحِيم: هو ما اشتدَّ حَرُّه.
стр. 1164
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
التفسير
٨٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ … ﴾ الآية.
الربط: لما مدح الله مَن آمن من علماءِ أَهل الكِتاب، ناسب أَن يؤَدبَهم بأَدب الإِسلام فبين لهم: أن الدين الإسلامي، لا يحرم الطيبات، التي كانوا يحرمونها على أنفسهم، حينما يسلكون سبيل الرهبانية. وإنما هو دين يحرم الاعتداءَ والتجاوز.
وجاء ذلك بأُسلوب عام لجميع المؤْمنين، حتى يتأدبَ به كل مؤْمن.
سبب النزول:
روى البخاري، عن أنس، قال: جاءَ ثلاثة رَهْطٍ (١) إلي بيوت أَزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا - كأَنهم تَقالُّوها - فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأَخر:
فقال أحدهم: أمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي الليلَ أبَدًا. وقَالَ آخَرُ: أَما أَنا فَأَصُومُ الدَّهْرَ ولا أفْطِرُ. وقال آخَرُ: أمَّا أنَا فَاعْتَزِلُ النِّسَاءَ، ولَا أتَزَوَّجُ أَبَدا.
فجاءَ رسولُ الله ﷺ فقال: "أنتُمُ الّذِينَ قُلْتم: كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَالله، إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلهِ، وَأَتْقَاكُمْ لِلهِ … لكِنّي أَصُومُ وَأُفطِرُ، وَأُصَلِّي وَأرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. فَمنْ رَغِب عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنّي".
стр. 1165
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾:
أَي لا تمنعوا - أَيها المؤمنون - أَنفسكم مما طاب ولذَّ من الطعام، الذي أحله الله لكم.
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾:
أَي لا تتجاوزوا الحَدَّ بتحريم حلال، أو تحليل حرام، أَو إِسراف في طعام. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١).
٨٨ - ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا … ﴾ الآية.
أَي تمتعوا بأَنواع الرزق، من أَكل وشرْب ولباس، وغير ذلك من الطيبات، التي أَحلها الله تعالى.
وخص الأكل بالذكر؛ لأَنه معظم مقاصد الرزق.
وقد دلت هذه الآية - وسابقتها - على أَن الإِسلام يُعْنَى بالأَجسام، كما يُعنى بالأَرواح.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾:
أي اجعلوا أَنفسكم في وقاية من غضب الله، الذي أَنتم به مؤمنون. فلا تتجاوزوا ما شرعه الله لكم.
وعن الحسن البصري ﵁: إن اللهَ أَدَّب عبادَه فأَحسن أَدبهم، فقال: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِهِ﴾ (٢). ما عاب الله قوما وسَّع عليهم الدنيا فتنعموا وأَطاعوا، ولا عَذَر قوما زواها عنهم فعصوْه.
وعنه أنه قيل له: فلان لايأْكل الفالوذج (٣)، ويقول: لا أُؤدي شكره. قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: إِنه جاهل. إن نعمةَ الله عليه في الماءِ البارد، أكثُر من نعمته عليه في الفالوذج.
والمعروف من سيرة الرسول ﷺ : أَنه كان يأْكل ما وجده … فتارة يأْكل أَطيبَ الطعام؛ كلحوم الأنعام والطير والدجاج. وتارة يأكل أَخْشَنَهُ؛ كخبز الشعير
стр. 1166
بالملح أَو بالزيت أَو بالخل، وأحيانا يجوع، وأَحيانا أُخرى يشبع، فكان - في كل ذلك - قُدْوَةً للموسر وللمعسر على السواءِ.
وَلْيُعْلَمْ: أَن التمتُّعَ بالطيبات من الرزق، مشروعٌ في جميع الرسالات. قال تعالى: ﴿يَأَ يُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١).
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
المفردات:
﴿باللَّغْوِ﴾ اللغو في اليمين: الحلف من غير قصد القَسَم.
﴿بِمَا عَقدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ أَصل العقد: نقيض الحل. فَعَقْد الأَيمان. وتعقيدها: توكيدها بالقصد والتصميم.
﴿فَكَفَّارَتُةُ﴾ أَصل الكفارة: من الكَفْر. وهو: الستر والتغطية، ثم صارت - في اصطلاح الشرع - اسمًا لأعمال تكفِّر - أَي تمحو- بعض الذنوب.
﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكمْ﴾: الأَوسط؛ المعتدل من كل شيء. والمراد هنا: الأَغلب من الطعام، الذي هو وسط بين الدُّون الذي يُتَقشَّف به، وبين الأَعلى الذي يُتوسع به.
﴿أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: أي إِعتاق رقيق مملوك له.
стр. 1167
التفسير
٨٩ - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ … ﴾ الآية.
الربط وسبب النزول:
روى ابن جرير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ … ﴾ في القوم الذين كانوا قد حرَّموا النساء والنَّوْمَ واللحْمَ على أَنفسهم، قالوا: يا رسول الله، كيف نَصنع بأَيماننا التي حلفناها؟ فأَنزل الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ … ) الآية.
وبهذا تتصل الآية بما قبلها.
ومعنى قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ أَي لا يؤاخذكم الله بالأَيمان التي تحلفونها بلا قصد، كما يقول الرجل في حلفه - من غير قصد ولا نية - لا والله، وبلى والله، مما يجرى على الأَلسنة من غير قصد. فلا مؤاخذة على هذه الأَيمان: بكفارة في الدنيا، ولا بعقوبة في الآخرة؛ لأَنها عادة لسان.
وقال مجاهد: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن. وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾:
ولكن الله يؤاخذكم بما يصدر عنكم من الأَيمان التي أكدتموها بالقصد والتصميم.
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾:
فالذي يُكفِّرُ عَقْدَ اليمين - إذا أُريد الحنث فيها ممن حلف أَنه سيفعل كذا، أَو حلف أَنه لن يفعل كذا، ثم راجع نفسه فرأَى أن تنفيذ اليمين سَيَحْرِمُهُ خيرًا كثيرا - فعليه أن يَنْقُضَ يمينَهُ، وأَن يُكفِّرَ عنها. لما جاءَ في الصحيحين: عن أَبي موسى الأَشعرى، عن النبي ﷺ قال: "إني وَاللهِ - إن شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِين فَأرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلاَّ كَفرْتُ عَنْ يَمِينِى، وَأَتَيْتُ الَّذِي هوَ خَيْرُ".
стр. 1168
ومن يحلف كاذبا متعمدا، فعليه ردُّ الحقوق إلى اصحابها، إِذا ترتب على يمينه ضياع حق ثابت. وعليه أَيضا الكفارة المبينة في الآية.
ويمين الكاذب المتعمد تسمى شرعًا: اليمين الغموس.
وسميت بذلك؛ لأَنها تغمس صاحبها في النار. وهي: من الكبائر التي ورد فيها وعيد شديد.
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: "جاءَ أَعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله، ما الكبائر؟ قال: الإِشراكُ بِاللهِ. قال: ثم ماذا؟. قال: عُقوقُ الوالدين. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغَمُوسُ. قلتُ: وما اليمينُ الغموسُ؟ قال: الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ امْرِئٍ مُسْلِم هُوَ فِيهَا كَاذِب".
وأَخرج مسلم عن أبي أُمامة أَن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اقْتَطَعَ حَق امْرِئٍ مُسْلمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّة فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا قال: وَإنْ كَانَ قَضِيبًا من أرَاك".
فعلى كل مسلم: أَن يتجنب الحلف باللهِ كاذبًا، حتى لا يستحق هذا الوعيد الشديد.
أما يمينُ المُكْرَه؛ فلا إِثم فيها. وكذا لَا كفارة فيها في بعض المذاهب.
والحلف لا يكون إِلا باللهِ تعالى، أَو باسم من أَسمائه، أَو صفةٍ من صفاته.
قال ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحلِفْ بِاللَهِ أوْ ليَصمُت" (١).
وكفارة اليمين إذا حنث فيه:
١ - إطعام عشرة مساكين وجبةً واحدةً لكلَّ منهم من الطعام الغالب الذي يأكله أهلوكم في بيوتكم لا من أرْدَئِه ولامن أَجودِه.
فمن كان أَكثر طعامه وطعام أَهله خبزَ البُرَّ، وأكثرُ إدامه اللحمَ بالخضر أو بدونها، فلا يجزئُ، ما دون ذلك. والأعلى يجزئ على كل حال، لأنه من الوسط وزيادة.
وأَجاز أَبو حنيفة إِطعام مسكين واحد عشرة أَيام.
стр. 1169
٣ - كسوة عشرة مساكين: والكسوة تختلف باختلاف البلاد والأَزمنة - كالطعام - فيجزئُ من غالب ما يكسو به أهله، لا من الأرْدَإِ ولا من الأجود. والأعلى يجزئُ على كل حال، كما سبق في الطعام.
وفي الإطعام والكسوة خلاف بين الفقهاءِ فمن أراد معرفته واستيفاءَه فليرجع إليه في كتب الفقه.
٣ - تحرير رقبة: أي إعتاق إِنسان رقيق ذكر أو أنثى. وقد يعبر أَحيانا عن ذلك بفكَّ رقبه كقوله تعالى: " ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (١).
ولا يشترط أَن تكون الرقبةُ مؤمنةً عند أبي حنيفة، فإنه يجزئ عنده عتق الكافرة.
خلافا للشافعي ومالك وأحمد فقد اشترطوا الإِيمان، قياسا على الكفارة في القتل.
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلَاثَةِ أيامٍ):
أي فمن عجز عن واحد من الثلاثة المتقدمة، فعليه أَن يُكَفِّرَ بصوم ثلاثة أَيام: متتابعات عند أَبي حنيفة. ولا يشترط التتابع عند الشافعي وغيره، وهو أَيسر. فإن عجز عن الصوم - لمرض - صام عند القدرة، فإِن لم يقدر فأَمره مفوض إلى الله تعالى: يُرْجَى له عَفْوُ الله ورحمته - إِذا صحت نيته.
والاستطاعة: أن يكون ذلك القَدْرُ اللازمُ في الكفارة من الإطعام والكسوة والعتق - فاضلا عن قُوتِهِ وقُوتِ عياله، يومَه وليلتَهُ. وفاضلًا كذلك، عن كسوته بِقَدْرِ ما يطعم أَو يكسو أَو يعتق.
﴿ذَلِكَ كفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذا حَلَفْتُمْ﴾:
باللهِ - أو باسم من أَسمائه - وحنثتم.
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾:
أَي قلِّلوا منها، فلا تحلفوا إِلا لإِحقاق حق أَو دفع باطل، قال تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا … ﴾ (٢) الآية.
стр. 1170
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
أي مثل ذلك البيان الشافي، يبين الله لكم أَعلام شريعته وأَحكام دينه، لتقوموا بشكره على ما أرشدكم إليه، من تشريعات نافعة.
وقد وضح بهذا، أن ما يتداوله الجهلة من حَلِفٍ بغير الله تعالى، أو بغير اسم من أَسمائه، أَو مَنْ حَلِفٍ بغير صفة من صفاته (١) - حرام شرعًا، وقدْ يَجرُّ إِلى الكفر، لإِشراكه غير الله في التعظيم والعياذ باللهِ؛ ﴿ … فّليحذرِ الذينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه أن تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يصيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.
المفردات:
(الخَمْرُ): هي كل ما خامر العقل وغَّيبَه.
стр. 1171
(الْمَيْسِرُ): القمار.
(الْأَنصَابُ): هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وقيل: إنهم كانوا يعبدونها، ويَتقربَّون إليها.
(الْأَزْلَامُ): هي قداح، أَي قطع رقيقة من الخشب على هيئة السِّهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية؛ لأَجل التفاؤُل أو التشاؤُم.
(رجْسٌ): الرجس؛ كل ما يستقذر؛ حسا أو معنى.
(فِيمَا طَعِمُوا): أَي فيما تناولوا قبل التحريم.
التفسير
٩٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ … ﴾ الآية.
لمّا سبق النهْىُ عن تحريم الطيب الحلال، والأمرُ بالأَكل مما رزق الله من الحلال الطيب - وكانَت الخمر والميسر من جملة الأمور المستطابة عندهم، بحسب العرف والإِلف.
عقب الله ذلك ببيان أنهما ليسا من الحلال الطيب. بل هما مما حرَّم الله تعالى.
سبب النزول:
أَورد ابن جرير وابن مردويه، في سبب نزول هذه الآيات: أَن سعد بن أَبي وقاص ﵁ قال: "في نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ … صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأنْصَارِ طَعَامًا، فَدعَانَا فَأَتَاهُ نَاسٌ. فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا حَتَّى انْتَشَوْا مِنَ الْخَمْرِ. وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمهَا. فَفَاخَرُوا. فَقَالَتِ الْأَنصَارُ: الأْنصَارُ خَيْر. وَقَالَتْ قُرَيْش: قُرَيْش خَيْرٌ. فَأَهْوَى رَجُلٌ بِلَحْىِ جَزُورٍ (١). فَضَرَبَ عَلَى أَنْفِى فَفَزَرَهُ (٢) قَالَ: فَأتَيْتُ النبِي ﷺ ، فَذَكَرْتُ لَه ذَلِك فَنَزَلَتْ":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
стр. 1172
خاطَب الله المسلمينَ - بوصف الإِيمان - ليستجيبوا إلى ما يأْمرهم به، ويقلعوا عما نهاهم عنه، تحقيقا لإيمانهم.
وفي هذه الآية، ينهاهم عن شرب الخمر نَهيًا حاسما.
والخمر: هي كل ما خامر العقل، فستره وحجبه عن التفكير. وهو يصدق على كل مُسْكر: مصنوع من عصير العنب أو غيره؛ لقوله ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر، وَكُلُ خَمْرٍ حَرَام" (١).
وفي رواية لمسلم، والترمذي، والنسائي، وأَبي داود، وابن ماجه، وأَحمد، ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر وَكلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ".
وخَرج أَبو داود: "نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهو من خمسة: من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة. والخمر: ما خامر العقل".
والواقع: أَن أَي شراب - تغير طعمه وظهر فيه الغول (الكحول) وأَسكر - فهو خمر.
وهوحرام. قَلَّ أَو كَثُرَ. لقوله ﷺ : "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقلِيلُهُ حَرَام" (٢).
وهذا ينطبق على ما يسمونه الآن "البيرة"، كما ينطبق على جميع المخدرات، مثل: الأَفيون، والحشيش، والقات، والكوكايين، والهيروين …
فقد ورد: أن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ كُل مُسكِرٍ ومُفَتَّر" (٣).
وقد الْتبس الأمر على بعض الباحثين، فظنوا النبيذَ - المعروف الآن - حلالًا.
والواقع أَنه حرام بالإِجماع؛ لأنه مُسكر. (٤)
أَما النبيذ الوارد كتب الفقه فهو ما يسميه أَهل مصر - الآن - بالخشاف، ويسميه أهل سورية بالنقوع (النقيع) وهو شراب منقوع فيه التمر أو الزبيب أَو المشمش وغيرها ويغلى حتى ينضج ويحلو ماؤُه فهذا لا حرج فيه إِذا لم يتخمر. أَما إذا ترك فترة طويلة، حتى
стр. 1173
تغَّير، وقذف بالزبد، وظهر فيه الغول (الكحول) فإِنه - حينئذ - يصبح مُسْكِرا، ويكون حراما: شأْنه - في هذا - شأْن عصير العنب، واللبن الحامض.
والدقيق الذائب في الماء "البوظة"، وأَشباهها، إِذا تغيرت وأَسكرت فهي حرام.
وإِذا لم تتغير، فلا حُرْمة فيها.
وتحريم الخمر قائم على الصالح العام، لأَنها تتلف الأَجسام،، وتنهك الأعصاب، وتؤَثر على العقول، وتدفع إِلى التصرفات السيئة كارتكاب الآثام، وهَتْكِ الحُرمات، وتبديد الأَموال. وضياع المروءَات، والتقصير في أَداءِ العبادات.
وكما حَرَّمت الآيةُ الكريمة الخمرَ، حَرَّمت الميسرَ؛ لأنه يصرف صاحبه عن الأَعمال المثمرة ويدفع إِلى الخسائر المتوالية ويولد الأمراض العصبية والنفسية، ويزعزع كيان الأسرة والمجتمع. بما قد يثير الضغائنَ والأَحقاد ويمزق صلاتِ الأرحام. ويدعو إِلى سيطرة التشاؤُم على نفوس اللاعبين وعلى التعلق بالخيالات والأوهام.
ومن الميسر: ما يعرف الآن بأَوراق اليانصيب.
أَما الأَنصاب؛ فتقوم على تقديس الأحجار، فإِن كانت للذبح عليها، وتقديم القرابين إلى الأوثان، في لَوْن من الشِّرك بالله، وإن كانت للعبادة فهي شِرك صريح؛ والله سبحانه "لَا يَغْفِرُ أَن يُشرَكَ به، وَيَغْفِرُ مَا دونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ … " (١).
وأَما القداح (وهي الأَزلام) فقد سبق تفسيرها، في الآية الثالثة من هذه السورة.
وشبيه بهذه القداح ما يزعمه الزاعمون الآن من: قراءَةِ الكف، والفنجان، وأوراقِ اللعب، أو تحضيرِ الأرواح، واستشارةِ الكهنة والعرافين، وراصدي النجوم وغيرهم من مدعى الغيوب.
وخير لمن الْتبس عليه الرأى وحار في أَمره أن يؤدىَ صلاة الاستخارة ويدعوَ دعاءَها وقد بسطنا ذلك في شرح الآية الثالثة من هذه السورة.
стр. 1174
وقال ﵊: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا - أَوْ كَاهِنًا - فَصدَّقَهُ بِمَا يَقولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِل عَلى مُحَمَد" (١).
هذه المنكرات كلها، ينفر منها العقل، وينكرها الشرع. وقد زينها الشيطان وخدع بها بعضم المفتونين، فصدهم عن السبيل، حيث أَوهمهم أَن قليل الخمر مفيد للصحة، وأَن في الميسر فائدةً للفقراء، وأن الأَنصابَ وسيلة لذبح القرابين والانتفاع بلحومها، وأن إِجالَة القداح استخارةٌ … وكل هذه مغالطات واهية: تنكرها العقول الرشيدة، والطبائع السليمة.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
فاتركوا هذا الرجس القبيح، رجاءَ أَن تكونوا في عداد المفلحين الفائزين، بتزكية أَنفسكم، وسلامة أَبدانكم. والتوادّ فيما بينكم.
وقد جمع الله سبحانه الخمر والميسر مع الأَنصاب والأَزلام في هذه الآية لتأْكيد تحريم الخمر والميسر، ثم أَفرد الخمرَ والميسر في الآية التي تليها لأَن الخطاب فيها، مع المؤْمنين الذين هجروا الأَنصاب والأَزلام بدافع من إِيمانهم، أَي من تلقاءِ أَنفسهم، ولم تكن الخمر قبل هذا محرمة، بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا … ﴾ الآية.
والمقصودُ نَهْىُ المؤْمنين - جميعًا - عن شرب الخمر، وعن اللعب بالقمار. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَها. وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وَآكِلَ ثَمَنِها" (٢).
وقد أَكَّد الله تحريم هذه الأُمور في الآية الأولى، بقصرها على الرجس الذي هو من عمل الشيطان. وحيث كانت كذلك، فلا يرجى منها خير. وجعل اجتنابها سببا يرجى منه الفلاح.
وحَدَّ من ثبت عليه شُرْبُ الخمر بإقرار أَو شَهود: أَربعون جَلدة، وقيل: ثمانون.
وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
стр. 1175
وبعد أَن أمر الله باجتناب هذه الموبقات، ذكر أَن في الخمر والميسر مَفْسَدَتَيْنِ كبيرتين: إِحدإهما دنيوية، والأخرى دينية، فقال تعالى:
٩١ - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ … ﴾ الآية.
أَي لا يريد الشيطان - بتزيينه الخمر والميسر - إلا أَن يقطع ما بينكم من صلات المودة، ويجعل مكانها العداوة والبغضاءَ، بسبب ما تثيره الخمرُ والميسر من أَسباب القطيعة، ويصرفكم عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم، ويصرفكم عن الصلاة التي هي عماد الدين، وفي أَدائها تزكيةٌ لنفوسكم، وتطهير لقلوبكم؛ لأَن السكران لا يذكر الله، ولا يميز أَوقات الصلاة، ولا يقيم أَركانها، ولأَن المقامر: يشغله اللعب والاستغراق فيه، عن ذكر الله وعن الصلاة.
ولما بيّن - جَل اسمه - حكمة تحريم الخمر والميسر، أَكد ذلك التحريم، بما يفيد الوعيد على عدم الامتثال، فقال:
﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾:
وهذا أمر بالانتهاءِ، جاءَ بأسلوب الاستفهام. فكأَنه قال: قد أَوضحتُ لكم ما في الخمر والميسر من أَنواع المفاسد والمضار الدنيوية والدينية، فانتهوا عن تلك المفاسد، حتى لا يحل بكم عقابي.
وقد فهم هذا المعنى عمر بن الخطاب، ﵁.
قال الطبرى في تفسيره: لمّا علم عمر رضي الله تعالى عنه: أَن هذا وعيد شديد زائد على معنى: انتهوا .. قال: "انتهينا يا رب".
ثم أَمر النَّبي ﷺ ، مناديَهُ أَن يُنَادِىَ في سِكَكِ المدينة: أَلا إنَّ الخمرَ قد حُرَّمت … فكُسرت أَوانيها، بعد ما أُريقت حتى جرت في سكك المدينة.
ثم زاد الله النهي عن تلك الموبقات تأكيدا، فقال:
٩٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا … ﴾ الآية.
стр. 1176
والمعنى: وأَطيعوا الله في كل ما أَمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول فيما بلغه عن ربه.
واحذروا المخالفة والعصيان، حتى لا تتعرضوا للعقاب.
وبدهي: أن يدخل في طاعة رسوله ﷺ ، اجتناب ما تقدم من المنهيات فإن الإِسلام أمَرَ بالمعروف، ونَهَى عن المنكر.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
فإن أَعرضتم عن طاعة الله ورسوله، فعليكم وِزر مخالفتكم.
أمَّا الرسول فقد بلَّغ الرسالة وأَدى الأمانة. وليس مسئولا عن مخالفتكم. قال تعالى:
﴿ … فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (١).
٩٣ - ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾:
سبب النزول:
روى الحافظ أَبو بكر البزار في مسنده: عن جابر بن عبد الله، يقول:
اصطبح ناسٌ الخمرَ، من أصحاب النبي ﷺ [قبل تحريمها]، ثم قتِلوا شهداءَ يوم أحد. فقالت اليهود. فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (٢).
أَي ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات إِثمٌ وعقوبة، فيما تناولوه - من طعام أَو شراب - قبل تحريمه. وذلك إِذا اتقوا الله وخافوه وعملوا الأعمال الصالحة، ثم خافوا الله وآمنوا بما نُزِّل إِليهم - بعد ذلك - من الأحكام والتزموه، ثم استمروا على تقوى الله والخوف منه، وأَحْسنوا الأعمال والطاعة، وعبدوا الله بإخلاص في السر والعلن.
﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسنِينَ﴾:
أَي يرضى عنهم ويشملهم برحمته.
стр. 1177
وقد بين النبي ﷺ الإحسان في جواب من سأله عنه بقوله: "الْإِحْسَانُ: أن تَعْبد الله كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَّمْ تَكُنْ تَرَاهُ فِإِنَّهُ يَرَاكَ" كما جاءَ في الصحيحين عن عمر.
ويستفاد من الآية الكريمة: أَن من مات - قبل تحريم الخمر أو بعد تحريمها - وكان ملتزما بما جاءَ فيها - كان بمنجاةٍ من عذاب الله.
كما يستفاد منها: أنه ينبغي للمؤْمن، أَن يترقَّي في معارج التقوى، حتى يصل إلى درجة الإِحسان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾.
المفردات:
(لَيَبْلُوَنَّكمْ): الابتلاءُ؛ الاختبار.
стр. 1178
(بِشَئٍ مِّنَ الصَّيدِ): الصيد: ما صِيدَ من حيوان البحر، ومن حيوان البر الوحشية، ومن الطيور.
(تَنَالُهُ أيْدِيكُم وَرِمَاحُكُم): يراد به كثرته وسهوله اصطياده.
روى عن ابن عباس: أَنه ما تناله الأيدى: الصغار والفراخ من الصيد. وما يؤخذ وينال بالرماح الكبار.
(لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُه بِالْغَيْبِ): أي ليعاملكم معاملة المختبر، الذي يريد أَن يعلم الشيء علم وقوع - وإن كان يعلمه علم غيب - فهو علام الغيوب.
(وَأَنتُمْ حُرُم) الحُرم: جمع حرام. ويطلق على الذكر والأُنثى. يقال: رجل وامرأَة حرام. أَي رجل محرم وامرأَة محرمة: بحج أَو عمرة.
(مِنَ النَّعَمِ) النعم: الأنعام من الإِبل والبقر والغنم.
(أوْ عَدْلُ ذَلِكَ) العَدل (بفتح العين): المعادل للشئ، والمساوى له مما يدرك بالعقل والعِدل (بكسر العين): المساوى للشئ مما يدرك بالحس.
(لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) الوبال: من الوبل والوابل. وهو: المطر الثقيل. وطعامٌ وبيلٌ أي ثقيل. ويقال للأَمر الذي يُخْشىَ ضَرَرُهُ: هو وبال.
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) البحر المراد به: الماء الكثير الذي يوجد فيه السَّمَك، كالأنهار. والبِرَك ونحوها … وصيد البحر ما يصاد منه مما يعيش فيه عامة.
(وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ) وطعام البحر: ما قذف به إِلى ساحله.
(وَلِلسَّيَّارَةِ) والسيارة: هم المسافرون، يتزودون منه.
(الَّذِي إِليْهِ تُحْشَرُونَ): أَي تجمعون وتساقون إليه يوم القيامة.
стр. 1179
التفسير
٩٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ … ﴾ الآية.
بعد أَن سبق النهي عن تحريم ما أحل الله تعالى من الطيبات، ثم استثنى الله الخمر والميسر.
استثنى هنا مما يحل: الصيد في حال الإِحرام. وأوجب جزاءً على قتله. وأوضح أن صيد البحر وطعامه حلال.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية، عام الحديبية، حين أحرم رسول الله ﷺ وأصحابه. وكانوا أَلفا وأَربعمائة: أَحرموا بالعمرة من ذي الحليفة. وأرسل النبي ﵇، عثمانَ لأَهل مكة بخبرهم: أَن رسولَ الله ﷺ ، قاصدٌ زيارةَ بيتِ الله، فجلسوا ينتظرون عثمان. فكانت وحوش البر والطيور تأتي إليهم من كل فج. فنزلت هذه الآية.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾:
والمعنى: يَأَيُّها الّذِينَ آمَنُوا ليختبرَنكم الله - وأنتم محرمون - ببعضٍ من الصيد، يسهل عليكم تناوله، بحيث تناله أَيديكم ورماحكم.
﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾:
ليعلم الله - علمًا كاشفا - مَن يخافه ويخشاه فينفذ أَوامره ويجتنب نواهيه وهو لا يرى الله سبحانه لقوة إِيمانه. والمقصود بالعلم: العلم التنجيزي الواقعي - أَي العلم الكاشف فإنه تعالى قد عَلِمَ أزلا ما سوف يكون عليه حال عباده في سِرِّهِم وجهرهم.
(فَمَنِ اعْتَدَى): فاصطاد.
(بَعْدَ ذَلِكَ): أي بعد الابتلاء.
(فَلَهُ عَذَاب أَلِيمٌ): أَي شديد الإيلام. لأَن من لا يملك نفسه - في هذا الموطن ولا يرعى جانب الله ولا يخشاه - كيف يكون حاله وشأنه فيما هو أَشد من هذا الابتلاء، مما تكون النفس إِليه أميل. وعليه أَحرص؟!
стр. 1180
٩٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ … ﴾ الآية.
سبب النزول:
يروى المفسرون: أن أَبا اليسر، قتل حمارًا وحشيًّا - عمدًا - وهو محرم، فنزلت.
والمعنى: يأيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد، وأَنتم محرمون بِحَج أَو عمرَة.
والمراد بالقتل: ما يعم الذبح وغيره.
والمراد بالصيد: المصيد. وخصه بعض الفقهاءِ بما يؤكل لحمه؛ لأَنه الغالب فيه عرفا. والجمهور، على أن غير المأكول يحرم قتله أيضًا. ولا يستثنى من ذلك، إِلا ما نصَّ عليه في قوله ﵊: "خَمْسُ فواسق: يُقتَلْنَ في الْحِلِّ وَالحَرَم: الغرابُ، والحدأةُ، والعقربُ، والفأْرةُ، والكلبُ العقورُ" (١).
وقد أَلحق مالك وأَحمدُ بالكلب العقور: الذئبَ، والسبعَ، والنمرَ، والفهد، لأنها أَشد ضررا منها. وهكذا كل ما يكون خطرًا على حياة الإِنسان.
ولما كان قتل الصيد - في حال الإحرام - ذنبًا كبيرًا كرّر النهي عنه - في هذه السورة - أربع مرات:
أولها: في قوله تعالى في أول السورة: ﴿ … غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
وثانيها: في قوله : ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ … ﴾.
وثالثها: في قوله تعالى: ﴿ … لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ … ﴾.
ورابعها: في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا … ﴾.
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾:
أَي ومن تعمد منكم قتل الصيد، أَو كان له دخل في قتله، سواءٌ أقتله في الحَرم أَم في خارجه.
وكذلك من قتله في الحرم - وهو غير محرم - فعليه في كل حالة مما ذكر جزاءٌ من النعم مماثل لِمَا قَتَلهُ إن وجد.
стр. 1181
وقد اختلف في المراد بالمثل:
فقيل: هو النظير أَي الشبيه. ففي الظبية: شاة. وفي النعامة: بعير.
روى الدارقطني عن جابر عن النبي ﷺ قال: "في الضبع إِذَا أَصابَهُ الْمُحْرِمُ: كَبْشٌ. وَفي الظَّبْى: شَاةٌ. وَفي الأرْنَبِ: عنَاقٌ (١). وَفي اليَرْبوع (٢): جَفْرَة" (٣).
وقيل المراد بالمثل: قيمة الصيد المقتول - يُقَوَّمُ في المكان الذي صِيدَ فيه، أو في أَقرب الأماكن إِليه، ويراعى زمان القتل في التقدير لأن القيمة تتفاوت باعتبار الزمان والمكان.
وقوله تعالى: (مُتَعَمدًا) ليس قيدًا لوجوب الجزاء والكفارة. فإن الخطأَ مثل العمد في الكفارة المذكورة. فالتعبير بقوله: (مُتَعَمِّدًا) لبيان الواقع. لأن الآية - كما سبق - نزلت في أبي اليسر لَمَّا قَتلَ - عمدًا - حِمارًا وحشيَّا وهو محرم.
وإن لم يوجد هذا المماثل من النعم، وجبت قيمة هذا المماثل - في محل الصيد - أو في أَقرب الأماكن إليه.
ويرجع في المزيد في هذا، إلى التفصيل في كتب الفقه.
﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾:
أَي يحكم ويقضى بالمماثل للمقتول من صيد الحَرم: رجلان عدلان من المؤمنين؛ لأن المماثلة بين النعم والصيد، مما يخفى على أكثر الناس. وما لا مثل له من النَّعم، يحكم العدلان فيه بالقيمة.
﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾:
هذه العبارة مرتبطة بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ … ﴾ إِلخ.
والمعنى: إن جزاءَ الصيد الذي يحكم به العدلان، يكون هدية تبلغ الحرم المكى، أي تساق إِليه وتذبح فيه وتوزع على الفقراء.
стр. 1182
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾:
المعنى: أَن من قتل الصيد وهو محرم، أَو قتله في الحرم وهو غير محرم؛ فهو غير بين ثلاثة أُمور: الجزاءُ بالمثل - كما سبق بيانه - أَو إطعام المساكين، أَو الصيام.
فأَما الإِطعام: فبقيمة ما قتِل من الصيد … وأَما الصيام: فصيام أَيام بعدد الأَمداد - جمع مُدَّ - التي يُقوم بها الصَّومُ … لكل مُدَّ يوم. ويرجع في تفصيل ذلك إِلى المراجع الفقهية. فإِنها أَوْفى …
وظاهر الآية: يفيد التخيير بين الكفارات الثلاث، كما قلنا. وعليه المذاهب الأَربعة (١).
وذهب ابن عباس، إِلى أَنه لا يُنتقل من كفارةٍ إِلى أخرى، إِلا إِذا عجز عن التي قبلها
﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾:
أَي أَوجب الله هذا الجزاءَ السابق، على قاتل الصيد، ليذوق عقاب جنايته، لهتكه حرمة الإِحرام أَو الحرمِ.
﴿عَفَا اللهُ عَمُّا سَلَفَ﴾:
أَي عفا الله عما تقدم من قتلكم الصيد - قبل نزول هذا الجزاء: فلا يكلفكم بالجزاء عنه ولا يعاقبكم عليه.
﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾:
أَي ومن عاد إِلى قتل الصيد - بعد نزول هذه الآية - فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك، الكفارة.
قال ابن جريج: "قلت لعطاء: فهل في العَوْدِ من حدّ تَعْلَمُه؟ قال: لا. قال: قلت: فترى حقا على الإِمام أَن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أَذنبه فيما بينه وبين الله ولكن يفتدى" (٢).
стр. 1183
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾:
أَي والله منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام ممن عصاه مانع.
٩٦ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ … ﴾ الآية.
المراد بالبحر: ما يعم المياه العذبة والملحة. والمراد بصيده: ما صيد منه. فهو حلال كله. سواء أَكان صيده للطعام كالسمك، أم لغيره من وجوه النفع الأخرى، كاللؤلؤ والمرجان.
(وَطَعَامُهُ):
أَي وأَكل ما يصلح للأكل منه، سواء أخذ من البحر حيًّا أَم ميتًا، لقوله ﵊ في البحر: "هُوَ الطهُورُ مَاؤه، الْحِل مَيْتَتُهُ" (١).
وإنما تحل ميتة البحر، ما لم يتسرب إليها الفساد.
(مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ):
أَي يتمتعُ بصيد البَرِّ وينتفع به المقيم والمسافر.
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَر مَا دُمْتمْ حُرُمًا﴾:
أَي وحرَّم اللهُ عليكم اصطياد حيوان البر - أَو طيره - ما دمتم محرمين. بخلاف ما صاده غير المحرمين، أَو ما صِدْتُموه قبل إِحرامكم. فليس محرَّما عليكم أَن تأْكلوه ولو في حال إحرامكم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
أي وخافو الله، واحذروا مخالفته، والتزموا طاعته، فيما أَمركم به من فرائضه، وفيما حذَّركم ونهاكم عنه، من جميع محارمه. فهو الذي إِليه - وخده - مرجعكم ومآلكم، فيجازيكم على طاعتكم أو معصيتكم.
стр. 1184
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
المفردات:
(قِيَامًا للناسِ): ما يَقوم به أَمر الناس، ويُصلح شأنهم: في دينهم ودنياهم.
(وَالشهْرَ الْحَرَامَ): الحرام؛ (أل) في الشهر، للجنس. فيعم الأَشهر الحرم الأَربعة. وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وقيل: "الشهر" هو شهر ذي الحجة.
(وَالْهَدْىَ): ما يهدى إِلى الحرم من الأنعام قربة إِلى الله، للتوسعة على فقراء الحرم.
(وَالقلَائِدَ): جمع قلادة، وهي كل ما علق على أسنمة الأنعام وأَعناقها، علامة على أنها لله. والمراد بالقلائد: ذوات القلائد إذا ساقوها هَدْيا.
التفسير:
٩٧ - ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ … ﴾ الآية.
لما تقدم - في الآية السابقة - النص عن الاصطياد في الحرم، ذكر هنا: أَن البيت الحرام كما جعله الله تعالى سببًا لأمن الطير والوحوش، جعله كذلك ملاذًا للناس وأمنًا من المخاوف وسببا لحصول الخيرات، وتحصيل البركات في الدنيا والآخرة.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾:
أَي صيَّر الله الكعبة - التي هي البيت الحرام - قياما للناس أَي سببا لقيام وصلاح أمر دينهم ودنياهم .. فهى مركز الإِسلام الأَول.
فصلاح أَمر الدين: بالحج إِليه وأَداء المناسك والعبادات. التي تُقَرِّبهُم إِلى الله تعالى.
وصحة الصلاة باستقباله. وتقويم الشهور العربية، عن أَهلته.
стр. 1185
وصلاح أَمر الدنيا وقيامها: بأَمنٍ داخل الحرم بسبب حرمة التعرض له، ويجبى إليه ثمرات كل شيء، وذلك لأَن مكة بلد لا زرع فيه ولا ضرع.
فقد جعل الله الكعبة مُعَظَّمةً في القلوب يَفِدُ إِليها الناس من كل فج عميق، لأداءِ المناسك، وصار ذلك سببا في إِسباغ النعم على أهلها، إجابة لدعوة سيدنا إِبراهيم الخليل، صلوات الله وسلامه عليه. كما حكاه الله تعالى عنه في قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١).
وَلقد حقق الله دعوة سيدنا إبراهيم ﵇، فأصبحت الكعبةُ مثابةً للناس وأَمْنًا لمن لاذ بها. كما صارت أَمنا لأَهلها على أَنفسهم وأموالهم. فقد كان العرب يغير بعضهم على بعض إِلا في الحرم. فلو لَقِىَ الرجلُ قَاتِلَ أَبيه أَوابنه، لم يتعرض له بسوءٍ.
وقد أُثر عن سيدنا عمر ﵁ أنه قال: "لو ظَفِرْتُ فيه بقاتِلِ الخطاب - أَبيه - ما مَسَسْتُه".
وكذلك جعل اللهُ الشهر الحرامَ سببًا لقيام الناس لأَن العرب كانوا يتقاتلون في سائر الأشهر، حتى إذا دخل الشهر الحرام، كفُّوا عن القتال، وزال الخوف والفزع، وباشروا الأسفار والتجارات. وهم آمنون على أَنفسهم وأموالهم. ولهذا كانوا يكتسبون - في الشهر الحرام - أَقواتهم التي تغنيهم وتسد حاجتهم طول العام. وكذلك جعل الله تعالى الهَدْىَ قياما للدين وللدنيا لأنه يُهْدَى إِلى البيت الحرام، ويُذبَح ويُفرق على فقراءَ الحرم ومساكينه. فيكون نسكا للمُهدِى: يُثَاب عليه، وقياما لمعيشة الفقراءِ والمساكين.
وكذلك القلائد: أَي النعم المقلدة؛ جعلها الله سبحانه قياما للناس. فإن لحمها طعام لمساكين الحرم؛ يقوم به أَمر دنياهم. وثوابها يرجع إِلى من يقدمها. فيقوم بها أمر أُخراه. وتخصيصها بالذكر - مع شمول الهدى إِياها - لبيان أن الشر أَباح تقليد المهدي، لما فيه من إِظهار شعائر الله والمبالغة في منع التعرض لها.
стр. 1186
﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾:
أَي ذلك الذي شرعه الله؛ في شأن الكعبة والشهر الحرام والهدى والقلائد - ليعلم الناسُ ويتدبروا عظيمَ لُطْفِ الله؛ الذي يعلم شئون خلقه، ويعلم ما يحتاج إِليه أَهل هذا الإِقليم - الذي لا زرع فيه - من أَسباب الرزق، وأَن علمه محيط بكل شئٍ. فلا تخفى عليه خافية.
وفي تكرار العلم في ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ توكيد، لإِحاطته تعالى بما كان، وبما هو كائن، وبما سيكون.
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾.
التفسير
٩٨ - ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
بعد أَن بين الله - في الآيات السابقة - بعض مناسك الحج، عقب ذلك بالتحذير من عقابه لمن يخالف أمره، والترغيب في ثوابه ومغفرته لمن يتبع هداه. فقال:
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أَي اعلموا - أَيها المكلَّفون - أَن الله شديد العقاب، لمن اجترأَ منكم على حُرُماته، ولم يبال بأوامره ونواهيه، ولم يعقب سيئاته بالندم عليها والمتاب منها. واعلموا أن الله عظيم الغفران والرحمة، لمن تاب من ذنبه وعاد إلى ربه، وندم على ما فرط منه.
стр. 1187
والآية قدمت الوعيد بالعقاب على الوعد بالغفران والرحمة، ليدرك الناس مبلغ خطورة الذنب. كيلا يُقدِموا عليه. فإن أَقدموا عليه - جهلا - سارعوا إلى المتاب منه؛ ندما واستغفارا، ليكونوا أَهلا لمغفرة الله ورحمته.
٩٩ - ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾:
أَي: ليس على الرسول إِلا أَن يبلغ ما أُنزِل إِليهِ من ربه. وقد أدى ﵊ رساله ربه كاملة. فبشر وأَنذر، وأَعلن ذلك في حجة الوداع. وقال: "ألَا لِيُبلِّغ الشَّاهِدَ الغائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوعى لَهُ مِن بَعْضِ مَن سَمِعَهُ، أَلَا هَل بَلَّغْت؟ أَلا هَل بَلَّغت .. ؟ " (١)
والله ، يعلم ما تُظْهرون وما تُخفُون من طاعة ومعصية، فَيحَاسِبُكم عليه، ويجازيكم به، إِن خيرًا فخير. وإِن شَرًّا فشر.
١٠٠ - ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ الآية.
المراد من الخبيث: ما يَعُمُّ الردئَ والحرامَ. والمراد مِن الطيب: ما يعم الجيدَ والحلال.
وقد أَمر الله الرسول ﷺ : أَن يبلغ أُمَّتَه هذه القاعدة العامة التي لا يمارى فيها العقلاءُ. وهى أَنه: لا يستوى الخبيث والطيب، ولو كان الخبيث كثيرا والطيب قليلا.
قليلا.
فالطيب: من كل شئٍ - راجح محمود وإن قل. والخبيث: مرجوح مرذول، وإِن كثر!!
وإن كان الأَمر كذلك، فلا يعقل أن يتقبل الله الخبيث - مهما كثر - ويدع الطيب وإن كان قليلا. فإن اللهَ طَيِّبٌ - لا يقبل إِلا طَّيبًا. ولذا، عقبه بقوله:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
أَي: اجعلوا لأَنفسكم وقاية من عقاب الله، يا أصحاب العقول السليمة، بفعل الطيب من الأعمال وترك خبيثها؛ لكي تفوزوا برضوان الله، وتنجوا من غضبه وعقابِه.
стр. 1188
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾.
التفسير
١٠١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ … ﴾ الآية.
بين الله تعالى - فيما سبق - أَن وظيفة الرسول هي: التبليغ وبيانُ شرع الله. وقد أَدى الرسول ما أُوحِىَ إِليه من ربه، وبرئت ذمته.
واستطرد الحديث، إِلى الكلام على حال العباد، وأَعمالهم، ومكاسبهم، ومبلغ تأَثرهم بالرسالة. فناسَبَ - بعد ذلك - أن يُنبِّه المؤْمنين: إِلى أَنه لا ينبغي لهم أن يكثروا على الرسول من السؤَال، حتى لا يؤَدي ذلك إِلى كثرة التكاليف، فيشقَّ لجهم ذلك فيقعوا في الحرج، ويعجزوا عن القيام بما يُكَلَّفون به، ويخالفوا أَوامر الله، ويكونوا من صنف الخبيث من الناس. فيبوءُوا بغضب الله وسخطه.
سبب النزول:
روى الإِمام أَحمد - بسنده - عن عليّ قال: "لما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قَالُوا: يَا رَسُول اللهِ، أَفِي كُلِّ عام؟ فَسَكَت، فَقَالُوا: أَفِى كلِّ عَام؟ فَسَكتَ. ثُمَّ قَالُوا: أَفِى كُلِّ عَام؟ فَقَالَ: لَا .. وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ … وَلَوْ وَجَبَتْ، لَمَا استَطَعتم"؛ فأَنزل الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ … ﴾ الآية.
стр. 1189
وروى البخاري - بسنده، عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط. وقال فيها: "لَوْ تعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكتمْ قَليلًا ولَبكَيْتُمْ كَثيرًا" قال، فغطَّى أصحابُ رسولِ الله ﷺ وُجُوهَهم - لهم حنينٌ - فقال رجل: مَنْ أَبى؟ فقال: فلان … فنزلت هذه الآية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾:
أي: يأَيَّهَا الذين آمنوا - لا تسأَلوا رسول الله عن أَشياءَ من أمور الدين ودقائق التكاليف. أَو من أمور الغيب، أَو الأَسرار الخفية، أَو غير ذلك - حتى لا يحرجكم بيانه أو يحزنكم ويسوءَكم سماعه: إِما بتشريعِ ما يشق عليكم، أَو بذكَرِ أَسرار تفضح أَهلها.
﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾:
أَي: وإِن تسأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ ، عن تلك الأَشياء - في زمان نزول الوحى ووجود الرسول بينكم - فإِن الله تعالى يُظْهِرها ويُبْديها لكم على لسان رسوله.
وفي هذا تحذير من السؤال عن أَشياء: يكون من شأْن إِبدائها، حرج للسائلين.
أَما السؤال لغرض التَّفَقُهِ أَو الحكم في أَمر ديني، فلا مانع منه. كما وقع في شأن تحريم الخمر، بعد نزول آية البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ … ﴾ (١) الآية.
فقد سأَل عمر بن الخطاب، ﵁، وكرَّر المسألة: "اللَهُمَّ بَيِّنْ لَنَا في الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا". حتى انتهى التشريع إِلى تحريم الخمر تحريما قاطعا.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾:
أي: عفا الله عما سلف من مساءَلتكم عنها قبل التحريم. فلا تعودوا إِلى مثل ذلك فيما بعد.
ومعنى قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾:
أَي: عظيم الغفران والحلم، فلا يعاجلكم بعقوبة ما يفرط منكم من الذنوب فهو تعالى يعفو عن كثير.
стр. 1190
ثم بين لهم الآثارَ المترتبة على إلحافهم في السؤال فقال:
١٠٢ - ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾:
أَي قد سأل مثل هذه المسائل المنهِى عنها، قوم من قبلكم فأجيبوا، ثم لم يعملوا، فأَصبحوا بها كافرين.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
المفردات:
(بَحِيرَةٍ): البحيرة؛ هي الناقة التي يبحرون أُذنها. أي يشقونها إِذا أنتجت خمسة أبطن. خامسها أُنثى.
(سآئِبَة): السائبة؛ هي الناقة التي تُسيَّبُ بنذرها لآلهتهم فترعى حيث شاءت ولا يحمل عليها شئ. ولا يجز وبرها، ولا يُحْلَبُ لَبَنُها إلا لضيف.
(وَصِيلَةٍ): الوصيلة؛ هي الشاه التي نصل أخاها. فقد كانوا إذا ولدت الشاه ذكرا: كان لآلهتهم. وإذا ولدت أُنثى: كانت لهم، وإن ولدت ذكرا وأُنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
(حَامٍ): الحامى؛ هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن، فيقولون: حمَىَ ظهره فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماءٍ ولا مرعى.
стр. 1191
التفسير
١٠٣ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ الآية.
بعد أَن نهى الله عن تحريم ما أَحل من الطيبات. وعن الاعتداء ومجاوزة الحد فيما، أحل أَو حَرم.
وبعد أَن نهى عن كثرة السؤال كما قد يؤَدي إِلى مساءَلتهم وتكليفهم - بعد كل هذا - ناسب أن يُبيِّن ضلال أَهل الجاهلية، فيما حَرَّمُوه على أَنفسهم وما شرعوه، مما لم يأذن به الله تعالى، وفيما قلَّد فيه بعضهم بعضا، مبينا بطلان التقليد، وأَنه يتنافى مع العقل، والعلم، والدين الصحيح. فقال تعالى:
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾:
هذا رَدٌّ وإِنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية. وهو أَنهم كانوا إِذا نتِجت الناقة خمسة أَبطن - آخرها ذكر - بحروا أُذنها. أي شقوها. وخلَّوْا سبيلها، فلا تُركب ولا تُحلب. وكان الرجل منهم يقول: إن شُفيتُ، فناقتي سائبة. ويجعلها كالبحيرة: في تخلية سبلها، وإن ولدت ذكرا وأُنثى معا. قالوا: وصلت الأُنثى أَخاها فلا يُذبَحُ الذكر. وإِذا نتِجَت من صلب الفحل عشرة أَبطن. حرموا ظهره، ولم يمنعوه من ماءٍ ولا مرعى. وقالوا: قد حَمىَ ظهره.
فمعنى قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾:
أي: ما شرع الله ذلك ولا أَذِنَ به. وإنما هو مبتدع مختلق من عندهم.
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾:
إذ يفعلون ما يفعلون ويزعمون - زورًا - أن الله تعالى يأمرهم به.
وأول من سنَّ لأَهل الشرك تلك السنن الباطلة المنكرة، ونسبها إلى الله. هو عمرو بن لُحَىِّ الخزاعى، فهو الذي غير دِينَ إِبراهيم وإسماعيل، وبَحَر البحيرةَ وسيب السائبة.
وحمى الحامى. وزعم أَن ذلك شَرْعُ إِبراهيم ﵇.
стр. 1192
أَخرج ابن جرير، عن أَبي هريرة، قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول لأكتم بن الجون: "يا أَكتمُ، عُرضتْ عليّ النارُ. فَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بنَ لُحَى بن قَمَعة ابن خِندف يَجُرُّ قُصبَهُ (١) في النارِ فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُل، منكَ بِهِ وَلَا بِهِ مِنكَ. فقال أَكتمُ: أخشى أَن يضرنى شبهه يا رسول الله. فقال رسُولُ اللهِ ﷺ : لَا .. إنَّكَ مُؤْمِنٌ. وَهُوَ كَافِرٌ. إِنه أَول من غَيّرَ دينَ إِسماعيل، وبحَر البحيرةَ، وسيّبَ السائبةَ، وحمى الحامىَ".
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أن ذلك افتراءٌ؛ لأَنهم قلدوا فيه آباءَهم.
والمعنى: ولكن الكافرين - من الرؤساءِ والكهان (٢) - افتَرَوُا الباطل، وأَضافوه - زورا - إلى الله. أَمَّا أَكثرهم - وهم عوامهم الذين يَتَّبعونهم - فهم قوم لا يعقلون أَنه افتراءٌ باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأَنفسهم. لذلك قلدوهم واستمروا على تقليدهم.
وفي هذه الجملة تنديد بقصور عقلهم، وسوء تقليدهم، لمن أَضلوهم من الكهان.
١٠٤ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا … ﴾ الآية.
هذا بيان لقصورهم، وانهماكهم في التقليد، دون أن يحَكِّموا عقولَهم.
والمعنى: وإذا قال لهم الرسول: تعالَوْا إِلى ما أَنزل الله من تشريع، وإِلى الرسول ليبينه لكم، أَعرضوا ولم يستجيبوا لداعى الهُدَى والحق قائلين: كافينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والتشريع. فَردَّ الله تعالى عليهم بقوله:
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾:
أَي: أَيكفيهم ما وجدوا عليه الآباء، ولو كان أولئك الآباء جاهلين: لا يعلمون شيئًا من شرع الله، ولا يهتدون إلى سبيل الحق والرشاد؟
والاستفهام في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾. للإِنكار والتوبيخ، والتعجيب من فرط جهالتهم، وتقليدهم الأَعمى.
стр. 1193
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
التفسير
١٠٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ … ﴾ الآية.
بعد أَن نعى الله تعالى، على المشركين تقليدهم لآبائهم بغير علم، واتباعهم إِياهم. في ضلالهم، وأَبان: أَنهم لم تنفعهم المواعظ ولم يُجْدِهِم التذكير بتجهيل الآباءِ، بل استمرُّوا على تقليدهم وجهلهم - بعد كل هذا - أَمر الله المؤمنين أَن يقوَّموا أَنفسهم بالإِصلاح، والعلم النافع، والعمل الصالح. وأَوضح لهم: أَنهم إِذا التزموا الطريقَ المستقيم، لا يضيرهم - بعد ذلك - ضلال الضالين، وغواية الغاوين … ومعنى قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾:
أَي: التزموا إِصلاح انفسكم، واحفظوها من المعاصي، واعملوا خيرا يقربكم من الله تعالى، ويحفظكم من سخطه وعقابه. فإِنه لا يضركم ضلال الضالين إِذا كنتم على هدى.
روى الترمذي، عن أَبي أُمية الشيبانى. قال: "أَتيت أَبا ثعلبة الخشني فقلت له:
ما تصنع في هذه الآية؟ فقال: أَيَّةُ آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾: قال: أَمَا والله، لقد سأَلت عنها خبيرا .. سأَلتُ عنها رسولَ الله ﷺ ، فقال: "بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المنكَرِ، حتَّى إذا رأَيتَ شحًّا مُطاعا، وَهَوًى متَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإِعجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ برأْيه، فَعليْكَ بِخاصَّةِ نفْسِكَ .. ودَعْ عَنكَ العَوَامَّ، فإِنَّ مِن وَرَائِكُم أَيَّامًا: الصَّابِرُ فِيهنَّ، مِثْل القابضِ عَلى الجَمْرِ. للعامل فِيهنَّ أَجْرُ خَمْسِين رَجُلا يَعْمَلونَ كَعَمَلِكُم".
стр. 1194
وزاد في رواية أُخرى "قيل: يا رسول الله أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَو منْهُم؟ " قال: "بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ منْكُم".
وروى ابن كثير، عن الإمام أحمد: أن أَبا بكر ﵁ قام فحمد الله، وأَثنى عليه. ثم قال: "أَيها الناُس، إِنكم تَقْرَءُون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: وإِنكم تضعونها على غير موضعها. وإِني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إِنَّ الناسَ إِذَا رأَوا المنكر ولم يُغيَّرُوهُ، يُوشِكُ الله أن يَعُمَّهُم بِعقابِه".
وظاهر هذه الآية، يوهم أَن الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد يسقطان عن المستقيم الصالح، إِذا رأَى الضال مصرًّا على ضلاله.
ولكنَّ فهْمَ الآية على هذا الوجه خطأ. فإِن الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر - لا يسقط وجوبهما عن القادر عليهما بحال من الأَحوال. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ … ﴾ (١) وقال تعالى: "كُنتُم خَيْرَ أمَّةٍ أخرِجَتْ للناس تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتنهونَ عَنِ الْمُنكر وَتُؤْمِنُون بِالله … " (٢) وقال ﷺ : "وَالذى نَفْسِى بِيَدِهِ. لتأمُرنَّ بِالْمعْرُوفِ وَلتَنْهَوُن عن المنكَر، أَوْ لَيوشِكن الله أن يَبعَثَ عَليْكُم عِقَابًا مِّن عِندِه، ثم لتَدْعُنَّه فَلَا يَسْتَجيبُ لَكُمْ".
وقد لعن الله اليهود؛ لأَنهم: "كانُوا لَا يَتَنَاهوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ … " (٣).
وقد سبق شرح هذه الآية.
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
أي: إِليه وحده، رجوعكم جميعًا: من ضل ومن اهتدى. فيخبركم - عند الحساب - بما قدمتم من أَعمال، ويجزيكم على حسب ما علمه من هدايتكم أَو ضلالكم.
وفي هذا وعد للمهتدين، ووعيد للضالين، وأَنه لا يُؤَاخِذُ أَحدا بذنب غيره. لهذا كله، يجب تأْويل الآية كما يلي: