التفسير
١٠٣ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ الآية.
بعد أَن نهى الله عن تحريم ما أَحل من الطيبات. وعن الاعتداء ومجاوزة الحد فيما، أحل أَو حَرم.
وبعد أَن نهى عن كثرة السؤال كما قد يؤَدي إِلى مساءَلتهم وتكليفهم - بعد كل هذا - ناسب أن يُبيِّن ضلال أَهل الجاهلية، فيما حَرَّمُوه على أَنفسهم وما شرعوه، مما لم يأذن به الله تعالى، وفيما قلَّد فيه بعضهم بعضا، مبينا بطلان التقليد، وأَنه يتنافى مع العقل، والعلم، والدين الصحيح. فقال تعالى:
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾:
هذا رَدٌّ وإِنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية. وهو أَنهم كانوا إِذا نتِجت الناقة خمسة أَبطن - آخرها ذكر - بحروا أُذنها. أي شقوها. وخلَّوْا سبيلها، فلا تُركب ولا تُحلب. وكان الرجل منهم يقول: إن شُفيتُ، فناقتي سائبة. ويجعلها كالبحيرة: في تخلية سبلها، وإن ولدت ذكرا وأُنثى معا. قالوا: وصلت الأُنثى أَخاها فلا يُذبَحُ الذكر. وإِذا نتِجَت من صلب الفحل عشرة أَبطن. حرموا ظهره، ولم يمنعوه من ماءٍ ولا مرعى. وقالوا: قد حَمىَ ظهره.
فمعنى قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾:
أي: ما شرع الله ذلك ولا أَذِنَ به. وإنما هو مبتدع مختلق من عندهم.
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾:
إذ يفعلون ما يفعلون ويزعمون - زورًا - أن الله تعالى يأمرهم به.
وأول من سنَّ لأَهل الشرك تلك السنن الباطلة المنكرة، ونسبها إلى الله. هو عمرو بن لُحَىِّ الخزاعى، فهو الذي غير دِينَ إِبراهيم وإسماعيل، وبَحَر البحيرةَ وسيب السائبة.
وحمى الحامى. وزعم أَن ذلك شَرْعُ إِبراهيم ﵇.
стр. 1192
أَخرج ابن جرير، عن أَبي هريرة، قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول لأكتم بن الجون: "يا أَكتمُ، عُرضتْ عليّ النارُ. فَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بنَ لُحَى بن قَمَعة ابن خِندف يَجُرُّ قُصبَهُ (١) في النارِ فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُل، منكَ بِهِ وَلَا بِهِ مِنكَ. فقال أَكتمُ: أخشى أَن يضرنى شبهه يا رسول الله. فقال رسُولُ اللهِ ﷺ : لَا .. إنَّكَ مُؤْمِنٌ. وَهُوَ كَافِرٌ. إِنه أَول من غَيّرَ دينَ إِسماعيل، وبحَر البحيرةَ، وسيّبَ السائبةَ، وحمى الحامىَ".
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أن ذلك افتراءٌ؛ لأَنهم قلدوا فيه آباءَهم.
والمعنى: ولكن الكافرين - من الرؤساءِ والكهان (٢) - افتَرَوُا الباطل، وأَضافوه - زورا - إلى الله. أَمَّا أَكثرهم - وهم عوامهم الذين يَتَّبعونهم - فهم قوم لا يعقلون أَنه افتراءٌ باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأَنفسهم. لذلك قلدوهم واستمروا على تقليدهم.
وفي هذه الجملة تنديد بقصور عقلهم، وسوء تقليدهم، لمن أَضلوهم من الكهان.
١٠٤ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا … ﴾ الآية.
هذا بيان لقصورهم، وانهماكهم في التقليد، دون أن يحَكِّموا عقولَهم.
والمعنى: وإذا قال لهم الرسول: تعالَوْا إِلى ما أَنزل الله من تشريع، وإِلى الرسول ليبينه لكم، أَعرضوا ولم يستجيبوا لداعى الهُدَى والحق قائلين: كافينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والتشريع. فَردَّ الله تعالى عليهم بقوله:
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾:
أَي: أَيكفيهم ما وجدوا عليه الآباء، ولو كان أولئك الآباء جاهلين: لا يعلمون شيئًا من شرع الله، ولا يهتدون إلى سبيل الحق والرشاد؟
والاستفهام في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾. للإِنكار والتوبيخ، والتعجيب من فرط جهالتهم، وتقليدهم الأَعمى.
стр. 1193
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
التفسير
١٠٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ … ﴾ الآية.
بعد أَن نعى الله تعالى، على المشركين تقليدهم لآبائهم بغير علم، واتباعهم إِياهم. في ضلالهم، وأَبان: أَنهم لم تنفعهم المواعظ ولم يُجْدِهِم التذكير بتجهيل الآباءِ، بل استمرُّوا على تقليدهم وجهلهم - بعد كل هذا - أَمر الله المؤمنين أَن يقوَّموا أَنفسهم بالإِصلاح، والعلم النافع، والعمل الصالح. وأَوضح لهم: أَنهم إِذا التزموا الطريقَ المستقيم، لا يضيرهم - بعد ذلك - ضلال الضالين، وغواية الغاوين … ومعنى قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾:
أَي: التزموا إِصلاح انفسكم، واحفظوها من المعاصي، واعملوا خيرا يقربكم من الله تعالى، ويحفظكم من سخطه وعقابه. فإِنه لا يضركم ضلال الضالين إِذا كنتم على هدى.
روى الترمذي، عن أَبي أُمية الشيبانى. قال: "أَتيت أَبا ثعلبة الخشني فقلت له:
ما تصنع في هذه الآية؟ فقال: أَيَّةُ آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾: قال: أَمَا والله، لقد سأَلت عنها خبيرا .. سأَلتُ عنها رسولَ الله ﷺ ، فقال: "بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المنكَرِ، حتَّى إذا رأَيتَ شحًّا مُطاعا، وَهَوًى متَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإِعجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ برأْيه، فَعليْكَ بِخاصَّةِ نفْسِكَ .. ودَعْ عَنكَ العَوَامَّ، فإِنَّ مِن وَرَائِكُم أَيَّامًا: الصَّابِرُ فِيهنَّ، مِثْل القابضِ عَلى الجَمْرِ. للعامل فِيهنَّ أَجْرُ خَمْسِين رَجُلا يَعْمَلونَ كَعَمَلِكُم".
стр. 1194
وزاد في رواية أُخرى "قيل: يا رسول الله أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَو منْهُم؟ " قال: "بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ منْكُم".
وروى ابن كثير، عن الإمام أحمد: أن أَبا بكر ﵁ قام فحمد الله، وأَثنى عليه. ثم قال: "أَيها الناُس، إِنكم تَقْرَءُون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: وإِنكم تضعونها على غير موضعها. وإِني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إِنَّ الناسَ إِذَا رأَوا المنكر ولم يُغيَّرُوهُ، يُوشِكُ الله أن يَعُمَّهُم بِعقابِه".
وظاهر هذه الآية، يوهم أَن الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد يسقطان عن المستقيم الصالح، إِذا رأَى الضال مصرًّا على ضلاله.
ولكنَّ فهْمَ الآية على هذا الوجه خطأ. فإِن الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر - لا يسقط وجوبهما عن القادر عليهما بحال من الأَحوال. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ … ﴾ (١) وقال تعالى: "كُنتُم خَيْرَ أمَّةٍ أخرِجَتْ للناس تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتنهونَ عَنِ الْمُنكر وَتُؤْمِنُون بِالله … " (٢) وقال ﷺ : "وَالذى نَفْسِى بِيَدِهِ. لتأمُرنَّ بِالْمعْرُوفِ وَلتَنْهَوُن عن المنكَر، أَوْ لَيوشِكن الله أن يَبعَثَ عَليْكُم عِقَابًا مِّن عِندِه، ثم لتَدْعُنَّه فَلَا يَسْتَجيبُ لَكُمْ".
وقد لعن الله اليهود؛ لأَنهم: "كانُوا لَا يَتَنَاهوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ … " (٣).
وقد سبق شرح هذه الآية.
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
أي: إِليه وحده، رجوعكم جميعًا: من ضل ومن اهتدى. فيخبركم - عند الحساب - بما قدمتم من أَعمال، ويجزيكم على حسب ما علمه من هدايتكم أَو ضلالكم.
وفي هذا وعد للمهتدين، ووعيد للضالين، وأَنه لا يُؤَاخِذُ أَحدا بذنب غيره. لهذا كله، يجب تأْويل الآية كما يلي:
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أَي سافرتم فيها.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾: أَي تُمسكونهما، وتمنعونهما من الانطلاق والهرب.
(إِنِ ارْتَبْتُمْ): أَي شَككتم في صدقهما فيما يُقِرَّان به.
(لَمِنَ الْآثِمِينَ): أَي العاصين.
(فَإِنْ عُثِرَ): عثر من العثور على الشيء، وهو؛ الاطلاع عليه من غير سبق طلب له.
وأَعثره عليه: وقَفَه عليه، فأَعلمه به، من حيث لم يكن يتوقع ذلك.
التفسير
١٠٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ … ﴾ الآية.
لمّا بين الله تعالى - في الآية السابقة - أَن المرجع إليه وحده بعد الموت، وأَنه هو الذي يتولى الحساب، وجزاء المحسن والمسئ، أَرشدنا سبحانه - في هذه الآية - إِلى أَنه يلزم - في الوصية قبل الموت - الإِشهاد عليها، حفاظا على أَداءِ الحقوق الموصَّى بها لمستحقيها.
سبب النزول:
عن ابن عباس ﵁ قال: "خرج رجل من بني سهم مع تميم الدارى وعدى ابن بداء، فمات السهمى بأَرضٍ ليس بها مسلم. فلما قدما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوصا بالذهب فأَحلفهما رسولُ الله ﷺ ، بالله تعالى: ما كتمتما ولا اطلعتما.
ثم وُجِد الجامُ بمكة. فقيل اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أَولياء السهمى، فحلفا بالله؛ لشهادتنا أَحق من شهادتهما. وإِن الجامَ لصاحبهم ..
وفيهم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية" (١).
стр. 1197
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾:
أَعلَمَ اللهُ سبحانه المؤمنين: أَن الشهادة المشروعة بينهم - حين الوصية - هي شهادة اثنين من أَصحاب العدالة والتقوى: يُشْهِدهما الموصِى على وصيته، فيتحملان هذه الشهادة، لأدائها عند الحاجة.
(مِنكُمْ): أَي من المؤمنين، وقيل: من أَقارب الموصِى.
(أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ):
أَي من غير المسلمين. فكأَنه قال: أَو شهادة اثنين آخرين من غير المسلمين.
﴿إِنْ أَنتُمْ ضرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ):
أَي: إِن أَنتم سافرتم في الأَرض، ونزلت بكم مصيبة الموت، وأَردتم الإِيصاءَ. فأَشهِدوا عَدْلَيْن من أَقارب الموصى أَو من المؤمنين أَو آخرَين من أَهل الذمة. أَي فأَشهدوا عدلَين منكم معشر المؤمنين. وقيل عَدْلَيْن من أَقارب الموصى. وذلك إِذا تَيسَّرَ وجودهما. فإِن لم يتيسر وجودهما - بسبب السفر مثلا - فيجوز اختيارُ اثنين من أَهل الذمة. وقيل من غير أَقارب الموصى له.
(تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ):
تمنعونهما من الانصراف للتحليف بعد الصلاة. والمراد بالصلاة التي يُحْبَسان بعدها، صلاة العصر، لأَنه وقت اجتماع الناس، ولأَنَّ الحُكَّام كانوا يجلسون للقضاء في هذا الوقت بين الخصوم.
وقيل: بعد أَي صلاةٍ كانت؛ لأَن الصلاة داعية إِلى النطق بالصدق، وناهية عن الكذب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ … ﴾ (١).
والمأثور عن النبي ﷺ ، أَنه حلَّف عديا وتميما الداريَّ بعد العصر.
وقد جرى العمل على هذا بين المسلمين.
стр. 1198
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾:
فيقسمان عند ارتياب الورثة وشَكَّهم، فإِذا لم تكن ريبة. فَيُصَدَّق الشاهدان، لأَمانتهما وعدم الارتياب فيهما.
﴿لَا نَشْترِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾:
أَي لا نستبدل بالقَسمِ باللهِ عَرَضا زائلا من الدنيا. فلا نحلف بالله كاذبين، ولو كان القَسَمُ يحقق مصلحة لبعض الأَقارب، طمعا في عَرَض الدنيا.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾: أَي ويقول الحالفان - في يمينهما - ولا نكتم الشهادة التي أَمر الله تعالى بإِقامتها. كما قال تعالى: ﴿ … وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ … ﴾ (١). وكقوله سبحانه: ﴿ … وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ … ﴾ (٢).
﴿إنَّا إذًا لمن الْآثِمِينَ﴾:
أَي: أننا إِذا اشترينا بالقسَمِ ثمنا، أَو راعينا فيه قرابة. بأَن كذبنا في الشهادة - ابتغاءَ المنفعة لأَنفسنا أَو لقرابتنا، أَو كتمنا الشهادة كلها أَو بعضها - كنا من الواقعين في الإِثم، المستحقين للعقوبة من الله عليه.
١٠٧ - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ … ﴾ الآية.
فإِن اطُّلِعَ - بعد القسم - على أَن الشاهِدَيْنِ الحالِفَيْنِ استحقَّا إِثما، بسبب الكذب أَو الكتمان في الشهادة، أَو الخيانة في شيء من التركة: التي تحت أَيديهما - فَعدْلان آخران من أَقرباء الميت: الذين وجب عليهم آداء الشهادة والقسم - وهذان الشاهدان هما: الأَوْلَيان بالشهادة والقسم. من سائر أَقرباء الميت، لقوة قرابتهما من الميت واستحقاقهما في وصيته. فيحلفان بالله قائِلَيْن: لَشهادَتنا أَحَقُّ وأَولى بالقبول من شهادة الشاهدين الآثمين السابقين وما تجاوزنا الحق فيما شهدنا به، وأَقسمنا عليه.
стр. 1199
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
أَي: إِنا - إِذا اعتدينا عليهما، ونسبنا إِليهما الباطل، وأَقسمنا زورا وبهتانا - لنكونن حينئذ، من الظالمين: لهما بالكذب عليهما، ولأنفسنا بتعريضها لسخط الله وعقابه.
١٠٨ - ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ … ﴾ الآية.
بيان للحكمة في مشروعية الشهادة، وهذه الأَيْمَان.
والمعنى: أَن ذلك التشريع الحكيم، الذي شرعناه، أَقرب إِلى أَن يؤدى المؤتمن على الوصيه. الشهادة على وجه الحق والعدل. بلا تغيير ولا تبديل. مراقبةً لجانب الله، وخوفًا من عقابه.
فإن في أَداءِ الشاهدين للقَسَم - على مَلَإٍ من الناس بعد الصلاة - ما يبعث الرهبة من الله والخوف من عذابه، والرغبة في مثوبته وعظيم أَجره.
والذى لا يرتقى إلى هذه المرتبة - من مخافة الله ومراقبته - فإِنه - قطعا - يخاف الافتضاح والتشهير به، بردّ اليمين على الورثة الأَقربين، حيث يقوم بالشهادة والحلف الأَوليان، والأَحقَّان بوصية الموصى.
وفي ذلك من الخزى والفضيحة، ما فيه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾:
أَي: واتقوا الله تعالى - وراقبوه واسمعوا، وأَطيعوا، واحذروا أَن تحلفوا كاذبين في أَيمانكم، أَو أَن تخونوا في الأَمانات التي تحت أَيديكم. فإن لم تتقوا - ولم تسمعوا ما أُمرتم به، وما نهيتم عنه - كنتم الفاسقين الخارجين عن طاعة الله.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: إِلى سبيل الرشاد.
стр. 1200
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾.
المفردات:
(بِروحِ الْقُدُسِ): هو مَلَكُ االوَحْي؛ جبريل ﵇.
(الكِتَابَ): الكتب السماوية، أَو الكتابة.
(وَالْحِكْمَةَ): العلم الصحيح الذي يبعث الإِنسان على إِصابة الحق؛ في الرأْى والقول والعمل.
(وَالتَّوْرَاةَ): الكتاب الذي أنزله الله على موسى، أَساسا لشريعته. ولا يسمى به إِلا الذي كان قبل التحريف. فما يتداوله اليهود الآن، يحرم تسميته التوراة.
(وَالْإِنجِيلَ): الكتاب الذي أنزله الله على عيسى: أَساسا لشريعته. وينطبق عليه ما انطبق على التوراة في التسمية.
(تخْلُقُ): تُصوِّر.
стр. 1201
(الْأَكمه): مَن وُلِد أَعمى.
(وَالْأَبرَصَ): المريض ببياض الجلد. والبرص: مرض جلدى يُغَيِّرُ لون البشرة إِلى البياض.
(سِحْرٌ مبِينٌ): السحر؛ تمويه وتخييل. به يرى الإِنسان الشئ على غير حقيقته.
التفسير
١٠٩ - ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ … ﴾ الآية.
لمَّا أَوجب الله على عباده - في الآيات السابقة. إِقامة الشهادة على وجهها، وحذَّرهم من شهادة الزور، وأَمرهم بتقوى الله تعالى، عقب ذلك ببيان أَهوال يوم القيامة، حتى تتمكن خشية الله وتقواه من نفوسهم، ويعملوا بما كلفهم به.
والمعنى: واذكر - أَيها المكلف - حين يجمع الله الرسل يوم القيامة. فيقول لهم: ماذا أُجبتم من أَقوامكم حين دعوتموهم إِلى توحيدي وطاعتي؟ أَهي إِجابة قبول؟ أَم إجابة رَدّ وإباء؟
وبما أَن الله تعالى - يعلم جواب الأُمم لرسلهم. فالمقصود بسؤال الله إياهم، وهو إِظهارُ أمانة الرسل وحرصِهم على تحرِّي الصدق فيما يقولون. ليكون ذلك تنبيها على وجوب تحرى الصدق في الشهادة، والبعد عن قول الزور؛ ولذا قال سبحانه حكاية عنهم:
﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾:
أَي: يقولون للمولى لا علم لنا بما أَجابونا به، أَهو موافق لقلوبهم؟ أَم مخالف لها؟ وكل ما عرفناه، ظاهر أَحوالهم. فمنهم من أَظهر الإِيمان فعاملناه معاملة المؤمنين، ومنهم من أَظهر الكفر فعاملناه معاملة الكافرين.
أَمَّا أَمْرُ القلوب، فهو إِليك. إِنك أَنت علام الغيوب. وصدق الله إذ يقول:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١).
стр. 1202
ثم شرع الله في حكاية ما أَجاب به بنو إسرائيل نبيَّهم عيسى ﵇، بعد أَن أيَّدَه الله بالمعجزات الباهرات، فقال:
١١٠ - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ … ﴾ الآية.
في هذه الآية الكريمة، يذكِّر الله تعالى نبيَّه عيسى ﵇، بِنِعَمِه عليه وعلى والدته مريم ﵉. حين أَيده بروح القدس؛ وهو جبريل ﵇.
ومعنى روح القدس: الروح المطهر من شوائب النقص.
وتأْييده لعيسى ﵇؛ أَنه صاحَبَهُ - من حين ولادته إِلى أَن رفعه الله إِليه.
فأَما تأييده له - من حين ولادته - فذلك أَنه أَقدره على أَن يكلم الناس - بحكمة وعلم - وهو في المهد. قبل أَوان الكلام. ومن ذلك قوله لقومه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ … ﴾ (١). وذلك ردًّا على اتهامهم أُمَّهُ بسوءِ السلوك، حين ولدته دون زوج.
وأَما تأْييده له في الكهولة: فهو إِعانته على تبليغه رسالة ربه. بنزوله بالوحي عليه، وإِظهار المعجزات على يديه.
وقد جعل الله تأْييده عيسى بروح القدس نعمة عليه، وعلى والدته مريم ﵉ لما ترتب عليه من إِثبات كرامتهما على الله وطُهْر مَنشَئِه، ونظافة عِرْض أمه.
وكذلك سائر النعم التي أَنعم الله بها على عيسى هي - في الوقت نفسه - نِعَمٌ على أُمه مريم ﵉.
والمعنى الإِجمالي للآية الكريمة:
واذكر - أيها المتأَمل المُنصِف - وقت أَن قال الله لعيسى بن مريم؛ تذَكَّرْ نعمتى عليك يا عيسى وعلى والدتك حين قَوَّيْتُك وأعَنْتُكَ بجبريل الروح المطهر. وكان تأييدنا لك به: أَنك تكلم الناس - في مهد الطفولة، وفي زمان الكهولة - كلام الحكماء الراسخين في العلم، الملهمين من العليم الحكيم.
стр. 1203
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾:
وتذكَّر يا عيسى. نعمتى عليك، إِذ علمتك (الْكِتابَ): أَي جنس الكتاب. فيشمل الكتب السابقة؛ لأنها - جميعًا - متفقة في أصول العقيدة، وأُصول الشريعة.
وعلمتك (الْحِكمَةَ): أَي سداد الرأْى، وإصابة الحق، وفَهْمَ أَسرار العلوم.
(وَالتَّوْرَاةَ): التي أَنزلتها على موسى.
(وَالْإِنجِيلَ): الذي أنزلته عليك لتكتمل بهما رسالتك.
وخصهما بالذكر - مع شمول الكتاب لهما - لأَنهما أَهم الكتب التي أَنزلها الله على أنبياء بني إِسرائيل: ومنهما تؤخذ شريعتك.
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾:
وتذكَّرْ نعمتى عليك: إِذ تُصَوِّر من الطين مثل صورة الطير - بأَمرى وتَيْسِيرِى - فتنفخ في هذه الصورة فتكون طيرا حقيقيا بتيسيرى، ليكون ذلك آية لك. ولولا معونتى لما قدرت على تحقيق هذه المعجزة الباهرة. التي أَيدنا بها رسالتك، وحققنا بها نبوتك.
وقد أفادت هذه الآية: أن عيسى ﵇ لم يكن له عمل في شأْن تكوين الطير، سوى صنع صورته من الطين بتيسير الله، ونفخه في هذه الصورة بإِذن الله.
أَما تحقيق الحياة للطير، فكان بِإذن الله وأَمره التكوينى، بعد اتخاذ عيسى ﵇، تلك الأَسباب اليسيرة. التي لا علاقة لها بالتكوين أَصلا.
﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾:
وتذكَّرْ يا عيسى، نعمتى عليك، حين تُبْرِئُ الأَكمه - وهو مَنْ وُلِد أَعمى - فتمنحُه الإِبصارَ بإِذن الله وتيسيره.
وحين تخرج الموتى من قبورهم أَحياءً - بعد أَن صارت رميما - بإِذن الله تعالى وتيسيره.
وليس لعيسى من ذلك إلا إِجراءُ الله ذلك على يديه. فالكُل فعل الله أَبرزه الله على يديه؛ تأْييدا له، ومعجزةً تَشُدّ أَزرَ دعوته.
стр. 1204
ولهذا كرر الله إذنه في كل معجزة من هذه المعجزات. حتى لا يتسرب إلى الذهن: أن تلك الخوارق من صُنع عيسى الذاتى.
﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
واذكر يا عيسى، نعمتى عليك وعلى والدتك، حين منعت من أَراد السوءَ بك من بني إِسرائيل، حين جئتهم بالمعجزات الواضحات، سواء ما ذكِر منها هنا أَم في موضع آخر، كإِخبارهم بما يأكلون وما يَدَّخِرون في بيوتهم. فقال الكافرون منهم: ما هذا الذي جئت به إلا سِحْرٌ بَيِّنٌ واضح (١).
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.
المفردات:
(الحَوَارِيَّينَ): واحدهم حوارىّ، وهو: منْ أَخلص سرًّا وجهرا في مودتك.
وحواريُّو الأنبياءَ: المخلصون لهم.
التفسير
١١١ - ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي … ﴾ الآية.
والمراد بالإِيحاء هنا: الإِلهام. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ … ﴾ (٢).
وهكذا أَلقى الله في قلوب الحواريين الإِيمانَ به وبرسوله عيسى ﵇.
والمعنى على هذا: واذكر نعمتى عليك حين أَلهَمْتُ المخْلِصِينَ لك: أَن يؤْمنوا بي ربًّا، وبك يا عيسى رسولًا. فاستجابوا، وقالوا: آمنا بالله وبرسوله، واشهد بأَننا مخلصون.
стр. 1205
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾.
المفردات:
(هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ): هل يستجيب ربك.
(مَآئِدَةً): المائدة؛ الخوان الذي عليه الطعام، أَو الطعام نفسه.
(تَكُون لَنَا عِيدًا): العيد؛ السُّرور، أو موسم السرور.
(وَآيَةً مِّنكَ): أَي علامة على صدقى في دعوتى ونُبُوَّتى.
التفسير
١١٢ - ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ … ﴾ الآية.
في هذه الآية - والثَّلاث التاليات لها - قِصَّةُ المائدة التي إِليها تُنْسَب هذه السورة. وهى من النعم التي أَنعم الله بها على عبده ورسوله عيسى ﵇.
стр. 1206
والمعنى: واذكر أيها المتأَمل، حين قال الحواريون: يا عيسى بن مريم، هل يستجيب لك ربُّك إِذا سأَلته أَن ينزل علينا مائدة من السماءِ؟
﴿قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
قال عيسى: خافوا الله، فلا تقترحوا عليه الآيات، تَأَدُّبًا معه تعالى، إِن كنتم مؤمنين بما جئتكم به.
١١٣ - ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾:
أي: نطلب المائدة لأربعة أَسباب؛ أَن نأْكل منها. وأَن تطمئن قلوبُنا بأَننا على الحق، بانضمام المشاهدة، واللمس، والذوق، والشم إِلى علم السمع. وأن نعلم - علم اليقين - أَنك قد صدقتنا فيما جئتنا به بعد أن علمناه بالبرهان. وأن نكون على هذه المعجزة من الشاهدين، عند الذين لم يَرَوْها من قومنا، لِيؤْمنَ كافِرُهم، ويزدادَ الذين آمنوا إيمانا.
١١٤ - ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا … ﴾ الآية.
قال عيسى بن مريم - بعد أن علم من الحواريين أَن سؤالهم كان لزيادة العلم واليقين - يا الله، يا ربنا، ومالكَ أَمرنا، ومتولى تربيتنا:
﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾:
لأَول هذه الأمة وآخرها، واجعلْها آية منك وعلامة من لدنك: ترشد القوم إِلى صحه نُبُوَّتى.
(وَارزقنَا): منها ومن غيرها.
(وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقينَ): ترزق من تشاءُ بغير حساب.
١١٥ - ﴿قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية.
هذا وَعْدٌ من الله تعالى - بإِنزال المائدة. أَجاب به سؤال عيسى. وهو يقتضي أنه قد أنزلها، فإِن وعده الحق. وقد رتب الله على هذا الوعد شرطا فقال سبحانه:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾:
أَي: منْ يكْفر منكم - بعد نزول هذه الآية التي اقترحتموها - فإنى أَعذبه عذابا لا أُعذبه أَحدا من العالمين. حيث لا عذر لمن يرى الآيات تترى من رسوله، ثم يطلب بعد ذلك آية على النحو الذي اقترحه، فيجاب لها، ثم بعد ذلك يكفر!!
стр. 1207
أَما صفة المائدة، وأَنواع طعامها، فلم يجئ فيها دليل يُعَوَّل عليه!
ولهذا ينبغي أَلا ينساق القارئ إِلى ما يُرْوَى في ذلك من روايات. ويفوض الحقيقة لله.
وما أَحسن قول بعض العلماءِ: العلمُ بذلك لا ينفع. والجهل به لا يضر!!
﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾.
المفردات:
(سُبْحَانَكَ): أَي تنزيها لك عما لا يليق بك.
(وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا): أَي رقيبًا، أَو شاهِدًا لأَحوالهم من كُفر وإِيمان.
(فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى): التوفى؛ أَخْذُ الشَّىْءَ وافيا كاملا، ومنه الموت؛ لأَن الميت استوفى أَجله.
(الرَّقِيبَ): المطَّلِعَ على أَحوالهم.
стр. 1208
التفسير
١١٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
أفادت هذه الآية: أن الله - سبحانه - يبكت أتباع عيسى على اتخاذه وأُمه إِلهَيْن من دون الله. وأَن عيسى ﵇ تَبرَّأَ من دعواهم هذه. وأَشهد اللهَ على براءَته.
ويرى بعضُ العلماءَ: أَن ما جاءَ في الآية حَدَثَ في الدنيا.
ويرى آخرون: أَنه سَيحْدُثُ في الآخرة.
والتعبير بلفظ (قال)؛ لتحققه.
وإليه ذهب قتادة.
والمعنى على هذا: واذكر يا محمد للناس، وقت قول الله في الآخرة؛ توبيخا للكفرة، وتبكيتا لهم: أَأَنت يا عيسى، قلت للناس: اتخذونى وأُمَىَ إلهَيْن من دون الله، مع أَنك أُرسلت إليهم بدعوة التوحيد؟
وقد نعى الله على الذين اتخذوا المسيح إِلها، في مواضع عدة من هذه السورة.
وعبادة أمه كانت معروفة في الكنائس الشرقية والغربية، وسُمِّىَ الذين عبدوها: "المَرْيَمِيُّونَ" … وهذه العبادة منها:
ما هو صلاة ذات دعاء وثناء على المعبود.
ومنها ما هو استغاثة، واستشفاع.
ومنها ما هو صيام ينسب إِليها، ويسمى صيام العذراء.
وكل ذلك يقترن بخضوع وخشوع لذكرها ولصورها ولتماثيلها، واعتقاد السلطة الغيبية لها، وأنها تنفع وتضر: في الدنيا والآخرة، إِما بنفسها أَو بواسطة ابنها. ويسمونها: "والدة الإِله".
ولا تزال هذه الصور موجودة لدى طوائف المسيحيين على اختلاف مذاهبهم.
(قَالَ سُبْحَانَكَ):
أَي: تنزيهًا لك يا أَلله، عن أَن يكون معك إله آخر.
стр. 1209
وبذا، نزَّه عيسى ربَّه - على رءُوس الأَشهاد - عن المشاركة في الذات والصفات، مع الخضوع لعزته والخوف من سطوته.
﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾:
أَي: ليس من شأْنى - ولا ينبغي لى - أَن أَدَّعِىَ لنفسى ما ليس من حقها، فأَنا مَرْبُوبٌ ولست برب، وعابد ولست بمعبود. وذلك القول - بافتراض صدوره مني، فقد علمته.
إذ علْمكَ واسِع محيط بكل شيء: تعلم سِرِّى وما انطوى عليه ضميرى. ولا أَعم شيئا مما استأْثرتَ به من غيبك وعلمك، إِلا بِقَدْرِ ما تُظْهِره لي بالوحى. فالشك المفهوم من قوله: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ افتراضى لا حقيقى، ليقين عيسى ﵇ بأَنه لم يقُلْه.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾:
إِنك أَنت المحيط بجميع الغيوب، لا يخفى عليك شيء منها، في الأَرض ولا فى السماء.
ومن كان كذلك، فلا تخفى عليه براءَتى مما نسبه إِلَىَّ منْ أَلَّهُوني وأُمى.
١١٧ - ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ … ﴾ الآية.
هذا تأْييد لعدم شكه، وأن الشك ادعائى أَو افتراضى، إِمعانا في العبودية، وإِعظاما للربوبية.
أَي: ما قلتُ لهم إِلا ما أَمرتَنى بإِبلاغه إِليهم. وهو الأَمر بعبادة الله ربي وربهم؛ لأَن الله خصّنى بالرسالة إِليهم. وما كِان لرسول أَن يُغَيَّرَ في تبليغ الرسالة.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾:
أي: وكنت عليهم مراقبا لأَحوالهم؛ مرشدا لهم مدة بقائى بينهم.
(فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي):
أَي: فلما رَفَعْتَنِي إِليك؛ مستوفيا ما قدرته لي؛ إِنجاءً لي من كيد بني إِسرائيل وتدبيرهم لقتلى.
стр. 1210
وقد جاءَ التَّوَفِّى بهذا المعنى، في قوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا … ﴾ (١).
ولا ينبغي أَن يحمل على الإِماتة؛ لأَن إِماتة عيسَى - في الوقت الذي كان فيه بنو إِسرائيل يتربصون له، ويتحينون الفرصة للفَتْك به - ليس فيها تكريم له.
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾:
كنت أَنت المطلع عليهم دونى، والعليمَ بأَحوالهم؛ لأَنى شَهِدتُ من أَفعالهم ما عملوه مدة وجودى معهم.
﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾:
أي: أنت وحدك المحيط علمًا بكل شيء. فلا تخفى عليك أَحوالهم ولا أَحوال غيرهم.
١١٨ - ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
أَي: إِن تعذبْ من أَرسلتنى إِليهم وقمتُ بتبليغهم ما أَمرتنى به من توحيدك وعبادتك، فآمن منهم مَنْ آمَن، وكفر منهم مَنْ كَفر - فإِنما تعذب بالعدل من يستحق التعذيب، لكفرهم بعد وجوب الحجة عليهم، وإِن تغفرْ لمن آمن - وكان أَهلا لفضلك - فذلك تَفَضلٌ منك وأَنت العزيز الغالب لا يمتنع عليك ما تريد. الحكيم في تَصرفك وصُنْعِك: تضع كل جزاء في موضعه.
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾.
стр. 1211
التفسير
١١٩ - ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ … ﴾ الآية.
هذه إِجابة من الله تعالى؛ يوم القيامة، وأَجابة بها عيسى ﵇؛ بعد ما تَبرَّأَ من ادعاءِ قومه ألوهيته، وألوهية أمه، ورد الأمر فيه الى الله تعالى.
والمعنى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) في توحيد الله وعبادته في الدنيا، حتى لقوا ربهم.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
أي: لهؤلاء الصادقين في توحيده، جنات تجرى من تحتها الأنهار، ثوابا جزيلا من عند الله؛ حيث ﵃ رضا ما بعده رضا، وذلك الفوز العظيم، لا مطلب لهم بعده.
وبعد أن بين ، ما لأهل الصدق عنده من الجزاء الأوفى، بين عقبه - في ختام السورة - سعة ملكه وتفرده به، وشمول قدرته فقال:
١٢٠ - ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾:
أي: إن الملك كله، والقدرة المكاملة - في السموات والارض - لله وحده. فلا مُلك ولا تصرف لعيسى وأمه لا لغيرهما فيهما. فهما داخلان - ضمنا - تحت قبضته كسائر خلقه.
وغايه ما أعطاهما: الكرامة لديه، والمنزلة الرفيعه بين عباده.
стр. 1212
سورة الأنعام
وآيتها: ١٦٥ نزلت بعد الحجر
هذه السوره مكية إلا بعض آيات فمدنية، وآياتها خمس وستون ومائة، نزلت بعد سورة الحجر. وقد نزلة دفعة واحدة.
فعن ابن عباس أنها نزلت ليلا جملة.
وهى تناسب سورة المائدة في أغراضها المختلفة.
ومن ذلك محاجة أهل الكفر.
ففي سورة المائدة دار الحجاج مع أهل الكتاب. وفي سورة الأنعام دار الحجاج مع من في مكة من المشركين والمبتدعين والمكذبين بالبعث والنشور.
ومن ذلك أنهما - كلتيهما - تضمنتا أحكام الأطعمة، إلى غير ذلك من المناسبات وتنفرد - بكثرة ذكر الشرك والمشرك والمشركين - فقد ورد ذلك فيها في عشرين موضعا.
ومن مقصدها:
١ - تقرير وحدانية الله تعالى - وما يجب له من صفات الكمال، وهدم عقيدة الشرك، وتقويض أركانه. بالحجة والبرهان.
فقد قال العلماء في هذه السوره: إنها أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور.
وعليها بنى المتكلمون أصول الدين.
وقد بين الله تعالى - في صدرها أنه يستحق الحمد وحده، فإنه هو الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وذكر أن الكافرين يعدلون به آلهتهم، حيث جعلوها شركاء له في الألوهية، مع أنهم يقرون بأن هو الخالق لهذا الكون دون ألهتهم. كما قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ … ﴾ (١).
стр. 1213
ثم يتبع ذلك بالآيات البينات، الدالة على وحدنيته تعالى، حتى يصل إلى محاجة إبراهيم لقومه في شأن عبادة الأصنام والكواكب.
وقد جاءت تلك المحاجة في أسلوب التنزل مع المشركين والتظاهر بأنه - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - يسايرهم في عائدهم، ليثبت لهم - في النهايه - فساد عبادتهم لها، ويقول لهم: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)).
ثم يستمر السياق من آن لآخر، يذكر الناس بعظمة الله تعالى وتفرده بالألوهية، حتى تنتهى قبيل نهاية السورة بقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ … (١٦٤)).
٢ - التنبيه إلى خطإ الكافرين في تكذيب النبي ﷺ وبيان أنهم وصلوا من العناد، إلى أنهم لو نزل عليهم كتاب من السماء ولمسوه بأيديهم، وتحققوا من نزوله من السماء، وكان هذا الكتاب يدعوهم إلى الإيمان بالرسل - لزعموا أنه سحر مبين، وجاء فيها عبد ذلك بيان فساد رأيهم في طلب أَيكون الرسول ملكا، وإذ أنه لو نزل بصورته الحقيقة لهلكوا؛ لأنهم لا يحتملون لقاءه. ولو نزل بصورة بشر لالتبس الأمر عليهم.
٣ - تسلية الرسول بما أصاب الرسل قبله من سخرية أقوامهم بهم وتكذيبهم إيهاهم، وتهديد مكذبى الرسل بمثل عقابة المكذبين قبلهم.
ثم يمضى الحجاج بين الرسل وبين قومه، في أنحاء السورة، ويبين تارة أن على قلوبهم أكنة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا. وتارة أُخرى أنهم إن يروا آية لا يؤمنوا بها، ويقولوا سحر مبين.
ثم تمضى السورة في هذا الحوار، بين الحق الواضح والباطل الفاضح، حتى تدمغهم وتدحض حججهم.
стр. 1214
٤ - فقدان الكفار ميزات الإِنسانية، فهم مَوْتَى، والموتى لا يستجيبون إِلى الحق، وهم صم وبكم في الظلمات؛ وتهددهم بالإِبادة إِن استمروا على كفرهم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾.
٥ - بيان الرحمة الإِلهية بالإِنسان وأَن الكفار ﴿ … وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ … [٩١]﴾.
وتذكر أَن الله أَمر الرسول أَن يقول - ردًّا على هذا الافتراءِ - ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ … [٩١]﴾.
وتذكر لهم: آن القرآن كتاب - أَنزله الله - مبارك ومصدق لما تقدمه من الكتب السماوية وأَن الرسول مكلف أَن ينذر به أُمَّ القرى ومَنْ حولها، وأَن الذين يؤْمنون بالآخرة - أَينما كانوا على ظهر البسيطة - يؤْمنون به، وأَنه لا يوجد أَظلم ممن يفترى الكذبَ على الله، ويدعى أنه أُوحى إِليه شيء. وأَن مَن كذب على الله سيُجزَى يوم القيامة عذاب الهون.
٦ - العودة إِلى دعوتهم إِلى الإِيمان بكتاب الله بصورة محببة، وذلك بقوله تعالى في أَواخر السورة: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾.
٧ - إِبراز حقيقة البعث، وإِقامة الأَدلة عليها، والكلام على الجزاء فيها، ووعْدُ المؤمنين بمزيد الثواب، ووعيد الكافرين بشديد العقاب.
وقد بدأَ الحديث عن يوم القيامة بقوله تعالى في أَول السورة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ ثم قال : ﴿ … لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ … [١٢]﴾ ثم قال سبحانه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾.
стр. 1215
وهكذا مضت السورة تهتم بشأْن الحديث عن البعث. ومصير الناس إِلى ربهم، لكي يتبصروا في عواقب ما هم عليه، ويعملوا للخلاص من العذاب، ونَيْلِ جميل الثواب.
وآخر ما جاء عنه في هذه السورة، قوله تعالى: ﴿ … ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [١٦٤].
٨ - رسم معالم الدين الحق، ومناهج السلوك الفاضل. وأَعظمها: الإِيمان باللهِ، وتصديق الرسل، والإصلاح في جميع الأَعمال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾.
ومن تلك المناهج: أن نُعرِضَ عمَّن يخوضون في آيات الله، حتى في حديث غيره. فإِن نسينا فلا نقعد بعد التذكرة مع القوم الظالمين (١).
ومنها: دوام تذكير الذين اتخذوا دينهم لَعِبًا ولَهوًا، حتى لا تهلك نفس بما كسبت (٢).
ومن مناهج السلوك الفاضل أيضًا: إقامة الصلاة، وتقوى الله (٣).
ومنها: أَلَّا نَسُبَّ الذين يدعون من دون الله فَيَسُبُّوا الله عَدْوًا بغير علم (٤).
ومنها: تأثيم الذين يقتلون أولادهم سَفَها، والذين يُحَرِّمون ما في بطون الأَنعام عَلى الإِناث، ويُحِلُّونها للذكور: ﴿ … وَإِن يَكُن مَّيْتَة فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ … (١٣٩)﴾ وغير ذالك مما استحدثه المشركون في المطاعم، وحَرَّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله (٥).
وقد تبعها ببيان أَن الرسول لا يجد شيخا حرَّمه الله من المطاعم، إِلا أَن يكون ميتةً، أَو دما مسفوحا، أَو لَحْمَ خِنزير، أو ذبيحةً مذكورا عليها اسم غير الله، وأَن المضطر: يغفر الله له (٦).
стр. 1216
٩ - بيان ما أَنعم الله علينا من إِنشاء جَنَّاتٍ معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أُكُله، والزيتون والرمان، متشابها وغير متشابه.
١٠ - وجوب زكاة الزرع، فأوجب عليهم أَن يُؤْتُوا حَقَّهُ يوم حصاده.
١١ - الوصايا العشر التي تعتبر جماعا لشتى الفضائل، من: توحيدِ الله، والبِر بالوالدين، والابتعادِ عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعدم قتل النفس إِلا بالحق، والامتناعِ عن تناول مال اليتيم إِلا بالتي هي أَحسن حتى يَبْلُغَ أَشُدَّه، وإِيفاءِ الكيل والميزان بالقسط،
والعدلِ في القولِ، ولو كان ضد الأَقارب، والوفاء بالعهد؛ واتباع سبيل الله دون غيرها (١).
١٢ - وجوب وَحْدة الدين، وعدم التَّفَرُّقِ فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ … (١٥٩)﴾.
١٣ - بيان أَن جزاءَ الناس على حسب أَعمالهم، ودرجة انبعاثها عن ضمائرهم ونفوسهم. كما قال تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾) وأَنه لا تحمل نفس وزر نفس أخرى، ﴿ … وَلَا تَكسِبُ كُلُّ نَفسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (١٦٤)﴾.
وأَن الجزاءَ على الأَعمال يتناول ظاهرها وباطنها. كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ … (١٢٠)﴾.
١٤ - كما اشتملت - في مقاصدها - على الحث على السياحة، والسير في الأَرض؛ للنظر والاعتبار قال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
١٥ - الحث على البحث في علوم الكائنات، لمعرفة سنن الله الكونية الدالة على علمه وحكمته، ووافر قدرته ورحمته، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ الله فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيَّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ … ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَاْ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ في ذَلِكُمْ لَاَيَاتٍ لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
стр. 1217
١٦ - بيان أَن عالَم الحيوان عالَم عظيم، يشبه - في أُموره الكثيرة - عالَمَ الإِنسان؛ ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ في الْأَرْضِ وَلَا طَاَئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهٍ إِلَّا أمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطنَا في الْكِتَابِ مِن شَىْءً … ﴾. وتعتبر هذه الآية الكريمة أَساسا في علم الحيوان.
١٧ - كما اشتملت على أَنه تعالى، كتب على نفسِهِ الرحمة لمن تَاب؛ قال تعالى: ﴿ … كَتَبَ ربُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَاب مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥٤)﴾.
إِلى غير ذلك من عظائم الأمور، التي احتوتها هذه السورة الجليلة، التي تعتبر أَعظم دستور للحياة الصحيحة، والسلوك النظيف، والعقيدة المستقيمة. وكان نزولها بمكة، في صدر الإِسلام، حكمة من صنع الحكيم الخبير.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾.
المفردات:
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: أَي يُسوُّون به غيرَه، تعالى الله عن ذلك.
стр. 1218
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: أَي قَدَّر حدًّا معينا من الزمان.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: أَي وأَجلٌ آخرُ معينٌ عنده ، لا يعلم وقتَ حلوله سواه، وهو وقت البعث والجزاء.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾: أَي ثم أَنتم تَشُكُّون في البعث، وتجادلون فيه.
التفسير
١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ … ﴾ الآية.
الثناءُ بالجميل: مستحَق لله الذي أَبدع السموات، بما اشتملت عليه من مجرات عظيمة، ونجوم مُتَّقِدة، وكواكب منيرة، وكائنات وعجائب لا يعلمها سواه. وأَبدع الأَرض وما فيها من يابس وماءٍ، وهضاب ووهاد، وإِنسان وحيوان وزروع نضرة، وثمار نافعة، وغير ذلك من الروائع.
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾: لتكون للناس سكنا.
﴿وَالنُّورَ﴾: أَي وجعل النور، ليكون مجال نشاطهم، وسرّ الحياة لزروعهم وحيواناتهم.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾:
هذا تعجب من النتيجة أَي - مع هذا الإِبداع - الذين كفروا، يسوون ربهم - الذي أَبدع هذه الكائنات - بما لا يملك لهم خيرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا!
٢ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى … ﴾ الآية.
أَفادت هذه الآية: أَن الله تعالى، خلق الناس من طين. وهي تشير إلى المادة التي خلق الله منها آدم؛ أَصل البشرية.
стр. 1219
وإذا كان أَصل الإِنسان من طين، فكل أَولاده - إلى يوم القيامة - يعتبرون مخلوقين من طين أَيضا، باعتبار أَصلهم.
ويجوز أَن يراد من الآية: ما هو مشاهد، من أَن الطين مادة هامة في حياتنا.
فمن الأَغذية التي تكونت من الطين، تحيا الكائنات.
ولتلك الأَغذية دخل كبير في تكوين النطف والبويضات، التي هي أَساس الأَجيال الإِنسانية والحيوانية.
على أَننا لو حللنا مادة الأَجسام البشرية إِلى عناصرها الأولية، لوجدناها من العناصر التي يتكون منها الطين. مثل الكربون والكلسيوم والحديد … إِلخ.
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾:
أَي ثم قدر حدًّا معينا من الزمان - بَدْءًا ونهاية - لكم في هذه الدنيا، وقضى حدًّا من الزمان، تبعثون فيه: سماه الله عنده وعيَّنه لديه. لا يعلمه سواه.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾:
يطلق الامتراءُ على الشك، والجدل، والإِنكار، مع وضوح الأدلة … وكُلٌّ من هذه المعاني، يجوز أن يراد هنا: أَي ثم أَنتم أَيها المشركون - مع وضوح هذه الدلائل - تَشُكُّون في الحق، وتجادلون فيه، وتصلون في جدالكم إِلى حد الإِنكار و ﴿ثُمَّ﴾ الأُولى: للترتيب الزمني. أَما الثانية: فلبيان تراخيهم في الاستجابة للحق وامترائهم فيه.
٣ - ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية.
أَي: وهو الإِلَه المدبر المعبود، في السموات وفي الأَرض.
﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾:
стр. 1220
يعلم ما انطوت عليه قلوبكم، وما تفعلون بجوارحكم علانية.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾:
من الخير والشر، فيحصى ذلك عليكم، ليجازيكم به عند معادكم.
وفي هذا استدعاءٌ للإِنسان الشارد عن الله، الغافل عن ذكره، المستخف بشرائعه: أن يعود إلى الله، وأن يخشاه، ويتقِيَ محارمه؛ لأن الله يطلع على كل ما ظهر وما بطن.
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.
المفردات:
﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: المراد بالآيات؛ القرآن، أَو ما يعمه، من الآيات الكونية.
﴿مُعْرِضِينَ﴾: الإِعراض؛ الانصراف عن الشئ.
﴿مِن قَرْنٍ﴾: القرن؛ مدة من الزمان يعيش فيها أَهل عصر (١). وقد يطلق على أهله، وهو المراد هنا.
стр. 1221
﴿مَكَّنَّاهُمْ في الْأرْضِ﴾: جعلناهم مُتَمَكِّنِينَ من التصرف فيها.
﴿وَأرْسَلْنَا السَّمَاَءَ﴾: أَي المطر: وعَبَّر عنه بالسماءِ؛ لأنه ينزل منها. فإِن السحاب سماء.
﴿مِدْرَارًا﴾: متتابعا.
التفسير
٤ - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾:
وما تأتيهم من حجة من حجج ربهم: دالة على وحدانية الله تعالى وصدق رسوله - سواءٌ أَكانت قرآنية أَم كونية - إلا قابلوها بالإِعراض عنها، وعدم التدبر فيها.
٥ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ … ﴾ الآية.
أَي فقد زادوا - على إِعراضهم - تكذيبهم بالحق حين جاءَهم على لسان محمَّد ﷺ ، من غير تَرَيُّث ولا تفكر.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
الأَنباءُ: الأَخبار. والمراد بها هنا، ما أَنبأهم الله به من العقوبة على تكذيبهم.
والمعنى: فسوف تأْتيهم العقوبات التي تَوعَّدَهم الله بها، جزاءَ تكذيبهم بالحق، وإِصرارهم على هذا التكذيب.
٦ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ … ﴾ الآية.
أي: أَلَم يعلم هؤلاءَ المكذبون - بمعاينة الآثار، وسماع الأَخبار - كم أَهلكنا قبلهم من أَهل قرن: مكناهم في الأَرض ما لم نمكن لكم، حيث مَنَحْناهم الغِنَى والسعة والاقتدار على التعمير. فعمروا الأَرض، وبَنَوُا الحصون والقصور.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾:
стр. 1222
أَي وأَرسلنا عليهم السحاب يدر عليهم المطر الغزير، وجعلنا الأَنهار تجرى من تحت مساكنهم، وبين مزارعهم. فيستمتعون بحسن مرآها، وجماك جريانها، ولا يجدون صعوبة في الانتفاع بها.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾:
أَي فكان عاقبة أَمرهم: أن أهلكنا أهل كل قرن منهم، بسبب ذنوبهم التي كانوا يجتَرِحُونَها، وأوجدنا - من بعدهم - ناسا آخرين يصرون البلاد.
وفي هذه الآية وعيد لأهل مكة، بمثل ما عوقبت به الأمم السابقة، من الإهلاك بكفرهم وذنوبهم، كما أُهلِك هؤلاءِ السابقون، ولم تغن عنهم قُوتَّهُمُ وتمكينهم شيئًا.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾.
المفردات:
﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: القرطاس؛ - بتثليث القاف، والكسر أشهر - ما يكتب فيه.
﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾: اللمس؛ كالمس، إدراك الشئ بظاهر البشرة. وقد يستعمل بمعنى طلب الشئ والبحث عنه. والمراد هنا: الأَول.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾: أَي خداع وتمويه.
﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: أَي أَمرُ إِهْلاكهم.
﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾: أَي لا يمهَلون طرفة عين.
стр. 1223
﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾: من اللَّبْسِ وهو: الخَلط. تقول: لَبَس الحق بالباطل يلبسُه به.
أي خلطه به، حتى اشتبه على الناس.
التفسير
٧ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ … ﴾ الآية.
لقد بلغ الحزن والأَسف، من الرسول صلوات الله وسلامه عليه كل مبلغ، لِتمسُّكِ قومه بالكفر به، مع وضوح برهانه، وقيام حجته.
فبين الله في هذه الآيةِ: أَنه لا سبب لكفرهم، إِلا مجرد العناد والمكابرة.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ أَي يا محمد ﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ أَي كتابا مكتوبا في صحائفه فلمسوه بأَيديهم، وتيقنوا من معرفته وأَنه منزل من الله عليك.
﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
أَي لقال الذين كفروا: ما هذا الكتاب الذي نزل، إِلا سحرٌ بيِّنٌ واضح التمويه.
وإنما قالوا ذلك، إِمعانا في الجحود والعناد.
٨ - ﴿وَقَالُوا لَوْلَاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ … ﴾ الآية.
روى ابن المنذر، وابن أَبي حاتم، عن محمد بن إِسحق، في سبب نزول هذه الآية فقال: "دعا رسولُ الله ﷺ قومَه إلى الإِسلام، وكلَّمهم فأَبلغ. فقال. زمعة بن الأسود بن المطلب، والنضر بن الحرث بن كَلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأُبَيُّ بن خلف، والعاصي بن وائل بن هشام: لو جُعِلَ معك يا محمد، مَلَكٌ يحدّث عنك الناس، ويُرى معك؟ ". فأَنزل الله في ذلك قوله:
﴿وَقَالُوا لَوْلَاَ أنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾:
والمعنى: هلا أنزل على محمد ملكٌ نشاهده معه، ويخبرنا أَنه رسولٌ من عند الله، فيكونَ معه نذيرا؟
стр. 1224
وقد أَجاب الله على مقالتهم بجوابين: الأول قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾:
أَي لو أَنزلنا عليه ملكا، في صورته الحقيقية وشاهدوه بأَعينهم، لزهقت أَرواحهم من هول ما يشاهدون، من غير تأْخير أَوانتظار. أَو لأَن الله أَجرىَ سنته بأَن مَن طلب آية وأجيب لها فلم يؤْمن، عَذبه الله في الحال - عذاب استئصال.
ومن أجل هذا، لم يستجب الله لِمُقتَرَحِ أَهل مكة، حتى لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إذا كذبوا، تكريما لنبيه ﷺ ، وتحقيقا لوعده "وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذَبَهُمْ وَأنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعذِّبَهُمْ وَهمْ يَسْتَغْفِرُونَ" (١).
والجواب الثاني قوله تعالى:
٩ - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾:
أي لو جعلنا النذير الذي اقترحوا إِنزاله معه مَلَكا، لمثلناه رجلًا، لِيَقْوَوْا على مشاهدته وسماع كلامه، لعدم استطاعتهما رؤْية الْمَلَكِ على صورته الأصلية.
ومن أجل هذا، كانت الملائكةُ تأتي الأَنبياء في صورة الإِنس أَحيانا. كما جاءَ جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ، في صورة دِحْية الكلبي. وكما أتت الملائكة إِلى إِبراهيم ولوط - عليه ما السلام - في صورة رجال.
ولو جعلناه في صورة بشر ليأنسوا به، لاعتقدوا أَنه بشرٌ، لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاتهِ التي تمثَّل بها. وحينئذ، يقعون في نفس اللَّبْسِ والاشتباه الذي وقعوا فيه، بسبب كَوْن الرسول بشرًا يقترحون جَعْلَه ملَكًا.
وإذا كان إِرسال الْمَلَكِ سيؤَدى إلى هذه النتيجة - أَو تلك - فليس من الحكمة جعل الرسول مَلَكا. بل الحكمة: أَن يكون بشرا من بينهم، مؤيَّدا من الله بالمعجزات حتى يمكن الاقتداء به.
стр. 1225
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
المفردات:
﴿فَحَاقَ﴾: حاق به الأمر؛ أَحاط به. ولا يكاد يستعمل إلا في الشر.
التفسير
١٠ - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوامَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
لما كان اقتراحُ المشركين إِنزالَ المَلَك على الرسول من باب الاستهزاء، أنزل الله تعالى هذه الآية، لتسليته ﷺ بأَنَّ ما حَدَثَ له، قد حدث مثله لإخوانه المرسلين من قبله، ولتهديد المشركين بأَنهم سيصيبهم ما أَصاب مَنْ قبلهُم إن استمُّروا على كفرهم.
أَخبر الله رسوله خبرا مؤكدا بصيغة القسم: أن الكفار قد استهزءوا برسل كرام قبلك، كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) فليس بدعًا ما تراه من صناديد الكفر من قريش. وقد استهزءوا بك وسخروا منك. فما ذلك منهم إِلا جَرْيا على آثار أَعداء حَملَةِ الهدى من عباد اللهِ قبلهم، وقد حاق بأولئك الساخرين من العذاب ما يستحقونه، جزاءَ أَفعالهم الشنيعة، وسوءَ صنيعهم مع مَن اصطفاهم ربهم من خلقه.
стр. 1226
وفي الآية:
١ - تعليم للنبي ﷺ ، سُنَنَ الله في الأمم مع رسلهم.
٢ - تسلية وعزاءٌ له مما يلقى من المشركين من عناد، وما يساق إليه منهم من ضُرٍّ وأَذى، وتثبيت لقلبه، وإِعانةٌ له على المضى في تبليغ رسالته.
٣ - بشارة له بحسن العاقبة، وما سيكون له من نصرٍ وتأييد، وقد كان جزاءُ المستهزئين - بمن قبله من الرسل - عذابَ الخزي باستئصال. ولكن الله كفاه المستهزئين به، فأهلكهم ولم يجعلهم سببا لهلاك قولهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهزِئِينَ﴾ (١).
ولما كان ما يحل بالمستهزئين بالرسل من الهلاك - بحسب سنة الله المطردة فيهم، مما يرتاب فيه مشركو مكة لجهلهم بالتاريخ، وعدم تسمليمهم بخبر الآية - أمر الله تعالى رسوله، بأَن يدلهم على الطريق الموصل إلى علم ذلك بأَنفسهم. فقال:
١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الْأَرْضِ ثُم انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾:
أَي قلْ يا محمد، للمكذبين المستهزئين بك من قومك، المحبين للأَسفار مع الغفلة، عن شئون الأُمم، والاعتبار بعاقبة الماضين، وأَحوال المعاصرين: سافروا في الأَرض - كشأنكم وعادتكم - وتنقلوا في ديار أولئك الأُمم الذين مَكَّنَاهم في الأَرض، ثم انظروا - في أَثناء رحلاتكم صيفا أَو شتاءً - آثارَ ما حل بهم من دَمار ساحق، وعذاب أَليم. وتأَملوا كيف كانت آخرتهم ونهايتهم: بما تشاهدون من آثارهم، وما تسمعون من أَخبارهم، ليكون في ذلك لكم عبرةٌ إن لم تصدقوا ولم تزجرْكم حُجَجُ الله عليكم!!
стр. 1227
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.
المفردات:
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾: أَي أَوجبها على نفسه، فضلا منه وكرما.
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾: سكن، من السُّكنى. والمعنى: ما اشتمل عليه الليل والنهار. وقيل: سكن هنا؛ من السكون.
والمعنى وله ما سكن في الليل والنهار وما تحرك. فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر. كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿ … سَرَابِيلَ تَقِيكُمٌ الْحَرَّ … ﴾ (١) أَي والبرد.
﴿وَلِيًّا﴾: أَي ناصرًا ومعينًا.
стр. 1228
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعهما على غير مثال يحتذى من الفَطر وهو: الإِبداع والإِيجاد.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾: أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أَحد.
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾: أَي يبعد عنه العذاب يوم القيامة.
التفسير
١٢ - ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ … ﴾ الآية.
بَيَّنَ الله ، في الآيات السابقة، أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والبعث، والجزاء.
وبَيَّنَ شبهاتِ الكفار على رسالة محمد ﷺ ، مع ما يدحضها.
كما أَرشد رسولَهُ، إِلى سُنَّته فيمن كَذَّب الرسل، وأَن عاقِبتَهم الخِزْيُ والدمار.
ثم قفّى على ذلك، ببيان أَدلة وجود الله ووحدانيته وشمول ملكه.
والمعنى: قل أَيها الرسول، لقومك، الجاحدين لرسالتك، المعرضين عن دعوتك: لِمَنْ هذا الكون: علويه وسفليه. بما فيه من عجائب وغرائب؟ ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾.
وإِنما أَمر اللهُ رسولَه بأَن يتولى الإِجابة عنهم، لأَن هذا الجواب معترف به منهم: لا يسعهم إِنكارُه. فقد كانوا يعترفون بذلك. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ … ﴾ (١)
فإذا سأَلتهم: لِم تعبدون غيره من أصنام وأَوهام. وأَنتم معترفون بذلك؟ أَجابوا بقولهم:
﴿ … مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى … ﴾ (٢)
والمقصود من السؤال - كما ذكر صاحب الكشاف - التبكيت والتوبيخ.
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾:
стр. 1229
أَي أَوجبها على نفسه، كَرَمًا منه وفضلًا. وقد شمِلَ برحمته في الدنيا المؤْمنَ والكافر، والْبَرَّ والفاجر. فلا تغترُّوا أَيها الكفار بما تنالون في الدنيا من رحمته. واعملوا ليومٍ يجمعكم فيه للحساب والجزاء. كما قال سبحانه:
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾:
يؤكد الله تعالى في هذه الجملة: أَنه سَيُحْيِى الناسَ ويَبْعثُهم في يوم القيامة؛ الذي لا ينبغي أن يرتاب فيه عاقل.
ولا ريب أَن تهديد الناس بهذا اليوم العصيب، يعتبر من رحمة الله بالناس. إذ لولا الخوف من عذاب الله يوم القيامة، لَعَمَّ الفسادُ في الأَرض. واختلت نُظمُ الاجتماع، وأَكَلَ القوىُّ الضعيف؛ - ولا وازع ولا زاجر - فصار من رحمة الله التهديد بهذا الجمع، لأَجل الحساب والجزاء. كما أَنه حافز للمؤمنين على زيادة الطاعة، رغبة في حسن الجزاءِ.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
أَي الذين خسروا أنفسهم بإِهدار قواهم العقلية، وتعطيلها عن النظر في آيات الله، فهؤلاءَ، لا يؤْمنون بما دعوتهم إليه، من توحيد الله، والإيمان بيوم البعث والنشور.
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
هذا معطوف على ما قبله. أَي لله ما في السموات وما في الأَرض، ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ في الليْلِ والنَّهَارِ﴾: أَي مَا اشتمل عليه الليلُ والنهارُ من موجودات. فكل ما طلع عليه النهار وغشيه الليل والظلام، هو في ملك الله وحده. وهو السميع لكل ما من شأنه أَن يُسمَع، العليم بكل ما من شأْنه أَن يُعلَم. سبحانه!! يعلم دبيبَ النملة في الليلة الظَّلْماء ﴿يَعْلَمُ خَاَئِنَة الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١)، ﴿ … يَعْلَمُ مَا بيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُون بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء … ﴾ (٢).
стр. 1230
ومن كان كذلك، فلا يغيب عنه إيمان مؤمن، ولا كفر كافر، ولا دعوة داعٍ، ولا حاجة محتاج.
١٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ … ﴾ الآية.
أَي قل يا محمد، وقد دعوك إِلى دين آبائك.
إِن الله تعالى، أمرَك: أَن تنكل ما دعوكَ إِليه، من اتخاذ غير الله تعالى معبودا، وهو الذي له ما في السموات وما في الأرض. وله ما سكن في الليل والنهار - وهو الذي فطر السموات والأَرض، وأَبدعهما على غير مثال سبق. وهو الذي يرزق غيرَه، ولا يرزقه غيرُه. فهو الذي يرزق الكائنات الحية ويطعمها، ويمدها بما يحفظ وجودها وبقاءَها وليس هو بحاجة إلى من يرزقه ويُطعمه.
وكيف يصح أَن يكون مصدر العطاء محتاجا إِلى عطاءٍ؟ وكيف يتخذ المضلون من البشر أَولياءَ مع الغَنِيِّ الحميد الفعال لما يريد؟
﴿قُلْ إِنِّىَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّل مَن أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
أَي قل يا محمد - بعد إِيراد هذه الآيات والحجج على وجوب عبادة الله وحده وعدم اتخاذ غيره وليًّا - إِنيِّ أُمِرتُ من ربي: أَن أَكون أَول من أَسلم إِليه وانقاد لدينه. من هذه الأُمَّة التي أَنا رسولُها وداعيها إِلى الحق. فلستُ أدعو إِلى شيء لا آخذ به. بل أَنا أَولُ مؤمن بهذا الدين، وأَول عامل بما جئت به من شريعة وأَحكام.
وكما أُمِرتُ أَن أَكون أَولَ من أَسلم. قيل لي: لا تكوننَّ من المشركين: فلا تطمعوا في استجابتي إِلى ما دعوتموني إِليه من الإِشراك بالله تعالى.
وبعد أَن أَقنطهم الله من مشاركة الرسول لهم في شركهم، أَمر الله رسولَه: أَن يبين لهم سوءَ عاقبة من عصى الله وأَشرك به. فقال تعالى: