← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وفي الآية: ١ - تعليم للنبي ﷺ ، سُنَنَ الله في الأمم مع رسلهم. ٢ - تسلية وعزاءٌ له مما يلقى من المشركين من عناد، وما يساق إليه منهم من ضُرٍّ وأَذى، وتثبيت لقلبه، وإِعانةٌ له على المضى في تبليغ رسالته. ٣ - بشارة له بحسن العاقبة، وما سيكون له من نصرٍ وتأييد، وقد كان جزاءُ المستهزئين - بمن قبله من الرسل - عذابَ الخزي باستئصال. ولكن الله كفاه المستهزئين به، فأهلكهم ولم يجعلهم سببا لهلاك قولهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهزِئِينَ﴾ (١). ولما كان ما يحل بالمستهزئين بالرسل من الهلاك - بحسب سنة الله المطردة فيهم، مما يرتاب فيه مشركو مكة لجهلهم بالتاريخ، وعدم تسمليمهم بخبر الآية - أمر الله تعالى رسوله، بأَن يدلهم على الطريق الموصل إلى علم ذلك بأَنفسهم. فقال: ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الْأَرْضِ ثُم انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: أَي قلْ يا محمد، للمكذبين المستهزئين بك من قومك، المحبين للأَسفار مع الغفلة، عن شئون الأُمم، والاعتبار بعاقبة الماضين، وأَحوال المعاصرين: سافروا في الأَرض - كشأنكم وعادتكم - وتنقلوا في ديار أولئك الأُمم الذين مَكَّنَاهم في الأَرض، ثم انظروا - في أَثناء رحلاتكم صيفا أَو شتاءً - آثارَ ما حل بهم من دَمار ساحق، وعذاب أَليم. وتأَملوا كيف كانت آخرتهم ونهايتهم: بما تشاهدون من آثارهم، وما تسمعون من أَخبارهم، ليكون في ذلك لكم عبرةٌ إن لم تصدقوا ولم تزجرْكم حُجَجُ الله عليكم!!

стр. 1227

﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾. المفردات: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾: أَي أَوجبها على نفسه، فضلا منه وكرما. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾: سكن، من السُّكنى. والمعنى: ما اشتمل عليه الليل والنهار. وقيل: سكن هنا؛ من السكون. والمعنى وله ما سكن في الليل والنهار وما تحرك. فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر. كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿ … سَرَابِيلَ تَقِيكُمٌ الْحَرَّ … ﴾ (١) أَي والبرد. ﴿وَلِيًّا﴾: أَي ناصرًا ومعينًا.

стр. 1228

﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعهما على غير مثال يحتذى من الفَطر وهو: الإِبداع والإِيجاد. ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾: أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أَحد. ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾: أَي يبعد عنه العذاب يوم القيامة. التفسير ١٢ - ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ … ﴾ الآية. بَيَّنَ الله ، في الآيات السابقة، أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والبعث، والجزاء. وبَيَّنَ شبهاتِ الكفار على رسالة محمد ﷺ ، مع ما يدحضها. كما أَرشد رسولَهُ، إِلى سُنَّته فيمن كَذَّب الرسل، وأَن عاقِبتَهم الخِزْيُ والدمار. ثم قفّى على ذلك، ببيان أَدلة وجود الله ووحدانيته وشمول ملكه. والمعنى: قل أَيها الرسول، لقومك، الجاحدين لرسالتك، المعرضين عن دعوتك: لِمَنْ هذا الكون: علويه وسفليه. بما فيه من عجائب وغرائب؟ ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾. وإِنما أَمر اللهُ رسولَه بأَن يتولى الإِجابة عنهم، لأَن هذا الجواب معترف به منهم: لا يسعهم إِنكارُه. فقد كانوا يعترفون بذلك. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ … ﴾ (١) فإذا سأَلتهم: لِم تعبدون غيره من أصنام وأَوهام. وأَنتم معترفون بذلك؟ أَجابوا بقولهم: ﴿ … مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى … ﴾ (٢) والمقصود من السؤال - كما ذكر صاحب الكشاف - التبكيت والتوبيخ. ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾:

стр. 1229

أَي أَوجبها على نفسه، كَرَمًا منه وفضلًا. وقد شمِلَ برحمته في الدنيا المؤْمنَ والكافر، والْبَرَّ والفاجر. فلا تغترُّوا أَيها الكفار بما تنالون في الدنيا من رحمته. واعملوا ليومٍ يجمعكم فيه للحساب والجزاء. كما قال سبحانه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: يؤكد الله تعالى في هذه الجملة: أَنه سَيُحْيِى الناسَ ويَبْعثُهم في يوم القيامة؛ الذي لا ينبغي أن يرتاب فيه عاقل. ولا ريب أَن تهديد الناس بهذا اليوم العصيب، يعتبر من رحمة الله بالناس. إذ لولا الخوف من عذاب الله يوم القيامة، لَعَمَّ الفسادُ في الأَرض. واختلت نُظمُ الاجتماع، وأَكَلَ القوىُّ الضعيف؛ - ولا وازع ولا زاجر - فصار من رحمة الله التهديد بهذا الجمع، لأَجل الحساب والجزاء. كما أَنه حافز للمؤمنين على زيادة الطاعة، رغبة في حسن الجزاءِ. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أَي الذين خسروا أنفسهم بإِهدار قواهم العقلية، وتعطيلها عن النظر في آيات الله، فهؤلاءَ، لا يؤْمنون بما دعوتهم إليه، من توحيد الله، والإيمان بيوم البعث والنشور. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: هذا معطوف على ما قبله. أَي لله ما في السموات وما في الأَرض، ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ في الليْلِ والنَّهَارِ﴾: أَي مَا اشتمل عليه الليلُ والنهارُ من موجودات. فكل ما طلع عليه النهار وغشيه الليل والظلام، هو في ملك الله وحده. وهو السميع لكل ما من شأنه أَن يُسمَع، العليم بكل ما من شأْنه أَن يُعلَم. سبحانه!! يعلم دبيبَ النملة في الليلة الظَّلْماء ﴿يَعْلَمُ خَاَئِنَة الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١)، ﴿ … يَعْلَمُ مَا بيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُون بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء … ﴾ (٢).

стр. 1230

ومن كان كذلك، فلا يغيب عنه إيمان مؤمن، ولا كفر كافر، ولا دعوة داعٍ، ولا حاجة محتاج. ١٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ … ﴾ الآية. أَي قل يا محمد، وقد دعوك إِلى دين آبائك. إِن الله تعالى، أمرَك: أَن تنكل ما دعوكَ إِليه، من اتخاذ غير الله تعالى معبودا، وهو الذي له ما في السموات وما في الأرض. وله ما سكن في الليل والنهار - وهو الذي فطر السموات والأَرض، وأَبدعهما على غير مثال سبق. وهو الذي يرزق غيرَه، ولا يرزقه غيرُه. فهو الذي يرزق الكائنات الحية ويطعمها، ويمدها بما يحفظ وجودها وبقاءَها وليس هو بحاجة إلى من يرزقه ويُطعمه. وكيف يصح أَن يكون مصدر العطاء محتاجا إِلى عطاءٍ؟ وكيف يتخذ المضلون من البشر أَولياءَ مع الغَنِيِّ الحميد الفعال لما يريد؟ ﴿قُلْ إِنِّىَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّل مَن أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أَي قل يا محمد - بعد إِيراد هذه الآيات والحجج على وجوب عبادة الله وحده وعدم اتخاذ غيره وليًّا - إِنيِّ أُمِرتُ من ربي: أَن أَكون أَول من أَسلم إِليه وانقاد لدينه. من هذه الأُمَّة التي أَنا رسولُها وداعيها إِلى الحق. فلستُ أدعو إِلى شيء لا آخذ به. بل أَنا أَولُ مؤمن بهذا الدين، وأَول عامل بما جئت به من شريعة وأَحكام. وكما أُمِرتُ أَن أَكون أَولَ من أَسلم. قيل لي: لا تكوننَّ من المشركين: فلا تطمعوا في استجابتي إِلى ما دعوتموني إِليه من الإِشراك بالله تعالى. وبعد أَن أَقنطهم الله من مشاركة الرسول لهم في شركهم، أَمر الله رسولَه: أَن يبين لهم سوءَ عاقبة من عصى الله وأَشرك به. فقال تعالى:

стр. 1231

١٥ - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي قل يا محمد، لقومك الذين دعَوْك إِلى مشاركتهم في عبادة آلهتهم: إني أَخاف عذاب يوم عظيم، يشيب فيه الْوِلْدان، إِن أَجبتمَ إِلى ما دعوتموني إِليه من عصيان ربي. وإِذا كان خوف النبي ﷺ من العذاب على المعصية منتفيا - لانتفائها بالعصمة - فخوف الإجلال والتعظيم ثابت له ﵇ دائمًا. ١٦ - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾: أَي من يُدفعْ عنه هذا العذاب - في ذلك اليوم ويسلم من الوقوع تحت وطأته - فقد ﵀ الرحمة العُظمى. وهي النجاة من العذاب والتمَتُّعُ بالنعيم المقيم. وذلك هو الفوز المبين الذي لا فوز بعده. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾. المفردات: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾: المس؛ الإِصابة. يُقال: مَسَّهُ السُّوءُ والكبر والعذاب والتعب أَي أَصابه ولحق به.

стр. 1232

﴿بِضُرٍّ﴾: الضُّرُّ؛ البلاءُ، كالمرض والفقر، وفقدان الأَحباب. ﴿بِخَيْرٍ﴾: الخير، ما كان فيه منفعة حاضرة أَو مستقبلة. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: القَهْرُ، الغلبة. والقاهر: الغالب. ﴿أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾: شهادة الشئ؛ حضوره ومشاهدته. والشهادة به: الإِخبار به عن علم ومعرفة واعتقاد مبني على المشاهدة؛ بالبصر أَو بالعقل والوجدان. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾: الإِنذار؛ التخويف. التفسير ١٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ … ﴾ الآية. بعد أَن بَيَّنَ اللهُ ، أَنّ صرف العذاب عن العبد، والفوزَ بالنعيم - بعده - من رحمة الله به في الآخرة - بَيَّنَ كذلك: أَن الأَمرَ في الدنيا والتصرُّفَ فيه، إنما هو لله الولي الحميد. والمعنى: وإِن يُصبْك - أَيها الإِنسان - ضُرٌّ كمرض وفقر وحزن وغير ذلك من البلايا التي يَخْتَبِرُ اللهُ بها عبادَهُ، فلا يرجى لكشف هذا الضرِّ غيره. إذ لا صارف ولا رافع له إلا هو. لأنَّه مما قضى به. ولا رادّ لقضائه الذي قضاه، إلا ما كان من لطفه ورحمته اللذَيْنِ يحفان بقضائه. فيمضى الأَمر فيه على ما قضاه. ومن لطف الله بعبده أن يستقبل هذا القضاء برضا، ويحتمله في صبر. وإن يمسسك بخير - كصحة وغنى وقوة وجاه - فهو وحده قادر على حفظه عليك وإدامته لك، كما قدر على إِعطائك إِياه. فهو على كل شيءٍ قدير. فعلى المؤْمن الصادق في إِيمانه: ألَّا يطلب شيئًا من أمور الدنيا والآخرة: من كَشْف ضُرٍّ، وصَرْفِ عذاب، أَو إيجاد خير، ومَنْح ثواب، إِلا من الله تعالى وحده، دون غيره من الشفعاء والوسطاء، والمتكهنة والأَولياء الذين لا يملكون لأَنفسهم نفعا ولا ضرًّا.

стр. 1233

عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كُنْتُ خَلْفَ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ. احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ. وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ. وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى لَكَ. وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" (١). ومن دعاءِ الرسول ﷺ : "اللَّهُمَّ لَا مَانِع لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ" (٢). وبعد أَن أَثبت الله لنفسه كمال القدرة، أثبت كمال السلطان والتسخير لجميع عباده، والاستعلاءِ عليهم، مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الأُمور، ليرشدنا إِلى أَن مَن اتخذ غيرَه وليًّا من دونه، فقد ضلَّ ضلالا بعيدا. فقال: ١٨ - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾: أَي وهو الغالب لعباده، المقتدر عليهم: يَملكهم ولا يَملكونه. ويَقضى عليهم ولا يَقضون عليه. ويُعطى ويَمنع، ويُعِز ويُذِلُّ. وهو الحكيم في تدبير مراده وتنفيذه، الخبير بمواضع نعمه ونقمه. فلا تخفى عليه خوافى الأُمور ولا بواديها، ولا يقع في تدبيره خلل، ولا في حكمته دخَل (٣). ولما كان المشركون لا يستجيبون إِلى الحق الذي دعاهم إليه رسولُ اللهِ ﷺ ، ولا يشهدون بصحة نُبُوتَّه، أَنزل الله عليه الآية التالية:

стр. 1234

١٩ - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ … ﴾ الآية. جاءَ في القرطبي: عن الحسن وغيره، في سبب نزول هذه الآية: أَن المشركين قالوا للنبي ﷺ : مَن يشهدُ لك بأَنك رسولُ الله؟ فنزلت الآية. والمعنى: قل يا محمد لقومك: أَي شيءٍ شهادته أَكبر شهادة وأَعظمها، وأَجدر أَن تكون أَصحها وأَصدقها؟ وما الشاهد الذي تكبرون شهادته. وتنزلون على ما يشهد به. ولم يمهلهم الله أَن يجيبوا، لأَنهم لا يجيبون إِلا ضلالا، ولا يقولون إِلا زُورا وبهتانا. بل تلقاهم بالشاهد الذي لا يصح أَن تُرَدَّ شهادته، لأَنه الشاهد الذي لا يجوز أَن يقع في شهادته كذب ولا زور، ولا خطأُ. والذي يحكم ولا معقب لحكمه: ويقضى ولا رَادَّ لقضائه إِنه هو الله رب العالمين. هو الشهيد بيني وبينكم. وقد أوحى إِلَيَّ هذا القرآنُ: شاهدًا من لَدُنْهُ برسالتي، لأُنذرَكم به عذاب يوم عظيم، ولأُنذر كلَّ من يبلُغه القرآن - إِلى يوم القيامة. وفي هذا، دلالة كل عموم الرسالة، وأَن أَحكام القرآن: تَعُمُّ الثقَليْن إِلى يوم الدين. أخرج ابن مردويه: وأَبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا قال: "ومن بلغه القرآن فكأَنما شافهتُه به" ثم قرأَ ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. وقد أَشارت الآية: إلى وجوب تبليغ رسالة النبي ﷺ . وقد جاءَ ذلك - صراحة - فيما رواه البخاري، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "بَلِّغُوا عَنِّى، وَلَوْ آيَة … " الحديث. وشهادة الله لرسوله: تتجلى فيما يأْتي: ١ - شهادة كُتُبِ اللهِ السابقة لنبيه، وبشارة الرسل السابقين به. ولا تزال هذه الشهادة ماثلة في كتب اليهود والنصارى، وهم يُؤَوِّلُونها.

стр. 1235

٢ - تأييد الرسول بالآيات الكثيرة، التي من أَعظمها القرآن الخالد. فهو المعجزة الدائمة: بما ثبت من عجز البشر عن الإِتيان بسورة من مثله. وبما اشتمل عليه من أَخبار الغيب، وَوَعْدِ الرسول والمؤمنين بِنَصْرِ الله. ٣ - إِخباره بها في كتابه، بنحو قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ … ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا … ﴾ (٢). ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾. التفسير ٢٠ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ … ﴾ الآية. رُوىَ أَن الكفار، سأَلوا اليهود والنصارى، عن صفة محمد ﷺ . فأَنكروا أَن في التوراة والإِنجيل شيئا يدل على نُبُوَّتِه. فَبيَّن الله في الآية السابقة: أَن شهادة الله على صحة نبوته، كافية في ثبوتها وتحققها.

стр. 1236

ثم بَيَّنَ في هذه الآية. كَذِبَهم في ادعائهم أَنهم لا يعرفون محمدا ﷺ فهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أَبناءَهم. فقد رُوِيَ أَن النبي ﵊ لما قدم المدينة، وأسلم عبد الله بن سلام. قال له عمر: إِن الله أَنزل على نبيه بمكة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ … ﴾ الآية. فكيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله بن سَلَام: يا عمر، لقد عرفتُه - حين رأيتُهُ - كما أَعرف ابنى. ولأَنا أَشدُّ معرفة بمحمدٍ مني بابني. فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال: أَشهد أَنه رسول الله حقًّا. ولا أَدرى ما تصنع النساءُ. والمعنى: الذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يعرفون محمدا النبىَّ الأُمىَّ خاتم الرسل بحليته ونعته الثابت في التوراة والإِنجيل، معرفةً مستيقنة، كما يعرفون أَبناءَهم بحلاهم ونعوتهم. ولو أَنهم كانوا مؤمنين بالله والكتاب الذي معهم، لآمنوا بمحمد وبالكتاب الذي معه. ولكنهم كتموا شهادة الحق: بَغْيًا وحَسَدا. فخرسوا ولم ينطقوا. أَو نطقوا: كَذِبًا وبهتانا. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بإِفسادهم فطرتهم التي تهديهم إلى الحق، وإعراضهم عن دلائل النبوة. ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بسبب ذلك؛ بسبب فقدان العلم والمعرفة. لأن الله أَخبر عنهم: أنهم على علم ومعرفة. ٢١ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ … ﴾ الآية. أَفادت هذه الآية: أَنه لا يوجد أَظلم ممن اختلق الكذبَ على الله، أَو كذَّب بآياته. فأَما اختلاق الكذب على الله: فهو كزعمهم. أن الملائكة بنات الله، وأن لله شركاءَ يُعْبَدُونَ معه. وأَما تكذيبهم بالآيات: فهو شامل لما حدث منهم من تكذيبهم بآياته المنزلة كالقرآن، أَو بآياته الكونية الدالة على وحدانيته أو التي يؤيد بها رسله

стр. 1237

ثم بَيَّنَ سبحانه، عاقبة الظالمين وسوءَ منقلبهم فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: أَي إِنَّ شأْن الله - في تدبيره - أَنه لا يفلح الظالمون. فلا ينتصرون في دنياهم، ولا ينجون من العذاب في أُخراهم. وإذا كان هذا حال الظالمين ومآلهم، فكيف تكون عاقبة من افترى، على الله الكذب وكذب بآياته، فكان أَظلم الظالمين، وأَبعد الناس عن رحمة رب العالمين. ٢٢ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: أَي: واذكر لهم - أَيها الرسول - يوم نحشرهم جميعا، على اختلاف درجاتهم في ظلم أَنفسهم وظلم غيرها. ثم نسأَل الذين أَشركوا - وهم أَشد الناس ظلما - أَين الشركاءُ؟ - سؤال تقريع وتشهير - الذين كنتم تزعمون في الدنيا. أَنهم أَولياؤكم من دون الله، وأَنهم يقربونكم إِليه زلفى، ويشفعون لكم عنده؟ فأين هم؟ لقد ضَلُّوا عنكم وخاب أَملُكم في شفاعتهم. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (١). ٢٣ - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: يتلفت القوم إِلى الشركاءِ، فلا يجدون أَثرا. ويخيل إِليهم - من ضلالهم - أَن فتنتهم وكفرهم الذي لزموه مدة أَعمارهم، وافتخروا به - قد اختفى. وأَنهم لن يؤخذوا بهذا الجرم الذي لا يقوم شاهد وجوده. فيقولون - كذبا وبهتانا -: والله ربنا ما كنا

стр. 1238

مشركين … ليفروا بذلك من الموقف الرهيب: تَوهُّمًا منهم، أَن ذلك يُفْلِتُهُم؛ ولا سيما أَنهم رأَوا سعة رحمة الله، وشفاعة رسولِ الله ﷺ للمؤمنين. قال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأَهل الإِخلاص ذنوبهم. ولا يتعاظم عليه ذنب أَن يغفره. فإِذا رأَى المشركون ذلك، قالوا: إن ربَّنا يغفر الذنوب. ولا يغفر الشرك. فتعالَوْا نَقُل: إِنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله تعالى: أمَا إذ كتموا الشرك - فاختِمُوا على أفواههم فيختم على أفواههم. فتنطق أَيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون فعند ذلك، يَعْرِف المشركون: أَن اللهَ لا يُكْتَمُ حديثا. فذلك قوله: ﴿ … وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (١). قال أَبو إسحاق الزجاج: تأْويل هذه الآية لطيف جدا. وذلك أَنه تعالى، بَيَّنَ كَوْنَ المشركين مفتونين بشركهم، متهالكين في حبه. فذكَر أَن عاقبة كفرهم الذي لزموه أَعمارهم وقاتلوا عليه، وافتخروا به وقالوا: إِنه دين آبائنا، لم يكن حين رأَوا الحقائق - إلا أَن تبَرَّأوا من الشِّرْكِ، وأَقسموا على عدم التدين به. ونظير هذا في اللغة: أَن ترى إِنسانا يحب شخصا مذموم الطريقة. فإذا وقع في محنة بسببه تَبرَّأَ منه. فيقال له: ما كانت عاقبة محبتك لفلان: إِلا أَن تبرَّأْتَ منه وتركته. ٢٤ - ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية. هذا تعجيب من قولهم المفضوح، وكذبهم الصريح، بنفي أنهم أَشركوا في الدنيا على حين أَن حقيقة إِشراكهم معروفة لربهم. وإِن كذبوا على أَنفسهم بنفيها. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من أُلوهية أَصنامهم، وشفاعتها لهم. فلم يكن لذلك اعتبار في نفوسهم، حين أَقسموا متبرئين من شركهم.

стр. 1239

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾. المفردات: ﴿أَكِنَّةً﴾: الأكِنَّة، الأغطية. جمع كنان. ﴿وَقْرًا﴾: الوقر بالفتح؛ الثِّقل في السمع، يقال: وَقَرَت ووَقِرَت أُذنُه من باب تَعِب ووعد: صَمَّت وثَقُل سمعها. ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾: يخاصمونك وينازعونك. ﴿أَسَاطِيرُ﴾: أباطيل. ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يبعدون عنه. التفسير ٢٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا … ﴾ الآية. بيان لما صدر عن المشركين في الدنيا، من أمور منافية للإيمان، معبرة عن تعمقهم في الكفر. جاء في سبب نزول هذه الآية، ما رُوِيَ عن ابن عباس. قال: حضر عند النبي ﷺ ، أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، والحرث بن عامر، وأبو جهل

стр. 1240

في جمع كثير. واستمعوا إلى النبي ﷺ . وهو يقرأ القرآن. فقالوا للنضر يا أبا قتيلة (١)، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعل الكعبة بيته، ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين. مثل ما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية - وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى. يحدث قريش بما يستملحونه - قال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول محمدًا حقًا. فقال أبو جهل: … فأنزل الله الآية. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: أي ومنهم من يستمع إليك أيها الرسول، استماع استعلاء وانتقاد، لا استماع تدبر وانقياد حيت تتلوا القرآن: داعيًا إلى توحيد الله. ولهذا قد جعلنا على قلوبهم أغطية من الكبر والعجرفة ونعرة الجاهلية. فلم تعد تبلغ كلمات الله مواطن القبول في قلوبهم، ولا تنفذ أسماعهم، لأنهم لا يريدون إلا ذلك. وفي هذا تشبيه للحجب والموانع المعنوية، بالحجب والموانع الحسية. فالقلب الذي لا يقبل الحق ولا يتدبره، كالوعاء الذي وضع عليه الغطاء فلا يدخل فيه شيء. والآذان التي لا تنتفع بما يصل إليها من نصائح، كالآذان المصابة بالثقل والصمم فسمعها وعدمه سواءٌ. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾: أي وإن يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك، وصدق دعوتك، لا يؤمنوا بها عنادًا واستكبارًا، مع وضوح حجتها، وظهور الحق فيها؛ لأن قلوبهم وأسماعهم مستغرقة في أنانيتهم وعنجهيتهم، فلا تستجيب للإيمان، ولا تتقبل الهدى.

стр. 1241

﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي بلغ عنادهم إلى وقت مجيئهم إليك مجادلين منكرين الحق. حيث يقولون: ما هذا الذي جئتنا به، إلا أباطيل السابقين وخرافاتهم: نقلتها ألينا من كتبهم. فلم يكن مجيئهم للنبي ﷺ ، طلبًا للحق، أو تعرفًا على خير، بل للمحاكة والمجادلة، لأنهم لم يتقبلوا ما في القرآن من أنباء الغيب، إلا على أنها حكايات وخرافات، تُسَطَّرُ وتُكْتَبُ. كغيرها. وذكر نعتهم بالذين كفروا، وأظهر الفاعل ولم يضمره في ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تقريرٌ لكفرهم، لإيغالهم وغلوهم في اللدد واللجاج. ٢٦ - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ … ﴾ الآية. أي وأولئك المشركون الكافرون المعاندون للنبي، الجاحدون لنبوته، لم يكتفوا بتكذيبهم وإعراضهم عن الدين الذي جاء به، وإنما تجاوزا ذلك إلى صد غيرهم، والوقوف في وجه من يطلبون الهدى منه. هم يبالغون في مقاطعته والنأي عنه: مستكبرين عن الإيمان به. ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أي وما يهلكون أحدًا بهذا التصرف الأحمق، والجحود المطلق - إلا أنفسهم، حيث أوردوها موارد الدمار والبوار. وما يشعر هؤلاء الجانون على أنفسهم تلك الجناية - أنهم إلى هذا المصير سائرون، لما استولى عليهم من غفلة، وما غشيهم من ضلال. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾.

стр. 1242

المفردات: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾: حُبِسُوا عليها يوم القيامة. ومن معاني الوقف: الحبس. ﴿بَدَا لَهُمْ﴾: ظهر لهم. التفسير: ٢٧ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا … ﴾ الآية. بعد أن بين سبحانه - في الآيتين السابقتين - حال أولئك المشركين الكافرين الذين يستمعون إلى النبي ﷺ وما يرتل من كلمات الله- ولا ينتفعون بما سمعوا، بيّن -في هاتين الآيتين- بعضَ ما يكون من مآل أمرهم في الآخره. فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾: ﴿لَوْ﴾: شرطيه حذف جوابها، لتذهب النفس في تصوره كل مذهب. وذلك أَبلغُ من ذكره. والمعنى: ولو ترى يا محمَّد أو أَيها السامع، ما يحل بأُولئك المكذبين المعاندين، من الفَزَع الهَوْل، حين يُحبسون على النار، مشرفين عليها - لرأَيت شيئًا مخيفا؛ لا يحيط به الوصف هَوْلًا مفزعا؛ لا تُدْرِكُه العباره. وحين يعاينون هذه الأهوال، يَتَمنَّوْنَ الرجوعَ إلى الدنيا، الإِيمان بما كذبوا به في حياتهم. وفي ﴿عَلَى النَّارِ﴾: ما يُشْعِرُ بأَنهم سيسقطون فيها، وتبتلعهم، وأَنه لا مفر من ذلك. مما يصور لنا مشهدا مخيفا، تقشعر منه القلوب والأبدان. ﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:

стр. 1243

أَي ويقول هؤلاءِ المشركون - وقد تَدَلَّوْا على النار - ليتنا نردُّ إلى الدنيا، حتى نتوب ونعمل صالحا، ولا نكذِّبَ بآيات الله وحججه، التي نَصَبها دلالة على وحدانيته وصدقِ رسله بل نكون من المصديقين به وبرسله، ومن المتبعين لأَمره ونهيه. وفي تَمَنِّيهم الرد، دليل على أَنهم يلجأُون حتى إلى المستحيل، وهو عودتهم إلى الدنيا، لشدة الضيق والحرج الذي هم فيه. ٢٨ - ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ … ﴾ الآية. إبطالٌ لأَمانيّهم وَتيئيس لهم منها؛ لأنها أَمان ناشئة عن الفزع والهلع، من هذا الموقف الذي هم فيه، حين ظهر لهم ما كانوا يُخفون من البعث والجزاءِ، حيث كانوا ينكرون ذلك. ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾: من الشرك والكفر، والمكر والمعاصي، لسوءِ ما فطروا عليه من سوءِ طويه، وخبث نية، ودعوى جاهلية. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: فيما تضمنه تمنيهم من الوعد بترك التكذيب بآيات الله، والإيمان بالله ورسله؛ لأنهم لم يكونوا صادقين في ادعائهم الإيمان بعد رجوعهم إلى الدنيا، وإنما دفعهم إلى هذا، ما شاهدوه من الأَهوال والشدائد، والبعد عنها بأَية وسيلة. ومعنى هذا أَن الكفر فيهم غريزة. ٢٩ - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾: أي لو رُدُّوا إِلى الدنيا، لعادوا لِمَا نُهُوا عنه من الكفر وسَىِّءِ الأَعمال، ولأَنكروا البعث والحساب والجزاءَ مره أُخرى. وكأَنهم لم يَرَوْا ما عاينوه من أَحوال الآخرة، التي أَولها البعث والنشور.

стр. 1244

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾. المفردات: ﴿جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾: الساعة؛ القيامة. ﴿بَغْتَةً﴾: فَجْأَة. ﴿يَا حَسْرَتَنَا﴾: الحسرة؛ الندم الشديد على ما فات. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾: التفريط؛ التقصير. ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾: آثامهم الكبيرة. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: اللعب واللهو كلاهما؛ الاشتغال بما لا يفيد العاقل ولا يهمه. التفسير: ٣٠ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ … ﴾ الآية. وهكذا، تتوالى المشاهد يوم القيامة. فمن مشهد الحشر والمحاكمة: " ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ إلى مشهد الحكم في جنايتهم التي جَنَوْها على أَنفسهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ … ﴾ إلى المشهد الذي يتضمن إتمام المحاكمة.

стр. 1245

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: أي ولو ترى - أَيها التأَمل - هؤُلاءِ المعاندين المكذبين - وقد حبسوا على ما يكون من قضاء ربهم فيهم - لَهَاَلكَ أَمرُهم، ولرأَيت ما لا يحيط به نطاق الكلام. وجعلهم موقوفين على ربهم؛ لأَن من تَقِفُهم الملائكه وتحبسهم في موقف الحساب، امتثالا لأَمر الله فيهم كما قال: "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ" (١) يكون أَمرهم مقصورا على الله حيث لا سلطان فيه لغيره ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٢). فهم وقد انتهى بهم المطاف إلى ما لا يحيط به الوصف لن يقتصر أَمرهم على ما هم فيه من بلاءٍ وعناءٍ بل يُسأَلون سؤَال تأَنيب وتبكيت. ﴿عَلَى رَبَّهِمْ﴾: (عَلَى) هنا؛ بتقدير مضاف، أَي وقفوا على تعذيب ربهم، وما أَعدَّ لهم. ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾: القائل هو الله تعالى أَي أَليس هذا الجزاءُ - وما أَنتم فيه - هو الحق الذي كنتم به تُكَذِّبون؟ وفي حسره أَليمة وندم شديد: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾: أَي قالوا: أَي ما نحن فيه من الشدائد والأَهوال، حق نستحقه، ولا شك فيه. وهكذا كان جوابهم … اعترافًا مؤَكدًا - باليمين - بما أَنكروه في الدنيا. وبذلك شهدوا على أَنفسهم أَنهم كانوا كافرين. ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: أَي فباشروا العذاب، وانغمسوا في آلامه وأَهواله، بسبب كفركم الذي كنتم عليه مُصِرِّينَ عليه، دائبين فيه. وفي المشهد السابق ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾: وهنا وقفوا على غضب ربهم، ما يدل على أَن غضب الله، آلم من نار جهنم، فلو لم يكُن منه إلا حِرْمَانُهم من رؤيته والتمتع برضوانه، لكفى.

стр. 1246

٣١ - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ … ﴾ الآية. أَي قد خَسِر وخاب سَعْىُ أُولئك الكفار، الذين كَذَّبُوا بالبعث، وانكشف لهم ما كانوا فيه من غفله وضلال. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾: أَي ما زال هؤُلاءِ مُصِرِّين على التكذيب، إِلى أَن جاءَتهم الساعة - فجأَة - على غير انتظار. ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾: أَي قالوا متحسرين بأُسلوب النداء؛ للإِشاره إلى شدة وَقْع المفاجأَة عليهم. ولذا نادوا الحسره: نداءً تفجُّع. وقالوا: إن كان لك وقت فهذا وقتك، حيث قد فَوَّتوا على أَنفسهم العمل بما كان ينجيهم من أَهوال هذا اليوم، والضمير في (فِيهاَ) يعني: الحياة الدنيا. ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾: أَي يحملون ذنوبهم وخطاياهم على ظهورهم. وفي هذا إِيماءٌ إِلى شدة ما يقاسونه من صنوف العذاب. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾: أَي بئس ما يحملون. والمراد: ذم عملهم الذي ارتكبوه في الدنيا، حيث لم ينتفعوا به، بل أَوصلهم إِلى الهلاك. ٣٢ - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ … ﴾ الآية. أَي وما اشتغال المكلَّف بِمُتَعِ الحياة الدنيا، وصرف قواه إِلى لَذَّاتها - دون الالتفات إلى شئون الآخرة - إِلى اشتغال بما لا نفع فيه.

стр. 1247

وإِنما تكون الحياةُ الدنيا جادةً مفيده، إِذا التفَتَ فيها أَصحابُ العقول، إِلى العمل الطَّيب المثمر؛ الذي يجمع بين سعادَتَى الدنيا والآخرة. ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: أَي ولَلحياة الآخرة: أَكثر نفعا، وأَعظم أَجرًا للذين تركوا المعاصي في الدنيا، وعملوا لنيل الثواب في الآخرة، التي هي الغاية، والدنيا وسيلة لها. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أَي أَتغفلون عما في الآخرة من ثواب ونعيم، فلا تعقلون أَن الانصراف إلى الدنيا مُهِلك، وأَن العمل للآخرة والإِقبال عليها، هو السعادة والنجاة؟ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾. المفردات: ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾: الحُزْنُ؛ الشعور بالأَلم عند وقوع مكروه. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: الجحود والجحد؛ نفى ما في القلب إِثباته أَو إِثبات ما في القلب نفيه. ﴿لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾: المراد من كلمات الله؛ وعده للمؤمنين، ووعيده للكافرين. ﴿نَّبَإِ﴾: النبأُ؛ الخبر ذو الشأْن العظيم.

стр. 1248

﴿كَبُرَ عَلَيْكَ﴾: أَي شَقَّ عليك. ﴿نَفَقًا﴾: النَّفَق؛ السِّرْب في الأِرض، وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج. ﴿أَوْ سُلَّمًا﴾: السُّلَّم؛ الدَّرَج مشتق من السلامه؛ لأَنه يُسْلِمُكَ إِلى الوضع الذي تريده. ﴿الْجَاهِلِينَ﴾: الجهل هنا؛ ضد العلم، والمراد منه: الجهل بما ينبغي العلم به. التفسير ٣٣ - ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ … ﴾ الآية. بعد أَن بَيَّنَ القرآن - فيما سلف من الآيات - أنها نزلت في بيان موقف المشركين من الدعوه الإِسلامية، وكثرة ما قالوا في رد هذه الدعوة، جاءت هذه الآيات تُبَيِّنُ أَثرَ هذا العناد في نفس النبي ﷺ ، وحُزْنَهُ على عدم إِيمانهم. فقال بيانًا لذلك، وتسليةً له ﷺ : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ إِلى آخر الآيات … ومعنى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾: أَي قد أَحاط علمنا بِحُزْنِك مما يقوله لك هؤلاءِ المعاندون، وأَنك مشفق عليهم من لَجاجهم وشَططهم. وهذا بيان لعظمة الإِشفاق النبوى الكريم. وتسليه له. فليس المراد الإِخبار بالعلم، فالعلم ثابت لله تعالى. ولكن المراد أَننا معك أَيها الحزين الآسف على كفر قومه وأَهله. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾: لذاتك، فقد كنت الأَمين. ولكن ما يحدث منهم الآن، هو تكذيب لنا؛ لأَنك رسولُنا ومُبلِّغُ عنا. ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أَي ولكنهم - بعدم الاستجابة لآيات الله - قد بلغوا الغاية في الظلم والجحود والتَّنَكُّر لك والافتراءِ عليك.

стр. 1249

٣٤ - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ الآية. هذه الآية من تمام تسلية النبي ﷺ ببيان ما عاناه الرسل السابقون: بالدعوة، حتى جاءَهم نصر الله، واستقر الأَّمر لهم: بإِهلاك أَقوامهم. فإن عموم البلوى مما يعين على احتمالها. فاصبر كما صبروا، حتى يأْتِيَك النصر. فإِن شأنك كشأْنهم. ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: أَي، إِن كلمات الله لا تُبدَّل، وأَحكامَه لا تُنْقَض، ووعدَه لا يَتخلَّف وسننه ونواميسَه لا تتخلف. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١). ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾: أَي ولقد أَتاك من أَخبار الرسل، ما تَسْكُن به نفسك، ويطمئن به قلبك، ويَثْبُتَ به فؤادُك: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ … ﴾ (٢). ٣٥ - ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ … ﴾ الآية. ومع ذلك يا محمَّد، إِن كان نفورهم وإِعراضهم، شاقًّا على نفسك، بتزايد ويكبر أَثره شيئًا فشيئا، أَي، ولو يَشْفِكِ ما سقناه لتسليتك فَالْتَمِسْ ما في طاقتك لإِيمانهم - مهما استحال - نَفَقًا في الأَرض، أَو سُلَّمًا في السماءِ، لتهديهم بآية فعالة في نفوسهم. فافعل. وقد آتيناك من الآيات، ما يكفي لإيمان من ألقى السمع وهو شهيد: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ … ﴾ (٣).

стр. 1250

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: أَي ولو شاءَ اللهُ هدايةَ الناس جمعيا، لجمعهم على ذلك. ولكن لم يُرِدْ ذلك، لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو. ففي علمه الأَزلى: أَن فريقا منهم يختار الكفر، ولو جاءَتهم كلُ آية. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: أَي فلا تَذهبْ نفسُك عليهم حسرات، لعدم إِيمانهم حتى لا تكون من الجاهلين، الذين يشتد حُبُّهُم وحنانُهم بذويهم وأَهليهم إلى هذا الحد. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).

стр. 1251

﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾. المفردات: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾: الاستجابة، هي الإجابة المقارنة للقبول. ﴿وَالْمَوْتَى﴾: المراد بهم، الكفار، تشبيهًا لهم بالموتى. التفسير ٣٦ - ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: لمَّا بيَّن الله - في الآية السابقة - إعراض المشركين عن الرسول، وأن إعراضهم كبر عليه ﷺ ، أتبع ذلك بيان السرّ في إعراضهم. وهو شَبَهُهُم بموتى القبور. وذكر أن هؤلاء المعرضين سيلقون جزائهم. والمقصود من ذلك: تسلية الرسول ﷺ ، ووعيد الكافرين به. ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾: المعنى: ما يجيبك يا محمد إلى الهدى، ويقبل منك شريعة الإسلام، إلا الأحياء الذين يسمعون سماع تدبر واعتبار. وهؤلاء المشركون الذين يجيبوك، ولم يهتدوا بهديك، يشبهون الموتى؛ لفقدهم ما يميز الأحياء عن الأموات، من السماع والتدبر. ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: الواو للاستئناف وجوبًا ولزم الوقف قبلها. والمعنى: والموتى يحييهم الله يوم القيامة. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: للحساب والجزاء، فلا يشق عليك إعراضهم وأمرهم إلى الله الذي سيتولى عقابهم حين يبعثهم.

стр. 1252

ولا يصح أَن يراد من بعث الكفار هدايتهم - كما قيل - فإِن ذلك لا يناسب قوله تعالي: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: فإِن ذلك لوعيدهم بالجزاءِ على كفرهم. لأَن هذا هو الأَنسب لمقام الكلام. وهذه الآية مقرِّرة لما مَرَّ في السورة، من أَن المشركين أَمعنوا في الإِعراض إِمعانا، جعل على قلوبهم أَغطية مانعة لها من الفهم. وفي آذانهم حجبا تضع فيها وقرا - أَي ثقلا - مانعا من السماع. كما أَنها تفيد أن مَن لم يستجب إِلى دعوة الإِسلام، فهو من قبيل الموتى - والموتى لا يتصور منهم الإِيمان. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾. المفردات: ﴿لَوْلَا﴾: حرف يدل على الحثِّ والتَّحضيض مِثْل: هلَّا. ﴿نُزِّلَ﴾: المقصود من التنزيل، الإِظهار. ﴿آيَةٌ﴾: الآية، العلامة، والمراد بها هنا: معجزة كونية تلجئهم إِلى الإِيمان. كجعل الصفا ذهبا … وسنوضح ذلك. ﴿دَابَّةٍ﴾: الدابة؛ ما يدب على الأَرض، أي يمشي على هيئته. ﴿أُمَمٌ﴾: جمع أمة بمعنى؛ جماعة.

стр. 1253

التفسير ٣٧ - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ … ﴾ الآية. لا يزال الكلام موصولا في شأن تكذيب المشركين للرسول ﷺ ، وعدم استجابتهم إِلى ما دعاهم إِليه. تحكى هذه الفقرة: أنهم طلبوا منه أَن يأتيهم بآية يُنَزِّلها الله ويظهرها، على حسب هواهم، فقالوا - على أَلسنة رؤسائِهم - هَلَّا أُنزل عليه آية من ربه، تلجئنا إلى الإِيمان برسالته؟ ويعنون بها ما حكته سورة الإِسراءِ: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ (١). والمتأَمل في تلك المطالب وأمثالها، يحسُّ أن الباعث عليها هو التعنت والعناد، لا الاهتداء إلى الحق. فلو كانوا طلاب حق، لكفاهم ما أَيده الله به من معجِزة القرآن " … ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ " (٢). وكما أَيده الله بالقرآن، أيده بكثير من المعجزات الكونية: كانشقاقِ القمر، وحَنِين الجذع، وإنزالِ المطر، ورَفْعِه، وتكثير الماء والطعام. إلى غير ذلك، مما روَته السنَّةُ الصحيحة. وقد بين الله للرسول ﷺ ، ما يجيب به المشركين بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قل يأَيها الرسول لقومك: إن الله قادر على تحقيق الآية التي طلبتموها ولكن أكثرهم ليس من أَهل العلم والعقل، فلذا غفلوا عن الحكمة في عدم تحقيق ما سألوا، وهي أَنه تعالى لم يشأ إهلاكهم، فإنه إِن حققها فكفروا - بعدها - أُهْلِكوا جميعًا كما حدث للأمم قبلهم …

стр. 1254

ونَفْيُ العلم عن أكثرهم: إمَّا لأن بعضهم يعلمون الحكمة في عدم تحقيق ما يقترحون، ولكنهم يشاركونهم فيما طلبوا عنادا، وإِما لأن الأكثر، مرادٌ منه: الجميع. ٣٨ - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ … ﴾ الآية. هذه الآية مسوقة للدلالة على كمال قدرة الله وشمول علمه، وسعة تدبيره وحكمته. حتى تعلم قريش: أن مَن كان هذا شأنه: قادر على تحقيق ما طلبوه، وإِن كان لم يجبهم إليه، رحمةً بهم. والدابة: ما يدب ويتحرك على وجه الأَرض من الحيوان. والتعبير بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾: لتأكيد العموم (١)؛ كأَنه قيل: وما نوع من أَنواع الحيوان -، أَو الأَسماك - صغيرًا كان أَو كبيرًا - في أَية ناحية من نواحى الأَرض - ظاهرها وباطنها -. ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: ووصف الطائر بأَنه يطير بجناحيه مع أَن هذا شأنه، لتصوير حالة طيرانه العجيبة الدالة على كمال قدرة الله وإِحكام تدبيره. حتى يتجه النظر والفكر إِليها. فيمجد الله الذي أَبدعها. والمقصود من قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: بيان أَن حيوانات الأرض والبحر، وطيور الجو، إِنما هي جماعات وطوائف، لها مثل مالنا من الخصائص في الجملة. فالنمل - مثلًا - أمَّة أَرضية: لها تدبيرها في السعى على رزقها، وجمعه من أجحارها، استعدادًا لفصل الشتاءِ، لتقتات به وهي مختبئة فيها طول الفصل. كما أن لها أَميرةً منها، تُوَجِّهُها وتنظم مصالحها. ولها لغة تتفاهم بها. كما يدل على ذلك قوله تعالى في سورة النمل: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢). وقد فهم سليمان ﵇ لغتها: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا … ﴾ (٣) الآية.

стр. 1255

النحل: أُمَّةٌ جوية. لها رئيسة يطلق عليها لغة: "اليعسوب" وهذه الأَميرة تُوَجِّهُ أمَّتَها من النحل وتدبر أمرها. ولها نظام في السعى على الرزق، وبناءِ بيوت هندسية دقيقة، تجمع فيها العسل، وتحتضن البيض، حتى تخرج منه صغارها، ثم ترعاها حتى تفسير نحلا. إِلى غير ذلك من شئونها العظيمة الدالة على قوة إِدراكها. ولذا أَخبر الله تعالى، بأَنها موضع لوحيه وإِلهامه فقال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (١). وهكذا، شأن سائر الحيوانات الأَرضية والبحرية، والطيور الجوية. فالآية فتحت آفاقا من العلم عن أُمم أُخرى: لها خصائص تقرب من خصائصنا. ظلت مجهولة، حتى عرفها الباحثون أَخيرا، عن طريق التجربة ﴿ … فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢). ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. تفريط الشئ. تضييعه وتركه. كما قال الشاعر: معه سقاءٌ لا يفرط حمله* والتفريط فيه: أَن يهمل ما ينبغي أَن يكون فيه. والمعنى: ما أَهملنا فيه شيئًا ينبغي ذكره فيه. والمراد من الكتاب: اللوح المحفوظ، أَو القرآن الكريم. وعلى الأَول، تكون جملة. ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ متوسطة (٣) للإِيذان بأن كل الأحوال مستقصاة في اللوح الحفوظ، غير مقصورة على هذا القدر المجمل. وعلى الوجه الثاني. تكون الجملة متوسطة، لتقرير ما قبلها على معنى: ما تركنا في القرآن شيئًا من الأشياء الهامة في الدنيا والدين. ومن جملتها: بيان أنه تعالى، مراعٍ لصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغي.

стр. 1256

ثم بين الله أحوال الأُمم في الآخرة فقال: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾: استعمل ضمير العقلاءِ في كلمتي: ﴿رَبِّهِمْ﴾ و ﴿يُحْشَرُونَ﴾ في دواب الأَرض وطيور الجو، إجراءً لها مجرى العقلاءِ، بعد بيان أنها أمثال الناس في نظم حياتها. والمعنى: ثم - إلى ربهم ومالك أُمورهم - يحشرون كما يحشر الناس، فينصف بعضهم من بعضهم بموجب ما لديهم من إدراك. وفي ذلك يقول النبي ﷺ : "لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى في يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشاةِ القَرْنَاءَ" (١). وعن ابن عباس: حَشْرُ الدواب والطير؛ مَوْتُها. والأَول أَصح، لظاهر الآية والحديث. وبه أخذ أبو ذر وأبو هريرة والحسن وغيرهم. وقال جماعة: هذا الحَشْر الذي في الآية، يرجع إلى الكفار، وما تخلل من كلام، فهو معترض، وإِقامة حجج. والحديث مقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب، والقصاص، والاعتناء فيه. حتى يفهم منه: أَنه لا بد لكل أَحد منه. وصح القرطبي الأول، لصراحة الحديث. وقال: إنها - وإِن كان القلم لا يجرى عليها في الأحكام - ولكنها تؤاخذ فيما بينها. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾. المفردات ﴿صُمٌّ﴾: جمع أصم، وهو، من ثَقُل سمعه.

стр. 1257

﴿وَبُكْمٌ﴾: جمع أَبْكَم، وهو؛ الأخرس، وخصه بعضهم: بمن وُلد لا ينطق ولا يسمع ولا يبصر. ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: المراد بها؛ ظلمات الجهل والعناد. التفسير ٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ … ﴾ الآية. المراد بالآيات: القرآن الكريم، أَو جميع الحجج، ويدخل فيها القرآن الكريم. والمعنى: والذين جحدوا بآياتنا، ولم يهتدوا بهداها، مثلهم كمثل: الصم الذين لا يسمعون، الْبُكْم الذين لا يتكلمون، الذين احتوتهم الظلمات فلا يبصرون. فكيف يهتدى هؤلاءِ إلى سواءِ السبيل - وحالهم ما ذكر -؟!. ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: هذه الجملة مقررة لما سبق من حالهم، مفيدة أنهم مقيمون على الضلال فلا يستغرب تكذيبهم. والمعنى: مَن يشإِ الله إضلالَه - لفساد طويته - يَخذُلْهُ، ومَن يشأْ هدايته - لحسن اختياره - يَجعلْهُ على طَريق مستقيم: في العقيدة والأخلاق، ويوفقه لصالح الأَعمال. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾. المفردات: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾: أَخبروني. ﴿السَّاعَةُ﴾: هي القيامة. وسميت بذلك لأَنها تَفْجَأُ الناس في ساعة علمها عند الله، والمراد بها: أهوالها.

стр. 1258

﴿وَتَنْسَوْنَ﴾: وتتركون. التفسير ٤٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: لا يزال الكلام عن المشركين موصولا. والمعنى: قل أَيها الرسول لهؤُلاء المشركين، تبكيتا لهم على عبادتهم غَيْرَ الله تعالى، وإِلزاما لهم بما لا يستطيعون إِنكارَه: أخبروني، إِن أتاكم عذابُ الله في الدنيا، أَو أَتتكم القيامة بأهوالها في الآخرة، وانتقم الله منكم فيها: أغيرَ الله تدعون لكشف الضر عنكم - إِن كنتم صادقين في زعمكم أَن أَصنامكم آلهة، أو إِن كنتم من أَهل الصدق؟! ولما كانت عادتهُم أَنهم إِذا وقعوا في شدة تركوا دعاءَ أَصنامهم واتجهوا إِلى الله تعالى، يدعونه ليكشفها عنهم، لاعتقادهم أنهم إن دعوها لا تجيبهم. وإِن دعوه سبحانه أجابهم، وفرَّجها عنهم. فلهذا تولى الله الإِجابة عنهم بما لا يستطيعون إِنكاره، فقال: ٤١ - ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾: أَي: ليس غيرُ الله تدعون. بل تخصونه - وحده - بالدعاء، فيزيلُ ما تدعونه إلى إِزالته، وتتركون شركاءَكم تركا كليًا، كما روى عن ابن عباس. وقيل: النسيان على حقيقته، فَهُمْ - لشدة الهول وعظيم الخطر - لا تخطر آلهتهم ببالهم. وتأخير نسيانهم لآلهتهم عن كشف الضُّر - مع أنه سابق عليه - لإِظهار كمال العناية بكشف الضر، والإِيذان بترتيبه على دعاءِ الله خاصة. فإِن قيل: إِن العذاب الدنيوي المماثل لعذاب الأمم السابقة وقوارع الساعة، لا يكشفان بالدعاءِ. فالجواب: أَن كشف ذلك معلق بالمشيئة؛ كما نَصَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾:

стр. 1259

ومعلوم أن الله تعالى، لا يَشاء كشفهما. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (١). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾. المفردات: ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: بالداهية والشدة. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: والضُّر. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾: لكي يدعوا الله في تذلل وخضوع. ﴿فَلَوْلَا﴾: بمعنى: هَلَّا. وهي هنا؛ للتوبيخ والتنديم. وسيأْتى لذلك مزيد بيان في الشرح. التفسير ٤٢ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾: هذا كلام مستأنف، لتسلية الرسول ﷺ ، بذكر ما حدث لإِخوانه المرسلين من إِعراض أَقوامهم وعدم تأَثرهم بالزواجر. فإِن البلوى إِذا عَمَّتْ هانت كما أَن فيه إنذارا لقريش بأَنهم إِذا تمادَوْا في شركهم - أُهْلِكوا - كما حدث. لأَمثالهم السابقين.

стр. 1260

والمعنى: ولقد أَرسلنا رسلًا إلى أمم كثيرة، في زمان قبل زمانك، فكذبوهم فعاقبناهم علَى تكذيبهم وكفرهم بالشدائد: كالقحط والجوع، وبالإضرار: كالمرض ونقصان الأنفس والأموال، لعلهم يبتهلون ويتذللون إلى ربهم تائبين من كفرهم ومعاصيهم. ٤٣ - ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: لَوْلَا هنا: للتنديم والتوبيخ على تركهم التضرع، مع وجود مقتضيه وانتفاءِ المانع منه. والمعنى: فَهلَّا - حين جاءَهم بأسنا وشدتنا - ابتهلوا إلينا خاضعين مستغفرين، ولكنهم استمرُّوا في قسوة قلوبهم، فلم ينزجروا بما بلوناهم به، ولم يتوجهوا إلينا بالدعاءِ والاستغفار. وزيَّن لهم الشيطان ما كانوا يعملونه من الشرك والمعاصي، وحَسَّنه إليهم، فأقاموا عليه. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾. المفردات: ﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: تركوا الاتعاظ بما خوِّفوا به، وهو: البأساءُ والضراءُ. ﴿بَغْتَةً﴾: فَجْأَة. ﴿مُبْلِسُونَ﴾: متحيرون، آيسون من النجاة. ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ﴾: فأهلك آخرهم. من دَبَرَهُ، إذا كان خلفه، وقَطْع دابرهم: كناية عن إهلاكهم حتى آخرهم وهذا يستلزم - قبل ذلك - إهلاك أولهم بالضرورة.

стр. 1261

التفسير ٤٤ - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ … ﴾ الآية. فلما غَفَلَ مُكَذِّبو الرسل السابقين، عمّا ذكِّروا وخوِّفوا به من البَأساءِ والضَّرَّاءِ، وتركوا الاتعاظ به، واستمروا في كفرهم وتكذيبهم - فتحنا عليهم أَبوابَ كلِّ شَيْءٍ من النعم، لعلهم يذكرون بها فضل ربهم ويؤْمنون به ويشكرونه، حَتَّى إذا بَدَّلوا نعمة الله كفرا، وفَرِحوا بما أعطوا: بَطَرا وجحودا - أخذناهم بالعقاب فجأَة فإِذا هم متحيرون يائسون. روى الإِمام أحمد بسنده، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "إذا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِى العَبْدَ مِن الدُّنيا - عَلَى مَعاصِيهِ - مَا يُحِبُّ، فَإنَّما هُوَ استِدْراجٌ … ثُمَّ تَلَا رسولُ الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (١). ٤٥ - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: المعنى: فَأُهْلِك القومُ الذين ظلموا أَنفسَهم بالكفر، ولم يَنْجُ منهم أَحد، والحمد لله رب العالمين على إهلاك الظالمين، لتخليص الناس من شؤْم عقائدهم. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾. المفردات: ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: أي غطاها فأصبحت لا تعقل.

стр. 1262

(نُصَرَّفُ الْآيَاتِ): نكرر الدلالات مصروفة من أسلوب إلى آخر. (يَصْدِفُونَ): يعرضون. (عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً): فَجْأة بدون أمارات، أو ظاهرًا تسبقه علامات. التفسير ٤٦ - (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون): قل أيها الرسول لقومك: أخبروني - إن أَذهبَ اللهُ سَمْعَكم وأبصارَكُم، وغَطَّى على قلوبكم، فصرتم لا تسمعون ولا تبصرون ولا تعقلون - أيُّ هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه - يأتيكم بما أخذه منكم؟ … انظر وتعجَّب - يا محمد - كيف نبين - لهم الآيات ونصرفها من أسلوب: ما بين حجج عقلية، وتوجيه إلى آيات كونية، وترغيب وترهيب، وتنبيه وتذكير، ثم هم - بعد ذلك كله - يعرضون عن الحق!! واعلم أن القلوب، تستعمل في القرآن الكريم، مصادر للإدراكات العقلية كما هنا، وكما في قوله تعالى: "لهم قلوب لا يفقهون بها … " (١). والمعروف طبِّيًّا: أن مراكز معينة في المخ، هي موطن العقل. وبما أن القلب هو سر الحياة - وهو الذي يغذى تلك المراكز العصبية العاقلة في المخ - فلذا يسند الفهم والتعقل إليه مجازًا. أو لعله المركز الأول للعقل. ولكن لم يعرف ذلك بعد. والمراد من الخَتْم عل القلوب: حَجْبُهَا ومنعها عن تعقل المدركات المختلفة. والمراد من الآيات التي يصرفها الله: ما جاءَ في القرآن من الآيات الدالة على شئونه تعالى.

стр. 1263

٤٧ - (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون): قل لهم - تبكيتا وتقريرا: أَخبروني؛ إن جاءَكم عذابُ الله في الدنيا - فجأة بدون أَمارات تنبهكم إليه، أو جهرة تسبقه علامات تدل عليه، هل يهلك - انتقامًا بهذا العذاب أو ذاك - سواكم أيها القوم الظالمون لأنفسهم بالشرك والمعاصي؟! ومن كان ظالما، فهو الجدير بتعذيب الله، دون سواه. وصحت مقابلة البغتة للجهرة، لأن البغتة لَمَّا كانت مقدماتها خفية، جعلت بمنزلة الشئ الخفي فقوبلت بالجهرة. وقيل عذاب البغتة: ما كان ليلا، لأَن الغالب فيه ذلك. وعذاب الجهرة ما كان نهارا، لتكون هذه الآية - بذلك التأويل - مثل قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون" (١). والاستفهام في قوله تعالى: (هل يهلك إلا القوم الظالمون) للتقرير. ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾. المفردات: (مُبَشَّرِينَ وَمُنذِرِينَ): التبشير؛ الإخبار بما يسر. والإنذار؛ التخويف مما يضر. (يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ): أي يصيبهم. (يَفْسُقُونَ): يخرجون عن طاعة الله بالكفر والمعاصي.

стр. 1264

التفسير ٤٨ - (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون): هذه الآية - والتي تليها - مرتبطتان باقتراح المشركين علي الرسول: الآيات التي يشير إليها قوله تعالى: "وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه … " (١). والمعنى: وما نبعث المرسلين إلا مبشرين للمؤْمنين الصالحين بحسن الثواب، ومنذرين للمكذبين الفاسقين بسوءِ العقاب، لا ليُقْترَحَ عليهم غيرُ ما جاءوا به من الآيات. فمن آمن بالله ورسله، وأصلح نيته وعمله، حسب شرائعهم، فلا خوف عليهم من عقاب، ولا هم يحزنون على فوت ثواب. ٤٩ - (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ): والذين كفروا بالمرسلين، وكذبوا بآياتنا التي أنزلناها عليهم، وبمعجزاتِنا الدالة على صدقهم، وشغلوا أَنفسهم باقتراح الآيات عليهم - غير مكتفين بالمعجزات التي أظهرها الله على أيديهم، تعنتا وحسدا وعنادا لهم - فهؤلاء، يصيبهم العذاب - الدنيوي والأُخروي - بسبب استمرارهم على فسقهم، وخروجهم عن طاعة ربهم. ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ المفردات: (خَزَائِنُ اللهِ): المراد بها؛ خزائن مقدوراته؛ كما قال الجبائي. (الْأَعْمَى والبَصِيرُ): المراد بهما؛ الضال والمهتدى.

стр. 1265

التفسير ٥٠ - (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك … ) الآية. قل أَيها الرسول، لمن يقترحون عليك غير ما جئت به من الآيات: أنا لا أدَّعي أن عندي خزائن مقدورات الله أتصرف فيها كما أَشاءُ استقلالا أَو استدعاءً من الله، حتى تطلبوا منى أَن أقلب الجبال ذهبا وأَن أفجر الينابيع من الأرض، لتزرعوا على مياهها صحراءَكم، إلى غير ذلك من اقتراحاتكم - فذلك من شأن الله الذي لا يتحكم عليه أحد، فيقترح عليه من الآيات ما لا تبدوا حكمة في تحقيقه. وكذلك لا أَدعى علم الغيب، حتى تطالبوني بإِخباركم بوقت نزول العذاب بكم بقولكم: " … متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" (١). ولا أَقول لكم إني مَلَكٌ حتى تطالبوني بأَن أَرْقَى في السماء كما هو شأن الملائكة، أو تَعُدُّوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في نُبُوَّتِي، فإنكم قلتم: " .. ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق … " (٢) وما أنا إلا نبي: أَتبع ما أوحاه رَبَّي إلىَّ. فلا تطلبوا مني ما ليس من شأني. (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون): قل لهم أيها الرسول: لا يمكن أن يستوي الضال الشبيه بالأَعمى - في عدم تبين الحقائق - بالمهتدى الشبيه بالمبصر في استجلاءِ الأُمور … أتسمعون هذا التذكير فلا تتفكرون فيه؟! واعلم أنه ليس من الحكمة أن يجاب المتعنتون إلى ما سأَلوا، فإنهم لا يؤمنون، ولو جاءَتهم كل آية. قال تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" (٣). فضلا عن أنهم - إن لم يؤمنوا بما طلبوه بعد مجيئه، حق عليهم الهلاك، كما حدث لمن قبلهم. كقوم صالح. ولا يقتضي تمييز الملائكة بقدرتهم على الرقى في السماء كلما أَرادوا، أو تمييزهم بأَنهم لا يأكلون، ولا يشربون: أن يكونوا أفضلَ من الأنبياءِ، كما زعم الجبائي، فالمزية لا تقتضى الأفضلية، وإلا لكان بعضُ الحيوان أفضلَ من الإنسان، بما تميز به عليه، كالنحل
следующие страницы →