← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

التفسير ٤٤ - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ … ﴾ الآية. فلما غَفَلَ مُكَذِّبو الرسل السابقين، عمّا ذكِّروا وخوِّفوا به من البَأساءِ والضَّرَّاءِ، وتركوا الاتعاظ به، واستمروا في كفرهم وتكذيبهم - فتحنا عليهم أَبوابَ كلِّ شَيْءٍ من النعم، لعلهم يذكرون بها فضل ربهم ويؤْمنون به ويشكرونه، حَتَّى إذا بَدَّلوا نعمة الله كفرا، وفَرِحوا بما أعطوا: بَطَرا وجحودا - أخذناهم بالعقاب فجأَة فإِذا هم متحيرون يائسون. روى الإِمام أحمد بسنده، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "إذا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِى العَبْدَ مِن الدُّنيا - عَلَى مَعاصِيهِ - مَا يُحِبُّ، فَإنَّما هُوَ استِدْراجٌ … ثُمَّ تَلَا رسولُ الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (١). ٤٥ - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: المعنى: فَأُهْلِك القومُ الذين ظلموا أَنفسَهم بالكفر، ولم يَنْجُ منهم أَحد، والحمد لله رب العالمين على إهلاك الظالمين، لتخليص الناس من شؤْم عقائدهم. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾. المفردات: ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: أي غطاها فأصبحت لا تعقل.

стр. 1262

(نُصَرَّفُ الْآيَاتِ): نكرر الدلالات مصروفة من أسلوب إلى آخر. (يَصْدِفُونَ): يعرضون. (عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً): فَجْأة بدون أمارات، أو ظاهرًا تسبقه علامات. التفسير ٤٦ - (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون): قل أيها الرسول لقومك: أخبروني - إن أَذهبَ اللهُ سَمْعَكم وأبصارَكُم، وغَطَّى على قلوبكم، فصرتم لا تسمعون ولا تبصرون ولا تعقلون - أيُّ هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه - يأتيكم بما أخذه منكم؟ … انظر وتعجَّب - يا محمد - كيف نبين - لهم الآيات ونصرفها من أسلوب: ما بين حجج عقلية، وتوجيه إلى آيات كونية، وترغيب وترهيب، وتنبيه وتذكير، ثم هم - بعد ذلك كله - يعرضون عن الحق!! واعلم أن القلوب، تستعمل في القرآن الكريم، مصادر للإدراكات العقلية كما هنا، وكما في قوله تعالى: "لهم قلوب لا يفقهون بها … " (١). والمعروف طبِّيًّا: أن مراكز معينة في المخ، هي موطن العقل. وبما أن القلب هو سر الحياة - وهو الذي يغذى تلك المراكز العصبية العاقلة في المخ - فلذا يسند الفهم والتعقل إليه مجازًا. أو لعله المركز الأول للعقل. ولكن لم يعرف ذلك بعد. والمراد من الخَتْم عل القلوب: حَجْبُهَا ومنعها عن تعقل المدركات المختلفة. والمراد من الآيات التي يصرفها الله: ما جاءَ في القرآن من الآيات الدالة على شئونه تعالى.

стр. 1263

٤٧ - (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون): قل لهم - تبكيتا وتقريرا: أَخبروني؛ إن جاءَكم عذابُ الله في الدنيا - فجأة بدون أَمارات تنبهكم إليه، أو جهرة تسبقه علامات تدل عليه، هل يهلك - انتقامًا بهذا العذاب أو ذاك - سواكم أيها القوم الظالمون لأنفسهم بالشرك والمعاصي؟! ومن كان ظالما، فهو الجدير بتعذيب الله، دون سواه. وصحت مقابلة البغتة للجهرة، لأن البغتة لَمَّا كانت مقدماتها خفية، جعلت بمنزلة الشئ الخفي فقوبلت بالجهرة. وقيل عذاب البغتة: ما كان ليلا، لأَن الغالب فيه ذلك. وعذاب الجهرة ما كان نهارا، لتكون هذه الآية - بذلك التأويل - مثل قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون" (١). والاستفهام في قوله تعالى: (هل يهلك إلا القوم الظالمون) للتقرير. ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾. المفردات: (مُبَشَّرِينَ وَمُنذِرِينَ): التبشير؛ الإخبار بما يسر. والإنذار؛ التخويف مما يضر. (يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ): أي يصيبهم. (يَفْسُقُونَ): يخرجون عن طاعة الله بالكفر والمعاصي.

стр. 1264

التفسير ٤٨ - (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون): هذه الآية - والتي تليها - مرتبطتان باقتراح المشركين علي الرسول: الآيات التي يشير إليها قوله تعالى: "وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه … " (١). والمعنى: وما نبعث المرسلين إلا مبشرين للمؤْمنين الصالحين بحسن الثواب، ومنذرين للمكذبين الفاسقين بسوءِ العقاب، لا ليُقْترَحَ عليهم غيرُ ما جاءوا به من الآيات. فمن آمن بالله ورسله، وأصلح نيته وعمله، حسب شرائعهم، فلا خوف عليهم من عقاب، ولا هم يحزنون على فوت ثواب. ٤٩ - (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ): والذين كفروا بالمرسلين، وكذبوا بآياتنا التي أنزلناها عليهم، وبمعجزاتِنا الدالة على صدقهم، وشغلوا أَنفسهم باقتراح الآيات عليهم - غير مكتفين بالمعجزات التي أظهرها الله على أيديهم، تعنتا وحسدا وعنادا لهم - فهؤلاء، يصيبهم العذاب - الدنيوي والأُخروي - بسبب استمرارهم على فسقهم، وخروجهم عن طاعة ربهم. ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ المفردات: (خَزَائِنُ اللهِ): المراد بها؛ خزائن مقدوراته؛ كما قال الجبائي. (الْأَعْمَى والبَصِيرُ): المراد بهما؛ الضال والمهتدى.

стр. 1265

التفسير ٥٠ - (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك … ) الآية. قل أَيها الرسول، لمن يقترحون عليك غير ما جئت به من الآيات: أنا لا أدَّعي أن عندي خزائن مقدورات الله أتصرف فيها كما أَشاءُ استقلالا أَو استدعاءً من الله، حتى تطلبوا منى أَن أقلب الجبال ذهبا وأَن أفجر الينابيع من الأرض، لتزرعوا على مياهها صحراءَكم، إلى غير ذلك من اقتراحاتكم - فذلك من شأن الله الذي لا يتحكم عليه أحد، فيقترح عليه من الآيات ما لا تبدوا حكمة في تحقيقه. وكذلك لا أَدعى علم الغيب، حتى تطالبوني بإِخباركم بوقت نزول العذاب بكم بقولكم: " … متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" (١). ولا أَقول لكم إني مَلَكٌ حتى تطالبوني بأَن أَرْقَى في السماء كما هو شأن الملائكة، أو تَعُدُّوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في نُبُوَّتِي، فإنكم قلتم: " .. ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق … " (٢) وما أنا إلا نبي: أَتبع ما أوحاه رَبَّي إلىَّ. فلا تطلبوا مني ما ليس من شأني. (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون): قل لهم أيها الرسول: لا يمكن أن يستوي الضال الشبيه بالأَعمى - في عدم تبين الحقائق - بالمهتدى الشبيه بالمبصر في استجلاءِ الأُمور … أتسمعون هذا التذكير فلا تتفكرون فيه؟! واعلم أنه ليس من الحكمة أن يجاب المتعنتون إلى ما سأَلوا، فإنهم لا يؤمنون، ولو جاءَتهم كل آية. قال تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" (٣). فضلا عن أنهم - إن لم يؤمنوا بما طلبوه بعد مجيئه، حق عليهم الهلاك، كما حدث لمن قبلهم. كقوم صالح. ولا يقتضي تمييز الملائكة بقدرتهم على الرقى في السماء كلما أَرادوا، أو تمييزهم بأَنهم لا يأكلون، ولا يشربون: أن يكونوا أفضلَ من الأنبياءِ، كما زعم الجبائي، فالمزية لا تقتضى الأفضلية، وإلا لكان بعضُ الحيوان أفضلَ من الإنسان، بما تميز به عليه، كالنحل

стр. 1266

في بناء بيوته الهندسية، وإفرازه العسل، وكالطيور في تعَرفها المراعىَ الصالحة، وسلوكِها السبيل إليها بالغريزة، دون أن يخبرها بها مخبر، أو يهديها إليها هادٍ، ودون أن يكون لها اطلاع سابق ورحلة من قبل إليها. ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾. المفردات: (وَأَنذِرْ): الإنذار؛ التخويف. (وَلِىٌّ): ناصِر. (شَفِيعٌ): الشفيع؛ من يرجو رفع ضُر، أو جلب خير لغيره. التفسير ٥١ - (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون): وأنذر - أيها الرسول بما يوحى إليك من القرآن - الذين يخافون أن يُحشرُوا ويجمَعوا إلى حساب ربهم يوم القيامة، ليس لهم من غيره نصير- يحميهم - من حساب ربهم وعذابه - بقوته، ولا شفيع يخلصهم من ذلك بشفاعته ورجائه - أنذر هؤلاء بالقرآن؛ لعلهم يتقون النار بالإِيمان والطاعة. واعلم أَن مَن يخافُ الحَشْرَ إلى الله - وليس له ولى ولا شفيع من غيره تعالى - أَصناف ثلاثة: ١ - صنف أهْل الكتاب: القاطعين بالبعث، الشَّاكَّين في شفاعة أنبيائهم لهم. ٢ - وصنف المشركين: القاطعين بالبعث الشاكين في شفاعة أَصنامهم لهم.

стр. 1267

٣ - وصنف المشركين: الشاكين في البعث وفي شفاعة الأَصنام لهم. فشك هذه الأصناف الثلاثة في شفاعة هؤلاء الشفعاء، يجعلهم إذا سمعوا الإنذار يخافون سوءَ العاقبة يقدرون في نفوسهم ما جاءَ به الرسول. فيفكرون فيما يقول. وربما هداهم التفكير إلى الحق، فآمنوا. أما المنكرون للحشر إِنكارا تاما، والقائلون به: القاطعون بشفاعة آبائهم أَو أصنامهم فهؤلاءِ لا يؤمنون - ولو جاءتهم كل آية - حتى يَرَوُا العذابَ الأليم. كما جاءَ في قوله تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" (١) وقد مرت الإشارة إلى ذلك قريبا. ولكون موقفهم من الرسالة ما ذكر، مِنَ الرسول بالاهتمام بهذه الطوائف، التي تخاف الحشر إلى ربها - دون شفيع - لعلهم يتذكرون. ويستلزم أمر الرسول بالاهتمام بهم، أَلاَّ يكترثَ بمن عداهم، من الصُّم البُكْم: الذين لا يعقلون ولا يهتدون. ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾

стр. 1268

المفردات: (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىَّ): أي بأَول النَّهارِ وآخِرِه. (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ): يريدون ذاته. (فَتَنَّا): ابتَلَيْنَا. التفسير ٥٢ - (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه … ) الآية. لَمَّا أَمر الله رسوله في الآية السابقة - بإنذار من يَخْشَوْنَ أن يُحشَروا إلى ربهم، ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، سواءٌ أكانوا مشركين أَم أَهل كتاب - نهاه عن أن يكون إِنذارهم سببا في طرد المؤمنين الضعفاء - من مجلسه ﵇ طمعا في إيمان هؤلاء. وسبب نزول هذه الآية - على ما رواه الإمام أحمد وغيره: أن رؤساءَ المشركين. قالوا لرسول الله ﷺ : لو طردتَ هؤلاء وأرواح (١) جبابهم، جلسنا إليك وحادثناك: يعنون فقراء المسلمين كعمار، وصهيب، وخبَّاب، وسلمان، وأضرابهم. ﵃ فقال ﷺ : "مَا أنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ" فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا. فإذا قمنا فأقعدهم معك، إن شئت. فقال ﷺ : "نعم" طَمَعًا في إيمانهم، فنزلت. والمعنى: ولا تُبْعِد عن مجلسك ضعفاء المؤمنين: الذين يَدعون ربهم ويعبدونه دائمًا. مخلصين. فلا يشركون في ذلك شركًا: جليا ولا خفيا. بل يريدون وجْهَهُ وذاتَهُ وحده. ليس عليك أيها الرسول من حساب أُولئك المشركين - إذا استمروا على شركهم ومعاصيهم - من شيء. فالحساب على ذلك خاص بهم، لا يتجاوزهم إليك. فلا يحملنَّك الحرص على إيمانهم: أن يبْعَدَ الفقراءُ عن مجلسك معهم، استجابة لرغبتهم. فكما أنه ليس على المشركين من حسابك على عملك شيء، فكذلك ما عليك من حسابهم على عملهم من شيء.

стр. 1269

فلا يحملنَّكَ الحرصُ على إيمان المشركين: أن تطرد فقراء المؤمنين وتُبْعِدَهم عن مجلسك. فتكون بذلك من الظالمين. واعلم أيها القارئُ الكريم: أن الرسولَ ﷺ ، قصد من تخصيص الوقت للمشركين حين يجلسون إليه، تأليف قلوب المشركين، ولم يقصد طَرْدَ المؤْمنين حقيقة. ولهذا لم يَرْوِ أَحَدٌ أن قلوب فقراءِ المؤمنين انكسرت لذلك. وتعبير القرآن الكريم عن تخصيص الوقت للمشركين بأنه طَرْدٌ لفقراء المؤْمنين، يُرَاد منه إظهار كرامةِ المؤمنين على الله دون المشركين حتى جَعل تخصيصَهم بوقت، طرْدًا لهؤُلاء المخلصين … ومعلوم أن النهي عن طرد الضعفاء، لا يلزم فيه سوى جملة (ما عليك من حسابهم من شيء). فنظمه في سلك ما لا شبهة فيه. وهو انتفاءُ أن عليهم من حساب الرسول شيئًا .. على طريقة قوله تعالى: " … لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" (١). والمقصود الأساسي من الآية: أن من كانوا عند الله بهذه المنزلة، لا يجاب المشركون إلى ما طلبوه من طردهم عن مجلسه إِذا كانوا معه. وأنَّ شانَ المشركين عند الله تعالى: غاية في الهوان، فلا يُهْتَمُّ بهم. وفي هذه الآية، دليل على أن الإسلام لا يميز بين الناس بالمال والرياسة، بل بالإيمان والعمل الصالح، وإن كانوا فقراء معدمين، وعلى أن الأُمراءَ مطالبون بإعطاء الفقراء حقهم من مجالس العلم ودوره، وأَلاَّ يمنعونهم عن مجالسة الأَغنياءِ فيها. ٥٣ - (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين): ومثل ذلك الابتلاءِ والفتنة، فتَنَّا المشركين بالمؤْمنين، ليقولوا محتقرين لهم: (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا): كما قالوا محتقرين لدينهم: " … لو كان خيرا ما سبقونا إليه … " (٢).

стр. 1270

(أَلَيْسَ اللهُ بأعْلَمَ بالشَّاكِرِينَ): فيمنحهم من النعم ما يستحقون. فكيف يحقر هؤلاءِ الحاقدون، غَيْرَهم من أهل الاستحقاق لأنعمه سبحانه؟! ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾. المفردات: (بِجَهَالَةٍ): بِسَفَهٍ وسوءِ رأي. (وَلِتَسْتَبِينَ): ولِتَتَّضِحَ. (سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ): طريق أهل الذنوب. التفسير ٥٤ - (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة … ) الآية. هذه الآية الكريمة، ليست خاصة بالمنهي عن طردهم من ضعفاءِ المؤْمنين، كما قيل مرويًّا عن عكرمة رأيًا له. فإن اللهَ مدَحهم فيما سبق - بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي، وهذا لا يتناسب مع الوصف هنا: بأنهم عملوا السوءَ بجهالة. فالحق أنها دستور عام لجميع المؤْمنين المقصرين، إذا ما تابوا وأصلحوا.

стр. 1271

والمعنى: وإِذا جاءَك - يا محمد - الذين آمنوا - وقد أصابوا بعض الذنوب - فقل تبشيرا لهم: سلام عليكم أي مسالمة من الله لكم. وتلك المسالمة، هي أنه تعالى، قضى على نفسه بالرحمة لعباده: تفضُّلًا. وذلك أنه مَن عمِلَ منكم سوءًا أَي ذنبا بجهالة - أي سفه وسوء رأى - فشأنه تعالى: أنه غَفَّارٌ للذنوب، رحيم بعباده. فلا تقنطوا من رحمة الله. واعلم أن هذه الآية الكريمة، فتحت باب الرجاءِ أمام أَهل الذنوب. فعلى كل مذنب أن يراجع نفسه أمام هذا الكرم الإلهي، وأن يرعويَ عن غَيّه ويتوب من ذنبه، ويُقْبلَ على طاعة ربه. ٥٥ - (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين): ومثل ذلك التبيين الواضح، في صفةِ أهل الطاعة وأهل الإجرام - المصِرَّين منهم والأَوَّابين - نُبَينُ سائرَ الآياتِ، لما له من فوائد كثيرة، ولتتضح طريق المجرمين فيتحاشاها الراشدون. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾. المفردات: (تَدْعُونَ): تعبدون. (بَيَّنَةٍ): حجة. (يَقُصُّ الْحَقَّ): يتبع الحكمة.

стр. 1272

التفسير ٥٦ - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ … ﴾ الآية. بعد ما نَهى الله الرسولَ ﷺ ، عن إِبعاد فقراءِ المسلمين عن مجلسه، حين يجلس إليه المشركون تألفًا لقلوبهم، أتبعه بيان رحمته بالمؤْمنين التائبين من ذنوبهم، أَمرَه - سبحانه - في هذه الآية وما بعدها - أن يقطع أَطماع المصِرِّينَ على الشرك في صرفه عن دعوة التوحيد. والمعنى: قل أَيها الرسول للمشركين: إني نُهيت من الله تعالى؛ أَن أَعبدَ معكم الأَصنام التي تعبدونها من دون الله. ثم أَمره الله - في إِيجاز رائع - أَن يبين لهم: أَن عبادتهم إِياها لا تستند إِلى دليل. بل تجرى حسب هواهم، ومن أَتبع الهوى، ضل عن الهدى. فقال: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾: وَبَعُدْتُ عن الحق (وَمَا أنا مِنَ الْمُهْتَدِينَ): إِلى سبيل الرشاد، لو اتبعت منهجكم في عبادة غير الله. ٥٧ - ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ … ﴾ الآية. المراد بالبينة: اليقين؛ كما قال ابن عباس. أو الحجة الواضحة، وهي القرآن. كما قال غيره. والمعنى على رأْى ابن عباس: قل لهم أَيها الرسول: إني على يقين من ربي. وكذبتم به، حيث جعلتم له شركاءً عبدتموها معه. ومَن جعل لله شركاءَ فقد كذب بوحدانيته تعالى، وإِن اعترف بخالقيته. والمعنى على رأْى غيره: قل: إني على حجة من ربي وهي القرآن الذي أَيدنى به، وكذبتم بهذا القرآن، حيث زعمتموه: شِعْرا وسِحْرا، وأَساطيرَ الأَولين. وقد كانوا يستعجلون نزول العذاب الذي توعدهم الله به إِن استمروا على شركهم. ويقولون مستهزئين: ﴿ … مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُنم صَادِقِينَ﴾ (١) فأَمر الله الرسول أَن يقول لهم:

стр. 1273

﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾: أي: ليس من شأْنى ولا في حكمى هذا العذاب الذي تتعجلونه، وتتخذون من تأَخره ذريعة لتكذيب القرآن والصَّدِّ عن الإِسلام. فما الحكم - في شأْنه - تعجيلا وتأْجيلا، وفي جميع الشئون - إِلا لله تعالى على مقتضى الحِكمة في حُكمه وقضائه. وهو خير الفاصلين في قضايا خلقه. وهو يرى الحكمة في إمهالكم فأَمهلكم. ثم أَمره أَن يقول لهم: ٥٨ - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾: قل لهم: لو كان أَمر عذابكم مفوضا إِلىَّ من الله تعالى، لطلبت من رِّبى أَن يعجل به، غضبا لأَجله بسبب كفركم به، ولَقُضِىَ الأمر بيني وبينكم، بإِنزال هذا العذاب بكم، والتخلص من شرككم وكفركم. والله أَعلم بكم أَيها الظالمون، وبما ينبغي لكم من الإِمهال، استدراجًا لكم لتشديد عذابكم إن بقيتم على ظلمكم وشرككم. ولكونه تعالى أَعلم بما ينبغي لكم، لم يفوض أمر عذابكم إلىَّ حتى أَعَجله لكم. ولمَّا أَتَمَّ الله بيان اختصاص القدورات الغيبية به تعالى - من جهة القدرة - أَتبعه بيان اختصاصها به - كذلك - من جهة العلم، فقال سبحانه في ضمن ما أَمر به رسوله أَن يبلغه لقومه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾. المفردات: (مَفَاتِحُ): جمع مِفْتَح أَو مِفتاح - بكسر الميم فيهما، وهو أداة الفتح. والمراد بمفاتح الغيب: أَسباب علمه. ويجوز أَن تكون جمع مَفتح - بفتح اليم - وهو

стр. 1274

مكان الفتح، أَي المكان الذي يُفتحُ، والراد منه: المخزن أَو الخزينة. ويكون المعنى على هذا: وعنده خزائن الغيب. (كِتَابٍ مُّبِينٍ): كتاب بين واضح في ذاته من: أَبان بمعنى اتضح. أَو موضح لغيره؛ من: أَبانه بمعنى أَوضحه، والمراد بالكتاب المبين: علم الله، أَو اللوح المحفوظ. التفسير ٥٩ - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ … ﴾ الآية. المراد من مفاتح الغيب: ما يُتَوَصل به إِلى علم الغيب. ومعنى كونها عنده تعالى: أَنها داخلة تحت علمه. والمعنى المراد من هذه الجملة: أَنه تعالى، اختص بأَسباب علم الغيب كله والطرق الموصلة إِليه … ليس له في العلم بها شريك، وأَكد اختصاصه بالعلم بها بقوله: (لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ): أَي: لا يعلم الأَسباب الموصلة إلى الغيب سواه. ومن كان كذلك فلا يقدر غيره على إبراز الغيب الذي استأْثر سبحانه، بمفاتيحه. ولا يمنع اختصاصه تعالى بمفاتيح الغيب: أَن يمنح بعض خواص عباده شيئًا من علم الغيب - وهم المرسلون - صلوات الله وسلامه عليهم - قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ … ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ … وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ … ﴾ (٢) لأَن العلم الذي اختص به المولى، هو علم الغيب ذاتيا. أَما علم الرسل به فليس كذلك، إِذ هو منحة من الله تعالى لهم، ولولاها لما حصل لهم. التنجيم وأمثاله: عُلِمَ من قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ أَنّ علم الغيب - بالذات - لا يكون لأَحد سوى الله تعالى. وعُلِمَ من آيتى سورتى آل عمران والجن - أَنه قد يُعْلِمُ بعضَ خواصِّ عباده - وهم الرسل - بعضَ الغيب.

стр. 1275

وبذلك يتضح: أَن علم الغيب مقصور على الله ذاتا، وعلى رسله - منحةً وعطاءً - بقدر، فلا يحل لأَحد سواهم، أَن يدعى علمَه بالغيب بل قال العلماءُ: إِنه كافر، لتكذيبه ما جاء في كتاب الله تعالى من اختصاصه - تعالى - بعلم الغيب، إِلا أَن يتفضل ببعضه على من يرتضى من الرسل. أَما ظنُّ الغيب بأمارات: فإِنه ممكن لعباده، فلا يكفر ولا يفسق من يدعيه، كما يحدث من الراصدين لحركات الرياح والشمس والقمر - حين يخبرون بهبوب الرياح بشدة أَو باعتدالها - وبكسوف الشمس يوم كذا، وبخسوف القمر ليلة كذا، وكما يحدث عن علماءِ الفلك حين يخبرون بزمن نزول المطر، أَو نزول درجة الحرارة وصعودها، أَو نحو ذلك، فيقع الأَمر كما قالوا .. وكما يفعَله الأَطباءُ بحكم العادة عندهم، إِذ يقولون: لمن حلمة ثديها الأيمن سوداء: جنينك ذكر، ولمن حلمة ثديها الأَيسر كذلك: جنينك أُنثى، أو يقولون لها: إِن كان جنبك اليمين أَثقل فالجنين أُنثى وإِلا فهو ذكر. فيقع الأَمر كما قالوا، ونحو ذلك، مما يخضع لقواعد علمية، أَو أَمارات ظنية. وأَما العَرَّافون الذين يدعون علم الغيب، كقول أَحدهم لمن يستخبره عن مستقبله: إنك ستكسب كذا، أَو تتزوج فلانة أَو نحو ذلك، فهو كافر كما قاله القرطبى. والمؤمنون منهيون عن إِتيان العرَّافين. فقد جاءَ في صحيح مسلم: "مَنْ أَتَى عَرَّافا فسأَلهُ عَنْ شَىْءٍ، لم تُقْبَلْ لهُ صلاةُ أَربَعِينَ لَيْلَةً". وعند أَحمد وغيره، من رواية أَبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "مَن أَتَى عرَّافا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ، فَقَد كَفَرَ بما أَنزِلَ عَلىَ مُحَمَّدٍ". ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾: بعد أَن بين الله سبحانه، اختصاصه، بِعلْم الغيب كله. عطف عليه بيان علمه لما يشاهد أو يغيب في البر والبحر. وبما يسقطُ من الأَوراق، وعلمه بالرَّطب واليابس، تكملة لمتعلقات علمه، وإِيذانٌ بأَن الكل - بالنسبة إِلى علمه المحيط - سواءٌ في الجلاءٍ.

стр. 1276

وخص البر والبحر بالذكر - دون سائر الكائنات - لأَنها أَقربها إلى البشر جوارا. والمعنى: ويعلم ما في البر والبحر من أَجزائهما، وما ظهر أَو خفى فيهما: من الإِنسان والحيوان والنبات، والسوائل والجوامد، والأَدهنه والأَبخرة، وعناصرها وذراتها، ومكونات هذه الذرات! وبعد أن يبين علمه بذواتها - أَتبعه بيان علمه بأَحوالها، رامزا إليها بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ فإِن سقوط الأَوراق، ليس إلا حالًا من الأَحوال. والمراد أَنه يعلم جميع حالات الشجر وصفاته، التي من جملتها: سقوط أَوراقها، كما أَن ذكر حال الورقة - وما عطف عليها خاصة دون سائر أَحوال ما عداها مما في البر والبحر - من الموجودات الفائقة الحصر، باعتبار أَنها أُنموذج لسائر أَحوال الموجودات. ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: هذه الثلاثة معطوفة على (ورَقَةٍ) داخلة معها في حكم السقوط، والدخول في علم الله . والمعنى: وما تسقط من ورقةٍ ولا حبةٍ في ظلمات الأَرض، وما يسقط من رطبٍ ولا يابس إلا يعلمها الله تعالى. وعبَّر عن علمه بالكتاب المبين، تشبيها له به في الثبات والوضوح: تقريبا للأَذهان وإلا، فعلمُ الله أَعظم من الكتاب المبين وضوحا وثباتا وأَزلية. وقيل: المراد من الكتاب المبين: اللوح المحفوظ. فيكون ذلك كناية عن علمه تعالى به، فإِن من أثبت ذلك في كتابٍ عنده، فهو بما أثبته فيه عليم. وعلى أيِّ الرَّأيَيْن. فقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: كالتكرير لقوله: (إِلَّا يَعْلَمُهَا) جئَ به للتذكير والتأكيد.

стр. 1277

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾. المفردات: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾: التوفى لغة؛ قبض الشئ بتمامه، وأكثر ما فيه قبض الروح. والمراد منه هنا: الإِنامة؛ أَي يُنِيمكم في الليل. ﴿جَرَحْتُمْ﴾: كسبتم. ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾: يوقظكم. ﴿أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: وقت محدد لكل واحد ينتهى إِليه عمره. ﴿الْقَاهِرُ﴾: الغالب. ﴿تَوَفَّتْهُ﴾: قَبَضَت رُوحَه. التفسير ٦٠ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ … ﴾ الآية. بيَّن الله - فيما تقدم قريبا - أَن الله أَمر نبيَّه ﷺ : أَن يقول لقومه المشركين: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الآيات: ردًّا على استعجالهم العذاب الموعود

стр. 1278

بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وردًّا على طلبهم له بأسلوب آخر كقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) وقولهم له: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ (٢). وجاءَت هذه الآية، للإِشارة إِلى أَن إِمهال الله - تعالى - لهم ليس لغفلةٍ عن كفرهم، فإِنه محيط بكل أمورهم. ولكن ليُقضَى أَجلٌ مسمى يرجعون بعده إِليه تعالى. فيعذبهم. والمعنى: قل أَيها الرسول، لقومك الذين يستعجلونك بالعذاب: الله الذي توعَّدكم به، هو الذي ينجيكم بالليل، فيجعلكم - بالنوم - لا تكادون تحسون ولا تميزون، كَأَنما قبض أَرواحَكم فعلا. وهو يعلم ما كسبتم بالنهار، من أَلوان الكفر والمعاصي ويحصيه عليكم ثم إِنه يوقظكم بالنهار - مع علمه بما تكسبون فيه من الآثام - لينتهى أَجل سمَّاه تعالى - لكل واحد منكم، فلا تدفعه معاصيكم إِلى تعجيل العذاب بكم … ثم إِليه - وحده - رجوعكم بالبعث والحشر. ثم يخبركم بما كنتم تعملون من السيئات، ويجازيكم عليها. وتخصيص الليل بالإِنامة، والكسب بالنهار؛ لأَنه الغالب من عادات الناس. وقد أَشار الله بالبعث بعد النوم الذي يتكرر كل يوم، إلى إِمكان البعث بعد الموت الذي أَنكره المشركون، وأَنكروا العذاب بعده. إِذ أَنه - تعالى - إِذا كان يبعث كل نائمٍ بعد أَن كان كالأَموات بلا حِسٍّ ولا تمييز، فإِنه - بلا شك - قادر على بعثهم بعد الموت. ٦١ - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾: أَي: وهو الغالب على عباده، المتصوف فيهم، إِيجادا وإِعداما، وإِحياءً وإِماتة، وتعذيبا وتنعيما. إلى غير ذلك من شئون القهر والسلطان: لا يشركه فيها شريك، ولا يرده عن مراده فيهم أَحد، ويرسل عليكم - أَيها المكلفون - حفظةً من الملائكة طول حياتكم: يُسَجِّلُونَ

стр. 1279

أَعمالكم - لكم أَو عليكم - حتى إِذا جاءَ أَحَدَكم زمانُ الموت، قَبضَتْ روحَه رسلُنا من الملائكة الموكَّلين بقبضِ الأَرواح، وهم لا يقصرون بالتواني والتأْخير. وبذلك تنتهى أَعمال الحفظة الذين كانوا يسجلون أعمالكم من خير وشر. وتبدأُ أُولى درجات الآخرة، فيشعر المكلف ببعض حظه من النعيم أو العذاب. وقد اختلف العلماءُ فيما يكتبه الحفظة: فمنهم من قال: إنهم يكتبون الحسنات والسيئات والباحات، كما يُشْعِرُ به قوله تعالى: ﴿ … مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا … ﴾ (١) لكنهم لا يحاسِبُون على المباحات. ومنهم من قال: إِن المباحات لا تكتب، إِذ لا فائدة من كتابتها، فإِنها لا حساب عليها، وتسجيل الحفظة لأَعمال المكلفين، ليس لتذكير الله بها فإِنه: أَحصى كل شيءٍ عددا، بل لتذكير المكلفين بها - حينما يقرءُونها، فيعرفون بها عَدْلَ الله؛ حينما يقضى عليهم، وإِحسانَه، حينما يحسن إِليهم. وإِخبارُ الله لهم بكتابة أَعمالهم - صغيرها وكبيرها - دافع لهم إِلى بذل الجهد في الاتجاه بها نحو الاستقامة: تحاشيًا لفضيحتهم بنشرها في ساحة الحساب، واتقاءً للعقاب عليها. وما لم يُنَبَّهوا إِلى ذلك، تراخَوْا في العمل، وتساهلوا في المعاصي؛ اعتمادًا على كرم الله تعالى، مع أَنه لا ينبغى الاغترار بكرمه، قال تعالى: ﴿يَأيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٢) فكما أَن الله تعالى عفو كريم، فهو عزيز ذو انتقام. ٦٢ - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَق أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾: ثم أعيد جميع المتوفين - مكلفين وغيرهم - إلى الله مولاهم ومالكهم الحق. أَما غيره من المعبودات، فليس له ولاية عليهم. ولهذا لا حُكْمَ له يوم القيامة فيهم. أَلا له الحكم يومئذ حقيقة وصورة: لا لغيره بأَى وجه من الوجوه. وهو أسرع الحاسبين، إذ لا يحتاج إِلى فكر وروية، ولا يشغله شأْن عن شأْن، فهو يحاسب الجميع في أَسرع زمان.

стр. 1280

وكيفية الحساب، لم يَرِدْ في شأْنها خبر عن المعصوم ﷺ ، ولا تحيط بها عقول البشر. فلذا، يجب الإِيمان به - أَي بحصول الحساب - وتفويض الأَمر في كيفيته إِلى عَلَّام الغيوب. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾. المفردات: ﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: شدائدهما. ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً): إِعلانا وإِسرارا. ﴿كَرْبٍ﴾: الكرب؛ هو الغم والحزن الذي يأْخذ بالنفس - كالكُربة بضم الكاف. التفسير ٦٣ - ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً … ﴾ الآية. المقصود من ظلمات البر والبحر: شدائدهما. على سبيل الجاز. وبه قال ابن عباس ﵄. والعرب تقول لليوم ذى الشدائد: يوم مظلم. أَو ذو كواكب. وأَنشد الزجاج: بَنِي أَسد هل تعلمون بلاءنا … إِذا كان (١) يومٌ ذو كواكب أَشهبُ وأَصل التضرع: الخضوع والتذلل. وقد يستعمل بمعنى: الإعلان، كما هنا لمقابلته بالخفية. وبذلك قال ابن عباس والحسن.

стр. 1281

والمعنى: قل أَيها الرسول لهؤلاءِ المشركين، تنبيها لهم على انحطاط شركائهم عن رتبة الأُلوهية، وتقريرا لهم بذلك، وتوبيخا على عبادتها: مَنْ يُنَجِّيكم من شدائد البر والبحر: تدعونه عند نزولها بكم مُعْلنين دعاءَكم ومُسِرِّين به في خضوع وانكسار قائلين: لئن أَنجانا الله من هذه الشدائد لنكونن من المستديمين لشكره. - وقد أمَرَ اللهُ النبىَّ ﷺ ، أن يتولى الإجابة عنهم؛ إِيذانًا بظهورها وتعيُّنِهَا وشهادتهم بها. وذلك بقوله له: ٦٤ - ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾: قل لهم يا محمد: الله تعالى، ينجِّيكم من شدائد البر والبحر، التي تدعونه - دائمًا - أَن ينجِّيكُم منها كلما نزلت بكم. وينجَّيكم من كل غمٍّ ينزل بكم. لا يشاركه في إِنجائكم من ذلك شريك كما تعرفون وتشهدون، ثم أنتم - بعد إنعامه عليكم بالنجاة من المكاره إِجابة لدعائكم - تعودون إِلى الشرك، ولا تحققون وعدكم بدوام الشكر. فهل يليق بعاقل أن يشرك بالله آلهةً تَخَلَّتْ عنه في وقت الشدة، ويدعَ شكر الله الذي أَسدى له نعمة النجاة، فلا يوحِّده ولا يعبده؟! ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾. المفردات: ﴿أَوْ يَلبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: أَو يخلطكم فرقا مختلفة الأَهواءِ، كل فرقة تشايع هوى. ﴿بَأْسَ بَعْضٍ﴾: البَأَس، الشدة.

стр. 1282

﴿كَيفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾: كيف نبين ونُلَوِّن الحجج. ﴿بِوَكِيلٍ): بحفيظ. التفسير ٦٥ - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ … ﴾ الآية. هذا كلام مستأنف، لبيان قدرة الله على إِيقاعهم في المهالك - بعد بيان أَنه المنجي لهم منها. وفيه وعيد ضمني بعذابهم إن بَقُوا على شركهم على طريقة قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ (١). والمراد بالعذاب الذي يبعثه الله من فوقهم: ما كان من جهة العلو وإِن لم يكن من فوقهم فعلا. كالصيحة والريح والحجارة. والمراد بالعذاب الذي يأَتى من تحت أَرجلهم: ما كان من جهة السّفلى، كالرجفة والخَسْف، والإِغراق. واللبس: الخلط. ومنه قول الحماسى: وكتيبةٍ لَبَّسْتُها بكتيبة … حتى إِذا التبست نَفَضتُ لها يدى والشيَع: جمع شيعة. وهم؛ مَن يجتمعون على أَمر يتشيعون له ويؤيدونه. حقًّا كان أَو باطلا. والمعنى: قل أَيها الرسول لمشركى قومك: الله هو القادر على أَن يبعث عليكم عذابا من أعلاكم، كالذى حدث لقوم لوط، وأَصحاب الفيل. أو عذابا من أسفل منكم، كالذى حدث لفرعون وقارون. أو أَن يخلطكم فرقًا مختلفة الأهواء: تشايع كل

стр. 1283

فرقة رأْيا وتناصره. فينشَب القتال بينكم ويذيق بعضَكم شدةَ بعض. فكيف تشركون بمن هذه قدرته؟. انظر كيف نصرف الآيات، وننوع البراهين والحجج، على استحقاقنا التفرد بالأُلوهية، ليفهموا الحق فيرجعوا عما هم فيه من الشرك. والمراد من البَعْضَيْن في قوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ الكفار يذيق بعضُهم بعضًا، العذابَ، بسبب اختلافهم على أَنفسهم. وعن مجاهد: أَن الآية عامة في المسلمين والكفار. وقد حمى الله الأُمة المحمدية من العذاب من فوقهم أَو من تحت أَرجلهم - بطريقة الاستئصال - كما كان في الأُمم السابقة. وذلك بدعائه ﷺ . ولكنه - تعالى - ابتلاها باختلافها شيعا. وإِذاقة بعضهم بأْس بعض. روى البخاري، عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال ﷺ : ﴿أَعُوذُ بِوَجْهِكَ﴾ ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: ﴿أَعُوذُ بِوَجهِكَ﴾ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: "هذه أَهْوَنُ أَو أَيْسَرُ". وروى مسلم بسنده، عن النبي ﷺ قال: "سَأَلتُ ربِّى ثلاثًا: سَأَلتُه ألَّا يُهلِكَ أمَّتِى بِالْغَرَق فأَعْطَانِيهَا. وسَألتُهُ أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِى بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا. وَسَألْتُهُ أَلَّا يَجْعَلَ بَأْسَهم بَينَهُم … فَمَنَعَنِيها". والمراد بالسَّنَةِ: القحط والجدب. ٦٦ - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: وكذَّب قومك بالقرآن الذي اشتمل على تصريف الآيات المقتضية للتصديق. وهو الحق المطابق للواقع. فكيف استهانوا بتكذيبه!! قل لهم أيها الرسول: لستُ عليكم بحفيظ. فلم يوكَلْ أَمرُكم إلىّ، لأَحفظكم من التكذيب، وما أنا إِلّا منذر، والله هو الحفيظ، فمن آمن فلنفسه، ومن كفر فعليها.

стр. 1284

٦٧ - ﴿لِكُلِّ نَبَإِ مُّسْتَقَرٍّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: لكل خبر من أخبار القرآن زمانُ استقرار. يستقر ويقع فيه مدلُولُه. وسوف تعلمون حال خبركم في الدنيا والآخرة، ومبلغه من الصدق. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾. المفردات: ﴿يَخُوضُونَ﴾: يندفعون. ﴿فَأعْرضْ عَنْهُمْ﴾: فاتركهم. ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّك الشَّيْطَانُ﴾: إمَّا، أَصله: "إن" الشرطية المدغمة في "ما" "وما" صلة للتأكيد أَي وإن أنساك الشيطان. ﴿بَعْدَ الذِّكْرَى﴾: بعد التذكر. ﴿وَلَكِن ذِكْرَى﴾: ولكن تذكير ووعظ. التفسير ٦٨ - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتىَّ يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ … ﴾ الآية. لا يزال الكلام موصولا في أحوال المشركين.

стр. 1285

وسبب نزولها: أَن قريشا، كانوا يستهزئون بالقرآن. ويقولون فيه: إِنه سحر وشعر، وأَساطير الأولين، وما حَلا لهم من الأكاذيب، فنزلت الآية، تأْمر النبيَّ ﷺ : أَن يُعرِض عنهم إعراض منكر عليهم، إذا سمع ذلك منهم، ولا يجلس معهم، ولا يجادلهم في ذلك، حتى لا يزدادوا لجاجة في باطلهم، وربما دعاهم قيامه عنهم، إِلى تَرْك الاستهزاءِ لعدم جدواه. والمعنى: وإِذا رأيتَ - يا محمَّد الذين يندفعون بالباطل في آياتنا، فاتركهم وقْت اشتغالهم بباطلهم، حتى يدخلوا في حديثٍ غيره، ذلك حينئذ مجالستهم، وإِن أَنساك الشيطان تَرْكَ مجالستِهم، فلا تقعد - بعد تذكر النهي عنها - مع هؤُلاء القوم الظالمين، ولا مؤاخذة عليك بهذا النسيان … والخطاب - وإن كان خاصًا بالنبي ﷺ فحكمه عام لجميع المسلمين. رأى العلماء في نسيان الرسول يرى بعضُ العلماء: أن ما جاءَ في الآية، من نسيان الرسولِ الأَمرَ بترك مجالستهم - عندما يخوضون في آيات القرآن - إِنما هو على سبيل الفرض، إذ لم يقعْ منه نسيان لذلك كما أَنه ليس للشيطان عليه سبيل. ولهذا استعملت: "إن" الشرطية فهي لمجرد الفرض لما ليس محقق الوقوع. وذلك على حد قوله تعالى: ﴿ .. لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ .. ﴾ (١). ويرى بعض آخر من العلماء: أن الخطاب في الآية للنبي ﷺ . والمراد غيره من المؤْمنين. وقيل: لغيره ابتداءً. أي وإذا رأيتَ أيها السامع. ولكن جمهور العلماء على جواز النسيان على النبي ﷺ في الأَفعال. فقد جاءَ في الصحيح: "إِنمَّاَ أنَا بَشَرٌ: أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيتُ فَذَكَّرُونِى".

стр. 1286

جاءَ في الصحيح أَيضا: أن صحابيا اسمه ذو اليدين. قال للنبي ﷺ بعد أَن سلَّم من ركعتين في صلاة رباعية: "أَقَصُرَتِ الصَّلاة أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَم يَكُنْ. فقال ذو اليدين: بل بَعْضُ ذلك قَدْ كان. فَقَالَ ﷺ : أَحَقٌّ ما يَقُولُ ذُو اليَدَيْن؟ فَقَالُوا: نعَم. فَأَتمَّها أربعًا". ومع إجازتهم النسيان عليه ﷺ في الأَفعال، فقد أَجمعوا على استحالته عليه في الأقوال التي عليه تبليغها. وفي الموضوع تفصيلات مفيدة، يرجع إليها في المبسوطات. ٦٩ - ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ذكر بعض الفسرين - في سبب نزول هذه الآية - أَن المسلمين قالوا: لئن كان علينا أَن نخرج من الحرم كلما استهزأْوا بالقرآن، لم نستطع أَن نستقر في المسجد الحرام، ونطوف، فنزلت، والأخذ بهذا السبب، يقتضي نسخَ الأمر بالإعراض عن الخائضين، وتَرْكِ مجالستهم حين الخوض في الآيات، ويرخص في مجالستهم لحاجة المسلمين إلى العبادة في المسجد الحرام، الذي يجلس فيه الخائضون، ويوجب عليهم أَن يذكروهم حين يسمعونهم يخوضون. ورجح الإِمام القشيرى، عدم النسخ هذه الآية. وذهب إِلى أن معناها كما يلي: وما على الذين يتقون من حساب الخائضين شيء إِن أَعرضوا عنهم، ولكن عليهم - مع ترك مجالستهم - أن يُذَكِّروهم ويعظوهم. وهذا المعنى هو الذي نرتضيه تفسيرا للآية الكريمة. فإن سبب النزول المذكور، لم يرد بسند صحيح. وعلى هذا الرأى، يكون الإعراض عن مجالسة الخائضين واجبا. ويُضَمُّ إليه وجوب تذكير أولئك الخائضين قبل الانصراف عن مجلسهم.

стр. 1287

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾. المفردات: ﴿ذَرِ﴾: اتْرُك. ﴿غَرَّتْهُمُ﴾: خَدعَتْهم. ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾: الإِبسال، المنع، ومنه أَسد باسل، لأَن فريسته لا تفلت منه. ومعنى ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾: تُمْنَع من النجاة. ﴿وَإن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾: تُفْدِ نَفسَها كلَّ فداء. ﴿حَمِيمٍ﴾: ماء شديد الحرارة. وقد يطلق على الماء البارد. والمراد منه في الآية المعنى الأول. لقوله تعالى: ﴿ … وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (١). التفسير ٧٠ - ﴿وَذَرِ الَّذِين اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهوًا .. ﴾ الآية. كان المشركون حريصينَ على إِحباط دعوة الإِسلام. وقد جربوا كلَّ الوسائل ففشَلُوا،

стр. 1288

ومن وسائلهم ما مَرَّ قريبا. من أنهم عرضوا على الرسول ﷺ ، إِقصاءَ الفقراء عن مجلسه إِذا جلسوا إِليه واستمعوا منه ما يدعوهم إِليه. وكان هدفهم من ذلك: إيقاع الفرقة بينه وبينهم، وإيغار صدور المؤمنين من نبيهم. إِلى جانب احتقارهم. فنهاه الله عن إبعادهم وكرَّمهم، فاغتاظ المشركون، وجعلوا يخوضون في القرآن تكذيبًا واستهزاءً، يريدون بذلك صَرْفَ المسلمين عنه، فأَمرهم الله بالابتعاد عن مَجَالسِهم حتى يخوضوا في حديث غيره. ثم أَمر النبىَّ ﷺ بالإعراض عن سفههم، وألاَّ يبالِى بما يقولونه في شأْنه وشأْن ما أُنزل عليه، وأن يمضِىَ في إِبلاغهم دعوة ربه، ووعظِهم وتذكيرهِم. وفي ذلك يقول الله: ﴿وَذَرِ الذينَ اتَّخَذُرا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾: أَي: واترك - يا محمَّد - المشركين الذين جعلوا دينَهم شيئًا يشبه اللعب واللهو، حيث عبدوا الأَوثان وجعلوها آلهة، وأَباحوا أَكْلَ الميتة، وحرموا البحيرة والسوائب، وغيرَ ذلك من الأمور التي لا أَثر للجد فيها. وقيل: المراد بهذه الجملة؛ أَنهم اتخذوا الإِسلام - دينهم الذي كلفوا به - شيئا يشبه اللعب واللهو، حيث سخروا بكتابه العظيم. ﴿وَغَرتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: وخدعتهم الدنيا بأباطيلها، فركنوا إِليها، وأنكروا البعث لقصور فهمهم، وضَعْف إِدراكهم. والمقصود من أَمره ﷺ بتركهم: أَلا يبالى بأَباطيلهم. بل يمضى في تذكيرهم، كما تقدم. والدليل على ذلك، قوله تعالى، عقب هذه الجملة: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾: وحذِّر بالقرآن، أُولئك المشركين، من أَن تهلِكَ نفوسُهم بما كَسَبته من الكفر والمعاصي إِذ ليس لها - من غير الله - نصيرٌ أو شفيع، يدرأُ عنها العذاب.

стр. 1289

﴿وَإن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾: العَدل هنا: بمعنى الفداء، والمعنى: وإِنْ تُفْدِ كلُّ نفس كافرةٌ ذاتها كل فداءٍ من عذاب يوم القيامة، لا يقبل منها. وقيل: العدْل هنا مقابل الظلم، أَي وإِن تعدلْ كلُّ نفس كافرةٌ في هذا اليوم، بأُن تتوب من الكُفر وتؤْمن بالله، لا يقبل منها؛ لأَن التوبة - في الآخرة - غير مقبولة فهي دار جزاءِ لا دار توبة وعمل. ﴿أولَئِكَ الَّذِينَ أبْسِلوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكفُرُونَ﴾: أَي: أولئك الذينَ حُبِسوا للعذاب، وَمُنِعُوا من النجاة بسبب كفرهم ومعاصيهم، لهم في جهنم شرابٌ من ماءٍ شديد الحرارة، تتقطَّع منه أمعاؤهم، ولهم عذاب شديد الإيلام، بسبب استمرارهم وإِصرارهم على كفرهم. ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾. المفردات: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾: ونرجع إلى الوراءِ بالعودة إلى الشرك. وسيأْتي لذلك مزيد بيان في الشرح. ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾: ذهبت بهواه وعقله.

стр. 1290

﴿يَدْعُونَه إِلَى الْهُدَى﴾: المراد بالهدى؛ الطريق الهادي إلى القصد. جُعِلَ نفس الهدى، للمبالغة. التفسير ٧١ - ﴿قلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا. . .﴾ الآية. سبب نزول هذه الآية: على كل ما رواه ابن جرير وغيره أَن المشركين قالوا للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمَّد. وقيل: نزلت في أَبي بكر ﵁، حين دعاه ابنه عبد الرحمن - قبل أَن يعتنق الإِسلام - إِلى أَن يعود إِلى عبادة الأَصنام. وفي توجيه الأمر إِلى الرسول، تعظيم لشأْن المؤمنين، أو لشأْن أَبي بكر، حيث جعلت دعوتهم إلى الشرك، كأَنها موجهة إِلى الرسول. والذي نراه: أنه ثبت - بالقرآن والسنة - أَن الشركين، طلبوا من الرسول كثيرا: أَن يترك الدعوة لهذا الدين الحق، ويرجع إلى عبادة الأصنام، وأَغرَوْهُ بكافة المغريات فأبى. وقد أَمره الله في هذه الآية: أَن يقنطهم من استجابته إلى ما طلبوه منه، كما أَمره بذلك - في قوله تعالي: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (١). وكما دعَوه إِلى الشرك، دَعَوُا المؤمنين إليه أَيضًا. قال تعالي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيِلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ … ﴾ (٢). والعنى: قل أَيها الرسول، للمشركين الذين يدعونك والمؤْمنين إِلى الشرك: أَنعبد من غير الله المتفرد بصفات الأُلوهية، ما لا يقدر على نفعنا إن عبدناه، ولا على ضرنا

стр. 1291

إِن تركناه … ومن شأن الإِله الحق أَن ينفع ويضر فكيف يليق بنا أَن نعبد آلهة خالية من النفع والضر؟ ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللهُ﴾: الأَعقاب: جمع عقب وهو مؤخر الرِّجْل. والرجوع على الأَعقاب؛ هو الرجوع إلى الوراءِ؛ إِدبارا بغير رؤية موضع القدم. جُعِلَ هذا في الآية، مثَلًا للعودة إلى الشرك بعد الإِيمان، ففي كليهما ذهَابٌ بلا علم، وتعرضٌ للخطر. قال العلامة أبو السعود: "والتعبير عن الرجوع إِلى الشرك بالرد على الأَعقاب، لزيادة تقبيحه. بتصويره بصورة ما هو عَلَم في القبح" إِ هـ. ومعنى هذه الجملة مع ما قبلها: كيف يليق بنا أَن نعبد غير الله: ما لا ينفع ولا يضر وأَن نرتد - بإِغوائكم - إلى الشِّرْك بعد إِذ هدانا الله إِلى توحيده وطاعته. ونكونَ بذلك الارتداد: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾: أَي: أَن مثلنا في الإعراض عن الهُدَى والتخبط في الضلال كمثل الذي ذهبت الشياطين بهواه وعقله: وأَضلته عن سواءِ السبيل الموصل إِلى المقصد السديد: فأَمسى حيرانَ: لا يدرى كيف ينجو من المهالك. ويصلُ إِلى غايته؟! له رفاقٌ لم يستجيبوا إلى استهواء الشياطين، بل ثبتوا على الطريق المستقيم الهادي إلى الخير، وجعلوا يدعونه إليه، يقولون له: ائتنا لتسلم من متاهات الأَرض التي ضللت فيها؟!. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قل أَيها الرسول. لدعاة الضلال: إِن هدى الله - وهو الإِسلام - هو الطريق الهادي إلى السلامة في الدنيا والآخرة. وما عداه فهو الضلال المبين، وأُمرنا باتِّباع هداه، لنخضعَ بذلك، ونذعِنَ لرب العالمين.

стр. 1292

﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾. التفسير ٧٢ - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: وأمرنا بأن نقيم الصلاة ونؤديَها في أَوقاتها، مستوفيةً لأركانها وشروطها، وأن نتقِىَ الله ونخشاه: في أَمرنا كله. فلا نُقَصِّرُ في طاعة، ولا نُلِمُّ بمعصية، وهو الذي إِليه نُجمَع للحساب والجزاء. لا إلى غيره. فعلينا أن نمتثل أمْرَه، ونجتنب نهيه. ٧٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾: أي: وهو الذي خلق السموات والأرض - وما فيهما - خلقا مشتملا على الحكمة الرفيعة. ومنها أن يُعرَف بآياته فيهما فيُعْبَدَ ويُقْصدَ. ولم يخلقهما عبثا وباطلا، وقضاؤه المتصف بالحق والصواب - دائما - نافذ. حين يقول لشئ من الأَشياء عظم أَوْ هَانَ كُنْ وانْتَقِلْ إلى عالَمِ الوجود؛ فيكون ويوجد بأَمره فورا: وفْقَ تدبيره وإِرادته، وله - وحده - الملك يوم يُنْفَخُ في الصور، لبعث الخلائق وحشرها وحسابها وجزائها، حيث يقوم الناس لرب العالمين. هو عالم كل غائب وحاضر. وهو الحكيم الذي يصيب الحق فيما يفعله، الخبير بخفايا الأمور وظواهرها. واعلم أن الملك لله دائما في الدنيا والآخرة. ولكن الله أَعطى بعض عباده الملك ظاهرا، وصورة في الدنيا، ويوم القيامة لا يجدون لملكهم ظلا ولا أَثرا. فلهذا قال سبحانه:

стр. 1293

﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ في الصُّورِ﴾: أي: له الملك يوم القيامة: ظاهرا وباطنا، صورة وحقيقة. فلا أثر لغيره فييه بأَى وجه من الوجوه. والصُّورُ: هوالقرن الذي يُنْفَخ فيه، وهو البوق، والله أَعلم بحقيقته. والنافخ فيه: إِسرافيل ﵇ كما جاء في السنة. وقيل: إِن الصُّورَ جمع صورة. فإنها تجمع عَلى صُور بوزن بوق، كما تجمع على صُوَر بوزن عُمَر، وعِنَب. ويدل على ذلك قراءة قتادة ﴿في الصُّوَر﴾ بفتح الواو. والمراد منها: الإِيذان … والنفخ فيها: إرسال الأرواح إليها، فتقوم لرب العالمين والله أَعلم. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾. التفسير ٧٤ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً … ﴾ الآية. أَي: واذكر يا محمد، حين قال إبراهيم لأبيه آزر - منكرًا عبادةَ الأَصنام - أتتخذ أَنت وقومك، الأَصنام التي لا تضر ولا تنفع، آلهةً: تعبدونها من دون الله؟. وآزر: أَب وإبراهيم ﵇، كما هو ظاهر النص القرآنى. وكان آزر وقومه يعبدون الأصنامَ، وَالشمسَ، والقمر، والكواكب. ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أَي: إن أَراك - وَقومك الذين يتبعونك في عبادتها - في ضلال عن الحق؛ ظاهر بين .. وفي هذا تبكيت وتقريع لهم على هذا المسلك الذي يتنافى مع ما يقتضيه العقل، السليم.، والفطرة الصحيحة.

стр. 1294

﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾. المفردات: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ الَّليْلُ﴾: سَترَه بظلامه. ﴿أفَلَ﴾: غَرَبَ وغاب. ﴿بَازِغًا﴾: مبتدئا في الطلوع والظهور. التفسير ٧٥ - ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ الآية. أي: وكما عرَّفنا إبراهيم ضلال قومه واضحا، وأريناه الحق في مخالفتهم، نُعَرِّفهُ ونظهر له ملك السموات والأرض، ليستدل به على وحدانيتنا. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: أي: وليكون من جملة المصدقين جازما. إذ اليقين أَعلى مراتب الإيمان.

стр. 1295

٧٦ - ﴿فلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أفَلَ قَالَ لا أُحِبٌ الْآفِلِينَ﴾: بعد أَن بين القرآن - فيما سبق - يقين إبراهيم بوحدانيته تعالى بما عرفه من مظاهر القدرة والتدبير في ملكوت الله، شرع هنا يفضل كيفية استدلال إبراهيم ﵇، ببعض تلك الظواهر لقومه فقال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾: أَي: فلما ستره الليل بظلامه، أَبصر كوكبا ظاهرا في السماءِ. ﴿قَالَ هَذَا رَبِّى﴾: أَي: قال - مستعظما شأْن هذا الكوكب - هذا ربي … مجاراة لقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، وتأليفا لقلوبهم، حتى بلغوا بقلوبهم إلى التأَمل في موضع الحجة في قوله: ﴿فَلَمَّا أفَلَ قَالَ لَاَ أُحِبُّ الْآفِلينَ﴾: أي: فلما غاب هذا الكوكب وأفَلَ قال: لا أحب الآفلين. أَي: لا أحب اتخاذَ الْآفلين أَربابًا، لأَن الرب الحقيقى، الجدير بالربوبية، يستحيل عليه التغير والانتقال من حال إلى حال، لأَن ذلك من شأْن الحوادث … فلم ينتفعوا بهذا الاستدلال. فانتقل إلى الاستدلال التالى في قوله: ٧٧ - ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنىِ رَبِّى لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾: أي: وحين أَبصر إِبراهيم القمر - مبتدئا في الطلوع والظهور - قال مستعظما شأْنه: ﴿هَذَا رَبِّى﴾ مجاراة لقومه، على نحو ما سبق في الآية قبلها. فلما أَفل وغاب - قال إبراهم

стр. 1296

﵇: إرشادًا لقومه إلى أن يطلبوا الهداية من الله تعالى لئن لم يُرشدْنى ربي إلى الحق ويُثبِّتْنى عليه - لأَكونن من جملة القوم الذين بعُدوا عن الصراط المستقيم. ولكن هذا الاستدلال أيضا، لم يثمر في عقولهم المستغلقة، فانتقل إلى استدلال آخر: ٧٨ - ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾: أَي فحين أبصر ابرَاهيم ﵇ الشمس، مبتدئة في الظهور والطلوع، قال مشيرا إلى الشمس: هذا الذي أبصره هو ربي - وهو أَكبر من الكوكب والقمر - قال ذلك ليشد انتباههم إِلى التأمل والنظر، في التفسيرات الكونية، حتى يصلوا منها إلى معرفة الإله الصانع القدير، المدبر الحكيم. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾: أي: وحين غابت الشمس وحُجبَت عن أَعينهم، قامت عليهم الحجة، لكنهم لم يؤمنوا بالإِله الخالق المدبر لشئون الكون - فأَعلن إبراهيم ﵇ حينئذ، لقومه براءته من جميع معبوداتهم الحادثة المتغيرة، التي كانوا يشركونها مع الله في العبادة. ولما أَبطل - بالأدلة السابقة - ما كانوا يعبدون من دون الله، وأَعلن براءته منها، انتقل ﵇، إلى إعلان الإيمان الذي استقر في قلبه حقا ويقينا. فقال: ٧٩ - ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أَي: إني جعلت قصدى واتِّجاهى - بعد ظهور الحق - لعبادة الذي انشأَ السموات والأرض وما فيهمَا. ﴿حَنِيفًا﴾: مائلا عن الاعتقادات الباطلة، إلى عقيدة التوحيد المؤيدة بالدلائل. ﴿وَمَا أنَا مِنَ الْمُشْركِينَ﴾: أى: ولست من من الذين أَشركوا مع الله بعض مخلوقاته في عبادته. وبذلك ثبت أن إبراهيم ليس مع قومه في عقيدتهم.

стр. 1297

﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾. المفردات: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾: وجادله قومه. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: أحاط علمه بكل شيءٍ. ﴿سُلْطَانًا﴾: حجة. ﴿يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾: لم يخلطوه بشرك. التفسير ٨٠ - ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ … ﴾ الآية.

стр. 1298

بعد أَن أَلزمهم إِبراهيم ﵇ الحجة على توحيد الله تعالى، وأَفحمهم بظهور الأَدلة لم يجدوا وسيلة إِلَّا المجادلة بالباطل. فقال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾: أَي: جادلة قومه بالباطل في دينه، وهددوه بالأَصنام؛ أَن تصيبه بسوءٍ، إن هو ترك عبادتها. ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونَّى فِى اللهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾: أَي: قال منكرا عليهم مجادلتهم - بعد وضوح الحق - أتجادلونني في وحدانية الله تعالى، وقد أَرشدنى سبحانه إلى توحيده، فأَصبحتْ حُجَّتُكُم باطلةً لا تُجدي شيئًا؟! ﴿وَلَاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾: أَي: ولا أَخشى أَن يَنَالَنى سوءٌ من جهة آلهتكم الباطلة، التي أَشركتم بها مع الله. ﴿إلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّى شَيْئًا﴾: أَي: لكن إِن شاءَ ربي وقوع شيء من المكروه لي، فإِنه يكون من فعله وحده - ولا دخل لما تشركون به في ذلك. ﴿وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾: أي: أَحاط ربَّى علما بكل شيءٍ. فلا يقع في ملكه إِلا ما شاءَه هو. وليست لآلهتكم مشيئة حتى أَخافَها. ﴿أفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: أَي: أَتُعرِضون عن التأَمل في أَن آلهتكم جماداتٌ، غيرُ قادرةٍ على شيءٍ ما، فلا تتذكرون أَنها عاجزة عن إلحاق ضرر بي؟!

стр. 1299

٨١ - ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا … ﴾ الآية. أَي: وكيف أَخاف وقوع مكروه لي من جهة آلهتكم مع عجزها - وأنتم لا تخافون إشراككم بالله - أَصنامًا لم يُنزل الله عليكم بصدق ألوهيتها حجة وبرهانا؟! وبهذا تبين موقفى وموقفكم. ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أَي: فأَينا في موقف الأَمن من وقوع المكروه الذي تخوفوننا به؟! وفي هذا إلجاءٌ لهم إِلى الاعتراف باستحقاقه ﵊ الأَمن والطمأْنينة دونهم. ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أَي: إِن كنتم تعلمون الحق من الباطل بالتأَمل والتعقل؟! ٨٢ - ﴿الذينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ. . .﴾ الآية. هذا جواب السؤال السابق في الآية قبلها. وهو تأْييد لسيدنا إِبراهيم ﵇، وتحقيقٌ لمدعاه. وبيانٌ واضح لمن يستحق الأَمن. وهم المؤمنون الذين أَخلصوا إِيمانهم من الشرك. ﴿أُوَلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾: أَي: وحدهم. ﴿وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾: أَي: إِلى الطريق المستقيم دون من سواهم.

стр. 1300

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾. المفردات: ﴿حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾: أي أَدلَّتُنَا التي أرشدنا إِبراهيم إِليها. ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: بالغ الحكمة واسع العلم. ﴿وَهَبْنَا﴾: أَنعمنا.
следующие страницы →