﵇: إرشادًا لقومه إلى أن يطلبوا الهداية من الله تعالى لئن لم يُرشدْنى ربي إلى الحق ويُثبِّتْنى عليه - لأَكونن من جملة القوم الذين بعُدوا عن الصراط المستقيم.
ولكن هذا الاستدلال أيضا، لم يثمر في عقولهم المستغلقة، فانتقل إلى استدلال آخر:
٧٨ - ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾:
أَي فحين أبصر ابرَاهيم ﵇ الشمس، مبتدئة في الظهور والطلوع، قال مشيرا إلى الشمس: هذا الذي أبصره هو ربي - وهو أَكبر من الكوكب والقمر - قال ذلك ليشد انتباههم إِلى التأمل والنظر، في التفسيرات الكونية، حتى يصلوا منها إلى معرفة الإله الصانع القدير، المدبر الحكيم.
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾:
أي: وحين غابت الشمس وحُجبَت عن أَعينهم، قامت عليهم الحجة، لكنهم لم يؤمنوا بالإِله الخالق المدبر لشئون الكون - فأَعلن إبراهيم ﵇ حينئذ، لقومه براءته من جميع معبوداتهم الحادثة المتغيرة، التي كانوا يشركونها مع الله في العبادة.
ولما أَبطل - بالأدلة السابقة - ما كانوا يعبدون من دون الله، وأَعلن براءته منها، انتقل ﵇، إلى إعلان الإيمان الذي استقر في قلبه حقا ويقينا. فقال:
٧٩ - ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
أَي: إني جعلت قصدى واتِّجاهى - بعد ظهور الحق - لعبادة الذي انشأَ السموات والأرض وما فيهمَا.
﴿حَنِيفًا﴾:
مائلا عن الاعتقادات الباطلة، إلى عقيدة التوحيد المؤيدة بالدلائل.
﴿وَمَا أنَا مِنَ الْمُشْركِينَ﴾:
أى: ولست من من الذين أَشركوا مع الله بعض مخلوقاته في عبادته.
وبذلك ثبت أن إبراهيم ليس مع قومه في عقيدتهم.
بعد أَن أَلزمهم إِبراهيم ﵇ الحجة على توحيد الله تعالى، وأَفحمهم بظهور الأَدلة لم يجدوا وسيلة إِلَّا المجادلة بالباطل. فقال تعالى حاكيًا عنهم:
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾:
أَي: جادلة قومه بالباطل في دينه، وهددوه بالأَصنام؛ أَن تصيبه بسوءٍ، إن هو ترك عبادتها.
﴿قَالَ أَتُحَاجُّونَّى فِى اللهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾:
أَي: قال منكرا عليهم مجادلتهم - بعد وضوح الحق - أتجادلونني في وحدانية الله تعالى، وقد أَرشدنى سبحانه إلى توحيده، فأَصبحتْ حُجَّتُكُم باطلةً لا تُجدي شيئًا؟!
﴿وَلَاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾:
أَي: ولا أَخشى أَن يَنَالَنى سوءٌ من جهة آلهتكم الباطلة، التي أَشركتم بها مع الله.
﴿إلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّى شَيْئًا﴾:
أَي: لكن إِن شاءَ ربي وقوع شيء من المكروه لي، فإِنه يكون من فعله وحده - ولا دخل لما تشركون به في ذلك.
﴿وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾:
أي: أَحاط ربَّى علما بكل شيءٍ. فلا يقع في ملكه إِلا ما شاءَه هو. وليست لآلهتكم مشيئة حتى أَخافَها.
﴿أفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾:
أَي: أَتُعرِضون عن التأَمل في أَن آلهتكم جماداتٌ، غيرُ قادرةٍ على شيءٍ ما، فلا تتذكرون أَنها عاجزة عن إلحاق ضرر بي؟!
стр. 1299
٨١ - ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا … ﴾ الآية.
أَي: وكيف أَخاف وقوع مكروه لي من جهة آلهتكم مع عجزها - وأنتم لا تخافون إشراككم بالله - أَصنامًا لم يُنزل الله عليكم بصدق ألوهيتها حجة وبرهانا؟!
وبهذا تبين موقفى وموقفكم.
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
أَي: فأَينا في موقف الأَمن من وقوع المكروه الذي تخوفوننا به؟!
وفي هذا إلجاءٌ لهم إِلى الاعتراف باستحقاقه ﵊ الأَمن والطمأْنينة دونهم.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
أَي: إِن كنتم تعلمون الحق من الباطل بالتأَمل والتعقل؟!
٨٢ - ﴿الذينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ. . .﴾ الآية.
هذا جواب السؤال السابق في الآية قبلها. وهو تأْييد لسيدنا إِبراهيم ﵇، وتحقيقٌ لمدعاه. وبيانٌ واضح لمن يستحق الأَمن. وهم المؤمنون الذين أَخلصوا إِيمانهم من الشرك.
﴿أُوَلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾:
أَي: وحدهم.
﴿وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾:
أَي: إِلى الطريق المستقيم دون من سواهم.
﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾: واختبرناهم.
﴿لَحَبِطَ﴾: لَبَطُلَ.
﴿وَالْحُكْمَ﴾: والقدرة على الفصل في الأُمور، على أساس من الحق والصواب.
﴿اقْتَدِهْ﴾: أي؛ تَأَسَّ.
التفسير
٨٣ - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ. . .) الآية.
هذه إشارة إلى تلك الدلائل التي أَرشد الله إبراهيم، إلى الاحتجاج بها على وحدانية الله وإبطال شرك قومه، الذي كانوا عاكفين عليه وهي تبدأْ من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .﴾.
وفي هذا، إِشادة بمكانة إبراهيم ﵇، وبالدلائل التي أرشده الله إِليها.
وَيَتَأيَّدُ هذا بقوله تعالى:
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ من نشَاءُ﴾:
أَي: نُعْلِي منازلَ من نشاءُ رفع درجاته؛ بإِعطائه الحجة البالغة، والبرهان الواضح حسبما تقتضيه حكمتنا. كما هو شأْننا، فيما أَرشَدنَا إليه إبراهيم ﵇.
﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾:
أي: بالغ الحكمة في كل ما يقتضيه.
﴿عَلِيمٌ﴾:
أَي: واسع العلم بحال خلقه. فيعلم حال من شاءَ رفعه.
стр. 1302
٨٤ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا. . .﴾ الآية.
بعد أَن قام إِبراهيم بتبليغ من الله إِلى قومه بالحجة والبرهان، وتمت له الحجة عليهم شرع القرآن يعدِّد بعض نعم الله عليه وإحسانِه إِليه، حيث رفع ذريته، وأَبقى فيهم النُّبُوة إِلى يوم القيامة. فقال تعالى:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾:
أي: ومنَنَّا على إِبراهيم بابنه: ﴿إِسْحَاقَ﴾ ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ بعد إِسحاق.
﴿كُلاًّ هَدَيْنَا﴾:
أي: هدينا وأَرشدنا كلاًّ منهما، للسير على طريقة إِبراهيم.
﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾:
أَي: وهدينا نوحا - النبي السابق على إِبراهيم - إِلى التوحيد والدعوة إِليه.
وفي ذكر نوح ﵇. في سياق تعداد النعم على إِبراهيم - إِشارة إِلى أَن شرف الآباءِ، نعمةٌ على الأَبناءِ. كما أَن هداية الأَبناءِ نعمة على الآباءِ.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾:
أَي: كما جزيناهم وأَحْسَنَّا إِليهم بأَنواع الكرامات، نَجْزى كلَّ محسِن.
٨٥ - ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
أَي: وكذلك هدينا: زكريا، ويحيى، وعيسى، وإِلياسَ. كلُّ واحد مِن هؤلاءِ الأَنبياءِ، بعد تقرير هدايته من جملة الصالحين المستقيمين.
٨٦ - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾:
أَي: وهدينا: إِسماعيل، واليسع، ويونس، ولوطا، ﵈. وفضَّلنا كلَّ واحد من هؤلاءِ بالنبوة على سائر العالمين في عصره.
وهؤلاءِ الذين ذُكِروا في الآيات من أَول قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا. . .﴾ هم من الأَنبياءِ الذين يجب الإِيمان بهم تفصيلا.
стр. 1303
وهناك سبعة آخرون، يجب إلإِيمان بهم تفصيلا. وقد ذكروا في مواضع أخرى من القرآن الكريم، وقد جمعوا في قول بعضهم نظما:
إِدريس، هود، شعيب، صالح وكذا … ذو الكفل، آدم، بالمختار، قد خُتِمُوا
٨٧ - ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
أَي: وهدينا - من آبائهم وذرياتهم وإِخوانهم - جماعات كثيرة،
﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾:
أَي: واخترناهم ودامت هدايتنا لهم إلى الدين الحق، دين التوحيد والاستقامة.
٨٨ - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. . .﴾ الآية.
أَي ذلك الدين الذي أَوحاه الله إِليهم، ووفقهم للإِيمان به، ودعوة الناس إليه، إنما هو هدى الله: يُرشِد إِليه من يشاءُ: هدايته من عباده.
﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أَي: ولو حصل منهما الإِشراك فرضا - وحاشاهم - لبطُلَ وذهب عنهم الذي كانوا يعلمونه من الطاعات.
وفي هذا تنويه بشأْن الدين الذي جاءَ به هؤلاءِ الأَنبياءُ جميعًا. وضرورة التمسك به.
٨٩ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ. . .﴾ الآية.
أولئك: أَي هؤلاءِ الأَنبياءُ المذكورون - باعتبار اتصافهم بالهداية وغيرها من الصفات السابقة - هم:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾:
أي: أَنزلنا الكتاب على بعضهم. وأمرنا البعض بدعوة الناس إلى التمسك والعمل بما نزل على غيره من الأَنبياءِ.
стр. 1304
﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾:
أَي: أَقدرناهم على الفصل بين الناس على ما يقتضيه الحق. وأَعطيناهم النبوة والرسالة.
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾:
الإِشارة في: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ لأَهل مكة وسائر مَنْ كفر بعد تبليغه.
أَي: فإِن يكفر - بهذه الأُمور المذكورة - هؤلاءِ الكفار وغيرهم، فإِنَّنَا قد أَعددنا ووفَّقنا - للإِيمان بها، والقيام بحقوتها - قومًا لم يكفروا بها في وقت من الأَوقات، بل استمروا على الإِيمان بها.
٩٠ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. . .﴾ الآية.
جملة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ … ﴾ صفة لما قبلهَا: ﴿ … قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
والمعنى: هم أولئك الأَنبياءُ الذين وفقهم الله تعالى، إِلى منهج الحق، والخير، فاقْتَدِ بهم يا محمد، وسِرْ على طريقتهم: من التوحيد وأصول الدين؛ لأَن دعوة الأَنبياء في أُصولها واحدة.
وبعد أَن أَمره بالسير على طريقة الأَنبياءِ السابقين، أَمره بأَن يقول لأُمته: إِنه لا يثقلهم بطلب الأجر على دعوته إياهم إلى طريق الخير في قوله:
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾:
أي: قل يا محمد، لأُمتك: لا أَطلب. منكم أَجرا على تبليغكم الدعوة، وإرشادكم إلى ما أمر الله به.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾:
أَي: ما القرآن، إلا عظةٌ وإرشاد للثَّقَلينِ: الإِنس والجن. فتبليغهم إياه - بدون سؤاله إِياهم أجرا - حَقٌّ لهم …
﴿قَرَاطِيسَ﴾: أوراقا مفرقة.
﴿فَى خَوْضِهِمْ﴾: في باطلهم.
﴿يَلْعَبُونَ﴾: يَلْهَون.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: مكَّة. والمراد: أَهلها.
﴿غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: سكرات الموت وشدائده.
﴿خَوَّلْنَاكُمْ﴾: أَعطيناكم.
﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾: أَي في الدنيا.
﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾: تَشَتَّتَ جَمْعُكم.
التفسير
٩١ - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ … ﴾ الآية.
بعد أَن بين الله أَن القرآن نعمة عظيمة، ينتفع بها جميع الناس، لما فِيه من الرشد والهداية، أَتبع ذلك، ببيان جحود الكفار - وخاصة اليهود - لتلك النعمة فقال تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾:
أَي ما عرفوا الله حَقَّ معرفته، حتى لا ينكروا إنعامه عليهم: بإِرسال الرسل، وإِنزال الكتب.
﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾:
أَي حين قالوا ذلك لمحمد ﷺ وقد خاصموه في القرآن. مبالغين بغير حق - في إِنكار إِنزال القرآن على رسول الله ﷺ ، فأَلزمهم الله بما لا سبيل إِلى إِنكاره أَصلا. فقال لهم:
﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾:
أَي قل لهم يا محمد، رَدًّا عليهم: مَن الذي أَنزل التوراة على موسى؟
стр. 1307
وإِنما اختار لإِلزامهم إنزال التوراة عام موسى، لأَنه معترف به ومسلم عندهم، بدون جدال.
﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾:
أي أَنزلنا التوراة، واضحة في نفسها، مرشدة للناس إِلى الطريق المستقيم.
﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾:
أَي - ومع وضوحه وظهور دلالته - تكتبونه في أَوراق مفرقة؛ ليسهل عليكم إظهار ما تريدون اطلاع الناس عليه، وإِخفاءُ الكثير من أَحكامه وشرائعه، مما لا تحبون معرفة الناس له، إِرضاءً لشهواتكم.
﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾:
أَي: وعلمكم الله - على لسان محمَّد ﷺ زيادة على ما في التوراة.
بيانًا لما التبس فَهْمُهُ عليكم وعلى آبائكم، الذين كانوا أَعلَم منكم.
ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١).
﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾:
أَمر الله نبيه ﵇ أَن يجيب بجواب لا جواب سواه، عن الذي أَنزل الكتاب على موسى … إِنما أَنزله الله تعالى. ثم أَمره - بعد هذا الجواب - أَن يهملهم ويتركهم وخوضهم في باطلهم، حيث لم تنفع معهم الحجج الواضحة، والبراهين الساطعة.
٩٢ - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا … ﴾ الآية.
أَي: هذا القرآن: كَتاب الله المشتمل على ما ينفع الناس، منزلٌ من الله تعالى على محمَّد، عظيمُ النفع، كثيرُ الفوائد، موافقٌ للكتب التي سبقته في التوحيد، وفي تنزيه الله، وفي أُصول العقائد، ليكون وسيلةَ إِنذار لأَهل مكة، وسائر الناس.
стр. 1308
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾:
أي: والذين يصدقون بالآخرة تصديقا يُعْتدُّ به، ويرجون لقاء الله، هم الذين يصدقون بالقرآن وينتفعون به. فيحملهم ذلك على الحافظة على صَلَاتهم، وعلى سائر ما أَمرهم الله به من التكاليف.
وتخصيص الصلاة بالذكر، لأَنها عِمادُ الدين.
٩٣ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا … ﴾ الآية.
بعد أَن بين الله الفريق الذي اهتدى، وآمن، وأَدى التكاليف - بيَّن - سبحانه - في هذه الآية، الفريق الذي افترى على الله الكذب.
والمعنى: لا أَحدٌ أَشدَّ ظلما، ممن افترى على الله كذبا، ادعاءً للنبوة، كمسيلمة الكذَّاب وأَمثاله.
﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾:
أَو ادَّعى نزول الوحى عليه. ولم ينزل عليه شيء. أو ادَّعى - باطلا - القدرةَ على إنزال مثل ما أنزل الله على محمد من القرآن. وهيهات أن يتم له ذلك. فإن الله تعالى يقول:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾:
بعد أن بيَّنت الآية حالهم الباطل في الدنيا، انتقلت إِلى بيان حالهم - عند قرب انتقالهم من الدنيا، وما يعقب ذلك من أهوال وشدائد.
стр. 1309
والمعنى: ولو ترى يا محمد، وقت حلول شدائد الموت وأهواله بهؤلاءِ الظالمين، ورسل الموت المكلفون بقبض أَرواحهم تمتد أيديهم مبسوطة إليهم: أَن ينزعوا أَرواحهم من أجسادهم ويلقوها في أَيدى الملائكة. قائلة لهم - إِيلاما وتهكما - انزعوا أَرواحكم من أجسادكم، لأَنكم اليوم تُجْزَوْن عذاب الهُون، بسبب تقوُّلِكم على الله غير الحق، واستكبارِكم عن الانقياد لآياته. والإيمان باللهِ وحده!!!
أَي: لو ترى يا محمد ذلك - لرأيت أمرًا شديدا، تقصر العبارة عن وصفه!!!
٩٤ - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ … ﴾ الآية.
أَي: ويقول الله لهم، إذا بُعثوا: لقد جئتمونا منفردين عن الأَهل والمال والولد والسلطان - كما أوجدناكم - في أَوَّل حياتكم الأُولى - بدون مال ولا متاع ولا ولد.
﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾:
أي: وتركتم ما أعطيناكم من النعم في الدنيا، ولم تحملوا منها - معكم - شيئًا.
﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾:
أي: ويقال لهم توبيخا؛ وفَقدتم أَنصاركم، فما نرى منهم أحدا معكم. وقد كنتم تزعمون أنهم - في استحقاق عبادتكم لهم - شركاءُ لله.
﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾:
أي: لقد انفصمت الروابط بينكم، وتَشتَّتَ جَمْعُكم.
﴿وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾:
أَي: ذهب وضاع منكم الذي كنتم تزعمونه في الدنيا، من أَنهم شفعاء لكم عند الله، ومن أَنه لا بَعْثَ. ولا جزاءَ، ولا حساب.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: كيف يُصْرَفون عن عبادته!
﴿الْإِصْبَاحِ﴾: الصبح والضياء.
﴿سَكَنًا﴾: يُسْكَن فيه من تعب النهار.
﴿حُسْبَانًا﴾: يُحسَبُ بهما الأَوقات.
﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: ظلمات الليل في البر والبحر.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: فلكم مكانُ استقرار في الأَصلاب، واستيداع في الأَرحام. أَو العكس.
﴿يَفْقَهُونَ﴾: يفهمون.
﴿خَضِرًا﴾: أَخضر.
﴿مُتَرَاكِبًا﴾: رُكِّب بعض مه فَوق بعض.
﴿قِنْوَانٌ﴾: الْقِنْوُ، ما يحمل من التمر وهو كالعنقود للعنب.
﴿وَيَنْعِهِ﴾: ونُضْجِه.
التفسير
٩٥ - ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى … ﴾ الآية.
هذا شروع في بيان قُدْرَةِ الله تعالى العجيبة: الدالة على كمال علمه ودقة تدبيره، ولطيف صنعه وحكمته. جاءَ بعد تقرير أَدلة التوحيد، ونفى الشركاء والشفعاء؛ فقال تعالى:
﴿إِنَّ الله فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾:
يخبر الله تعالى عباده: أَنه يَشُقُّ الحَبَّ والنَّوى في التراب، فتنبت الزروع، على اختلاف أَصنافها، من الحبوب، والثمار على تنوع أَشكالها وأَلوانها وطعومها، من النوى.
стр. 1312
﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ﴾:
هذا تفسير لما تقدم، فهو يخرج النبات الحى مما يمتصه من عناصر التربة الأرضية الميتة، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ (١).
﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ﴾:
فهو يخرج الخلايا الميتة من النبات والحيوان. كما يخرج الأَظافر والشعر وبقايا الغذاءِ من الخلايا الحية من الإِنسان والحيوان، وحينما يموت النبات والحيوان والإِنسان تتحلل أَجسامها جميعا فتعود إِلى العناصر الترابية التي كانت قد تكونت منها. وهى بضعة عشر عنصرًا. على اختلاف في النسب بين الحيوان والنبات.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾:
أَي: صاحب هذه الأَفعال العجيبة، هو الله ذو القدرة العجيبة، المستحق للعبادة دون سواه.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾:
أَي: فكيف تصرَفون عن الحق، وتعدلون عنه إِلى الباطل. فتعبدون - مع الله - إلها آخر.
٩٦ - ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ … ﴾ الآية.
أَي: هو خالق الضياءِ، الذي يشق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضئ الوجود، ويستنير الأُفق عن حكمةٍ وسعةِ رحمةٍ. فكلٌّ لنا به حاجة وذلك دليل القدرة التامة، حيث أَوجد الأَشياءَ المتضادة لحاجة حياتنا إِليها. مما يدل على حكمته، وكمال عظمته، وعظيم سلطانه.
﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾:
أَي: يسكن فيه الإِنسان والحيوان، ليستريح من عناءِ العمل في النهار.
стр. 1313
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾:
أَي: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب مقدر: لا يتغير، ولا يتبدل، وبهما تُحْسَبُ الأَوقات، التي تؤَدَّى فيها العباداتُ والمعاملات.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:
أَي: ذلك الذي تقدم من ظهور الإِصباح. وجعْل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا - جارٍ وحاصلٌ، بتقدير العزيز الذي أَحسن كل شيء خلقه، وأَبدع تصويره.
﴿الْعَلِيمِ﴾:
الذي وسع علمه كما شيءٍ. فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأَرض ولا في السماءِ.
وقد وردت هذه الخاتمَةُ كثيرا في القرآن. بعد ذكر خلق الليل والنهار والشمس والقمر مما يدل - دلالةً واضحة - على أَن هذه الكائنات من أَقوى الأَدلة على سعة الله، وعظيم تدبيره.
٩٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ … ﴾ الآية.
أي: وهو الذي أوجد النجوم: لهدايتكم في ظلمات الليل في البر والبحر. وفي ذلك بيان لبعض آثارها الكونية.
ومن آثارها النافعة: ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ … ﴾ (١) الآية. ولا يزال العلم يبحث عن أَسرارها فيكشف جوانب من آياته - تعالى - في هذه الأَجرام.
أَما مَنْ يحاولون كشْفَ أَستار الغيب عن طريق هذه النجوم، فهم مخطئون مخالفون لتعاليم الإِسلام.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
أَي: قد بَيَّنَّاهَا ووضحناها لقومٍ يعلمون معانِيهَا، ويعملون بموجبها، لِيُتَّبَع الحق، ويجتنب الباطل.
стр. 1314
٩٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ … ﴾ الآية.
وهذا تذكيرٌ بنعمة الإيجاد من العدم.
أَي: وهو الذي أَوجدكم من نفس واحدة؛ هي آدم ﵇.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾:
أَي: فلكم استقرارٌ في الأَصلاب. أَو فوق الأَرض. واستيداع في الاَّرحام، أَو في القبر. أو: الاستقرارُ؛ في الأَرحام، والاستيداعُ؛ في الأَصلاب.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾:
أي قد بيَّناها لمن يفهمون ويَعُون كلام الله وما احتواه من المعاني.
وختمت الآية الأُولى، بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ والثانية بقوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ لأَن الإِنشاء من نفس واحدة، أَلطف وأَدقّ تدبيرًا وصنعةً، فكان ذكر الفقه - الذي هو استعمال الفطنة، وتدقيق النظر - مناسبا له.
ذكر مع النجوم العلم، لأَن النظر في أَحوالها: لا يحتاج إلاَّ إِلى العلم. ولَفْت الذهن إِليها.
٩٩ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً … ﴾ الآية.
هذا تذكير بنعمة أُخرى من نعمه الجليلة، الدالة على كمال قدرته.
والمراد من الماء: المطر. ومن السماء: السحاب. والماءُ ينزل بقدر: رزقًا للعباد، ورحمةً من الله بخلقه.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾:
أَي فأَخرجنا بسبب هذا الماءِ كلَّ صنف من أَصناف النبات المختلفة، التي ينتفع بها الإِنسان والحيوان: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ (١).
стр. 1315
﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾:
هذا شروع في تفصيل ما أَجمله، من إِخراج النبات.
أَي: فأَخرجنا - من النبات - شيئًا غضًّا أَخضر، وهو ما تشعب من أَصل النبات الخارج من الحبة.
﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾:
أَي: نخرج من ذلك النبات الأَخضر، حبا رُكِّب بعضه فوق بعض، كما في السنبل من القمح والشعير.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾:
وهذا تفصيل حال الشجر بعد النبات.
أَي: ومِن طلع النحل، قنوانٌ يحمل ثمرها، ويكون في متناول الأَيدى. وهو الدانى القريب، أَو في غير متناول الأَيدى. وهو البعيد .. ونَبَّهَ على الأُولى، لزيادة النعمة فيها.
والقِنْوَان. مما يستوى فيه المفرد والمثنى والجمع. مثل: صِنْو، وصِنْوَان.
﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾.
أَي: ونخرج منه جناتٍ من أَعناب.
وهذان النوعان هما أَشرف الثمار عند أَهل الحجاز. وربما كانا خيار الثمار في الدنيا.
وقد امتن الله بهما على عباده، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (١) وكان ذلك قبل تحريم الخمر. وقال : ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ (٢).
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾:
أَي: وأَخرجنا الزيتون والرُّمان مشتبهًا في الورق، فهو قريب الشكل بعضه من بعض. وغير متشابه في الثمار: شكلا وطعما وطبعا. مما يدل على كمال قدرة خالقها، وحكمة مبدعها. ﷻ .
стр. 1316
﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾:
أي: انظروا نظَرَ اعتبار وَتبَصُّرٍ - إلى ثمر الزَّيتون والرُّمان، إِذا أَخرج ثمره: كيف يخرجه صغيرا ضئيلا، لا يكاد ينتفع به، وإلى حال نضجه، حيث يصبح ذا نفع عظيم ولذة كاملة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ﴾:
إنَّ فيما أُمرتم بالنظر إليه لَدَلائلَ كثيرةً عظيمة، على وجود القادر العظيم، وحكمه ووحدته.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
لِقَوم يصدقون به، ويتبعون رسله.
وخَصَّ المؤْمنين بالذكر؛ لأَنهم هم الذين انتفعوا بذلك، دون غيرهم.
ووجه دلالة ذلك على وجود إله حكيم قادر واحد: أَنَّ حدوثَ هذه الأصناف المختلفة المتشعبة من أصل واحد، وانتقالها من حال إِلى حال على نمط بديع - لا بد أَن يكون بأحداث صَنَعهَا صانع حكيم، يعلم تفاصيلها.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.
المفردات:
﴿الْجِنَّ﴾: المراد بهم؛ الشياطين. أو ما يعمهم والملائكة.
﴿وَخَرَقُوا﴾: أَي اختلقوا، وافتَرَوْا.
стр. 1317
التفسير
١٠٠ - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ … ﴾ الآية.
بعد ما تقدم من النعم الجليلة، التي أَبدعها الله وهي دالة على توحيده - وَبَّخ مَنْ أَشرك به سبحانه، وعَبَد غيرَه، ورَدَّ عليه بقوله:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾:
أَي: وَصَيَّرُوا الجن شركاءَ لله، حيث اعتقدوا ذلك. وقالوا: إن الملائكة بنات الله.
وتسميتهم جنا، لاجتنانهم واستتارهم عن الأَعين.
أَو المراد بهم: الشياطين، حيث أَطاعوهم كما يطاع الله تعالى. وعَبدوا الأَصنام وغيرهم: بوسوستهم وتحريضهم.
انظرْ التي قول الملائكة يوم القيامة: ﴿ … سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (١).
﴿وَخَلَقَهُمْ﴾:
أَي: اتخذوا له سبحانه، شركاءَ، وقد خلقهم وحده. فلا يصح أَن يُعْبَدَ سواه.
﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾:
أي: واختلقوا وافْتَروْا لله سبحانه، بنين ربناتٍ، بغير علم بحقيقة ما يقولون. ولكن جَهْلًا بالله وبعظمته إذ لا ينبغى - ما دام إلهًا - أَن يكون له بنون وبنات، أَو صاحبة، أَو أَن يشاركه أَحدٌ في خلقه.
وفي هذا تنبيه على ضلال من ضل، بادعاءِ أَن له ولدًا، كما يزعم اليهود، حيث قالوا: عزير ابن الله. وكما قال النصارى: المسيح ابن الله. وكما زعم المشركون من العرب في قولهم: الملائكة بنات الله.
стр. 1318
﴿سُبْحَانَة وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾:
أَي: تَقَدَّسَ وتنزَّه وتعاظم الله ، عما يصفه به الجهلة الضالون، من نسبة الأَولاد والأَنداد والشركاءِ إليه. تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾.
المفردات:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: منشئهما ابتداءً، من غير مثال سبق. وهو صيغة مبالغة. من بَدَعَهُ؛ بمعنى: اخترعه.
﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾: من أَين يكون له ولد. أَو كيف يكون له ولد؟
﴿صَاحِبَةٌ﴾: زوجة.
﴿وَكِيلٌ﴾: تستعمل هذه الكلمة بمعنى: حفيظ، وبمعنى: مَنْ يُوكَلُ إِليه الأَمْر، ومن يتولاه .. وكلٌّ تصح إِرادته هنا.
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأِبْصَارُ﴾: إِدراك الشئ؛ الوصول إِليه، والإِحاطة به.
﴿الْأَبْصَارُ﴾: جمع بصر. وهو حاسَّة النظر. وقد يطلق على العين، لأَنها محلٌّ النظر والإِبصار.
стр. 1319
﴿اللَّطِيفُ﴾: العليُم بدقائق الأُمور وخوافيها. وقد يراد منه: المحسن. وهو المناسب هنا لإِفادته معنى جديدا.
أَما المعنى الأَول فهو داخلٌ في عموم معنى الخبير. إِذ معناه: العليم بالظواهر والخوافى.
التفسير
١٠١ - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ … ﴾ الآية.
المعنى: الله مبدع ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، بلا مثال يحتذيه ولا شريك يُعينه، فكيف يكون له ولد - كما يزعمون - ولم تكن له زوجةٌ تصاحبه يأْتي منها الولد؟!
وخلق كل شيء ومن الموجودات، حتى ما زعموه ولدا، والمخلوق لا يكون ولدا - وهو بكل شيء عليم. ومن كذلك، فإِنه يعلم ما افْتَرَوْه عام الله إن البنُوَّة وسوف يُجْزَوْنَ على افترائهم أسْوَأَ الجزاء.
وفي الآية دليل على نَفْىِ الولد عن الله تعالى، من وجوه:
أَحدها: أن من مبدعاته: السمواتِ وَالأَرضَ. وعَن كان كذلك، لا يصح أَن يكون له ولد. لأَن ما ادعوْه ولدا، لا يقدر على مثل ذلك. ومِنْ شأْن الولد. أن يكون قادرا على مثل ما يقدر عليه أَبوه.
ثانيها: أَن مِنْ شأْن الولدِ أَن يتولَّد من ذكر وأُنثى متجانسين. والله تعالى، منزه عن المجانسة والشابهة، فلهذا، لا تكون له زوجة يأْتي منها الولد.
ثالثها: أَن الولد الذي ادعوه، مخلوقٌ لله تعالى. فقد خلق - سبحانه - كلَّ شيءٍ وهو من جملته. والمخلوق لا يكون ولدًا للخالق، ولا يسمى به بل يسمى مخلوقا.
رابعها: أَن الولد يشبه أَباه، والله بكل شيء عليم. في حين أَن ما ادَّعوه ولدا، ليس كذلك. فلا يصلح أَن يكون ولدًا لله. لأَنه فقد صفته، وهي العلم بكل شيء.
стр. 1320
١٠٢ - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾:
أَي: ذلكم الموصوف بهذه الصفات الجليلة. هو الله المستحق وحده للعبادة.
﴿رَبُّكُمْ﴾:
أَي: مالك أُموركم دون غيره،
﴿لَا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾:
أي: لا معبود - بحق - سواه.
﴿خَالِقُ كل شَىْءٍ﴾:
أي: ما كان منه وما سيكون. فلا يصلح - سواه - أن يكون ولدا له، يُعبدُ معه. ويقدس تقديسه، لعدم مشابهته له تعالى، في تلك الصفات. فإن مِنْ شأن الولد أن يشبه أباه في صفاته.
وإِذا كان الأَمر كذلك. فاعبدوا الله وحده - غير مشركين به، ولا متخذين له ولدا. والله - مع كل هذه الصفات الجليلة - وكيل، أَي متولٍّ أُمورَ خلقه، قوامٌ عليها. يحفظها من الخلل بعد أَن منحها أَسباب الوجود. فلا يصلح غيره أن يُعبدَ معه، أَو أن يكون له ولد.
١٠٣ - ﴿لَا تُدْركُهُ الْأبصَارُ وَهُوَ يَدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾:
إدراك الشئ: الوصول إِليه والإحَاطة به.
ولهذا يقول سعيد بن المسيب في معنى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾: لا تَصل إليه الْأَبْصارٌ ولا تحيط به.
ومعنى الآية مجتمعة: لا تَصِل إلى الله الأَبصارُ ولا تحيط به. والله هو الذي يحيط بالأَبصار، ويعلم دقائقها وخفاياها. وهو الرفيق بعباده، المحسن إليهم، العليم بظواهر الأُمور وخوافيها.
وقد استدل المعتزلة بالآية الكريمة، على امتناع رؤية البشر لله تعالى.
ولا حجة لهم فيها.
стр. 1321
إذ ليس الإِدراك مطلقَ الرؤْية، حتى يكون نفيه نفيا لها، بل هو رؤْيةٌ مع شمول وإحاطة. وذلك هو المنفي، فلا مانع من الرؤية لله - دون إحاطة وشمول - مع نفي الكيف عنها، فإن الرؤية غير منفية، إِذ نفى الخاص، ليس نفيًا للعام.
ولا مانع من أَن يخلق الله في البصر قوة غير عادية، يمكن بها رؤية البارئ ، بدون مستلزمات رؤْية الحوادث.
وقد صحَّ عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ: لا تضامُون في رُؤيَتِه … " (١) الحديث.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾.
المفردات:
﴿بَصَائِرُ﴾: جمع بصيرة، وهي: النور الذي تبصر به النفس والقلب. أما البصر: فهو نور العين.
وأُطلقت البصائر على آيات القرآن، تشبيها لها بها، في إظهار الحق.
стр. 1322
﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: نبيِّنها، أو ننقلها من نوع إلى نوع. مأْخوذ من الصرف، وهو: نقل الشئ من حال إِلى حال.
﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾: اللام في ﴿لِيَقُولُوا﴾ لام الأَمر. وقد كسرت. وتؤيده قراءة أُخرى بإِسكانها.
﴿دَرَسْتَ﴾: تَعَلَّمْتَ.
﴿حَفِيظًا﴾: حارسا. من حَفِظَهُ بمعنى: حرَسَه.
﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾: أَي: لست وكيلا في أَمر جَزَائهم. فدعهم إلى الله.
التفسير
١٠٤ - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ الآية.
قد جاءَكم أَنوارٌ لقلوبكم من مالك أمركم ومربيكم. وتنبعث هذه الأَنوار من آيات القرآن الذي أَنزله إِليكم. فَمَنْ رأَى الحق ببصيرته في ضوئها، فاهتدى إليه، وآمن به - فنَفْع ذلك راجع لنفسه، عائد عليها. إذ أَنه - بذلك - ينجو من العقاب، وينعم في جنات النعيم. ومَنْ تعامى عن الحق يحاول أَن يبصره في ضوئها - فضلّ وكفر - فضرر ذلك عائد على نفسه، راجع إليها. إِذ أَنه سيعاقَب بالخلود في النار.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾:
أَي: يحفظكم من الضلال، ويمنعكم من الغواية. فلم يكلفنى الله بذلك. وإِنما كلفنى بالتبليغ والإِنذار. وقد فعلت.
١٠٥ - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
ومثل ذلك التبيين والتنويع. نبيّن وننوع الآياتِ القرآنيةَ الكاشفة عن الحق لنلزم المعارضين الحجة.
ولا عليك يا محمَّد، أن يفتروا الكذب، ويقولوا: دَرَسْتَ كُتُبَ أهل الكتاب وأَنشأْتَ منها هذا القرآن. ولكى نبينه لقوم يتصفون بالعم والفهم - نُصَرِّف آياتِهِ فينتفعوا بهداه، ويؤمنوا برسوله، دون جدال بالباطل.
стр. 1323
وجملة: ﴿وَليَقُولُوا دَرَسْتَ﴾: جملة طلبية كما بَيَّناه في المفردات. وقد جاءَت معترضة بين ما قبلها وما بعدها، للمسارعة إِلى تسلية النبي، ﷺ ، عن معارضتهم.
فإِن المراد منها: أَلَّا يَعْتَدَّ بما يقولون من الأَكاذيب. فقد زعموا: أَن النبي ﷺ ، درس على أَهل الكتاب، وتَعلَّمَ منهم، وأَلَّف القرآن، وفقًا لما أَخذه عنهم. مع أَن مكة خالية من أَهل الكتاب، ولم يَلْقَ ﷺ أَحدا منهم فيها، ولا في غيرها، كما أَنه ﵇ أُمِّىٌّ. والقرآن فوق طاقة البشر جميعًا. ومنهم محمَّد ﷺ ، فبذلك تكون دعواهم ظاهرد البطلان، ولا تستحق أَن يبالى بها النبي ﷺ .
﴿وَلنَبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١):
والمعنى ولنبيّن أَنه قرآن من عند الله لمن يعلَمون ذلك حقَ العلم من أَهل الكتاب - لنلزمهم الحجة، ولعلهم يرشدون.
١٠٦ - ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾:
اتبع ما يوحى إِليك من ربك، اعتقادًا وقولًا وعملًا. وأَعرض عن أَقوال المشركين. ولا تبالِ بِافترائهم وتكذيبهم. وامضِ في تبليغهم ما أَوحيناه إِليك.
١٠٧ - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾:
ولوأراد الله عدم إِشراكهم ما أَشركوا، بأَن يحملهم على الهدى، ويلجئهم إلى الإِيمان ولكنه تركهم لا يدور عليه أَمر التكليف وهو الاختيار.
ولمّا تركهم لاختيارهم، لم يحسنوا الانتفاع بآياته، فتخلى عن معونتهم.
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ﴾: يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: قَيِّمًا وحارسًا، يحفظهم من الشرك، حتى تؤاخذ بشركهم.
سبب نزول هذه الآية الكريمة: أَن المسلمين كانوا يَسُبُّون آلهةَ الشركين، ويذكرون قبائحها. فنهوا عن ذلك؛ لئلا يستتبع سبهم لها، أَن يفعل المشركون مثله. في حق الله تعالى.
وقال ابن عباس: قالت قريش لأبي طالب: إِما أَن تَنْهَى محمدا وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغض منها، وإما أَن نسُبَّ إلهه ونَهْجُوَهُ. فنزلت الآية.
والخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا﴾ للمؤمنين.
والمعنى: ولا تسبوا الآلهة الذين يعبدهم المشركون من دون الله، فيسبَّ المشركون الله تعالى: اعتداءً وتجاوزا للحق، بغير علم منهم بما يجب له سبحانه - من التعظيم والإجلال.
والتعبير عن الأصنام بكلمة: ﴿الَّذِينَ﴾ مع أنها لا تعقل، مجاراة لأُسلوب متعقديها (١).
وحكم هذه الآية باق.
فمتى كان الكفر في مَنَعَة، وخِيفَ أَن يسبَّ الإِسلام - أو النبيَّ ﷺ أو الله فلا يحل لمسلم أَن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم. أو يتعرض إلى ما يؤدى إلى ذلك. لأَنه بمنزلة البعْث على المعصية. وفي الآية دليل على وجوب سدّ الذرائع. إِهـ من القرطبى.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾:
ومثلما زينا لهؤلاءِ عملهم القبيح، زينَّا لكل أُمَّة عملهم من الخير والشر.
قال ابن عباس: زينا لأَهل الطاعة الطاعة، ولأَهل الكفر الكفر.
والمراد من تزيين الله الأعمال لكل أُمة: أَن يخلق الأَسباب التي تجعل أَعمالهم محببة إلى نفوسهم. فيتقبل كل منهم - باختياره - على ما يوافق ميله وهواه: من طاعة أَو معصية.
ولذا نسب العمل إليهم في قوله سبحانه.
стр. 1326
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
ثم إِلى مالك أَمرهم رجوعهم بالبعث بعد الموت. فيخبرهم ويجزيهم بما كانوا يعملونه باختيارهم: من طاعة أَو معصية. وفقا لما تأَثرت به نفوسهم، وكسبته أَيديهم من دواعى هذه الأَعمال.
وقد دلت الآية الكريمة، على أَن الأَعمال تظهر لبعض الناس في الدنيا بغير صورتها الحقيقية: التي تكون لها في الآخرة.
فالكفر والمعاصي - مع كونها سموما قبيحة قاتلة، شائهة - تبدو في الدنيا، بصورة تستحسنها نفوس الكفرة والعصاة.
والإيمان والطاعات، تظهر لديهم فيها على العكس من ذلك.
ولذا قال ﷺ : "حُفَّتِ الجنَّةُ بالْمَكارِهِ. وحفَّتِ النارُ بالشَّهَوَاتِ".
فإِذا بعثوا يوم القيامة عَرَّفهم الله الأَعمال بحقائقها، وجزاهم على تقصيرهم. وهذا هو قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
١٠٩ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا … ﴾ الآية.
سبب نزولها - على ما ذكره القُرَظِىُّ وغيره - أَن قريشا قالت: يا محمد، تخبرنا أن موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. وأَن عيسى كان يُحْيِى الموتى وأَن ثمود كانت لهم ناقة .. فائتنا ببعض هذه الآيات حتى نُصدقك. فقال: "أَىُّ شيءٍ تحبون"؟ قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا. فوالله، إِن فعلت لنتبعنك أَجمعون. فقام رسول الله ﷺ يدعو. فجاءَه جبريل فقال: "إِن شِئْتَ أَصبح ذهبا: ولئن أَرسل الله آية ولم يصدقوا عندها، ليعذبنهم، فاتركهم حتى يتوبَ تائبهم .. ".
فقال رسول الله ﷺ : "بل يتوب تائبهم" فنزلت هذه الآية. وجَهْدُ اليمين: أَشَدُّها، وغايتها التي بلغها علمهم، وانتهت إِليها طاقتهم وقدرتهم.
стр. 1327
وذلك أَنهم كانوا يعتقدون أَن الله هو الإِله الأَعظم. وأَن هذه الآلهة إِنما يعبدونها، ظنًّا منهم أَنها تقربهم إِلى الله زلفى. كما أَخبر الله عنهم بقوله:
﴿ … مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١).
وكانوا يحلفون بالأَصنام والآباءِ وغير ذلك.
وكانوا إِذا حلفوا باللهِ سموه جهد اليمين. ذكر ذلك القرطبى.
والمعنى: وأَقسموا بالله - جاهدين في أَيمانهم، بالغين فيها غاية الطاقة - لئن جاءَتهم معجزة كونية من جنس آيات المرسلين السابقين، ليؤْمِنُن بها ..
ولا ريب أَن طلبهم هذه الآيات، ناشئ عن تماديهم في العناد، فإِن القرآن: هو الآية العلمية التي تخضع لها شم الجبال، وتلين لها الصخور.
وكان عليهم - لو كانوا طلاب حق - أَن يؤمنوا بها، ويقفوا عند حدودها.
فكيف وقد انضم إِليها عديد من المعجزات الكونية: كانشقاق القمر، وحنين الجذع، وتَبْع الماء من بين أَصابعه الشريفة، ونزول المطر، ورفعه؛ بدعائه ﷺ .
ولهذا، لم يستجب الله لما طلبوا، وأَمر نبيَّهُ أَن يغلق باب اقتراح الآيات. فقال:
﴿قُلْ إنَّمَا اْلآيَاتُ عِندَ اللهِ﴾:
قل أيها الرسول لهؤُلاءِ المقترحين: إِنما الآيات عند الله، فهو صاحب المشيئة والأَمر في شأْنها: يتصرف فيها كما يريد حسب حكمته البالغة. وليس لأَحد مشيئة فيها ولا قدرة عليها حتى يمكننى أَن أُحققها لكم بأَى وجه من الوجوه. وقد حقق لكم من الآيات ما ينبغي لتأْييد رسالتى. فسؤالكم آيات أُخرى، ما هو إلا مكابرة وعناد.
стр. 1328
وصدق الله إذ يقول: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ … ﴾ (١).
ثم خاطب الله المسلمين: مبينا الحكمة في عدم تحقيق مطالبهم، التي أشار إليها هذا الجواب. فقال تعالى:
﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
أي: وما يعلمكم - أَيها المؤمنون - أَن الآيات التي طلبها المشركون - إذا جاءَت - كما طلبوا - لا يؤْمنون بما دعاهم إِليه الرسول ﷺ ؟
وقد بين الله - بهذه الجملة - أَن أَيْمَانُهم فاجرةٌ. وأَنهم لا يؤْمنون إذا حُقِّق لهم ما طلبوه.
وإِنما خاطب الله المسلمين بقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾؛ لأَنهم تَمَنَّوْا تحقيقها ومجيئها، طمعا في إيمانهم.
وكأَن الله تعالى، يقول لهم: أنتم لا تعلمون أَنهم لا يؤْمنون بعد مجيئها. فلذلك تمنيتم تحقيقها، طمعًا في إيمانهم. فكأَن الله تعالى - إذ يقول - يبسط عذر المسلمين في تمنيهم.
١١٠ - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ … ﴾ الآية.
معطوف على قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ داخل معه في حكم ما يشعركم مقيَّدٌ بما قُيد به.
والمعنى: وما يشعركم أَيها المؤْمنون، أَننا نقلب ونحول قلوبهم عن الحق فلا يعرفونه. ونقلب كذلك أبصارهم عن معالمِهِ فلا يبصرونه، ولا يؤمنون به. كما لم يؤْمنوا به أَول مرة حينما جاءَهم القرآن. والآيات السابقة. ونحن نتركهم في طغيانهم يتحيرون، فلا يهتدون لفساد طويتهم.
وقد دلّ قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ على أَن تقليبه تعالى لأَفئدتهم وأَبصارهم - ليس بطريق الإجبار والقهر - مع توجههم إلى الحق - بل بأَن يُخلَّيَهم وما انطوت عليه نفوسهم من الطغيان، ونعوذ باللهِ من ذلك.
стр. 1329
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾.
المفردات:
﴿حَشَرْنَا﴾: جمعنا وعرضنا.
﴿قُبُلًا﴾: أي مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم، أو هو جمع قابل بمعنى: مقابل لحواسهم. أو جمع قبيل بمعنى: كفيل - أو جمع قبيلة بمعنى: جماعة.
التفسير
١١١ - ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا … ﴾ الآية.
بينت الآيتان السابقتان: أَن كفار مكة - وهم المشركون - اقترحوا على النبي ﷺ لإِيمانهم به - آياتٍ كونيةً غير ما أَيَّدَهُ الله به، وأَن الله كَذَّبهم في دعواهم الإِيمان. إِذا أَنزلها.
وجاءَت هذه الآية الكريمة، تؤكد إصرارَهم على الكفر، مهما نزل لهم من الآيات. والمعنى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مؤَيدة للنبي ﷺ ، بحيث يرونهم عِيَانا، ويسمعون تأَييدهم لرسالته.
﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾: شاهدين بصدق نبوته، بعد أن أحييناهم كما طلبوا بقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) وجمعنا كل شيءٍ من الآيات الكونية: مقابلة ومواجهة - لو فعلنا كل ذلك - ما كانوا ليؤْمنوا مستجيبين لهذه الآيات، إِلا أَن يشاءَ الله. وهيهات ذلك، وهم مُصِرُّونَ على الكفر والعصيان.
التفسير
١١٢ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا … ﴾ الآية.
بعد أَن بين الحق ﵎، حال أُولئكَ الذين طُبِعَ على قلوبهم، بسبب إصرارهم على الكفر والطغيان - سلَّى رسوله ﷺ ، ببيان أَنَّ مَا حدث من تكذيب قومه له، سبقت أمثاله مع الرسل السابقين.
والمعنى: وكما جعلنا لك - يا محمَّد - أعداءً يخالفونك ويعادونك - جعلنا لكل نبي من قبلك - أيضًا - أعداءً من شياطين الإِنس والجن ذوى الضرار، يلقى بعضهم إلى بعض القول الزين ظاهره، الفاسد باطنه.
ومن ذلك ما أَلقاه شياطين الجن في نفوس شياطين مكة. من اقتراح آيات خاصة على رسول الله ﷺ .
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾:
ولو شَاءَ ربك أَلَّا يحدث من قومك ما كان منهم، من اقتراح الآيات - عنادا - بتزيين شياطينهم إليهم - ما كانوا يفعلون ذلك. ولكنه - تعالى - تخلَّى عنهم لانصرافهم عنك .... فاتركهم وما يفترونه عليك في شأْن رسالتك، فإِننا سنجزيهم على افترائهم أَشد الجزاءِ، وسنثيبك على صبرك أَحسن الثواب.
التفسير
١١٣ - ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾:
هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ … ﴾.
والمعنى: يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغُرُّوهم، ولِتَمِيلَ إليه قلوبُ الذين لا يؤْمنون بالآخرة، وليرضَوهُ لأَنفسهم، بعد ما، مالت إليه أفئدتهم، وليكتسبوا ما هم مكتسبون من القبائح بمقتضى ارتضائهم لها.
стр. 1332
وقد جعل عدم إيمانهم بالآخرة، سببا لإِصغائهم إلى شياطين الإنس والجن، وما يزخرفونه لهم من الكفر والمعاصي؛ لأَنهم لو كانوا يعتقدون البعث والحساب والجزاءَ - لفكروا فيما يلقيه الشياطين، ولخافوا سوءَ عاقبته.
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.
المفردات:
﴿أَبْتَغِى﴾: أَطلب.
﴿حَكَمًا﴾: حاكما يفصل بيني وبينكم.
﴿مُفَصَّلًا﴾: مبيَّنا.
﴿الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّين.
التفسير
١١٤ - ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا … ﴾ الآية.
لما بين اللهُ في الآيتين السابقتين: أَنهم يستمعون إلى زخارف الشياطين، ويصغون إليها في شأْن نبوة محمَّد ﷺ ، أَتبعَ ذلك بيان أَن الله هو الذي يحكم على ما هم فيه بأَنه باطل، وعلى ما جاءَهم به الرسول بأَنه حق، بما أَنزله إليهم من كتابه الْمُعْجِز، ليكون آية لهم على ذلك.
стр. 1333
والمعنى: قل لهم يا محمد: أَيصح أَن أَطلب غير الله حكمًا يفصل بيني وبينكم، فَيُظهِرَ بَاطلَكم الذي اعتمدتم فيه على زخارف الشياطين، ويُبيِّنَ الحق الذي جئتكم به مؤيدا بالبراهين، وهو - سبحانه - الذي أَنزل إليكم القرآن مفصلا ومبينا فيه الحق والباطل .. ولا حَكَمَ خيرٌ منه!!
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾:
والذين آتيناهم الكتاب - من علماءِ اليهود والنصارى - يعلمون أَن القرآن هو الحق من ربهم، بما جاءَ في كتبهم من التنويه به، والنصِّ على رسالة محمَّد الذي جاءَ به: اسما ونعتا، وإِن كفروا به وكتموه: ﴿ … حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ .. ﴾ (١).
وَمَنْ هذا شأْنه، فكيف أَعدِلُ عن حكومته - في كتابه الفصل - إلى حكومة غيره: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (٢).
وقيل: المراد من الذين أُوتوا الكتاب - مَنْ آمَنَ بالرسول من علمائهم. فلذلك استشهد الله بهم، لأَنهم لا يكتمون مَا عَلمُوه في شأنه من كتبهم، فإِنه هو الذي حدا بهم إِلى تصديقه، وترك ما كانوا عليه من دينهم.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾:
الخطاب - هنا - لكل أَحد. على معنى أَن الأَدلة على كون القرآن منزلا بالحق - من الله قد بلغت من الوضوح والقوة، بحيث لا تترك مجالا للافتراءِ والشك فيها من أحد من العقلاءِ.
فكأَنه يقول: فلا تكونن - أَيها العاقل - من المتشككين في كون القرآن منزلا من ربك بالحق، وأنه هو الحَكَمُ بين الرسول وبين الكافرين.
١١٥ - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
المراد بِـ (كَلِمَة رَبِّكَ): القرآن الكريم. والمفرد إذا أَضيف: يعم، فكأَنه قيل: ﴿كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾ وبها قرئ.
стр. 1334
والمعنى: وتمَّ كتاب ربك الذي أَنزله إِليك، صادقا في أخباره ووعده ووعيده، عاد لا في أَحكامه … فقد بلغ الغاية القصوى في ذلك؛ لا مبدل لهذا الكتاب. فهو محفوظ بعناية الله تعالى، من عَبث العابثين، وتبديل المبدلين. كما قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فهو- بذلك - مخالف لما سبقه من الكُتب السماوية التي لحقها التبديل، وأضاع أصلها التغيير. فطمست فيها معالم الحقائق الدينية، التي تبَيِّن صدق الرسول فيما جاءَ به، وتظهر وحدانية الخالق وتنزهه عن الجسمية، وسائر صفات البشرية.
وإنما تكفَّل الله بحفظ القرآن دون غيره؛ لأَنه تضمَّن شريعة الله الباقية إلى قيام الساعة، الصالحة لكل زمان ومكان. بخلاف ما تقدمه من الكتب، فإِنه كان لوقت محدود.
ثم ختم الله الآية بقوله:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾: أي عظيم السمع لما يقال، وفي جملته ما افتَرَوْهُ عَلى القرآن العظيم.
﴿الْعَلِيمُ﴾: أي واسع العلم بكل ما كان وما يكون. وفي جملته ما أَضمروه من العداوة لكتابه ورسوله: وسعيهم في إبطال دينه.
وحيث كان سميعا لأَقوالهم الفاسدة، عليما بنياتهم وأحوالهم الخبيثة، فإنه - قطعا - سيجزيهم بما يستحقون من سوءِ العقاب.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾.
المفردات:
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: ما يتبعون في عقائدهم وأَحوالهم إلاَّ التخمين الباطل.
стр. 1335
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: وما هم إِلا يَكْذِبون على الله سبحانه. وأصل الخرص: الظن والتخمين. ومنه خرص النخل وهوتقدير ما عليها من التمر ظنا.
التفسير
١١٦ - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
بعد أن بيَّن الله تعالى، أن كتابه الذي أَنزله على محمَّد ﷺ ، هو الحَكمُ الفاصل بين الحق والباطل، والعدل والظلم - جاءَت هذه الآية، للحض على التمسك بما جاءَ فيه، وطرح ما عداه، مما يُضل عن سبيل الله.
والخطاب للرسول ﷺ ، والمراد به: كل من يصلح للخطاب، والمراد: بـ ﴿أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: الكفار أو أصحاب الهوى، وهم يمثلون أكثرية البشرية.
والمعنى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ في عقائدهم وأهوائهم ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الذي شرعه لعباده متسما بالصدق والعدل.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ما يتبع أكثر الناس إلا الظن المفضى إلى الباطل الذي لا يستند إِلى دليل، وما هم إلا يكذبون على الله، في عَزوِ أَحكامهم إِليه تعالى، افتراءً وزورًا.
ومن ذلك زعمهم: أَن الله اتَّخَذ ولدَا، وأَن الأَوثان تُقَرَّبُهم إِلى الله زُلْفَى، وأَن الله أَحلَّ أكْلَ المَيتةِ، وشَرَع البَحيرةَ والسائِبة.
ويجوز أَن يكون المعنى: وما هم - فيما يزعمون من الآراءِ الفاسدة - إِلا يتوهمون أَنهم على شَئٍ وجانب من الحق، دون أَن يكون لهما على ذلك دليل وبرهان.
وأَصل الخَرْصِ: الحَدْسُ والتَّخْمِين. ومنشؤه الظن: ﴿ … وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١) والخارص يقطع بما لا يمكنه القطع به، إِذ لا يقين عنده. وكثيرا ما يتعرض للخطإِ والكذب في التقدير. ولذلك استعمل في الآية بمعنى الكذب.