التفسير
١١٢ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا … ﴾ الآية.
بعد أَن بين الحق ﵎، حال أُولئكَ الذين طُبِعَ على قلوبهم، بسبب إصرارهم على الكفر والطغيان - سلَّى رسوله ﷺ ، ببيان أَنَّ مَا حدث من تكذيب قومه له، سبقت أمثاله مع الرسل السابقين.
والمعنى: وكما جعلنا لك - يا محمَّد - أعداءً يخالفونك ويعادونك - جعلنا لكل نبي من قبلك - أيضًا - أعداءً من شياطين الإِنس والجن ذوى الضرار، يلقى بعضهم إلى بعض القول الزين ظاهره، الفاسد باطنه.
ومن ذلك ما أَلقاه شياطين الجن في نفوس شياطين مكة. من اقتراح آيات خاصة على رسول الله ﷺ .
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾:
ولو شَاءَ ربك أَلَّا يحدث من قومك ما كان منهم، من اقتراح الآيات - عنادا - بتزيين شياطينهم إليهم - ما كانوا يفعلون ذلك. ولكنه - تعالى - تخلَّى عنهم لانصرافهم عنك .... فاتركهم وما يفترونه عليك في شأْن رسالتك، فإِننا سنجزيهم على افترائهم أَشد الجزاءِ، وسنثيبك على صبرك أَحسن الثواب.
التفسير
١١٣ - ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾:
هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ … ﴾.
والمعنى: يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغُرُّوهم، ولِتَمِيلَ إليه قلوبُ الذين لا يؤْمنون بالآخرة، وليرضَوهُ لأَنفسهم، بعد ما، مالت إليه أفئدتهم، وليكتسبوا ما هم مكتسبون من القبائح بمقتضى ارتضائهم لها.
стр. 1332
وقد جعل عدم إيمانهم بالآخرة، سببا لإِصغائهم إلى شياطين الإنس والجن، وما يزخرفونه لهم من الكفر والمعاصي؛ لأَنهم لو كانوا يعتقدون البعث والحساب والجزاءَ - لفكروا فيما يلقيه الشياطين، ولخافوا سوءَ عاقبته.
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.
المفردات:
﴿أَبْتَغِى﴾: أَطلب.
﴿حَكَمًا﴾: حاكما يفصل بيني وبينكم.
﴿مُفَصَّلًا﴾: مبيَّنا.
﴿الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّين.
التفسير
١١٤ - ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا … ﴾ الآية.
لما بين اللهُ في الآيتين السابقتين: أَنهم يستمعون إلى زخارف الشياطين، ويصغون إليها في شأْن نبوة محمَّد ﷺ ، أَتبعَ ذلك بيان أَن الله هو الذي يحكم على ما هم فيه بأَنه باطل، وعلى ما جاءَهم به الرسول بأَنه حق، بما أَنزله إليهم من كتابه الْمُعْجِز، ليكون آية لهم على ذلك.
стр. 1333
والمعنى: قل لهم يا محمد: أَيصح أَن أَطلب غير الله حكمًا يفصل بيني وبينكم، فَيُظهِرَ بَاطلَكم الذي اعتمدتم فيه على زخارف الشياطين، ويُبيِّنَ الحق الذي جئتكم به مؤيدا بالبراهين، وهو - سبحانه - الذي أَنزل إليكم القرآن مفصلا ومبينا فيه الحق والباطل .. ولا حَكَمَ خيرٌ منه!!
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾:
والذين آتيناهم الكتاب - من علماءِ اليهود والنصارى - يعلمون أَن القرآن هو الحق من ربهم، بما جاءَ في كتبهم من التنويه به، والنصِّ على رسالة محمَّد الذي جاءَ به: اسما ونعتا، وإِن كفروا به وكتموه: ﴿ … حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ .. ﴾ (١).
وَمَنْ هذا شأْنه، فكيف أَعدِلُ عن حكومته - في كتابه الفصل - إلى حكومة غيره: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (٢).
وقيل: المراد من الذين أُوتوا الكتاب - مَنْ آمَنَ بالرسول من علمائهم. فلذلك استشهد الله بهم، لأَنهم لا يكتمون مَا عَلمُوه في شأنه من كتبهم، فإِنه هو الذي حدا بهم إِلى تصديقه، وترك ما كانوا عليه من دينهم.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾:
الخطاب - هنا - لكل أَحد. على معنى أَن الأَدلة على كون القرآن منزلا بالحق - من الله قد بلغت من الوضوح والقوة، بحيث لا تترك مجالا للافتراءِ والشك فيها من أحد من العقلاءِ.
فكأَنه يقول: فلا تكونن - أَيها العاقل - من المتشككين في كون القرآن منزلا من ربك بالحق، وأنه هو الحَكَمُ بين الرسول وبين الكافرين.
١١٥ - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
المراد بِـ (كَلِمَة رَبِّكَ): القرآن الكريم. والمفرد إذا أَضيف: يعم، فكأَنه قيل: ﴿كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾ وبها قرئ.
стр. 1334
والمعنى: وتمَّ كتاب ربك الذي أَنزله إِليك، صادقا في أخباره ووعده ووعيده، عاد لا في أَحكامه … فقد بلغ الغاية القصوى في ذلك؛ لا مبدل لهذا الكتاب. فهو محفوظ بعناية الله تعالى، من عَبث العابثين، وتبديل المبدلين. كما قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فهو- بذلك - مخالف لما سبقه من الكُتب السماوية التي لحقها التبديل، وأضاع أصلها التغيير. فطمست فيها معالم الحقائق الدينية، التي تبَيِّن صدق الرسول فيما جاءَ به، وتظهر وحدانية الخالق وتنزهه عن الجسمية، وسائر صفات البشرية.
وإنما تكفَّل الله بحفظ القرآن دون غيره؛ لأَنه تضمَّن شريعة الله الباقية إلى قيام الساعة، الصالحة لكل زمان ومكان. بخلاف ما تقدمه من الكتب، فإِنه كان لوقت محدود.
ثم ختم الله الآية بقوله:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾: أي عظيم السمع لما يقال، وفي جملته ما افتَرَوْهُ عَلى القرآن العظيم.
﴿الْعَلِيمُ﴾: أي واسع العلم بكل ما كان وما يكون. وفي جملته ما أَضمروه من العداوة لكتابه ورسوله: وسعيهم في إبطال دينه.
وحيث كان سميعا لأَقوالهم الفاسدة، عليما بنياتهم وأحوالهم الخبيثة، فإنه - قطعا - سيجزيهم بما يستحقون من سوءِ العقاب.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾.
المفردات:
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: ما يتبعون في عقائدهم وأَحوالهم إلاَّ التخمين الباطل.
стр. 1335
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: وما هم إِلا يَكْذِبون على الله سبحانه. وأصل الخرص: الظن والتخمين. ومنه خرص النخل وهوتقدير ما عليها من التمر ظنا.
التفسير
١١٦ - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
بعد أن بيَّن الله تعالى، أن كتابه الذي أَنزله على محمَّد ﷺ ، هو الحَكمُ الفاصل بين الحق والباطل، والعدل والظلم - جاءَت هذه الآية، للحض على التمسك بما جاءَ فيه، وطرح ما عداه، مما يُضل عن سبيل الله.
والخطاب للرسول ﷺ ، والمراد به: كل من يصلح للخطاب، والمراد: بـ ﴿أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: الكفار أو أصحاب الهوى، وهم يمثلون أكثرية البشرية.
والمعنى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ في عقائدهم وأهوائهم ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الذي شرعه لعباده متسما بالصدق والعدل.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ما يتبع أكثر الناس إلا الظن المفضى إلى الباطل الذي لا يستند إِلى دليل، وما هم إلا يكذبون على الله، في عَزوِ أَحكامهم إِليه تعالى، افتراءً وزورًا.
ومن ذلك زعمهم: أَن الله اتَّخَذ ولدَا، وأَن الأَوثان تُقَرَّبُهم إِلى الله زُلْفَى، وأَن الله أَحلَّ أكْلَ المَيتةِ، وشَرَع البَحيرةَ والسائِبة.
ويجوز أَن يكون المعنى: وما هم - فيما يزعمون من الآراءِ الفاسدة - إِلا يتوهمون أَنهم على شَئٍ وجانب من الحق، دون أَن يكون لهما على ذلك دليل وبرهان.
وأَصل الخَرْصِ: الحَدْسُ والتَّخْمِين. ومنشؤه الظن: ﴿ … وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١) والخارص يقطع بما لا يمكنه القطع به، إِذ لا يقين عنده. وكثيرا ما يتعرض للخطإِ والكذب في التقدير. ولذلك استعمل في الآية بمعنى الكذب.
стр. 1336
والخَرْصُ - وإِن جاز في بعض المعاملات (١)، وفي تقدير الزكاة في الرطب والعنب بتقديرهما تمرا وزبيبا، وإخراج الزكاة وفقا لهذا التقدير. إلا أنه - في العقائد - لا يجوز لأنها لا تبنى إِلا على الدليل القطعى.
١١٧ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾:
إِن ربك هو أعلم بمن يبتعد عن سبيله، وينحرف إِلى العقائد الزائفة، والأهواءِ الباطلة. وهو أَعلم بالمهتدين إِلى دينه العاملين بشرعه. فاحذر - أَيها المكلف - أَن تكون من الضالين، وكن - دائما - من المهتدين.
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾.
التفسير
١١٨ - ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾:
كان المشركون المكِّيُّون - وقد ذكروا في هذه السورة عشرين مرة - يأْكلون مما ذكِر اسم أَوثانهم عليه عند ذبحه، ويأَكلون الميتة، ويمتنعون من ذبح البحيرة والسائبة والوصيلة والحام من الإِبل، ويحرمون ذبحها وأَكلها، زاعمين أَن الله شرع ما أَحلوا وما حرموا، فأَنزل الله هذه الآية آمرا المسلمين أَن يخالفوهم، فيأْكلوا مما ذكر اسم الله
стр. 1337
عليه من الذبائح، ولو كانت من هذه الأَصناف الأربعة، وأَن يقتصروا في التحريم على ما حرمه الله عليهم، إِلا ما اضطروا إليه اضطرارا.
والمعنى: فكلوا - أَيها المؤْمنون مما ذكِرَ اسم الله عليه من الماشية والطير عند ذبحه، إِن كنتم مؤْمنين بآياته التي أَنزلها في شأْن المطاعم وغيرها، فإِن شأْن المؤْمن: أَن يمتثل ما أَمره به مولاه .
١١٩ - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ … ﴾ الآية.
المعنى: وأَى غرض لكم في تَرْك الأَكل مما ذكر اسم الله عليه عند ذبحه، والتحرج من تناوله، إذا كان مما حرّمه المشركون زورا وافتراءً على الله، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فإِنها حلال في شرع الله، كسائر ما يذبح من الماشية والطير، مذكورا عليه اسم الله، وقد فصل الله لكم ما حرم عليكم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ … ﴾ (١).
فكونوا عند حدود الله، فلا تعتدوها. لكن ما اضطررتم إِلى أَكله من المحرمات، فإِنه حلال لكم، بقدر الضرورة التي تحيا بها النفس.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾:
وإِن كثيرا من الكفار ليُضِلُّون الناس بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، بأَهوائهم الزائفة، وشهواتهم الباطلة، بغير علم مستند إِلى وحىِ الله تعالى.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾:
في هذه الجملة وَعيدٌ لمن يعتدون على شريعة الله، والعبث بها: بتحريم ما أَحل، وتحليل ما حرم.
والمعنى: إن ربك هو أعلم بما يفترونه عليه من ذلك، فيجازيهم عليه شَرَّ الجزاءِ.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (٢).
стр. 1338
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.
المفردات:
﴿وَذَرُوا﴾: واتركوا.
﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: أي الذنب الظاهر والخفى.
﴿يَقْتَرِفُونَ﴾: الاقتراف، الاكتساب مطلقا، ولكنه في الإِساءَة أَكثر.
التفسير
١٢٠ - ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ … ﴾ الآية.
واتركوا الذنب ظاهره وباطنه: جَهْرَهُ وخَفِيَّهُ، إن الذين يكسبون الإِثم - بنوعيه - سيجزيهم الله بما كانوا يكتسبون منه، على حسب درجته من القبح ﴿ … وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١).
١٢١ - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ … ﴾ الآية.
ولا تأْكلوا - أيها المؤْمنون - مما لم يذكر اسم الله عليه من الحيوانات. وإِن الأَكل منه لخروج عن طاعة الله تعالى وإِثم، إِذا ذكر عليه اسمُ غَيْرِ الله أَو كان ميتة. فإِن
стр. 1339
الشياطين ليوحون إلى أَوليائهم ليجادلوكم بالباطل، ويزينوا لكم أكله لتطعموهم، ومن ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره، فقد أَشرك باللهِ.
وظاهر الآية يقتضي تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه - عمدا أَو نسيانا - ولو من المسلم.
وإليه ذهب داود الظاهرى وأَحمد بن حنبل.
وقال مالك والشافعى: لوترك المسلم التسمية - ولو عمدا - جاز أكل الذبيحة؛ لأنه وإِن لم ينطق اسم الله الكريم بلسانه، فقلبه مؤمن به ذاكرٌ له.
وفَرَّق أبو حنيفة بين العمد والنسيان، فحَرَّم أَكُلَ ما تُرِك ذِكْرُ اسْمِ اللهِ عليه عمدا، وأَحَلَّ ما تُرِكَ سَهْوًا ونسيانا.
وعلى هذه المذاهب تكون الآية محمولة على ما ذكر اسْمُ غير الله عليه والميتة؛ لأَنهما كانا موضع الجدال بين المشركين والمؤمنين. فاتجه النهي إليه. ويعززه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ … ﴾ الآية (١).
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.
المفردات:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾: أَوَ مَنْ كان كافرا فهديناه؟ جعل الكفر موتا، والهداية إِحياءً.
التفسير
١٢٢ - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾:
стр. 1340
أشارت الآية السابقة - إِلى أَن طاعة المشركين، قد تؤَدى بالمؤْمنين إِلى الشرك.
وجاءَت هذه الآية لتؤَكد التحذير من متابعتهم.
والمعنى: لستم أَيها المسلمون مثل المشركين حتى تَتَّبِعوهم في جاهليتهم .... فإن الله أحياكم بالهداية بعد موتكم الروحى بالكفر والشرك، وأَنعم عليكم بأَن جعل لكم نورا تمشون به في الناس، بما أَنزله إِليكم من أَنوار القرآن والهَدْىِ النبوى. فهل يصح لكم أن تتَّبعوا من يعيشون في الظلمات؟!
أوَ مَن كَان في غَيِّه وضلاله ميتا، فأحييناه بالهُدَى ودين الحق، كمن صِفَتُهُ أنه غارق في الظلمات ليس بخارج منها؟! … فإذا كان الفرق بينهما كبيرا، والبَوْنُ شاسعا، فلا يليق بكم أَن تتركوا نوركم، وتتَّبعوهم في ظلامهم.
﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أَي: مثل ما زين الله للمؤْمنين إِيمانهم وأَعانهم عليه، بعد ما أَخذوا بأسبابه، ترك الكافرين لشياطينهم: يزينون لهم ما كانوا يعملون من الكفر والمعاصي، وتخلى عنهم حين انصرفوا عن هُدَاه. كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١).
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾.
التفسير
١٢٣ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ الآية.
وكما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها، جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها كذلك …
стр. 1341
فإن كبار الشرِّيرين، هم الذين يضعون أُسس الشر، ليمكروا بالناس ويضلوهم عن سواءِ السبيل … وذلك أمر مشاهد ملموس .. فلا ينبغي للعاقل الفطن، أَن يتبع زعماءَ الشَّرِّ في غوايتهم. بل يتدبر فيما يعود بالخير على نفسه أَو على الناس فيتبعه، وفيسا يعود بالشر - عليه أَو عليهم - فيتنكب طريقه. فقد بين الله نَدَامَةَ الذين يتبعون الكبراءَ يوم القيامة فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (١).
وإنما جعل الله أَكابر المجرمين في كل قرية ليمكروا فيها، امتحانا لعباده، كما امتحنهم بشياطين الجن، حتى يظهر الصادق في إِيمانه من الكاذب ويجزىَ الله كلاًّ بما هو أَهله.
وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿ … وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً … ﴾ (٢).
﴿فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾:
وما يعود وَبَالُ مكرِهم إلا عليهم، وما يشعرون بذلك، لفرط جهلهم وقصر نظرهم.
قال تعالى: ﴿ … وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ … ﴾ (٣).
والآية مسوقة، لتسلية الرسول عما يلقاه من مكر عتاة المشركين.
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾.
المفردات:
﴿أَجْرَمُوا﴾: اكتسبوا جرما، والجرم: الذنب.
﴿صَغَارٌ﴾: ذل وهوان.
стр. 1342
التفسير
١٢٤ - ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ … ﴾ الآية.
في هذه الآيةِ، رجوع إلى بيان حال مجرمى أَهل مكة، بعد ما بين في الآية السابقة - بطريق التسلية - أَن حال غيرهم أيضًا كذلك، وأَن عاقبة مكر المجرمين في مكة - وغيرها - ما ذكرته تلك الآية.
وسبب نزول هذه الآية: أَن الوليد بن المغيرة، قال للنبي ﷺ : لو كانت النبوة حقا، لكنت أولى بها منك؛ لأَنى أكبر منك سنًّا، وأكثر منك مالًا.
فأَنزل الله تعالى الآية.
وقال مقاتل: نزلت في أَبي جهل، وذلك أَنه قال: زاحَمَنَا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إِذا صرنا كفَرَسَىْ رهان، قالوا: منا نَبِىٌّ يُوحَى إليه … واللهِ، لا نؤمن به، ولا نتَّبعه أَبدا، إلا أَن يأْتينا وحى كما يأْتيه، فأَنزل الله سبحانه الآية.
المعنى: وإِذا أُنزلت على النبي ﷺ ، آية، تدعو قريشا إِلى الإيمان بما جاءَهم به، امتنعوا عن الإِيمان به: حسدا واستكبارا. وقالوا: لن نؤمن حتى نؤتَى من الوحى، مثل ما أُوتِىَ رسل الله، وتكونَ لنا بذلك نبوة، كما لبنى عبد مناف … وإِلا، فلن نؤمن بمحمد …
وقد جهل هؤلاءِ، حيث ظنوا أَن الرسالة تأْتي بالاشتهاءِ وَتَتْبَع العصبيات .. وما دَرَوْا أنها لا تكون إِلا لمن هو أَهل لها .. والله - وحده - هو الذي يعلم المستحق لها، حيث يجعل فيه رسالته، ويعهد إِليه بهداية البشر.
ثم بيَّن الله مآل أُولئك المستكبرين، فقال تعالى:
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾:
أي: سيصيب أُولئك المستكبرين المجرمين، ذلة عند الله بدل العزة التي أمَّلوها
стр. 1343
بالاشتراك في النبوة. ويصيبهم - إِلى جانب ذلك - عذاب شديد بسبب مكرهم بنبى الهدى … ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ … ﴾ (١).
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾.
المفردات:
﴿حَرَجًا﴾ الحرج: شدة الضيق. وفعله حَرِجَ حَرَجًا، من باب تَعِبَ تَعَبًا. وقد وُصِفَ الصَّدرُ بالحَرَج الذي هو المصدر، للمبالغة. والمراد: أَنه شديد الضيق.
﴿الرِّجْسَ﴾: العذاب، أو ما لا خير فيه.
﴿دَارُ السَّلَامِ﴾: دار المسالمة .. والمراد بها: الجنة.
التفسير
١٢٥ - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ … ﴾ الآية.
الشرح فِي اللغة معناه: الفتح والشق. وشَرْحُ الصَّدْرِ للإسلام؛ كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مُهَيَّأةً لحلوله فيها، مُحَصَّنَةً مما يمنعه وينافيه.
стр. 1344
وإليه أشار النبي ﷺ ، حين سُئِلَ عن هداية الله تعالى حيث قال: "نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ في قَلْبِ الْمُؤْمِن فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَتِحُ" فقالوا: هل لذلك من أَمارة يُعرف بها؟ فقال: "نَعَمْ. الْإِنَابَةُ إلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالإِعْرَاضُ عَن دَارِ الْغُرُورِ وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْل نَزُولِهِ" (١).
والمعنى: فمن يرد الله أن يهديه للحق ويعينه عليه، يشرح صدره ويهيئ نفسه لقبول الإِسلام، لما علمه من حسن استعداده له، وسعيه في قبوله. ومن يرد أَن يضله ويبعده عن الحق، يجعلْ صدره ضيقا شديد الضيق؛ لتمسكه بضلاله: لا يبغى به بديلا.
وقد وَصف الله تَبَرُّمَ الضالِّ عن الحق وضيقه به، أَبلغ وصف، حيث قال تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
ولا شك أَن تكلُّفَ الصعود في المراقى الصعبة، يثقل على القلب، ويجهد الصدر أَيما إجهاد. فكان شأْن الكافر المصرِّ - في صعوبة تقبله للإِسلام - كشأْن هذا الذي يتكلف الصعود في المراقى الصعبة في ضيق صدره وحرجه. (٢)
﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
أَي: كما جعل الله صدر أُولئك المشركين ضيقا عن قبول الإِسلام حيث تخلى عن معونتهم. وتركهم للشيطان: يضلهم ويقويهم يسبب إِصرارهم … يفعل مثل ذلك في أمثالهم: الذين لا يؤْمنون، ويصرون على الكفر، فيترك الشيطان مسلطا عليهم، ولا يلطف بهم. والعياذ بالله تعالى.
وخلاصة الآية: أَن من تقرب إِلى الله سبحانه أَعانه، ومن بَعُدَ عنه خذله.
١٢٦ - ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾:
أي: وَهذا القرآن، المشتمل على الآيات المفصلة لعقائد الإِسلام وشرائعه، هو طريق ربك الموصل إلى مرضاته: مستقيما لا عوج فيه - قد بينا آياته مفصلة لقوم يتذكرون بمواعظه، ويزدجرون بزواجره.
стр. 1345
١٢٧ - ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أي: لمن يتذكر بآيات القرآن العظيم، دار السلامة من كل المكاره - وهى الجنة - فلا يعترهيم فيها خوف، ولا يصيبهم مكروه: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (١).
وهذه الدار ذخيرة لهم عند ربهم، لا يعلم كنه عظمتها سواه تعالى. وهو متولى أُمورهم فيها بعنايته وتكريمه، من أَجل ما كانوا يعملونه في دنياهم من الأعمال الصالحة. ابتغاءَ مرضاته.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾.
المفردات:
﴿يَا مَعْشَرَ﴾ المعشر: الجماعة المختلطون بالعِشرة.
﴿مَثْوَاكُمْ﴾: مقركم ومآلكم.
стр. 1346
التفسير
١٢٨ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ … ﴾ الآية.
تحدثت الآية السابقة، عن أَن دار السلام مثوى المؤمنين.
وجاءَت هذه الآية لتبين أَن النار مثوى الكافرين.
والمعنى: وِذَكِّر الخلائقَ - يا محمد - يوم يحشر الله الثقلين - جميعا - إِلى ساحة القيامة، فيوبِّخ شياطين الجن قائلا لهم: يا جماعة الجن المفسدين، قد استكثرتم من إِغواءِ الإِنس وإِضلالهم، فلم تكتفوا بضلالكم وكفركم، بل تجاوزتموه إِلى إِغواءِ الإِنس، حتىَ وَالَوْكُم وَتَبِعوكم.
﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾:
أَي وقال أَولياؤهم الذين تبعوهم، وتأَثروا بإِغوائهم من الإِنس ربنا استمتع بعضنا ببعض، فقد سمعنا لإِغوائهم، ومتَّعنا أَنفسنا بإِشباع شهواتنا، بما زينوه لنا من الآثام، واستمتعوا هم بنجاحهم في إِضلالنا عن سبيل الرشاد والصواب: فمِنَّا من كذبُوا رسلك، وأَنكروا الآخرة وما فيها من بعث وحساب وجزاءٍ … ومِنَّا من ارتكب - دون ذلك - من الآثام.
وبعد هذا الإقرار الذي لم يجدوا عنه محيصا، قالوا - في ندامة وحسرة:
﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾:
أَي: وصلنا إلى يوم القيامة، الذي أَجَّلته لحسابنا وجزائنا، حيث بُعثنا، وظهرت لنا قبائح أَعمالنا التي نستحق العقاب عليها، لتركنا صراطك المستقيم.
﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾:
قال الله تعالى: يخاطب الجن والإِنس، بعد اعترافهم بقبائحهم: النار مقركم ودار إِقامتكم، خالدين فيها، لا تخرجون منها، إلا من شاءَ الله إِخراجه، من الذين كانت آثامهم دون الكفر. . فإِنهم يخرجون منها، عندما يتفضل الله تعالى، بالإِذن بخروجهم.
стр. 1347
أَما الكافرون فخلودهم في النار أبدى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (١).
ثم يختم الله الآية بقوله:
﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾:
ليبين أَنه تعالى، لا تخفى عليه خافية من سيئات أَعمالهم، وأَنه حكيم في عقابهم حسب درجات عصيانهم: ﴿ … وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٢).
١٢٩ - ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ومثلما استمتع الجن بإِغواءِ الإِنس، واستمتع الإِنس بتقبل إغوائهم - نترك الظالمين من الإِنس والجن في كل عصر وجيل، يتولى بعضهم بعضا، بالإِغواءِ والإفساد - ونتخلى عنهم فلا نخلصهم من آثاره بسبب كسبهم المعاصي، واختيارهم لها وإصرارهم عليها. ولذا؛ لا تجد راعيا ظالما إلا مع رعية ظالمة.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣).
ويفهم من ذلك: أَن صلاح الرعية، يستتبع صلاح راعيها.
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾.
стр. 1348
المفردات:
﴿يَا مَعْشَرَ﴾ المعشر: جماعةٌ أَمرهم من واحد.
﴿يَقُصُّونَ﴾: يتلون.
﴿وَغَرَّتهُم﴾: وخدعتهم.
التفسير
١٣٠ - ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا … ﴾ الآية.
جاءتْ هذه الآية، لتقريع الجن والإِنس - في الآخرة - على معاصيهم، إِثر بيان أنهم يشتركون في المظالم والمعاصي في الدنيا.
وقد أَفادت الآية: أَن الجن مكلفون بشرائع الله كالإِنس، وأَن الله تعالى يوبخهم ويعاقبهم على عصيانهم الرسل، كما يوبخ الإنس ويعاقبهم.
ولَم يثبت إِرسال أحد من الجن إِلى أَقوامهم.
فالظاهر أَن المراد بالرسل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ هم الرسل الذين يبعثهم الله من الإِنس، فيكون الجن مكلفين بالإِيمان بهم، والعمل بشرائعهم كالإِنس.
ومعنى كونهم منهم: أَنهم بعثوا من بين الإِنس والجن. فهم مرئيون لهم مشاهَدون منهم. وليسوا غرباءَ عنهم .. فلا شك أن رسل الإِنس كذلك بالنسبة إِلى الجن.
وقال ابن عباس: رُسُل الجِنِّ، هم الذين بلَّغوا قومهم، ما سمعوه من الوحى ..
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (١).
وقال مقاتل والضحاك: أرسل الله رسلا من الجن كما أرسل من الإنس.
وليس لدينا من السنة ما يثبت ذلك أَو ينفيه. والله أَعلم حيث يجعل رسالته.
стр. 1349
والمعنى: يخاطب الله الجن والإِنس - يوم القيامة - موبخا، فيقول: يا جماعة الجن والإِنس، أَلم يأْتكم رسلٌ من بينكم: تعرفون صدقهم وأمانتهم، وتفهمون قولهم، وليسوا غرباءَ عنكم، حتى تنكروا عليهم ما جاءُوكم به … وهؤلاءِ الرسل كانوا يتلون عليكم آياتى ويُخَوفونَكم لقائى في يومكم هذا؟!
﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾:
أَي: قال كفار الجن والإِنس - بعد ما سمعوا توبيخ الله لهم - شهدنا على أَنفسنا بأَن رسل الله جاءُونا، فلم نؤمن بهم، ولم نصدق قولهم.
وقد بيَّن الله سبحانه السرّ، فيها اندفعوا إِليه من الكفر والمعاصي … والمعنى: وخدعتهم الحياة الدنيا فاطمأَنوا إِليها، ورفضوا العمل للآخرة. ذلك الذي دعاهم الرسل إِليه، وشهدوا على أنفسهم في الآخرة - أَسفًا وندما - أنهم كانوا في الذنيا كافرين .... فلذا استحقوا توبيخ الله وعقابه.
١٣١ - ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾:
الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إِلى ما تقدم ذكره. من بعثة الرسل إِليهم، وإِنذارهم سوءَ العاقبة.
والمعنى: ذلك الذي تقدم من إِرسال الرسل: كان لأَن سنة الله تعالى: أَلا يُهْلِكَ قوما وهم غافلون عن سوءِ عاقبة ما هم عليه من الكفر .. فلذا، بعث إِليهم الرسل لِيُبصِّرُوهم وينذروهم، حتى يقطعوا أَعذارهم.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ … وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١)، ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (٢).
стр. 1350
١٣٢ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾:
أي: ولكل من المكلفين، درجاتٌ متفاوتةٌ من أَجل ما عملوه في دنياهم؛ من طاعة أو معصية.
فأهل الطاعة؛ ينعمون بدرجات الجنات، حسب تفاوتهم في طاعتهم.
وأَهل المعصية، يعاقَبُونَ بالنار، حسب تفاوتهم في معصيتهم .. فالكافرون فيها مخلدون.
وعصاة المؤمنين يخرجون بعد انتهاءِ مدة عقابهم. وما ربك بغافل عن أعمالهم: قليلها وكثيرها … فكلها معلومٌ لديه تعالى، ومسجل في كتب أعمالهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ (١).
وقد بينت هذه الآية، عدل الله تعالى، بين عباده في جزاءِ الآخرة، كما بينت الآية التي قبلها عدله - سبحانه - في جزاءِ الدنيا.
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾.
المفردات:
﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾: ومَا أنتم بمعجزين طالبكم .. فلا تقدرون على الإِفلات من عقابه الذي توعدكم به.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: اعملوا على تمكنكم فيما أَنتم فيه، بقدر ما تستطيعون.
стр. 1351
التفسير
١٣٣ - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ … ﴾ الآية.
بعد أَن بين الله تعالى، عدله بين عباده في جزاءِ الآخرة، عقَّبه بذكر رحمته في معاملة عباده، حيث أَمهلهم وأَنذرهم، ولم يُعَجِّل بعقوبتهم، لعلهم يثوبون إِلى رشدهم، ولا يَغْتَرُّون بإِمهالهم فإِنَّ أَخذه لشديد أَليم.
والمعنى: وربك - يا محمد - هو الغنى عن عباده، وعن طاعتهم له، وهو صاحب الرحمة بعباده، حيث بعث إِليهم رسله مبشرين ومنذرين وناصحين، فإِن أَحسنوا فلأنفسهم، وإِن أَساءُوا فعليها. ولا يعود على الله تعالى، من ذلك شئٌ.
أَخرج الإِمام مسلم في صحيحه حديثا قدسيًّا. رواه أبو ذر ﵁، جاءَ فيه: "يَا عِبَادِى، إِنَّكُمْ لَن تَبْلُغُوا ضُرِّى فَتَضُرُّونِى، وَلَن تَبْلُغُوا نَفعِى فَتَنفَعُونِى … يَا عِبَادِى، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُم، وَإِنسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ، مَّا زَادَ ذَلِكَ في مُلْكِى شَيْئًا … يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُمْ وَإِنسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلىَ أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُل وَاحِدٍ مِنكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِى شَيْئًا … " الحديث.
وبعد أَن ذكر الله رحمته بإرسال الرسل، هدد المشركين بالإهلاك، إِن هم استمروا على كفرهم. فقال تعالى:
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾:
أَي: إن يشأْ يهلكْكمْ بسبب كفركم، ويأْت بِخَلَف لكم من بعدكم أَطوع منكم. فهو - سبحانه - قادر على ذلك، مثلما أَنشأَكم من ذرية قوم آخرين من قبلكم.
١٣٤ - ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:
بعد أَن بين الله في الآية السابقة: أَنه الغنى عن أَعمال خلقه، وأَنه رحيم بهم، وأَنه لو شاءَ أن يذهبهم ويستبدل بهم آخرين لفعل … ولكنه يؤَخرهم إِلى أَجل لا ريب فيه - بين
стр. 1352
لهم في هذه الآية: أَن ما يدّعونه من البعث والجزاءِ حق، وسيأْتى لا محالة، ولن يفلتوا من هذا الجزاءِ؛ لأَنهم لا يعجزون الله تعالى. فهو القادر على الإعادة إن صاروا ترابا وعظاما نخرة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (١).
١٣٥ - ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾:
بعد أَن بين الله لهم: أَن الجزاءَ آتٍ، أمر رسوله ﷺ ، أن يقول لهم: استمروا على ما أَنتم عليه، فإِني مستمر على ما أَنا عليه من دعوتكم إلى الحق، وأَن العاقبة ستكون لي عليكم في الدنيا والآخرة.
والأَمر في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ للتهديد والإِنذار.
والمعنى: قل يا محمد، لهؤُلاءِ الجاحدين المعاندين: اعملوا - جهد طاقتكم - على تثبيت وتمكين أَمركم فيما أَنتم عليه من الضلال والكفر … فإنى عامل - جهد طاقتى - على تثبيت دعوتى إِلى الله تعالى. فسوف تعلمون أَيُّنا تكون له العاقبة الحسنى في الدنيا والآخرة؟! قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٢).
وقد مكَّن الله لرسوله ﷺ ولأَصحابه من بعده .. وسوف يثيبهم في الآخرة أَجزل الثواب.
أما الجاحدون الذين حادوا عن الطريق السوى، فقد خذلهم الله في الدنيا. ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك لأَن سنة الله: أَنَّه لَا يُفْلِح الظَّالِمونَ، أن لا يظْفَرُ بمُرادِه مَن كَفَرَ بالله تعالى، وأشرك به سبحانه.
стр. 1353
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾.
المفردات:
﴿ذَرَأَ﴾: خلق.
﴿الْحَرْثِ﴾: الزرع والثمار.
﴿نَصِيبًا﴾: جُزْءًا.
التفسير
١٣٦ - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا … ﴾ الآية.
أي: وجعل المشركون - مما خلق الله من الزروع ونتاج الأَنعام - نصيبا لله تعالى: للضيفان والمساكين.
وكما جعلوا لله نصيبا من ذلك، جعلوا نصيبا منه لآلهتهم: ينفقونه على سدنتها، ويذبحونه عندها؛ تقربا إِليها.
ولم يذكر هذا النصيب مقابلا لنصيب الله في الآية الكريمة بأَن يقال: وجعلوا لآلهتهم نصيبا كذلك، لأَنه مفهوم استنتاجا من جعلهم نصيبا لله واكتفاءً بذكره في التفريع في قوله لتعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾، وتعاليًا باللهِ تعالى، عن مقام المقابلة.
стр. 1354
أي: فقالوا هذا لله زاعمين أَنه يصرف في مرضاة الله وهم - كاذبون فيما زعموه - كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ وسيأْتى تفسيره.
أي وقالوا أَيضا هذا النصيب الآخر لآلهتنا، يصرف في مرضاتها.
﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾:
أَي: فما خصوه بشركائِهم وأوثانهم، لا يصل منه شئٌ إِلى وجوه الخير، التي ينبغى أَن ينفق فيها النصيب الخاص باللهِ تعالى. بل هم يقصرونه على أَوثانهم، اهتمامًا منهم بالتقرب إِليها.
وأما ما خصوه باللهِ عَزَّ رجلَّ، فإِنهم يقتطعون منه لأَوثانِهم أَو يستبدلون به مالها، ولا يصدقون في تخصيصه بالله والتقرب إليه.
فالآية تقرر: أنهم كانوا يُعيِّنُون نصيبا من الزرع ونتاج الأَنعام لله تعالى، ليصرفوه في وجوه البر والخير إِلى الضيفان والمساكين، وكانوا يعينون نصيبا آخر من ذلك لآلهتهم؛ وينفقونه عليها وعلى سدنتها، ويذبحونه عندها تقربا إِليها.
ولكنهم إِذا رأَوا ما عينوه لله أزكى وأَكثر نماءً مما عيّنوه لآلهتهم، عكسوا، فجعلوا ما لله لآلهتهم، وما لآلهتهم لله تعالى.
وإِذا رأوا ما عينوه لآلهتهم أَزكى مما عينوه لله تعالى، فإِنهم يتركونه لآلهتهم؛ حُبُّا وإيثارًا لها.
وفي قوله تعالى:
﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾: تنبيه على فرط جهالتهم، حيث جعلوا للخالق - فيما خلق من الزرع والأَنعام شريكا لا يقدر على شئٍ، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكى النامى له، سواءً أَكان معينا له أَم لله تعالى.
ولذا ختم الله سبحانه الآية بقوله:
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾:
أي: قبح حكمهم الذي اقتضى إِيثار آلهتهم على الله تعالى، فيما خلق الله … وقبح عملهم بما لم يُشْرَعْ لهم.
стр. 1355
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾.
المفردات:
﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾: أي أولياؤُهم من الشياطين.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: ليهلكوهم.
﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾: وليخلطوا.
التفسير
١٣٧ - ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ … ﴾ الآية.
كان من المشركين من يقتل بناتِهِ؛ خشية العار.
ومنهم من يقتل أَولاده - ذكورا كانوا أم إِناثا - مخافة الفقر.
ومنهم من يذبح آخر أولاده المذكور، إِذا بلغوا عددا معينا.
وكان ذلك كله، نتيجة لإغراءِ الشياطين والكهان لهم .. كما فعل عبد المطلب، حينما نذر أَن يذبح آخر أَبنائه. إِذا بلغ عددهم عشرة بنين.
وقد جاءَت هذه الآية تنعى عليهم فعلهم، وتخوفهم سوءَ عاقبتهم.
والمعنى: وكما زَيَّنَ الشياطِينُ والسَّدَنةُ للمشركين تقسيم هباتهم بين الله وآلهتهم، زينوا لكثير منهم قتل أَولادهم من بنين وبنات؛ ليوقعوهم في الهلاك، وليخلطوا عليهم أَمر دينهم الذي ورثوه عن إِبراهيم وإِسماعيل ﵉ فإنه كان يحرّم عليهم القتل، وبخاصة قتل الأولاد.
стр. 1356
والتعبير عن الكهان والشياطين بأنهم شركاءُ المشركين، لأَنهم جعلوا وَسْوَسَتَهُم وأَمرهم، شرعًا لهم.
وبذلك جعلوهم شركاءَ لله في التشريع.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾:
أَي: ولو شاءَ الله عدم فعلهم ذلك لعصمهم منه، ولكنه خَلَّاهم وما يفعلون؛ لأَنه علم منهم إِصرارهم على ضلالهم وكفرهم، ولهذا قال سبحانه:
﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾:
أَي: فاتركهم ودعهم - يا محمد - في غَيهم وضلالهم وما يختلقونه من الكذب على الله، فإِنهم مصرون عليه. وسوف نعاقبهم على ما يفترون.
وهذا تهديد لهم ووعيد، كما قال سبحانه: ﴿ … نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١).
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾.
المفردات:
﴿حَرْثٌ﴾: زرع.
﴿حِجْرٌ﴾: محجور محرم.
﴿بِزَعْمِهِمْ﴾: أَي بادعائهم من غير حجة.
стр. 1357
التفسير
١٣٨ - ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ … ﴾ الآية.
تحكى هذه الآية، نوعا آخر من جهالاتهم وكفرهم، وافترائهم الكذب على الله تعالى.
والمعنى: أَن هؤُلاءِ المشركين، حلَّلوا وحرَّموا من تلقاءِ أَنفسهم، فجعلوا بعض الأَنعام وبعض الزروع محجورة محرمة على الناس، لا يأْكلها إِلا من شاءُوا من الكهان القائمين على الأَصنام، ومن الرجال دون النساءِ.
﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾:
فلا تُركَبُ ولا يُحْمَل عليها. وهى: البحائر، والسوائب، والوصائل، والْحَوامِى.
﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾:
عند الذبح، بل يذكرون أسماءَ أصنامهم عليها.
وهذه الجملة ليست واقعة في كلامهم المحكى كنظائرهم السابقة، بل مسوقة من جهته تعالى، لبيان عادتهم عند الذبح.
وقال مجاهد: كانت لهم طائفة من أنعامهم: لا يذكرون اسم الله عليها في أَي شأْن من شئونها: لا إِن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن نُتِجُوا، ولا إِن باعوا، ولا إِن حَمَلُوا.
وقيل: معنى ﴿لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾: لا يحجون عليها: لأَن الحج لا يخلوا عن ذكر الله تعالى.
﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾:
لأَنهم كانوا قَسَّموا أَنعامهم هذه الأَقسام الثلاثة، زاعمين أَن الله أمرهم بها، اختلاقًا وكذبًا منهم على الله تعالى. فجعلوا منها قسما حِجْرَّا، وقسما لا يُرْكَبُ، لا يَذْكرون اسم الله عليه.
ثم بَيَّن اللهُ جزاءَهم على افترائهم، فقال تعالى:
﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
أَي: سيعاقبهم الله بسبب افترائهم الكذب على الله تعالى.
стр. 1358
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾.
التفسير
١٣٩ - ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ الآية.
أَي: وقال أُولئك المشركون: ما في بطون هذه الأنعام - من أَجنة البحائر والسوائب - خالصة الحِل لذكورنا، ومحرم أكلها على إناثنا. وذلك إِن وُلِدَتَ الأَجنة حيَّة. كما يُشْعِر به قوله تعالى حكاية عنهم:
﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾:
أَي: وإِن يكن ما في البطون ميتة حين يولد، فالذكور والإِناث شركاءُ في أَكله. فهو حلال لهم جميعًا.
وكل ما ذكر من التحريم والتحليل، ينسبونه إِلى الله تعالى، زورا وبهتانا.
ولهذا قال سبحانه:
﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾:
أي: سيعاقبهم الله جزاءً لهم على وصفهم الكذب (١) وحكايتهم إياه على الله سبحانه، بادعائهم أنه تعالى، أحلَّ وحرَّم ما أَحلوه وحرموه.
إنه عظيم الحكمة والعلم … ومَن كان كذلك، فلا يفلت هؤُلاءِ. من عقابه الموافق لمقتضى حكمته، المناسب لما علمه من جرائمهم.
стр. 1359
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.
المفردات:
﴿خَسِرَ﴾: خاب.
﴿سَفَهًا﴾: السفاهة، الخفة والجهالة.
التفسير
١٤٠ - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ … ﴾ الآية.
المعنى: قد خاب هؤُلاءِ المشركون، الذين قتلوا أَولادهم بغير سبب سوى سفاهتهم - أَي خفة عقولهم - وجهلهم أَن الله هو الرازق لهم ولأَولادهم.
وسبب هذه السفاهة: انتفاءُ علمهم … وجهلُهم بأَن الله هو الرازق لهم ولأَولادهم، وأَن مكارم الأَخلاق تحمى من الزلل.
فلو نشأَت البنت على الفضيلة، لما زلت في كبرها.
قال عكرمة: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر. فقد كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والعار، وأَولادهم خشية الفقر، جهلا منهم بأَن الله هو الرازق لأَولادهم وحده.
أَما خسرانهم، فلأَن الولد نعمة عظيمة: أَنعم الله بها عليهم، فيه يبقى الذكر ويشتد الظهر. فإِذا فقده بجريمة الوأْد، فقد خسر خسرانا مبينا في الدنيا والآخرة.
أَما خسارته في الدنيا، فلأَنه قطع رحمه، وقتل ولده، وأَزال نعمة الله عليه.
وأَما خسارته في الآخرة، فلأَنه استوجب عقاب الله الشديد، وقتل نفسا حرَّم الله قتلها.
﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾:
من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي وغيرها.
стр. 1360
﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾:
أَي: كذبا عليه ، حيث زعموا أَن الله أَمرهم بذلك.
﴿قَدْ ضَلُّوا﴾:
أَي أَخطأُوا طريق الحق والصواب.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: من الأَصل لسوءِ سلوكهم، وفساد قلوبهم.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾.
المفردات:
﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين.
﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: مرفوعات على ما يحملها.
﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ الاشتباه والتشابه؛ بمعنى واحد. والمراد به: التقارب ونحو اللون والطعم.
﴿حَصَادِهِ﴾: جَنْيِهِ.
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: ولا تجاوزوا الحد في الإِنفاق.
التفسير
١٤١ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ … ﴾ الآية.
هذه الآية - وما بعدها - رَدٌّ لافتراءَات المشركين فيما أحَلُّوه وحَرَّمُوه بأَهوائهم .. وذلك
стр. 1361
ببيان أَن الله هو الخالق لكل شيءٍ: من النبات والحيوان. وأَنه أَحلَّ من ذلك ما أَحلَّ وحرم منه ما حرم، على مقتضى حكمته. خلافا لما أَحلوه وحرموه بأَهوائهم.
والمعنى: هو الله الذي خلق بساتين مختلفة: بعضها مرفوعاتٌ على ما يحملها من العرائش، كبعض الكروم، وبعضها متروكاتٌ بدون عرائش.
﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾:
أَي: وأَنشأَ النخل والزرع مختلفا ثمره وحَبُّهُ: في الهيئة، وفي الطعم.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾:
أَي: وأَنشأَ الزيتون والرمان: متشابها في الثمر والشكل والهيئة والطعم، واللون والحجم. وغير متشابه في ذلك. إِبداعا في الخلق والإِعجاز.
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾:
هذا أَمرٌ أَباح الله به التناول من ثمر ما ذكر مطلقا، قبل تمام نضجه. بشرط عدم الضرر أو بعده وقبلَ البيع، لعدم تعلق حق شرعى به.
قال بعض الفقهاءِ: إِنه رخصة للمالك في الأَكل منه قبل أَداءِ حق الله تعالى فيه، لكن بقدر ودون توسع في الأَكل.
ويلاحظ أَن المقصود بأَكل الطعام قبل نضجه، هو تناول نحو القول الأَخضر والباقلاءِ والفريك، ونحو ذلك.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾:
الأمر هنا، للوجوب، بخلاف الأَمر في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ فهو للإباحه كما سبق بيانه. ولا يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب، عندما تقوم الأدلة على توجيه كل منهما الوجهة التي يستحقها.
واختلف العلماء في المراد من: حق الزرع والثمر يوم حصاده، في الآية الكريمة.
فمنهم من حمله على الزكاة المفروضة … وعلى هذا الرأْى كثيرون، منهم ابن عباس وأَنس بن مالك، والحسن. ونقل عن مالك وأَبي حنيفة، وبعض أَصحاب الشافعى رضوان الله عليهم. وقد التزم أَصحاب هذا الرأْى بالقول: بأَن هذه الآية مدنية.
стр. 1362
ومن العلماءِ من قال: إِن هذا حق في المال سوى الزكاة، أَمر الله به ندبا بمكة.
وعلى هذا جَمْع منهم: عطاءُ، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ﵃.
فالآية مكية كباقي السورة.
أَما الزكاة في الثمار والحبوب، فقد فرضت في المدينة. وقد بين ذلك في السور المدنية، وفي أَحاديث الرسول ﷺ ، حيث ذكرت فيها أصناف الزَّكَوِيَّاتِ، والنصاب الذي تجب فيه الزكاة، ومقدار الزكاة.
ولكنا نرجح الرأى الأَول، وهو أَن الآية مدنية، لأَن مكة ليس فيها جنات معروشات وغير معروشات، وليس فيها زرع، وإِنما ذلك في المدينة.
﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾: أَي لا تتجاوزوا الحد فتبسطوا أيديَكم في الإِعطاءِ وقال زيد بن أَسلم: هو خطاب للولاة.
أَي: لا تأْخذوا فوق حقكم، وما لا يجب على الناس.
وقال إِياس بن معاوية: ما جاوزتَ به أَمر الله، فهو سرف وإِسراف، يعني أَن هذا هو خطاب للمزكِّى: أَنه لا يزيد على ما فرضه الله في الزكاة. لكن مجاهدا حمل الإِسراف في الآية على الإِنْفاقِ في المعصية. فقال: لو كان أَبو قبيس ذهبا فأَنْفَقَهُ في طاعة الله لم يكن مسرفا. ولو أَنفق درهما أَو مُدًّا في معصية - كان مسرفا.
غير أَن هذا الرأْى ضعيف.
يردُّه ما روى عن ابن عباس ﵄، أَن ثابت بن قيس بن شماس عَمَدَ إِلى خمسمائة نخلة فجزَّها ثم قسمها في يوم واحد، ولم يترك لأَهله شيئا فنزلت ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾.
وروى مثله ابن جرير وابن أَبي حاتم عن ابن جريج.
والذى ينبغي الاعتماد عليه: أَن التوسط في الإِنفاق هو الأَفضل .. وهذا متفق مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ … ﴾ (١).
стр. 1363
فإذا جاوز المزكى ما فرضه الله عليه، فليذكر أولاده … فلا يدعهم فقراء … فالرسول ﷺ يقول لأَحد أَصحابه: "إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكففُونَ النَّاسَ" (١)
﴿إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾:
أَي: أنه - سبحانه - لا يرضى عمن يسرف في ماله بإِنفاقه كله - أَو أَكثره - في الصدقة أو المتعة. أو بإِنفاقه في معصية، أو بالتقصير في حق الله الواجب في الزكاة، بأَن يعطِىَ أقلَّ مما يجب عليه … فكل ذلك إِسراف ومجاوزة للحد. والله لا يرضى عن فاعله. بل يعاقبه.
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾.
المفردات:
﴿حَمُولَةً﴾: تحمل الأَثقال.
﴿فَرْشًا﴾: ما يفرش للذبح.
التفسير
١٤٢ - ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا .. ﴾ الآية.
هذا شروع في تفصيل أَحكام الأَنعام، وإِبطال ما افْتَروْه على الله في شأْنها، بالتحليل والتحريم.
والمعنى: وهو الذي أَنشأ لكم من الأنعام، ما يصلح للحمل عليه، وما لا يصلح. ولكنه يُفرَش ويُضْجَع للذبح.
стр. 1364
ويصح أن يكون المراد من كونه فَرْشًا: أَنه يُتَّخَذُ من شعره وصوفه ووبره ما يُفْرَش به.
وسيأْتى بيان الأَنعام في الآية الآتية.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾:
أَي: كلوا من لحوم هذه الأَنعام وأَلبانها، التي رزقكم الله بها.
والأَمر هنا؛ لإِباحة الأَكل، وإِظهار المنَّةِ على عباده، كي يشكروه، ولا يكفروه.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾:
أَي: لا تسلكوا سبيل الشيطان في تحريم ما أَحل الله لكم، وتحليل مما حرم عليكم.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾:
أَي: إِنه بَيَّنُ العداوة لكم، حريص على إغرائكم وإغوائكم.
والشيطان جنس، يشمل كل شياطين الإِنس والجن، ممن يحلُّون الحرام ويحرمون الحلال من الحكام وذوى السلطان. تحقيقا للشهوات والنزوات ونحوها.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾.
стр. 1365
المفردات:
﴿أَزْوَاجٌ﴾: جمع زوج. ويطلق على كل واحد من القرينين: الذكر والأُنثى في الحيوانات المتزاوجة، ويطلق أيضًا على مجموعهما. والمراد الأَول.
﴿نَبِّئُونِى﴾: أَخبروني.
التفسير
١٤٣ - ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ .. ﴾ الآية.
هذا بيان لجهل العرب قبل الإِسلام، فيما كانوا يحرمون من الأَنعام، ويجعلونها أَقساما وأَنواعا: بحيرة، وسائبة، ووصيلة وغيرها.
فبيّن في هذه الآية - وما بعدها - أَنواع الأَنعام وأَصنافها. فقال:
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾:
أي ثمانية أصناف: أَربعة ذكور من الإِبل والبقر والغنم والمعز، وأَربعة إِناث من كل منها. وكل ذَكَرٍ من هذه الأَصناف يُزَاوِجُ أُنثاه وبالعكس، والمزاوجة: المثاناة.
ثم شرع في تفصيل هذه الأَصناف، على النحو الآتي، فقال:
﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾:
أَي من الضأْن زوجين: ذكر وأْنثى.
﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾:
أَي ومن المعز زوجين: ذكر وأُنثى .. والمراد كل ذكر وأُنثى من هذين الصنفين الاثنين.
﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾:
أَي قل يا محمَّد، لهؤُلاءِ الذين يحرّمون ذكور الأَنعام تارة، وإناثها تارة أُخرى، وينسبون ذلك إلى الله افتراءً عليه - قل لهم: أَكان التحريم في الضأْن والمعز وغيرهما من الأَنعام بسبب الذكورة؟ أَم كان بسبب الأُنوثة؟ أَم هو بسبب الوجود في الرحم؟
стр. 1366
فإِن كان التحريم بسبب الذكورة، لزمهم تحريمها، وهم لم يفعلوا ذلك.
وإِن كان التحريم بسبب الأُنوثة، لزمهم تحريم جميع الإِناث، ولم يفعلوا ذلك أَيضا.
وإِن كان التحريم بسبب اشتمال الرحم على الجنين، لزمهم تحريم جميع الذكور وجميع الإِناث؛ لأَن الكل يشتمل عليه الرحم. ولم يفعلوا.
ومثل ذلك. يقال في الإِبل والبقر: الآتيين.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
أَي: أخبروني بأَمر معلوم من جهة الله تعالى، جاءَ به الأَنبياءُ عليهم الصلاة والسلام، يدل على أَن الله سبحانه، حرم شيئا مما ذكر، إِن كنتم صادقين فيما زعمتموه من أَن التحليل والتحريم هما من عند الله.
١٤٤ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ … ﴾ الآية.
أَي: ومن الإِبل اثنين: ذكرٍ وأُنثى. ومن البقر اثنين: ذكرٍ وأُنثى. قل لهم يا محمد، أَكان التحريم بسبب الذكورة في هذين الصنفين؟ أَم كان بسبب الأَنوثة فيهما؟ … إِلخ ما بَيَّن في الآية قبلها.
وإِنما ذكر في هذه الآية، ما ذكر في الآية السابقة - لزيادة الإِلزام والتبكيت والإِفحام.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾:
هذا انتقال من توبيخهم على تحريم ما حرموه بغير علم، إِلى توبيخهم بنفي حضورهم وصية الله بالتحريم.
والمعنى: بل أَكنتم حاضرين مشاهدين حين وصاكم الله، وأَمركم بهذا التحريم؟!
والمراد نفى الوصية بالتحريم. فلذا لم يشهدوها.
والحاصل: أن العلم بالتحريم، إِما أَن يكون عن رسول أَخبرهم به، وإِما أَن يكون عن مشاهدة لله وسماع منه تعالى … وكلا الأَمرين منتف.
وبذلك يبطل تحريمهم كما حرموه عن الله تعالى.
стр. 1367
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ … ﴾:
أَي: فلا أَحدٌ أَشدَّ ظلمًا ممن اختلق الكذب على الله تعالى، فنسب إِليه تحريم ما لم يحرم، ليوقع الناس - بجهله - في الضلال والبعد عن المنهج القويم، الذي شرعه الله لعباده.
وإِنما وصفوا بعدم العلم - وهم متيقنون بأَن الله لم يحرم ذلك - للتنبيه على أنهم خرجوا في ظلمهم عن الحدود والنهايات. فإِن من افترى على الله حكما غير عالم بصدوره عنه - مع احتمال صدوره - كان بعيد الغاية في الظلم … فما ظنك بمن افترى عليه تعالى، وهو يعلم أَنه لم يصدر عنه جل وعلا!!
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
أَي: إِن اللهَ لا يرشد إِلى طريق الحق كل من اتصف بالظلم. وإِذا كان المتصف بالظلم لا تناله هداية الله. فما بالك بمن بلغ في الظلم نهاية النهاية!!
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُورَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾.
стр. 1368
المفرادات:
﴿طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾: آكِلٍ يأْكله، من ذكر وأُنثى.
﴿مَسْفُوحًا﴾: أَي سائلا.
﴿رِجْسٌ﴾: نجس خبيث. والمراد: حرام.
﴿فِسْقًا﴾: خروجا عما أَحَلَّه الله.
﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: ذُكِرَ اسمُ غير الله تعالى عليه، عند ذبحه.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فَمَنْ حملته الضرورة على تناول شيءٍ من ذلك.
﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أَي غير ظالم مضطر مثله.
﴿وَلَا عَادٍ﴾: أَي ولا متجاوز قدر الضرورة.
﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: أَي كلَّ ماله أَصبع من الإِبل، والسباع، والطيور.
﴿شُحُومَهُمَا﴾: جمع شحم. وهو الدهن.
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾: أَي إلاَّ مَا وُجِد من الشحم فوق ظهورهما.
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: أي وإِلَّا الشحومَ التي تغطِّى الأَمعاء.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: أَي وإِلَّا ما اختلط من الشحم بعظم، كالإلية.
﴿بِبَغيِهِمْ﴾: أَي بسبب ظلمهم.
﴿بَأْسُهُ﴾: عقابه.
التفسير
١٤٥ - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية.
بعد أن بين القرآن الكريم - فيما سبق - خطأَ المشركين فيما يفترونه على الله تعالى، في شأْن التحريم والتحليل لبعض الأَرزاق من الثمار والأَنعام، ووبَّخَهم على ذلك - جاءَت هذه
стр. 1369
الآية، تأْمر النبي ﷺ ، ببيان أَن الوحى هو الطريق الصحيح فيما حرَّمه الله وأَحلَّه. فقال:
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾:
أي: قل يا محمَّد، لهؤُلاءِ المشركين المفترين: لقد تتبعت جميع ما أوحاه الله إلىَّ، بحثا عن المحرمات، فلم أَجد فيها طعاما محرما على أي آكل من الذكور أَو الإِناث.
﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾:
أَي: لا أَجد طعامًا محرما، إِلا أَن يكون الطعام شيئا من الأَشياءِ الآتية:
١ - (مَيْتَةً) وهو الحيوان الذي زهقت روحه بغير ذبح شرعي.
٢ - ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: أَي دمًا مصبوبا سائلا من الحيوان، بخلاف الكبد والطحال، فإنهما دمَان غير سائلين.
٣ - ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾: ومثل لحمه، شحمه، وغضاريفه. فإِن جميع أَجزائه قذر نجس، ولو ذبح.
٤ - ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: أَو يكون المطعوم لحم حيوان، ذُكِرَ عليه - عند ذبحه - اسم غير الله تعالى، فإِنه يكون - عند ذلك - فسقًا حيث بَعُدَ، بسبب ذلك، عما أحلَّه الله تعالى.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أَي: فأَى شخص حملته الضرورة على تناول شيء من المحرمات السابقة، لحفظ الحياة، بسبب فقده الطعام الحلال، فإنه رخص له ذلك، بشرط أَلا يبغىَ بأَكل نصيب مضطر آخر مثلِهِ. وأَلا يتجاوز - فيما يتناوله - مقدار الضرورة التي تحفظ عليه حياته، حتى يصل إلى مكان يجد به الطعام الحلال.
﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أَي: فإن الله عظيم المغفرة والرحمة: لا يؤَاخِذ المضطَّر على تناول شيءٍ من ذلك؛ لأنه أَباحه له لحفظ حياته.
стр. 1370
١٤٦ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ .. ﴾ الآية.
أَي: وعلى اليهود - دون غيرهم، بسبب ظلمِهم - حرم الله جميع ماله إِصبع غير منفرج: كالإِبل، والطيور، وخصه ابن زيد بالإِبل فقط.
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾:
أَي: وحرَّم عليهم دهون البقر والغنم.
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾:
أَي: إِلا الدهون التي توجد فوق ظهور البقر والغنم.
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾:
أَي: وإِلَّا الدهون التي تغطى الأَمعاء.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾:
أَي: وإِلَّا الدهون التي تكون متصلة بعظم، كشحم الإِلية، فإِنها متصلة بالسلسلة الفقرية.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾:
أَي: كان ذلك التحريم، عقابا لهم بسبب عُتُوِّهم وعصيانهم، وتعديهم حدود الله، حيث قتلوا الأَنبياء بغير حق، وأَكلوا الربا، وأَكلوا أَموال الناس بالباطل. كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ … ﴾ (١).
وكانوا كلما أَتوا معصية، عوقبوا بتحريم شيءٍ مما أُحِلَّ لهم. وهم ينكرون ويدعون أنها كانت محرمة على الأُمم قبلهم.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾:
هذا إِخبار عن الله ، بأنه صادق في كل مَا بيَّنه، ومنه بيان صدقه فيما أَحلَّ وحرَّم، بالنسبة لليهود.