فإِن كان التحريم بسبب الذكورة، لزمهم تحريمها، وهم لم يفعلوا ذلك.
وإِن كان التحريم بسبب الأُنوثة، لزمهم تحريم جميع الإِناث، ولم يفعلوا ذلك أَيضا.
وإِن كان التحريم بسبب اشتمال الرحم على الجنين، لزمهم تحريم جميع الذكور وجميع الإِناث؛ لأَن الكل يشتمل عليه الرحم. ولم يفعلوا.
ومثل ذلك. يقال في الإِبل والبقر: الآتيين.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
أَي: أخبروني بأَمر معلوم من جهة الله تعالى، جاءَ به الأَنبياءُ عليهم الصلاة والسلام، يدل على أَن الله سبحانه، حرم شيئا مما ذكر، إِن كنتم صادقين فيما زعمتموه من أَن التحليل والتحريم هما من عند الله.
١٤٤ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ … ﴾ الآية.
أَي: ومن الإِبل اثنين: ذكرٍ وأُنثى. ومن البقر اثنين: ذكرٍ وأُنثى. قل لهم يا محمد، أَكان التحريم بسبب الذكورة في هذين الصنفين؟ أَم كان بسبب الأَنوثة فيهما؟ … إِلخ ما بَيَّن في الآية قبلها.
وإِنما ذكر في هذه الآية، ما ذكر في الآية السابقة - لزيادة الإِلزام والتبكيت والإِفحام.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾:
هذا انتقال من توبيخهم على تحريم ما حرموه بغير علم، إِلى توبيخهم بنفي حضورهم وصية الله بالتحريم.
والمعنى: بل أَكنتم حاضرين مشاهدين حين وصاكم الله، وأَمركم بهذا التحريم؟!
والمراد نفى الوصية بالتحريم. فلذا لم يشهدوها.
والحاصل: أن العلم بالتحريم، إِما أَن يكون عن رسول أَخبرهم به، وإِما أَن يكون عن مشاهدة لله وسماع منه تعالى … وكلا الأَمرين منتف.
وبذلك يبطل تحريمهم كما حرموه عن الله تعالى.
стр. 1367
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ … ﴾:
أَي: فلا أَحدٌ أَشدَّ ظلمًا ممن اختلق الكذب على الله تعالى، فنسب إِليه تحريم ما لم يحرم، ليوقع الناس - بجهله - في الضلال والبعد عن المنهج القويم، الذي شرعه الله لعباده.
وإِنما وصفوا بعدم العلم - وهم متيقنون بأَن الله لم يحرم ذلك - للتنبيه على أنهم خرجوا في ظلمهم عن الحدود والنهايات. فإِن من افترى على الله حكما غير عالم بصدوره عنه - مع احتمال صدوره - كان بعيد الغاية في الظلم … فما ظنك بمن افترى عليه تعالى، وهو يعلم أَنه لم يصدر عنه جل وعلا!!
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
أَي: إِن اللهَ لا يرشد إِلى طريق الحق كل من اتصف بالظلم. وإِذا كان المتصف بالظلم لا تناله هداية الله. فما بالك بمن بلغ في الظلم نهاية النهاية!!
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُورَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾.
стр. 1368
المفرادات:
﴿طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾: آكِلٍ يأْكله، من ذكر وأُنثى.
﴿مَسْفُوحًا﴾: أَي سائلا.
﴿رِجْسٌ﴾: نجس خبيث. والمراد: حرام.
﴿فِسْقًا﴾: خروجا عما أَحَلَّه الله.
﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: ذُكِرَ اسمُ غير الله تعالى عليه، عند ذبحه.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فَمَنْ حملته الضرورة على تناول شيءٍ من ذلك.
﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أَي غير ظالم مضطر مثله.
﴿وَلَا عَادٍ﴾: أَي ولا متجاوز قدر الضرورة.
﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: أَي كلَّ ماله أَصبع من الإِبل، والسباع، والطيور.
﴿شُحُومَهُمَا﴾: جمع شحم. وهو الدهن.
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾: أَي إلاَّ مَا وُجِد من الشحم فوق ظهورهما.
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: أي وإِلَّا الشحومَ التي تغطِّى الأَمعاء.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: أَي وإِلَّا ما اختلط من الشحم بعظم، كالإلية.
﴿بِبَغيِهِمْ﴾: أَي بسبب ظلمهم.
﴿بَأْسُهُ﴾: عقابه.
التفسير
١٤٥ - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية.
بعد أن بين القرآن الكريم - فيما سبق - خطأَ المشركين فيما يفترونه على الله تعالى، في شأْن التحريم والتحليل لبعض الأَرزاق من الثمار والأَنعام، ووبَّخَهم على ذلك - جاءَت هذه
стр. 1369
الآية، تأْمر النبي ﷺ ، ببيان أَن الوحى هو الطريق الصحيح فيما حرَّمه الله وأَحلَّه. فقال:
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾:
أي: قل يا محمَّد، لهؤُلاءِ المشركين المفترين: لقد تتبعت جميع ما أوحاه الله إلىَّ، بحثا عن المحرمات، فلم أَجد فيها طعاما محرما على أي آكل من الذكور أَو الإِناث.
﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾:
أَي: لا أَجد طعامًا محرما، إِلا أَن يكون الطعام شيئا من الأَشياءِ الآتية:
١ - (مَيْتَةً) وهو الحيوان الذي زهقت روحه بغير ذبح شرعي.
٢ - ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: أَي دمًا مصبوبا سائلا من الحيوان، بخلاف الكبد والطحال، فإنهما دمَان غير سائلين.
٣ - ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾: ومثل لحمه، شحمه، وغضاريفه. فإِن جميع أَجزائه قذر نجس، ولو ذبح.
٤ - ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: أَو يكون المطعوم لحم حيوان، ذُكِرَ عليه - عند ذبحه - اسم غير الله تعالى، فإِنه يكون - عند ذلك - فسقًا حيث بَعُدَ، بسبب ذلك، عما أحلَّه الله تعالى.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أَي: فأَى شخص حملته الضرورة على تناول شيء من المحرمات السابقة، لحفظ الحياة، بسبب فقده الطعام الحلال، فإنه رخص له ذلك، بشرط أَلا يبغىَ بأَكل نصيب مضطر آخر مثلِهِ. وأَلا يتجاوز - فيما يتناوله - مقدار الضرورة التي تحفظ عليه حياته، حتى يصل إلى مكان يجد به الطعام الحلال.
﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أَي: فإن الله عظيم المغفرة والرحمة: لا يؤَاخِذ المضطَّر على تناول شيءٍ من ذلك؛ لأنه أَباحه له لحفظ حياته.
стр. 1370
١٤٦ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ .. ﴾ الآية.
أَي: وعلى اليهود - دون غيرهم، بسبب ظلمِهم - حرم الله جميع ماله إِصبع غير منفرج: كالإِبل، والطيور، وخصه ابن زيد بالإِبل فقط.
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾:
أَي: وحرَّم عليهم دهون البقر والغنم.
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾:
أَي: إِلا الدهون التي توجد فوق ظهور البقر والغنم.
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾:
أَي: وإِلَّا الدهون التي تغطى الأَمعاء.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾:
أَي: وإِلَّا الدهون التي تكون متصلة بعظم، كشحم الإِلية، فإِنها متصلة بالسلسلة الفقرية.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾:
أَي: كان ذلك التحريم، عقابا لهم بسبب عُتُوِّهم وعصيانهم، وتعديهم حدود الله، حيث قتلوا الأَنبياء بغير حق، وأَكلوا الربا، وأَكلوا أَموال الناس بالباطل. كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ … ﴾ (١).
وكانوا كلما أَتوا معصية، عوقبوا بتحريم شيءٍ مما أُحِلَّ لهم. وهم ينكرون ويدعون أنها كانت محرمة على الأُمم قبلهم.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾:
هذا إِخبار عن الله ، بأنه صادق في كل مَا بيَّنه، ومنه بيان صدقه فيما أَحلَّ وحرَّم، بالنسبة لليهود.
стр. 1371
١٤٧ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ … ﴾ الآية.
أَي: فإن كذبك يا محمد، المخالفون لك من اليهود والمشركين، فيما جئتهم به من الحق والهدى - ومنه ما بينته لهم من أحكام الحلال والحرام من المطعومات - فقل لهم؛ ترغيبا لهم في الطاعة، وإنذارا لهم على استمرارهم على الشرك والضلال.
﴿رَبُّكُمْ﴾: الذي خلقكم وتعهدكم؛ بالتربية، والإِرشاد، وبيان الحق.
﴿ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾:
أَي صاحب رحمة واسعة، حيث لم يعاجلكم بالعقوبة: مع قدرته على إنزالها بكم.
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾:
أن: ولا يقدر أَحد على دفع عقابه إِن أَراد وقوعه بالمجرمين. فكيف لا تخشون عقابه وأنتم أَشد الناس إِجراما؟!
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾.
المفردات:
﴿تَخْرُصُونَ﴾: تقدِّرون تقديرا خاطئا.
стр. 1372
﴿الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾: أَي التامة؛ بإِنزال الكتب، وإرسال الرسل، مع تسليم العقل.
﴿هَلُمَّ﴾: أَحضِروا.
﴿وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: أَي وهم يُسوُّون به غيره.
التفسير
١٤٨ - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا … ﴾ الآية.
هذا إِخبارٌ من الله تعالى، بما سيقولونه، بعد أن أُفحموا وبطل ما كانوا عليه من الشرك، وتحريم ما أحل الله لهم، وتحليل ما حرم عليهم، ولزمتهم الحجة.
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾:
أَي لو شاءَ الله أَلَّا نشرك به - نحن ولا آباؤُنا القريبون منهم والبعيدون - ما أشركنا وما أشرك آباؤُنا … ولو شاءَ أَلا نُحَرِّم شيئا مما حرمناه، لما حدث منا هذا التحريم. فما وقع منا، فهو بمشيئته ورضاه ..
أرادوا بذلك، أَنهم على الحق المشروع المرضى عند الله تعالى، وإِلا لَمَا وقع منهم، لأَنه لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
وقد كذبوا في هذا الاحتجاج؛ فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والمعاصي. قال تعالى ﴿ … وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ … ﴾ (١).
﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾:
أَي: مثل تكذيب هؤُلاءِ لك، في أَن الله نهى عن الشرك والتحليل والتحريم بالرأْى والهوى، وإلباس الحق بالباطل - كذب الذين من قبلهم رسلَهُم، واستمروا على التكذيب، إِلى أَن نزل بهم عقابنا، وأَحاط بهم الهلاك.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾:
أَي: قل لهم يا محمد هل يوجد لديكم أَمرٌ معلوم بَيِّنٌ واضح، يصح الاعتماد عليه، فيما زعمتم، فتظهروه لنا كما أظهرنا لكم خطأَكم فيما ذهبتم إِليه؟!
стр. 1373
﴿إن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظنَّ وإنْ أَنتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ﴾:
أَي: ما تتبعون - فيما ذهبتم إليه من باطل - إلا الظن الذي لا يغنى من الحق شيئا … وما أَنتم إلا تُقدِّرون تقديرا خاطئا، وتكذِبون، إِظهارا للباطل، وإخفاءً للحق الواضح، وهو أنه ليس لديكم ما يصح الاعتماد عليه، والتمسك به.
١٤٩ - ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
أَي: قل لهم يا محمَّد، إن فقدتم كل حجة، ودليل على ما زعمتم، حيث لا حجة لكم .... فلله - وحده - الحجة البينة الواضحة، التي بلغت نهاية القوة، وقد لزمتكم بإرسال الرسل إليكم، وإِنزال الكتب عليكم، وقد بلَّغوكم.
﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
أي: فلو شاءَ الله هدايتكم إلى الحق لوفَّقكم جميعًا إِلى اتباعه، لكنه - سبحانه - شاءَ الهداية للبعض فآمن، دون البعض.
١٥٠ - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا … ﴾ الآية.
أي: قل لهم يا محمد، أَحضِرُوا من يشهد لكم ويعاونكم، في إثبات أَن الله حرم عليكم ما حرمتموه على أَنفسكم، وعلى أَزواجكم!!.
ولن يوجد لهم شاهد يشهد بحق وصدق على ذلك.
﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾:
أي: فإن أَحضروا شهداءَهم المبطلين معهم، وشهدوا لهم، فلا تشهد معهم، ولا تقبل شهادتهم؛ لأَنها نتيجة اتباع الهوى.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾:
أى: ولا تتبع يا محمَّد، أهواء الذين اتصفوا بتكذيب آياتنا، وعدم الإِيمان بالبعث والجزاء.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل وعدم الجور.
﴿فَاعْدِلُوا﴾: فاصدُقوا في القول.
﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أوْفُوا﴾: وبما طلب الله منكم من العدل وتأْدية أحكام الشرع، أَوفوا وأَتِمُّوا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: لكي تتعظوا.
التفسير
١٥١ - ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية.
بعد أَن أَبطل الله تعالى - في الآيات السابقة - دعاوى المشركين في استنادهم إلى مشيئة الله تبريرا لإشراكهم، وإِشراك آبائهم من قبل، وتحريم ما حرموا، وظهر فساد مسلكهم في الاعتقاد والعمل، والتحليل والتحريم - طلب من الرسول ﷺ أن يستدعيهم إلى حضرته؛ ليبين لهم ما حرّمه عليهم، وما أوجب فقال سبحانه:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ .... ﴾ الآية.
أي: قل لهم يا محمَّد، أَقبلوا واحضرُوا إلىَّ، لأَقرأَ ما حرَّمه ربكم عليكم وما أَوجبه.
وبدأَ بالنهي عن أَكبر المحرمات، فقال تعالى:
﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾:
أَي: أَلاَّ تشركُوا به - سبحانه - شيئا من الشرك: كالرياءِ، وعدم صدق النية في العمل، أَو شيئا من الشركاءِ، حقيرا كان أو عظيما. والنهي عن الإِشراك يقتضي الأَمر بالإِخلاص لله وتوحيده، فإن النهي عن الشئِ، هو أَمرٌ بضده.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾:
هذا من الأُمور التي طلبها الشارع، وحث عليها، بعد الأمر بالتوحيد والإِخلاص لله وحدَه. وقَرن الأَمر بالإِحسان إِلى الوالدين - في هذه الآية وغيرها - بالتوحيد والعبودية
стр. 1376
لله؛ لأَن الله هو الموجد الحقيقى لكل إِنسان. وإنما الوالدان سبب عادى في وجوده.
فلهما - على الولد - حق الإكرام والطاعة في الخير والبر، ولو كانا كافرين.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾:
بعد أن قرر الله تعالى حق الوالدين على الولد، عقبه بتقرير الأَولاد على والديهم، فنهى عن قتلهم بسبب الفقر، كما كان يحدث في الجاهلية؛ لأَن الله هو الرزاق للوالد والولد، ولكل الكائنات الحية.
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا … ﴾ (١).
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾:
هذا نهى عن الاقتراب من المحرمات كلها على وجه العموم. فضلا عن الوقوع فيها.
وخاصة: جريمة الزني التي يترتب عليها اختلاط الأَنساب، وضياع الأموال.
﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾:
أي: مَا يُفعَل منها علانية، وما يفعل منها سرًّا.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾:
هذا نهى عن قتل النفس التي عصمها الله من القتل: بالإِسلام، أو بالعهد - لأى سبب من الأَسباب - إِلا بالحق.
وقد ورد في السنة النبوية، بيان الأَسباب التي تجعل قتل الإِنسان لغيره حقا. كالذي جاءَ في قول رسول الله ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسلِم إِلاَّ بِإحْدَى ثَلَاث: الثيّبِ الزَّانىِ، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْس، والتَّارِكِ لِدِينِهِ المفارِقِ لِلْجَمَاعَةِ" (٢)
فالذي يزنى - بعد أن سبق له الزواج - يقتل شرعا، والقاتل لغيره - عمدا - يقتل، والتارك لدينه - الذي ارتد بعد أَن دخل في الإِسلام - يُقْتَل …
стр. 1377
كل هؤُلاءِ، قتلهم يكون بالحق المشروع.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
أي: ذلك الذي تقدم ذكره من التكاليف الخمسة - أَمركم الله بها أَمرا مؤَكدا؛ لعلكم تستعملون عقولكم في فهم الحِكَمِ التي من أَجلها طلبها الله منكم، وأَلزمكم بها.
وبمراعاة هذه التكاليف - كما أمر الله تعالى - تصان الأُسرة والمجتمع، من الفساد، والتفكك، والانهيار.
١٥٢ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ … ﴾ الآية.
في هذه الآية، نهىٌ عن القربِ من مال اليتيم - في جميع الأحوال - إلا في حال التصرف فيه على أَحسن الوجوه، التي تؤَدى إلى حفظه ونمائه.
ويستمر ذلك حتى يبلغ اليتيم رشده: في دينه ودنياه. وعند ذلك، يُدفَع إليه ماله؛ ليقوم هو على تنميته بنفسه، مع الإِشهاد عليه عند الدفع. قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ (١).
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾:
هذا أمرٌ من الله تعالى: بالعدل والتسوية، في الكيل والميزان، عند التعامل بالبيع والشراءِ.
فلا تطفيف عند الاستيفاءِ من الغير .. ولا نقص عند الكيل والوزن له:
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾:
أي: لا يطلب الله من عباده ما لا يستطيعون فعله.
وقد جئَ بهذا النص الكريم - بعد الأَمر بالعدل في الكيل والميزان - للإِشارة إِلى أَن مراعاة الدقة التامة، فيما يكال ويوزن، قد يعسر تحققه.
وعلى ذلك، فالمطلوب من المكلف: مراعاة العدل - في ذلك - قدر طاقته. وما وراءَ ذلك، يشمله عفو الله تعالى.
стр. 1378
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾:
أي: إذا صدر منكم قول - في قضاء أَو شهادة أَو غير ذلك - فالتزموا العدل فيما تقولون، بدون محاباة لأحد، ولو كان أقربَ الناس إِليكم.
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾:
أَي: التزموا بما طُلِبَ إليكم الوفاء به، من أَوامر الله ونواهيه.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
أَي: ما ذكر من التكاليف المتقدمة، أمَرَكم الله به أَمرًا مؤَكدًا؛ لتتعظوا بما احتوته من مصالح دنيوية وأُخروية، فتعملوا بها، وتحرصوا على أدائها؛ لأَن هذه الأَحكام لا تختلف باختلاف الأُمم والأَزمان .. وهي مقررة في جميع الشرائع.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾.
التفسير
١٥٣ - ﴿وَأَنَّ (١) هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾:
أَي: ولأن هذا الذي تقدم - في الآيتين السابقتين، من الأوامر والنواهى - هو صراط الله وطريقه المستقيم، الذي رضيه لعباده. فاتبعوه ولا تنحرفوا عنه، إِذ لا عوج فيه ولا انحراف.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾:
أَي: ولا تخرجوا عن الطريق المستقيم، إلى اتباع الطرق المعوجة، فتفرقَكم وتبعدكم عن دينه الحق.
стр. 1379
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾:
أي: هذا الذي تقدم - وهو اتباع دين الله والابتعاد عن غيره من الأديان الباطلة - هو الذي أمركم الله بالحرص عليه، والسير على منهاجه؛ رجاءَ أَن تكونوا من الناجين من عذابه بصيانة أنفسكم عن السير في الطرق المعوجة.
روى الدارقطني عن ابن مسعود ﵄. قال: "خَطَّ لنا رسول الله ﷺ ، خطًّا، ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه، وخطوطا عن شماله، ثم قال: هذه سُبُلٌ على كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إِليه. ثم قرأ هذه الآية".
وأخرجه ابن ماجة أَيضا.
﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾.
المفردات:
﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: إِتماما للنعمة على كل من أَحسن القيام به. أو على موسى الذي أحسن تبليغه.
التفسير
١٥٤ - ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ … ﴾ الآية.
أي: ثم أَعطينا موسى التوراة؛ لإِتمام النعمة والكرامة، على كل من أَحسن القيام بما اشتملت عليه عن تكاليف.
أو إتماما للنعمة على موسى الذي أحسن تبليغ التوراة.
أو تماما على الذي أَحسنه موسى وأجاده، من العلم والتشريع، أي زيادة عليه.
стр. 1380
﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾:
أي: جاءَت التوراة بيانًا وتفصيلا لكل ما يحتاج إِليه في الدين والدنيا، وإِرشادًا إلى طريق الخير، ورحمة واسعة من الله لعباده.
﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾:
أي: لعل من نزلت لهم التوراة - وهم: بنو إِسرائيل - بلقاءِ ربهم - بعد البعث - يصدِّقون.
وفي هذه الآية، إخبارٌ من الله تعالى، بأن الوصايا التي تقدم ذكرها، ثابتةٌ في الكتب المتقدمة، ومنها التوراة.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾.
المفردات:
﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾: قراءَةِ كتبهم.
﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: أعرض عنها. أو صرف الناس عنها.
стр. 1381
التفسير
١٥٥ - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ … ﴾ الآية.
أي: وهذا القرآن، كتاب الله العظيم، أوحيناه إلى محمَّد ﷺ . كثير المنافع والخير: دنيا وأُخرى.
﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾:
أي فاسلكوا - أيها المكلفون - سبيله المستقيم، بالعمل بما فيه من التكاليف، حيث كان منزلا من عند الله تعالى. وذلك موجب لاتباعه، واحذروا مخالفته، رجاءَ أن تعمَّكم رحمة الله. وبذلك تنجون من عذابه الأَليم.
١٥٦ - ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا … ﴾ الآية.
أي: قد أنزلنا هذا الكتاب المبارك؛ كراهة أن تقولوا معتذرين يوم القيامة إِنما أُنزِل ذلك الكتاب - التوراة والإِنجيل - على طائفتين من قبلنا، وهما: اليهود والنصارى.
وتخصيص الإنزال بكتابيهما؛ لأَنهما اللذان اشتهرا من بين سائر الكتب السماوية السابقة، قبل نزول القرآن.
﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾:
أي: وإِننا معشر العرب كُنَّا - عن مطالعة تلك الكتب وقراءَتها - لمنصرفين عن دراستهما وفي هذه الآية قطع الأعذار، وإثبات الحجة عليهم، حيث نزل القرآن بلغة سهلة ميسرة، هي العربية.
١٥٧ - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ … ﴾ الآية.
أَي: أَو لئلا تقولوا معتذرين بأَمر آخر غير ما سبق - لو أنا أنزل علينا الكتاب - كما أُنزل على اليهود والنصارى - لصرنا أَكثر هداية إِلى الحق منهم، وذلك لجودة إِدراكنا، وفهمنا لما اشتمل عليه الكتاب من الأحكام والتشريعات.
وبهذا انتفى ما يمكن أن يعتذروا به، بعد الاعتذار السابق.
стр. 1382
﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.
أَي: فلا مكان لما يمكن أَن تعتذروا به، حيث جاءَكم - على لسان نبي منكم - كتابٌ من ربكم: فيه حجة واضحة على ما شرعه الله من الأَحكام، وإرشادٌ مبين إلى طريق الحق، ورحمةٌ بكم، حيث نزل بلغتكم.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾:
أي: فلا أَحد أكثر ظلما ممن كذَّب بآيات الله تعالى، المشتملة على البيان والهداية والرحمة، وأَعرض عن اتباع الأَحكام التي جاءَت بها، وصرف الناس عنها. فكان بذلك ضالاًّ مضِلاًّ.
﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾:
أي: سنعاقب الذين يُعرِضون عن اتباع آياتنا، ويصرفون الناس عنها، بالعذاب السىِّءِ، بسبب إعراضهم، ومنعهم غيرهم عن اتباع أَحكامها.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾.
المفردات:
﴿يَنظُرُونَ﴾: ينتظرون.
стр. 1383
التفسير
١٥٨ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ … ﴾ الآية.
أَي: لا ينتظر هؤلاء الكافرون - بعد البيان السابق - إِلا مجئ الملائكة لهدايتهم ودعوتهم إِلى الإِيمان.
أو أَن تأْتيهم ملائكة العذاب، وهم لم يكونوا منتظرين لذلك. ولكن لما كان العذاب يلحقهم لحوق المنتظِر، شُبِّهوا بالمنتظرين.
﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾:
أَوأَن يأتى ربك إليهم، داعيا إياهم إلى الهدى، كما اقترحوا ذلك، في قوله تعالى: ﴿ … لَوْلَا أنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائكَةُ أوْ نَرَى رَبَّنَا … ﴾ (١)
أَو المراد: إِتيان أمره بالعذاب.
﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾:
أي: أو تأْتيهم بعض الآيات التي اقترحوها على رسول الله، ﷺ كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الْأرْضِ يَنبُوعًا﴾ (٢) الآيات.
والخلاصة: أنهم علقوا إِيمانهم - باللهِ ورسوله - على حصول إِحدى هذه العظائم.
وشبهت حالهم بحال المنتظرين لها.
ومن المفسرين من فسر ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾: بأَشراط الساعة، بدليل قوله عقبه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾.
أَي: يوم يحدث شرط من أَشراط الساعة، لا يُقْبَل من نفس إيمانٌ ولا عملٌ صالح. حصلا بعد ظهور الشرط وحدوثه؛ إِذ لا ينفع النفس إلا ما قدمته قبل ظهور أَيٍّ من أَشراط الساعة؛ لأن وقت التكليف الاختيارى، قد فات.
стр. 1384
﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾:
هذا أَمر موجه من الله تعالى، لرسوله ﷺ ، بأَن يأْمرهم - أمر تهديد ووعيد - بقوله لهم: انتظروا ما يأْتيكم من الآيات التي علقتم إيمانكم عليها، والتي لا تنفعكنم إِن وقعت … إنا منتظرون وقوع ذلك لكم، حَتى نرى ما يحل بكم من سوءِ العاقبة، وما يحل بنا من حسن المآل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾.
المفردات:
﴿شِيَعًا﴾: فرقا متعددة.
﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾: يخبرهم ويعلمهم.
التفسير
١٥٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ … ﴾ الآية.
المعنى: إن الذين فرقوا دينهم، باختلافهم فية، فعبَدَ بعضهم الأَصنام، وقالوا عنها: هؤُلاءِ شفعاؤُنا عند الله. وعبد بعضهم الملائِكة، وقالوا؛ إنها بنات الله. وبعض ثالث: عبد الكواكب ....
ومنهم من قال: عزير ابن الله. ومنهم من قال: المسيح ابن الله.
وهذا كله شرك بالله تعالى، وخروج عن التوحيد الذي ارتضاه الله لعباده؛ لأنه الحقيقة المؤكدة: نقلا وعقلا. فكانوا - بهذا الاختلاف والتفرق - شيعا وأحزابا.
كل فريق منهم يتبع طريقا يخالف طريق الآخر.
стр. 1385
﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾:
أَي: لست يا محمَّد من عقاب هؤلاءِ المتفرقين في أمر دينهم في شئٍ … فلست مسئولا عن تفرقهم .. وحسبك أنك أديت الرسالة وبلغت الأَمانة، وخرجت من عهدة التبليغ.
وقيل: هو نهى عن التعرض لهم، حتى نزل الأمر بجهادهم.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾:
أَي: ما أَمرهم ومآل حالهم، إِلا إِلى الله وحده. فيجازيهم على أعمالهم وعقائدهم الباطلة - بما يستحقون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.
التفسير
١٦٠ - ﴿مَن جَاَء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَايهَا .... ﴾ الآية.
بعد أن بين القرآن الكريم، حال الناس من المؤْمنين وغيرهم، من حيث تمسكهم بالدين والعمل، واختلافهم فيه - شرع في بيان جزاءِ كل عامل: محسنا كان أو مسيئا.
فقال:
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾:
أَي: من عمل عملا صالحا - وهو مؤْمن - فله جزاءٌ عند الله مقدر بعشر أَمثال ما عمل تفضلا عليه من الله تعالى. والْعَشْر أَقل مراتب التضعيف. ولا يقف تضاعف الجزاءِ
﴿أَبْغِي رَبًّا﴾: أَطلب.
﴿وَلَا تَزِرُ﴾: ولا تحمل.
﴿وَازِرَةٌ﴾: نفس آثمة.
﴿خَلَائِفَ﴾: خلفاءَ يخلف بعضكم بعضا.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: ليمتحنكم ويختبركم.
التفسير
١٦١ - ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ … ﴾ الآية.
بعد أَن بين الله تعالى. فساد ما عليه المشركون بالحجج والبراهين، أمر رسوله ﷺ ، أَن يبين الدين الحق الذي هو عليه وهداه الله إليه، وهم يدعون - زورا - أَنهم عليه مع أنهم قد فارقوه كلية.
والمعنى: قل يا محمد، لأُولئك المبطلين: إِننى قد أرشدنى ربي إلى طريق مستقيم، موصل إلى الحق، بما أنزله علىَّ في القرآن، وبما نصبه من الآيات التكوينية: في الأنفس، وفي الآفاق.
﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
هذا هو بيان الطريق المستقيم، الذي اختاره الله لرسوله، بأَنه: الدين القيم الذي هدى الله إليه إبراهيم ﵇، فسلكه مبتعدا عن كل دين باطل، حيث كان مخلصا في عقيدته وعمله، ولم يك من المشركين.
١٦٢، ١٦٣ - ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ … ﴾ الآيتان.
هذا أَمر آخر، من الله تعالى، لرسوله ﷺ ، بأَن يبيّن: أَن صلاته - وسائر عباداته وحياته وموته - خالصةٌ لله رب العالمين - وحده - دون إشراك أَحد معه في تلك الأُمور المذكورة وغيرها.
стр. 1388
﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾:
أي: وبالإِخلاص لله - وحده - في كل عباداتى، أَمرنى الله .
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾:
أي: وأنا أول المنقادين المسارعين إِلى إِطاعة أوامر الله تعالى.
وفي هذه الجملة، بيان لموقف النبي ﷺ ، من الأَوامر التي أَمر بها، وأَنه قدوة للأُمة من حيث المبادرة إلى امتثال الأَوامر، واجتناب النواهى.
١٦٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ … ﴾ الآية.
أَي: قل يا محمد، لهؤلاءِ المشركين بالله، معلنا لهم ما أَنت عليه من إخلاص العبادة لله والتوكل عليه:
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾:
أي: أَطلب إلَهًا آخر سوى الله ربا ومعبودا.
﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾:
أَي: وهو المالك والمربى لكل شيءٍ، فيحفظنى ويرعانى ويكلؤنى، ويدبّر أَمرى، كما يقوم بتربية جميع الأَشياءِ، فيرعاها ويحفظها؟ فلا - ولن - أَتوكل إِلا عليه، ولن أَلجأَ إلا إِليه؛ لأَنه رب كل شيءٍ، وله الخلق والأَمر.
وفي هذه الآية: الأَمر بإِخلاص التوكل عليه سبحانه، كما تضمنت الآية التي قبلها، الأمر بإخلاص العبادة له .
وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرًا، كما قال تعالى مرشدا لعباده، أَن يقولوا:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١). ومثله: ﴿ … فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَلْ عَلَيْهٍ … ﴾ (٢).
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا﴾:
هذا إِخبار عما يكون عليه الحال يوم القيامة، من أَنَّ ما يعمله العاملون - من خير وشر - لا يعود إِلا عليهم: ثوابا أَو عقابا.
стр. 1389
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾:
أي: ولا تحمل نفس آثمة إِثمَ نفسٍ أُخرى بل كل نفس بما كسبت رهينة. فالنفوس إنما تجازى بأَعمالها إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾:
أي: اعملوا في الدنيا، فأَعمالكم مسطورة عليكم. ثم يكون مردُّكم ورجوعكم إلى ربكم، مالك أَمركم في الآخرة، فيعلمكم بأَعمالكم، ليتبين لكم ما كنتم فيه من غرور وباطل مخالف للحق، ويجازيكم عليها.
١٦٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ .. ﴾ الآية.
أي: وهو الله الذي جعلكم تعمرون الأَرض، أُمة تخلف أُمة، وقرنا بعد قرن، وخلفا بعد خلف.
والخطاب - على هذا - عام لجميع البشر. أَو هو الذي جعلكم خلفاءَ الأُمم السابقة …
والخطاب على هذا، للمؤمنين.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾:
أي: فضَّل بعضكم على بعض في الرزق، وفاوت بينكم في الأَخلاق، والمحاسن والمساوئِ.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾:
أَي: ليعاملكم معاملة المختبر - وهو أعلم بكم - فيما أَنعم به عليكم من المال والجاه.
هل يقوم الغنِىُّ بحق المال؟ وهل يصبِر الفقير على الحرمان؟.
وكما كان التفاوت في الدنيا، فسوف يكون التفاوت في الآخرة، نتيجة التفاوت في الأعمال الصالحة.
стр. 1390
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
في هذا، تخويف وترغيب. فعقابه تعالى سريع - إِذا جاء وقته - لمن عصاه وخالف أمره، ولم يتبع رسله. وهو غفور رحيم، لمن أَطاعه ووالاه، واتبع رسله فيما جاءُوا به.
والقرآن الكريم، كثيرا ما يجمع بين الترغيب والترهيب؛ كى يحمل الله تعالى عباده على طاعته، ويبعدهم عن معصيته.
نسأَل الله التوفيق.
стр. 1391
سورة الأعراف
مقدمة:
هذه هي السورة السابعة في ترتيب المصحف، وهي مكية، ومن السبع الطوال، وعدد آياتها ست ومائتان. وسميت سورة الأعراف، لورود هذا اللفظ فيها، قال الله تعالى:
﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ … ﴾ الآية.
ونزلت كلها بمكة - كما قال ابن عباس وابن الزبير. واستثنى غيرُهما ثمانى آيات تبتدئُ من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ … ﴾ إلى أوَّل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ … ﴾ ومنهم من ضم إِليها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ … ﴾ الآية فتصير بها المدنيات تسعا.
ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أَن سورة الأنعام، ختمت بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ … ﴾ الآية (١). وجاءَت سورة الأَعراف كالتفصيل لذلك. فسردت قصة آدم، وهو أَول خليفة استخلف في الأَرض. ثم تلتها قصة قوم نوح، ثم عاد مع هود، ثم ثمود مع صالح، إِلى آخر ما اشتملت عليه من القَصَص ..
كما أَنهما تشتركان في كونهما مكيتين، أنزلتا لحمل المشركين على ترك شركهم وعاداتهم الجاهلية.
من مقاصد السورة:
جمعت هذه السورة مقاصد شريفة، منها ما يلي:
١ - الدعوة إِلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
стр. 1392
٢ - لا اجتهاد مع النص لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
٣ - حوت قَصَص عدد من الأنبياء مع أُممهم، وما انتهت إِليه أحوالهم؛ لنعتبرَ بما حل بالكافرين، ونتبعَ طريق المؤمنين.
٤ - بيان عموم رسالة محمَّد ﷺ .
٥ - إِباحة الطَّيبات من الرزق، وأَخذ الزينة عند الذهاب إِلى أماكن العبادة. ومثلها أَماكن الاجتماعات العامة ..
٦ - الامتنان على العباد باللباس والرياش، وأَن خير لباس يرتديه الإنسان هو التقوى، التي بها يتفاضل الناس عند الله تعالى.
٧ - بيان أَنَّ أوامر الله لعباده كلها خير؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاءِ والمنكر.
٨ - بيان أن نبوة الرسول ﷺ ، منصوص عليها في الكتب السماوية السابقة.
٩ - بيان أَن العلماءَ مطالبون بالتذكير والموعظة الحسنة، لهداية الناس وإرشادهم إِلى الحق.
١٠ - ذكر العهد المأخوذ من الله على بني آدم، بأَن يذعنوا ويسلموا بالربوبية لله - وحده - دون سواه. وأنهم أَقروا واعترفوا وسيأتى تفصيل ذلك.
١١ - الأمر بالإنصات والاستماع عند تلاوة القرآن، لما اشتمل عليه من الفوائد التي تنفعهم في الدنيا والآخرة: ولما تنزل عند تلاوته بن الرحمات والعطايا الإلهية:
стр. 1393
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.
المفردات:
﴿كِتَابٌ﴾: المراد به هنا؛ القرآن. أَو سورة الأَعراف.
﴿حَرَجٌ﴾: الحرج؛ الضيق. وقد يطلق على الشك مجازا، لأَنه يضيق به صدر صاحبه.
﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾: الإنذار؛ التخويف.
﴿وَذِكْرَى﴾: الذكرى؛ التذكير والوعظ.
التفسير
١ - ﴿المص﴾ (١):
افتتح الله تعالى تسعا وعشرين سورة بأسماءِ بعض الحروف الهجائية. وسورة الأَعراف واحدة منها.
ويرى بعض العلماء: أن هذه الحروف، من المتشابه الذي استأْثر الله تعالي بعلمه.
ولما سئل الشعبي عنها قال: إِن لكل كتاب سرًّا، وإِن سرَّ هذا القرآن فواتح السور. اهـ
ويرى آخرون أنها فواصل بين السور، كما تأتى كلمة (هذا) فاصلة بين الآيات.
كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ … ﴾ (٢) إلخ.
стр. 1394
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أَسلم: هي أَسماءٌ للِسور .. ويستدل بما ورد في الصحيحين عن أَبي هريرة "أَن رسول الله ﷺ ، كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم: السجدة. وَهَل أَتَى عَلَى اْلإنسَانِ".
وقيل: هي أَسماءٌ لله تعالى.
وقيل: هي فواتح لتنبيه السامعين إلى ما في القرآن من الآيات والعِبر.
وقيل: هي رمز إِلى أَن القرآن مؤَلَّف من كلمات عربية، ذات حروف من جنس ما ينظمون منه كلامهم. فإذا عجزوا عن الإتيان بمثله، فمحمّد مثلهم. وذلك دليل على أَنه من عند الله تعالى .. واختاره الزمخشرى.
٢ - ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾:
هذا القرآن كتاب أنزل إليك - يا محمّد - من ربك؛ لتخوِّف به المشركين والكفار من عاقبة شركهم وكفرهم، حتى يضلعوا عَمّا هم فيه، ولتذكِّر به المؤمنين وتعظَهم، ليزدادوا إِيمانا مع إِيمانهم. فلا يكن في صدرك - يا محمّد - ضيقٌ مِن تبليغه، بسبب تكذيب المشركين إيَّاك، وتَجَمُّعِهم عليك. أو بسبب خوفِك من التقصير في القيام بحقِّه.
وكن منشرحَ الصدر، مطمئنَ النفس .. فالله ناصرك ومعينك.
والتعبير بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ بدلا من ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ جاءَ على سنن الكبرياءِ، وإِيذانًا بالاستغناءِ عن التصريح بِمَنْ أَنزله، .
وإِنما فسرنا الحرج بالضيق، لأَنه أَصل معناه، ولقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ … ﴾ (١) الآية. وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (٢).
стр. 1395
وكما كان يضيق صدرُه الشريف لما يقولون، كان يضيق خوفا من إيذائهم إيّاه، فقد قال ﷺ :
"إِنِّي أخَافُ أَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِى (١) فَيَدَعُوهَا خُبْزَةً (٢) " أَخرجه مسلم.
ولهذا، نهاه الله تعالى، عن أَن يضيقَ صدرُه بذلك. فقد وَفَّر له جميل الرعاية والحماية والتأْييد.
والغرض الأساسى من نهيه عن وقوع الحرج في صدره، أَلاَّ يبالِىَ بمعارضة قومه، وأَن يُشعره الله بنصره ومعونته.
وتخصيص الذكرى بالمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بها.
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾.
المفردات:
﴿مِنْ دُونِهِ﴾: "دون" له عدة معان، منها أنه بمعنى غير، وهو المناسب هنا.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾: قادة يوجهونكم، أو يلون أمركم في دينكم.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: أَصله تتذكرون، مخفف بحذف التاءِ. أَي تتعظون.
التفسير
٣ - ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ … ﴾ الآية.
المعنى: اتبعوا - أَيُّها المكلفون وخاصَّة أَهل مكة - ما أُنزل إِليكم من ربكم من القرآن وسنة الرسول، فإنها من الوحى. ولا تتبعوا من غير ربكم أَولياءَ من الإنس والجن: يزّينون لكم الأَباطيلَ ويصرفونكم عن الحقِّ إِلى الأَهواءِ والبدع، لأَنكم تتعظون قليلًا من الاتعاظ.
стр. 1396
ولهذا لا تنفعكم المواعظ.
وإنما قلنا: إِن السُّنة من الوحى، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (١) وقوله عر وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) وقوله عزّ مِن قائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
وقد استفيد من الآية الكريمة: أنه لا يُعْدَلُ عن النص إِلى الاجتهاد؛ فإِن اتِّبَاعَ الاجتهاد - مع وجود النص - اتباع لغير ما أنزل إِلينا من ربُّنا.
والتعبير بقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يحتمل أَن يراد به أنهم يتعظون قليلًا جدا. ولذا أَكد هذه القلَّة بحرف (ما) ولا يلبث هذا الاتعاظ القليل أن ينتهى، فلا يكون له أَثر جذرى في أَعماق النفس.
ويحتمل أَن يراد بالقلَّة العدم كما يقال: فلان قلَّما يعضل، أي لا يعقل أصلا ..
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾.
المفردات:
﴿وَكَمْ﴾: خبرية بمعنى كثير.
﴿قَرْيَةٍ﴾: المراد من القرية أَهلها.
﴿بَأْسُنَا﴾: عذابنا.
﴿بَيَاتًا﴾: ليلا.
стр. 1397
﴿قَائِلُونَ﴾: نائمون أو مستريحون نهارًا وقت القيلولة. وهي النوم أو الراحة نصف النهار.
﴿دَعْوَاهُمْ﴾: دعاؤُهم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
التفسير
٤ - ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾:
لما أمرهم الله تعالى باتباع ما أُنزل إليهم، ونهاهم عن اتباع أئمة الكفر والضلال - أتبع ذلك إنذارهم بإنزال العذاب بهم، كما أَنزله بمن قبلهم بسبب إعراضهم عن دين الله، وإصرارهم على أباطيل أوليائهم.
والمراد من إهلاك القرى، إرادة إهلاكها، لا إِهلاكها فعلا. لقوله تعالى بعده: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ إذ البأْس لا يجئُ بعد الإهلاك، بل بعد إِرادته. وذلك كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ﴾ (٢) الآية. إذ معناه: إذا أَردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا … إلخ.
والمعنى: وكثير من القرى أَراد الله إهلاك أَهلها، فجاءَهم عذابه ليلا - وهم نائمون - كقوم لوط، أَو نهارًا - وهم مستريحون وقت القيلولة غافلون عن مجئ العذاب - كقوم شُعيب. وذلك لكفرهم وإعراضهم عن دين الله.
٥ - ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾:
فما كان دعاؤُهم - حينما نزل بهم عذاب الله - إلا أَن قالوا تندُّمًا وتحَسُّرًا واعترافا بالذنب وطمعا في النجاة: يا ويلنا، إِنا كنا ظالمين لأَنفسنا بتركنا حقّ الله إلى باطل الطاغوت، ولاتَ ساعة مندم. ولات حين نجاة.
стр. 1398
﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾.
المفردات:
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾. وتقدير أَعمال العباد في هذا اليوم هو الحق والعدل.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: فمن رجحت أَعماله التي توزن وتقدر.
التفسير
٦ - ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾:
يؤَكد الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أَنه سوف يسأَل - يوم القيامة - الأُمم الذين أرسلَ إِليهم رسلَه، قائلا لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) كما يؤَكد أَنه - تعالى - سَوف يسأل المرسلين، قائلا لهم: "مَاذَا أجِبْتُمْ" (٢).
٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾:
كما يؤَكد الله تعالى - في هذه الآية - أَنه سوف لا يكتفي بشهادة الرسل على أممهم، ولا بإقرار الأمم على أنفسهم بأعمالهم. بل يقصّ الله على الجميع ما كان منهم - بعلم تام - بجميع أحوالهم. ويقرر الله سبحانه: أنه لم يكن غائبا حين كان الرسل يبلّغون أممهم في صدق وإِخلاص، ولا كان غائبا - سبحانه - عن الأمم حسن كانوا يبَلغون: من آمن منهم برسله ومن كفر. فإنه لا يخفى عليه شيء حدث في الأرض أو في السماء.
وقد يقال: إذا كان الله تعالى عالما بما كان منهم، وأنه سيقصّه عليهم، فما فائدة سؤالهم الذي دلت عليه الآية السابقة؟
стр. 1399
فالجواب: أَن سؤال المكلفين من الأُمم - هو سؤَال تقرير وتوبيخ، وسؤال المرسلين هو سؤَال استشهاد وتشريف لرسله. مع تمام علمه بما يسأَلهم عنه، كما أنه تعالى لا يريد أَن ينزل بهم عقابه، لمجرد ما علمه عنهم، حتى يقرّوا به هم على أَنفسهم.
فإن قيل: كيف نوفّق بين ما هنا، وبين قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾؟ (١).
فالجواب أن السؤَال المثبت هنا، يكون في موقف الحساب، والمنفى في سورة الرحمن - يكون في موقف العقاب.
ولعل الظاهر من الآية أن سؤَال كلٍّ من الرسل وَمَنْ أُرسِلوا إِليهم، هو سؤَال خاص بتبليغ المرسلين إِياهم، وما نتج عنه من كفر أُممهم أو إِيمانهم بهم.
وهذا لا يمنع أَن الناس يُسألون - أَيضا - عن جميع أَعمالهم، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٢) وقوله ﷺ :
"كُلُّكُمْ رَاع وَكُلُّ رَاع مسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ … (٣) " الحديث .. إِلى غير ذلك من الأَدلة.
والسؤَال عن ذلك كله سؤَال تقرير وإِقامة حجة، لا سؤال استعلام …
ويبدو أَن إِخبار الله تعالى الأُمم عن أعمالها، يكون - بتسليمهم - فرادى - كتب أَعمالهم التي تنطق عليهم أَولهم. أَو بإِخبار الملائكة لهم، والله تعالى أَعلم.
٨ - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
المراد من الموازين، الأعمال. والموازين جمع موزون، أَي مقدّر، والمراد من الوزن الحق، التقدير والقضاء العادل - كما قاله مجاهد، والأَعمش، والضحاك. واختاره كثير من المتأخرين.
واستعمال الوزن بمعنى القضاءِ والحكم والتقدير، شائع - لغة وعرفا - بطريق الكناية .. وممّن ذهب إِلى ذلك المعتزلة.
وحُجَّة أَصحاب هذا الرأى: أن الأعمال أَعراض تفنى. وعلى فرض بقائها، لا تقبل الوزن بالميزان المعروف، الذي لا توزن به إِلا الجواهر والأعيان.
وهذا هو رأْى المحققين.
стр. 1400
والجمهور، على أَن الوزن حقيقي. ويكون لصحف الأعمال بميزان له لسانٌ وكفتان: ينظر إِليه الخلائق، تأْكيدا للحجة، وإِظهارًا للنصفة، وقطعا للمعذرة .. كما يسأَلهم الله عن أَعمالهم، فتعترف بها ألسنتُهم، وتشهد بها أَيديهم وأرجلهم وجلودهم - ويشهد عليهم كذلك: الأنبياءُ والملائكة وسائر الأَشهاد.
ومما يدل على صحة الرأْى الأَول، ما أَخرجه مسلم في صحيحه بسنده قال:
قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى (١)؟ قال سمعته يقول: "يُدْنَى المؤْمِنُ مِنْ ربِّه يَوْمَ القِيَامة، حتى يضَعَ عليه كنَفَه فيُقَررُه بذنوبه"، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربِّ أعرف. قال فإن قد سترتها عليك في الدنيا، وإنى أغفرها لك اليوم، فَيُعطَى صحيفةَ حسناتِهِ … وأما الكفار والمنافقون، فيناديهم على رءُوس الخلائق: هؤُلاءِ الذين كَذَبُوا على الله. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ كما أن الكتب ليست هي الأعمال، فكيف يبين وزنها حقيقة هذه الأعمال من حسنات وسيئات؟
والاحتياط يقتضي التسليم بالوزن. أَما حقيقة هذا الوزن، فيُترك عليها إلى الله تعالى.
فالمعنى: وقضاءُ الله بين عباده في يوم القيامة وتقديرُه لأَعمالهم هو القضاءُ والتقديرُ الحقُّ، فَمَنْ رجحت أعمالُه، وكان لها وزنٌ وقيمةٌ لصلاحها، فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العقاب، والحصول على جزيل الثواب.
والآية الكريمة قد حصرت الفلاح في الذين رجحت حسناتهم على سيئاتهم، بقولها: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
٩ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾:
أي وَمَن خفّت أعماله، بأَن كانت لا وزن لها ولا قيمة - لكونها فاسدة - فأُولئك الذين خسروا أنفسهم؛ إذ غيَّروا فطرة الله التي فطرهم عليها كما فطر الناس. وهى فطرة حبِّ الحق، وجلب النفع، ودفع الضر. وقد أَبوا ذلك لأنفسهم، فكفروا، فاستحقوا العذاب، بسبب كونهم مستمرين على تكذيبهم بآيات الله، وَظلمِهم بجحدهم لها.
وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٢).
стр. 1401
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾.
المفردات:
﴿مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ﴾: جعلنا لكم فيها مكانا تستقرون فيه. أَو أقدرناكم على التصرف فيها.
﴿مَعَايِشَ﴾: أَسبابا للعيش.
التفسير.
١٠ - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾:
لما أمر الله المكلفين عامَّة - وأَهل مكة خاصّة - باتباع ما أنزله إليهم، ونهاهم عن اتباع أَولياءِ الضلال، وبيَّن لهم أنهم - جميعًا - مسئولون عن ذلك، ومجزيون عليه، إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر، عقَّب ذلك بتذكيرهم - جميعًا - بنعمه الموجبة لشكرهم إِيّاه : بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فقال عزَّ من قائل:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ﴾:
أي: ولقد جعلنا لكم - في هذه الأرض - مكانا تستقرون فيه. وذلك نعمة كبرى يعرف قدرها من سُلِبُوها فَدَأبُوا على الارتحال.
أو المعنى: أَقدرناكم على التصرف فيها واستنباط خيراتها. بما أَودعنا فيكم من طاقات.
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾:
المعايش: جمع المعيشة. وهي ما يُعَاش به من المطاعم والمشارب وغيرها. أوهى. ما يُتَوَصَّل به إلى ذلك. والله يَمُنُّ على عباده، بأنه هيأَ لهم معايشهم،
стр. 1402
على أي وجه مما تقدم .. وتلك مِنَّةٌ توجب أَن يشكرها العبد لربِّه، بامتثال أَمره واجتناب نهيه. ومن سلبه الله هذه النعمة فهو من الهالكين.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾:
يخاطب الله الشركين - وأَمثالهم من الجاحدين لِنِعَمِه - بهذه الجملة، ناعيا عليهم سوءَ معاملتهم، حيث شكروه عليها شكرا قليلًا، هو بالنسبة إليها بمنزلة العدم فإن الشكر عليها، لا يكون إِلا بدوام توحيده - سبحانه - بالعبادة، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فإذا كان شكرهم - إِن وقع - فهو دون ذلك - كما هو دأْبهم - فلا كفاءَ فيه. وجدير أَن يكون بمنزلة العدم.
وخلاصة معنى الآية:
ولقد جعل الله لكم - في الأرض - مكانا تستقرون فيه، وأَبدع - لمصالحكم ومنافعكم - أسبابا تعيشون بها، فكان شكركم لها في غاية القلَّة، فاحذروا عقاب التقصير في شكره. ويجوز أن يكون القصود من قلَّة شكرهم لله انعدامه وانتفاؤه، لأنهم كانوا يتجهون بشكرهم إلى أَوثانهم، فهم ينسبون إِليها النفع والضرّ. وإِن كانوا يؤمنون بأن الله خالقهم.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾.
стр. 1403
المفردات:
﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: من أَهل الصَّغار والهوان.
﴿أَنْظِرْنِي﴾: أمهلنى ولا تُمِتْنى.
التفسير
١١ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ … ﴾ الآية.
الربط:
لما ذكَّر الله قريشا بنعمة التمكين لهم في الأرض، وتيسير المعاش، ذكَّرهم عقبه بنعمةٍ تَعُمُّهم وغيرهم، تَقْتضى أجل الشكر، وهي خلقهم وتصويرهم، ضمن خلق أبيهم آدم وتصويره، وأَتبع هذا بذكر عداوة إِبليس للبشر - جميعا - بما كان من وسوسته لأَبيهم آدم، وتسلسل هذه الوسوسة فيهم، ليحذروه. فقال:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾:
أي ولقد خلقنا أَباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه، فانتقل إِليكم خلقه وتصويره.
وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين من المشركين؛ لأَن لهم نصيبا منه في ضمن خلق أبيهم آدم ﵇.
وقيل: إِن المعنى؛ خلقناكم نطَفا، ثم صورناكم في أرحام النساءِ.
وإِليه ذهب عكرمة وجماعة من النحويين، كعلي بن عيسى والسيرافى.
ولكن يرد على هذا أن الله . قال عقب ذلك:
﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾؟
وقد أُجيب عنه بأن المراد: ثم إِنَّا نُخبركُم: أَنَّنَا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم … وفيه تكلف ..
﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾:
ظاهره أَن اللائكةَ أُمِروا بالسجود لآدم بعد تصويره. ولكن ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِّن طِينٍ. فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (١) أَنهم أُمروا به قبل خلقه؟.
стр. 1404
وتوفيقا بين هاتين الآيتين، نقول: إِنهم أُمروا بالسجود له مرتين.
الأُولى منهما: قبل خلقه، وكان الأَمر فيها معلقا على تسويته ونفخ الروح فيه.
والثانية منهما، بعد تمام خلقه، وكان الأَمر فيها منجزا. والله أَعلم.
والملائكة - عند جمهور المتكلمين - أجسام لطيفة، قادرة على التشكل بأَشكال مختلفة، بدليل رؤْية الرسل إِياهم كذلك.
واختلف فيمن أُمِر منهم بالسجود لآدم، فقيل: ملائكة الأَرض. وقيل: جميع الملائكة. وهو رأى أَكثر الصحابة والتابعين.
والسجود في اللغة: الخضوع والتطامن .. وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة.
وليس في الآية ما يدل على أن السجود مِن النوع الثاني .. فلهذا يحمل على النوع الأول، لخصوص السجود الشرعى بالله تعالي.
وقد أمِروا بهذا السجود، أَي بالخضوع لآدم على الوجه المناسب، تحيَّة له وتعظيما واعترافا بفضله. فقد أنبأَهم بأَسماء كل المسميات وخواصها، بعد أَن علَّمه الله إِيَّاها، حين عجزوا عن إِنباءِ الله بها، وقالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (١).
وقيل: المعنى؛ اسجدوا لله، لأجل آدم وخلقه البديع، الذي التقى فيه العالم الرُّوحى والعالم الجسدى، وتكون اللام - على هذا - في قوله (لآدَمَ) للتعليل.
كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ … ﴾ (٢) أَي لأَجل زوالها عن وسط السماء.
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾:
قيل في استثناء إِبليس من الملائكة، إِنه استثناءُ متصل، فإنه - وإن كان من الجن - لقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الجِنِّ﴾ إِلاَّ أَنه لما كان مندمجًا مع الملائكة، يعبد عبادتهم، عُدَّ منهم.
كالرجلِ يقيمُ في قبيلة أُخرى غير قبيلته، فيعّدُ منها.
وقيل هو استثناءٌ منقطع …
стр. 1405
ولعله - على هذا الرأى - مأمور بالسجود لآدم بأمرٍ آخر، غير أَمر الملائكة …
وإِلَّا لما صح اعتباره مذنبًا حين ترك السجود لآدم، لو كان الأمر بالسجود خاصًّا بالملائكة، فإنه ليس منهم …
وكأَن أَصل الكلام: وإِذ قلنا للملائكة ولإبليس: اسجدوا لآدم، فسجدوا إِلاَّ إبليس .. فاختصرت العبارة إِلى ما في النص الكريم لوضوح المراد.
والرأى الأَول أوضح وأَقلُّ تكلفا.
﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: تصريح بما فهم من الاستثناءِ السابق، لتأْكيده؛ ولمزيد التشهير بإبليس والتوبيخ له على جريمة عصيانه ربه، .
وخلاصة معنى الآية: ولقد خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صّورناه، فانتقل إِليكم خلقه وتصويره، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لله لأَجل خَلْقِهِ آدمَ على هذه الصورة الجليلة .. أَو اخضعوا لآدم وعظِّموه، اعترافا بفضله، فسجدوا عقب أَمرنا لهم، إلاَّ إبليس لم يكن من الساجدين.
١٢ - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ … ﴾ الآية.
قال الراغب: المنع في الآية الكريمة، بمعنى الحماية.
والمعنى - على هذا - ما حماك من عدم السجود.
وقال السكاكى: المنع هنا. مجاز عن الحمل.
والمعنى ما حملك على أن لا تسجد ..
وكلا المعنيين يدور على أَنه من المنَعَةِ وهي العزَّة، فكأَنه تعالى قال له: أَي شيءٍ جعلك عزيزا وحملك على ترك السجود لآدم؟!.
وقيل: إِن (لا) صلة لتوكيد المنع. وكأَنه قيل: ما منعك من أن تسجد.
ومعنى الآية: - على هذا - قال الله لإبليس - لعنه الله - أَي شيءٍ منعك من أَن تسجد لآدم حين أَمرتك؟!.