﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾.
المفردات:
﴿مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ﴾: جعلنا لكم فيها مكانا تستقرون فيه. أَو أقدرناكم على التصرف فيها.
﴿مَعَايِشَ﴾: أَسبابا للعيش.
التفسير.
١٠ - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾:
لما أمر الله المكلفين عامَّة - وأَهل مكة خاصّة - باتباع ما أنزله إليهم، ونهاهم عن اتباع أَولياءِ الضلال، وبيَّن لهم أنهم - جميعًا - مسئولون عن ذلك، ومجزيون عليه، إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر، عقَّب ذلك بتذكيرهم - جميعًا - بنعمه الموجبة لشكرهم إِيّاه : بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فقال عزَّ من قائل:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ﴾:
أي: ولقد جعلنا لكم - في هذه الأرض - مكانا تستقرون فيه. وذلك نعمة كبرى يعرف قدرها من سُلِبُوها فَدَأبُوا على الارتحال.
أو المعنى: أَقدرناكم على التصرف فيها واستنباط خيراتها. بما أَودعنا فيكم من طاقات.
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾:
المعايش: جمع المعيشة. وهي ما يُعَاش به من المطاعم والمشارب وغيرها. أوهى. ما يُتَوَصَّل به إلى ذلك. والله يَمُنُّ على عباده، بأنه هيأَ لهم معايشهم،
стр. 1402
على أي وجه مما تقدم .. وتلك مِنَّةٌ توجب أَن يشكرها العبد لربِّه، بامتثال أَمره واجتناب نهيه. ومن سلبه الله هذه النعمة فهو من الهالكين.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾:
يخاطب الله الشركين - وأَمثالهم من الجاحدين لِنِعَمِه - بهذه الجملة، ناعيا عليهم سوءَ معاملتهم، حيث شكروه عليها شكرا قليلًا، هو بالنسبة إليها بمنزلة العدم فإن الشكر عليها، لا يكون إِلا بدوام توحيده - سبحانه - بالعبادة، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فإذا كان شكرهم - إِن وقع - فهو دون ذلك - كما هو دأْبهم - فلا كفاءَ فيه. وجدير أَن يكون بمنزلة العدم.
وخلاصة معنى الآية:
ولقد جعل الله لكم - في الأرض - مكانا تستقرون فيه، وأَبدع - لمصالحكم ومنافعكم - أسبابا تعيشون بها، فكان شكركم لها في غاية القلَّة، فاحذروا عقاب التقصير في شكره. ويجوز أن يكون القصود من قلَّة شكرهم لله انعدامه وانتفاؤه، لأنهم كانوا يتجهون بشكرهم إلى أَوثانهم، فهم ينسبون إِليها النفع والضرّ. وإِن كانوا يؤمنون بأن الله خالقهم.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾.
стр. 1403
المفردات:
﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: من أَهل الصَّغار والهوان.
﴿أَنْظِرْنِي﴾: أمهلنى ولا تُمِتْنى.
التفسير
١١ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ … ﴾ الآية.
الربط:
لما ذكَّر الله قريشا بنعمة التمكين لهم في الأرض، وتيسير المعاش، ذكَّرهم عقبه بنعمةٍ تَعُمُّهم وغيرهم، تَقْتضى أجل الشكر، وهي خلقهم وتصويرهم، ضمن خلق أبيهم آدم وتصويره، وأَتبع هذا بذكر عداوة إِبليس للبشر - جميعا - بما كان من وسوسته لأَبيهم آدم، وتسلسل هذه الوسوسة فيهم، ليحذروه. فقال:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾:
أي ولقد خلقنا أَباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه، فانتقل إِليكم خلقه وتصويره.
وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين من المشركين؛ لأَن لهم نصيبا منه في ضمن خلق أبيهم آدم ﵇.
وقيل: إِن المعنى؛ خلقناكم نطَفا، ثم صورناكم في أرحام النساءِ.
وإِليه ذهب عكرمة وجماعة من النحويين، كعلي بن عيسى والسيرافى.
ولكن يرد على هذا أن الله . قال عقب ذلك:
﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾؟
وقد أُجيب عنه بأن المراد: ثم إِنَّا نُخبركُم: أَنَّنَا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم … وفيه تكلف ..
﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾:
ظاهره أَن اللائكةَ أُمِروا بالسجود لآدم بعد تصويره. ولكن ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِّن طِينٍ. فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (١) أَنهم أُمروا به قبل خلقه؟.
стр. 1404
وتوفيقا بين هاتين الآيتين، نقول: إِنهم أُمروا بالسجود له مرتين.
الأُولى منهما: قبل خلقه، وكان الأَمر فيها معلقا على تسويته ونفخ الروح فيه.
والثانية منهما، بعد تمام خلقه، وكان الأَمر فيها منجزا. والله أَعلم.
والملائكة - عند جمهور المتكلمين - أجسام لطيفة، قادرة على التشكل بأَشكال مختلفة، بدليل رؤْية الرسل إِياهم كذلك.
واختلف فيمن أُمِر منهم بالسجود لآدم، فقيل: ملائكة الأَرض. وقيل: جميع الملائكة. وهو رأى أَكثر الصحابة والتابعين.
والسجود في اللغة: الخضوع والتطامن .. وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة.
وليس في الآية ما يدل على أن السجود مِن النوع الثاني .. فلهذا يحمل على النوع الأول، لخصوص السجود الشرعى بالله تعالي.
وقد أمِروا بهذا السجود، أَي بالخضوع لآدم على الوجه المناسب، تحيَّة له وتعظيما واعترافا بفضله. فقد أنبأَهم بأَسماء كل المسميات وخواصها، بعد أَن علَّمه الله إِيَّاها، حين عجزوا عن إِنباءِ الله بها، وقالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (١).
وقيل: المعنى؛ اسجدوا لله، لأجل آدم وخلقه البديع، الذي التقى فيه العالم الرُّوحى والعالم الجسدى، وتكون اللام - على هذا - في قوله (لآدَمَ) للتعليل.
كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ … ﴾ (٢) أَي لأَجل زوالها عن وسط السماء.
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾:
قيل في استثناء إِبليس من الملائكة، إِنه استثناءُ متصل، فإنه - وإن كان من الجن - لقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الجِنِّ﴾ إِلاَّ أَنه لما كان مندمجًا مع الملائكة، يعبد عبادتهم، عُدَّ منهم.
كالرجلِ يقيمُ في قبيلة أُخرى غير قبيلته، فيعّدُ منها.
وقيل هو استثناءٌ منقطع …
стр. 1405
ولعله - على هذا الرأى - مأمور بالسجود لآدم بأمرٍ آخر، غير أَمر الملائكة …
وإِلَّا لما صح اعتباره مذنبًا حين ترك السجود لآدم، لو كان الأمر بالسجود خاصًّا بالملائكة، فإنه ليس منهم …
وكأَن أَصل الكلام: وإِذ قلنا للملائكة ولإبليس: اسجدوا لآدم، فسجدوا إِلاَّ إبليس .. فاختصرت العبارة إِلى ما في النص الكريم لوضوح المراد.
والرأى الأَول أوضح وأَقلُّ تكلفا.
﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: تصريح بما فهم من الاستثناءِ السابق، لتأْكيده؛ ولمزيد التشهير بإبليس والتوبيخ له على جريمة عصيانه ربه، .
وخلاصة معنى الآية: ولقد خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صّورناه، فانتقل إِليكم خلقه وتصويره، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لله لأَجل خَلْقِهِ آدمَ على هذه الصورة الجليلة .. أَو اخضعوا لآدم وعظِّموه، اعترافا بفضله، فسجدوا عقب أَمرنا لهم، إلاَّ إبليس لم يكن من الساجدين.
١٢ - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ … ﴾ الآية.
قال الراغب: المنع في الآية الكريمة، بمعنى الحماية.
والمعنى - على هذا - ما حماك من عدم السجود.
وقال السكاكى: المنع هنا. مجاز عن الحمل.
والمعنى ما حملك على أن لا تسجد ..
وكلا المعنيين يدور على أَنه من المنَعَةِ وهي العزَّة، فكأَنه تعالى قال له: أَي شيءٍ جعلك عزيزا وحملك على ترك السجود لآدم؟!.
وقيل: إِن (لا) صلة لتوكيد المنع. وكأَنه قيل: ما منعك من أن تسجد.
ومعنى الآية: - على هذا - قال الله لإبليس - لعنه الله - أَي شيءٍ منعك من أَن تسجد لآدم حين أَمرتك؟!.
стр. 1406
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾:
قال إبليس: أنا خير من آدم، لأنك خلقتنى من نار وخلقته من طين. والنار أشرف عنصرا من الطين. والمخلوق من العنصر الأَعلى، لا يسجد لمن خُلِق منْ عنصر هو دونه ..
وقد وُبِّخ إِبليس هنا على مخالفة الأمر. وَوُبِّخَ في سورة [الحِجْرِ] على مخالفة الجماعة، بقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ (١) ووُبِّخ في سورة [ص] على الاستكبار على من خلقه الله بيديه بقوله: ﴿ … مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (٢) وكل منها ذنب يستحق أَشد التوبيخ عليه.
وإبليس بقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ يُجِيبُ ربَّه بجواب يرجع إِلى المعنى. ذكره استبعادًا لأَن يؤمر بالسجود لآدم، وهو- في رَأْيه الفاسد - أَفضل منه ..
فكأَنه قال: منعنى من السجود أنني أفضل منه. فقد خلقتنى من نار، وخلقته من طين. والفاضل لا يسجد للمفضول .. وهو بهذا يرد أمر ربه له، بسبب القياس الفاسد الذي ذكره.
ومن المعلوم شرعا أَن النص لا يصح ردّه بالقياس الصحيح، فكيف بالقياس الفاسد، كالذى قاله إبليس!!.
قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أول من قاس: إبليس، فأَخطأ القياس.
فَمَنْ قاس الدين برأْيه: قرنه الله مع إِبليس ..
وقال ابن سيرين: ما عُبِدَتِ الشمسُ والقمر إِلا بالمقاييس ..
وفساد قياس إِبليس ناشئ من أن كلاًّ من التراب والنَّارِ يختص بفوائد ليست لغيره. وكل منهما ضرورى لهذه النشأة. فترجيح أحدهما على الآخر. حاصل بدون مرجح. كما أنه لا يَعْلَمُ أَسرار الترجيح - إِن وُجدت - سوى الخالق جلّ وعلا.
على أَنه لا يصحُّ رجوع الفضل إِلى المادة دون النظر إِلى غيرها.
فآدم خير منه خَلْقًا، فقد خلقه الله بيديه. أَي بلا واسطة، قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
стр. 1407
لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ … ﴾ (١) أَي بغير واسطة، وذلك اعتناءً بنشأَته، ولا يعتنى المولى سبحانه إلاَّ بمن هو أهل لهذه العناية ..
كذلك هو خير منه روحًا، لقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (٢) بإضافة روحه إِلى الله تعالى، تشريفًا لا تبعيضًا.
وهو خير منه غايةً، حيث عهد الله إليه بخلافة الأَرض، وأَهَّلَهُ لها بالعلم. وذلك هو ملاك الأمر.
ولهذا أمر الله الملائكة بالسجود له، فسجدوا، بعد ما ظهر لهم أَنه أَعلم منهم، بما يدور عليه أَمر الخلافة في الأرض.
١٣ - ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾:
المعنى:
قال الله لإبليس: انزِل مقهورًا من منزلة الكرامة التي أنت بها، فما يصح لك أَن تتكبر فيها، فإنها للخاشعين المطيعين، فاهبط منها إِنك من أهل الصَّغَار والهوان، جزاءَ كبريائك ..
وللعلماءِ في معنى ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾: آراءٌ غير ما تقدم نجملها فيما يلي:
قال بعضهم إِن الضمير في (منها) يرجع إلى الجنة، لشهرة أنه كان من سكانها، وهي الجنة التي وعدت للمتقين. والمعنى: فانزِل من الجنة.
وقيل: إنه يرجع إِلى السماءِ. أَي فانزِل من السماءِ.
ورُدَّ القولان، بأن وسوسةَ الشيطان لآدم، كانت بعد هذا الطرد. فإذا كان آدم في جنة السماء، فكيف يوسوس له فيها بعد أن طرد منها أَو من السماءِ؟.
وأُجيب عن ذلك، بأنه مُنِعَ من دخولها تكريما، ولم يمنع ابتلاءً لآدم.
ويرى كثير من العلماء: أن الجنة التي أهبط منها - وكان فيها آدم - هي جنة في الأَرض. إذ أَنه خُلِق من تراب الأرض. ولم يَرد نصُّ أَنه رُفع إِلى الجنة أو إلى السماءِ.
стр. 1408
وممن قال بذلك: ابن عباس ﵄. فقد رُوِىَ عنه أنه قال: أُمِرَ بالهبوط من روضة بعَدَن. وفيها خُلِق آدم ﵇. وهذا رأى مقبول ولا يمنع من وسوسة إبليس لآدم؛ لأَنه معه في الأَرض، فيستطيع أن يقترب من جنته ويوسوس له.
١٤ - ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾:
قال إِبليس لربه: أمهلنى واتركنى حيًّا إلَى يوم القيامة، الذي يُبْعَثُ فيه آدمُ وذريتهُ.
وقد طلب ذلك لغرضين:
أَحدهما: أَن يَثْأر من آدم، بالإغواءِ لذريته حتى نهايتهم.
وثانيهما: أن ينجوَ من الموت، إِذ لا موت بعد البعث.
١٥ - ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾:
الإنظار: الإمهال. وقد أُطلِقَ هنا، وقيد في سورة [الحِجْر] وسورة [ص] بأَنه إِلى يوم الوقت العلوم، فيحمل ما هنا عليه.
والمراد من الوقت المعلوم، يوم النفخة الأُولى التي يموت عندها جميع الخلائق.
قال ابن عباس وغيره: أنظره الله إِلى النفخة الأُولى، حين تموت الخلائق.
وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية، حتى يقوم الناسُ لربِّ العاليين، فأَبى اللهُ عليه ذلك.
فإن قيل: ما فائدة إِجابة إبليس إلى طلبه الإِنظار؟ وما حكمة الغواية مع أَن فيها إضرارا بالعباد؟.
فالجواب: أن في إِنظاره ابتلاءً لهم، ليُخْتَبَرَ أهلُ الحق، فيثابوا على مجاهدتهم لوساوسه، وأهلُ الضلال والغواية، فيعاقبوا على استجابتهم إِليها.
والحكمة في خلْق الله الغواية في الزخارف والملاهى والملاذ، وفيما فطر في الأنفس من حبِّ الشهوات: أَن يمتحن اللهُ بها عبادَه، كما أَن منها ما هو مرض نفسانى، يعصم منه الله
стр. 1409
أَهلَ المناعة الروحية وهم الحريصون على الحق والفضيلة وهو يعادل الأمراض الجسدية التي يعصم الله منها أهل المناعة الجسدية.
وفي ذلك - أي في المناعة من غواية الشيطان لمن ﵃ يقول الله تعالى، لإِبليس عليه لعنة الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١).
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.
المفردات:
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: الإغواء؛ خلق الغَىّ في القلب. والغىُّ: الضلال. ﴿صِرَاطَكَ﴾: الصراط؛ الطريق.
﴿مَذْءُومًا﴾: أَي مذمومًا. من: ذأَمه، إذا ذمَّه.
﴿مَدْحُورًا﴾: مطرودًا مبعدًا. وفعله: دَحَرَ كجَعَلَ.
التفسير
١٦ - ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾:
بعد أَن عرف إِبليس، أَن الله تعالى أَملى له، وأبقاه إِلى قيام الساعة، للحِكَم التي شرحناها في الآية السابقة - قال لربه: فبسبب إِغوائك لي، وجعلى من أَهل الضلال،
стр. 1410
لأَقعدنَّ لآدم وذريته، راصدًا لهم في طريقك المستقيم، الموصل إِلى جنتك، الذي دعت إليه رسلك.
وقعود الشيطان لبنى آدم في الصراط المستقيم - وفي تلك الجهات - كناية عن رصده لهم، ومراقبتهم عندما يتجهون إِليه، ليبعدهم عنه.
وتفسير الإِغواء بالإِضلال، هو رأْى ابن عباس، ونسبة الإغواء بمعنى الإضلال إِلى الله تعالى، لا يمنعها أَهل السنة.
والمحققون منهم: يرون أَن المراد من إضلال الله للعبد: التخلى عن توفيقه إِياه، بعد أن اختار العبدُ سبيل الضلال.
والمعتزلة: يمنعون نسبة الإغواء بمعنى الإضلال إِلى الله تعالى، ويقولون: هذا كلام الشيطان فلا يحتج به. كما قالوا أَيضا: يمكن أن يكون المعنى فما خيبتنى من رحمتك أَو فبما أهلكتنى بطردك إياى ولعنك لي .. الخ فكما يطلق الإِغواء لغة على الإضلال، يطلق على التخييب والإِهلاك.
١٧ - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ … ﴾ الآية.
اقتصار إِبليس على تلك الجهات الأربع، دون أن يذكر - فَوْقَهُمْ وتحتهم - لأَنها هي الجهات التي اعتاد العدو الهجوم منها.
ومعنى ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾): من أَمامهم.
والمقصود من ذكر الشيطان هذه الجهات، هو المبالغة في متابعة إِغوائه لهم. دون حقيقة تلك الجهات. فإن وسوسته لهم قلبية ونفسية. وهو يجرى من ابن آدم مجرى الدم. فلا حاجة له إِلى تلك الجهات.
ويجوز أن يكون غرضه من تلك الجهات: أنه سيضلهم عن الحق أينما اتجهوا إليه. إقبالًا أَو إِدبارًا، وميامنة أَو مياسرة. بحيث لا يترك لهم فرصة للإفلات منه. لعنه الله.
стр. 1411
ولقد حمى الله ، المؤمنين من هذا الوعيد بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١).
فَعلى المؤمنين أَن ينتبهوا إِلى تلك الحقيقة، ويحتموا بإيمانهم من سلطان إِغوائه، فلا يستمعوا لوسوسته، ولا يأْبهوا بتزيينه، فإنه السمُّ الزعاف: متى استطاع استدراج العبد، جعله في ظلام لا يتبين فيه الحقيقة، ووجد صعوبة في العودة إِلى الجادة المستقيمة، فقد أَبعده اللعين عنها.
فعلى كل مسلم أن يصده ويعرض عنه، حتى لا تتأثر نفسُه بالاستماع الدائم إِلى وساوسه، وأَن يتذكر عداوته لآدم وذريته، لينجو من شرِّه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢) أَي تذكروا عداوته، فاستعاذوا باللهِ تعالى: يطلبون حمايتهم من شرِّه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣) حمى الله عباده المؤمنين من شرِّه، وهداهم إلي سواءِ السبيل.
ومعنى الآية: ثم لآتينهم من كل وجه يتجهون إليه بعد رصدهم ومراقبتهم، ولا تجد أَكثرهم - بسبب إِضلالى إِياهم - مطيعين لك.
تلك هي عداوة إِبليس للجنس البشرى. وهذا هو وعيده لهم.
فعلى الإِنسان أَن يكون حذرا من وساوسه، لينجو من عواقبها.
١٨ - ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
أَي قال الله لإبليس - مؤكدا طرده السابق - اخرج من منزلة الكرامة أو من الجنة، مذمومًا مِنِّى ومن أَهل طاعتى، مطرودا مبعدا من رحمتى أُقسِم: لَمَنْ تَبعَك منهم - في وسوستك له واستمر عليها - لأملأنَّ جهنم منكم أَجمعين: تابعين ومتبوعين.
стр. 1412
وظاهر النص أن مخاطبات الله لإبليس، كانت بلا واسطة لغرض مزيد التعنيف والتوبيخ والوعيد.
واستظهر الجبائى من المعتزلة: أنها كانت بواسطة؛ لأن الله لا يكلم الكافر.
﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾.
المفردات:
﴿وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾: أخفى عن عيونهما من عوراتهما.
﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾: وأقسم لهما، مبالغا في الإقسام.
التفسير
١٩ - ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
هذا نداءٌ من الله تعالى لآدم ﵇ يأْمره فيه بسكنى الجنة والتنعم بثمارها.
وتنبيه له إِلى الاهتمام بتلقى الأَمر والعمل به.
ولم يشرك معه زوجته في الخطاب، للإيذان بأصالته في تلقىّ الوحى، ومباشرة المأْمور به.
стр. 1413
والمعنى:
وقلنا: يا آدم، اسكن أنت وزوجك الجنة، واستقرا فيها، وتنعما بخيراتها، وكلا من ثمارها - ما أَحببتما - في سعة ورفاهية، من أَي مكان فيها أردتما. ولكن لا تقربا ثمار هذه الشجرة، فتكونا بذلك من الظالمين لأنفسهم، إذ تعديتما حدود الله تعالى.
والجنة التي أُمِرَا بسكناها والأكل منها، اختُلِف في المراد منها. فقيل: هي دار الثواب والعقاب؛ لأنها المعهودة شرعا.
وقيل: هي بستان في الأرض، فالجنة - في اللغة - بمعنى البستان.
واختلف في موقعها، فقيل: بفلسطين .. وقيل: بين فارس وكرمان. وقيل: بعدن.
والإِهباط منها: النقل إلى أَرض سواها يكدحان فيها ويعملان لتحصيل رزقهما.
ويرجح أَصحاب هذا الرأْى ما ذهبوا إليه، بأن آدم خلق في الأَرض بلا خلاف، ولم يذكر في قصته أَنه رفع إلى السماءِ .. ولو رفع، لكان رفعه أولى بالذكر.
ولا يعارض هذا قوله تعالى، فما بعد: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (١) فإِن استعمال الهبوط بمعنى الانتقال، وارد في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (٢).
وقيل: كلا الأَمرين ممكن. والأَدلة متعارضة. فوجب التوقف، وترك القطع. وقد جاءَت هذه الآية في سورة البقرة هكذا ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ فصرَّح فيها بكلمة (رغدا) أي أَكلا واسعا - رافها.
والمعنى هنا، على ذلك، وإِن لم يصرح به، أَخذًا من إِطلاق الأكل.
واختلف في الشجرة التي نهيا عن القرب منها. فقيل: هي الحنطة. وقيل: هي شجرة العنب. وقيل: هي التينة.
стр. 1414
والأولى عدم تعيينها؛ لفقدان الدليل عليه.
وتوجيه الخطاب إليهما، في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ لتشريفهما؛ والإيذان بتساويهما في حقِّ الأَكل، ولكى يوجه النهي إليهما صراحة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
وخوطب آدم - وحده - في السكن؛ لأن حواءَ تابعة له فيه .....
والمقصود من النهي عن قربهما تلك الشجرة، ألاَّ يأْكلا منها. وعبّر عن ذلك بالنهي عن القرب منها، مبالغةً في تحريم الأكل منها.
٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ الآية.
الوسوسة - في الأَصل - الصوت الخفى المكرر. ومنه قيل لصوت الحلى؛ وسوسة. وتطلق أَيضا، على حديث النفس.
وقد غلبت في حديث إبليس لبنى آدم، لإِغوائهم. فإِنه خفى. وقد كانت وسوسته - لآدم وحوّاء - بطريق الاسترسال، حتى وصل بهما إلى ما يريد من المعصية وإِخراجهما من الجنة.
فقد قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (١)؟.
وستأْتى بقية كلامه لهما في خفاءٍ وهمس، كما يفعله الناصح الحريص على المصلحة.
فإِن قيل: إِذا كان آدم في جنة الجزاءِ وقت وسوسته له، تكون عودته إليهما متعارضة مع طرده منها، ومنعه من دخولها؟
فالجواب: أنه منع من دخولها على وجه التكريم، ولم يمنع من دخولها ابتلاء لآدم وحواء.
أَما إِذا كان آدم في جنة الأرض، فلا إِشكال .. فإِن إبليس طرد من جنة الأَرض التي كان فيها آدم خلقا وإِقامة .. فلا تعارض. إذ يستطيع أن يحادث آدم على مقربة منه.
وأما على رأْى من يقول: إنَّه أُهبط من منزلة الكرامة عند الله إلى اللعن، بسبب عصيانه لربه، فلا إِشكال في وسوسته لآدم على أي وجه كانت سكناه.
стр. 1415
وخلاصة معنى الآية الكريمة:
فأَغراهما الشيطان بوساوسه وتزيينه، وقال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا﴾ عَنْ أكْل ثمار هذه الشجرة، إِلا كراهة أَن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين في الجنة إن أكلتما منها.
والخلد: المكث الطويل، أَو بلا نهاية.
واستدل بعض العلماءِ، على أن الملائكة أفضل من البشر بأَدلة .. منها هذه الآية - ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢).
ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن إِبليس اعتبرهم فيها أَفضل من البشر: وأغوى آدم وحواءَ على الأكل منها ليرتقيا إلى درجة الملائكة، ولم يُنْكَرْ عليه اعتبارُهم أفضل من البشر، بل أُنْكرَ عليه تحريضهما على الأَكل المنهى عنه، ليكونا مثلهم، كما سيأْتي، وأن آدم لو لم يعلم بفضلهم على البشر، لما سعى إِلى درجتهم بارتكابه ما نُهِىَ عنه.
وقد أُجيب عن ذلك: بأن ذلك لا يثبت فضل الملائكة على البشر من كل وجه.
فقد يكون ما ذكر لكمالاتهم الفطرية، واستغنائهم عن الأطعمة والأَشربة، وفضلهم في ذلك لا يمارى فيه.
والراجح عند العلماءِ: أن المطيعين من بني آدم، أفضل من الملائكة؛ لأنهم غالبوا ما رُكِّب فيهم من الشهوة، وما سُلِّط عليهم من وسوسة إبليس، حتى استقاموا.
والملائكة ليسوا كذلك، إِذا لا توجد لديهم دواعى المعصية.
وفرق بين من أَطاع وهو مجبول على الطاعة، ومن أطاع مغالبا دواعى المعصية.
وعلى هذا الرأى ابن عباس وكثير من العلماء، ومنهم الزَّجَّاج.
فإن قيل: كيف صدق آدم إبليس في دعوى الخلود، فاعتقده وسعى إِليه. وذلك كفر؛ لأنه يعلم أَنه لا خلود للبشر، فسوف يصعقون عند النفخة الأولى.
فالجواب: أن الخلود الذي اعتقده آدم، وسعى إِليه، هو المكث الطويل، ولا كفر في طلبه وتصديق من يقول به …
التفسير
٢٢ - ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾:
التدلية والإدلاء: إِنزال الشئ من أَعلى إلى أَسفل.
وإِبليس قد فعل ذلك بآدم وحواءَ، إذ أَنزلهما - بوسوسته - من رفعة الطاعة، إِلى ضعَةِ المعصية ..
وقيل: معنى (دلاَّهما): جرأَهما على العصيَان: من الدالَّة بمعنى الجُرأَة، فَأْبْدِلَ حرفُ التضعيف ياءً.
والغرور: هو الخديعة. وسبب خديعتهما هو ظنهما: أَن أَحدا لا يقسم باللهِ كذبا، فلهذا صدَّقَاه فيها زعمه من أَن الأكل من الشجرة، يجعلهما مَلَكين أو من الخالدين.
وقال بعض المحققين: إنهما لم يصدقاه. بل أَقدما على المنهى عنه بغلبة الشهوة والرغبة في الإِنسان، كما نُقْدِمُ نحن على الفعل الذي نشتهيه، إِذا زينه لنا أَحد من البارعين في الخديعة، وإِن لم نعتقد أن الأكل كما قال. ولعل كلام إِبليس من قبيل المقدمات المثيرة للشهوة. فلهذا نَسِيَا به المنهى الإلهى، فأَقدما على المنهى عنه بلا رؤية .... انتهى باختصار.
﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾:
أَصل الخصف: خرز طاقات النعل ونحوها، بعد إِلصاق بعضها على بعض. والمراد من خصفهما ورق الجنة، هو جمعه وإِلصاق بعضه على بعض، بطريقة تستر العورة قيل: كان من ورق التين. وقيل: من ورق الموز. والله أعلم بالحقيقة.
وفي الآية دليل على قيح كشف العورة على كلا الزوجين بلا حاجة، فما ظنك بكشفها على غيرهما؟!
﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ … الآية.
стр. 1418
ودعاهما ربُّهما، لتشديد العتاب لهما، على مخالفة النهي، قائلا لهما: أَلم أنهكما عن الأَكل من تلك الشجرة التي أَكلتما منها، وأَقل لكما إِن الشيطان لكما عدوٌّ بَيِّنُ العداوة؟ وذلك القول حكته سورة طه كما يلي:
﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (١).
وخلاصة معنى الآية - مجتمعة - ما يلي:
فأنزلهما الشيطان عن طاعة الله إلى عصيانه، إِذْ أَكلا من الشجرة المحرّمةِ عليهما بسبب ما خدعهما به من فوائدها، وإِقسامه لهما إنه لمن الناصحين.
فلما ذاقا ثمرة هذه الشجرة، ظهرت عوراتهما، بتنحية الله الثياب عنهما؛ عقُوبةً لهما. وشرعا يجمعان عليهما من ورق أَشجار الجنة، لاصقين بعضه على بعض، ليسترا به عورتيهما.
وناداهما ربُّهما قائلا لهما - على سبيل العتاب - أَلم أَنهكما عن قربان هذه الشجرة وأَقل لكما - محذرا - إِن الشيطان لكما عدو ظاهر العداوة؟ فكيف خُدِعتما بإغوائه؟.
٢٣ - ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
قال آدم وزوجه. ضارعَينِ إِلى الله، معترفينِ بخطيئتهما، مستغفريْنِ منها:
ربنا ظلمنا أنفسنا بمخالفة نهيك وتصديق إِبليس، وتعريضها - بسبب ذلك - لسخطك وعقوبتك. وإِن لم تتجاوز عمَّا فرط منا، وترحمنا بالرضا والفضل - لنكونن من الخاسرين.
واستدل بالآية بعضُ العلماءِ، على أن الصغائر يعاقَبُ عليها مع اجتناب الكبائر.
فإن آدم لم يرتكب كبائر، فلمَّا فعل صغيرة الأكل من الشجرة المحرَّمة - احتاج إلى استغفار ربه ليغفرها له، فلو كان اجتناب الكبائر يكفى في غفران الصغائر، لا كان هناك داع لاستغفار آدم من زلَّة صغيرة.
стр. 1419
ورُدَّ هذا الاستدلال، بأَن آدم إِنما طلب الغفران والرحمة مع صغير زلته استعظاما لها في حقِّ الله تعالى - كما هي عادة الصالحين - وإن كانت مكفرة باجتناب الكبائر وإن لم يتب عنها.
وإلى هذا ذهب أَهل السنة والمعتزلة.
وحمل الإِمام الرازى زَلَّة آدم الصغيرة على أنها وقعت قبل نبوته إِذ لا تجوز الصغائر والكبائر بعدها على الأنبياءِ.
وكثير من أهل السنة، جعلوا طلبه الغفران لما وقع منه، من باب هضم النفس فإن ما وقع منه عن نسيان، فلا صغيرة فيه ولا كبيرة.
وقد يقال لهم: إن كانت زلتهُ عن نسيان، فكيف يعاتبه الله عليها؟ وكيف يعاقبه بكشف العورة والإهباط من الجنة ولا عتاب ولا عقاب على النسيان، لأنه قهرى لا كسبى؟
فالظاهر: أَن النسيان في قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (١) بمعنى الإِهمال وترك العزم في تنفيذ ما كلفه الله به.
٢٤ - ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾:
اختار الفراءُ: أَن الخطاب في الآية لآدم وحواءَ وذريتهما ....
ولا مانع من خطاب الذرية وهي لم توجد بعد، لأَن خطاب الأبناءِ تابع لخطاب الآباءِ ولأن المنتظر، هو في حكم الموجود، كما في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. (٢)
وقيل: الخطاب لآدم وحواءَ، لقوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (٣). والقصة واحدة.
والمراد بالجمع في قوله: (اهبطوا) ما فوق الواحد، أَو لأنهما أصل البشر، فكأنهما جميع الآدميين.
стр. 1420
والمراد بالعداوة في قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: الظلم.
كنا اختاره بعضُهم - والظلم ناشئ من حبَّ الذات ووسوسة إبليس.
وخلاصة معنى الآية: قال الله تعالى لهما: أهبطوا من الجنة أَنتما وذريتكما - تبعا لكما - بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض استقرار وتمتع بنعمائه تعالى، إِلى حينٍ تنتهى فيه أَعماركم.
٢٥ - ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾:
قال الله أيضا لآدم وحواء وذريتهما: في الأرض تحْيَوْنَ الحياة المقررة لكل منكم وفيها تموتون عند انقضاءِ آجالكم، ومنها تُخْرَجون إلى الحشر عند بعثكم.
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾.
المفردات:
﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ أي خلقناه لكم بأَسباب أنزلناها من السماءِ كالمطر وحرارة الشمس وأَشعتها، أَو ألهمناكم طريقة صنعه، وسيأْتى مزيد بيان بذلك: ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ يستر عوراتكم ﴿وَرِيشًا﴾ المراد به هنا اللباس الفاخر "وقبيله" وجماعته.
стр. 1421
التفسير
٢٦ - ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ … ﴾ الآية.
هذا خطاب من الله تعالى إِلى الناس كافة. واللباس مخلوق في الأرض، وعَبَّر عن الإنعام به بإنزاله، لصدوره عن الله العلىّ الشأن إلى خلقه.
ونظيره قولك: رفعت حاجتى إلي الأمير، ولا رفع في الحقيقة. وإِنما المقصود به التعظيم.
قال أبو مسلم: كل ما أَعطاه الله إلى عبده، فقد أَنزله عليه، من غير نظر إلى نقله حقيقة من علو إِلى أَسفل. والمقصود منه التعظيم: أهـ.
ومثله قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (١).
وقيل: معنى ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾: خلقناه لكم بأسباب سماوية، كالمطر الذي ينبت ما يصنع منه الثياب كالقطن.
وقيل: المراد قضيناه لكم. والقضاءُ يَنزل من السماء فهو مكتوب في اللوح المحْفوظ.
ومعنى ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾: يستر عوراتكم التي تسبَّب إِبليس في كشفها عن أبويكم، حتى اضطرا إلى سترها بأَوراق الشجر، وقد أَغنيناكم عن ذلك …
فالآية واردة على سبيل المنة على أَبناءِ آدم، بعد ما فعله إِبليس بأَبيهم. ولذا ختمت بوجوب اتعاظهم وتَذَكُّرِهم.
وقد هدى الله آدم وذريته، إلى المواد التي تصنع منها الملابس، وطريقة الحصول على تلك المواد، وكيفية صنع الملابس منها، على اختلافها، بما أَلقاه في خواطرهم من أسباب المعرفة. فله الحمد على تلك النعمة الساترة للعورات، الحافظة للأجسام، المُضْفِيَةِ للجمال.
﴿وَرِيشًا﴾: أَي وأنزلنا عليكم ريشا. والريش اللباس الفاخر.
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾:
التقوى: الخشية من الله، المستتبعة للأعمال الصالحة. وإِضافة اللباس إِليها؛ لأنها تقى صاحبها من النار، كما يقى اللباس صاحبه من الحر والبرد.
فإذا اتقى العبد ربه، ستره من المعايب في الدنيا، ومن العقوبة في الآخرة.
стр. 1422
وخلاصة معنى الآية، ما يلي:
يا بنى آدم، قد أنزلنا عليكم، مِن علياء فضلنا، لباسا يستر عوراتكم، وآخر فاخرا تتجملون به فما بينكم. ولباس الخشية من الله. خير لكم مما عداه، لأَنه يقيكم من عذاب الله.
ذلك الذي منحناه بني آدم - من أَي نوع كان - هو من آيات الله الشاهدة بقدرته، وفضله ورحمته، لعلهم يتعظون فيتورعون عن معاصيه.
٢٧ - ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا … ﴾ الآية.
كرر النداءَ لبنى آدم، لأهمية الوصية والوصى لهم.
والمعنى: يا بني آدم لا يوقعنكم الشيطان في الفتنة والمحنة بوسوسته بتزيين القبيح وتقبيح الحسن، فَتُحْرَمُوا الجنة وتدخلوا النار - فاحذروا أن تفتتنوا بوسوسته فتعاقبوا ..
كما فتن أبويكم آدم وحواء، فأَخرجهما من الجنة بسبب اتباعهما إياه، بعد ما تسبب في نزع لباسهما عنهما ليريهما عوراتهما. وكشف العورات إهدار للآدمية، وإخلال بمستوى البشرية.
﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾:
القبيل: الجماعة. والمراد بقبيل إبليس: جنوده من الجن. وهذه الجملة تعليل للنهى، عن الافتتان بالشيطان، وتأكيد للتحذير منه. فإن العدو إذا كان يستطيع الوصول إليك من حيث لا تراه، كان جديرًا بك أن تحذره أشد الحذر. فإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم. فاحذروا خفىّ مكره ومكر قبيله، حتى لا تقعوا في حبائلهم.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
إنا جعلنا الشياطين قادة للذين لا يصدقون باللهِ ورسوله، يتولون إغواءهم بسبب إصرارهم على إهدار عقولهم، وإفسادهم فطرة ربهم.
[هل نرى الجن]
استدل بعض العلماء، بهذه الآية على أن الإنس لا يَرَوْن الجن.
وانفسم القائلون بذلك، إلى عدّة فِرق:
إحداها: تقرر عدم رؤْيتهم على حقيقتهم، أو متمثلين في أَية صورة.
стр. 1423
وبذلك يقول المعتزلة.
ومن أَدلتهم: أن القول بقدرتهم على التمثل أَمام بني آدم، يرفع الثقة بحقائق الأشياءِ فمن رأى ولده مثلا، يحتمل أَن يتخيَّل أَنه رأَى جنيًّا، كما أن رؤيتهم - على حقيقتهم - متعذرة لشفافيتهم.
وثانيتها: تقول: باستحالة رؤيتهم على حقيقتهم فقط.
وأُولئك هم الأَشاعرة.
وحجتهم: أَن الله لم يخلق في عيون البشر قدرة على رؤيتهم بحقيقتهم.
أما رؤيتهم متمثلين، فجائزة - عند الأشاعرة - مطلقا.
وقال النحاس: لا يراهم أحد على حقيقتهم، وإنما يُرَوْن إذا نُقِلوا عن صورهم.
ورؤيتهم متمثلين مقصورة على عصر النبوة فحسب؛ لأَنها من المعجزات للأنبياء.
فلا تكون إلا في عصرهم، كما حدث لسيدنا سليمان ﵇.
وقال القشيرى: "أجرى الله العادة، بأنَّ بني آدم لا يرون الشياطين اليوم. وفي الصحيحينِ وغيرهما: "إِنَّ الشَّيْطانَ يَجرى مِن ابنِ آدم مَجْرَى الدَّم". وقال تعالى: "الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الناسِ" (١). وقال ﷺ : "إِنَّ للمَلَك لَمَّةً، وللشَّيطانِ لَمَّةً .. فأَمّا لَمَّة الملَك فإيعاد بالخير، وأَمَّا لَمَّة ألشيطان فإيعاد بالشَّرِّ وتكذِيبٌ بالحقِّ" أ. هـ".
والقشيرى بإنكاره رؤيتهم المطلقة، يذهب مذهب المعتزلة.
ويرى كثيرٌ من أهل السنة أن رؤيتهم ممكنة وحاصلة فعلًا.
ويشهد لذلك أن عِفْريتًا تَفلَّتَ على النبي ﷺ ليشغلَه عن صلاته.
فأمكنه الله تعالى منه، وأَراد أن يربطه في سارية المسجد، ثم عدل عن ذلك.
стр. 1424
فقد أَخرج الإِمام مسلم - بسنده - عن النبي ﷺ قال: "واللهِ لَوْلَا دعوة أَخى سليمان لأصبحَ موثقًا يَلعبُ بهِ وِلدانُ أهلِ الدينةِ " ودعوة سليمان هي قوله:
"قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِى لِأحَدٍ من بَعْدِىَ" (١).
وخرّج البخاري عن أبي هريرة قال: "وكلنى رسول الله ﷺ بِحفظ زكاة رمضان" وحكى قصة طويلة ذكر فيها أَنه أخذ الجنىَّ الذي كان يأْخذ التمر، وأَن النبي ﷺ قال له: "ما صنع أَسيرُك البارحةَ" (٢)؟
أمَّا ما ورد عن الإمام الشافعى من أنه قال: مَنْ زَعم أَنَّه رآهم رُدَّت شهادتُه وعُزِّرَ؛ لمخالفة القرآن؛ فمحمول على مَنْ زعم رؤيتهم على صورتهم الحقيقية، وهم متشكلون - يقول بها أَهل السّنة، والشافعى من خيارهم.
وأما القول بأَن رؤيتهم متشكلين، يرفع الثقة بحقائق الأشياءِ، فيجاب عنه: بأَن الله تعالى، كَفَل - لهذهِ الأمة - أَن يرفع عنها مثل ذلك، لاستلزامه الرِّيبة في الدين، ررفع الثقة بالعلماء، لاحتمال أن يكونوا متشكلين من الجن. فاستحال - شرعا - الاستلزام المذكور.
وأما استحالة رؤيتهم لِلَطافَتهم، وأن الله لم يقدر العيون على رؤيتهم بهذه اللطافة إِذا ظهروا على حقيقتهم - فيجاب عنه: بأَن ذلك مُسَلَّم، فيما عدا رسول الله ﷺ ، إِذ لا مانع أن يخلق الله في بصره ﵇ قوَّة يقدر بها على رؤيتهم على حقيقتهم، كما أقدره على رؤية جبريل على صورته الحقيقية.
وقد عمّ الناسَ - قديما وحديثا - القول برؤيتهم متشكلين، وأَصبح هذا حقيقة واقعة معترفا بها في جميع أَنحاءِ العالم.
والآية الكريمة مؤولة بأنها لتمثيل دقيق مكرهم وخَفِىِّ حيلهم. وليس المقصود بها نفى رؤيتهم حقيقة.
стр. 1425
﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
إِنا خلَّينا بين الشياطين وبين الذين لا يؤمنون، فكانوا لهم أَولياءَ وقادة، بسبب غفلتهم وسوءِ نياتهم وعماهم عن الهدى. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١).
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾.
المفردات:
﴿فَاحِشَةً﴾ هي الفَعلة الشديدة القبح. ومثلها الفحشاء.
﴿بِالْقِسْطِ﴾ القِسط - بكسر القاف - العدل. وهو التوسط في الأْمور. وضدّه القَسط - بفتح القاف - فهو الظلم.
﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: المراد بالوجوه: الأنفس. وبإقامتها:
التوجه إِلى الله تعالى وبالمسجد: مكان العبادة، أَو زمانها.
﴿الدِّين﴾: المراد منه هنا: الطاعة.
стр. 1426
التفسير
٢٨ - ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا … ﴾ الآية.
وإِذا فعل العصاة - الذين لا يؤْمنون - سيئة شديدة القبح كعبادة الأوثان، وكشف العورة في الطواف - قالوا محتجين لمن نهاهم عنها: وجدنا آباءَنا مواظبين عليها .... والله أمرنا بها.
وجوابهم هذا، يدلّ على أَنهم جعلوا تقليد الآباءِ، شريعةً متَّبعة لهم، وتقديمهم ذلك على أمر الله تعالى في الاحتجاج، يؤْذن بأنه - في نظرهم - أهم منه.
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
قل لهم - أيها الرسول - إِن الله لا يأمر بالفحشاءِ والقبائح. وإِنما يأْمر بمحاسن العقائد والأعمال. فهو الحكيم. فكيف تنسبون إِليه تعالى ما لا يصحُّ ولا يليق من العقائد والأعمال؟ أَتقولون على اللهِ ما تجهلون، فتهلكون بنسبة الزور والبهتان إِليه سبحانه؟
وهذا ردُّ لحجتهم الثانية.
وقد أَغفل الله الرد على حجتهم الأُولى، وهي: تقليد الآباءِ فيما اعتقدوه وما فعلوه؛ لظهور فساد الاحتجاج بها.
وقيل: يجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ردًّا على الحُجَّتين جميعًا، فإنّه إذا كان اللهُ لا يأمر بالفحشاءِ، بل يأمر بالمحاسن، فكيف يتركون اتباع أَمره، إِلى اتباع آبائهم، فيما يقبح عقلا؟!
٢٩ - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾:
قل لهم - أَيها الرسول - أَمَرَ رَبى بالعدل. وهو التوسط في الطاعات بين التفريط والإفراط. فاستقيموا على ذلك، واتجهوا بأَنفسكم نحو الله تعالى عند كلّ مسجد تتعبدون فيه، ولا تنصرفوا عنه إلى سواه. واعبدوه مخلصين له الطاعة.
стр. 1427
ومن العلماء من فسَّر قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: تَوَجَّهُوا إلى الجهة التي أمركم الله تعالى بالتوجه إِليها في صلاتكم. وهي الكعبة، في أي مكان كنتم …
والظاهر أن الوجه الأول هو المقصود من الآية. وخلاصته: توجهوا بنفوسكم وقلوبكم إِلى الله تعالى - وحده - للعبادة، فإنهم كانوا يتجهون بها إلى الأصنام.
ولذا عقبه الله بقوله: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
أمَّا الأمر بالاتجاه إِلى الكعبة، فلا يساعد عليه المقام.
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾:
أي: كما أنشأَكم ابتداءً - من غير مثال سبق - تعودون إليه انتهاءً.
٣٠ - ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾:
أي: فَريِقين؛ فريقا هداهم الله إِلى الحق، واستحقوا بذلك المثوبة بالجنة. وفريقا ثبتت عليهم الضلالة، واستحقوا العقوبة بالنار.
ومعنى هداية الله للعبد، توفيقه إِياه، عندما أخذ بأسباب الحق مخلصا.
والهداية المذكورة، قد تكون من البداية إلى النهاية، وقد تكون في النهاية بعد بداية غير صالحة. نسأَله - تعالى - حسن الختام.
ثم علَّل ثبوت الضلالة. وآثارها عليهم بقوله:
﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾:
أي: وفريقا ثبتت عليهم الضلالة وآثارها؛ لأنهم اتخذوا الشياطين أولياءَ وقادة لهم في أمور دينهم، فأطاعوهم من دون الله، وهم يظنون أنهم - بذلك - مهتدون.
وفي الآية تحذير شديد من الوقوع في المعاصي، بأنهم - أَي العصاة - عائدون إلى الله تعالى، لحسابهم على أَعمالهم.
стр. 1428
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.
المفردات:
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: عند بمعنى: في. ومسجد مصدر ميمى بمعنى السجود. مراد منه الصلاة. أَو هو اسم مكان سماعى للسجود بمعنى الصلاة - أي عند كل مُصَلّى - وهو في كل ذلك مجاز - من إطلاق الجزءِ على الكل.
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: أي لا تتجاوزوا الحد الوسط.
﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ المراد بالطيبات: المستلذات. أَو ما أحلَّه الله تعالى.
﴿الْفَوَاحِشَ﴾: قبائح الذنوب.
﴿سُلْطَانًا﴾: حُجَّة وبرهانًا.
التفسير
٣١ - ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ … ﴾ الآية.
بعد أَن بيَّن الله تعالى - في الآيات السابقة: أنه لا يَشرع الفواحش، وأنه يأْمر بالعدل، وهو التوسط في الأْمور، ويأمرنا بالاتجاه إليه - وحده - في العبادة، وبيّن أَن
стр. 1429
الناس فريقان يوم القيامة: مهديون طائعون، وضالُّون عاصون … وكل بسبب نيته وعمله - بعد أَن بيَّن هذا - عقَّبه، ببيان بعض ما شرعه الله وحرَّمه … ومن ذلك أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
ومعنى هذه الجملة ما يأتى:
يا بنى آدم، تجمَّلوا بزينتكم للصَّلاة في كل مصلّى، إِجلالًا لربكم الذي تقفون بين يديه في صلاتكم. فهو - سبحانه - أَحق بذلك من الملوك والرؤَساءِ، الذين يتجمل الناس للوقوف بين أيديهم ....
وبهذا المعنى، أخذ جماعة، منهم الحسن بن علي ﵄، إذ كان يلبَس أَجود ثيابه إذا قام إِلى الصَّلاة، ويقول: "إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" (١) فأنا أَتجمل لربى وهو يقول: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
والأَمر بذلك للندب، إِذ الواجب ستر العورة بأَى ساتر.
والزينة شاملة للثياب الجميلة، والتمشط والتطيب، وغير ذلك، ممَّا ورد في السُّنة المطهرة أو شمله عموم اللفظ، ممَّا لا إسراف فيه.
وقيل: إن معنى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: إِلبسوا ثيابكم لستر عوراتكم عند كلّ صلاة أو طواف. فالمسجد - بمعنى السجود - مجاز عن الصلاة والطواف، فإن السجود لغة؛ الخضوع، وهو شامل للصَّلاة والطواف.
وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وغيره، لما روى عن ابن عباس ﵄: أَنه كان هناك أُناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراةٌ حتى النساءِ، فنزلت الآية ليستتروا.
والأَمر على هذا، للوجوب.
ولكن هذا الرأْى لا يتفق مع ظاهر الآية.
стр. 1430
ولو كان الأمر كذلك، لقيل: خذوا ثيابكم، أَو استروا سوءَاتكم عند كل مسجد.
وبما أنه طلب في الآية أَخْذَ الزينة، فذلك أَمر تَجاوَزَ طلبَ السترِ، إِلى ما هو أكمل منه، وهو التجمُّل … فمن تجمّل بالثياب فقد ستر عورته وزاد التجمل …
﴿مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾:
هنا، أكثر علم الصحة والاقتصاد، ملخصا موجزا في بضع كلمات ....
والمعنى: وكلوا واشربوا ما طاب لكم، ولا تسرفوا بالتعدى إِلى الحرام، أَو بتحريم الحلال. أو الإفراط فيه. إن الله لا يحب المسرفين.
قيل: كان أَهل الجاهلية: يحرمون الدسم وما زاد على القوت الضرورى، أيام حجّهم تعظيما له - فنزلت هذه الآية، لإباحة ذلك، والنهي عن الإسراف.
والظاهر: أن الآية قاعدة عامة، تتناول الحجَّ وغيره. نزلت ناهية عن الإفراط والشرَه، في الطعام والشراب، فإن في ذلك أضرارا كثيرة.
أَخرج أبو نعيم، عن عمر بن الخطاب ﵁: قال: "إِيَّاكم والبطنة من الطعام والشراب، فإنها مَفْسَدة للجسد، مورثة للسَّقَم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما، فإنه أَصلح للجسد وأَبْعَدُ عَن المسرف، وإِن الله ليبغض الحبر السمين. وإِن الرجل لن يهلك، حتى يؤثر شهوته على دينه".
وإِنما يكره الله الحبر السمين، لأَن المطلوب من أهل العلم، التقلل في الطعام والشراب وإيثار الآخرة على الدنيا، وطلب السلامة للجسد.
أما العالِم المسرف في طعامه وشرابه، المستكثر من الدسم، فهو مؤْثر لشهوة بطنه، مهتم بدنياه عن آخرته. فلذا يكرهه الله تعالى، لأَنه بذلك أسوأُ قدوة لغيره.
ولعل الغرض: أَن الله يكره له ذلك، لا أَنه يبغضه فعلا، فإن الله لا يبغض سوى أَهل المعاصي.
وقد أجمع الأَطباءُ - قديما وحديثا - على أَن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواءِ، وأن الدواء قلَّما ينفع مع عدم الحمّية. وكثيرا ما اعتمد حكماءُ الهند على حمية المريض أَياما، فَيَصِحُّ جسمه بدون علاج آخر.
стр. 1431
واختلف في تناول القَدْر الزائد عن الحاجة … فقيل: حرام. وقيل: مكروه.
قال ابن العرب: وهو الصَّحيح.
وقدر الشبع يختلف باختلاف البِلدان، والزمان، والسنّ، والأَشخاص.
والأفضل: التقليل الطَّعام، فإن فيه السلامة.
قال ﷺ : "ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنه … بحسْب ابن آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يقمن صلبه .. فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسه" (١).
قال بعض العلماء: لو سمع أَبقراط هذه القسمة، لعجب من هذه الحكمة!!
ونحن نقول: ما أَعظمَ حكمةَ سيدنا رسول الله ﷺ ، في هذا الدستور، الذي وضعه لحماية الجسم البشرى من شَرَهِ جَهَازِهِ الهضمىِّ فإنَّ الأكل الكثير يورث التخمة، ونتن الفم، والجَشاء؛ لتخمُّر الطعام وفساده، وذلك يستتبع شتَّى العلِل. وقد يموت المرءُ بسكتة قلبّية بسبب امتلاء بطنه، وضغطه على القلب.
فلذا ينبغي اتباع هذا الطب النبوى الذي اشتمل عليه الحديث السابق، لتجتنب المعاطب.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾:
أي لا يرضي الله تعالى عن إسرافهم، ويكرههم من أجله.
والجملة تعليل للنهى عن الإسراف ..
وقد جمعت هذه الآية وجوه البلاغة وأُصول الأَحكام، باشتمالها على الأمر والنهي والإباحة والخَبَر، كما جمعت - في نصفها - الحكمة.
стр. 1432
تنبيه:
ذهب بعض العلماءِ إِلى أن النهي عن الإِسراف، يشمل: اللباس أَيضا، وهو رأى عكرمة وابن عباس أَيضا.
فقد أخرج ابن أَبي شيبة، وكذا البُخارى تعليقا قال: قال ﷺ : "كُلْ ما شئت، والبَسْ ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ وَمَخِيَلَةٌ" والمَخِيلة: الكِبر.
٣٢ - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾:
قل يا أيها الرسول لقومك: مَن حرّم زينة الله التي خلقها لنفع عباده وتجملهم؟
ومَن حرَّم الطيبات من الرزق؟
والطيبات من الرزق: ما طاب طعما وكسبا.
واستُدِلَّ بهذه الآية: على أن الأَصل في المطاعم وأَنواع التجملات: الإباحة، لأَن الاستفهام في (مَنْ) لإنكار تحريمها على أبلغ وجه. كما استدل بها من قال بحل لبس الحرير والخزِّ للرجال، نظرا لعمومها.
رُوِى عن علي زين العابدين ﵁، أنه كان يلبَس كِسَاءَ خزٍّ بخمسين دينارا .. يلبسه في الشتاءِ - فإذا كان الصيف تصدق به، أو باعه وتصدق بثمنه .. وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر، مُمَشَّقَيْن (أي مصبوغين بالمَشْق. وهو صبغ أحمر) ويقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
كما روى أَن الإِمام الحسين ﵁، أصيب وعليه جُبةُ خَزٍّ، والخزُّ: نوع من الحرير.
والذي ينبغي التعويل عليه: أن إِطلاق الإباحة هنا، مقيَّد بأَدلة التحريم لبعض ما دخل فيه، كلبس الذهب والحرير للرجال، فقد حُرِّما بالسُّنة النبوية.
والتجمُّل بالحلال مستحب.
ففي صحيح مسلم، عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ ، قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن في قلبه مثقال ذرَّة من كِبْر" فقال رجل: إِنَّ الرجلَ يُحبُّ أن يكون
стр. 1433
ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُه حَسَنًا: قال: "إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ .. الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ".
وكان رسول الله ﷺ ، يُعْنَى بزينته في حدود التقشف.
روى مكحول، عن عائشة ﵂ قالت: "كان نفر من أصحاب رسول الله ينتظرونه بالباب، فخرج يريدهم وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوّى لحيته وشعره .. فقلتُ: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: "نعم، إذا خرج الرجل إِلى إخوانِه فليهيئ من نفسه … فإِنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ".
وكذلك كان يفعل الصحابة والتابعون.
فهذا ابن عباس عليه رضوان الله تعالى لمَّا بعثه علىّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه، إلى الخوارج، لبس أفضل ثيابه، وتطيَّب بأَطيب طيبه، وركب أحسن مراكبه، فلما رأَوه قالوا: يا ابن عباس: بَيْنَا أَنت خير الناس، جئتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم؟ فتلا هذه الآية.
وهذا أبو حنيفة ﵁، كان يرتدى بردا قيمته أَربعمائة دينار!!
وكان الحسن ﵁ يقول: "ليس البِرُّ في هذا الكساء - يعني الكساءَ الخشن - إِنما الِبرُّ ما وَقَرَ في القلب، وصدقه العمل".
قال أبو الفرج الجوزى: "كان السلف يتخيرون أجود الثياب: للجمعة، والعيد، ولقاءِ الإخوان. وقال: إِن اللباس الذي يزرى بلابسه، ويقصد منه إظهار الزهد والفقر، لهو لباس الشكوى منه تعالى … وهو موجب للاحتقار … وهذا مكروه. وقال: إِن السلف لم يكونوا يلبسون المرقعات إِلا للضرورة".
آراء العلماء في طيبات الرزق
قد علمتَ أَن طيبات الرزق، ما طاب طعما وكسبا، وأَن الله تعالى لم يحرمها، بل أَباحها تَنَاوُلًا وتركا. ولكن العلماءَ اختلفوا في درجة الإباحة.
стр. 1434
فمنهم من قال بتساوى التناول والإِعراض.
ومنهم من قال: الإعراض عنها أَفضل، فهو قربة من حيث إِنه يؤدى إلى الزهد في الدنيا، ليتفرغ للعمل للآخرة، وما يؤدى إلى ذلك يكون مندوبا، والإقبال عليه يكون مكروها، لأَنه يشغل عن الآخرة، ولقوله تعالى:
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (١).
ومنهم من قال: إن حَضَرتْ بلا كُلْفَةٍ فلا كراهة، وإلا كرهت …
وصححه أبو الحسن المقدسي.
وعلَّل تصحيحه بأَنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، امتناع عن الطعام لأَجل طيبه. بل كان يأكل العسل، والحلوى، والبطيخ، والرطب، وإنما يكره التكلف، لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة.
﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾:
هذا تصريح بِحِلِّ الزينة وطيّبات الرزق … بعد ما فهم - استلزاما وإشارة - من إنكار تحريمهما السابق … جئَ به لتأْكد الحِلِّ ..
قل أَيها الرسولَ: زينةُ الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزقِ، مباحة للذين آمنوا في الحياة الدنيا: في الحج وغيره. خالصة من العقوبة يوم القيامة فلا وجه لتحريمهما كما فعل أهل الجاهلية.
وتخصيص تحليلها بالمؤمنين، مع أَن لغيرهم حق الانتفاع بها؛ لأَن هذا تشريع. والتشريع يوجّه إلى المؤمنين ليعملوا به. ولا يتحرجوا متأثرين بعادات الجاهلية، ولأنه أكَّدَ حِلّها مرة ثانية، فوصفها بالخلوص من العقوبة يوم القيامة .. وذلك خاص بالمؤمنين .. إذَّ الكافرون يعاقبون على التقصير في شكرها بترك الإيمان …
وبعضهم فسَّر الآية بقوله: قل هي - بالأَصالة - للذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ لمزيد كرامتهم، والكافرون تبع لهم، خالصة للمؤمنين يوم القيامة: لا يشاركهم فيها غيرهم.
وما قلناه - أَوَّلًا - أولى. فإن الآية مسوقة للردِّ على الكافرين في تحريمهم لها في الحجِّ، وتأْثيم من يتعاطاها.
стр. 1435
وذلك التفسير يبعدها عن هذا الاتجاه ويخالف ظاهرها.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
مِثل ذلك التفصيل البَيِّن، نفصِّل الآيات لقوم يفهمون فيعملون بما فهموا ..
٣٣ - ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
قل لهم - أيها الرسول - ما حرّم ربي سوى ما اشتدَّ قبحُه من المعاصي، وما يوجب الإثم من مطلق الذنب (١)، وحرّم البغى (٢) على الناس بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما يستحيل أن يكون له حجة أو برهان، فإن الشرك بالله ظلم عظيم.
كما حرَّم أن تقولوا على الله - في الأَحكام والصفات (٣) - ما تجهلون.
أمّا التجُّمل بالثياب، وتعاطى لذائذ الطعام والشراب، فليس مما حرَّمه ربِّى.
وتقييد البغى بغير الحق، إخراج البغى بالحق، وهو ما كان عقوبة لمن بغي أولا .. وإطلاق البغى عليه للمشاكلة (٤).
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾.
المفردات:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ الأُمة: الجيل من الناس. والأَجلُ: مدّة الشئ. وتد يطلق على غاية الوَقْتِ في الموت وغيره. والمراد به هنا، وقت يموتون فيه وتنتهى به حياتُهم.
﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: لا يتأخرون.
﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: ولا يتقدمون.
стр. 1436
التفسير
٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾:
في الآيات السابقة، حثَّنا الله تعالى، على اتخاذ الزينة عند الصلاة، اعتناءً بشأْنها، كما حضَّنا على عدم الإسراف في الأكل والشرب، وفي الأمر كلّه. وبيَّن لنا - سبحانه - أَنه لم يحرّم الزينة والطيبات من الرزق في حدود الاعتدال. وذكر أَنه مما حرّم إِلَّا الإِثم والبغى والإِشراك باللهِ تعالى، وأَن يقول أَحد عنه ما لا يَعْلَمُ -.
وجاءَت هذه الآية، لتبيّن أن مصير الناس إلى الموت، لكي يحذروا حساب الآخرة فيما أحلّ الله لهم وما حرّم.
والمعنى: ولكلّ جيل من الناس، وقت ينتهى إِليه عمر كلّ واحد منهبم، بخيره وشرّه.
فإذا جاءَ هذا الوقت، فلا يتقدم عنه أحد منهم زمنا، ولو كان قليلًا، ولا يتأَخر عنه زمنا كذلك.
فآجال العباد موقوتة. وموافاتها في حينها محتومة.
والله غالب على أَمره .. فلتنظر كل نفس ما قدمت لغد.
﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾. المفردات:
﴿يَقُصُّونَ﴾: يتلون.
﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾: وتعالَوْا عليها، فلم يقبلوها.
стр. 1437
التفسير
٣٥ - ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي … ﴾ الآية.
بعد أن بيَّن الله أَن الموت نهاية كل حىّ - عقبه بمخاطبة بني آدم - تنبيها لهم أَن رسُلَهُ إذا جاءَتهم وأَنذرتهم حساب هذا اليوم، فعليهم أَن يتَّقوا الله ويصلحوا، لينجوا من عقابه، وينعموا بثوابه.
والمعنى:
يا بنى آدم - إِن يأْتكم رسل من جنسكم: يعرِّفونكم آياتى، ويعرضون عليكم شرائعى، فاستجيبوا إِلى ما يدعونكم إِليه، فإِن من اتَّقى الله تعالى فآمن بهم، وأصلح عمله - وفْقَ ما جاءُوا به عن الله تعالى - فلا خوف عليهم من مكروهٍ ينالهم في الدنيا والآخرة، ولا هم يحزنون على فوت ثوابٍ لصالح أعمالهم.
واعلم أن الآية خطاب لكافة الناس. يؤذن بالاهتمام بما يليه.
والمحققون على أنه حكاية إجمالية لا وقع من خطاب الله لكل أمَّة من أُمم الرسل.
وليس خاصا بأُمة محمد ﷺ . و (ما) في قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ للتأكيد، وليست نافية.
٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
المعنى: والذين جحدوا آياتِنا، وتعالَوْا عليها - مع وضوحها - فكذّبوا الرسلَ الذين جاءُوهم بها - أُولئك الجاحدون المكذِّبون - هم أَصحاب النار، الملازمون لها، وهم فيها خالدون .. لا يبرحونها.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾.
стр. 1438
المفردات:
﴿افْتَرَى﴾: اختلق وادعى، ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: حظُّهم ممَّا كتبه الله لهم في الدنيا من النِعَم فلا يحرمون منها مع كفرهم، ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ غابوا عنا ولم ينفعونا.
التفسير
٣٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾:
افتراءُ الكذب: اختلاقه. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ للإنكار.
والغَرَضُ منه: النفى.
والمعنى: لا يوجد أَظلم ممن افترى على الله تعالى الكذب، أَو كذَّب بآياته. وكما أَنه لا يوجد أظلم منه، لا يوجد مَنْ يساويه.
فالمراد: أنه أظلم من كل ظالم .. والتكذيب بالآيات يتناول: إِنكار الآيات المنزلة على الرسل، ونفى نزولها من عند الله، كما يتناول عدم الاعتراف بدلالة الآيات الكونية على وحدانية الله تعالى، وسائر صفاته.
﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾:
المقصود من نصيبهم من الكتاب: حظّهم مما كُتِبَ لهم من الأرزاق والأَعمار.
والمعنى: أَولئك المفترون المكذِّبون، ينالهم - في الدنيا - حظهم ممَّا كتبه الله وقدَّره، من الأَرزاق والأَعمار لعباده. فلا يحرمون منه مع كفرهم.
ثم يعَقِّب الله تعالى، ذلك، ببيان أن أَمرهم - في الآخرة - مخالف لذلك فيقول:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
أي هم يظلون متمتعين بنصيبهم مما كُتب لهم من الأَرزاق، غير ناظرين إلى عاقبتهم. حتى إذا جاءتهم رسلُنا من الملائكة: يقبضون أرواحهم، قال هؤلاء الملائكة لهم يوبّخونهم: أَين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؛ لتحميكم ممّا ينتظركم من العذاب؟
ثم يحكى الله ردَّهم على هذا التوبيخ فيقول:
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
стр. 1439
أَي: قال الكافرون، ردًّا على هذا التوبيخ: غاب آلهتُنا عنا في ساعة المحنة، فلم نعد نراهم ..
وأَيقنوا - من هذا - أَنهم خدعوا فيهم، وشهدوا على أنفسهم أَنهم كانوا في دنياهم كافرين بربِّهم، حين عبدوا مِن دونه أُولئك الضَّالين.
ثم يحكى الله تعالى ما سيقوله لهم بعد اعترافهم بكفرهم، فيقول سبحانه:
﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾.
المفردات:
﴿خَلَتْ﴾: مضت.
﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾: ذمَّتها، واتهمتها بإِضلالها.
﴿ادَّارَكُوا﴾: تلاحقوا.
﴿ضِعْفًا﴾: الضِّعف هو المِثلُ إلى ما زاد.
التفسير
٣٨ - ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾:
قال الله لهؤلاءِ الكافرين - بعد اعترافهم بكفرهم - ادْخُلُوا النَّارَ بين أُمم كافرة قد مضت من قبلكم - أيها الكافرون - من الجن والإنس.
стр. 1440
ثم يبيّن الله حالهم حينما يدخلون النَّار فيقول:
﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾:
اللعن هنا، بمعنى الذم والدعاء بالطرد عن رحمة الله تعالى.
والمعنى: كلّما دخلت في النار جماعة كافرة، ذمَّت أُختها، أَو دعت عليها. بزيادة الطرد عن رحمة الله وزيادة العذاب في جهنم فتلعَن التابعةُ المتبوعةَ، لإِضلالها إيَّاها، وتلعن المتبوعةُ التابعةَ، لتسبّبها في زيادة ضلالها. وهكذا تتبادلان اللعنات.
ثم يبيّن الله حال المتبوعين والتابعين بعد هذا التلاعن والاجتماع في النار فيقول:
﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾:
أَي يدخلون فوجا فوجا: يكفر بعضُهم ببعض. ويلعن بعضُهم بعضًا. حتى إذا تلاحقوا في النار واجتمعوا فيها، قالت أخراهم في المنزلة - وهم الأَتباع - في حقِّ أَولاهم مقاما - وهم القادة (١) - ربنا هؤُلاءِ أَضلونا عن الهدى، فآتهم عذابا مضاعفا من النار - لضلالهم وإِضلالهم.
ثم حكى الله تعالى ردَّه عليهم قائلا:
﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
قال الله للأتباع: لكل منكم ومن المتبوعين عذاب مضاعف .. فالأتباع: لضلالهم وتقليدهم لرؤسائهم، دون تدبّر للعواقب. والقادة: لضلالهم وإضلالهم تابعيهم .. ولكن لا تعلمون ذلك. فلهذا طلبتم المضاعفة لرؤسائكم، مع تساويكم في فظاعة الإثم.
ثم يحكى الله ردّ رؤسائهم عليهم فيقول: