التفسير
٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾:
في الآيات السابقة، حثَّنا الله تعالى، على اتخاذ الزينة عند الصلاة، اعتناءً بشأْنها، كما حضَّنا على عدم الإسراف في الأكل والشرب، وفي الأمر كلّه. وبيَّن لنا - سبحانه - أَنه لم يحرّم الزينة والطيبات من الرزق في حدود الاعتدال. وذكر أَنه مما حرّم إِلَّا الإِثم والبغى والإِشراك باللهِ تعالى، وأَن يقول أَحد عنه ما لا يَعْلَمُ -.
وجاءَت هذه الآية، لتبيّن أن مصير الناس إلى الموت، لكي يحذروا حساب الآخرة فيما أحلّ الله لهم وما حرّم.
والمعنى: ولكلّ جيل من الناس، وقت ينتهى إِليه عمر كلّ واحد منهبم، بخيره وشرّه.
فإذا جاءَ هذا الوقت، فلا يتقدم عنه أحد منهم زمنا، ولو كان قليلًا، ولا يتأَخر عنه زمنا كذلك.
فآجال العباد موقوتة. وموافاتها في حينها محتومة.
والله غالب على أَمره .. فلتنظر كل نفس ما قدمت لغد.
﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾. المفردات:
﴿يَقُصُّونَ﴾: يتلون.
﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾: وتعالَوْا عليها، فلم يقبلوها.
стр. 1437
التفسير
٣٥ - ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي … ﴾ الآية.
بعد أن بيَّن الله أَن الموت نهاية كل حىّ - عقبه بمخاطبة بني آدم - تنبيها لهم أَن رسُلَهُ إذا جاءَتهم وأَنذرتهم حساب هذا اليوم، فعليهم أَن يتَّقوا الله ويصلحوا، لينجوا من عقابه، وينعموا بثوابه.
والمعنى:
يا بنى آدم - إِن يأْتكم رسل من جنسكم: يعرِّفونكم آياتى، ويعرضون عليكم شرائعى، فاستجيبوا إِلى ما يدعونكم إِليه، فإِن من اتَّقى الله تعالى فآمن بهم، وأصلح عمله - وفْقَ ما جاءُوا به عن الله تعالى - فلا خوف عليهم من مكروهٍ ينالهم في الدنيا والآخرة، ولا هم يحزنون على فوت ثوابٍ لصالح أعمالهم.
واعلم أن الآية خطاب لكافة الناس. يؤذن بالاهتمام بما يليه.
والمحققون على أنه حكاية إجمالية لا وقع من خطاب الله لكل أمَّة من أُمم الرسل.
وليس خاصا بأُمة محمد ﷺ . و (ما) في قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ للتأكيد، وليست نافية.
٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
المعنى: والذين جحدوا آياتِنا، وتعالَوْا عليها - مع وضوحها - فكذّبوا الرسلَ الذين جاءُوهم بها - أُولئك الجاحدون المكذِّبون - هم أَصحاب النار، الملازمون لها، وهم فيها خالدون .. لا يبرحونها.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾.
стр. 1438
المفردات:
﴿افْتَرَى﴾: اختلق وادعى، ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: حظُّهم ممَّا كتبه الله لهم في الدنيا من النِعَم فلا يحرمون منها مع كفرهم، ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ غابوا عنا ولم ينفعونا.
التفسير
٣٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾:
افتراءُ الكذب: اختلاقه. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ للإنكار.
والغَرَضُ منه: النفى.
والمعنى: لا يوجد أَظلم ممن افترى على الله تعالى الكذب، أَو كذَّب بآياته. وكما أَنه لا يوجد أظلم منه، لا يوجد مَنْ يساويه.
فالمراد: أنه أظلم من كل ظالم .. والتكذيب بالآيات يتناول: إِنكار الآيات المنزلة على الرسل، ونفى نزولها من عند الله، كما يتناول عدم الاعتراف بدلالة الآيات الكونية على وحدانية الله تعالى، وسائر صفاته.
﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾:
المقصود من نصيبهم من الكتاب: حظّهم مما كُتِبَ لهم من الأرزاق والأَعمار.
والمعنى: أَولئك المفترون المكذِّبون، ينالهم - في الدنيا - حظهم ممَّا كتبه الله وقدَّره، من الأَرزاق والأَعمار لعباده. فلا يحرمون منه مع كفرهم.
ثم يعَقِّب الله تعالى، ذلك، ببيان أن أَمرهم - في الآخرة - مخالف لذلك فيقول:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
أي هم يظلون متمتعين بنصيبهم مما كُتب لهم من الأَرزاق، غير ناظرين إلى عاقبتهم. حتى إذا جاءتهم رسلُنا من الملائكة: يقبضون أرواحهم، قال هؤلاء الملائكة لهم يوبّخونهم: أَين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؛ لتحميكم ممّا ينتظركم من العذاب؟
ثم يحكى الله ردَّهم على هذا التوبيخ فيقول:
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
стр. 1439
أَي: قال الكافرون، ردًّا على هذا التوبيخ: غاب آلهتُنا عنا في ساعة المحنة، فلم نعد نراهم ..
وأَيقنوا - من هذا - أَنهم خدعوا فيهم، وشهدوا على أنفسهم أَنهم كانوا في دنياهم كافرين بربِّهم، حين عبدوا مِن دونه أُولئك الضَّالين.
ثم يحكى الله تعالى ما سيقوله لهم بعد اعترافهم بكفرهم، فيقول سبحانه:
﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾.
المفردات:
﴿خَلَتْ﴾: مضت.
﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾: ذمَّتها، واتهمتها بإِضلالها.
﴿ادَّارَكُوا﴾: تلاحقوا.
﴿ضِعْفًا﴾: الضِّعف هو المِثلُ إلى ما زاد.
التفسير
٣٨ - ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾:
قال الله لهؤلاءِ الكافرين - بعد اعترافهم بكفرهم - ادْخُلُوا النَّارَ بين أُمم كافرة قد مضت من قبلكم - أيها الكافرون - من الجن والإنس.
стр. 1440
ثم يبيّن الله حالهم حينما يدخلون النَّار فيقول:
﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾:
اللعن هنا، بمعنى الذم والدعاء بالطرد عن رحمة الله تعالى.
والمعنى: كلّما دخلت في النار جماعة كافرة، ذمَّت أُختها، أَو دعت عليها. بزيادة الطرد عن رحمة الله وزيادة العذاب في جهنم فتلعَن التابعةُ المتبوعةَ، لإِضلالها إيَّاها، وتلعن المتبوعةُ التابعةَ، لتسبّبها في زيادة ضلالها. وهكذا تتبادلان اللعنات.
ثم يبيّن الله حال المتبوعين والتابعين بعد هذا التلاعن والاجتماع في النار فيقول:
﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾:
أَي يدخلون فوجا فوجا: يكفر بعضُهم ببعض. ويلعن بعضُهم بعضًا. حتى إذا تلاحقوا في النار واجتمعوا فيها، قالت أخراهم في المنزلة - وهم الأَتباع - في حقِّ أَولاهم مقاما - وهم القادة (١) - ربنا هؤُلاءِ أَضلونا عن الهدى، فآتهم عذابا مضاعفا من النار - لضلالهم وإِضلالهم.
ثم حكى الله تعالى ردَّه عليهم قائلا:
﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
قال الله للأتباع: لكل منكم ومن المتبوعين عذاب مضاعف .. فالأتباع: لضلالهم وتقليدهم لرؤسائهم، دون تدبّر للعواقب. والقادة: لضلالهم وإضلالهم تابعيهم .. ولكن لا تعلمون ذلك. فلهذا طلبتم المضاعفة لرؤسائكم، مع تساويكم في فظاعة الإثم.
ثم يحكى الله ردّ رؤسائهم عليهم فيقول:
стр. 1441
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾.
التفسير
٣٩ - ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾:
وقالت أُولاهم - وهم الرؤساءُ المتبوعون - لأُخراهم - وهم المرءُوسون التابعون لهم - بعد ما سمعوا جواب الله لهم - فيما كان لكم علينا من رجحانٍ يقتضي تخفيف عذابكم عنا .. فنحن وأَنتم متساوون في مقدار الذنب، واستحقاق مضاعفة العذاب. فذوقوا - مثلنا - العذاب المضاعف، بسبب ما كنتم تفعلونه كل من الكفر والانقياد لنا ..
ومن هنا، يتبيّن أن التقليد في عقائد الناس وآرائهم - بدون رويّة - عظيم الخطورة .. فلا بدّ - لكلِّ عاقل - من التدبر قبل الاعتقاد، ضمانا للسلامة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.
المفردات:
﴿يَلِجَ الْجَمَلُ﴾: يدخل البعيرُ، ويطلق الجمل أَيضا على الحبل الغليظ.
﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: في ثقب الإبرة.
стр. 1442
﴿مِهَادٌ﴾: فراش وأصله ما يمهد للطِّفل لينام عليه.
﴿غَوَاشٍ﴾: أَغطية تغشاهم. أي تغطيهم: جمع غاشية.
التفسير
٤٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ … ﴾ الآية.
بعد أن بين الله - في الآيات السابقة - أن مصير الكافرين النار - تابعيهم ومتبوعيهم - جاءَت هذه الآية الكريمة، لإقناطهم من دخول الجنة.
والمعنى:
إن الذين كذَّبوا بآياتنا، المثبتة لوجود الله ووحدانيته، وسائر صفاته العليَّة، والدَّالة على صدق الرسل وصحة المعاد والجزاء، وبالغوا في الاستكبار عن الإيمان بها والالتفات إِليها - أُولئك المكذِّبون المستكبرون - لا تفتح - لأَدعيتهم وأعمالهم - أبوابُ القبول في السماء .. أو لا تفتح لأَرواحهم - بعد قبضها - أبواب السماءِ لتتصل بالملائكة، وتنعم بالراحة وتقابَل بالترحيب، كما هو شأْن المؤمنين .. بل يُقال لها عند اتجاهها إليها - كما ورد في الحديث الشريف -: "لَا مَرْحَبًا بِالنفْسِ الخَبيثَةِ، كَانَتْ في الْجَسَدِ الخَبِيثِ. ارْجِعِى ذَمِيمَةً .. لَا تُفْتَح لَكِ أَبْوَابُ السَّماءِ. فَتُرْسَلُ مِنَ السَّماء. ثم تَصِيرُ إلَى الْقَبْرِ".
أَخرجه الإِمام أحمد والحاكم وصححه، والنسائي وغيرُهم عن أبي هريرة برفعه إلى رسول الله ﷺ .
وذلك بعكس أرواح المؤمنين التي يقال لها إِذا عُرِجَ بها إِلي السماء: "مَرْحَبًا بالنفْسِ الطيِّبةِ كَانَتْ في الجَسَدِ الطيِّبِ .. ادْخُلِى حَميدَةً، وَأبْشِرِىِ بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَانَ .. فلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلك، حَتى تَنْتَهِىَ إِلَى السَّماء السَّابعة" أخرجه من ذكرناهم سابقا.
﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾:
أَي: وكما أُوصدت أبواب السماءِ دون أقوالهم وأعمالهم وأرواحهم. فكذلك أَبواب الجنة موصدة في وجوههم لا يدخلونها بأَى حال. كما لا يدخل البعير، أو الحبل الغليظ في ثقب الإبرة.
والمراد: استحالة دخولهم الجنة: والجمله تأكيد للجملة السابقة.
стр. 1443
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾:
ومثك ذلك الجزاءِ الفظيع، نجزى كلَّ المجرمين من أَهل التكذيب بآيات الله، فلا يختص به بعضُهم دون بعض.
٤١ - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
المقصود بهذه الآية: أَن النار محيطة بأهل النار من جميع الجوانب. والتعبير بالمهاد والغواشي، للتهكم بهم …
والمعنى:
لهم من نار جهنم مجلس ومهاد من تحتهم، وأَغطية ودثار من فوقهم .. فالنَّار محيطة بهم. ومثل هذا الجزاء الشديد، نجزى الظالمين لأنفسهم: بكفرهم بآيات الله وتعاليهم عليها، وانصرافهم عن الحق بعد ظهوره.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.
المفردات:
﴿وُسْعَهَا﴾: ما تتسع له وتطيقه.
﴿مِنْ غِلٍّ﴾: من حقد.
стр. 1444
التفسير
٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا … ﴾ الآية.
بيَّن الله تعالى، في الآيات السابقة: أن الكافرين - وهم في النار - يعادى بعضهم بعضا، ويتزايد الحقد بينهم، ويلقى بعضهم اللوم على بعض في كفرهم … وأَنَّ عذابهم في جهنم دائم لا نهاية له.
وجاءَت هذه الآية - وما بعدها - في إثر ذلك، لبيان أن مصير المؤمنين الجنة: خالدين فيها أَبدا، وأن نفوسَهم خالية من الغِلِّ، وأنهم أُورثوا الجنة بأَعمالهم … وبضدّها تتميز الأَشياءُ.
ومعنى الآية:
والذين آمنوا باللهِ وشرائعه المنزلة على رسله، وعملوا الصالحات - حسبما جاءَت في شرائعهم سهلة الأَداءِ - لأَن الله لا يكلف نفسا إلا ما تتسع له طاقتها - أُولئك المؤمنون الصالحون أصحاب الجنة الملازمون لها، هم فيها خالدون: لا يبرحونها ولا يُخْرَجُون منها.
٤٣ - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾:
أَي وأَخرجنا ما في صدورهم من حقدٍ وعداوة، بسبب أُمورٍ جرت بينهم في مطالب الدنيا، حتى تصفوَ المودَّة بينهم في نعيم الجنة، الذي هو صفوٌ كلُّه …
ويجوز أَن يكون المعنى: طهرنا قلوبهم وحفظناها من التحاسد على درجات الجنَّة، فلا يحسد أَحدهم أَخاه على منزلة أَعلى من منزلته، بسبب ما قدَّمه في الدنيا من عملٍ أحسنَ من عمله. وهذا في مقابل ما ذكر عن أهل النار من تخاصمهم …
والتعبير عن نزع الغلِّ. بصيغة الماضى - مع أَنه سيحدث يوم القيامة - للإيذان بتحققه ....
ويحتمل أَن المراد إزالته، بتوفيق الله تعالى قبل الموت، بعد ما حدث بمقتضى الطبائع البشرية، والمطامع الدنيوية.
стр. 1445
ويمكن أَن يخرَّج على أحد هذين الوجهين، ما روى عن عليٍّ ﵁: أَنه قال: "إِنِّي لأرْجُو أَنْ أكُونَ منهمْ، أَنَا وعُثمان وطَلْحة والزُّبَيْر".
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾:
وقالَ أَهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا النعيم المقيم، بما وفقنا إليه من الإِيمان والعمل الصالح، وما كنا لنهتدىَ إليه لولا أن هدانا الله بتحبيب الإيمان إلينا، وتزيين الطاعة في قلوبنا.
﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾:
فاهتدينا بهديهم، ونعمنا بالجنة مصداقا لوعدهم.
﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
ونودوا من قِبَلِ الله تعالى، بأَن نادتهم الملائكة. أو ناداهم الله تعالى تشريفا لهم، ورفعا لشأْنهم قائلا: تلكم الجنة الرفيعة القدر، العظيمة الشأْن البعيدة المدى، أُعطيتُمُوها بما كنتم تعملون، من الإيمان والعمل الصالح.
وعبَّر عن الإِعطاءِ بالتوريث: للإِيذان بكمال الاستحقاق، كما هو شأْن الميراث، بموجب ربط الله الجزاء بالعمل. وإن كانت الجنة في ذاتها أَعلى شأْنا من العمل، بل هو في جانبها لا يعتبر شيئا مذكورا، ولكن الله - بفضله - جعله سببا لاستحقاقها.
ويجوز أَن يكون التعبير عن إعطاءِ الجنة بتوريثها، للإِيذان بأَنهم نالوا الجنة دون كسب منهم موجب لها، كما ينال الوارث ما يرثه دون كسب، فإِن كسبهم - مع أنه لا يذكر بجانب الجنة - إنما كان بتوفيق الله ومعونته، ولولا ذلك ما حدث.
والباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تحمل - في هذا الوجه - على أَنها للسبب الْجَعْلِى من الله تعالى، لا للسبب الذاتى، لقوله ﷺ : "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنكُمْ الْجَنَّةَ بعَمَلِهِ" أخرجه الصحيحان.
стр. 1446
أي لن يدخلها أحد بسبب عمله - وحده - دون فضل الله وهدايته، فإنه - تعالى - خالق النفس ومانحها القوَّة على العبادة، وموفِّقها إليها. فإذا كافأَنا على العبادة بالجنة، فذلك منه تعالى. هو الفضل والمنَّة.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾.
المفردات:
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: فنادى منادٍ.
﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يمنعون الناس عنها.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: يطلبونها معوجة ومائلة عن الحق.
﴿الْأَعْرَافِ﴾: سور بين الجنة والنار.
﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم المميّزة لهم.
стр. 1447
التفسير
٤٤ - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾:
بعد أن بَيَّن الله تعالى سعادة أهل الجنة بنعيمها، ذكر في هذه الآية، ما يحدث منهم من الشماتة فيمن كانوا يستعلون عليهم في الدنيا من الكافرين. وذكر - كذلك - لعن الله للظالمين.
والمعنى: ونادى أصحاب الجنة من المؤْمنين - بعد استقرارهم فيها وفرحهم بها - أصحاب النار من الكافرين - وهم يصطلون بحرِّها - يقولون لهم في ندائهم: قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا من النعيم المقيم حقا .... فهل وجدتم ما توعدكم الله به من العذاب حقا؟! قالوا متحسرين يائسين: نعم .... وجدناه حقا.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾:
فنادى منادٍ - بين أهل الجنة وأهل النار - قائلا: لعنة الله تعالى، واقعة على الظالمين لأنفسهم بكفرهم، وطَرْدُهُ إيَّاهم من رحمته، بسبب نفريطهم وجنايتهم على فطرتهم.
واختلف في هذا المنادِى فقيل: هو مالك خازن النار .... وقيل: هو صاحب الصور. وقيل: هو ملك غيرهما.
وأَيًّا ما كان، فنداؤُه بأَمر الله تعالى.
والغرض من ندائه، إِدخال السرور على أَصحاب الجنة بتعذيب أعدائهم أعداءِ الله تعالى. ومضاعفة حسراتهم، بما ظلموا.
٤٥ - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾:
стр. 1448
أَي لعنة الله على الظالمين، الذين يصرفون الناس عن سبيل دينه القويم، ويصرفونهم عن الإيمان به، بإلقاءِ الشبه في أدلته، ويطلبون لها العوج، بأَن تكون على هواهم: تقرّ الشرك، وتدعو إلى ما هم عليه من باطل. وهم بالآخرة كافرون، فلا يُقِرُّون ببعثٍ ولا جزاءٍ.
٤٦ - ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾:
المراد بالحجاب: السور الذي يفصل بين الجنة والنار، ويمنع أَثر كلتيهما عن الأُخرى ....
وشئون الآخرة لا تقاس بشئون الدنيا .. والأَعراف: أَعالى الحجاب الذي ضرب بين الجنة والنار وهي جمع عُرْف. وهو المكان المرتفع من الشئِ. أَي أَعلى موضع منه. فهو أَعرف ممّا انخفض منه. ومنه عُرف الديك. وعرف الفرس.
والمعنى: وبين الجنة والنار، سور يحجب أَثر كلتيهما عن الأُخرى. وعلى أَعالى هذا السور، رجال يعرفون كلا من أَهل الجنة والنار في المحشر بسيماهم - أي بعلاماتهم المميزة لهم.
واختلف في هؤُلاءِ الرجال الذين يعتلون الأَعراف.
فقيل: هم من الموحدين: "قصرت بهم سيئاتُهم عن الجنة، ومنعتهم حسناتُهم من النار: فجعلوا هناك، حتى يقضى بين الناس. فبينما هم كذلك، إِذ اطلع عليهم ربُّهم، فقال لهم: قُومُوا فادْخُلُوا الجنة فَإنِّى غَفَرْتُ لَكُمْ" أَخرجه أَبوَ الشيْخ والبَيْهَقِىّ من حُذَيْفة.
وإلى هذا. ذهب جمع من الصحابة والتابعين.
وقيل: هم الأَنبياءُ، ﵈: أجلسهم اللهُ على أَعالى ذلك السور، تمييزًا لهم عن سائر أَهل القيامة، وإظهارًا لشرفهم وعُلُوِّ مرتبتهم.
وقيل: هم عدول الناس من كلِّ أمة. جعلهم الله شهداءَ على أَعمال أَقوامهم.
стр. 1449
حكاه الزُّهْرِىُّ. وقيل: هم ملائكة، يُرَوْنَ في صورة رجال وقيل غير ذلك …
والظاهر أَنهم قوم علت درجاتُهم؛ لأَن المقالاتِ الآتيةَ لا تليق بغيرهم. سواء أَكانوا أنبياءَ أَم سواهم.
والسيما التي يَعرفون بها كلا الفريقين من أَهل الجنة والنار: هي العلامة التي جعلها الله مميّزة لكل منهم.
والقول بأَنها بياض الوجوه لأَهل الجنة، وسوادها لأَهل النار - تضييق للواسع.
فينبغى عدم تحديد العلامة، وتفويض ذلك إِلى الله.
ومعرفتهم كلا الفريقين بسيماهم، تكون قبل دخول أَهل الجنةِ الجنةَ وأَهل النارِ النارَ. إِذ لا حاجة بعد دخول كليهما - كلٌّ إلى مصيره المحتوم للعلامة.
﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾:
أَي ونادى أَصحاب الأعراف أصحاب الجنة - بعد أن عرفوهم بسيماهم في المحشر، داعين ومُحَيِّين لهم بقولهم: سلام عليكم. أَو مخبرين لهم بسلامتهم ونجاتهم من المكاره، لم يدخلوا الجنة حين تحيتهم لهم لأَنهم لا يزالون في المحشر، وهم يطمعون في دخولهم إيَّاها. فلذا أَخبروهم بالسَّلامة والنجاة.
وقال صاحب الكشاف: جملة ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾: استئناف كأَن سائلًا سأَل عن أَصحاب الأَعراف، فقيل: لم يدخلوها، وهم يطمعون.
ولكن هذا الرأْى، مبنى على أن أصحاب الأعراف قوم موحّدون: قصرت بهم حسناتُهم عن دخول الجنة. ولكنَّها منعتهم من دخول النَّار.
والرأْى الراجح: هو أَنهم قوم ممتازون: إمَّا من الأَنبياءِ، أَو من الملائكة أَو هم - كما سبق ذكره - عدول الأُمم.
стр. 1450
وعلى هذا، ينبغي أَن تكون جملة: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾: في حق المؤْمنين الذي سلّموا عليهم وهم في المحشر، بعد أَن عرفوهم بسيماهم، كما سبق ذكرنا، قبل رأى صاحب الكشاف.
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.
المفردات:
﴿صُرِفَتْ﴾: حُوِّلت.
﴿تِلْقَاءَ﴾: جهة.
التفسير
٤٧ - ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ … ﴾ الآية.
لا يزال الكلام موصولا في قصة أصحاب الأعراف، وإنما قيل:
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ولم يقل: وإذا رأَوْهم للإيذان بأنهم لم يكونوا راغبين في رؤْية أهل النار لسوءِ حالهم.
والمعنى: وإذا حُوِّلت أبصار أَهل الأَعراف، جهة أصحاب النار، فرأوا سوءَ حالهم قالوا - متعوذين منه - ربنا لا تجعلنا في النار صحبة هؤُلاءِ القوم الظالمين لأَنفسهم بالكفر والطغيان.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾.
стр. 1451
التفسير
٤٨ - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ … ﴾ الآية.
ونادى أصحاب الأعراف رجالا من أَهل النار، كانوا رؤساء الكفر: يعرفونهم بعلامتهم المميّزة لهم، قائلين لهم: ما أَغنى عنكم جمعكم الأَتباع والأَموال؟ ولا استكباركم المستمر على الخَلْقِ وعن قبول الحق؟! فكلّ ذلك، لم يدفع النار الَّتى تستحقونها، بكفركم واستكباركم.
ويصحّ أن يكون قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ من باب الاستفهام التوبيخى، بمعنى أىُّ شيءٍ أفادكم جمعُكم (١) واستكباركم؟!
٤٩ - ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾:
الإشارة في (هَؤلَاءِ) راجعة إلى ضعفاء المؤْمنين في كل ملَّة سماوية. وهذه الآية حكاية لتوبيخ آخر، صادر من أصحاب الأعراف لرؤَساءِ الكفر، بعد ما وبَّخُوهم على كفرهم واستكبارهم، واعتزارهم بجمعهم وكثرتهم، ونَعَوا عليهم: أن ذلك كلَّه لم يغنِ عنهم من الله شيئًا …
والمعنى:
وقال أصحاب الأَعراف أيضًا - موبّخين لرؤُساءِ الكفر - أهؤُلاءِ الضعفاءُ المؤْمنون، هم الذين أقسمتم أَن الله لا ينعم عليهم برحمته، احتقارا منكم لهم؟!
ثم أشَاحُوا معرضين عنهم - متجهين إلى هؤُلاء المؤْمنين محتفين بهم، قائلين لهم: ادخلوا الجنة … لا خوف عليكم من مكروه، ولا أنتم تحزنون على فوت مطلوب. فأنتم في كرامة ومسرّة.
ويظهر أن أَصحاب الأعراف قالوا للمؤْمنين: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ
стр. 1452
وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حين رأوْهُم يَشرَعُون في دخول الجنة، بعد أن أذِن اللهُ لهم بدخولها …
قالوه فرحا بدخولهم، وكيدا لأَعدائهم.
وهذا على القول بأَن أَصحاب الأَعراف من البشر.
أَما على القول بأَنهم ملائكة، فلعلَّهم يبلِّغونهم - عن الله تعالى - الإِذن بدخولهم الجنة.
وقد دلّت الآية على أَن دخول الجنة تابع للعمل، ربطًا للمسببات بالأَسباب.
وفي ذلك حثُّ للناس على العمل الصالح، لكي يكونوا أَهلا لدخول الجنة، ونيل الدرجات العلية فيها.
كما دلّت على أن كلاًّ من أهل الشرّ والخير: يُعرَف في المحشر بسيماه.
نسأل الله أن يوفقنا - جميعًا - لما نستحق به ثوابه، وننجو به من عقابه.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾.
المفردات:
﴿أَفِيضُوا﴾: أَكثروا.
﴿يَجْحَدُونَ﴾: يكفرون.
стр. 1453
التفسير
٥٠ - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾:
المعنى: ونادى أهلُ النار أَهلَ الجنة - بعد استقرار كليهما في دار جزائه - فقالوا لهم: أنزلوا علينا كثيرا من الماء، أو مما رزقكم الله من النعم؛ لما يحسُّونه من حرِّ العطش، وشدَّة الجوع، ووقع العذاب.
﴿قَالُوَا﴾ لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ لكفرهم، فلا نستطع أَن نعطيكم، ونخالف ما حكم به الله عليكم ..
والتعبير بقولهم: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا﴾ يؤْذن بعلو الجنة فوق النار.
والمراد من تحريم الماءِ والرزق عليهم، حرمانهم منهما.
٥١ - ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾:
معظم المفسرين على أَن هذا من جملة كلام أَهل الجنة لأَهل النار. فهو وصف مِنْهُمْ للكافرين …
وبعضُهم يرى أَنه ابتداءُ كلام من الله تعالى تعليقا على هذا الحوار. فكأَنه قيل: هم الذين اتخذوا دينهم …
والمعنى: الذين جعلوا دينهم الذي أوجبه الله عليهم - مجال عبادة وصلاح وإصلاح - جعلوه وسيلة لهو ولعب وأهواء .. فجحدوا منه ما جحدوا وبدَّلوا منه - وفق هواهم - ما أرادوا أَن يبدلوا. كشأن اللاهين العابثين. وخدعتهم الحياة الدنيا بزخارفها، فنسوا الآخرة ..
وممّا وقع من اتخاذهم الدِّين لهوا ولعبا - تحريم بعض العرب، البَحيرة والسائبة ونحوهما، ومنه التَّصْدِية والمُكَاءُ حول البيت، والطواف به - عرايا.
أَما البَحيرة: فهي الناقة التي تلد خمسا آخرها ذكر. كانوا يبحرون أُذنها أي يشقونها ويحرِّمون ركوبها وحلبها .. والسائبة: هي الناقة المنذورة: كان الواحد منهم يقول:
стр. 1454
إذا شفيتُ من مرضى، فناقتى سائبة. فيحرِّم الانتفاع بها كالبَحيرة. وينسبون تحريم ذلك إلى الله تعالى، كذِبا وزورًا.
وأمَّا الْمُكاءُ فهو الصفيرُ، وأمَّا التصدية فهي التصفيق، وكانوا يفعلون ذلك عند الكعبة، ويزعمون أنهما من العبادة.
والطواف بلا ساتر كانوا يعتبرونه نُسُكًا حتى نهى عنه الرسولُ في حَجَّة الوداع بقوله: "وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ".
﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾:
من معانى النسيان في اللغة: الترك والإهمال.
وهذا هو المعنى المناسب للآية.
والمعنى: فاليوم نتركهم في النَّار، ونهمل أمرهم. فلا نخرجهم منها، كما أَهملوا لقاءَ يومهم هذا، فلم يفكروا فيه. بل جحدوه. وكما استمرّوا على إنكار آيات الله، وعدم الاعتراف بدلالتها على ما يجب له من التوحيد -، وما يجب لرسوله من السمع، والطاعة، والإذعان ..
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾.
المفردات:
﴿فَصَّلْنَاهُ﴾: أنزلناه مفصلَ الأحكام مبيّنها.
стр. 1455
﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾: دلالة واضحة على الحقِّ ورحمة للناس.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ما ينتظرون.
﴿تَأْوِيلَهُ﴾: أَي ما يؤُول إِليه أَمره.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: وغاب عنهم.
التفسير
٥٢ - ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
الضمير في قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ﴾ عائد على كل أُمة من أُمم الرسل. فإِن الكلام السابق، كان عن أَحوالهم يوم القيامة: ما بين محسن ومسئ، حسبما يرشد إليه قولُه تعالى: ﴿ … لَقَدْ جَآءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ … ﴾ (١) وقد مضى شرحُها وكما يرشد إليه قوله تعالى: ﴿ … قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ … ﴾ (٢) وسيأْتى شرحها.
والمعنى: ولقد جئنا كلَّ أُمة من الأُمم - على لسان رسولها - بكتاب بيَّنَّا فيه العقائد والأَحكام والمواعظ، مفصَّلة على علمٍ تامٍّ منَّا، بما يناسب حالَ كلِّ أُمَّة في الأَحكام الفرعية - جئناهم بهذه النعم - هدى ورحمة لقوم شأْنهم أَن يذعنوا للحق، فهم المهتدون، بهداه المنتفعون بجدواه، دون المعاندين المكابرين.
٥٣ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾:
المعنى: ما ينتظر هؤُلاءِ الكفار - بعدم إيمانهم بالكتاب المفصَّل، الذي أنزلناه - إِلاَّ ما يؤُول إِليه أَمره يوم القيامَة: بظهور صدق وعده ووعيده.
والمراد أنهم في حكم المنتظرين لهذا المآل. وفي بالهم عدم توقع صدق ما جاءَ فيه.
والكلام - في الحقيقة - جارٍ مجرى التهديد، والإنذار بأَن ما جاءَ فيه - من عقابهم - واقع لا مفرَّ منه، بدليل قوله تعالى بعد ذلك:
стр. 1456
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ … ﴾ الآية.
وقيل: إنَّ فيهم قومًا يشكون في مآله. ولذلك انتظروه.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾:
المعنى: يوم يأتى مآل هذا الكتاب المفصَّل وعاقبته، يقول الذين أعرضوا عنه وجعلوه مهملا - كالمنسى - يقولون - معترفين نادمين - قد جاءَت رسلُ ربِّنا بالحقِّ، فكذبناهم فهل لنا من شفعاءَ فيشفعوا لنا، ليرفع عنا ما نحن فيه من العذاب؟ أو هل نردُّ إِلى الدنيا - فنعمل غير الذي كنا نعمل من الشرك والمعاصي؟
﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
هذا تقرير لعاقبة ما اعتراهم من غرورٍ دنيوى.
أي قد أضاعوا أَنفسهم بانصرافهم عن الهدى، واستحقاقهم بذلك عذاب النار.
وغاب عنهم ما كانوا يفترونه على الله من الشركاءِ وشفاعتهم عنده، حيث اتضح لهم بطلانه وظهر لهم فساده. وأنه كان سرابا خادعا!!.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾.
المفردات:
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾: يغطى الليلَ بالنهار، والمقصود، أَنه - تعالى - يزيل ضوءِ النهارِ بظلام الليل.
стр. 1457
﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: استولى على الملك والسلطان.
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: يتبعه سريعا. كأنما يطلبه بلا فتور.
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾: تعالى وتنزَّه.
التفسير
٥٤ - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾:
لمَّا ذكر الله حال الكفار، مشيرا إلى عِبَادتِهم غيره، احتجَّ عليهم في هذه الآية بمقدوراته التي قدّرها، وكائناته التي أظهرها. ودلَّهم بها - وبنظمها - على أَنه الإِله الواحد، ولا معبود سواه.
والربُّ: الخالقُ والمالك والمربّى والمنعم.
والمراد من خلق السموات والأرض: هو خَلْقُهُمَا وما فيهما.
والمقصود من الأيام الستة: هو أزمان بهذا العدد .. لا يَعْلَمُ مقدار كلِّ منها سواه .
فأَيَّام الله، آمادٌ متفاوتة كأَلف سنة، أَو خمسين ألف سنة، ممَّا نحسبه للدنيا - كما صرَّح به القرآنُ الكريم. وقد تكون أَطولَ من ذلك أَو أَقلَّ، حسب سُنَّةِ الله تعالى في مراحل تطوير الكائنات من الدخان، إِلى المادة التي انتهت إليها النجوم والكواكب والأرض. حسبما نطق به قولُه تعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١).
وقد أيَّد العلماءُ المعاصرون، ما جاءَ في القرآن، إِذ قالوا: إِن أَصل العالَم، غاز شديد الحرارة، تحوَّل - مع الأزمان الطويلة - إِلى هذه السموات والأرض.
ولا يصحُّ أَن يراد من اليوم في هذه الآية، الزمنُ الناشئٌ عن حركة الأرض حول ذاتها - في مدارها حول الشمس، لأَنه - بهذا المعنى - لم يكن موجودا وقت هذا التكوين.
стр. 1458
والعرش لغة: سرير الملك، ويكنى به عن العزّ والسلطان والملك، فيقال: الملِك (فلان) ثُلَّ عرشه، أي ذهب عزّه وملكه. وأنشدوا لهذا قول الشاعر:
إِذا ما بَنُوا مروان ثُلَّتْ عروشُهم … وأوْدَت كما أودت إِياد وحِمْيَرٌ
أي: زال ملكهم ..
ومعنى الاستواء: الاستيلاء، كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيفٍ ودم مُهْرَاق
أي ثُمَّ - بعد تمام الخلق - استولى على الملك والسلطان بلا شريك.
والتعبير (بثم) لإفادة رفعة منزلة الاستيلاءِ على سلطان هذا الكون. وليست للترتيب الزمانى مع التراخى، فإنه لا مهلة بين خلق الكون واستيلائه تعالى على سلطانه فيه.
فهو الذي خلقه. وسلطانه عليه منذ البداية إِلى أَن تمَّ خلقه.
والجديد الذي أفادته هذه الجملة: أَنها بيَّنت أنَّ أَمر الكون - بعد تمامه - إليه تعالى كأَمره عند بدايته: لا يشركه في ذلك أحد. وأَن تدبيره، إليه - وحده -.
ولذا، قال - تعالى - عقب ذلك:
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾:
إلى آخر ما ذكر في الآية من شئون تدبيره.
فكأَنه قيل: واستولى على سلطان الكون وحده، ليدير شئونه التي منها: أنه يغشى الليل النهار .. الخ.
ومن العلماء من قال: إن العرش جسم محيط بسائر الأَجسام سمّى به، لارتفاعه، أو للتشبيه بسرير الملك .. ومنه تتنزل أوامرُ اللهِ في شئون الكون، دون أَن يكون الله فيه لاستحالة ذلك عقلا.
والاستواء - على هذا أَيضا - بمعنى الاستيلاءِ. وأضاف الاستيلاءَ إلى العرش وحده - مع أنه تعالى مستولٍ على جميع المخلوقات - لأَن من استولى عليه - وهو أَعظمُها - فهو مستولٍ على سواها من باب أَولى.
стр. 1459
فكأَنه قال: ثم استولى على الكون كلِّه ..
وذلك مثل قولك: استولى عمر بن الخطاب على عرش الفرس .. فذلك كناية عن استيلائه على جميع بلاد الفرس.
ومنهم من فسَّر العرش بهذا المعنى، وتوقف في معنى الاستواء. وأحال العلم - بحقيقته - إِلى الله تعالى.
وعلى هذا الرأْى: جعفر الصادق، والحسن، وأبو حنيفة، ومالك ﵃.
روى عنهم: الاستواء معلوم. والكيف مجهول. والإيمان به واجب. والجحود كفر.
والسؤال عنه بدعة ..
أَمَّا تفسير العرش بالسرير، والاستواءِ بالاستقرار - كما يقول المشبِّهة - فهو باطل وكفر.
لأنه - تعالى - كان قبل العرش ولا مكان. وهو الآن كما كان، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾:
أصل معنى يغشى الليل النهار: يغطِّى اللهُ النهارَ بالليل.
وبمَا أَنَّ التغطية تقتضى اجتماع الغطاء والمغطى وجودًا - وذلك لا يتصوّر هنا - لأن النهار أُزيل - تماما - عن السطح الَّذى حلَّ فيه الليل، فضلا عن أن التغطية إِنما تكون للأجسام.
والليل والنهار ليسا منها - فلذا تكون التغطية مستعارة للإِزالة، لما في كل من الإِخفاء.
فالمعنى المراد لقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يزيل الله ضياءَ النهار بظلام الليل.
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: أي يطلب الليل النهار سريعا، فالحثيث السريع، ومنه ولَّى حثيثا - أي مسرعًا - والمراد أنه يأْتى عقبه ويحل محلّه، بسرعة وبغير مهلة.
وإِنما وصف طلبه له بالسرعة، لأنه ناشئٌ من دوران الأَرض بسرعة حول نفسها في دورانها حول الشمس. وهي كروية. ففي كل ثانية يختفى الضوءُ عن جزء منها، ليحلَّ فيه الليلُ بدل النهار فورا، ولم يذكر العكس للعلم به، أو لأن اللفظ يحتملهما.
стр. 1460
ولذا قرئَ بنصب الليل ورفع النهار.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾:
أَي وخلق الله الشمس والقمر والنجوم: خاضعاتٍ لإرادته وقضائه وتصريفه.
وتخصيص الشمس والقمر بالذكر - مع دخولهما في النجوم (بالمعنى اللغوى) - لمزيد فوائدهما، بالنسبة لكوكبنا الأرضى.
ثم عقَّب الله ذلك بقوله تعالى:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾:
لتأكيد ما سبق وتعميم قدرته على ما وراء السموات والأرض.
والمعنى:
ألا له الخلق والأمر: في كل شيءٍ كان أَو يكون. لا يشاركه في ذلك أَحد .. فيدخل فيه ما ذكر من خلق السموات والأَرض وتسخيرهما - دخولا أَوليًّا.
ثم وصف الله نفسه بالتعالى عن العالمين، وربوبيته لهم فقال:
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾:
أي تعالى الله مالك العالمين ومربيهم، ومدبر أُمورهم - عن أَن يكون له شريك أو نظير.
وخلاصة معنى الآية: أنه تعالى، بيّن فيها للكفار الذين اتخذوا من دونه أَربابا:
أن المستحق للربوبية إِله واحد، هوالله - تعالى -، لأَنه هو الذي خلق العالَم ودبَّره أحسن تدبير.
أَمَّا آلهتهم، فهى مخلوقة له - تعالى -، وعاجزة عن الخلق والتدبير، فلا تصلح للربوبية.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾.
стр. 1461
المفردات:
﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾: تذلُّلًا وسرًّا.
﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزين الحدّ في كل شيءٍ.
التفسير
٥٥ - ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً … ﴾ الآية
لمَّا ذكر الله - سبحانه - دلائل عظمته فيما سبق، طلب هنا، من عباده أَن يدعوه في تذلُّلٍ مُسِرِّين، فإن ذلك هو اللائق بجلال الخالق.
والمعنى: ادعوا ربكم الذي عرَّفكم عظمته فيما سبق .. وليكن دعاؤكم إيَّاه في تذللٍ وإِسرار يليقان بالأَدب مع الله تعالى، فإن الصياح في الدعاء تجاوزٌ للأَدب، واعتداءٌ والله - تعالى - لا يحبُّ المعتدين.
أَخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ (١) فجعل الناسُ يجهرون بالتكبير (٢) فقال: أَيُّهَا النَّاسُ: ارْبعُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ … إنَّكُمْ لَسْتُمْ تَدْعُون أصَمَّ ولا غائبًا .. إِنَّكم تَدْعُون سَمِيعًا قريبًا. وهو مَعَكُم .. " الحديث.
والاعتداءُ في الدعاءِ أنواع:
منها ما كان بالجهر والصياح.
ومنها أَن يطلب منزلة نبى أَو يطلب المحال، أَو يُسْهِبَ في الدعاء، أَو يدعو بمعصية.
روى ابن مَاجَه: أَن عبد الله بن مُغفل ﵁، سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأَبيض عن يمين الجنة إِذا دخلتها. فقال له: أيْ بُنَى، سَلِ اللهَ الجنَّة، وعُذْ به من النَّار. فإنِّى سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "سَيَكونُ قومٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ".
واختُلِف في رفع اليدين في الدعاءِ.
فقال قوم بكراهته، ومنهم جبير بن مطعم، وابن المسيب وابن جُبَيْر ومجاهد.
واختاروا أن يشير بالسبابة إِيذانا بالإخلاص.
رأى شريح رجلا رافعا يديه بالدعاء. فقال مَن تَتَنَاوَلُ بهمَا؟ لَا أُمَّ لك ..
стр. 1462
وسندهم في ذلك ما أَخرجه مسلم عن عمارة بن رُوَيْبَة، وأَنَّه رأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوانَ عَلَى المنبر رافعا يديه فقال: قبَّح اللهُ هاتين اليدين. لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ ما يزيد عن أَن يقول بيده هكذا. وأَشار بإصبعه المُسَبِّحة.
ورُوى جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين - ورواه البخاري عن النبي ﷺ بسنده إلى أبي موسى الأشعرى قال: "دعا النبيُّ ﷺ ، ثم رَفَعَ يَدَيْه، ثم رأيْتُ بياضَ إِبْطَيْهِ" وعلى هذا يُحمل إِنكارُ من ينكر سُنيَّة رفع اليدين، على أَنه لم يعلم رواية أَبي موسى الأشعرى.
ويؤَيد سنيَّة الرفع، ما أخرجه الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: "كان رسول اللهِ ﷺ ، إِذا رفع يديه لم يَحُطَّهُمَا حتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وجْههُ".
قال: هذا حديث حسن غريب.
قال القرطبى: قلتُ: والدعاءُ حسن .. كيفما تيسر، لإِظهار الحاجة والخضوع له - تعالى - فإن شاءَ الداعى، استقبل القبلة ورفع يديه. وهو حسن. وإِن شاء فلا.
فقد فعل ذلك النبىُّ ﷺ .. انتهى بتصرف.
٥٦ - ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾:
أَي ولا تفسدوا فيها بالكفر والمعاصي، بعد إصلاحها ببعثة الأنبياءِ.
وقد طلب اللهُ من عباده أَن يكون أَمرهم دائرًا بين الخوفِ والرجاءِ. فقال:
﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾:
أَي وادعو اللهَ خائفين من عقابه، طامعين في ثوابه. فهما كجناحى الطائر:
يحملانه في طريق استقامته. فإن انفرد أَحدهما هلك الإنسان. قال تعالى:
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (١).
стр. 1463
وقد بشرنا - سبحانه - بالرحمة لمن أَحسنوا. فقال.
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
أَي إن رحمة الله قريب ممن أَحسنوا بالطاعة، ودار أَمرُهم بين الخوف والرجاء.
وعبّر عن الرحمة المؤنثة لفظا بقريب وهو مذكر، إِمَّا لأن المؤنث غير حقيقى فيجوز تذكير خبره، كما قاله الجوهرى وإمَّا لأَن الرحمة والرُّحْم معناهما واحد وهو العفو والغفران كما قاله الزَّجَّاج واستحسنه النحاس.
على أَن "فعيلا " يستوى فيه المذكر والمؤنث .. غالبا ومنه ما هنا.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾.
المفردات:
﴿بُشْرًا﴾: أصله بُشُرًا بضمتين. فخفِّف بالإسكات. وهو جمع بشير. أي: مبشرات بالمطر.
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: أي قبل المطر الذي هو من رحمة الله.
﴿أَقَلَّتْ﴾: أي حملت.
стр. 1464
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: المراد به الأرض الكريمة التربة.
﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ المراد بالبلد الخبيث: الأَرض السبخة التي لا يجود نباتُها.
﴿لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ أَي: لا يخرج نباته إِلا قليلا عسيرا، عديم النفع.
التفسير
٥٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ … ﴾:
لا يزال الكلام موصولا في آيات الله ونعمه. فقد بيَّن الله سبحانه - قبل ذلك - أَنه خلق السموات والأَرض في ستَّة أيام، وأَنه يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا، وأَن الشمس والقمر والنجوم مسخراتٌ بأَمره، وأَن له - وحده - الخلق والأَمر.
ثم جاءَت هذه الآية؛ لبيان آية الله في إرسال الرياح، وآثارها.
والتعبير بالمضارع في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ﴾ الخ .. للإيذان بتجدُّد هذه النعمة.
فإن المضارع يفيد الاستمرار التجددى.
والمعنى: والله هو الذي يثير الرياح بعد سكونها، ويرسلها - مبشرات - لعباده بالمطر الذي هو من رحمته تعالى .. حيث - يجعلها بين يديه - أي سابقة له، فَتَبْعَثُ الراحة والطمأْنينة في نفوس الظماءِ، وتجعلهم منتظرين رحمة الله التي عوَّدهم إِيَّاها بعد هبوب الرياح التي اعتادوا أن يروها سابقة للأمطار. فإنها مؤذنة بمثيلات لها تحمل السحب الحوامل بالأمطار - وذلك قوله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾:
أي حتى إذا حملت الرياحُ سحائب ثقالا، بما اشتملت عليه من الأمطار - ساق اللهُ ذلك السحاب نحو بلد يابس، يشبه الميِّت في بطلان نفعه، لأَجل إحيائه بالسقى والرىِّ.
﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾:
أَي فأَنزلنا - بالبلد الميت - الماء من السحاب بقدرتنا، فأَخرجنا بذلك الماء من كل الثمرات.
стр. 1465
أَو فأَخرجنا في هذا البلد اليابس، جميع أنواع الثمرات التي يصلح لها.
فتبارك اللهُ القادر: "يُسْقى بِمَاَءِ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ في الأُكُلِ" (١).
﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
الإِشارة راجعة إِلى إخراج الثمرات أَو إلى إحياءِ البلد الميِّت.
وفيما يلي بيان المعنى على الوجه الأخير، لشموله للأَول.
المعنى: كما أَحيينا البلدَ الميِّت بالماءِ، بإحداث القوة النامية فيه، حتى جاد بأنواع النبات والثمرات - كما فعلنا ذلك - نُخرج الموتى من القبور، ونحييها: بردّ النفوس والأَرواح إِلى أبدانها، بعد جمعها، وإِفاضة أسباب الحياة على عناصرها، لعلَّكم تذكرون وتتعظون بما تَرَوْن من شئون الأرض الميتة وإِحيائها، فتعلمون أن من قدر على إحيائها وإِنبات النبات فيها، بعد يبسها الشبيه بالموت، فهو- كذلك - قادر على بعث الموتى من القبور وإحيائهم.
٥٨ - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾:
المقصود بالبلد الطِّيب: الأَرض الكريمة ذات التربة الطيبة، التي تجود بخير النبات وكثيره.
والمقصود بالبلد الذي خَبُثَ: الأرض الَّتى لا تصلح للإنبات الجيِّد. كالأَرض السبخة.
وقد ضرب اللهُ البلدَ الطيِّب للذى ينتفع بالمطر، فيخرج النبات الكثير والثمر الوفير - ضربَهُ مثلًا لمن تدبَّر الآياتِ، وانتفع بها.
وضرب البلد الخبيث الذي لا ينتقع بالمطر - ضربه مثلا عن لم ينتفع بالآيات، ولم يرفع لها رأسا.
والمعنى: والأرض الطيبة الكريمة التربة، تنتفع بالمطر فَيَخْرُجُ نباتُها زاكيًا، حسنًا، كثيرَ الحَبِّ والثمر، غزير النفع، بتيسير اللهِ ومشيئته .. والأرض الَّتي خَبُثَتْ تُرْبَتُهَا لا تنتفع بالمطر كثيرا. فلهذا لا يخرجُ نباتُها إلا نكدا - أَي قليلا عديم النفع.
стр. 1466
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾:
مثل ذلك التبيين الواضح، الوارد في هذه الآية - نبيَّن جميع الآيات، لقومٍ يشكرون نعمة الله، فيتفكرون فيها، ويعتبرون بها.
قال الشيخ أَبو السعود - عليه رحمة الله - في هذه الآية:
إنها مَثَلٌ لإِرسال الرسل بالشرائع: التي هي ماءُ حياةِ القلوب، إِلى المكلَّفين المنقسمين إلى المقتبسين من أنوارها، والمحرومين من مغانم آثارها: اهـ.
وفي ذلك يقول النبىُّ ﷺ :
"مَثَلُ مَا بَعَثَنىِ اللهُ بهِ مِنَ العِلمِ والهُدَى، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكثِيرِ أَصَابَ أَرضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكلأَ والعُشْبَ الكثيرَ. وكانت منها أجادبُ أَمسكتِ الماءَ، فنفع اللهُ بِهَا الناسَ، فَشَرِبوا وسَقَوْا وزَرَعُوا .. وأصَابَ منها طائفةٌ أُخْرَى، إنما هِى قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأ. فَذَلِك مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثِنى اللهُ بهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّم. ومَثَلُ مَنْ لَم يَرْفَعُ بْذَلِكَ رأسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِه" أخرجه الشيخان.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ المفردات:
﴿الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الأَشراف منهم - أَي رؤساؤهم الذين يملئون المجالس بمهابتهم وعلو منزلتهم ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بُعْدٍ بَيِّنٍ عن الحق - كما يزعمون.
стр. 1467
التفسير
٥٩ - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ … ﴾ الآية.
بعد أن ضرب الله الأَرض الطيِّبة، مثلا لمن انتفع بآياته، والأرض الخبيثة، مثلا لمن لم ينتفع بها - عقَّب ذلك بقصَّة قوم نوح، وهم ممَّن لم ينتفعوا بآياته.
وكان قوم نوح يعبدون الأَوثان. وكان أَشهرها لديهم: وَدًّا، وسُواعًا، ويغوثَ، ويعوقَ، ونَسرًا.
وسيأتي بيان ذلك في سورة نوح، بمشيئة الله تعالى.
وقد أرسل الله تعالى إليهم نوحًا ﵇، فدعاهم إلى توحيد الله، والتوبة من عبادة الأَوثان.
والمعنى: وتالله، لقد أَرسلنا نوحًا إلى قومه، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، ليس لكم من إله يستحق العبادة سواه. أَمَّا آلهتكم التي صنعتموها بأيديكم، فإِنها لا تستحق أَن تُعبد، لأَنَّها مخلوقة وليست بخالقةٍ، ومصنوعةٌ وليست بصانعةٍ .. إِنِّي أخاف عليكم - إن بقيتم على شرككم - عذابَ يوم عظيم.
وهذا اليوم العظيم: إمَّا يوم القيامة، وإمَّا يوم الطوفان، الذي يصلهم بعذاب يوم القيامة.
وقد مكث نوح ﵇ يدعو قومه إلى الله - تعالى - أَلف سنة إلا خمسين عاما.
وقد أمضى فيهم هذه المدَّة في حِجَاجٍ ولَجاجٍ معهم، أَجملته هذه الآية - والتي تليها - على النحو الآتى:
٦٠ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
الملأُ: الأشراف، وأَطلق عليهم ذلك لأنهم يملئون العيون والقلوب بوجاهتهم وجاههم.
والمعنى: قال الأَشراف من قومه: إنا لنراك في بعدٍ عن الحقِّ واضح. يقصدون بذلك: أَنهم - وقومهم - على الحق، وأن نوحًا يحيط به الضلال والباطل.
стр. 1468
٦١ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
المعنى: قال نوح للأَشراف الذين اتهموه بإحاطة الضلال به: ليس بي أي شيءٍ من الضلالة التي زعمتم إحاطتها بي، ولكنى رسول من رب العالمين.
ومَن كان كذلك، فهو في تمام الهدى إِلى الحق .. فكيف تتركون عبادة مالك العالمين إلى عبادة ما لا حول له ولا قوَّة؟.
وعقب ذلك، بأنه أَبْرَأ ذِمَّتَهُ بتبليغهم رسالة ربِّه ونصحهم. فقال:
٦٢ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
المعنى: أُبلغكُم - من آن لآخر - رسالة ربي، المشتملة على توحيده وعبادته، وعلى قواعد السلوك المرتضى، والأَخلاق الفاضلة، وعلى شئون الآخرة، التي ينتهى إليها الناس .. وأنصح لكم باتباعها؛ لتحصلوا على ثوابه، وتنجوا من عقابه، وأَعلم من شئون الله ما لا تعلمون من عظيم القدرة، وشدَّة البطش بمن يظلُّون - على كفرهم - بعد تبليغ رسالاته - أي أَوامره ونواهيه - إِليهم.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾.
المفردات:
﴿ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: تذكير ووعظ من خالقكم، (الفلك): السفينة، (قوما عمين): قوما عُمْى القلوب.
стр. 1469
التفسير
٦٣ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ … ﴾ الآية.
أنكروا على نوح ﵇ أن يكون رسولًا من رب العالمين - وهو رجل منهم - وكذّبوه. فقال لهم: هل استبعدتم وعجبتم من أن جاءَ وحىٌ مذكِّر لكم من ربكم، على لسان رجل - من جملتكم أو من جنسكم - وقلتم من أجل ذلك ما قلتم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (١).
إِلى غير ذلك ممَّا لا خير فيه، مع أَنه جاءَ: لينذركم ويخوفكم عاقبة شرككم ومعاصيكم، ولتتقوا الله في عقائدكم وأعمالكم، ولعلكم ترحمون، إذا امتثلتم، ولم يأْتكم لأَغراض دنيوية تعود عليه منكم. فكيف تتهمونه بالكذب، وتردُّون قوله، وهو رجل منكم تعلمون حاله من الصدق، ولا مصلحة له سوى هدايتكم؟.
٦٤ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾:
أَي فأصروا على تكذيبه في رسالته، واستمروا على ذلك أَلف سنة إلا خمسين عاما، وكانوا - طيلة هذه المدة - كلَّما جدَّدُوا تكذيبا، جدَّد لهم دعوةً دون كَلَلٍ أو مَلَلٍ، فلم يزدهم دعاؤه إِيَّاهِم، إلاَّ فِرَارًا من الحقِّ، كما قال تعالى حكاية عنه في سورة نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ (٢). وبعد أن يئس من إيمانهم، دعا عليهم قائلا: ﴿ … رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (٣).
وقد استجاب الله دعاءَه، وأمره ببناءِ سفينة ليركبها مع من آمن معه، حتى ينجو معهم من الغرق بالطوفان الذي قدَّر الله إِهلاك قومه به، استجابة لدعوته ﵇ فلما أَتمَّ بناءَها، أَمره اللهُ أَن يركبها ومَن آمن معه. ثم فجَّر اللهُ عيون الأرض،
стр. 1470
وفتح أَبواب السماءِ بماءً منهمر. وعمَّ الطوفانُ أَرض قومه فغرقوا، لتكذيبهم بآيات الله .. وأنجاهُ اللهُ ومَنْ آمن معه، وهم رُكّاب الفُلك - أَي السَّفينة التي صنعها - ثم يعلّل اللهُ إِهلاكَ قومِ نوح بقوله:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾:
أَي كانوا عُمْى القلوب غيرَ مستبصرين.
قال ابن عباس: عميت قلوبُهم عن معرفةِ التوحيد، والنبوةِ، والمعادِ.
وقد كان عدد ركاب سفينته من المؤمنين قليلا، فيهم من أولاده: سام وحام ويافث وزوجاتُهم. وعلى أي عدد كان ركاب السفينة، فإن الله لم يبق من ذريتهم أَحدا، سوى ذرية نوح ﵇، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (١).
ولهذا يعتبر نوح ﵇، هو الأَبُ الثَّانِي للبشر، بعد آدم ﵇ … رجميع البشر من أَولاده الثلاثة المذكورين.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾.
المفردات:
﴿فِي سَفَاهَةٍ﴾: السفاهة؛ الخفَّة والحماقة.
стр. 1471
التفسير
٦٥ - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾:
أي وأَرسلنا إلى عاد، أَخاهم هودا. وكانوا يعبدون الأَوثان، بعد ما غيَّروا وبدَّلوا شريعة نوح ﵇.
قال لهم هود - بعد ما أُرسل إِليهم - يا قوم اعبدوا الله وحده. واتركوا أَوثانكم.
فيما لكم من إلهٍ غيره، أَتغفلون عمَّا حدث لقوم نوح، فلا تتقون الله تعالى؟
وكانت مساكن عاد هذه بين الشَّحْرِ (١) وعُمَان، وحضرموت، بالأَحقاف … وكانوا جبَّارين: طوال القامة. وفيهم يقول الله ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ في الْخَلْقِ بَسْطَةً .. ﴾ (٢) وهي التي سمَّاها الله (عادًا الأُولى) فأرسل الله إليهم هودا. وكان منهم. ولذا ذكره الله بقوله: (أخاهم) فدعاهم إلى توحيد الله، وترك ما هم عليه من طغيانٍ وظلم. فكان ردُّهم عليه ما حكاهُ اللهُ بقوله:
٦٦ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ في سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾:
قال الأشراف الذين كفروا من قوم هود - ردًّا على دعوته إِيَّاهم إِلى عبادة الله - وحده - وترك ما هم عليه عن طغيانٍ وجبروتٍ - إِنا لنراك مستغرقا في خفَّة العقل، والطيش، والحماقة. حيث فارقتَ دينَ قومِك إلى ما تدعو إِليه. وإِنَّا لنعتقد أَنَّك من الكاذبين فيما تزعمُ من النبوة والرسالة.
ووصفُ الملإ في قوم "هود" بالذين كفروا، يؤذن بأَن من أَشرافهم من سارع إِلى الإيمان به ولم يكذبه، ولكنه كان يكتم إِيمانه، بخلاف الملإِ من قوم "نوح" فإنهم جميعًا كانوا كافرين. فلذا لم يقيِّدهم اللهُ بوصف الكفر، كما قيّدوا به في قوم هودٍ … وقيل: وصفوا به لمجرد الذم.
стр. 1472
٦٧ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
قال هود لقومه متلطفا، ردًّا على اتهامهم إِياه بالسفاهة وخفَّة العقل: يا قوم ليس بي أَي سفاهة، ولكنى رسول من رب العالمين: دعوتكم - بمنتهى الوعى والرشاد وحبّ الخير لكُم - لكي تعبدوا ربَّ العالمين الذي أَرسلنى، وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك والطغيان.
٦٨ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾:
أُبلغكم ما أرسلنى به ربي إِليكم من العقيدة الرشيدة، والأَخلاق المجيدة، وأنا ناصح أَمين. حيث نصحتُكم بترك ما أَنمتم عليه، لأَنى أَعلم من الله ما لا تعلمون.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾.
المفردات:
﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾: ليُحَذِّركُم عاقبة كفركُم.
﴿خُلَفَاءَ﴾: تخلفونهم في مساكنهم أَو أَرضهم.
﴿بَسْطَةً﴾: سعة في القامة والقوّة.
﴿آلَاءَ اللَّهِ﴾: نِعَمه.
﴿تُفْلِحُونَ﴾: تفوزون.
стр. 1473
التفسير
٦٩ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ … ﴾:
أغفلتم عن الهدى، وعجبتم من مجئ تذكير من خالقكم ومربيكم، على لسان رجل منكم، لكي ينذِركم ويخوِّفكم من عاقبة ما أَنتم عليه من شرك وطغيان!! في حين أَن ذلك لا يدعو إِلى العجب، لأَن الرسول - إِذا كان منكم - كان معروفا لكم في صدقه وأَخلاقه. وذلك أَدعى إِلى اطمئنانكم لما جاءَ به. فإن الرائد الصادق لَا يكذب أهله.
ولو كان الرسول غريبًا عنكُم، لكان ذلك أَدعى إلى اتهامه، بأَنه تصنّع النبوة، ليخضعكم إِلى قبيلته. ولو كان مَلَكًا لهلكتم إِن كان بصورته الملَكِيّة، ولاشتبه عليكم أَمرَه إِن تشكل بصورة أحدٍ من البشر.
وبعد أن خوَّفهم اللهُ من عقابه، ذكَّرهم نعمَه، فقال:
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً … ﴾ الآية.
المعنى:
وتذكروا نعمةَ اللهِ عليكم، إذ جعلكم خلفاءَ من بعد قوم نوح. حيث ملكتم مساكنهم وبلادهم.
أو أَن المعنى: جعلكم خلفاءَ من بعدهم في السيطرة على الأرض وملكها.
وكما جعلكم خلفاءَ الأرض، زادكم في الخلق سِعةً، فأَنتم طوالُ القامة أَشدّاءُ الأَجسام، فاذكروا نعم الله التي تتقلبون فيها، لكي يفضى بكم ذكرها إِلى شكرها المؤدى إلى الفلاح.
٧٠ - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ...... ﴾ الآية.
استبعد قومُ هودٍ إفرادَ الله بالعبادة، وترك آلهتهم التي عبدها آباؤُهم من قبلهم.
وقديمًا كان التقليدُ سببًا للنكَبات.
стр. 1474
والمعنى: قال عاد لهود: أَجئتنا بدعواك لكي نعبد اللهَ وحده، ونترك ما كان عليه آباؤُنا من عبادة الأَوثان؟ فأْتنا بما تعدنا به من العذاب، إن كنت من الصادقين في رسالتك، وفيما أنذرتنا به، إِن نحن لم نؤْمن بها.
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.
المفردات:
﴿قَدْ وَقَعَ﴾: أي وجب واستحق.
﴿رِجْسٌ﴾: عذاب - مأْخوذ من الارتجاس وهو الاضطراب.
﴿سُلْطَانٍ﴾: حجة لها سلطان على القلوب.
﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾: وأَهكْناهم حتى آخرهم، والدابر الآخر.
التفسير
٧١ - ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ … ﴾:
الرجس العذاب، ولم يكن العذاب قد وقع على عادٍ حين قال لهم هود: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ … ﴾ الخ. فلذا يفسر الوقوع: إِما بمعنى الاستحقاق والوجوب، أَو ينزل المتوقَّع منزلة الواقع. كما في قوله تعالى: (أتَى أَمْرُ اللهِ فلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) (١).
стр. 1475
والمعنى: قال هود لعادٍ - حين أَصرُّوا على الكفر وطلبوا إِتيان العذابِ الذي توعَّدهم به - قال: قد وجب واستحق عليكم عذاب وغضب من ربّكم، حتَّى كأَنه نزل بكم ووقع فعلا.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾:
كثيرا ما يطلق الاسم على المسمَّى. ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١): أَي تبارك ربك وتعالى عن الشبيه والنظير.
ومن إطلاق الاسم على المسمى ما جاءَ في هذه الآية الكريمة.
والمعنى: أَتخاصموننى وتنازعوننى - بقوّة - في أنصاب وأَوثان سمَّيتموها آلهةً، وليس فيها من مصداق هذه التسمية أي دلالة؟ إِذ المستحق لهذه التسمية هو الموجد لهذا الكون، الخالق له، المدبر لأَمره!
أَما هذه الأَنصاب، فهي مخلوقة وليست بخالقة، عاجزة وليست بقادرة .. فكيف زعمتم ألوهيتها، وجادلتمونى فيها، مع أَن الله تعالى هو المستحق للأُلوهية وحده، ولم ينزل سلطانا أَو حجة بعبادتها والتقرب بها إِليه؟!
﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾:
وحيث كنتم مصرِّين على عبادتها - بدون سلطان ولا برهان - فقد وجب عليكم عقاب كفركم باللهِ وعصيانكم لرسوله. فانتظروا هذا العقاب، إني معكم من المنتظرين وقوعه.
٧٢ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾:
بعد أَن أَنذرهم هود بأَن عقاب اللهِ آتٍ لا محالة، وأَنَّ عليهم أَن ينتظروه - نَزَل العذاب بهم، فأَنجاه الله والذين آمنوا معه - برحمة منه، واستأَصَل جميع الكافِرينَ بآياتِ اللهِ، فلم يُبْق منهم أَحدا. فإن قطع الدابر كناية عن إِهلاك الجميع.