التفسير
٦٥ - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾:
أي وأَرسلنا إلى عاد، أَخاهم هودا. وكانوا يعبدون الأَوثان، بعد ما غيَّروا وبدَّلوا شريعة نوح ﵇.
قال لهم هود - بعد ما أُرسل إِليهم - يا قوم اعبدوا الله وحده. واتركوا أَوثانكم.
فيما لكم من إلهٍ غيره، أَتغفلون عمَّا حدث لقوم نوح، فلا تتقون الله تعالى؟
وكانت مساكن عاد هذه بين الشَّحْرِ (١) وعُمَان، وحضرموت، بالأَحقاف … وكانوا جبَّارين: طوال القامة. وفيهم يقول الله ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ في الْخَلْقِ بَسْطَةً .. ﴾ (٢) وهي التي سمَّاها الله (عادًا الأُولى) فأرسل الله إليهم هودا. وكان منهم. ولذا ذكره الله بقوله: (أخاهم) فدعاهم إلى توحيد الله، وترك ما هم عليه من طغيانٍ وظلم. فكان ردُّهم عليه ما حكاهُ اللهُ بقوله:
٦٦ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ في سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾:
قال الأشراف الذين كفروا من قوم هود - ردًّا على دعوته إِيَّاهم إِلى عبادة الله - وحده - وترك ما هم عليه عن طغيانٍ وجبروتٍ - إِنا لنراك مستغرقا في خفَّة العقل، والطيش، والحماقة. حيث فارقتَ دينَ قومِك إلى ما تدعو إِليه. وإِنَّا لنعتقد أَنَّك من الكاذبين فيما تزعمُ من النبوة والرسالة.
ووصفُ الملإ في قوم "هود" بالذين كفروا، يؤذن بأَن من أَشرافهم من سارع إِلى الإيمان به ولم يكذبه، ولكنه كان يكتم إِيمانه، بخلاف الملإِ من قوم "نوح" فإنهم جميعًا كانوا كافرين. فلذا لم يقيِّدهم اللهُ بوصف الكفر، كما قيّدوا به في قوم هودٍ … وقيل: وصفوا به لمجرد الذم.
стр. 1472
٦٧ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
قال هود لقومه متلطفا، ردًّا على اتهامهم إِياه بالسفاهة وخفَّة العقل: يا قوم ليس بي أَي سفاهة، ولكنى رسول من رب العالمين: دعوتكم - بمنتهى الوعى والرشاد وحبّ الخير لكُم - لكي تعبدوا ربَّ العالمين الذي أَرسلنى، وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك والطغيان.
٦٨ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾:
أُبلغكم ما أرسلنى به ربي إِليكم من العقيدة الرشيدة، والأَخلاق المجيدة، وأنا ناصح أَمين. حيث نصحتُكم بترك ما أَنمتم عليه، لأَنى أَعلم من الله ما لا تعلمون.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾.
المفردات:
﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾: ليُحَذِّركُم عاقبة كفركُم.
﴿خُلَفَاءَ﴾: تخلفونهم في مساكنهم أَو أَرضهم.
﴿بَسْطَةً﴾: سعة في القامة والقوّة.
﴿آلَاءَ اللَّهِ﴾: نِعَمه.
﴿تُفْلِحُونَ﴾: تفوزون.
стр. 1473
التفسير
٦٩ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ … ﴾:
أغفلتم عن الهدى، وعجبتم من مجئ تذكير من خالقكم ومربيكم، على لسان رجل منكم، لكي ينذِركم ويخوِّفكم من عاقبة ما أَنتم عليه من شرك وطغيان!! في حين أَن ذلك لا يدعو إِلى العجب، لأَن الرسول - إِذا كان منكم - كان معروفا لكم في صدقه وأَخلاقه. وذلك أَدعى إِلى اطمئنانكم لما جاءَ به. فإن الرائد الصادق لَا يكذب أهله.
ولو كان الرسول غريبًا عنكُم، لكان ذلك أَدعى إلى اتهامه، بأَنه تصنّع النبوة، ليخضعكم إِلى قبيلته. ولو كان مَلَكًا لهلكتم إِن كان بصورته الملَكِيّة، ولاشتبه عليكم أَمرَه إِن تشكل بصورة أحدٍ من البشر.
وبعد أن خوَّفهم اللهُ من عقابه، ذكَّرهم نعمَه، فقال:
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً … ﴾ الآية.
المعنى:
وتذكروا نعمةَ اللهِ عليكم، إذ جعلكم خلفاءَ من بعد قوم نوح. حيث ملكتم مساكنهم وبلادهم.
أو أَن المعنى: جعلكم خلفاءَ من بعدهم في السيطرة على الأرض وملكها.
وكما جعلكم خلفاءَ الأرض، زادكم في الخلق سِعةً، فأَنتم طوالُ القامة أَشدّاءُ الأَجسام، فاذكروا نعم الله التي تتقلبون فيها، لكي يفضى بكم ذكرها إِلى شكرها المؤدى إلى الفلاح.
٧٠ - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ...... ﴾ الآية.
استبعد قومُ هودٍ إفرادَ الله بالعبادة، وترك آلهتهم التي عبدها آباؤُهم من قبلهم.
وقديمًا كان التقليدُ سببًا للنكَبات.
стр. 1474
والمعنى: قال عاد لهود: أَجئتنا بدعواك لكي نعبد اللهَ وحده، ونترك ما كان عليه آباؤُنا من عبادة الأَوثان؟ فأْتنا بما تعدنا به من العذاب، إن كنت من الصادقين في رسالتك، وفيما أنذرتنا به، إِن نحن لم نؤْمن بها.
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.
المفردات:
﴿قَدْ وَقَعَ﴾: أي وجب واستحق.
﴿رِجْسٌ﴾: عذاب - مأْخوذ من الارتجاس وهو الاضطراب.
﴿سُلْطَانٍ﴾: حجة لها سلطان على القلوب.
﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾: وأَهكْناهم حتى آخرهم، والدابر الآخر.
التفسير
٧١ - ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ … ﴾:
الرجس العذاب، ولم يكن العذاب قد وقع على عادٍ حين قال لهم هود: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ … ﴾ الخ. فلذا يفسر الوقوع: إِما بمعنى الاستحقاق والوجوب، أَو ينزل المتوقَّع منزلة الواقع. كما في قوله تعالى: (أتَى أَمْرُ اللهِ فلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) (١).
стр. 1475
والمعنى: قال هود لعادٍ - حين أَصرُّوا على الكفر وطلبوا إِتيان العذابِ الذي توعَّدهم به - قال: قد وجب واستحق عليكم عذاب وغضب من ربّكم، حتَّى كأَنه نزل بكم ووقع فعلا.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾:
كثيرا ما يطلق الاسم على المسمَّى. ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١): أَي تبارك ربك وتعالى عن الشبيه والنظير.
ومن إطلاق الاسم على المسمى ما جاءَ في هذه الآية الكريمة.
والمعنى: أَتخاصموننى وتنازعوننى - بقوّة - في أنصاب وأَوثان سمَّيتموها آلهةً، وليس فيها من مصداق هذه التسمية أي دلالة؟ إِذ المستحق لهذه التسمية هو الموجد لهذا الكون، الخالق له، المدبر لأَمره!
أَما هذه الأَنصاب، فهي مخلوقة وليست بخالقة، عاجزة وليست بقادرة .. فكيف زعمتم ألوهيتها، وجادلتمونى فيها، مع أَن الله تعالى هو المستحق للأُلوهية وحده، ولم ينزل سلطانا أَو حجة بعبادتها والتقرب بها إِليه؟!
﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾:
وحيث كنتم مصرِّين على عبادتها - بدون سلطان ولا برهان - فقد وجب عليكم عقاب كفركم باللهِ وعصيانكم لرسوله. فانتظروا هذا العقاب، إني معكم من المنتظرين وقوعه.
٧٢ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾:
بعد أَن أَنذرهم هود بأَن عقاب اللهِ آتٍ لا محالة، وأَنَّ عليهم أَن ينتظروه - نَزَل العذاب بهم، فأَنجاه الله والذين آمنوا معه - برحمة منه، واستأَصَل جميع الكافِرينَ بآياتِ اللهِ، فلم يُبْق منهم أَحدا. فإن قطع الدابر كناية عن إِهلاك الجميع.
стр. 1476
وفائدة ذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ بعد قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الإيذان بأَنهم لو كانوا مؤْمنين، لما أهلكهم اللهُ. بل كان ينجيهم كما نجَّى المؤْمنين.
ويجوز أَن يكون المراد وما كان ينتظر منهم الإيمان.
وخلاصة ذكره المفسرون والمؤَرخون من قصة عاد: أَنهم كانوا يسكنون بأَحقاف اليمن، وأَنهم تبسَّطوا في البلاد ما بين عُمَان وحضرموت. وكانت لهم أصنام يعبدونها.
فبعث اللهُ إِليهم هودا، وكان من أَفضلهم حسبًا، فكذَّبوه وازدادوا عتوًا، وتجبّرًا وأَمسك اللهُ المطرَ عنهم ثلاث سنواتٍ، حتَّى جهدوا - وكان أهل هذه الأَقاليم إِذا نزل بهم بلاءٌ لجأُوا إلى البيت الحرام، وطلبوا من الله أَن يُفرجه عنهم .. وكان أَهل مكة - وقتئذ - هم العماليق، من أَولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇. وسيّدهم معاوية بن بكر، وكان يسكن بظاهر مكة خارج الحرم. فنزل به وفدُ عادٍ. وكانوا سبعين من أشرافهم، وقد جاءُوا يطلبون من اللهِ الغيثَ ورفعَ القحطِ عنهم. فأنزلهم معاويةُ بن بكر عنده وأكرمهم. وكانوا أَخواله وأصهاره، فأَقاموا عنده شهرا يشربون الخمر، ويسمعون غناءَ القِيان، وشغلوا عمّا جاءُوا من أَجله.
وكان معاوية يستحيى أَن يكلمهم، خشية أن يظنُّوا به ثقل مُقامِهم عليه، فأوعز إلى إحدى القينات فغنَّتهم بما ذكَّرهم ما حاءُوا من أَجله. فقال بعضُهم لبعضٍ: إن قومكم بعثوا بكم لِتَتَغوَّثُوا لهم من البلاء، فأبطأْتم عليهم!!!
فدخلوا الحرم. وقال رئيسُهم: اللهم اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيهم. ولكنهم حقَّت عليهم كلمةُ اللهِ بما عصَوا رسولَهم هودًا واستعجلوا العذاب. فأَنشأَ اللهُ لهم سحائب ظنوها مطرا، خرجت على عاد من وادٍ .. يقال له: المغيث .. فقالت عادٌ: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ بينما كان هو العذاب الذي استعجلوا به، فهو ريحٌ عقيم. فيها عذاب أَليم: تدمرَّ كلَّ شيءٍ بأمر ربها .. سخَّرها الله عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوما. فأَهلكتهم جميعًا. فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنُهم.
وأنجى اللهُ هُودا ومَنْ آمن معه. فجاءُوا مكة. وعبدوا اللهَ حتى أدركتهم مناياهم.
وقوم ثمود: من ولد ثمود بن جَائِر بن أرم بن سام. وكانت مساكنُهم بالحِجْر، بين الحجاز والشام. وكانوا عربا بعد عاد. وقد كثُروا وعَتَوْا وعبدوا غير الله. فبعث اللهُ إليهم صالحا ليهديهم سواءَ السَّبيل. وكان واحدا من أَشرافهم. ولذا قال: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ فقالوا له: يا صالحُ قد كنتَ فينا مرجوًّا قبل هذا … أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤُنا؟ وكان في القوم بنَّاءُون مهرة، فكانوا ينحتون من الجبال أَحجارا، ويتخذون منها بيوتا، وكانوا في سعة من معايشهم.
فلم يزل صالح يدعوهم .. فم يؤْمن به إلا قليلٌ منهم من المستضعفين. فلما ألحَّ عليهم بالتخويف والإِنذار، طلبوا منه آية تشهد له بأَنه مرسل من عند الله تعالى. فقال لهم: أيّة آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إِلى عيدنا، في يوم معلوم لهم من السنة، فتدعو إلهك وندعوا آلهتَنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإِن استجيب لنا اتبعتنا. فوافقهم صالح. فلما خرجوا في عيدهم، دَعَوْا أَوثانهم فلم تستجب لهم. فأشار رئيسُهم إِلى صخرةٍ وقال لصالح: أخرج لنا ناقةً - وذَكَرَ أَوْصَافَها - فإن فعلتَ صدقناك. فأَخذ عليهم العهود بذلك. ثم صّلى ودعا الله، فتمخضتِ الصخرةُ عن ناقة حسب الأوصاف التي أَرادوها، فقال لهم صالح:
﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ وإِضافة الناقة إلى اللهِ لتعظيمها، ولأنها جاءِتهم من عنده - سبحانه - بلا وسائط وأَسباب معهودة. ولذا كانت آية.
وكان من عظم جسمها وعجيب أَمرها، أَنها إذا وضعت فمَها في الماء شربته كله. فلذا جُعِلَ لها يوم تختص فيه بشرب الماء، ولهم يوم آخر لا تشاركهم في شربه.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١) وكانت تعطيهم لبنا بدل الماء في اليوم الذي تختص فيه بالماء، فيشربون ويدخرون.
فآمن بـ "صالح" جماعةٌ، بعد ظهور هذه الآية، وكفر به آخرون.
стр. 1479
وكانت أَنعامُهم تهرب منها إِذا أَبصرتها ترعى. فشقَّ ذلك عليهم. ولذا قال لهم صالح ﵇، محذّرا من مسّها بسوءٍ.
﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
أي فاتركوها تأَكل العشب في أرض الله، فإن الناقة ناقة الله، والأرض أَرضه - سبحانه -. فليس لكم أن تحولوا بينها وبين رزقها في أَرض الله، ولا أن تتعرضوا لها بشئٍ يسوءُها، كمنعها الماء والمرعى، وغير ذلك من أنواع الإيذاءٍ، اتقاءَ أَن يأْخذكم عذاب شديد الإيلام، بسبب إِهانتكم لآية الله.
٧٤ - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ … ﴾ الآية.
أَي وتذكروا فضل ربكم عليكم، حين جعلكم خلفاءَ له في الأرض من بعد عاد، أو خلفاءَ لهم من بعدهم في أرضهم، وجعل لكم في أرض الحِجْر - بين الحجاز والشام - منازل أَنزلكم فيها، وبوَّأَكم في مباءاتها ومنازلها.
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾:
هذا استئناف، لبيان كيف بَوَّأهُم اللهُ في الأرض؟.
والمعنى: ومَكَّنَكُم اللهُ من الأرض، بحيث تبنون من سهولها قصورا، وتنحتون الجبال بيوتا.
أَمَّا بناؤهم من سهولها قصورا، فمعناه: أَن يُحوَّلُوا السهول إِلى مدائن ذات قصور رفيعة البنيان، ممَّا يجلبون إليها من مواد البناءِ، أو أن يجعلوا نفس السهول موادًا للبناءِ، كالآجر وطين اللصق، وكثير ذلك.
وأَمَّا نحتُهم الجبالَ بيوتا، فالمراد منه: اتخاذهم من حجارتها المنحوتة - أَي المنجورة المسوّاة - بيوتا، بوضع بعضها فوق بعض، بطريقة هندسية، يستمسك بها البناءُ ولا يتصدع.
وهذه النعمة التي يمنّ الله بها عليهم، تدل على أَنهم بلغوا في فن العمارة والحضارة شأْوا بعيدا، في هذا العهد الضارب في القدم، المتوغل في أَوائل البشرية.، حيث كانت البشربة تغطُّ في نومٍ عميق.
وتلك تعمة تُوجِبُ على "ثمود" أَن تذكرها لله فتشكره عليها.
стр. 1480
ولذا قال تعالى، حكاية عن وعظ صالح ﵇ لهم.
﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾.
التفسير
٧٥ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ … ﴾ الآية.
بعد أَن نصح صالح ﵇ قومه ألَّا يتعرضوا لآيةِ اللهِ - وهي الناقة - بسوءٍ، وذكَّرهم نعمة الله عليهم، ونصحهم أَن يشكروها ولا يكفروها، ولا يعثَوا في الأرض مفسدين - قال أَشرافُ قومه المستكبرون، للذين استضعفوهم، وهم المؤمنون منهم، سائلين - بطريق الاستهزاءِ - هل تعلمون أَن صالحا مرسل من ربه، حتى سارعتم إلى الإيمان به؟ فأَجابهم أَولئك المؤمنون - في ثقةٍ واطمئنانٍ وجرأَةٍ - إِنَّا بما أُرسل به من ربّه مؤمنون، لأَننا نعلم أَنه مرسل من ربه بالحق.
٧٦ - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾:
قال الأَشراف المستكبرون للمستضعفين المؤمنين - بعد أَن سمعوا منهم جوابهم - إنا بـ "صالح" الذي آمنتم به كافرون. ولم يقولوا: إِنا بما أُرسل به كافرون، إظهارا لمخالفتهم إيَّاهم وردًّا لمقالتهم.
стр. 1481
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾.
المفردات:
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾: العقر، الجرح. ويطلق على النحر.
﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: استكبروا عن امتثاله.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: فأَهلكتهم الزلزلةُ.
﴿جَاثِمِينَ﴾: خامدين: ميِّتين.
التفسير
٧٧ - ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ … ﴾ الآية.
كان للناقة شرب يوم، ولهم شرب يوم من الماء. ويقال: إِنها كانت تعوِّضهم عن يومها ماءً باللَّبن. كما يُقال: إِنها كانت حين ترعى صيفا أو شتاءً، تهرب منها أنعامُهم لضخامتها - فعقروها، واقتسموا لحمها، وخالفوا بذلك أمر رسولهم صالح ﵇. فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (١).
وفي اليوم الرابع، أَتتهم صيحةٌ من السماءِ ورجفة من الأرض: أَسكتت قلوبَهم فهلكوا، فأصبحوا - في ديارهم وأرضهم - جاثمين، خامدين، لا حراك بهم.
стр. 1482
وأَصل الجثوم: القعود. ويقال للناس: هم جثوم - أَي قعود لا حراك بهم ولا ينبسون.
قال أَبو عبيدة: الجثوم للناسِ والطير، والبروك للإبل.
والمراد؛ كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب بهم - فلمّا فوجئوا - وَهم كذلك - بالعذاب، هلكوا وهم على حالهم، من غير اضطراب ولا تحرك.
ولا يخفى ما فيه من شدّة الأَخذ وسرعة البطش ..
٧٩ - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾:
أَي فانصرف بعد ما شاهد من حالهم، وقال - متحسرا على ما فاتهم من الإِيمان - لقد أَبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم بالترغيب والترهيب، وبذلت فيكم وسعى.
ولكنكم لا تحبُّون الناصحين، فبقيتم على غيِّكم، حتى أَصابكم اللهُ بالهلاك.
وظاهر الآية أَنه تولّى بعد أن رأَى حالهم من الهلاك، وأنه خاطبهم وهم موتى بقوله:
﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ الخ.
ومثل ذلك ما فعله النبي ﷺ بصرعى بدر، حين وقف بهم وخاطبهمُ وهم في القليب قائلا: "إنَّا وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبكُمْ حَقًّا"؟. (١)
وقيل: إنما تولَّى عنهم قبل نزول العذاب بهم حين شاهد علاماته، وانصرف منكرا ما فعلوا، متوجها إلى فلسطين بمن معه من المؤمنين، ثم رجعوا - بعد هلاك الكافرين - فسكنوا ديارهم. والله تعالى أَعلم.
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾.
стр. 1483
المفردات:
﴿الْفَاحِشَةَ﴾: الفعلة الشديدة القبح - والمراد بها هنا اللواط.
﴿مُسْرِفُونَ﴾: مجاوزرن الحد في المعصية.
التفسير
٨٠ - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾:
المعنى: وأرسلنا لوطا إِلى قومه حين قال لهم - موبِّخا منكرا زاجرا - أتأْتون الفعلة المتناهية في القبح، المتمادية في الشرّ والسوء؟ ما سبقكم بفعلها أَحد من العالمين، بل اخترعتموها أَنتم.
وقد أنكر اللهُ عليهم أَولا: إِتيان هذه الفاحشة. ثم وبَّخهم ثانيًا: على أَنهم أوَّل من ارتكبها، فإنه ليس المراد من قوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ نفى سبق غيرهم لهم فحسب، بل المراد أَيضًا: أَنهم أَسبق العالمين إِليها. فهم أَول من أحدثها. وذلك على حدِّ ما قيل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ (١)، فليس المراد منها أَنه لا يوجد أَظلم منهم فقط، بل المراد أنهم أَظلم من كل ظالم.
ثم بيَّن اللهُ هذه الفاحشةَ المهينة الشائنة فقال:
٨١ - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾:
إِنكم لتباشرون المذكور لمجرد الاشتهاء الفاجر، تاركين النساء اللاتى جعلهن الله مواضع الاشتهاء، عن طريق الزواج!! بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في المعاصي.
وكان لوط ﵇ يقيمُ بقريةِ "سدوم" فأَرسله اللهُ إلى أَهلها، وكانوا أَهل كفر بالله وعصيانٍ له. وكان من أَخطره: إِتيان الذكران في أَدبارهم، وقطع السبيل على الغرباء لممارسة الفاحشة معهم. وكان من أَمر لوط معهم ما سبق بيانه مجملا في الآيتين الماضيتين.
وفيما يلي بيانُ ما أَجاب به قومه وعقاب الله لهم، على إصرارهم ومضيهم في الكفر والفاحشة.
стр. 1484
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.
المفردات:
﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾: يتنظفون من الفواحش.
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: من الباقين. وفي المصباح: غَبَرَ. تُسْتَعمَلُ للماضى وللباقى.
فهي من الأَضداد.
التفسير
٨٢ - ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ … ﴾ الآية.
المعنى: وما كان جواب قوم لوط على زجرهم عن الفاحشة، إلا أَن قال بعضُهم لبعضٍ: أخرجوا لوطا ومن آمن معه من قريتكم "سدوم " فإنهم أُناس يتطهرون.
وغرضهم من وصفهم بالتطهر الاستهزاءُ والسخرية بتطهرهم من الفواحش، والافتخار بما هم فيه من القذارة الخلقية. كما هو شأْن أَهل الدعارة.
٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾:
المعنى: فأَنزلنا بهم العذاب: فأنجينا لوطا وأَهله، إِلا أمر أَنه كانت من الباقين بالقرية، حتى نزل بأَهلها الكافرين العذاب، فهلكت معهم، لأَنها كانت تُبْطِن الكفر وتظهر الإيمان .. والنفاق أَخطر أَنواع الكفران.
والمراد بأَهله الذين أَنجاهم الله معه: المؤمنون من أَهل القرية. سواء أَكانوا من أَقاربه أَم لا. وكانت نجاتُهم بتدبير اللهِ - تعالى -. فقد أَرسل الله جبريل وبعضَ الملائكة معه، لإهلاك قوم لوط، فأخبروه بمقصدهم، وأَمروه أَن يخرج ومن آمن معه إلى الشَّام، ويدع امرأَته فإنها من الهالكين.
المفردات:
﴿مَدْيَنَ﴾: اسم قبيلة شعيب، وهم أَولاد مدين بن إِبراهيم. وتطلق على المدينة التي كانوا يقيمون فيها، وهي واقعة قرب "معان"، بطريق الحجاز.
﴿بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: حجة واضحة.
﴿تَبْخَسُوا﴾ البخس: النقص مطلقا. ويدخل فيه نقص الكيل والميزان.
﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: تمنعون الناسَ عن دين اللهِ.
﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: وتطلبون أَن تكون معوجة.
﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾: زاد في عددكم وأَموالكم.
﴿يَحْكُمَ﴾: يَفصل.
التفسير
٨٥ - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا … ﴾ الآية.
ذُكِرَت هذه القصة في القرآن الكريم عدّةَ مرَّات. فقد وردت في الأَعراف، وهود، والشعراء. وتخنلف في عدد آياتها إيجازا وإِطنابا. وأَطولها ما ذكر في سورة هود.
المعنى: وأَرسلنا إلى أهل مدين واحدا منهم، هو أَخوهم في النسب "شعيب" ﵇. وهو من سلالة إبراهيم ﵇ من فرع إسحق.
وكان النبي ﷺ إِذا ذُكر "شعيب" قال: "ذاك خطيب الأنبياء"، لحسن مراجعته قومه.
وقد بعثه اللهُ رسولا إِلى أهل مدين، فدعاهم إِلى عبادته تعالى، ونهاهم عن أَكل أَموال الناس بالباطل. فكذَّبوه وعاندوا. فأَخذهم اللهُ بالصيحة. وبعثَهُ اللهُ إلى أَصحاب الأَيكة ولم يكن شعيب منهم نسبا، فكذَّبوه فأَخذهم اللهُ بعذاب يومِ الظُّلَّةِ.
стр. 1487
وفيما يلي قصته مع أهل مدين.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾:
هذه دعوة إِلى توحيد اللهِ وهي دعوة الرسل جميعا .. فيما من نبىًّ إلاَّ دعا قومه إلى توحيد الله تعالى، ونبذ عبادة غيره، وإِفراده بالعبادة. قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾:
أي وقال لهم: قد جاءتكم حجة واضحة ومعجزة ظاهرة، شاهدة على صدق نبوتى من ربَّكم، ومالِك أُموركم.
ولم تُذْكَرْ معجزتُه في القرآن، كما لم تُذْكَرْ معجزاتُ بعض الأَنبياءِ عليهم الصلاة والسلام.
ويكفى أن الله أخبر بمجيئه بالبينة. الواضحة لهم.
أَمَّا تعيينُها بشخصها، فلا ضرورة تدعو إليه.
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾: بعد أَن أَمرهم شُعيب بتوحيد الله، وعظهم بالحفاظ على حقوق الناس، بإيفاء الكيل والميزان. ثم قال لهم:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: أي ولا تنقصوا الناس أَشياءَهم، بأَخذها على وجه البَخْسِ. وهو النقص فيها خفيةً وتدليسًا.
ويدخل في البخس، وصفُ الأشياءِ بما ينقص قيمتَها، ويصرفُ الناسَ عنها. ويدخل فيه أَيضا نقصُ الكيل والميزان عند البيع، والمبالغة في استيفائه عند الشراءِ، وغير ذلك مما يسلب الحقوق.
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: أَي ولا تفسدوا في الأرض بالجور والكفر بعد إصلاح شأْن أَهلها بالشرائع التي جاءَ بها الأَنبياءُ - عليهم الصلاة والسلام -.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾:
أي ذلكم المذكور من العمل بما أَمركم به الله تعالى، من توحيد الله، وإِيفاءِ الكيل والميزان، وترك ما نهاكم عنه من البخس والإفساد في الأَرض - خير وزيادة لكم في كل شئٍ، لأَن الناس إِذا عرفوكم بالأَمانة والصدق والوفاءِ، رغبوا في معاملتكم لثقتهم فيكم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي إِن كنتم مصدَّقين لي فيما دعوتكم إليه، من توحيد الله تعالى، والعمل بسائر ما شرعه الله لكم من الأَحكام.
стр. 1488
٨٦ - ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾:
أَي ولا تقعدوا بكل طريقٍ من الطرق المسلوكة: تخوّفون من آمن بشعيب ودينه بالقتل.
أو تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم.
﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾:
أَي: وتمنعون من آمن بدين الله الذي جاءَ به "شُعَيب" من الاستمرار عليه، وتحملونه - بشَتَّى الأَساليب - على الرجوع عنه، كالطعن في "شُعَيب" بأَنه كذَّاب، جاءَ ليفتن الناس عمَّا هم عليه من تَدَيُّن.
﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أَي وتطلبون لسبيل الله الاعوجاج بوصفها للناس بما يعيبُها وينقصُها.
وهي أبعد ما تكون عن العوج والنقص.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾:
أي وتذكروا نعمة الله عليكم، حيث كنتم قليلى العدد والمال، فوفَّر عددَكم بكثرة النسل. وزاد أَموالكم فأَغناكم.
﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾:
أَي وتفكَّروا في عاقبة من أَفسدوا قبلكم من الأُمم المجاورة لكم، مثل قوم نوح، وعاد، وثمود. واعتِبروا بما حلّ بهم بعد عصيانهم.
٨٧ - ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾:
يقول شُعَيب ﵇: وإِن وُجدَ منكم جماعةٌ صدّقوا بالذى أُرسلت به من الشرائع والأَحكام، وجماعة أُخرى استمروا على التكذيب، فلم يصدقوا بذلك.
﴿فَاصْبِرُوا﴾:
الخطاب للمؤمنين بشُعيب ﵇، حثًّا لهم على الصبر، واحتمال ما ينزل بهم من إيذاءِ الكفار لهم.
﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾:
أي واصبروا إِلى أَن يقضى الله بيننا وبينهم، وهو- ولا شك - ناصر للمؤمنين، ومنتقم من الكافرين .. فهذا وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: وهو- خير من يفصل بين الناس بالحق، ويميز المحقَّ من المبطل. فهو الحكم العدل: لا مُعَقِّب لحكمهِ ولا جَور فيه.
стр. 1489
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾.
المفردات
﴿الْمَلَأُ﴾: الرؤساءُ وَالوُجَهَاءُ.
﴿قَرْيَتِنَا﴾: هي مدين ﴿مِلَّتِنَا﴾: دِيننا ﴿افْتَرَيْنَا﴾: الافْتِراء: أَقْبَح الْكَذِب.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾: أي وَمَا يَنبغىْ وَمَا يَصِحُّ لَنَا (افتَحْ): احكم (الفَاتِحِين): الحاكمين.
التفسير.
٨٨ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾:
بعد أن سمع قوم شعيب مواعظه ودعوته إِياهم إلى التوحيد واتباع الحق قال الرؤساء من قومه غير مكتفين بتكذيبه وعصيانه - قالوا - استعلاء عليه واستكبارًا وتطاولًا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ..
أي والله لنخرجنك يَا شُعَيْبُ وَالَّذينَ آمنوا معك من قريتنا - مدين - قهرا، استصغارًا لشأْنكم واستهانة بدينكم كى نستريح من مواظبتك على دعوتنا لاتباعك، وعقابا لكم على ترك ملتنا. إلا أن تعودوا إليها فنصفح عنكم ونبقيكم في وطنكم.
стр. 1490
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾.
أَي قال شعيب جوابًا لقولهم - أو لتعودن - أنعود في ملتكم حتى في حال كرهنا لها لن يكون منا ذلك مطلقا في أَي حال يعد أَن نجَّانا الله من ظلمة الكفر والضلال ومنّ علينا بنعمة الإِيمان.
وتوسيطهم النداء بقولهم (يا شعيبُ) بين تهديدهم له ولمن آمن معه بالإِخراج، لزيادة تهديدهم الناشئ عن غاية طغيانهم واستكبارهم.
٨٩ - ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾:
أَي نكون قد اختلقنا على الله كذبًا عظيما بلغ غاية القبح والشناعة إن رجعنا إلى الشرك الذي أنتم عليه بعد أن خلصنا الله منه وهدانا إِلى الإيمان إِذ يكون الرجوع حينئذ اعترافًا منا بظهور أَن ما كنا عليه من الإِيمان والتوحيد باطل وكذب. وما أَنتم عليه من الكفر والضلال حق وصدق - وهذا منتهى التناقض - ولا كذب أَقبح وأَشنع من هذا.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾: أي وما يصح وما يتصور منَّا الرجوع إلى الشرك في حال من الأَحوال إلاَّ في حال مشيئة الله - تعالى - خالقنا ومربينا، وحاشا أَن يشاء الله - ذلك بعد إنقاذه - سبحانه - لنا من الوثنية والضلال وعنايته بإِرشادنا وإبلاغنا إلى الكمال اللائق بنا فهو ربنا الرحيم بنا، الذي أبلغنا بتربيته لنا إلى ما نحن فيه من الكمال الدينى.
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: أَي أحاط علم خالقنا الذي ربَّانا وأَبلغنا إلى الكمال اللائق بنا، - أحاط علمه - بكل ما كان وما سيكون من الأَشياءِ، ومن جملة ذلك أَحوال عباده ونياتهم فلا يعيدنا إلى الكفر بعد أن أَنقذنا منه ما دمنا معتصمين بحبله المتين ودينه القويم ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: أَي على الله وحده توكلنا وفوضنا إليه أَمر تخليصنا من الأشرار وتثبيتنا على الإيمان.
وبعد أن ظهر لشعيب ما عليه قومه من العتو والطغيان، وأَنه لا أَمل في إيمانهم، أَعرض عنهم ونادى ربه طالبا أَن يفصل بينه وبينهم بالحق. فقال:
стр. 1491
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾: أَي يا ربنا اقض بيننا وبينهم بالقضاء الحق حتى يتميز الخبيث من الطيب وأنت خير الحاكمين - والتعبير بقوله "افتح": لأن القضاء بالحق يفتح الأَمر المغلق.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾.
المفردات:
﴿الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلة الشديدة.
﴿جَاثِمِينَ﴾: باركين على الركب أَذلاء.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: أي كأَن لم يقيموا في مدينتهم. والمراد: أنهم استئصلوا بالمرة يقال غَنِىَ بالمكان يَغْنَى أَقام به - والمَغْنَى - المنزل.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: أَعرض عنهم وبعُدَ.
﴿آسَى﴾: أحزن.
التفسير
بعد أن بيَّن القرآن الكريم إصرار شعيب ومن آمن معه على دين الله وعدم عودتهم إلى ملة قومهم انتقل إِلى بيان ما قالوه تخويفًا لأَتْباعهم من اتِّباع رسالة شعيب. فقال تعالى:
стр. 1492
٩٠ - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: أَي وقال الرؤساءُ المستكبرون الذين أصروا على الكفر من قوم شعيب ﵇ بعدما أَيقنوا بصلابته ومن آمن معه في الإيمان وإِصرارهم عليه، وخافوا إقبال الناس على دعوته. اتجهوا إِلى تخويف عامة الناس من قبول دعوته بقولهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: أي لئن اطَعْتُم شُعَيبًا فَدَخَلْتُمْ في دِينِه وَتَرَكتُمْ مِلَّةَ آبَائكمْ إنَّكْم حينَئِذٍ لخَاسِرُونَ دينكم الَّذِى أَنتم عليه، وخاسرون دنياكم بفقدان مزاياكم التي تتمتعون بها بيننا في المسالمة والتبادل التجارى، والرضا عنكم، والإخلاص لكم، وفقدان المكاسب التي تحصلون عليها بالبخس وتطفيف الكيل والميزان وغير ذلك.
وبعد أَن حكى القرآن الكريم تكذيب أَهلِ مدين أَخاهم شعيبا وأنهم رفضوا دعوته عُتوًّا واستكبارًا وحث رؤساؤهم أَتباعَهم على عدم اتباعه، شرع يبين كيفية إهلاك هؤلاء الطغاة المتجبرين فقال تعالى:
٩١ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: أَي فأَهلكتهم الزلزلة الشديدة فأَصبحوا باركين على ركبهم هالكين هلاك الذلة والصغار في أَماكنهم لا ينتقلون منها.
وقد جاءَ في سورة هود أَن قوم شعيب أُهلكوا بالصيحة كما قال - تعالى -: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ وفي الشعراءِ أنهم أُهلكوا بعذاب يوم الظلة ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ ويوجَّه هذا الاختلاف فيما أُهلكوا به بأَن شعيبا أُرسل إِلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، فأَما أَصحاب الأَيكة فقد أُهلكوا بعذاب يوم الظلة، كما سيأْتى بيانه في سورة الشعراءِ، وأَما أَهل مدين فقد أُهلكوا بعذابين، أَحدهما سبب والآخر مسبب، فأَما السبب فهو الصيحة، والمراد بها صيحة جبريل ﵇ بهم، وأَما المسبب فهو الزلزلة فقد أَصابتهم من صيحته رجفة وزلزلة قضت عليهم فنسب هلاكهم تارة إلى السبب الأَول وهو الصيحة، وتارة إلى السبب الثاني وهو الرجفة التي ترتبت على الصيحة - فلا تعارض بين الآيات.
وزيادة في إِيضاح ما حل بهم من أَهوال قال تعالى:
٩٢ - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾:
стр. 1493
أَي: هؤلاءِ الذين كذبوا دعوة شعيب إلى توحيد الله والإِصلاح وترك الفساد في الأَرض.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَي: كأَنهم بعد إِهلاكهم بالزلزلة الشديدة لم يقيموا أَبدًا بديارهم حيث استُؤْصِلُوا بالرجفة. وكانوا وحدهم الخاسرين في الدنيا بالهلاك الشديد وفي الآخرة بعذاب النار - خسروا وحدهم دون شعيب ومن آمن معه كما كانوا يظنون. اقرأ قولهم فيما سبق: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
وبمقابلة هذه الآية بما قبلها يتبين أمران:
١ - أن استئصالهم بارتجاف الأَرض حتى كأَنهم لم يقيموا فيها كان في مقابلة تهديدهم لشعيب بقولهم: "لنخرجنك يا شعيب".
٢ - أن ما جاءَ في هذه الآية من خسران الكافرين من قوم شعيب وحدهم، جاءَ في مقابلة قول رؤسائهم لأتباعهم تحذيرًا من اتّباع شعيب: "لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذًا لخاسرون".
وبهذا ظهر أن جزاءهم كان من جنس ما كانوا يقولون، ولكنه يفوقه في الشدة.
٩٣ - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾:
أي فأَعرض شعيب وابتعد عن قومه حين رأَى الهلاك الذي نزل بهم وقال معتذرًا عن عدم حزنه عليهم وأَسفه على ما حل بهم، ومتبرئًا من ظلمهم يا قوم والله: لقد اجتهدت في إبلاغكم رسالات الله الذي خلقنى وربانى وبينت لكم ما فيها من سعادة دنياكم وأُخرا كم، وبذلت وسعى في توضيح طريقى الخير والشر فلم تستجيبوا لي - وكان الواجب أن تسمعوا قولى وتقبلوا نصحى. فحقت عليكم كلمة العذاب - بما قدمتم - فكيف أحزن على هلاك قوم بالغوا في الكفر، وأصروا عليه، واستكبروا استكبارًا، لن يكون ذلك مني.
стр. 1494
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾.
المفردات:
﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: بالبؤس وشدة الفقر.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ الضراءُ المرض.
﴿السَّيِّئَةِ﴾: هي كل ما يسوء.
﴿الْحَسَنَةَ﴾: كل ما يستحسنه العقل والطبع.
﴿عَفَوْا﴾: أَي كثروا عددًا ومالًا. يقال عفا النبات إذا كثر.
﴿مَسَّ آبَاءَنَا﴾: أَي: أَصاب آباءَنا.
﴿بَغْتَةً﴾: فجأة.
التفسير
٩٤ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ … ﴾ الآية: بعد أَن بين القرآن الكريم - فيما سبق - أَحوال الأُمم مع أنبيائهم وذكر منا حل بهم من الهلاك والدمار جزاء تكذيبهم. انتقل في هذه الآية إلى بيان سنة الله - تعالى - في إنذار المكذبين من الأُمم قبل إِهلاكهم:
والمعنى: وما أَرسلنا في قرية من القرى المهلكة أىَّ نبى من أَنبيائنا يدعو أَهلها إِلى عبادة الله - تعالى - فكذبوه وآذوه. إلا أَصبناهم قبل إهلاكهم بالشدة والضرر،
стр. 1495
كإصابتهم بالمرض ونقص الأَموال والأنفس والثمرات - إِنذارًا لهم - ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾: أَي ابتلاهم الله بذلك رجاء أن يلجأُوا إِليه - سبحانه - طالبين كشف البلاءِ ويتذللوا له، ويخلعوا عن أنفسهم أَردية العتو والاستكبار فيؤمنوا باللهِ ربهم ولا يشركوا به أَحدا.
ويجب أَن نلاحظ أَمرين:
١ - أَن إِصابتهم بنحو الفقر والمرض لم تترتب على مجرد الإرسال. بل على تكذيب المرسلين، بعد أَن بذلوا غاية الجهد في إِبلاغ ما أُرسلوا به.
٢ - أن تكذِيب الأُمم للرسل مستتبع لنزول البلاء بهم بسبب عتوهم واستكبارهم.
وكما أنذر الله المكذبين بالفقر والمرض تارة. كذلك ابتلاهم وامتحنهم بالسعة والصحة مكانهما تارة أُخرى. يدل لذلك قوله تعالى:
٩٥ - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾:
أَي: ثم أَعطينا أُولئك المكذبين المُصِرِّين على الكفر، مكان ما ساءهم من البأْساء والضراء، أَعطيناهم مكان ذلك السلامة والرخاء. كما قال تعالى: "وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون" واستمر عطاوُّنا لهم حتى كثر مالهم وزاد عددهم فأَبطرتهم النعمة وأَطغتهم الكثرة ولم يشكروها.
﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾: أي وقالوا جحودا للنعمة وكفرانا بالإِحسان بعد البأساء والضراء، وإعراضا عن العظة بنزول البلاءِ ورفعه بالنعماءِ: قد أصاب آباءنا من قبلنا البأْساءُ والنعماءُ ولسنا بدعا منهم فما أَصابنا على نمط ما أَصابهم، وهذا شأْن الدهر يداول السراء والضراء بين الناس فليس ذلك إنذارًا لنا.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
أَي: فأَهلكناهم إثر ذلك أشد الإِهلاك وأقطعَه فجأَة، والحال أنهم لا يحسون أَدنى إِحساس بما سيلحقهم، ودون أَن يفكروا في أن شيئًا من المكاره سيحيق بهم، ليكون ذلك حسرة في قلوبهم وعبرة لغيرهم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً
стр. 1496
فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ فينبغى لكل عاقل أن لا يغتر بالنعماء، وهو مقيم على معصية الله ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾.
المفردات:
﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: أَي ليسرنا لهم الخير من كل جانب.
﴿بَيَاتًا﴾: أي وقت بياتهم.
﴿ضُحًى﴾: أَي ضحوة النهار وهى أَوله.
﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾: المراد بمكره تعالى إهلاكه لهم من حيث لا يحتسبون.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾: أفلم يصنع الهداية لهم.
﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾: يخلفون من مضى قبلهم من الأُمم المهلكة.
стр. 1497
التفسير
٩٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .. ﴾ الآية:
بعد أَنْ بَيَّنَ القُرآنُ الكرِيمُ، عاقبة المُكَذِّبين، جَاءتْ هَذِه الآية وَمَا تَلاهَا لتنْعَى على المكذبين من أَهل مكة ومن كان قبلهم وتوبخهم على إِصرارهم على الكفر إذ كان سببًا في إهلاكهم وحرمانهم من الخير.
أَي: ولو أَن كفار مكة والذين أُهلكوا قبلهم بسبب تكذيبهم آمنوا باللُه وبما أَنزله من الشرائع على أَنبيائهم، واعتبروا بما أَصابهم من الضراء والسراء قبل إِهلاكهم، وجعلوا بينهم وبين الكفر والمعاصي وقاية بامتثال أَوامر الله واجتناب نواهيه، ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: أي ليسَّرْنا لهم سبل الخيرات الكثيرة والأَرزاق الوفيرة ووسعناها عليهم من كل باب فأَنرلنا عليهم من السماء ماء مباركًا فأَنبت الزرع وأَدرَّ الضرع وأَخرجنا لهم الكثير من كنوز الأَرض وذللنا لهم ما على ظهرها من الدواب والأنعام ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾.
﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أَي ولكن كذبوا الرسل واستمروا على الكفر والقبائح، ولم يؤمنوا ولم يعتبروا بما أَصابهم فعاقبناهم جزاء ما قدمت أيديهم وَعِبْرَة لغَيرهمْ، وَمِن ذلكَ مَا أصَابَ قُرَيْشًا مِنَ الجَدب وَالْقَحْط بَعْدَ هِجْرَة النَّبِي ﷺ عنهم، لإِصرارهم على الكفر فلما آمنوا فتح الله عليهم بركات من السماء والأرض وقد عبر الله تعالى عن إِفاضة النعم والبركات علي من يؤمن بالأَنبياءِ بقوله: (فتحنا) للإِيذان بأَنها ميسرة وكثيرة كأَنها تتدفق عليهم من أبواب مفتحة.
وفي سياق الحديث عن تقريع المكذبين من أَهل القرى يقول الله تعالى:
٩٧ - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾: أي أَغفل أَهل القُرَى عَمَّا في الإنْذَار بِالبَأْسَاءِ والضرَّاء مِنَ العِبْرة وما يليه مِنَ الأخْذ وَالإهْلَاك، فأمِنُوا أَنْ ينزلَ عليهم عذابُنا وقت بياتهم في منازلهم وهم غارقون في النوم؟
стр. 1498
وأهل القرى كما تقدم - يعلم كفار مكة ومن حولها، والمكذبين للرسل من الأُمم قبلهم، فتكون غفلة كفار مكة عدم اعتبارهم بإنذار من قبلهم ثم إِهلاكهم إنْ أصرُّوا، وغفلة المكذبين من قبلهم عدم اعتبار كل أُمة بإنذار من قبلها ثم إهلاكهم، أَو عدم اعتبار الأُمة الواحدة بإنذار الله لها بالبأْساء والضراء قبل إِهلاكها كما جرت سنة الله في إهلاك المكذبين.
ويقول الله تعالى في سياق توبيخهم:
٩٨ - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: أَي أَغفل أَهل القرى عما في إِنذار المكذبين ثم إهلاكهم من عظة وعبرة وأَمنوا أَن ينزل عليهم عذابنا في صدر النهار وقت الضحى عند انتشار ضوءِ الشمس إِذا ارتفعت ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: أي وحالهم أنهم يلهون ويشتغلون بما لا ينفعهم كأنهم يلعبون لشدة غفلتهم.
وجاءت الآية بأْسلوب التوبيخ كسابقتها للمبالغة في التقريع والتشديد.
والمراد استنكار أن يأْمن أهْل القرى نزول العذاب عليهم ليلًا أو في أَول النهار، وتقريرًا للاستنكار السابق قال تعالى:
٩٩ - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أَي أَجهلوا سنة الله في خَلْقِه فأمِنُوا استدرَاجه إِيَّاهُمْ بإِغدَاق نِعَمِه عَلَيْهِم، وَأخْذه لَهُم فَجأةً من حيث لا يحتسبون؟ إِن هذا لمنكر وعجيب. لأَنه لا يأْمن نزول الهلاك إِلا الذين خسروا أنفسهم بالكفر. وأضاعوا فطرة اللهِ التي فطر الناس عليها بترك النظر والاعتبار:
وإشباعًا لاستنكار كفر المكذبين يعقب الله ما تقدم بقوله:
١٠٠ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾:
أَي أَو لم يجلب الهداية للكافرين الذين يرثون الأَرض من بعد إهلاك أَهلها، أن الشأْن لدينا لو نشاءُ لأصبناهم بالعذاب بسبب ذنوبهم، كما أَصبنا مِنْ قبلهم الذين ورثوهم الأَرض بعد هلاكهم بسبب ذنوبهم، فشأْننا في الوارثين هو شأْننا في الموروثين إذا كانوا على سنتهم، والمراد بالوارثين كل من كفر بمحمد ﷺ .
стр. 1499
وكذَّب دعوته ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أَي ونحن نحكم إغلاق قلوبهم دون الخير بسبب إِساءتهم لأَنفسهم باختيار الكفر والضلال فهم لا يسمعون إِنذارا ولا يتدبرون إِرشادًا ولا يعتبرون بهلاك السابقين.
﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾.
المفردات:
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أَي بالمعجزات الواضحة الدلالة.
﴿وَمَا وَجَدْنَا﴾: أي وما علمنا.
﴿مِنْ عَهْدٍ﴾: أَي من وفاءٍ بعهد. والمراد ما عهد الله إليهم من الإيمان والتقوى.
﴿وَإِنْ وَجَدْنَا﴾: إِن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأْق، والتقدير: وإِنه وجدنا أي وإِن الشأْن وجدنا.
﴿لَفَاسِقِينَ﴾: أَي لخارجين عن الإِيمان والطاعة.
التفسير
١٠١ - ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾: أي تلك القرى المهلكة سبب بلوغ أَهلها غاية العتو والاستكبار. نذكر لك يا محمد من أخبارها وأخبار أهلها ما فيه تسلية وعبرة لمن أَرسلك الله إِليهم. وحسبكم في الدلالة على صدقها، ما نقل
стр. 1500
إِليكم أَباؤُكم من أَنبائها، وما ترونه من آثار تدميرها، وما تسمعونه من أَهل الكتاب عنها ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
على حين أَن نبينا محمدا ﷺ ، أَولى بالتصديق من أهل الذكر، فهو المؤَيد بالمعجزات الباهرات، وهو الصادق الأمين.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي وتالله لقد جاء كل أُمة من تلك الأُمم التي خلت، رسولُها الذي بعثه الله إِليها بالمعجزة الخاصة به الواضحة الدلالة على صدقِ رسالته الموجبة للإيمان على ما قضَت به حكمته تعالى:
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: أي فما حدث لأُمة من تلك الأُمم الضالة الرجوع عمَّا هم عليه من كفر وضلال إلى هداية الرسل وإرشادهم، بل استمرُّوا على التكذيب وعَدم الإِيمان طول حياتهم ولم تغنهم الآيات والنذر، لكمال عتوهم وشدة طغيانهم، فاستحقوا بذلك ما نزل بهم من العذاب.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾: أي مثل هذا الختم الذي أغلقَ الله به قلوب هؤلاءِ السابقين بسبب اختيارهم الكفر على الإِيمان يختم الله على قلوب جميع الكافرين، ويجعل عليها سدًّا يغلقها. فلا يسمعون نصحًا ولا يبصرون حقًا، ولا تلين قلوبهم. إذ تركوا الحق واتبعوا الباطل واختاروا طريق الفساد.
ثم أضاف القرآن إلى ما تقدم شيئًا مِن سوء سلوكهم فقال تعالى:
١٠٢ - ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾: أي وما علمنا لأَكثر الأُمم إلتى مضت من عهد (١) - أَي رعاية لحرمة - وإن الشأْن معهم أنا وجدنا أَكثرهم فاسقين خارجين عن القيم الخلُقية والدينية، وما آمن وأَصلح منهم إلا قليل.
стр. 1501
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾.
المفردات:
﴿مَلَئِهِ﴾: الملأُ رؤَساءُ القوم.
التفسير
١٠٣ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا … ﴾ الآية:
أَي: ثم أَرسلنا من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب الذين تقدمت أَخبارهم أَرسلنا بعدهم - موسى - بآياتنا. أَي: بمعجزاتنا التسع الدالة على صدقه رسالته، وهي العصا تنقلب حية واليد تخرج من جيبه بيضاء، والسنون المجدبة ونقص الأنفس والثمرات، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وطمس الأموال (١).
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: أَي إلى ملك مصر ورؤَساء قومه ووجهائهم.
وخصوا بالذكر مع أَن رسالته لفرعون وقومه أَجمعين. لأَنهم يقومون بتدبير الأُمور، وغيرهم تبع لهم.
﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾: أَي فكفروا بهذه الآيات وكانوا بهذا الكفر ظالمين، لأَنها واضحة الدلالة على صحة رسالة موسى ﵇، ولم يؤمنوا بها.
أو المعنى: فظلموا أنفسهم إذ عرضوها للهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة بسبب تكذيبهم بهذه الآيات، وظلموا غيرهم بمنعهم من الدخول في دين الله.
стр. 1502
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي فتأمل بفكرك مآل هؤلاء الذين أفسدوا في الأَرض بالشرك وقتل الأَنفس البريئة وتعذيب الضعفاء وسلب الأَموال، لا شك في أن مآلهم لا تحيط العقول بأَهواله وشدته. فقد أَغرقهم الله جميعًا بمرأَى من موسى ومن معه وتلك عاقبة الظالمين.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)﴾.
المفردات:
﴿جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ﴾: جئتكم بآيات وِاضحة الدلالة على نبوتى.
التفسير
١٠٤ - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
لما أجمل القرآن آيات موسى ﵇ في قوله سابقًا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ شرع يفصل تلك الآيات في هذه الآية.
والمعنى: قال موسى مخاطبًا فرعون: - يا فرعون - إني رسول من عند رب العالمين خالق كل شيء ومربيه ومتعهده، أرسلنى لأُبلغك الحق الذي جئت به.
١٠٥ - ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾: أَي إن رسول من رب العالمين محقق الرسالة ثابِتها، ورسالتى قائمة على أن لا أَقول على الله إلا الحق، أَو حقيق بمعنى حريص أي: حريص على أن لا أَقول على الله غير الحق والصدق فلا إِهمال ولا تفريط.
أو المعنى: جدير بأن لا أَقول على الله إِلا الحق فتكون (على) في قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ … إلخ. بمعنى الباءِ إذ أَن كلا منهما يأْتى مكان الآخر.
стр. 1503
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أَي قد جئتكم بآيات بينة واضحة الدلالة على صدق رسالتى من عند خالقكم ومربيكم الرحيم بكم فكانت صادقة لذلك.
﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أَي فخل يا فرعون أَمر بني إِسرائيل وأَطلق سراحهم ولا تعترض طريقهم وأَخرجهم من دائرة قهرك واتركهم أَحرارًا يعبدون الله وحده ولا تعذبهم.
﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾.
المفردات:
﴿ثُعْبَانٌ﴾: هو الذكر من الحيات.
﴿مُبِينٌ﴾: بَيِّنٌ ظاهرَ لا يشك أَحد في أَنه ثعبان.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: أَي وأَخرج يده من جيبه.
﴿بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي: بيضاء بياضًا خارجًا عن العادة يجتمع الناس عليه لينظروه تعجبًا من شدته.
التفسير
١٠٦ - ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي قال فرعون لموسى حين قال له ما قال: إِن كنت يا موسى جئت بمعجزة واضحة الدلالة من عند إلهك الذي أَرسلك كما تدعى ﴿فَأْتِ بِهَا﴾: أَي فأَحضرها وأَظهرها لنا، إِن كنت في دعواك الرسالة من جملة الصادقين وفي عدادهم.
стр. 1504
١٠٧ - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: أَي فأَلقى موسى عصاه على الأرض فور طلب فرعون ففاجأَتهم بكونها ثعبانًا عظيم الجثة مفزعًا لا يشك أَحد في أَنه ثعبان يسعى ويتحرك حقيقة لا متخيلا كما في سحرهم، وذلك لظهور أَمره ووضوح شأْنه. وتلك هي الآية الأُولى المؤيدة لصدقه، ثم بيَّن القرآن الكريم الآية الثانية بقوله:
١٠٨ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾: أَي وأَخرج موسى يده من جيبه بعد أَن أَدخلها فيه أَمامهم على لونها الأَصلى فإِذا هي بعد إخراجها منه قد تغيرت على الفور من لونها الأَسمر إِلى لون أَبيض خارج عن العادة، جعل الناس ينظرون إليها وتتعجبون من أَمرها.
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾.
المفردات:
﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: لساحر ماهر عظيم العلم في سحره يأْتى بأَفعال عجيبة.
﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾: أَي أرجئهما وأَخرهما لننظر في أَمرهما.
﴿الْمَدَائِنِ﴾: أَي المدن حيث يوجد السحرة.
﴿حَاشِرِينَ﴾: جامعين.
التفسير
١٠٩ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: أَي قال الرُّؤساء أصحاب الرأْى من قوم فرعون حينما جاءهم موسى بالآية التي طلبها فرعون - قالوا - فزعًا وخوفًا ومجاراة لفرعون: إِن هذا الذي يدعى أَنه رسول رب العالمين لساحر ماهر في سحره بلغ الغاية في إتقانه.
стр. 1505
١١٠ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: صَدْرُ هذه الآية من جملة حديث الملأ لفرعون، أَي وقالوا له أيضًا: يريْد موسى الساحر الماهر أَن يخرجكم من أَرضكم - مصر - بسحره العظيم، لينتزع ملكها من أَيديكم، ويرثها من بعدكم ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: أَي قال فرعون بعد أن سمع مقالة أَصحاب الرأَى من قومه فبأَى أَمر تأَمرون وبأَى رأْي تشيرون في شأن موسى؟
١١١ - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾: أَي قال أَصحاب الرأْى - إِبداء للمشورة التي طلبها فرعون منهم أَخر القضاء في أَمرهما حتى يتضح للناس أَنهما ساحران حين ظهر عليه بسحرنا، وأَشاروا عليه بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله:
﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: أَي وابعث في مدائن مصر وقراها رجالا يجمعون السحرة من حيث يوجدون ويحضرونهم إِليك كما قال تعالى:
١١٢ - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾:
أَي: يجيئوك بكل ساحر ماهر بلغ الغاية في إتقانه علم السحر.
﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾.
التفسير
١١٣ - ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾: تحكى هذه الآية أَن فرعون عمل بمشورة ملئه، فاستدعى السحرة من المدائن، فجاءُوه وقالوا له: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾: أي هل يكون لنا أجرٌ مؤَكد، إن تحققت لنا الغلبة بسحرنا على موسى يريدون بسؤَاَلهم هذا أَن يتحققوا من أَن لهم أجرًا على سحرهم إِن غلبوا، حتى يبذلوا الجهد الموصل إلى تلك الغاية بزعمهم، والاستفهام في الآية ملاحظ، وقرئ:
стр. 1506
﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾: بإِظهار همزة الاستفهام، وقد أَجابهم فرعون على استفهامهم هذا بما يطمئنهم على أَن لهم أَجرًا مؤَكدًا، وذلك فيما حكاه الله بقوله:
١١٤ - ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: أَي قال فرعون استجابة لهم: نعم لكم ما طلبتموه من الأَجر، وإِن لكم عندي زيادة على ذلك المكان القريب والمنزلة الرفيعة، فلا أَقف في تكريمكم عند إِعظام أَجركم وإِغداق المال عليكم.
وإِنما أَعلمهم بالأَجر والزلفى عنده قبل أَن يباشروا سحرهم، تحريضًا لهم على بذل الوسع في عمل السحر عند التقائهم بموسى ﵇.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾.
المفردات:
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: بالغوا في إِرهابهم وتخويفهم.
التفسير
١١٥ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾: أَي قال السحرة عند مواجهتهم لموسى في ساحة التحدى: يا موسى إما أَن تلقى عصاك التي تنقلب حية قبلنا، وإِما أَن نكون نحن الذين نلقى حبالنا التي تنقلب أَفاعى قبل إِلقائك، وكان هذا التخيير في البدءِ، ناشئًا عن ثقتهم بالغلبة، سواء أَتأَخروا عنه أَم تقدموا عليه فكأَنهم قالوا: إِن أَمرك لا يهمنا فالغلبة لنا عليه، سواء أَبدأت أَم كنا نحن البادئين.
١١٦ - ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾:
أَي: قال لهم موسى ﵇ استهانة بشأْنهم ووثوقًا بتأْييد الله - تعالى - له
стр. 1507
﴿أَلْقَوْا﴾: أَي ابدأَوا بإِلقاء ما تريدون إلقاءَه فسترون ما يحل بكم من افتضاح أَمركم وظهور كذبكم وتمويهكم.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: أَي فلما أَلقى السحرة ما عندهم من حبال وعصى صرفوا أَعين الناس عن إِدراك حقيقة هذه الأَشياءِ لكثرة ما أَتوا من أُمور عجيبة وتمويهات كثيرة أَثرت على الناس تأَثيرًا نفسيا بالغًا فخفيت عليهم الحقائق حتى خيل لهم مالًا حقيقة له كأَنه حقيقة، وأَرهبوهم بذلك إِرهابًا شديدًا وملأُوا قلوبهم رعبًا وخوفًا.
﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ أَي: وأَتوا في باب السحر بأَنواع كثيرة وأَعمال عجيبة خيل للناظرين أَنها حقائق ثابتة: وليست كذلك فكان سحرهم عظيمًا عندهم لا في واقع الأمر.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾.
المفردات:
﴿تَلْقَفُ﴾: أَي تأْخذ وتبتلع بسرعة.
﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾: ما يكذبون ويموهون الحقائق بقلبها - والإِفك في الأَصل قلب الشئ عن وجهه ومنه قبل للكذاب أَفاك لأَنه يقلب الكلام عن وجهه الحق إِلى الباطل.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾: ثبت وظهر.
﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ظهر بطلان السحر الذي كانوا يعملونه.
﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾: وعادوا من مبارزة موسى مستسلمين وصاروا أَذلاء.
стр. 1508
التفسير
١١٧ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾:
أَي: وبعد أَن أَلقى السحرة حبالهم وعصيهم، وجاءُوا بأَنواع كثيرة من السحر البارع الذي سحروا به أَعين الناس، وخيل، لهم ما خيل، وأَرهبوهم إِرهابًا شديدا.
بعد ذلك أَمر الله - تعالى - موسى ﵇ بطريق الوحى تقوية لعزمه، وتسكينًا لروحه وإِذهابا للخوف عنه - أَمره - أَن يلقى عصاه فأَلقاها.
﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾: أَي فإِذا هي حية عظيمة. تلتقم وتبتلع في سرعة فائقة عجيبة ومخيفة ما قلبوه واختلقوه من السحر.
١١٨ - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أَي فثبت وظهر بهذا أَن آيات الله لا تقف دونها الأَباطيل، وأَن موسى رسول رب العالمين، الذي أَعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى، بعثه الله إِلى فرعون بالحق المبين، وبطل بهذا التأْييد من الله ما كان يعمله الساحرون.
١١٩ - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾: أَي فانهزم هؤلاء السحرة أَمام صدق موسى ﵇ ومعجزته الواضحة التي جاء بها في المكان الذي وقع فيه بحضرة بحضرة تلك الحشود الكثيرة التي جمعها فرعون لشهود ما يجرى بين موسى ﵇ وعلماء السحر يوم الزينة وقت الضحى، ورجع أولئك السحرة صاغرين أَذلاء لهزيمتهم، بعد ما كانوا يزعمون أَنهم هم الغالبون.
١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾: أَي فخر السحرة وقوعًا على وجوههم بقوة - كأَنما أُلقوا من علو ساجدين لله رهبة وخشوعًا، مؤمنين برب موسى مصدقين برسالته حينما وضح الحق لهم، كما قال تعالى - حكاية عنهم.
١٢٢،١٢١ - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾:
стр. 1509
: أَي وبعد أن تيقنوا أَن ما شاهدوه من أَن أَمر عصا موسى لا يمكن أَن يجئ من السحر. قالوا آمنا وصدقنا برب جميع المخلوقات ومبدع الكائنات وهو رب موسى وهارون الذي بعثهما إِلى فرعون وملئه بالقول اللين والحجة الواضحة وجاءَ تصديقهم غير مقتصر على ذكر وصفه تعالى بأَنه رب العالمين - بل ذكروا أَيضًا فيه - رب موسى وهارون دفعًا لتوهم أَنهم أَرادوا - فرعون - إذ حكى القرآن عنه قوله لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (١).
كما لم يكتفوا بذكر ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خَشية أَن يتوهم معاند: أَن لموسى وهارون ربًّا سوى رب العالمين.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾.
التفسير
١٢٣ - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾:
أي: قال فرعون حينما آمن السحرة بموسى وصدقوا برسالته - قال - موبخا لهم ومهدِّدًا، أَقدمتم أَيها السحرة على التصديق بموسى والإِيمان بالإِله الذي دعاكم إِلى عبادته وتوحيده - أَقدمتم على ذلك بغير إِباحة مني وبدون رضاى فلسوف ترون ما أنزله بكم من العقاب الذي لا طاقة لكم به.
وكلام فرعون للسحرة يحتمل الإِخبار ويحتمل الاستفهام التوبيخى على جرأَتهم على الإِيمان به قبل أَن يأْذن لهم، تمهيدًا لوعيده الآتى لهم، وعلى الاستفهام تقدر الهمزة قبل آمنتم، وحذف حرف الاستفهام معهود في لغة العرب.
стр. 1510
﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾:
أَي إن إِيمانكم بموسى لم يقع منكم لوضوح حجته وصدق معجزته بل هو حيلة احتلتم بها وخديعة اتخذتموها بالاتفاق مع موسى في مدينة مصر لتخرجوا منها سكانها الأَصليين - القبط - فيزول ملكهم وتدول دولهم ويستقر لكم الأَمر من بعدهم.
وقد قصد الطاغية بهذا الأُسلوب: أَن يلقى في أَسماع عامة القبط بشبهتين:
الأُولى: أَن إِيمان السحرة كان بناءً على اتفاق سابق وتواطُؤ موسى.
الثانية: أَن ذلك كان لإخراج أَهل مصر من ديارهم، وقصده تثبيت أَهل مصر على ما هم عليه من عبادته والخضوع له وإِذكاء نار عداوتهم لموسى وحقدهم عليه إِذ ليس أَشق على النفوس من مفارقة الأَديان، وترك الأَوطان.
وبعد أَن أَلقى بهاتين الشبهتين توعد السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇ فقال: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
أَي فسوف تعلمون الأَهوال التي سأُنزلها بكم جزاءَ إِيمانكم بموسى وتواطئكم معه.
وقد عَقَّب وعيده المجمل بتفصيله كما حكاه الله تعالى بقوله:
١٢٤ - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: أَي لأَقطعن اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أَو بالعكس.
﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أَي ثم بعد تقطيع أَيديكم وأَرجلكم على الوجه المتقدم لأَربطنكم بالحبال على جذوع النخل، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ (١).
وغرض هذا الأَثيم من صلب السحرة بعد تقطيع أَطرافهم زيادة التنكيل بهم، وأَن يكونوا عبرة لغيرهم.