﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾: بإِظهار همزة الاستفهام، وقد أَجابهم فرعون على استفهامهم هذا بما يطمئنهم على أَن لهم أَجرًا مؤَكدًا، وذلك فيما حكاه الله بقوله:
١١٤ - ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: أَي قال فرعون استجابة لهم: نعم لكم ما طلبتموه من الأَجر، وإِن لكم عندي زيادة على ذلك المكان القريب والمنزلة الرفيعة، فلا أَقف في تكريمكم عند إِعظام أَجركم وإِغداق المال عليكم.
وإِنما أَعلمهم بالأَجر والزلفى عنده قبل أَن يباشروا سحرهم، تحريضًا لهم على بذل الوسع في عمل السحر عند التقائهم بموسى ﵇.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾.
المفردات:
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: بالغوا في إِرهابهم وتخويفهم.
التفسير
١١٥ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾: أَي قال السحرة عند مواجهتهم لموسى في ساحة التحدى: يا موسى إما أَن تلقى عصاك التي تنقلب حية قبلنا، وإِما أَن نكون نحن الذين نلقى حبالنا التي تنقلب أَفاعى قبل إِلقائك، وكان هذا التخيير في البدءِ، ناشئًا عن ثقتهم بالغلبة، سواء أَتأَخروا عنه أَم تقدموا عليه فكأَنهم قالوا: إِن أَمرك لا يهمنا فالغلبة لنا عليه، سواء أَبدأت أَم كنا نحن البادئين.
١١٦ - ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾:
أَي: قال لهم موسى ﵇ استهانة بشأْنهم ووثوقًا بتأْييد الله - تعالى - له
стр. 1507
﴿أَلْقَوْا﴾: أَي ابدأَوا بإِلقاء ما تريدون إلقاءَه فسترون ما يحل بكم من افتضاح أَمركم وظهور كذبكم وتمويهكم.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: أَي فلما أَلقى السحرة ما عندهم من حبال وعصى صرفوا أَعين الناس عن إِدراك حقيقة هذه الأَشياءِ لكثرة ما أَتوا من أُمور عجيبة وتمويهات كثيرة أَثرت على الناس تأَثيرًا نفسيا بالغًا فخفيت عليهم الحقائق حتى خيل لهم مالًا حقيقة له كأَنه حقيقة، وأَرهبوهم بذلك إِرهابًا شديدًا وملأُوا قلوبهم رعبًا وخوفًا.
﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ أَي: وأَتوا في باب السحر بأَنواع كثيرة وأَعمال عجيبة خيل للناظرين أَنها حقائق ثابتة: وليست كذلك فكان سحرهم عظيمًا عندهم لا في واقع الأمر.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾.
المفردات:
﴿تَلْقَفُ﴾: أَي تأْخذ وتبتلع بسرعة.
﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾: ما يكذبون ويموهون الحقائق بقلبها - والإِفك في الأَصل قلب الشئ عن وجهه ومنه قبل للكذاب أَفاك لأَنه يقلب الكلام عن وجهه الحق إِلى الباطل.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾: ثبت وظهر.
﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ظهر بطلان السحر الذي كانوا يعملونه.
﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾: وعادوا من مبارزة موسى مستسلمين وصاروا أَذلاء.
стр. 1508
التفسير
١١٧ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾:
أَي: وبعد أَن أَلقى السحرة حبالهم وعصيهم، وجاءُوا بأَنواع كثيرة من السحر البارع الذي سحروا به أَعين الناس، وخيل، لهم ما خيل، وأَرهبوهم إِرهابًا شديدا.
بعد ذلك أَمر الله - تعالى - موسى ﵇ بطريق الوحى تقوية لعزمه، وتسكينًا لروحه وإِذهابا للخوف عنه - أَمره - أَن يلقى عصاه فأَلقاها.
﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾: أَي فإِذا هي حية عظيمة. تلتقم وتبتلع في سرعة فائقة عجيبة ومخيفة ما قلبوه واختلقوه من السحر.
١١٨ - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أَي فثبت وظهر بهذا أَن آيات الله لا تقف دونها الأَباطيل، وأَن موسى رسول رب العالمين، الذي أَعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى، بعثه الله إِلى فرعون بالحق المبين، وبطل بهذا التأْييد من الله ما كان يعمله الساحرون.
١١٩ - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾: أَي فانهزم هؤلاء السحرة أَمام صدق موسى ﵇ ومعجزته الواضحة التي جاء بها في المكان الذي وقع فيه بحضرة بحضرة تلك الحشود الكثيرة التي جمعها فرعون لشهود ما يجرى بين موسى ﵇ وعلماء السحر يوم الزينة وقت الضحى، ورجع أولئك السحرة صاغرين أَذلاء لهزيمتهم، بعد ما كانوا يزعمون أَنهم هم الغالبون.
١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾: أَي فخر السحرة وقوعًا على وجوههم بقوة - كأَنما أُلقوا من علو ساجدين لله رهبة وخشوعًا، مؤمنين برب موسى مصدقين برسالته حينما وضح الحق لهم، كما قال تعالى - حكاية عنهم.
١٢٢،١٢١ - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾:
стр. 1509
: أَي وبعد أن تيقنوا أَن ما شاهدوه من أَن أَمر عصا موسى لا يمكن أَن يجئ من السحر. قالوا آمنا وصدقنا برب جميع المخلوقات ومبدع الكائنات وهو رب موسى وهارون الذي بعثهما إِلى فرعون وملئه بالقول اللين والحجة الواضحة وجاءَ تصديقهم غير مقتصر على ذكر وصفه تعالى بأَنه رب العالمين - بل ذكروا أَيضًا فيه - رب موسى وهارون دفعًا لتوهم أَنهم أَرادوا - فرعون - إذ حكى القرآن عنه قوله لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (١).
كما لم يكتفوا بذكر ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خَشية أَن يتوهم معاند: أَن لموسى وهارون ربًّا سوى رب العالمين.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾.
التفسير
١٢٣ - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾:
أي: قال فرعون حينما آمن السحرة بموسى وصدقوا برسالته - قال - موبخا لهم ومهدِّدًا، أَقدمتم أَيها السحرة على التصديق بموسى والإِيمان بالإِله الذي دعاكم إِلى عبادته وتوحيده - أَقدمتم على ذلك بغير إِباحة مني وبدون رضاى فلسوف ترون ما أنزله بكم من العقاب الذي لا طاقة لكم به.
وكلام فرعون للسحرة يحتمل الإِخبار ويحتمل الاستفهام التوبيخى على جرأَتهم على الإِيمان به قبل أَن يأْذن لهم، تمهيدًا لوعيده الآتى لهم، وعلى الاستفهام تقدر الهمزة قبل آمنتم، وحذف حرف الاستفهام معهود في لغة العرب.
стр. 1510
﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾:
أَي إن إِيمانكم بموسى لم يقع منكم لوضوح حجته وصدق معجزته بل هو حيلة احتلتم بها وخديعة اتخذتموها بالاتفاق مع موسى في مدينة مصر لتخرجوا منها سكانها الأَصليين - القبط - فيزول ملكهم وتدول دولهم ويستقر لكم الأَمر من بعدهم.
وقد قصد الطاغية بهذا الأُسلوب: أَن يلقى في أَسماع عامة القبط بشبهتين:
الأُولى: أَن إِيمان السحرة كان بناءً على اتفاق سابق وتواطُؤ موسى.
الثانية: أَن ذلك كان لإخراج أَهل مصر من ديارهم، وقصده تثبيت أَهل مصر على ما هم عليه من عبادته والخضوع له وإِذكاء نار عداوتهم لموسى وحقدهم عليه إِذ ليس أَشق على النفوس من مفارقة الأَديان، وترك الأَوطان.
وبعد أَن أَلقى بهاتين الشبهتين توعد السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇ فقال: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
أَي فسوف تعلمون الأَهوال التي سأُنزلها بكم جزاءَ إِيمانكم بموسى وتواطئكم معه.
وقد عَقَّب وعيده المجمل بتفصيله كما حكاه الله تعالى بقوله:
١٢٤ - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: أَي لأَقطعن اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أَو بالعكس.
﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أَي ثم بعد تقطيع أَيديكم وأَرجلكم على الوجه المتقدم لأَربطنكم بالحبال على جذوع النخل، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ (١).
وغرض هذا الأَثيم من صلب السحرة بعد تقطيع أَطرافهم زيادة التنكيل بهم، وأَن يكونوا عبرة لغيرهم.
стр. 1511
﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.
المفردات:
﴿مُنْقَلِبُونَ﴾: راجعون.
﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾: أَفِضْهُ علينا وعُمَّنا به.
التفسير
١٢٥ - ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾:
أَي: إِننا إِلى نعيم ربنا الدائم وثوابه الجزيل ورحمته الواسعة لصائرون إِذا نفذت فينا وعيدك. فعجل كى تتحقق أَحب الأَمانى إِلى قلوبنا أَلا وهي الفوز بلقاءِ ربنا. وهذا أَسمى ما ترقى إليه درجات الإِيمان والثبات على الحق.
أَو المعنى: إِننا جميعًا إِلى جزاءِ ربنا لراجعون بالموت لا محالة بأَى سبب سواء أكان بطريقتك أَم بغيرها، فلن يزيدنا هذا التهديد إِلا إيمانًا.
أَو المراد: إِننا جميعًا نحن وأَنت إِلى حساب ربنا لراجعون بالموت فمصيرنا ومصيرك إِليه تعالى. فيحكم بيننا بالحق وهو خير الحاكمين.
١٢٦ - ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾: أَي وما تنكر منا وما تعيب علينا أَمرا من الأُمور وفعلا من الأَفعال سوى إيماننا بربنا - وهو الحق - وتصديقنا بآياته البينات حينما جاءَتنا واضحة هادية إِلى الخير على يد موسى ﵇ فصدقنا بها وآمنا برب العالمين رب موسى وهارون.
والإِيمان باللهِ خير الأَعمال وأَساس كل سعادة، وأَصل المفاخر، فلا نَعدِلُ عنه أَبدًا، طلبًا لمرضاتك يا فرعون ورغبة في رحمتك، أو خوفًا من عقابك.
стр. 1512
وتقريرًا لما في قلوبهم من قوة الثبات على ما قالوه رغبوا عن خطاب فرعون ولجأُوا إلى الله يطلبون منه صبرًا جميلًا، وثباتًا على الإسلام إِذ قالوا:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾:
أَي: يا ربنا أَفِضْ علينا صبرًا عظيما صادقًا يغمرنا كما يغمر الماء الذي يصب بغزارة ما ينزل عليه - صبرًا - يكون عونًا لنا على تحمل الشدائد عند تنفيذ وعيد فرعون كى لا نعود بعد الإيمان كفارًا، وأَمِتْنا ثابتين على الإِسلام غير مفتونين بوعيد فرعون.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾.
المفردات:
﴿أَتَذَرُ مُوسَى﴾: أَي أَتترك موسى.
﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: ونستبقى نساءهم أَحياءً.
التفسير
١٢٧ - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾:
أَي وقال أَصحاب الرأْى من قوم فرعون حين شاهدوا صدق موسى وغلبته وإِيمان السحرة به وظهور أَمره. قالوا يحرضون فرعون على إيذاء موسى ويشيرون عليه بمطاردته. والتخلص منه ومن أَتباعه: أتترك موسى وقومه أَحرارًا آمنين يعيثون في أَرض مصر فسادًا يصرفون الناس عن اتباعك ويحولونهم عن عبادتك. ويترك هو تعظيمك وتعظيم آلهتك التي شرعت لهم عبادتها، وجعلت نفسك الإِله الأَكبر لهم. كما حكاه القرآن عنه في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (١) إن هذا لا ينبغى أَن يكون كما زعموا.
стр. 1513
وأُضيفت الآلهة إِلى فرعون لأَنه الآمر بعبادتها لتقربهم إِليه.
ويجوز أَن تكون له آلهة كان يعبدها مثل الشمس والكواكب، فأُضيفت إليه آلهته، إِضاقة المعبود للعابد، وأَما قوله تعالى حكاية عنه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فيحملان على أَنه كان يؤله نفسه زاعمًا أَنه يمثل الآلهة السماوية، وأَنه بذلك يكون إِلههم الأَعلى من البشر، وأَنه لا يعلم لهم إِلها يستحق أَن يعبد سواه، لأَنه يمثل الآلههَ، ومثل هذا الاعتقاد موجود في اليابان، حيث يزعم الإِمبراطور أَنه يمثل الآلهة، ولذلك يعبده قومه الذين هم على مذهبه، وبعد أَن استعدى الملأُ فرعون على موسى وقومه بني إِسرائيل أَجابهم بقوله:
﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾:
أَي: قال فرعون للملأ من قومه تهديدًا لقوم موسى سنعيد سيرتنا الأُولى معهم فنفعل بهم ما كنا نفعله من قبل فنقتل الذكور عند ولادتهم ونستبقى النساء أَحياء ليزدادوا بهن ضعفا، وليعلم موسى ومن معه أَننا ما زلنا الأقوياء الغالبين، وأَنهم ما زالوا الأَذلاء المقهورين كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾: أَي وإِننا مستعلون عليهم بالغلبة والسلطان لم يتغير لنا حال ولم يتبدل لنا نظام.
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾.
التفسير
١٢٨ - ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾:
стр. 1514
لما سمع أَتباع موسى ﵇، وعيد فرعون وتهديده الذي مر بيانه، ملأ الخوف والفزع قلوبهم فدعاهم إِلى الاستعانة بالله وأَمرهم بالصبر ووعدهم النصر كما حكاه القرآن الكريم في هذه الآية.
والمعنى: قال موسى ﵇ للمؤمنين به تثبيتًا لقلوبهم وتسلية لهم اطلبوا العون من الله فإِنه وحده القادر على إهلاك أَعدائكم الطغاة الظالمين، واثبتوا على الإِيمان والطاعة واصبروا على أذى فرعون وقومه ولا تجزعوا.
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾:
أي: اصبروا ولا تجزعوا لأَن الأَرض ملك خالص لله وحده وفي قبضته. يمنح الحكم فيها من يشاء من عباده، فلا تجزعوا لوعيده، فسوف ينجيكم الله بنزع الملك منه، وتوريث الأَرض لمن يشاء توريثه إِياها من عباده، والعاقبة الحميدة لمن يتقى الله. وستكون لكم هذه العاقبة بالنجاة، وسيأْتى الحديث عن عاقبتهم.
وفي حزن عميق ومسكنة شديدة رد بنو إسرائيل على موسى فيما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى:
١٢٩ - ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾:
أَي قال بنو إسرائيل لموسى ﵇ أُوذينا من فرعون وقومه من قبل أَن تأْتينا برسالتك - أُوذينا - بقتل أَبنائنا وبسائر انواع العذاب والاضطهاد، وأُوذينا من بعد ما جئتنا رسولا بكل أَلوان الظلم والجور والاستعباد مع توعده لنا بمزيد من قتل الأَبناء واستبقاءِ النساءِ أَحياء مبالغة في إِذلالنا، ونكاية فيك يا موسى.
﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾:
أَي قال موسى ﵇ لبنى إسرائيل تسلية لهم وتطييبًا لقلوبهم، وبعثًا للأَمل في نفوسهم: عسى ربكم أَن يدمر عدوكم الذي أَذاقكم العذاب أَلوانا بالقتل والعسف
стр. 1515
والجور، ويجعلكم خلفاء في أَرض مصر ولعل هذا الوعد الكريم يشير إلى حكمهم لمصر في عهد يوسف ﵇ (١).
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾:
أَى فيرى ربكم كيف تعملون في عبادته ومعاملة خلقه حين تحكمون مصر، أَتتبعون سبيل الرشاد فتنجوا وتسعدوا؟ أَم تسلكون سبيل الغى والفساد فتؤاخذوا.
ثم بدأَ الله تعالى يحدثنا عن النذر التي سبقت عقابه لفرعون وآله بالإِغراق في اليم وهو مُليم فقال:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾.
المفردات:
﴿بِالسِّنِينَ﴾: السنون جمع سنة والمراد بها هنا القحط والجدب، يقال أصابتهم سنة أي جَدْبٌ.
﴿الْحَسَنَةُ﴾: كل خير والأَقرب هنا السعة والخصب.
﴿سَيِّئَةٌ﴾: السيئة كل ما يسوء والأَقرب هنا الجدب والقحط.
﴿يَطَّيَّرُوا﴾: يتشاءموا.
﴿طَائِرُكُمْ﴾: يطلق الطائر على الحظ والنصيب والعمل والرزق.
стр. 1516
التفسير
١٣٠ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾:
أي والله لقد أَصبنا فرعون وقومه بالقحط الشديد والجدُوب المتراكمة. وأَنقصنا من ثمرات زروعهم وبساتينهم بتسليط الآفات والأَمراض التي فتكت بأَكثرها لعلهم يتعظون ويتدبرون في أمرهم. فيعلموا أَن ما نزل بهم إِنما هو بسبب كفرهم وطغيانهم فيرجعوا عما هم عليه من العتو والفساد، ويؤمنوا بالله الواحد القهار، فإِن الشدة ترقق القلوب، وترَغِّب فيما عند الله - تعالى - وتفتح أَبواب الضراعة إِليه. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (١) ولكنهم لم يتعظوا وظلوا في طغيانهم يعمهون.
١٣١ - ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾:
أَي: فإِذا جاءَت هؤلاءِ المكذبين بموسى السعة وأَثمرت أَراضيهم وتوالت عليهم الخيرات قالوا هذا حق لنا قد جاءَ لأَجلنا، أَصابنا عن استحقاق له وجدارة به، ينكرون بذلك إِنعام الله عليهم وإِحسانه إِليهم.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾:
أَي: وإِن تنزل بهم الخطوب والأَمراض، ويحل بهم الجدب والقحط يتشاءَموا بموسى ومن معه، وينسبوا ذلك إِليهم، ويقولوا ما حلت بنا الكوارث، وما أَصابتنا النوازل إلا بشؤم موسى ومن معه. وذلك لقسوة قلوبهم وتركهم التدبر في الآيات والنذر.
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أَي أَلا إن ما قدر لهم من الخير والسعة، وما أَصابهم من السوءِ والبلاءِ، إِنما هو من عند الله وبتقديره، وليس شرهم بسبب موسى وقومه، ولا خيرهم باستحقاقهم، وكل من الشر والخير ابتلاءٌ من الله تعالى لعباده، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَي ولكن أَكثر هؤلاءِ الطغاة الجبارين جهلاء لا يعلمون أن ما حل بهم من الشدائد والنوازل ما هو إِلا بلاءٌ من عند الله وحده بسبب ذنوبهم واستعلائهم في الأَرض بغير الحق ليزدجروا، لا بسبب موسى ومن معه. وما أَصابهم من الخير ما هو إلا فتنة لعلهم يتذكرون ربهم فيشكرون.
стр. 1517
وقد صدرت جملة - ألا إِنما طائرهم - بأَلا التي للتنبيه لإِظهار كمال عناية القرآن الكريم بردّ قولهم الباطل وزعمهم الفاسد.
وأَصل التطيُّر من الطِّيرَة، وقد كانوا إذا أَرادوا سفرًا أو فعل أَي شيءٍ أَثاروا الطير.
فإِن اتجه يمينًا تفاءَلوا وأَقدموا على ما أَرادوا سفرًا كان أم غيره. وإِن اتجه شمالًا تشاءَموا وقعدوا. ثم كثر استعماله في معنى التشاؤم.
وقد كانت العرب تتيامن بالسانح - وهو الذي يأْتى من جهة اليمين - وتتشاءَم بالبارح - وهو الذي يأْتى من جهة الشمال - وكانوا يتطيرون ويتفاءَلون بغير ذلك فسموا توقع الشر ممّا يزعمون تطيرًا، وسموا توقع الخير مما يزعمون تفاؤلًا، مع أَن كلًا من عند الله. وليس للطير وغيره دخل في قدر الله تعالى.
﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾.
التفسير
١٣٢ - ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾:
أَي وقال فرعون وآله بعد ما رأَوا من أَمر العصا والسنين ونقص الثمرات وعاينوا ما عاينوا ولم يعتبروا - قالوا بعد ذلك - أَىُّ آية تأْتينا بها يا موسى وإِن عظمت وكثرت لتسحر أَعينَنا بها وتموه عينا وتصرفنا عن ديننا فلسنا لك بمصدقين ولا برسالتك مؤمنين.
﴿مَهْمَا﴾: اسم شرط، ﴿تَأْتِنَا﴾: فعل الشرط، و ﴿مِنْ آيَةٍ﴾: بيان وتفسير للضمير في ﴿بِهِ﴾ وجواب الشرط ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ - وسموا ما يأْتى به موسى آية - مجاراة لتسمية موسى مع قصد السخرية والاستهزاءِ.
стр. 1518
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾.
التفسير
١٣٣ - ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ … ﴾ الآية:
أَي: فعاقبنا فِرعون وقومة بأَنواع أُخرى من العقوبات لا أَصروا على الكفر ولم يعتبروا بما رأَوا من الآيات.
وتلك العقوبات - هي:
١ - إفاضة الماء الكثير وتسليطه عليهم حتى أَحاط بهم وملأَ بيوتهم وغطَّى أَرضهم وزرعهم. فأَتلف الزروع ومنع الناس من حرث الأَرض والسير في الطرق لقضاءِ حوائجهم وتدبير شئون حياتهم. وسلط عليهم:
٢ - الجراد الذي أَكل الزرع والغرس والثمار، وأَلحق بأَبواب بيوتهم وسقوفها التلف والدمار؛ وأَرسل عليهم:
٣ - الْقمَّلَ أَيضًا فملأَ ثيابهم وأَجسامهم وشعورهم وعيونهم - وهو الْقَمْل المعروف - وكذلك أَرسل عليهم:
٤ - الضفادع فملأَت المنازل والمضاجع والاَّطعمة - والأَشربة حتى أَقلقتهم وصاروا لا يطيقون الحياة معها. وأَيضًا أَصابهم:
٥ - الدم الذي اختلط بالماءِ فصاروا لا يستسيغون شربه، أَو ابتلاهم بالرعاف، وكانت هذه الآيات مفصلات، أَي بيّنات واضحات الدلالة على أَنها عقوبات لهم على كفرهم وبغيهم لا يشتبه في ذلك عاقل، وقيل: إِن تفصيلها هو تفريقها في أَزمان مختلفة، لامتحان أَحوالهم.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾:
أَي: فاستكبر هؤلاءِ الطغاة عن الإِيمان بموجب آيات الله وصاروا باستكبارهم قومًا مبالغين في الكفر والعدوان ومصرّين عليهما.
стр. 1519
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾.
المفردات:
﴿الرِّجْزُ﴾: العذاب.
﴿يَنْكُثُونَ﴾: ينقضون العهد بعد توكيده وأَصل النكث فك الغزل ثم استعير لنقض العهد كما هنا.
التفسير
١٣٤ - ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾:
أَي ولما نزل بفرعون وقومه العذاب الشديد لجأُوا إِلى موسى يطلبون منه أَن يدعو لهم، ويتوسلون إِليه بالنبوة التي هي عهد الله عنده، أَو يطلبون منه الدعاءَ المستجاب الذي هو عهد الله عنده، ووعدوه إِن دعا لهم أَن يؤمنوا به، ويرسلوا معه بنى إِسرائيل، ليذهبوا معه حيث شاء.
ثم بيّن القرآن الكريم أَنهم لم يوفُوا بعهدهم ولم يَبَرُّوا بقسمهم بعد أَن كشف الله عنهم ما نزل بهم من ضر، كما قال تعالى:
١٣٥ - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾:
أَي فلما كشفنا عنهم ما نزل بهم من العذاب ورفعنا عنهم الضرَّ ورحمناهم بذلك إِجابة لدعاءِ موسى ﵇ ونجيناهم إِلى وقت محدودٍ هم واصلون إِليه يعذبون بعده
стр. 1520
بأَنواع المصائب، ثم يهلكون إِن لم يؤمنوا وفاءً بعهدهم لموسى فلما كشفنا عنهم العذاب المذكور، إِذا هم يسارعون إِلى نقض العهد الذي وثقوه على أَنفسهم بالقسم حين قالوا لموسى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ - إِذا هم ينقضون العهد - ويعودون إِلى اللجاج فيما كانوا فيه من التكذيب والطغيان من غير تدبر ولا تفكير.
١٣٦ - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ في الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: أَي فعاقبناهم بسبب نقض العهد وعودهم إِلى تكذيب الآيات وارتكاب المعاصي والآثام، وكان هذا الانتقام هو إِغراقهم في البحر بإِطباقه عليهم حين أَرادوا اللحاق بموسى وهو يعبره بقومه إِلى سيناءَ بعد أن انشق له بضربة من عصاه، ثم صرح القرآن بسبب إِغراقهم في قوله تعالى:
﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾:
أَي كان إِغراق الله لهم في البحر بسبب تكذيبهم بآيات الله التي ساقها إِليهم مفصلة، آية بعد أُخرى لعلهم يعقلون، ولكنهم كانوا عنها غافلين، فلم يتدبروا فيها، ونقضوا العهد الذي قطعوه على أَنفسهم بالإِيمان إِن كشف الله العذاب عنهم، وقد مرّ بيانه وهو عذاب الطوفان والجدب والجراد والقمل والضفادع والدم، وفي هذه القصة زجر للمكذبين بنبينا محمَّد ﷺ الجاحدين لآياته.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾.
المفردات:
﴿وَتَمَّتْ﴾: تحققت ومضت.
стр. 1521
﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: وعد ربك بالنصر.
﴿الْحُسْنَى﴾: تأْنيث الأَحسن صفة للكلمة.
التفسير
١٣٧ - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾:
أَي وبعد أَن أَغرق الله فرعون وقومه في البحر أَورث بني إِسرائيل الذين ظل فرعون زمنًا طويلا يطاردهم ويستذلهم ويستعبدهم ويذبح أَبناءهم، أَورثهم الأَرض التي عبروا البحر إِليها مع موسى ومكّن لهم بالتصرف في جوانبها الشرقية والغربية التي بارك الله فيها بالخصب وسعة الأَرزاق - مَكَّن لهم ووسع عليهم - بعد أَن أَذاقهم فرعون الهوان أَلوانًا، وهذا لطف عظيم من الله بهم وإِحسان جميل إِليهم.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾: أَي وتحقق وعد الله - تعالى - الخالق الرزاق لبنى إِسرائيل بالنصر والتمكين في الأَرض. وهو ما جاءَ في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (١). وذلك بسبب صبرهم على إِيذاءِ فرعون لهم وتعذيبه إِياهم تنفيذًا لما أَوصاهم به موسى بقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا﴾.
﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾:
أَي وأَهلكنا ما كان يشيده فرعون وقومه من القصور والصروح والعمارات، وما كانوا يهتمون بغرسه من البساتين والجنَّات.
وتلك نهاية عادلة لطغيان فرعون واستعلائه في الأَرض بغير الحق وفيها إِنذار لكل من يسير على دربه.
وفي الآية دعوة قوية إلى الصبر على البلاءِ. إِذْ كان صبرهم على الخطوب طريقًا إِلى تفريج الكروب.
стр. 1522
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾.
المفردات:
﴿وَجَاوَزْنَا﴾: وعبرنا وقطعنا بهم البحر.
﴿فَأَتَوْا﴾: مَرُّوا، ﴿يَعْكُفُونَ﴾: يقيمون ويلازمون.
﴿مُتَبَّرٌ﴾: هالك ﴿وَبَاطِلٌ﴾: ومضمحل زائل.
التفسير
١٣٨ - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ .. ﴾ الآية.
بعد أَن بين القرآن هلاك فرعون بطغيانه، وتحدث عن إِنجاءِ الله بنى إِسرائيل من ظلمه، وإِنعامه عليهم بنعم لم يعطها أُمة قبلهم - كانت تستوجب الشكر والطاعة - شرع يبيّن ما أَحدثوه من الأُمور الشنيعة كعبادة البقر وطلبهم رؤية الله جهرة وغير ذلك.
وذلك تسلية لرسول الله ﷺ عمَّا رآه من الكفار ويهود المدينة وإِيقاظًا للمؤمنين حتى لا ينسوا محاسبة أَنفسهم ومراقبة أَحوالهم.
والمعنى: وعبرنا ببنى إِسرائيل البحر إِلى شاطئه الشرقى، وسلكناه بهم بعد أَن انفلق وانشق بضربة من عصا موسى ﵇ والمراد بالبحر هنا البحر الأَحمر.
والمراد به جزؤُه المسمى الآن بخليج السويس. إِذ العبور كان من الشاطئِ الغربى. حيث تقع مصر إلى الشاطئِ الشرقى حيث توجد سيناء.
стр. 1523
﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾:
أَي: فمر بنو إِسرائيل على جماعة من الناس يقيمون ويواظبون على عبادة أَصنام صنعوها بأَيديهم ويلتزمون بتعظيمها وتقديسها.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾:
أَي: قال بنو إِسرائيل لموسى حين شاهدوا هؤلاءِ الذين مروا عليهم يواظبون على عبادة أَصنام سموها آلهة: اصنع لنا إِلها نختص به وننفرد بعبادته يكون مماثلا لتلك الآلهة التي اختص بها هؤلاءِ وانفردوا بعبادتها من دون الله.
﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: أَي قال موسى ﵇ يرد عليهم متعجبًا مما طلبوه بعد ما عاينوا الآية الكبرى والنعمة العظمى. نعمة نجاتهم وإِغراق عدوهم، وكيف حدث ذلك بانشقاق البحر لهم وانطباقه على فرعون وقومه. قال موسى يرد عليهم: إِنكم قوم تتصفون بالجهل التام بما يتعلق بالله الواحد القهار، وتتسمون بالغباءِ الكامل إِذ لم تدركوا عظم نعمة الله عليكم.
ولم يكتف القرآن بوصفهم بالجهل والسفه بل أَكد ذلك ببيان مآل الباطل الذي عكف عليه هؤلاءِ في قوله:
١٣٩ - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أَي: إِن هؤلاءِ الذين عكفوا على عبادة الأَصنام واستمروا على الغلو في الضلال، مدمر وهالك ما انغمسوا فيه من الشرك والفساد، وذاهب كل باطل استمروا على عمله وحرصوا على فعله.
стр. 1524
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾.
المفردات:
﴿أَبْغِيكُمْ﴾: أَطلب لكم.
﴿الْعَالَمِينَ﴾: جمع عالَم وهو ما سِوَى الله. والمراد هنا عالمو زمانهم وعصرهم.
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: يلزمونكم إِياه. يقال: سامه الأَمرَ يسومه.
كلفه إياه وأَلزمه به، وأَكثر ما يستعمل في العذاب.
﴿بَلَاءٌ﴾: اختبار.
التفسير
وبعد أَن وصف القرآن الكريم بنى إِسرائيل بالجهل في طلبهم إِلهًا خاصًا بهم كما كان لغيرهم آلهة، وبيّن لهم بطلان جميع أَعمالهم، أَنكر عليهم طلبهم ووبخهم على مسلكهم بقوله:
١٤٠ - ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾:
أَي قال لهم موسى ﵇ إِنكارًا عليهم، وتوبيخًا لهم: أَغير الله المستحق للعبادة وحده أَطلب لكم معبودًا آخر من صنع البشر، أَو من مخلوقات الله في السموات والأَرض، وقد خصكم بنعم عظيمة لم يعطها غيركم من أَهل عصركم.
ثم زاد في توبيخهم بتذكيرهم بإنقاذ الله لهم من عذاب فرعون حيث لم يشكروا نعمته فقال تعالى:
التفسير
١٤٢ - ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ الآية.
أَي ووعد الله موسى بعد أَن نجاه وقومه من فرعون بعبور البحر - وعده - بإِنزال كتاب يهتدى به بنو إِسرائيل إِلى ما يصلح شئون دينهم ودنياهم ويبيَّن لهم الحلال والحرام ويكون ذلك بعد مضى ثلاثين لَيْلَةً يقضيها في التوجه إِلى الله بالصيام والعبادة. وقد أَكملها بعشر ليالٍ يخلص فيها موسى العبادة لله والمناجاة لخالقه، فتم الزمن الذي وقَّته ربه وحدده لحصول هذه النعمة له أَربعين ليلة، أَنزل الله التوراة بعدها عليه وكلمه عند انتهائها.
وتعبير القرآن الكريم عن الميقات بقوله: (ثلاثين ليلة) لأَن التوقيت كان بالحساب القمرى، وهو يعرف بالأَهلة. والهلال يرى بالليل، وقد استفيد من هذا التوقيت: أَن ضرب الأَجل للمواعدة، سُنَّةٌ ثابتة مضت، ومبدأ قديم أَسس الله عليه قضايا العباد وحكم به في شئون الأُمم وأَحوالها، كما استفيد منه أَيضًا أَن التأَنى في الأَعمال هو الطريق إِلى إِجادتها وإِتقانها. ولهذا أَقَّت الله تلك المدة الطويلة لموسى قبل مناجاته لربه، ليحسن الاستعداد لها.
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾:
أَي وحين أَراد موسى التوجه لمناجاة ربه تنفيذًا لأَمره قال لأَخيه هارون: كن خليفة عنى في قومى، ترعى شئونهم وتدبر أُمورهم وتراقب أَحوالهم فيما يأْتون ويذرون، واعمل على إِصلاح عيشهم وحياتهم وعقيدتهم حتى أَرجع إِليهم، ولا تسلك طريق الذين انغمسوا في الغواية والفساد ولا تطعهم في ذلك بل ردّهم إلى الحقّ والصواب وبيّن لهم طريق الهدى والرشاد.
١٤٣ - ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾: أَي ولما جاء موسى إِلى الجبل، لأَجل ميقات ربه وموعد كلامه معه، قال: يا رب أَسأَلك أَن تمكننى من النظر لكي أَراك.
﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾:
стр. 1527
أَي قال الله لموسى، جوابًا له: لن ترانى في دنياك، ولكن انظر إِلى الجبل، فإِن رأَيته سكن وثبت في مكانه فسوف ترانى.
وقد جاءَ هذا الاستدراك، لبيان أَنه لا يطيق رؤيته ولا يتحمل ذلك لعدم إِعداده بعد لتلك الحالة.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾:
أَي فلما ظهر كبرياءُ ربه وبدت عظمته وقدرته جعل الجبل مفككا مهدماً وسقط موسى مغشيًا عليه من هول ما رأَى وشدة ما عانى.
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
أَي فلما عاد إِلى موسى وعيه وفهمه وذهبت عنه تلك الشدّة قال تعظيما لله وإِجلالا لمقامه: أُنزهك يا رب عن مشابهتك لشئٍ من خلقك وأُجلُّك عن أَن أَسأَلك شيئًا بغير إِذن منك، وأَنا أول من أَسلم وجهه لك في هذه الأُمة وآمن بكبريائك وعظمتك فيها.
والجبل قيل: إِنه جبل زبير أَو جبل أُردن.
وقد دلت الآية على أَن الله تعالى كلم موسى، وكلامه تعالى له، مخالف لكلام الحوادث، فليس بحرف ولا صوت ولا يعلمه إِلا الله تعالى وقد دلت الآية أَيضًا على أَن الله تعالى لم يمكِّن موسى من رؤيته، وليس هذا دليلًا على استحالة رؤيته، بل على عدم وقوعها لموسى في الدنيا، لأَنه لم يهيأْ لهذه الرؤية بالتكوين المناسب لها، فإِن رؤْية الحادث للقديم تحتاج إِلى تكوين مناسب لها، كما حدث للنبي ﷺ ليلة المعراج، وكما سوف يحدث للمؤمنين في الجنة، ولهذا قال سبحانه لموسى في رده عليه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل لن يرانى أَحد، أَو لن أُرى من أَحد من خلقى.
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾
المفردات:
﴿اصْطَفَيْتُكَ﴾: اخترتك.
стр. 1528
التفسير
١٤٤ - ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي .... ﴾ الآية.
أَي قال الله تعالى يخاطب موسى ﵇ بأُسلوب النداءِ إعظامًا لقدره وإِعلاءً لمكانته: إِنى فضلتك على جميع الناس المعاصرين لك، باختيارك رسولا دون أَحد سواك وآثرتك عليهم بإِنزال التوراة تبيانا لطريق الخير وإرشادا إلى ما يأْتون وما يذرون كما آثرتك بكلامى إِياك من غير واسطة.
﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
فتقبل ما أَنعمت به عليك من شرف الرسالة، وارض بنعمة المناجاة وطب نفسًا بجعلك من المصطفين الأَخيار الذين يبلغون رسالات ربهم، واندمج في عداد الشاكرين، بأَداءِ الشكر على تلك النعم بدوام الطاعة والخشوع والإِخلاص لله.
وهارون وإن أَرسله الله مع موسى ردءًا يشد به عضده ويصدقه إِلا أَنه كان مأْمورًا باتباعه، فلم يكن صاحب شريعة خاصة به، ولم يكن كليما لله.
وفي الآية تسلية عظيمة لموسى ﵇ عن عدم إِجابته إِلى الرؤية التي طلبها.
فكأَنه - سبحانه - قال له: إِن مَنَعْتُكَ الرؤيةَ التي طلبتها فقد أَعطيتك نعمًا عظيمة لم يعط مثلها أَحد من أَهل زمانك فاحرص عليها، وثابر على شكرها بدوام العبادة وبذل الجهد في دعوة الناس إِلى شريعة الله.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾.
المفردات:
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ﴾: أَي وخلقنا له الكتابة فيها؛ والأْلواح الصحف التي كتبت فيها التوراة.
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾: أَي فتناولها وتقبلها بجد وعزيمة.
стр. 1529
التفسير
١٤٥ - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾:
أَي وبينا لموسى في التوراة التي أَنزلناها عليه مكتوبة في الأَلواح والصحف من كل شيءٍ يحتاج إِليه بنو إِسرائيل لإِصلاح شئونهم في الدين والدنيا من المواعظ وتفصيل الأَحكام وبيان الحلال والحرام والحسن والقبيح وغير ذلك من أَنواع الهداية والإِرشاد.
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾:
أَي وبينا لموسى ﵇ كل شيءٍ في الأَلواح وقلنا له: فتقبلها يا موسى بصدق وتناولها بحرصٍ وعزيمة كما يفعل أُولو العزم من الرسل وأْمر بني إِسرائيل أَن يمتثلوا مواعظها، ويتبعوا أَحكامها وشرائعها البالغة غاية الحسن والكمال بالنسبة لهم: إِذ فتحت أَمامهم أَبواب سعادة الدنيا والآخرة.
ويلاحظ أَن التوراة الأَصلية فقدت في الغزو البابلى، أَما توراة اليهود التي بأَيديهم فهى من صنعهم وتأْليفهم ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾:
أَي: سأُرى قومك - بنى إِسرائيل - ديار الهالكين، من عاد وثمود وأَمثالهم من الذين خرجوا عن طاعة الله وعصوا أَمر ربهم.
والحكمة في ذلك بعثهم على الجد والاجتهاد في امتثال ما أُمروا به، وتحذيرهم من الكفر والعصيان حتى لا يحل بهم ما حل بأُولئك الذين مردوا على الفسوق والطغيان، لأَن رؤية الديار خالية من أَهلها، خاوية على عروشها تدعو إِلى مزيد من الحذر والاعتبار،
وقيل معنى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: سأُورثكم حكم الوثنيين في تلك الديار التي هاجرتم إِليها، بدليل قراءة: "سَأُورِثُكَم دَارَ الفَاسِقِينَ". وقيل: المراد بدار الفاسقين جهنم فإِنها دارهم في الآخرة. وإراءتهم إِياها كناية عن إِدخالهم فيها، إِن عصوا التوراة.
وخوطب قوم موسى ﵇ بقوله: - سأُريكم - دون قوله - سأُريهم - التفاتًا إِليهم بعد الغيبة، ليكون أَبلغ في حملهم على الطاعة والامتثال وتخويفهم من اتباع طريق الظالمين.
стр. 1530
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾.
المفردات:
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾: سأُبعد عن التدبر في آياتى، والمراد سأَطبع على قلوبهم وأُغلقها بسبب كبريائهم.
﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾: طريق الحق، ﴿سَبِيلَ الْغَيِّ﴾: طريق الضلال.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطلت أَعمالهم فلم ينتفعوا بها.
التفسير
١٤٦ - ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ .. ﴾ الآية:
بعد تحذير قوم موسى من مخالفة التوراة، جاءَت هذه الآيات لتأْكيد هذا التحذير.
والمعنى: سأُبعد عن الانتفاع بآياتى المرشدة إِلى مصالح الدين والدنيا، أُولئك الذين يتطاولون في الأَرض على الناس، ويرون لأَنفسهم مكانة فوق مكانتهم، ويأْنفون من اتباع الحق إصرارًا منهم على التمسك بباطلهم ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾:
أَي ومع تعاليهم على الناس في الأَرض إِن يسمعوا كل آية من الآيات التنزيلية، أو يبصروا أَي معجزة من المعجزات المشاهدة المرئية لا يصدقوا بواحدة منها، بل يكفرون
стр. 1531
بجميع ما رأَوا، إِمعانًا منهم في التكذيب والإِعراض، لانغلاق قلوبهم دون الهدى، إِذ أَساءُوا اختيار الطريق.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾:
أَي وإِن يبصروا ويعرفوا طريق الهدى والخير لا يتوجهون إِليه ولا يسلكونه. لاختيارهم الشياطين أَولياء لهم من دون الله.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾:
أَي وإِن يتضح لهم طريق الغواية والفساد والانحراف، بتحذيرهم منه، يختاروه لأَنفسهم مسلكًا مستمرًا لا يعدلون عنه، مع وضوح التحذير منه، كى يصلوا إلى تحقيق شهواتهم ومآربهم وإِشباع أَطماعهم.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾:
أَي ذلك التكبر وعدم الإِيمان واتباع طريق الغى والإِعراض عن طريق الهدى - ذلك فعلوه - بسبب كفرهم بآياتنا الدالة على صدق ما أَرشدنا إِليه ودعونا إلى التمسك به، وفساد ما أَقاموا على فعله من القبائح والمنكرات، وبسبب غفلتهم عن التأَمل في الحق الذي أَنزلناه، ولو أَنهم تدبروا ما جئنا به وعقلوه لما فعلوا الأَباطيل، ولما سلكوا طريق الشيطان وتأْكيدًا للتحذير قال تعالى:
١٤٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أَي الذين لم يصدقوا بآيات الله الداعية إِلى الإِيمان المحذرة من الكفر والعصيان، وضموا إِلى ذلك إِنكارهم لمجئِ الدار الآخرة ووقوع الجزاء فيها على الخير والشر - هؤلاءِ - بطل ما عملوه في الدنيا من بِرٍّ وصلة رحم وإِغاثة ملهوف وغير ذلك، ولا يجزون إلا على ما عملوه من الكفر والمعاصي، إِذ الشرط في قبول أَعمال الخير والإِثابة عليها في الآخرة تحقيق الإِيمان باللهِ وشرائعه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (١).
стр. 1532
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾.
المفردات:
﴿جَسَدًا﴾: جسد عجل مصنوعًا من الذهب لا روح فيه.
﴿خُوَارٌ﴾: صوت البقر.
﴿سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ﴾: ندموا ندمًا شديدًا لأَن النادم يعض يده ويسقط ذقنه فيها غما فتصير يده مَسقوطًا فيها.
التفسير
١٤٨ - ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ .. ﴾ الآية.
لما توجه موسى ﵇ لمناجاة ربه وترك أَخاه هارون خليفة عنه في قومه بنى إِسرائيل يرعى شئونهم ويصلح أَحوالهم، ويدعوهم إِلى الثبات على الحق والهدى.
صنع لهم السامرى تمثالًا مجوفًا من الذهب على شكل عجل من البقر، وكان دقيق الصنع، ووضعه في مهاب الريح، فإِذا هبت أَحدثت صوتًا كخوار البقر، ثم قال لبنى إِسرائيل: هذا إِلهكم وإِله موسى، ودعاهم إِلى عبادته فعبدوه وتقربوا إِليه، وكان هارون يدعوهم إِلى عبادة الرحمن واتباع أَمره، فلم يستجيبوا له. وظلوا عاكفين على هذا حتى رجع إِليهم موسى، وقد حكى القرآن الكريم تلك الحالة في هذه الآية التي سنشرحها فيما يلى:
المعنى: واتخذ قوم موسى من بعد ذهابه ﵇ لمناجاة ربه، اتخذوا من حليهم المصنوع من الذهب الخالص تمثالًا على سورة العجل، يحدث خوارا كخوار البقر وصوتا
стр. 1533
كصوته إِذا وضع في مهاب الرياح، بسبب ما وضعه في حلقه من أَداة تحدث هذا الصوت إِذا دخلت الرياح جوفه، وكان السامرى خبيرًا بهذا الفن، وهو الذي صنعه لهم، ودعاهم إِلى عبادته.
والمراد من اتخاذهم العجل إِما صنعه - وقد نسب إِليهم لرضاهم به - وإِما جعلهم إِياه إِلهًا بعد أَن صنعه لهم السامرى.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾: أَي ألم يدركوا حين أَقدموا على هذا المنكر أَن هذا العجل لا يتصف بصفة من صفات الأُلوهية ولا بحكم من أَحكامها إِذ كان لا يقدر على كلام ولا يرشد إِلى طريق، فضلا عن أَنه لم يصل إلى أَحط درجات الحيوان، فكيف يكون إلهًا شأنه أَن يخلق ويبدع ويحيى ويميت؟ ويتكلم ويهدى إِلى سبيل الرشاد.
﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ أَي فعلوا ذلك المنكر الشنيع وكان شأْنهم الظلم، والاستمرار عليه دائما - ووضع الأشياءِ في غير موضعها الصحيح، فلم يكن اتخاذهم العجل إِلها بدعا وما كان أَول منكر فعلوه.
وكان هذا الاستفهام لتقريعهم على فرط جهالتهم وحماقتهم وسفاهة أَحلامهم وقد كرر القرآن ذمَّهم بذكر "اتخذوه" أَي العجل همزة ثانية للتنبيه على عظم جرمهم والتمهيد لوصفهم بالظلم.
١٤٩ - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
أَي: ولما ندموا أَشد الندم على ما فعلوا من عبادة العجل ومخالفتهم تعاليم موسى وإِرشاد خليفته هارون، واستضعافهم إياه وهمهم بقتله، وعلموا أَنهم بفعل هذه المنكرات قد تنكبوا الصواب وجاوزوا طريق الهدى ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أَي قالوا مقسمين والله لئن لم يغمرنا إِحسان ربنا ويتقبل توبتنا رحمة بنا، فيكفر عنا سيآتنا ويتجاوز عن خطيآتنا لنكونن من جملة الذين خسروا حسن العمل في دنياهم، وخير الجزاءِ في أُخراهم فكانوا في جهنم خالدين.
وفسِّر - سُقِطَ في أَيدِيهم - بما تقدم على طريق الكناية، لأَن النادم المتحسر يعض يده غمًّا وحزنًا فتصير يده مسقوطًا فيها. كما تقدم في المفردات.
стр. 1534
والمراد بقوله تعالى: ﴿رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ علموا وتيقنوا ضلالهم. وإِنما عبر العلم بالرؤية للإِشارة إلى أَنهم تبيَّنوا خطأَهم بوضوح كامل حتى كأَنهم رأَوه بأَعينهم.
وما حكاه القرآن عنهم من الندم والرؤية، وما قالوه وإِن كان بعد رجوع موسى ﵇ إِليهم من الميقات كما دلت عليه آيات سورة طه. لكن أُريد بتقديمه هنا على رجوع موسى أَن يكون ما صدر عنهم من اتخاذ العجل والندم عليه في موضع واحد، مسارعة إِلى تذكير أَهل مكة، بندم بنى إِسرائيل على اتخاذهم العجل الذهبى الذي يخور خوار البقر، فهم أَحق منهم بالندم على عبادة ما هو دون ذلك من الأَحجار، أَمَّا ما جاءَ في سورة طه فهو تفصيل كامل للقصة يقتضي وضع كل حادث في موضعه.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا في رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾.
المفردات:
﴿أَسِفًا﴾: شديد الغضب أَو حزينا.
﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾: أَي بئس ما فعلتموه من بعد غيبتى.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾: أَي أَسبقتم ما أَمركم به ربُّكم من التوحيد فعبدتم العجل قبل أَن يعود موسى من ميقات ربه، ليكون أَمام الأْمر الواقع، يقال: عجل الأْمر سبقه
стр. 1535
﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾: طرحها على الأَرض.
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾: أَي وأَمسك بشعر رأْس أَخيه يجره به إِليه.
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾: أَي فلا تفعل ما يكون سببًا لشماتتهم بى.
التفسير
١٥٠ - ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا … ﴾ الآية:
أَي: ولما رجع موسى ﵇ إِلى قومه من الميقات الذي ناجى فيه ربه - رجع - وهو شديد الغضب والحزن على ما أَحدثه قومه في غيبته من الردة وإِهمال وصاياه، وكان الله - تعالى - قد أَخبره وهو في مكان المناجاة بما أَحدثوه.
﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾:
أَي: قال موسى ﵇ بعد رجوعه من الميقات يذم قومه جميعًا المؤمنين منهم والمرتدين: بئس ما أَحدثتموه أَيها المؤمنون وأَيها المرتدون. أَما ذمّه المؤمنين فلأَنهم لم يكفوا عبدة العجل عما فعلوه وأَما ذم المرتدين فلعودتهم إلى الشرك بعد أَن رأوا حرص موسى ﵇ على دعوتهم إِلى توحيد الله، وترك الشرك، وإِخلاص العبادة لله وحده - وواجب الخلفاءِ أَن يسيروا على نهج المستخلف - فالخطاب للجميع ويجوز أَن يكون الخطاب لعبدة العجل فذمهم على ما أَحدثوه من تغيير شريعة الله، كما يجوز أَن يكون الخطاب لهارون والمؤمنين معه، فالَّلوْمُ لهم إِذ لم يمنعوا عبدة العجل مما فعلوا. أَي بئس قيامكم مقامى إِذ لم تراعوا عهدى.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾:
أَي أَسبقتم ما أُمرتم به من البقاءِ على ما أَوصيتكم به من التوحيد حتى أَعود إِليكم من الميقات بكتاب من عند ربكم، حين سارعتم إِلى مخالفة أَمرى فغيرتم دينكم وعبدتم العجل. وتراخى المؤمنون في نصحكم.
﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾:
أَي وطرح موسى ﵇ أَلواح التوراة جانبًا، ليتمكن من إِمساك أَخيه وتعنيفه حين رأَى قومه وقد فتنوا بالعجل فعكفوا على عبادته.
стр. 1536
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾:
أَي: وأَمسك موسى بشعر رأْس أَخيه هارون يجذبه إِليه منه، لظنه أَنه أَهمل في توعية قومه وإِرشادهم وإِصلاح حالهم، ونهيهم عن الإِشراك باللهِ.
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾:
أَي قال هارون يدفع تهمة التقصير في نصحهم عن نفسه يا ابن أُمى: إِننى بذلت قصارى جهدى في ترشيدهم وتوضيح سوء العاقبة لما فعلوا، حتى قهرونى، واستضعفونى وهموا بقتلى واقتربوا منه.
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾:
أْى: فلا تفعل بي أَمام هؤُلاء الأعداء ما يكون سببا لشماتتهم بى وفرحهم فيما يصيبنى من إِيذاءٍ وتعنيف.
والشماتة فرح العدو فيما يصيب عدوه من مكروه.
﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
أَي ولا تنظمنى بغضبك علىَّ في سلك الذين ارتكبوا أَقبح الظلم بعبادة العجل، ونقض العهد والفساد في الأَرض، ولا تجعلنى في عدادهم مع براءَتى من جرائمهم، وفيا بما استخلفتنى فيه.
وكان هارون لين الجانب كثير التحمل، ولذا نراه يخاطب موسى مما يرقق قلبه، وهو قوله له (يا ابن أُمَّ) إِلخ إذ الأُم عنوان الحنان وموطن العطف والرحمة، كما يشعر بلين عريكته ما في باقى أُسلوبه من توسل ورجاءٍ.
وبعد أَن سمع موسى ﵇ مقالة هارون ﵇ قال ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى:
١٥١ - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾:
أَي قال موسى مناديًا ربه يطلب منه غفران فعله بأَخيه من غير جريرة ارتكبها، وغفران ما عساه أَن يكون قد وقع مع أَخيه من تقصير في نصحهم وتحذيرهم.
ولا يخفى: أَن كل إِنسان في حاجة إِلى استغفار ربه، طاعة له وطلبًا لرفع الدرجات، مع ما في استغفار موسى لنفسه من الترضية لهارون وإِعلان الشامتين بتمام رضاه عما فعله حتى ترد شماتتهم إِليهم كمدًا وحسرة.
стр. 1537
﴿وَأَدْخِلْنَا في رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾:
أَى: ومُنَّ علينا بمزيد من الإِنعام بعد غفران ما سلف منا، وشأْنك يا أَلله أَن رحمتك بجميع مخلوقاتك أَعظم من رحمة الخلائق بعضهم ببعض، ومن رحمتهم بأَنفسهم، فلا تحرمنا من واسع رحمتك في الدنيا والآخرة فهي كما قلت سبحانك: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾.
المفردات:
﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: المراد بغضب ربهم عذاب الآخرة.
﴿وَذِلَّةٌ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أَي وتشريد في الأَرض وإِخراج من الديار، بحيث لا تكون لهم عزة كعزة أَصحاب الوطن.
﴿الْمُفْتَرِينَ﴾ أَي: المختلقين أشنع الكذب على الله تعالى.
التفسير
١٥٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾:
أَي إِن الذين اتخذوا العجل إِلهًا يعبدونه من دون الله واستمروا على عبادته كالسامرى وأَتباعه من بنى إِسرائيل، وأَشربوا في قلوبهم حبه، سيصيبهم في الآخرة عذاب شديد
стр. 1538
من خالقهم ومربيهم الذي تفضل عليهم بأَجزل النعم فجحدوها ولم يشكروها، وسينزل بهم في الحياة الدنيا الذل الشديد والهوان المميت بتشريدهم من ديارهم وإجلائهم عن أَوطانهم.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾:
أَي: ومثل هذا العقاب الشديد الذي حل ببنى إِسرائيل نعاقب كل مفتر كذاب، وليست هناك فرية أَقبح مما افتراه هؤلاءِ الذين صنعوا العجل بأَيديهم ثم عبدوه وقالوا: هذا إِلهكم وإله موسى، بل لم يعرف أَن أَحدًا افترى مثل فريتهم. ولذا استوجبوا بالأَصالة هذا العقاب الأَليم.
وبعد أَن بين القرآن عقاب المصرين على الجرائم، وافتراءِ الكذب على الله، رغَّب في التوبة من السيئات وإِن كثرت وعظمت، ببيان أَن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن أَخلص في التوبة وصدق في الإِيمان باللهِ فقال تعالى:
١٥٣ - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أَي والذين اقترفوا الكفر وسائر أَنواع المعاصي من الكبائر والصغائر ثم تابوا من بعدها وآمنوا باللهِ، إِيمانًا صادقًا يستتبع ما يقتضيه من أَعمال البر والطاعات، وإِقلاع عن المعاصي، يغفر الله لهم ما وقع من ذنوبهم مهما عظمت، لأَن ربك المنعم عليك بالخلق والتربية من بعد حصول تلك التوبة الخالصة لَعَظِيمُ المغفرة لذنوب التائبين واسعُ الرحمة بالخلق أَجمعين قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فتتسع من صدق في إِيمانه بعد الكفر، وأَخلص في الإِقلاع عن سائر المعاصي والآثام.
ولما بين القرآن الكريم طرفًا من قصة موسى مع قومه، شرع يكملها فقال:
١٥٤ - ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾:
أَي ولما ذهب عن موسى الغضب وسكن وهدأَ روعه بعد اعتذار أَخيه وتوبة من تاب، وبيان أَنه قام بموجبات الخلافة عنه، ولكن القوم كانوا لنصحه كارهين، لما حدث هذا أَخذ ألواح التوراة التي أَلقاها.
стр. 1539
وفيما نسخ في هذه الصحائف وكتب فيها، هدايةٌ وإِرشادٌ إِلى خير الدنيا وصلاح الآخرة، ورحمة عظيمة واسعة للذين هم لعظمة مربيهم وحافظهم يخضعون ويخافون سوءَ العذاب.
وفي أُسلوب الآية الكريمة من البلاغة ووضوح المعنى وتأْكيده ما يبهر العقول ويأْخذ بالأَلباب، إِذ أَبان أَن الغضب بلغ بموسى ﵇ حدا من الشدة والتسلط جعله كالآمر له بما قال وبما فعل، حتى إِذا سكت هذا الغضب عن إِثارة موسى سكن وأَخذ الأَلواح التي أَلقاها، ومضى في شأْن رسالته.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾.
المفردات:
﴿لِمِيقَاتِنَا﴾: الميقات المكان الذي حدده الله ليذهب موسى وقومه إِليه.
﴿الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلة الشديدة.
التفسير
١٥٥ - ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا … ﴾ الآية:
أَي واختار موسى سبعين رجلًا من فضلاءِ قومه الذين لم يبدلوا دينهم وذهب بهم إِلى المكان والزمان اللذين حددهما الله لهم، ليعتذروا عمن عبدوا العجل وعمن قصروا في نهيهم.
стр. 1540
﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾:
أَي: فلما فاجأَتهم الزلزلة الشديدة ورجفوا وارتعدوا حتى كادت تنخلع مفاصلهم وتتمزق أَبدانهم وأَشرفوا على الهلاك وكان ذلك تأْديبا لهم على تقصيرهم في زجر قومهم عن عبادة العجل وسائر المنكرات، - لمَّا حدث ذلك - خشى موسى هلاكهم فتوسل إِلى الله - تعالى - فيما حكاه القرآن في قوله تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾:
أَي قال موسى راجيًا عفو ربه عنهم في هذا اليوم: يا رب إِنك لو شئت إِهلاكهم من قبل هذا اليوم، حين قصروا في النهي عن عبادة العجل، وعدم مفارقتهم لعبدته حين أَيقنوا فيهم الإِصرار على الكفر والمعاصي، وكذلك لو شئت يا رب إِهلاكى من قبل ذلك حين طلبت رؤيتك، لفعلت يا إِلهى ذلك فقد استوجبنا الهلاك جميعًا بذنوبنا، ولكنك لم تفعل رحمة بنا، وتجاوزًا عما فرط من سيآتنا، فلا عجيب يا رب إِذا أَطْمَعنَا لطفُك السابق في طلب المزيد من عفوك وإِحسانك في هذا الموقف، ثم أَكد موسى ﵇ عظم ثقته في عفو الله فيما حكاه القرآن.
﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾:
أَي قال موسى ﵇ إِيمانًا بسعة رحمة الله تعالى - وإِيقانا بشمول إِحسانه: لا يكون منك يا عظيم العفو إِهلاكٌ لنا بسبب ما فعله الذين يجهلون قدرتك وما يليق بمقام أُلوهيتك، ولا يثبتون على الحق الذي أَظهرت معالمه وأَوضحت مسالكه فقد وسعت رحمتك كل شيء.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾:
أَي ما كانت عبادتهم للعجل إِلا ابتلاءً منك تهلك بسببه من تشاء إِضلاله بتجاوزه حدود أَوامرك ونواهيك، وترشد به إِلى الحق من تشاءُ هداه فيقوى إِيمانه.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: أَي أَنت وحدك يا الله القائم بتدبير أُمور دنيانا وأُخرانا، وناصرنا وحافظنا دون سواك، فاغفر لنا ما اقترفناه من الذنوب والآثام وتجاوز عنه إِذ من شأْن الولى الإِحسان إِلى المقصرين، والتجاوز عن ذنوب الآثمين ﴿وَارْحَمْنَا﴾: أَي وأَفض علينا من آثار رحمتك التي وسعت كل شيءٍ
стр. 1541
ما نسعد به في الدين والدنيا، وأَنت وحدك الذي تغفر السيئآت وتمن بالحسنات، ولا يملك ذلك سواك، وعفو غيرك بتوفيق منك.
وخصت المغفرة بالذكر في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ حيث لم يذكر معها الرحمة لأَن المقام مقام اعتذار عن الذنوب فيقتضيها.
﴿وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾.
المفردات:
﴿وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: المراد بحسنة الدنيا ما يعم العيشة الراضية، والعمل
стр. 1542
الصالح والمراد بكتابتها تقديرها وإِبرازها، عبر عنها بالكتابة مجازًا، أو الكتابة على حقيقتها فإِن ما يقدر الله تنفيذه يكتب في اللوح المحفوظ، أو عند الملائكة المدبرات أَمرا.
﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: تبنا إِليك ورجعنا.
﴿إِصْرَهُمْ﴾: الإِصر في اللغة الأَمر الثقيل، والمراد به هنا التكاليف الشاقة على اليهود بسبب ظلمهم، كتحريم بعض الطيبات عليهم.
﴿الْأَغْلَالَ﴾: المواثيق الشديدة المشبهة للأَغلال في الأَعناق.
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾: عظموه ووقروه، أَو أَعانوه.
التفسير
١٥٦ - ﴿وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ … ﴾ الآية.
بين القرآن الكريم فيما سبق، كيف بدأَ موسى توسله إِلى ربه ودعاءَه إِياه حين رأَى الرجفه تأْخذ الصفوة من قومه في الميقات، وجاءَت هذه الآية لإِكمال توسله.
والمعنى: وحقق لنا بفضلك في هذه الحياة الدنيا عيشة طيبة راضية وعافية وافرة، وتوفيقًا في الطاعة، ومُنَّ علينا بنعمك السابغة واجعل لنا في الآخرة المثوبة الحسنى والنعيم المقيم في جناتك الواسعة.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾:
أَي: أَعطنا ذلك لأَننا تبنا إِليك من ذنوبنا توبة صادقة، وأَتيناك مخلصين في الاعتذار عن آثامنا فاقبل دعاءنا - وجاءَت هذه الجملة "إِنا هدنا إِليك" لتعليل ما سبقها من الدعاءِ، رجاءَ قبوله وتحقيقه، وتصديرها بإِن التى هي للتأْكيد، للإِيذان بكمال صدقهم في توبتهم، طمعًا في أَن يقبلها الله الكريم منهم:
﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾:
أَي: قال الله تعالى جوابًا عما طلب موسى لجميع قومه: شأن عذابى أَن أُصيب به من أَشاءُ تعذيبه ممن لا يتقون الله ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾: أَي: وإِحسانى شمل كل شيءٍ من المكلفين وغيرهم ممن شئت له ذلك.
стр. 1543
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾:
أَي: فسأَجعل رحمتى في الآخرة، للذين يحفظون أَنفسهم من المعاصي؛ بحيث لو أَصابوها تابوا إِلى ربهم، وأَجعلها للذين يؤدون الزكاة لمستحقها.
وخصت الزكاة بالذكر مع شمول التقوى لها لثقل إِخراجها على النفوس، إِذ المال عِدْل الروح وسأَجعل رحمتى الواسعة للذين يستمرون على الإِيمان بآياتنا كلها.
وفي الآية تعريض ببنى إِسرائيل إِذ كانوا لا يتقون الكفر والمعاصي ولا يخرجون الزكاة لشدة حرصهم على المال، كما كانوا يكفرون بآيات الله العظام التي جاء بها موسى ﵇.
ثم أَكمل القرآن الكريم أَوصاف المتقين الذين وعدهم الله بالحياة الرغيدة في الدنيا والنعيم في الآخرة بقوله تعالى:
١٥٧ - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾:
أَي: هؤُلاء المتقون الذين وعدهم برحمته وفضله هم الذين يتبعون محمدا ﷺ - النبىَّ - الذي جاء بأَكمل الاعتقادات والأَعمال والأَخلاق - الأُمىَّ - الذي لم يمارس القراءة والكتابة ولم يجلس إِلى معلم ولم يخط بقلم ومع ذلك فقد جمع الكتاب الذي جاءَهم به علوم الأَولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ … ﴾ والأُمى نسبة إِلى الأُم كأَنه باق على حاله التي ولد عليها.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾:
أَي أَن الله تعالى يكتب رحمته للذين يؤمنون بالنبي محمَّد ﷺ من اليهود والنصارى: يؤمنون بهذا النبي الذي يجدونه مكتوبًا باسمه ونعوته عندهم في التوراة والإِنجيل التي كتمها الكافرون منهم، أو أَساءُوا تأْويلها.
ثم شرع القرآن الكريم يفصل بعض آيات محمَّد وعلاماته في التوراة والإِنجيل فقال:
стр. 1544
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾:
أَي يأْمرهم النبي الأُمى عن الله تعالى ويكلفهم بفعل كل ما عرفته الفطر السليمة وأَقرته واستحسنته، فإِن فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة، وينهاهم عن فعل كل ما أَنكرته الفطر السليمة ونفرت منه، فإِن فيه خسران الدنيا والآخرة.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾:
أَي: ويبيح لهم ما حرم عليهم بسبب ظلمهم ومعاصيهم كالشحوم.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾:
أَي: ويحرم عليهم كل ما هو خبيث وضار مما كانوا يتناولونه كالدم والميتة ولحم الخنزير، أَو يفعلونه كالربا والرشوة ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾: أَي ويخفف عنهم ما ثقل عليهم من التكاليف الشاقة كتعيين القصاص في القتل العمد والخطأ من غير شرع الدية، وكقطع الأَعضاء الخاطئة وإِحراق الغنائم.
﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾:
أَي ويخفف عنهم كذلك الشروط المحرمة والمواثيق الشديدة التي كانت في شريعة موسى ﵇ لتناسب ظلم بنى إِسرائيل وطغيانهم وغلوهم في الفساد والضلال.
والأَغلال جمع غُل وهو في الأَصل ما يوضع في العنق أَو اليد من الحديد يستعار للمواثيق الشديدة والتكاليف الشاقة.
ثم أَرشد الله تعالى إِلى كيفية اتباع محمَّد ﷺ وبيَّن علوَّ منزلة أَتباعه فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾: أَي فالذين آمنوا بنبوة محمَّد ﷺ وصدقوا برسالته وأطاعوه فيما أَمر ونهى من اليهود وغيرهم وعظموه ووقروه وأَعانوه بمنع أَعدائه عنه ونصروه على أَعدائه في الدين واهتدوا بهدى القرآن الذي أَنزله الله مع نبوته ليضئ الطريق أَمام السالكين: وسُمِّى القرآن نورًا لكونه ظاهرا واضحا في آياته، مظهرا للحقائق كاشفا لها، يهدى متبعه إِلى العقيدة السليمة والعمل الصالح، كما يهدى النور الحسى من يتبعه إِلى سواء السبيل.
ولا يقال: القرآن نزل مع جبريل فما معنى أنزل معه؟ لأَن المعنى أَنزل مع نبوة محمَّد ﷺ كما تقدمت الإِشارة إِليه، لأَنها كانت مصحوبة مشفوعة به.
стр. 1545
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
أَي: أُولئك المتقون الذين علت درجاتهم وسمت منزلتهم، الموصوفون بتلك الصفات الجليلة هم وحدهم دون غيرهم الذين بلغوا غاية الفوز بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾.
المفردات:
﴿الْأُمِّيِّ﴾: المنسوب إِلى الأم، لأَنه لا يقرأ ولا يكتب، فهو على فطرته التي ولدته مه عليها، من حيث عدم القراءَة والكتابة.
التفسير
١٥٨ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾:
لما حكى الله ما في الكتابين من نعوت رسول الله ﷺ وشرف من يتبعه من أَهلهما ونيلهم سعادة الدارين - أَمر رسوله ﷺ ببيان أَن تلك السعادة غير مختصة بأَهل الكتابين إِن آمنوا به بل هي شاملة لكل من يتبعه من جميع الناس، سواء أَكانوا في عصره أَم فيما تلاه من عصور إِلى يوم القيامة. فإِن رسالته ﷺ عامة لجميع الناس في كل عصر من العصور قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) فتلك من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه.