ما نسعد به في الدين والدنيا، وأَنت وحدك الذي تغفر السيئآت وتمن بالحسنات، ولا يملك ذلك سواك، وعفو غيرك بتوفيق منك.
وخصت المغفرة بالذكر في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ حيث لم يذكر معها الرحمة لأَن المقام مقام اعتذار عن الذنوب فيقتضيها.
﴿وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾.
المفردات:
﴿وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: المراد بحسنة الدنيا ما يعم العيشة الراضية، والعمل
стр. 1542
الصالح والمراد بكتابتها تقديرها وإِبرازها، عبر عنها بالكتابة مجازًا، أو الكتابة على حقيقتها فإِن ما يقدر الله تنفيذه يكتب في اللوح المحفوظ، أو عند الملائكة المدبرات أَمرا.
﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: تبنا إِليك ورجعنا.
﴿إِصْرَهُمْ﴾: الإِصر في اللغة الأَمر الثقيل، والمراد به هنا التكاليف الشاقة على اليهود بسبب ظلمهم، كتحريم بعض الطيبات عليهم.
﴿الْأَغْلَالَ﴾: المواثيق الشديدة المشبهة للأَغلال في الأَعناق.
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾: عظموه ووقروه، أَو أَعانوه.
التفسير
١٥٦ - ﴿وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ … ﴾ الآية.
بين القرآن الكريم فيما سبق، كيف بدأَ موسى توسله إِلى ربه ودعاءَه إِياه حين رأَى الرجفه تأْخذ الصفوة من قومه في الميقات، وجاءَت هذه الآية لإِكمال توسله.
والمعنى: وحقق لنا بفضلك في هذه الحياة الدنيا عيشة طيبة راضية وعافية وافرة، وتوفيقًا في الطاعة، ومُنَّ علينا بنعمك السابغة واجعل لنا في الآخرة المثوبة الحسنى والنعيم المقيم في جناتك الواسعة.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾:
أَي: أَعطنا ذلك لأَننا تبنا إِليك من ذنوبنا توبة صادقة، وأَتيناك مخلصين في الاعتذار عن آثامنا فاقبل دعاءنا - وجاءَت هذه الجملة "إِنا هدنا إِليك" لتعليل ما سبقها من الدعاءِ، رجاءَ قبوله وتحقيقه، وتصديرها بإِن التى هي للتأْكيد، للإِيذان بكمال صدقهم في توبتهم، طمعًا في أَن يقبلها الله الكريم منهم:
﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾:
أَي: قال الله تعالى جوابًا عما طلب موسى لجميع قومه: شأن عذابى أَن أُصيب به من أَشاءُ تعذيبه ممن لا يتقون الله ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾: أَي: وإِحسانى شمل كل شيءٍ من المكلفين وغيرهم ممن شئت له ذلك.
стр. 1543
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾:
أَي: فسأَجعل رحمتى في الآخرة، للذين يحفظون أَنفسهم من المعاصي؛ بحيث لو أَصابوها تابوا إِلى ربهم، وأَجعلها للذين يؤدون الزكاة لمستحقها.
وخصت الزكاة بالذكر مع شمول التقوى لها لثقل إِخراجها على النفوس، إِذ المال عِدْل الروح وسأَجعل رحمتى الواسعة للذين يستمرون على الإِيمان بآياتنا كلها.
وفي الآية تعريض ببنى إِسرائيل إِذ كانوا لا يتقون الكفر والمعاصي ولا يخرجون الزكاة لشدة حرصهم على المال، كما كانوا يكفرون بآيات الله العظام التي جاء بها موسى ﵇.
ثم أَكمل القرآن الكريم أَوصاف المتقين الذين وعدهم الله بالحياة الرغيدة في الدنيا والنعيم في الآخرة بقوله تعالى:
١٥٧ - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾:
أَي: هؤُلاء المتقون الذين وعدهم برحمته وفضله هم الذين يتبعون محمدا ﷺ - النبىَّ - الذي جاء بأَكمل الاعتقادات والأَعمال والأَخلاق - الأُمىَّ - الذي لم يمارس القراءة والكتابة ولم يجلس إِلى معلم ولم يخط بقلم ومع ذلك فقد جمع الكتاب الذي جاءَهم به علوم الأَولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ … ﴾ والأُمى نسبة إِلى الأُم كأَنه باق على حاله التي ولد عليها.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾:
أَي أَن الله تعالى يكتب رحمته للذين يؤمنون بالنبي محمَّد ﷺ من اليهود والنصارى: يؤمنون بهذا النبي الذي يجدونه مكتوبًا باسمه ونعوته عندهم في التوراة والإِنجيل التي كتمها الكافرون منهم، أو أَساءُوا تأْويلها.
ثم شرع القرآن الكريم يفصل بعض آيات محمَّد وعلاماته في التوراة والإِنجيل فقال:
стр. 1544
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾:
أَي يأْمرهم النبي الأُمى عن الله تعالى ويكلفهم بفعل كل ما عرفته الفطر السليمة وأَقرته واستحسنته، فإِن فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة، وينهاهم عن فعل كل ما أَنكرته الفطر السليمة ونفرت منه، فإِن فيه خسران الدنيا والآخرة.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾:
أَي: ويبيح لهم ما حرم عليهم بسبب ظلمهم ومعاصيهم كالشحوم.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾:
أَي: ويحرم عليهم كل ما هو خبيث وضار مما كانوا يتناولونه كالدم والميتة ولحم الخنزير، أَو يفعلونه كالربا والرشوة ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾: أَي ويخفف عنهم ما ثقل عليهم من التكاليف الشاقة كتعيين القصاص في القتل العمد والخطأ من غير شرع الدية، وكقطع الأَعضاء الخاطئة وإِحراق الغنائم.
﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾:
أَي ويخفف عنهم كذلك الشروط المحرمة والمواثيق الشديدة التي كانت في شريعة موسى ﵇ لتناسب ظلم بنى إِسرائيل وطغيانهم وغلوهم في الفساد والضلال.
والأَغلال جمع غُل وهو في الأَصل ما يوضع في العنق أَو اليد من الحديد يستعار للمواثيق الشديدة والتكاليف الشاقة.
ثم أَرشد الله تعالى إِلى كيفية اتباع محمَّد ﷺ وبيَّن علوَّ منزلة أَتباعه فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾: أَي فالذين آمنوا بنبوة محمَّد ﷺ وصدقوا برسالته وأطاعوه فيما أَمر ونهى من اليهود وغيرهم وعظموه ووقروه وأَعانوه بمنع أَعدائه عنه ونصروه على أَعدائه في الدين واهتدوا بهدى القرآن الذي أَنزله الله مع نبوته ليضئ الطريق أَمام السالكين: وسُمِّى القرآن نورًا لكونه ظاهرا واضحا في آياته، مظهرا للحقائق كاشفا لها، يهدى متبعه إِلى العقيدة السليمة والعمل الصالح، كما يهدى النور الحسى من يتبعه إِلى سواء السبيل.
ولا يقال: القرآن نزل مع جبريل فما معنى أنزل معه؟ لأَن المعنى أَنزل مع نبوة محمَّد ﷺ كما تقدمت الإِشارة إِليه، لأَنها كانت مصحوبة مشفوعة به.
стр. 1545
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
أَي: أُولئك المتقون الذين علت درجاتهم وسمت منزلتهم، الموصوفون بتلك الصفات الجليلة هم وحدهم دون غيرهم الذين بلغوا غاية الفوز بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾.
المفردات:
﴿الْأُمِّيِّ﴾: المنسوب إِلى الأم، لأَنه لا يقرأ ولا يكتب، فهو على فطرته التي ولدته مه عليها، من حيث عدم القراءَة والكتابة.
التفسير
١٥٨ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾:
لما حكى الله ما في الكتابين من نعوت رسول الله ﷺ وشرف من يتبعه من أَهلهما ونيلهم سعادة الدارين - أَمر رسوله ﷺ ببيان أَن تلك السعادة غير مختصة بأَهل الكتابين إِن آمنوا به بل هي شاملة لكل من يتبعه من جميع الناس، سواء أَكانوا في عصره أَم فيما تلاه من عصور إِلى يوم القيامة. فإِن رسالته ﷺ عامة لجميع الناس في كل عصر من العصور قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) فتلك من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 1546
أَما سائر الرسل فقد كانوا يبعثون إِلى أُمم خاصة، وقد يتعدد الرسل في وقت واحد لأُمم مختلفة أَو لأُمة واحدة، فقد كان لوط وإِبراهيم مرسلين في عصر واحد، كلاهما إِلى غير أمة الآخر، وكان موسى وهارون مرسلين معا إِلى فرعون وقومه وبنى إِسرائيل.
والمعنى: قل يا محمَّد مناديا الناس جميعًا من عاصرك منهم ومن بعدهم إِلى يوم القيامة حيث يبلغ عنك الحاضر منهم الغائب، والموجود منهم من سيوجد: قل يا أيها الناس إِنى رسول الله إِليكم جميعًا الذي له ملك السموات والأَرض من أَجزائهما وما استقر فيهما خلقا وملكا وتصرفا، ومن كان كذلك فلا معبود بحق سواه، ولا يصح أَن يكفر برسوله المؤيد بآياته.
﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
هذا من جملة ما أُمر النبي ﷺ بتبليغه للناس، مفرع على ما بين لهم من رسالته إِليهم.
والمعنى: وحيث كنتُ رسوله إِليكم فآمنوا بالله الذي بينت لكم عظمته وآمنوا برسوله النبي الأمى، الذي جاءكم بكتاب فيه علوم الأولين والآخرين. وهو لا يقرأ ولا يكتب، وذلك من براهين رسالته، ومع كونه رسولا إِليكم فهو يؤمن باللهِ تعالى وبكتبه التي أَنزلها على رسله السابقين له، ويؤمن بالقرآن الكريم الذي هو من كلمات الله وكتبه، فهو يسبقكم إِلى الإِيمان به، واتبعوه في كل ما دعاكم إِليه فعلا وتركًا رجاء أَن تهتدوا باتباعه إِلى مطلوبكم من سعادة الدارين.
ووصفه ﷺ بالنبي الأُمى بعد وصفه بالرسالة لمدحه والإِشارة إِلى نعته في الكتابين - التوراة والإِنجيل - تقريرا لأَمر نبوته حتى يقبلوا على الإيمان به.
стр. 1547
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾.
المفردات:
﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾: يرشدونهم بكلمة الحق.
﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: وبالحق يعدلون في الأَحكام.
﴿أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾: أَي قبائل صارت أمما، وأَصل السبط ولد الابن أَو البنت.
﴿فَانْبَجَسَتْ﴾: فانفجرت.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾: وجعلنا السحاب يظلهم من الشمس.
﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: المن صمغة حلوة، والسلوى السُّمانى.
التفسير
١٥٩ - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾:
كلام مستأنف لدفع توهم حرمان أَسلاف قوم موسى من كل خير، بعد تخصيص من يتبع رسول الله ﷺ بكتابة الرحمة والتقوى والإِيمان بكلمات الله في الآية السابقة، ولبيان أَن اليهود ليسوا كلهم كما حكيت أَحوالهم، بل منهم أُمة يهدون الناس بالحق وبه يعدلون.
стр. 1548
والمعنى: ومن قوم موسى جماعة يهدون الناس بهدى الحق، وبالحق يعدلون في الأَحكام الجارية فيما بينهم، وذلك قبل أَن يبدلوا توراتهم، ويدخلوا فيها ما لم ينزله الله تعالى بها، فقد كان فيها هدى ونور حينئذ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ .. ﴾ الآية (١). وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ الآيات (٢).
ويجوز أَن يكون المراد بهم من آمنوا منهم بمحمد ﷺ وأَن يكون المراد بتلاوتهم آيات الله تلاوة القرآن الكريم، وهذا هو الظاهر.
١٦٠ - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾:
شروع في بيان بعض النعم التي أَنعم الله بها على قوم موسى، برهم وفاجرهم واعلم أَن السبط في اللغة معناه ولد الولد، ولما كان بنو إِسرائيل هم ذرية أَولاد إِسرائيل (٣) الاثنى عشر، فلذا أطلق عليهم أَسباط، لأَنهم أَولاد أَولاده، وقد شاعت هذه التسمية فيهم حتى أَصبحت حقيقة عرفية، وهي فيهم كالقبيلة في ولد إِسماعيل ﵇.
والمعنى: وصيرناهم اثنتى عشرة أُمة، كل أُمة منهم ترجع إِلى ولد من أَولاده الاثنى عشر فكانوا لهذا أَسباطًا له، أَي أولادًا لأَولاده هؤلاء ..
وتأنيث اثنتى مع أَن المعدود مذكر وهو أَسباط، لتفسيره بالأُمم ولأَن الجمع يؤنث وصفه وكذا فعله الذي يسند إِليه.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾:
كان العطش قد استبد بقوم موسى، وهم في التيه، فاستسقوه - أَي طلبوا منه أَن يدعو الله تعالى أَن يسقيهم الماء الذي لم يجدوه في صحراء التيه - فاستسقى موسى ربه بأَن دعاه أَن يمن على قومه بالماءِ ليشربوه حتى لا يهلكوا عطشًا، فأَوحى الله إِليه أَن اضرب
стр. 1549
بعصاك الحجر ليخرج منه الماء لهم، فضربه فورًا بعصاه كما أَمره ربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بقدرة الله تعالى، لكل سبط من أَسباطهم عين خاصة بهم، عرفوها بذاتها حتى لا يختلفوا على مائهم.
ويفهم من ذلك أَن كل سبط منهم كان عدد أَفراده كثيرًا، حتى جعل لهم هذا العدد من العيون بعدد أَسباطهم.
وقد أَباح الله لموسى أَن يختار أَىَّ عصا ليضرب بها، وأَى حجر ليضربه بالعصا التي يختارها، فلم يعين له هذا ولا تلك، قال الحسن: ما كان إِلا حجرا اعترضه، وإِلا عصا أَخذها، ولعل الله تعالى أَراد بتكليف موسى ﵇ بضرب الحجر بعصاه، ليكون خروج الماء بذلك معجزة له، حتى يزدادوا بنبوته استيقانا، ويقبلوا على العمل بما جاء به من التوراة، فلقد كان إِيمانهم ضعيفًا، ولذا عبدوا العجل وطلبوا من موسى أَن يرحمهم الله جهرة.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: كانت حال بنى إِسرائيل في التيه سيئة، فإِن صحراءَ التيه كانت عديمة الشجر مفقودة الظلال، فلذلك كانوا في أَشد الحاجة إِلى ما يقيهم حرارة الشمس التي يزيدها اتقادًا انعكاسها على رمال الصحراء.
ولقد تفضل الله فأَزال متاعبهم من جهة الماءِ بتفجير تلك العيون التي مر بيانها، ومن جهة الحر بأَن جعل الغمام يلقى ظلاله عليهم، ويقيهم حرارة الشمس، حيث أَرسل السحاب فوقهم في مقامهم ومسيرهم، فحال دون وصول أَشعة الشمس إِلى حيث يقيمون أَو يسيرون، وبقيت مشكلة الغذاءِ الذي لا مصدر له في التيه ولا يصل إِليهم به أَحد، فتفضل الله عليهم بإِنزال المن والسلوى ليكونا طعامًا لهم. أَما السنن فهو صمغة حلوة تشبه البرَدَ في منظره (١)، والشهد في حلاوته، ويسمى الترنجين، وأَما السمانى: فهى طيور معروفة بلذة لحومها، مطبوخة أَو مشوية، فكانوا يتغذون بالسلوى ويتحلون بالمن حيثما شاءُوا.
стр. 1550
وحين أَنزلهما الله عليهم، قال لهم متفضلا على لسان نبيه موسى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وبذلك الأَمر الكريم أَباح الله لهم أَن يغتذوا بلذائذ هذا الرزق الكريم الذي أَنقذهم به من الهلاك جوعًا، وهم في تيههم منقطعون عن العالم، وكان من حق هذه النعم أَن تقابل منهم بشكرها.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أَي وما ظلموا الله ولا بغوا عليه بكفرانهم نعمته، ولكنهم ظلموا أَنفسهم خاصة، فلا يتخطاهم ضرره وسوء عاقبته.
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾.
المفردات:
﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: هي بيت المقدس أَو أَريحاء - على ما قيل.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: من الحط وهو الوضع والطرح، والمراد بها أَن يطلبوا حط ذنوبهم وطرحها عنهم بغفران الله لهم.
﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: وادخلوا باب القرية التي أمرتم بدخولها خاشعين خاضعين لله شكرًا له على تمكينكم من دخولها.
﴿رِجْزًا﴾: أَي عذابًا.
стр. 1551
التفسير
١٦١ - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾:
بين الله في الآية السابقة أَنه أَنعم على بنى إِسرائيل وهم في التيه فأَنقذهم من الهلاك في صحرائه، بما أَخرجه لهم من ينابيع الماءِ،، وأَنزله إِليهم من لذيذ الغذاءِ، كما بين أَنهم ظلموا أَنفسهم بكفران تلك النعم التي لا يستحقونها، وكان عليهم أَن يشكروها ويعتبروا بما أَصابهم من العقوبات على مخالفاتهم. وجاءت هذه الآية وما بعدها في إِثرها لبيان طرف آخر من آثامهم غير ما مر من كفرانهم بتلك النعم الجليلة، والغرض من سوق ذلك كله تذكير اليهود المعاصرين للنبي ﷺ بما صنعه أَسلافهم، حيث قابلوا فضل الله عليهم ونعمه بالجحود والتنكر لها، وأَنه إِذا خبث الأَصل كان فرعه مثله، فلا غرابة أَن يتنكروا للحق كما تنكر أَسلافهم.
والمعنى: واذكرْ أَيها الرسول لليهود المعاصرين لك، إِذ قيل لأَصولهم من قِبَلِ الله تعالى، على لسان موسى، أَو على لسان يوشع بعد موته ﵉ اسكنوا هذه القرية - بيت المقدس أَو أريحاء - بعد أَن نصركم الله على قومها الجبارين عباد الأَوثان - حين استجبتم لما أمرتم به من جهادهم. وادخلوا من بابها سجدا خاشعين خاضعين لله شاكرين له على نصركم عليهم، لا دخول المتجبرين المستكبرين أهل البطر والخيلاءِ فإِن نصركم من عند الله لا من عند أَنفسكم فلا يليق بكم أَن تشمخوا بأَنوفكم وتستكبروا على من حولكم، واتجِهوا إِلى ربكم قائلين له: حِطَّةٌ وغفرانٌ منك يا الله لذنوبنا، تأْكيدًا لتواضعكم، واعترافًا منكم بتقصيركم، فإِن فعلتم ذلك يغفر لكم الله ما مر من خطيآتكم، ولا نقتصر على ذلك، بل سنزيد المحسنين على المغفرة ثوابًا لا حد له.
وقد كان أَمر بنى إِسرائيل بدخولهم تلك القرية، بعد انتهاء مدة عقوبتهم في التيه وكانت أَربعين سنة يتيهون فيها في صحرائه، ولا يجدون لهم منفذًا إِلى أَرض الله، حتى
стр. 1552
إِذا مرَّت تلك المدة، أَمرهم الله بجهاد الجبارين في تلك القرية، التي تعتبر عاصمة لإِقليمها، فإِذا سقطت في أَيديهم سقط إِقليمها معها. وكان موسى قد أَمرهم بدخولها بقوله: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، ولما كان دخولها يستلزم قتال أَهلها، وهم جبناء لا يحبون القتال فلذا أَجابوه بقولهم: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فانظر إلى فساد عقلهم حيث تمنوا خروج الجبارين طواعية بغير قتال ليحلوا محلهم بعد خروجهم، ولما أَجابوا موسى بهذا الجواب الحقير: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فأَصروا على موقفهم وقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ فطلب موسى عقابهم بقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ فأَجابه بقوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ راجع الآيات من ٢١ إِلى ٢٦ من سورة المائدة.
فلمَّا مرَّت مدة التيه، دعاهم يوشع لقتال الجبارين بعد وفاة موسى (على الراجح) فاستجابوا له فنصرهم الله تعالى عليهم.
موازنة بين ما في البقرة وما هنا
جاء الأَمر هنا بالسكنى حيث قيل: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا﴾ ولكنه في البقرة أَمر بالدخول حيث قيل: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا﴾ ولا تناقض في ذلك، فإِن الدخول لغرض السكنى، وعطف الأَكل هناك بفاء الترتيب (فكلوا) لأَنه يكون بعد الدخول، وعطف بالواو "وكلوا" لأَن السكنى أَمر ممتد، والأَكل يكون معها لا بعدها، والواو للمعية وذكر هناك "رَغَدًا" ولم يذكر هنا، لأَن الأَكل بعد الدخول عقب النصر يكون أَلذ، أَما بعد السكنى والاعتياد على المكان، فإِنه يكون أَقل لذة فلذا لم يذكر معها، ولا تنافى بين قوله هنا: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ بتقديم القول على الدخول، وقوله في البقرة ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ بتقديم الدخول على القول، لأَن المأمور به في الآيتين
стр. 1553
هو الجمع بين الفعلين من غير اعتبار الترتيب بينهما، فإِن الواو لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبا.
١٦٢ - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾:
أَي فبدل الذين ظلموا من هؤُلاء - وكلهم كانوا ظالمين (١) - قولًا غير الذي قيل لهم، فقد أُمروا بالتوبة والاستغفار بأَن يقولوا حطة لذنوبنا وغفران لها، فوضعوا مكان ذلك قولًا آخر لا خير فيه تكبرًا وعتوا، ولم يذكروا فضل الله عليهم في الانتصارات ونعمته عليهم بالإِسكان في تلك القرية بعد التشريد في التيه أَربعين عامًا وهكذا يفعل عتاة الجيوش المنتصرة، يتكبرون في الأَرض، ويستَعْلون على الناس وينسبون الانتصار لأَنفسهم، وينسون فضل الله - تعالى - عليهم.
ومن المفسرين من ذكروا أَنهم قالوا بدل (حطة) حنطة بزيادة النون، استخفافًا باللهِ واستهزاءً بموسى - لعنهم الله - ولكنا لم نجد نصًا في ذلك يمكن الاعتماد عليه، سوى قوله - تعالى - عقب ذلك: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ فَهُو يفيد أَن التبديل كان بِقَوْلٍ ظالم شديد الظلم بحيث استحقوا بسببه أَن ينزل الله عليهم عقبه (رِجْزًا) أَي عذَابا ﴿مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أَما حقيقة العبارات التي قالوها وظلموا بها ظلمًا فظيعًا، فلم يرد بها نص، فلهذا لم نشأْ أَن نتحمل عهدته ونقدمه للقارئ تفسيرًا لما قالوه.
ولا تنافى بين قوله هنا: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾، وَقوله في البقرة: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ فإِن ظلمهم يستلزم فسقهم، فهم ظالمون فاسقون فكلا الوصفين فيهم.
стр. 1554
﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾.
المفردات:
﴿الْقَرْيَةِ﴾: مدينة أَيلة، ﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: قريبة منه.
﴿يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾: يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت.
﴿حِيتَانُهُمْ﴾: المراد بها أَنواع السمك المختلفة.
﴿شُرَّعًا﴾: جمع شارع أَي: ظاهرة على وجه الماءِ. من شرع علينا إِذا دنا وأَشرف.
التفسير
١٦٣ - ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ … ﴾ الآية:
لا يزال الحديث عن سيئات اليهود وآثامهم موصولا، فقد أَمر الله رسوله محمدًا ﷺ في هذه الآية، أَن يسأَل يهود زمانه المعاصرين له سؤَال تقرير وتقريع بما يفيد أَنهم عريقون في تجاوزهم لحدود الله تعالى.
والمراد: إِعلانهم بأَن ما أَخفوه عن غيرهم من مآثمهم، أَطلع الله رسوله عليه ولك شاهد بنبوته ﷺ فإِن مثل ذلك لا يقوله إِلا من اطلع على كتبهم، أَو سمعه من علمائهم، ومحمد ﷺ أُمى لا يقرأُ ولا يكتب، فلا سبيل له إِلى اطلاعه عليها، وعلماؤُهم لا يصرحون له ولا لغيره بما يفضح أَسرار أَصولهم وأَجدادهم من المخازى والسيئات، فلا سبيل إِلى معرفتها إِلا أَن يوحى الله إِليه بها، والقرية التي كانت حاضرة البحر هي أَيلة، وهي قريبة بين مدين والطور، وهذا هو ما نقل عن ابن عباس ﵄ وعن ابن شهاب هي طبرية. وقيل غير ذلك والمعنى: واسأَل أَيها الرسول
стр. 1555
من عاصرك من اليهود عن حال أَهل القرية التي كانت مشرفة عل البحر، حين يظلمون ويتجاوزون حدود الله في يوم السبت بالصيد فيه وهو محرم عليهم، تعظيمًا لهذا اليوم الذي كان يوم راحة وعبادة لديهم، كما حرم عليهم فيه الاشتغال بغيرها، وكانت تأْتيهم حيتانهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماءِ، حيث أَدركت بغريزتها هدوء حركة الصيد في هذا اليوم، فكانت تطفو على وجه الماءِ آمنة. وكأَن الله تعالى - يبعثها على الظهور في هذا اليوم ابتلاء لهم، وحين لا يكونون في يوم السبت لا تظهر على وجه الماءِ ولا تكون كثيرة لديهم.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
أَي مثل ذلك الابتلاء الشديد نبتليهم بسبب فسقهم وخروجهم على طاعة الله - تعالى - السبت اسم لليوم المعروف، وأضيف إِليهم في قوله تعالى: "يوم سبتهم" لاختصاصهم بأَحكامه، ويجوز أَن يكون مَصْدَرَ سَبَتَ اليهود إِذا عظمت السبت بالتجرد للعبادة فيه ويؤيده قراءة: "يَوْمَ إِسْبَاتِهمْ" وكذا قوله تعالى "وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ": أَي ويوم لا يعظمون السبت، لأَنهم في يوم آخر سواه.
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾.
المفردات:
﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾: قال الأَزهرى؛ المعذرة بمعنى الاعتذار، وَعُدَّىَ بإِلى متضمنة معنى الإِنهاء والإِبلاغ.
стр. 1556
﴿بَئِيسٍ﴾: شديد، ﴿عَتَوْا﴾: تكبروا وأَعرضوا.
﴿خَاسِئِينَ﴾: أَذلاء صاغرين.
التفسير
١٦٤ - ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا .. ﴾ الآية:
لا يزال الحديث موصولا عن مساوئ اليهود منذ عهد بعيد، فقد بينت هذه الآية الكريمة: أَن جماعة صالحة من أَهل القرية التي كانت حاضرة البحر ومشرفة عليه، دأَبوا على وعظ أَهلها وتذكيرهم بوجوب تنفيذ أَوامر الله والانتهاءِ عن محارمه، وفي جملة ذلك الصيد في يوم السبت الذي جعله الله يوم عبادة، وحرم الاشتغال فيه بغير العبادة من صيد وسواه، كما بَيَّنَتْ أَن جماعة أُخرى من أَهل الصلاح رأَوا أَن لا فائدة من وعظ أولئك القوم المُصِرِّين على المخالفة والعصيان فقالوا للواعظين: لماذا تشتغلون بوعظ هؤلاءِ المقيمين
على العصيان، الذين سيهلكهم الله ويستأْصلهم بذنوبهم، أو يعذبهم عذابًا شديدًا دون استئصال. يريدون بمقالهم هذا أَن يكف الواعظون عن وعظهم لعدم فائدته في قومهم فيجيبهم أولئك الوعاظ قائلين: إِنما نواصل وعظهم اعتذارًا إِلى الله ورجاء أَن يتقى قومنا ربهم بتوالى وعظهم، يقصدون أَنهم باستمرارهم على وعظ أولئك المعرضين، يهدفون إِلى تحقيق غرضين، (أَولهما): أَن يقدموا معذرة إِلى الله حتى لا ينسبهم إلى نوع من التفريط في النهي عن المنكر، فإن الله أَخذ العهد على أَهل العلم أَن يعلموا الناس وأَن لا يقنطوا من عدم الاستجابة السريعة إِلى تعليمهم وإِرشادهم (وثانيهما): أَن يستجيب الناس إِلى الوعظ فكم من عاص تاب إِلى الله بعد حين من وعظه.
والموعظة: العذر الذي يُتَنصَّل به من الذنب.
وهذا التقاول الذي حدث، إِما أَن يكون بين فريقين من الوعاظ، كأَنه قال بعضهم لبعض: لماذا نشتغل بما لا يفيد، وإِما أَن يكون بين فريق صالح من الأُمة لم يرضهم رفض قومهم للوعظ، وبين طائفة الوعاظ إِشفاقًا عليهم من جهدهم الضائع في أُمتهم، كأَنهم يقولون لهم: كفوا عن وعظهم فإِنه عدم الفائدة.
стр. 1557
أَما قولهم: ﴿اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ فالمقصود منه أَن المعاصي والذنوب مآلها الاستئصال بالهلاكِ في الدنيا، أَو العذاب الشديد في الدنيا بدون هلاك، أَو في الآخرة وقد يجمع الله في الدنيا على العصاة الأَمرين الإهلاك وتعذيبهم عذابًا شديدًا، دون الاستئصال أو المراد تعذيبهم في الآخرة، أَو الجمع بين ذلك كله.
وليس المقصود من قول السائلين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ … ﴾ إلخ: مجرد السؤال عن سبب وعظهم أولئك المعرضين أَو عن حكمته، بل المقصود منه نهيهم عن وعظهم لعدم فائدته كما تقدم بيانه، وقد عدل به إِلى هذا الأُسلوب، لأَنه آكد في النهي، كأنه قيل: أَي حكمة من الاستمرار في وعظهم مع أَنهم مصرّون على الذنب ومعاقبون من الله عليه أَي: لا حكمة فيه فكفّوا عنه.
﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:
أَي قال المرشدون للعصاة مجيبين من أنكر عليهم وعظ العصاة ومعتذرين عن مواصلة وعظهم: إِنما نفعل ذلك ليكون معذرة لنا عند الله، حتى لا نكون من المقصرين في النهي عن المنكر، ولعل ذلك يكون سببًا لإِقلاعهم عما هم فيه من المعاصي.
١٦٥ - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
أَي فلما تركوا ما ذكرهم به وعاظهم ترك الشئ المنسى، وأَعرضوا عنه إِعراضًا تامًّا، أَنجينا الذين ينهون عن المعصية التي من شأْنها أَن تسوءَ فاعلها وعاقبنا الذين ظلموا أَنفسهم بمخالفة أَوامر الله ونواهيه، بعذاب شديد لا رحمة فيه، بسبب استمرارهم على الفسق والخروج عن طاعة الله تعالى.
١٦٦ - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾:
بينت الآية السابقة أَن الله تعالى عذبهم بعذاب بئيس لا رحمة فيه بسبب معاصيهم لعلهم يرتدعون، وجاءت هذه الآية لتقرر أَنهم لم يتأَثروا بهذا العذاب، بل استمروا في ارتكاب ما نهوا عنه وزادوا في طغيانهم فعوقبوا بمسخهم قردة في خلقهم أَو أَخلاقهم أذلاء بعيدين عن الإِنسانية صورة أو معنى.
стр. 1558
وتحويل من عصى بالصيد يوم السبت، إلى قردة حقيقة هو رأْى جمهور المفسرين، ومن العلماء من يرى: أَن ذلك من باب التمثيل لسوءِ رأيهم وعدم اعتبارهم بالمواعظ، فكما أَن القردةَ لا تهتم بما وراء طعامها وإِشباع غريزتها فكذلك هؤلاء فكأَنه تعالى قال لهم: كونوا مثل القردة في عدم الفهم والإدراك وسوء تقدير العواقب.
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ في الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾.
المفردات:
﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾: تأَذن بمعنى آذن أَي أَعلم، كتوعد بمعنى أَوعد.
﴿مَنْ يَسُومُهُمْ﴾: من يذيقهم.
التفسير
١٦٧ - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ … ﴾ الآية.
لا توجد أُمة تلاعبت بشريعتها وعبثت بها، ما بين إِيمان وكفر، وطاعة وعصيان مثل بنى إِسرائيل.
ونظرا لتأَصُّل الشر فيهم، وسريانه في دمائهم، وتنقله في أَجيالهم سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إِلى يوم القيامة، كما تشير إِليه هذه الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ … ﴾:
стр. 1559
أَي: واذكر يا محمَّد وقت أَن أَعلم ربك الناس بما قضاه على بنى إسرائيل جزاء سيئاتهم وتمردهم المستمر، ليسلطن عليهم إلى يوم القيامة من يذيقهم سوء العذاب، من إِجلاءٍ وتشريد، وقد بعث الله عليهم بعد سليمان ﵇ بختنصر، فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقى منهم ثم سلط عليهم الرومان مرة بعد أخرى - بسبب جرائمهم - فشردوهم، وهدموا هيكلهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا (١).
ولما جاء نبينا محمَّد ﷺ بالهدى ودين الحق تآمروا على قتله، وعاهدوا قريشًا عليه في غزوة الخندق، فقاتلهم وأَجلى من بقى منهم، ثم توالى عليهم الإِذلال والتشريد والقتل بعد ذلك، أَما نشاطهم الحالى في كثير من المجتمعات - فإِلى حين، ولسوف يعود إِليهم الإِذلال والتشريد، وما ربك بغافل عما يعملون.
ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ليشير بذلك إِلى أَنه لا ينبغي لأَحد عصى الله أَن يأْمن جانبه ويطمئن إِلى حلمه فيستمر في معاصيه، فهو سريع العقاب لمن رأَى الحكمة في تعجيل عقابه، ويشير بذلك أيضًا إِلى أَنه عظيم الغفران واسع الرحمة لمن تاب وآمن.
١٦٨ - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ في الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ .. ﴾ الآية:
توعدهم الله في الآية السابقة بأَن يبعث عليهم - إِلى يوم القيامة - من يذيقهم سوءَ العذاب، وجاءت هذه الآية لتبين أثرا من آثار هذا الوعيد وهو تفريقهم في الأَرض حتى لا تكون لهم شوكة، وهذا التفريق والتقطيع في الأَرض بتسليط الله عليهم من يفرقهم فيها بسبب عصيانهم لله وإيذائهم للأُمم التي يعيشون فيها.
والمعنى: وفرقناهم في الأَرض فرقًا وقطعًا (٢) كل فرقة في قطر من أَقطارها، وقلما يخلو قطر فيها منهم، حتى لا تكون لهم شوكة ومنعة باجتماعهم في قطر واحد يترتب عليه أَذى
стр. 1560
كثيرًا لعباد الله، أَلا ترى أَنهم لما اجتمعوا وصارت لهم دولة في فلسطين تنفيذًا لوعد - بلفور - الإِنجليزى في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادى، آذوا جيرانهم من عرب فلسطين والأُردن وسوريا ومصر، وعدوا على أَراضيهم، ولكن الله العلى القدير، سلط عليهم جيش مصر وجيش سوريا في العاشر من رمضان سنة ١٣٩٣ الموافق ٦ من أُكتوبر سنة ١٩٧٣، فدكا حصونهم وأَوقعا بجيشهم، فقتلا منهم وجرحا وأَسرا عددًا كبيرًا، وحطما أَسلحتهم وأَجهزة الحرب لديهم، من طائرات ودبابات وغيرها، في حرب خاطفة أَذهلت أُمم العالم، وحملتهم على تأييد العرب ضدهم في استردادهم الأَرض التي سلبوها منهم وسيتحقق بإِذن الله للعرب والمسلمين مزيد من النصر عليهم، حتى تزول دولتهم من أَرض العرب، وتنتهى شوكتهم ومنعتهم، ويعودوا إِلى سوءِ العذاب والنكال الذي توعدهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ … ﴾ الآية.
أَمَّا الصالحون منهم في قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ فالمقصود بهم كما قال الطبرى من آمنوا بالله ورسله الذين أرسلوا إِليهم، وثبتوا على دينهم قبل عيسى ﵇. وقيل: هم الذين أَدركوا النبي ﷺ وآمنوا به، ونسب ذلك إلى ابن عباس ﵄.
وأَما من هم دون ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ فالمقصود بهم كفارهم وفساقهم فهم دون الصالحين وأَحط منهم.
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
أَي وامتحناهم بالنعم المختلفة من مال وخصب وعافية وولد وغير ذلك من الحسنات، كما امتحناهم بالمحن المتنوعة من الجدب والتشريد، والقتل والأَسر وغير ذلك من السيئات التي تسوءهم لعلهم يرجعون إِلى طاعة ربهم، ويتوبون من غيهم.
стр. 1561
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾.
المفردات:
﴿خَلْفٌ﴾: المراد بهم هنا الأَولاد، وأَكثر ما يستعمل الخلْف بسكون اللام في الشر ومنه: سكت ألْفًا ونطق خَلْفًا، وأَكثر ما يستعمل الْخَلَفُ بفتح اللام في الخير وأَصل الخلف بصيغتيه ما يكون وراء غيره أَو بعده.
﴿عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾: الْعَرَضُ: ما لا ثبات له، وفي النهاية: العرَض - بالفتح - متاع الدنيا وحطامها. والمراد بهذا الأَدنى: الدنيا. وأُشير إِليها "بهذا" وهو للمذكر، على تقدير: هذا الشئُ الأَدنى (١).
﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾: المراد بالكتاب: التوراة. وبميثاقه: عهده الوثيق المؤكد.
﴿يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾: يتمسكون به.
التفسير
١٦٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى … ﴾ الآية:
стр. 1562
أَي: فجاء من بعد الصالحين والطالحين الأَولين من بنى إِسرائيل ذرية خلفهم ورثوا كتاب التوراة عن أَسلافهم - وهم الذين عاصروا النبي ﷺ يتعاطون العرض الأَدنى من هذا المتاع الدنيوى، وهو ما حرمه الله في كتابهم من الأَموال والعروض والوجاهة القائمة على الأَضاليل، ولا يقتصرون على ما أَحله الله منها، فقد كانوا يأْخذون الرشوة على القضاء لصالح من يدفعها وعلى تغيير حكم الله في التوراة عند الفتوى لقاء عرض زائل (١) وعلى تحريفها وسوء تأْويلها لصالح زعمائِهم ليحتفظوا بوجاهتهم لديهم، ويقولون في أَنفسهم لا يؤاخذنا الله بما نأخذ ولا بما نقول، بل سيغفر لنا، زاعمين أَنهم أَبناء الله وأَحباؤُه، ولهذا يصرون على الذنب، وهذا هوالمقصود بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أَي يرجون المغفرة والحال: أَنهم إن يأْتهم عرض محرم مثل الذي أَخذوه يعودون لأَخذه مصرَّين على الذنب، زاعمين المغفرة مع الاستمرار فيه، فهم لا يرعوون ولا يتوبون ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾:
أَي أَلم يؤخذ على بنى إِسرائيل ميثاق التوراة وعهدها أَن لا يقولوا على الله إِلا الحق ودرسوا ما فيه دراسة تامة، فعرفوا حلاله وحرامه، فما بالهم يتعاطون الحرام ويصرون عليه، ويقطعون بمغفرة الله لذنوبهم.
﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
أَي وثواب الدار الآخرة خير للذين يتقون الله فيتوبون إِليه من كفرهم ومعاصيهم وقولهم على الله غير الحق وأَخذهم ما لا يحل لهم، فإِن متاع الدنيا قليل ومتاع الآخرة كثير دائم.
١٧٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾:
أَي: والذين يتمسكون في أُمور دينهم بالكتاب، يقال مَسَّك بالشئِ وتمسك به بمعنى واحد والمراد بهم - كما قال مجاهد وابن زيد - الذين آمنوا من أَهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأَصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى ﵇ فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة.
стр. 1563
وقد كان تمسكهم بكتابهم على هذا طريقًا إِلى إِيمانهم بالنبي ﷺ وبما جاء به من عند الله تعالى، وذلك أَنهم رأَوا ما فيه من أَوصاف خاتم النبيين، فوجدوها منطبقة عليه ﷺ وعلى ما جاء به من الهدى، فسارعوا إلى الإيمان به، والعمل بكتابه، تمسكًا منهم بكتابهم الذي يوجب عليهم حينما يتحققون من أَمارات نبوته، أَن يسارعوا إِلى الإِيمان به والعمل بكتابه، فهو مهيمن على جميع الكتب السماوية، مشتمل على أُصول ما جاءَ فيها، فمن عمل بالقرآن، فقد تمسك بجميع الكتب السماوية لاشتماله عليها وانفراده عنها بما جاءَ فيه من الفروع المناسبة لحال الأُمة الإِسلامية، التي جعلها الله خير أُمة أُخرجت للناس.
ويئول الأَمر إِلى أَنهم يتمسكون بالقرآن الكريم (١).
وقال عطاء: المراد من الذين يمسكون بالكتاب أمة محمَّد ﷺ والمراد من الكتاب القرآن الكريم.
ومعنى الآية: والذين يتمسَّكون في أمرهم كله بكتاب الله تعالى ويعلمون بما فيه دائما واهتموا بالصلاة خاصة فأَقاموها في أَوقاتها بأَركانها وشروطها، إِن الله لا يضيع أَجرهم فهم مصلحون، والله لا يضيع أَجر المصلحين.
وتخصيص إِقامة الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات مع دخولها في التمسك بالكتاب: لأَنها تنهى عن الفحشاءِ والمنكر، فإِن من يقف مخلصًا بين يدي ربه خمس مرات في اليوم والليلة يناجيه ويدعوه، يستحى أَن يفعل ذلك وهو مرتكب للفحشاءِ والمنكر، ولهذا اعتبرت عماد الدين (٢).
стр. 1564
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾.
المفردات:
﴿نَتَقْنَا﴾: رفعنا - ﴿ظُلَّةٌ﴾: الظلة ما أَظلك.
﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجد وعزيمة - ﴿وَظَنُّوا﴾: أَي تيقنوا - وكثيرًا ما يستعمل الظن بمعنى التيقن كما هنا.
التفسير
١٧١ - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ .. ﴾ الآية:
الربط: هذه الآية الكريمة متصلة بالآيات السابقة التي سجلت على بنى إِسرائيل عنادهم وكفرهم بعد ما رأَوا الآيات، وبعد أَن حقق الله لهم كثيرًا من الرغبات التي كانت تقتضى منهم الإيمان والشكر، بدلا مما هم عليه من العصيان والكفر، وقد كان مما طلبوا أَن يأْتيهم نبى الله موسى بكتاب من عند الله، فيه بيان للتشريعات، وتوضيح لمعالم الحلال والحرام، وقد جاءَهم موسى بالتوراة مكتوبة في الأَلواح، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (١).
فلما قرأَ عليهم التوراة، بادروا نبيهم بأَن ما فيها لا يتحملونه، لأنه إِصر وحمل ثقيل عليهم لا يطيقونه، وكان هذا منهم عنادًا، فحملهم الله على العمل بما في التوراة بعد أَن لم يجد معهم اللين، بأَن نتق الجبل فوقهم ورفعه رفعا حقيقيا كأَنه ظُلَّة.
стр. 1565
المعنى:
واذكر يا محمَّد وقت أَن رفعنا الجبل فوق بنى إِسرائيل فظللهم وتيقنوا أَنه واقع بهم وساقط عليهم لعدم ثبات الأَجسام الثقيلة في الفضاءِ، وقلنا لهم في هذه الحالة المخيفة تقبلوا ما فرضناه عليكم في التوراة، وخذوه بجد وعزيمة وصدق، ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: أَي تدارسوا تعاليمه وأَحكامه واذكروها، واعملوا بما فيها حتى لا تنسوها فإِن الدراسة والعمل تجعل كتابكم غير منسىّ ولا متروك، وفي دراسته على هذا النحو تطهير لقلوبكم وتزكية لنفوسكم وسلوك بكم سبيل الوصول إِلى درجة المتقين.
وقد يقال: إِن إِيمانهم بعد رفع الجبل فوقهم حاصل بالإِلجاءِ والإِكراه وهو مناف للإِيمان الصادق، لأَنه إِنما يكون بالاختيار.
ويردُّ على ذلك بأَن الله قد ترك لهم فرصة الاختيار مدة كافية قبل رفع الجبل، ولم يؤمنوا لقسوة قلوبهم، فكان هذا الإِلجاء في آخر أَمرهم بمنزلة جهاد الكافرين والمشركين بعد أَن وجهت الدعوة إِليهم ليؤمنوا اختيارًا فأعرضوا وفي كلا الأَمرين مصلحة لهم.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾.
المفردات:
﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾: من أَصلابهم - ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾: المتبعون للباطل.
стр. 1566
التفسير
١٧٢ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ .... ﴾ الآية:
الربط جاء فيما سبق بيان أَخذ العهد على بنى إِسرائيل ليأْخذوا التوراة ويعملوا بما فيها، وفي هذه الآيات بيان أَخذ العهد على بنى آدم جميعًا ويدخل فيهم بنو إِسرائيل لتتأَكد مسئوليتهم عن عهدهم بدخولهم في العهد العام.
المعنى: واذكر يا محمَّد الوقت الذي أَخذ الله فيه العهد على ذرية آدم في عالم الغيب.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أَي طلب منهم أَن يعترفوا ويقروا بأَن الله ربهم ومالك أمرهم، وأَنه لا إِله إِلا هو، بعد أَن غرس في نفوسهم ذلك وفطرهم عليه، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١) وفي الصحيحين: عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة … " وبعد أَن هيأَهم الله لقبول ذلك وجَّه إِليهم الخطاب بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فكان جوابهم أَن ﴿قَالُوا بَلَى﴾ أَي أَنت ربنا وحدك لا شريك لك، وبذلك الاستفهام التقريرى من الله بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ والإِجابة منهم بقولهم: (نعم) تَمَّ أَخْذُ الميثاق من الله على عباده.
﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾:
أَي: قال الله شهدنا عليكم بما اعترفتم به حتى لا ترجعوا يوم القيامة فيما أَقررتم به معتذرين بقولكم: إِنا كنا عن هذا العهد غافلين - أَي لا علم لنا به - ولا ندرى أَننا عاهدنا هذا العهد، ويجوز أَن يكون بنو آدم هم الذين قالوا ﴿شَهِدْنَا﴾ تأْكيدًا لموافقتهم على العهد بقولهم ﴿بَلَى﴾ فتكون هذه الشهادة من جملة مقول القول.
ويقول بعض المحققين: إن هذا العهد تمثيل لخلقه تعالى إِيَّاهم على الفطرة السليمة، الصالحة للاستدلال بالآيات الكونية على وجوده وربوبيته لهم، وأن ذلك هو معنى قوله ﷺ : "كل مولود يُولد على الفِطْرة .. " الحديث.
стр. 1567
١٧٣ - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ .. ﴾ الآية:
أَي أَن الله تعالى أَخذ عليهم العهد بربوبيته حتى لا يعتذروا عن شركهم بغفلتهم، كما مر في الآية السابقة، أَو يعتذروا بأَن يقولوا: إِنما أشرك، آباؤُنا من قبلنا وكنا ذرية لهم من بعد شركهم، فأَشركنا بشركهم، ونشأْنا نقتدى بهم - كما قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١).
والمراد بيان أَن الله أَثبت بالحجة على كل نفس أَنه أَخذ الميثاق عليهم بتوحيده وأَنه لا يقبل منهم عن الشرك الاعتذار بالغفلة والجهل أَو التقليد للآباء.
﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾: أَي أَتؤَاخذنا فتعذبنا بما فعل المشركون من آبائنا والذنب ذنبهم وتجعل عذابنا مثل عذابهم، مع قيام عذرنا بتقليدنا لهم وحسن الظن بهم؟ ولكن هذا الاعتذار لا يجديهم، بعد إِرسال الرسل مرشدين لهم، مؤيدين لفطرة الله فيهم.
١٧٤ - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أَي ومثل هذا البيان البليغ الواضح نبين الآيات الناطقة بمصير المقلدين لآبائهم ليتفكروا هم ومن على شاكلتهم، ولعلهم يرجعون عن غيهم وجهلهم وتقليدهم، ويعودون إِلى الرشد والهداية الصحيحة، بحيث يعرفون ما وجب عليهم نحو خالقهم.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾.
стр. 1568
المفردات:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: واقرأ عليهم - ﴿نَبَأَ﴾: خبر - ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾: فخرج منها وتركها ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾: أَدركه وتمكن من الوسوسة له.
﴿الْغَاوِينَ﴾: المُبْعَدِين في الضلال - ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾: مال وسقط.
﴿يَلْهَثْ﴾ اللهث: التنفس الشديد مع إِخراج اللسان.
﴿سَاءَ﴾: كلمة ذمٍّ مثل بئس ومعناها قبح.
التفسير
١٧٥ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا (١) ..... ﴾ الآية: أَي واقرأ يا محمَّد على من بعثت إِليهم ومنهم اليهود، خبر الذي آتاه الله الدلائل والبراهين الدالة على الهدى والداعية إِلى الرشاد فترك العمل بها كلية ونبذها وراء ظهره ولم يعرها التفاتًا وتفكرا، فأَدركه الشيطان بالوسوسة والغواية، وصار قرينًا وملازما له، وازداد عصيانًا وضلالا بذلك ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: أَي فصار من الراسخين في الغواية والضلال بإِعراضه عن الآيات البينات التي آتاه الله إياها.
١٧٦ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا .. ﴾ الآية: أَي ولو أَردنا هدايته إِلى الحق بما أَعطيناه من الآيات، لرفعناه إِلى الانتفاع بها والعمل بمقتضاها والوصول إِلى الدرجات العالية والمنازل الرفيعة.
﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾: أَي ولكنه مال إِلى الهبوط بسوءِ اختياره.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: بالإِعراض عن تلك الدلائل الواضحة، فانحط أَشد انحطاط وارتدَّ أَسفل سافلين. وحرم بذلك من مشيئتنا هدايته، ورفعه من كبوته.
стр. 1569
ثم ضرب الله لصاحب هذه القصة مثلا يصور مبلغ تسفله وانحطاطه فقال:
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾:
أَي فصفة وحال هذا العالم في الخسة والدناءَة كصفة وحال أَخس الحيوانات في أَخس أَحواله، وهي اللهث دائمًا في حالتى الراحة والتعب، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾: أَي إِن تطارده بالضرب والإِهانة يخرج لسانه من آثار الإِرهاق والمطاردة وإِن تتركه دون مطاردة وإِيذاء يخرج لسانه كذلك، فشأَنه واحد في الحالين، كذلك شأن ذلك العالم الذي آتاه الله علم آياته ولم يعمل بعلمه، فإِنه لم ينتفع بما علمه سواء أَوَعَظْتَهُ أَم تركته فهو في الحالين باق في ظلمات الجهل، والمراد من التشبيه ذم هذا الذي آتاه الله الآيات البينات، فترك العمل بها.
﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أَي ذلك المثل الذي تقدم هو صفة وحال كل الذين كذبوا بآياتنا التي أَوضحت لهم سبل الهداية والرشاد فلحقهم الذم لهذا الوصف القبيح ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أَي فاذكر يا محمَّد لقومك المخالفين لك والمكذبين لرسالتك قصص المكذبين السابقين عن عناد واستكبار رجاءَ أَن يتدبروا أَمرهم ويعتبروا بما في القصص من عبر ومواعظ ﴿لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) ثم ختم الله هذه الآيات بقوله:
١٧٧ - ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا … ﴾ الآية: أَي قَبُح مثلا حالُ المكذبين لآياتنا التاركين لها عنادا واستكبارا مع وضوحها، وقد ظلموا أَنفسهم دون غيرهم حيث عرضوها للعذاب والعقاب بسبب ما اختاروا من التكذيب والعصيان. والمراد من هذه الآية المبالغة في ذم هؤُلاءِ الذين جمعوا بين التكذيب بالآيات وظلم أَنفسهم بالمعاصى.
стр. 1570
﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾.
المفردات:
﴿ذَرَأْنَا﴾: خلقنا - ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾: لا يفهمون ولا يدركون.
﴿الْغَافِلُونَ﴾: التاركون لما ينفعهم الساهون عنه.
التفسير
١٧٨ - ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
لما أَمر الله النبي ﵊ بأَن يقص على أُمته - عظة واعتبارا - قصص الذي آتاه الله الآيات فتركها عنادا واستكبارا، عقب ذلك بقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ليبين أَن الهداية إِلى الحق بتوفيق الله للعبد؛ وذلك لا يكون إِلا لمن نظر في آيات الله، وسلك سبيل هداه.
والمعنى: من يهده الله إِلى دينه الحق بعد أَن سلك طريق هداه، فهو المهتدى دون سواه، ممن سلك سبيل هواه، ومن يتركه في ضلاله لغفلته عن هداه، فأولئك هم الخاسرون دنياهم وأُخراهم.
стр. 1571
١٧٩ - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا … ﴾ الآية: أَي والله لقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب فيها خلقا كثيرا من الثقلين؛ الجن والإِنس، بسبب صرف وسائل الإِدراك والمعرفة التي أَودعناها فيهم إِلى طريق الشر، لسوءِ اختيارهم، وكان من الممكن أَن يسلكوا بها طريق الخير لو استعملوا عقولهم وأَسماعهم وأَبصارهم فيما ينفعهم، فاستعملوا عقولهم في فهم الآيات التي أَنزلها الله إِليهم، وأَسماعهم في سماع الحجج التي أَتتهم على لسان رسلهم، وأَبصارهِم في النظر في آيات الله التي نصبها لهم في الآفاق، وحثهم على النظر فيها والاعتبار بها ولكنهم لم يفعلوا فاستحقوا الخلود في جهنم.
﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: أَي هؤلاءِ الموصوفون بتلك الصفات المتقدمة، الذين أَوغلوا في الضلالة من الجن والإِنس، قد انحطت منزلتهم إِلى الحضيض، فأَشبهوا الأَنعام التي لا تعقل ولا تدرك إِلا بعض وسائل معيشتها ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: أَي بل هم أَكثر ضلالا منها؛ لأَن الأَنعام عندها شعور بالحاجة إِلى الغذاءِ، والبعد عما يضرها، وهؤلاءِ ليسوا كذلك، حيث عرفوا ما يؤدى إِلى هلاكهم ووقعوا فيه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: أَي أُولئك المماثلون للأَنعام بل الأضل منها هم الكاملون في الغفلة، عما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
وفي هذه الآية الكريمة تقرير لمضمون ما سبق في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾.
التفسير
١٨٠ - ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا … ﴾ الآية:
بعد أَن بين القرآن الكريم غفلة الغافلين التامة عن الله ، وما يحيق بهم من العذاب، جاء يعلم المؤْمنين كيف يذكرونه تعالى، وكيف يعاملون
стр. 1572
المخلين بذلك، الغافلين عن الله، وعما يليق بمقامه العظيم؟ فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا .... ﴾ الآية:
أَي ولله تعالى وحده أَجمل الأَسماءِ الدالة على أَحسن المعانى وأَشرفها فسموه أَيها المؤمنون بتلك الأَسماء العظيمة التي علمكم إِياها في دعائكم إِياه وندائكم له إِجلالا لقدره وتعظيما لمقامه ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمَائِهِ﴾: أَي واجتنبوا الذين يميلون عن الحق في أَسمائه تعالى - حيث اشتقوا منها أَسماء لآلهتهم، كاشتقاقهم "اللاَّت" من الله، "والعُزْى" من العزيز، "ومَنَاةَ" من المنان - أَو معنى يلحدون في أَسمائه، يسمونه سبحانه بغير ما سمى الله تعالى نفسه به، مما لم يرد به كتاب ولا سنة، لأَن أَسماءَ الله تعالى توقيفية - فيجوز أَن يقول المؤمن في دعائه مثلا: يا جواد - ولا يجوز أَن يقول يا سخى، ويجوز أَن يقول: يا عالم، ولا يجوز أَن يقول: يا عاقل، وهكذا ....
﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أَي سيعاقبون بإِلحادهم فلا تتبعوا سبيلهم كى لا يحل بكم من العقاب ما سينزله الله بهم عقوبة ضلالهم المبين، وانحرافهم عن الحق بتسميته بما لم يأْذن به الله.
وبعد أَن أَوضح القرآن حال الملحدين ومصيرهم، شرع يبيَّن حال المهتدين الداعين إِلى الخير وإِلى الصراط المستقيم، القائمين بالعدل بين الناس فقال تعالى:
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾.
стр. 1573
المفردات:
﴿أُمَّةٌ﴾: جماعة، ﴿كَذَّبُوا﴾: جحدوا. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: والاستدراج النقل درجة بعد أخرى صعودا ونزولا والمراد منه هنا نقلهم وتقريبهم إِلى الهلاك بالنعم التي اغترُّوا بها ولم يؤدُّوا حقها. ﴿كَيْدِي﴾: تدبيرى.
﴿مَتِينٌ﴾: قوى. ﴿وَأُمْلِي﴾: أمهل.
التفسير
١٨١ - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ .. ﴾ الآية: أَي وممن خلق الله من الثقلين جماعة تمسكوا بالحق، وعملوا به، ودعوا الناس إِلى اتباعه والتزام طريقه، فكانوا كاملين في أَنفسهم مكملين لغيرهم. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: أَي وبالحق يقيمون العدل بين الناس والوزن في قضاياهم بالقسطاس المستقيم، حتى يكونوا على الحق في كل شئونهم، وأطلق على الطائفة الهادية المهتدية كلمة - أُمة - لأَنها تطلق على الطائفة، التي توحدت كلمتها، واتخذت منهجا واحدا في طريقها إِلى الحق، فسلكت سبيل الله المستقيم الذي دعا إِليه.
١٨٢ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
بعد أَن ذكر القرآن الكريم حال الهادين المهديين، بين حال المكذبين بآيات الله التنزيلية والكونية ومآلهم، ترغيبا في طريق الأولين وتنفيرا من سبل المكذبين فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أَي والذين أَنكروا وجحدوا آياتنا ولم يعملوا بها، بعد أَن علموا عظيم نفعها وعلو شأْنها، وأنها معيار الحق، ومصداق الصدق، وميزان العدل، كما يستفاد من إضافة الآيات إِلى نون العظمة في - آياتنا - ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَي جزاؤهم أَننا سننقلهم ونقربهم إِلى الهلاك شيئًا فشيئا وقليلا قليلًا بسبب النعم التي اغتروا بتواليها عليهم فقد كانوا كلما أَتوا ذنبا أعطوا نعمة (١) استدراجًا لهم (٢) فظنوا لعظم غفلتهم عن الله وعن سننه في خلقه أَن ذلك إِكرام لهم، حتى يكون أَخذه على حين غفلتهم عن العبرة به أَخذا قويا، كما يشير إِليه قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾: أَي وامهل
стр. 1574
هؤلاء المكذبين وأَمدّ لهم في حبل النعم. ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾: أَي إِن انتقامى للممستدرَجين قوى لا يدافع، وسمّى الانتقام كيدًا لأَن فيه أَخذ الظالمين المكذبين وعقابهم على خلاف ما كانوا يظنون، فقد كانوا مغرورين بتوالى العطاء، ويظنونه لطفًا بهم وإِكرامًا لهم، ليكون العقاب شديدًا ومضاعفا عند المفاجأَة، وتلك نتيجة الغفلة عن الله، فيكون الجزاء من جنس العمل حيث يأْتيه على حين غفلة منه فينزل به بأْس الله ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾. أَي في الوقتين اللذين هما مظنة الراحة والأَمن والطمأْنينة.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾.
المفردات:
﴿جِنَّةٍ﴾: بكسر الجيم جنون، ﴿مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أَي العوالم التي اشتملت عليها السموات والأَرض ﴿يَذَرُهُمْ﴾: يتركهم، ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون.
التفسير
بعد أَن بين القرآن الكريم تكذيبهم بالآيات التي جاءَت بها الرسل لهدايتهم، شرع ينكر عليهم عدم تدبرهم في رسالة الرسول مع قيام الأَدلة على صحة رسالته وسلامة عقله فقال تعالى:
١٨٤ - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ … ﴾ الآية: أَي أَغفلوا عما امتاز به الرسول ﷺ بينهم من رجاحة العقل، وصدق القول، والأَمانة الكاملة
стр. 1575
فقد عرفوه بالصادق الأَمين والمفكر السليم، ولم يسبق منه ما يقتضي وصفه بخلاف ما عرفوه به، فكيف أجازوا لأَنفسهم وصفه بالجنون، بعد أن جاءهم بالهدى والبينات من ربه؟ إِن هذا لشئ عجاب، فقد صاحبوه أربعين سنة قبل البعثة عرفوه فيها بسلامة العقل وصدق الحديث، وبما أن وصفه بالجنون صادر عن حقد وحسد دون تدبر ودون إنصاف فلذا أنكره الله عليهم، وخصه بكونه منذرا ومبلغا لهم عن ربهم بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أَي ما محمَّد إلا محذر ومخوف من عقاب الله مُبين شرع الله بالحجة الواضحة والبرهان الصادق.
ثم وجه الله تعالى أَنظارهم إِلى ما في الكون من آيات مرئية تثبت قدرته تعالى وحكمته في إرسال الرسل لتصحيح عقائدهم الباطلة، والسير بهم إِلى ما يوصلهم إِلى نعيم الآخرة التي أَنكروا مجيئها، وكذبوا بالبعث بعد الموت فقال تعالى:
١٨٥ - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ … ﴾ الآية: أَي أعَمُوا عن التدبر فيما بين أَيديهم من آثار قدرته تعالى، ولم ينظروا نظر اعتبار وتدبر فيما يشاهدونه في عالم السموات، وعالم الأَرض، وفي مخلوقات الله جميعًا ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾: أَي أَغفلوا كذلك ولم ينظروا إِلى انتهاء حياتهم بالموت الذي يقتربون منه يوما بعد يوم ولحظة بعد لحظة فيقطع عليهم آجالهم وآمالهم قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١).
وفي هذا حث أَكيد على المبادرة إِلى التدبر فيما يرشدهم ويردهم إِلى الصواب، ويردعهم عما هم فيه من ضلال قبل ذوات الأَوان بحلول الموت الذي يعقبه الثواب والعقاب.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾: أَي وإِذا لم يؤمن هؤلاء بالله ولم يصدقوا بالقرآن الكريم فبأَى حديث بعد القرآن يصدقون؟ - ولا حديث أَصدق منه -، فقد اشتمل على ما يحقق سعادة العباد في الدنيا والآخرة، فقد كثر فيه الحديث عن ثواب الطائعين ترغيبا في الطاعة، كما أَنذر العصاة كثيرًا ليقوِّم اعوجاج العاصين، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
١٨٦ - ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ … ﴾ الآية: أَي - من يوقعه الله في الضلال الذي اختاره فلا يجد هاديا يهديه من دون الله لأَنه وحده يهدى من يشاء ويضل من يشاء
стр. 1576
﴿وَيَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: أَي ويتركهم في تجبرهم الذي جاوزوا به حدود الله التي بينها لعباده وأَرشدهم إِلى الوقوف عندها - يعمهون - يتحيرون ويتخبطون في ظلمات البغى والضلال ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾.
المفردات:
﴿السَّاعَةِ﴾: المراد بها هنا يوم القيامة وقد يراد بها لغة جزء من الزمن.
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: أَي متى حصولها. أَو متى وقوعها؟ ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾: لا يظهرها ويكشفها على وجه التحديد.
﴿ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: عظم أَمرها على أَهل السموات والأَرض لما فيها من الأَهوال.
﴿بَغْتَةً﴾: فجأَة.
﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: بالغ العلم بها.
التفسير
بعد أَن تحدث القرآن الكريم في الآيات السابقة عن المهتدين والضالين، تحدث عن الساعة التي هي مبدأ القيامة، وبعدها يكون الثواب والعقاب فقال تعالى:
١٨٧ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا .... ﴾ الآية: أَي يسأَلك الناِس يا محمَّد عن وقت مجئ الساعة التي يموت فيها الناس جميعًا استبعادا لحصولها وتكذيبا لوقوعها إِن كان السؤال من المشركين أَو اختبارًا لصدق نبوتك إِن كان السؤال من جهة أَهل الكتاب، ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أَي متى يكون مجيئها وثبوتها.
стр. 1577
وليس لهم من هذا السؤال هدف صحيح، وإنما قصدوا التهكم والإِنكار أَو امتحان محمَّد ﷺ في صدق رسالته كما تقدم وفي ذلك يقول الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، وقد أَمر الله نبيه ﷺ أَن يجيب السائلين بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ﴾: أَي قل لهم يا محمَّد: لا يعلم وقت مجيئها واستقرارها إِلا الله وحده لا يتعداه إِلى أَحد من خلقه، حتى الأَنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾: أَي لا يظهرها ولا يأتى بها في وقتها غير الله تعالى وحده، وفي هذا القول تأكيد بليغ وزيادة تقرير لما سبق من اختصاص علم الله تعالى بذلك ﴿ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أَي عظم أَمرها واشتد وقعِها على أَهل السموات والأَرض بعد أَن أَعلمهم الله تعالى بما سيكون فيها من الشدائد والأَهوال كما قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾، ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: أَي لا تأْتيكم إلا فجأَة وعلى حين غفلة، وحينئذ تشعرون بثقلها لهول المفاجأَة بها، وبشدائدها وعقابها وفي هذا تقرير لنفى العلم بوقتها عمّن سوى الله تعالى واختصاصه سبحانه، به وحده. ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: أَي يسأَلك الناس يا محمَّد عن وقت وقوع الساعة، مقدرين أَن علمك بها كعلم من أَحاط بالشيء وأَدركه على حقيقته، وهم مخطئون، في تقدير إحاطتك بوقت وقوعها، يوضح ذلك أَمره تعالى لنبيه بإعادة ما سبق أَن ردّ به عليهم حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ﴾: لا يعلم وقت مجئ الساعة إلا الله وحده دون سواه، وفي هذا تأْكيد وتعميق للمعنى المستفاد من الرد الأَول مع ما يفيده ذكر لفظ الجلالة من هيبة ورهبة في مقابلة جهلهم وتعنتهم في طلب أُمور لا يعلمها إلا الله وحده. وفي ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إِشعار بأَن منشأَ السؤال هو جهل أَكثرهم وأَنهم لا يعلمون اختصاص الله بالعلم بها كما تقرر فيما سبق ولا يعلمون حكمة هذا الاختصاص، وكلمة ﴿أَكْثَرَ﴾، تدل على أن القليل من الناس يعلمون تلك الحكمة بإِرشاد من النبي ﷺ .
стр. 1578
وفي إِخفاء أَمر الساعة حمل للمكلفين على العمل والجد في الطاعة قبل أَن تأْتيهم بغتة، إذ لو علموا وقتها لأَهملوا واستمروا في لهوهم وعصيانهم إلى أَن يقترب وقتها فيتوبوا وقد لا يستطيعون ذلك لمفاجأة الموت لهم أَو لتمكن عادة العصيان في نفوسهم، ومن هذا القبيل إِخفاءُ وقت الموت، وإِخفاء قبول الدعاء، وإِخفاء ليلة القدر، ليظل المكلف مقيما على عبادة الله تعالى وطاعته، وقد استأْثر الله بعلم الساعة لمصلحة المكلفين كما فهم مما تقدم، غير أَنه ورد في "السُّنَّةِ" ذكر علامات تدل على قرب وقوعها منها ضياع الأَمانة.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾.
المفردات:
﴿نَذِيرٌ﴾: منذر بوعيد الله للعصاة والكافرين.
﴿وَبَشِيرٌ﴾: ومبشر بوعد الله لكل من يؤمن بالله.
التفسير
١٨٨ - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ .... ﴾ الآية: أَي قل يا محمَّد لهؤلاء الذين يسأَلونك عن وقت مجئ الساعة لا أَملك جلب نفع لنفسى ولا دفع ضر عنها، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾: أَي إلا الشئ الذي أراد الله تعالى تمكينى من فعله، فإنى أَقدر عليه وأَستطيعه باختيارى إِياه، وبهذا الاستثناء لا يقال: كيف لا يملك الإنسان لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، مع مشاهدته. يفعل ما يصلح شأنه، ويبتعد عما يضره؟ ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: أَي ولو كنت أَعلم الغيب، والمناسبات التي تربط بين الأَشياءِ، ويصح بها ترتيب المسببات على أَسبابها لحصلت كثيرًا من الخير الذي ينفعنى ويمكن للإِنسان تحصيله بأَفعاله الاختيارية، وفي هذا القول الكريم برهان واضح
стр. 1579
على نفى علم الأَنبياء بالغيب، إذ لو ثبت لهم ذلك لاستكثر ﷺ من الخير الذي ينفعه، وابتعد عما وقع له من ضرر وسوء وبخاصة في سبيل تبليغ الدعوة، وفي جهاد الكفار والمشركين، ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أَي ما أَنا إِلا رسول من البشر اصطفاه الله لإنذار العصاة والكفار من النار، وبشارة الذين يؤمنون باللهِ بالجنة، خصنى الله بمعرفة ما يتعلق بهما من العلوم الدينية والدنيوية لا أَتعدى ذلك إِلى العلم بالغيب الذي لا يتوقف العلم بالأَحكام والشرائع عليه، قال تعالى: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.
وقد كشف الله من أَمر الساعة ما يتعلق بمصلحة الإِنذار من أَنها آتية لا ريب فيها وأَنها اقتربت. وأَما تعيين وقتها فليس مما يقتضيه الإِنذار، بل مما يضربه؛ لأَن إِيهام وقتها أَدعى إِلى التخويف والترهيب، ويجوز أن يكون قوله تعالى ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ متعلقا بالوصفين [النذارة والبشارة]، ولا يقال حينئذ إِذا كان الله قد أَرسله بشيرًا ونذيرا للناس كافة، فما وجه التقييد بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأَن ثمرة الرسالة بالبشارة والنذارة إِنما ظهرت في المؤمنين خاصة، فنص القرآن على محل النفع والفائدة، على حد قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾.
المفردات:
﴿زَوْجَهَا﴾: الزوجة والمراد بها حواء.
стр. 1580
﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾: ليطمئن إِليها.
﴿تَغَشَّاهَا﴾: غشيها وهو كناية عن الوقاع.
﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾: أَي كان حملها خفيفا لا يمنعها من القيام والقعود وقضاء المصالح.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فمضت به وترددت في قضاء مصالحِها من غير مشقة ولا كلفة.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: صارت ذات ثقل بسبب كبر الولد وقرب وضعه.
﴿دَعَوَا اللهَ﴾: تضرُّعا إِليه.
التفسير
١٨٩ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .... ﴾ الآية.
بَيَّن الله في أَول السورة إِجمالا كيفية خلق الناس، وتصويرهم ضمن خلق آدم أَبي البشر وتصويره، ثم حتمها بنوع من التفصيل لكيفية هذا الخلق فقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾:
أَي هو الله العظيم الذي بدأَ خلقكم وحده أَيها الناس، من نفس واحدة، هي نفس آدم ﵇، دون أَن يكون له شريك في ذلك، فتمت بهذا أَعظم نعم الله على عباده، أَلا وهى إِخراجهم من العدم إِلى الوجود، فالخلق هو النعمة الأولى على الإِنسان.
والخطاب في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لبنى آدم، و ﴿مِنْ﴾ هنا ابتدائية كما أُشير إِليه في المعنى كما أَفادت الجملة الحصر - أَي هو وحده الذي خلقكم.
ووصف النفس بواحدة للإِشارة إِلى وحدة الأبوة، وللتعجيب بقدرته تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أَي وصيّر من جنسها زوجها وهى حواء، وكانت من جنس النفس إِتماما للنعمة، إِذ الجنس إِلى الجنس أَميل، حتى يتم الإنس بين الزوجين، والزوج يطلق على الاثنين اللذين بينهما تزاوج، ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أَي ليستقر نفسًا ويطمئن قلبا إليها، وتزول الوحشة الحاصلة بالانفراد، ويصير منهما بعد ذلك الذكر والأنثى، فيبقى الجنس كما شاءَ الله بسبب التزاوج بين الرجل والمرأَة، وفي هذا النص بيان للغاية المقصودة من الزوجة المجانِسة، وهي سكون الروح وإِيناس النفس وبقاء الجنس وعمارة الأَرض