﴿وَيَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: أَي ويتركهم في تجبرهم الذي جاوزوا به حدود الله التي بينها لعباده وأَرشدهم إِلى الوقوف عندها - يعمهون - يتحيرون ويتخبطون في ظلمات البغى والضلال ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾.
المفردات:
﴿السَّاعَةِ﴾: المراد بها هنا يوم القيامة وقد يراد بها لغة جزء من الزمن.
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: أَي متى حصولها. أَو متى وقوعها؟ ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾: لا يظهرها ويكشفها على وجه التحديد.
﴿ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: عظم أَمرها على أَهل السموات والأَرض لما فيها من الأَهوال.
﴿بَغْتَةً﴾: فجأَة.
﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: بالغ العلم بها.
التفسير
بعد أَن تحدث القرآن الكريم في الآيات السابقة عن المهتدين والضالين، تحدث عن الساعة التي هي مبدأ القيامة، وبعدها يكون الثواب والعقاب فقال تعالى:
١٨٧ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا .... ﴾ الآية: أَي يسأَلك الناِس يا محمَّد عن وقت مجئ الساعة التي يموت فيها الناس جميعًا استبعادا لحصولها وتكذيبا لوقوعها إِن كان السؤال من المشركين أَو اختبارًا لصدق نبوتك إِن كان السؤال من جهة أَهل الكتاب، ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أَي متى يكون مجيئها وثبوتها.
стр. 1577
وليس لهم من هذا السؤال هدف صحيح، وإنما قصدوا التهكم والإِنكار أَو امتحان محمَّد ﷺ في صدق رسالته كما تقدم وفي ذلك يقول الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، وقد أَمر الله نبيه ﷺ أَن يجيب السائلين بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ﴾: أَي قل لهم يا محمَّد: لا يعلم وقت مجيئها واستقرارها إِلا الله وحده لا يتعداه إِلى أَحد من خلقه، حتى الأَنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾: أَي لا يظهرها ولا يأتى بها في وقتها غير الله تعالى وحده، وفي هذا القول تأكيد بليغ وزيادة تقرير لما سبق من اختصاص علم الله تعالى بذلك ﴿ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أَي عظم أَمرها واشتد وقعِها على أَهل السموات والأَرض بعد أَن أَعلمهم الله تعالى بما سيكون فيها من الشدائد والأَهوال كما قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾، ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: أَي لا تأْتيكم إلا فجأَة وعلى حين غفلة، وحينئذ تشعرون بثقلها لهول المفاجأَة بها، وبشدائدها وعقابها وفي هذا تقرير لنفى العلم بوقتها عمّن سوى الله تعالى واختصاصه سبحانه، به وحده. ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: أَي يسأَلك الناس يا محمَّد عن وقت وقوع الساعة، مقدرين أَن علمك بها كعلم من أَحاط بالشيء وأَدركه على حقيقته، وهم مخطئون، في تقدير إحاطتك بوقت وقوعها، يوضح ذلك أَمره تعالى لنبيه بإعادة ما سبق أَن ردّ به عليهم حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ﴾: لا يعلم وقت مجئ الساعة إلا الله وحده دون سواه، وفي هذا تأْكيد وتعميق للمعنى المستفاد من الرد الأَول مع ما يفيده ذكر لفظ الجلالة من هيبة ورهبة في مقابلة جهلهم وتعنتهم في طلب أُمور لا يعلمها إلا الله وحده. وفي ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إِشعار بأَن منشأَ السؤال هو جهل أَكثرهم وأَنهم لا يعلمون اختصاص الله بالعلم بها كما تقرر فيما سبق ولا يعلمون حكمة هذا الاختصاص، وكلمة ﴿أَكْثَرَ﴾، تدل على أن القليل من الناس يعلمون تلك الحكمة بإِرشاد من النبي ﷺ .
стр. 1578
وفي إِخفاء أَمر الساعة حمل للمكلفين على العمل والجد في الطاعة قبل أَن تأْتيهم بغتة، إذ لو علموا وقتها لأَهملوا واستمروا في لهوهم وعصيانهم إلى أَن يقترب وقتها فيتوبوا وقد لا يستطيعون ذلك لمفاجأة الموت لهم أَو لتمكن عادة العصيان في نفوسهم، ومن هذا القبيل إِخفاءُ وقت الموت، وإِخفاء قبول الدعاء، وإِخفاء ليلة القدر، ليظل المكلف مقيما على عبادة الله تعالى وطاعته، وقد استأْثر الله بعلم الساعة لمصلحة المكلفين كما فهم مما تقدم، غير أَنه ورد في "السُّنَّةِ" ذكر علامات تدل على قرب وقوعها منها ضياع الأَمانة.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾.
المفردات:
﴿نَذِيرٌ﴾: منذر بوعيد الله للعصاة والكافرين.
﴿وَبَشِيرٌ﴾: ومبشر بوعد الله لكل من يؤمن بالله.
التفسير
١٨٨ - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ .... ﴾ الآية: أَي قل يا محمَّد لهؤلاء الذين يسأَلونك عن وقت مجئ الساعة لا أَملك جلب نفع لنفسى ولا دفع ضر عنها، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾: أَي إلا الشئ الذي أراد الله تعالى تمكينى من فعله، فإنى أَقدر عليه وأَستطيعه باختيارى إِياه، وبهذا الاستثناء لا يقال: كيف لا يملك الإنسان لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، مع مشاهدته. يفعل ما يصلح شأنه، ويبتعد عما يضره؟ ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: أَي ولو كنت أَعلم الغيب، والمناسبات التي تربط بين الأَشياءِ، ويصح بها ترتيب المسببات على أَسبابها لحصلت كثيرًا من الخير الذي ينفعنى ويمكن للإِنسان تحصيله بأَفعاله الاختيارية، وفي هذا القول الكريم برهان واضح
стр. 1579
على نفى علم الأَنبياء بالغيب، إذ لو ثبت لهم ذلك لاستكثر ﷺ من الخير الذي ينفعه، وابتعد عما وقع له من ضرر وسوء وبخاصة في سبيل تبليغ الدعوة، وفي جهاد الكفار والمشركين، ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أَي ما أَنا إِلا رسول من البشر اصطفاه الله لإنذار العصاة والكفار من النار، وبشارة الذين يؤمنون باللهِ بالجنة، خصنى الله بمعرفة ما يتعلق بهما من العلوم الدينية والدنيوية لا أَتعدى ذلك إِلى العلم بالغيب الذي لا يتوقف العلم بالأَحكام والشرائع عليه، قال تعالى: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.
وقد كشف الله من أَمر الساعة ما يتعلق بمصلحة الإِنذار من أَنها آتية لا ريب فيها وأَنها اقتربت. وأَما تعيين وقتها فليس مما يقتضيه الإِنذار، بل مما يضربه؛ لأَن إِيهام وقتها أَدعى إِلى التخويف والترهيب، ويجوز أن يكون قوله تعالى ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ متعلقا بالوصفين [النذارة والبشارة]، ولا يقال حينئذ إِذا كان الله قد أَرسله بشيرًا ونذيرا للناس كافة، فما وجه التقييد بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأَن ثمرة الرسالة بالبشارة والنذارة إِنما ظهرت في المؤمنين خاصة، فنص القرآن على محل النفع والفائدة، على حد قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾.
المفردات:
﴿زَوْجَهَا﴾: الزوجة والمراد بها حواء.
стр. 1580
﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾: ليطمئن إِليها.
﴿تَغَشَّاهَا﴾: غشيها وهو كناية عن الوقاع.
﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾: أَي كان حملها خفيفا لا يمنعها من القيام والقعود وقضاء المصالح.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فمضت به وترددت في قضاء مصالحِها من غير مشقة ولا كلفة.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: صارت ذات ثقل بسبب كبر الولد وقرب وضعه.
﴿دَعَوَا اللهَ﴾: تضرُّعا إِليه.
التفسير
١٨٩ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .... ﴾ الآية.
بَيَّن الله في أَول السورة إِجمالا كيفية خلق الناس، وتصويرهم ضمن خلق آدم أَبي البشر وتصويره، ثم حتمها بنوع من التفصيل لكيفية هذا الخلق فقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾:
أَي هو الله العظيم الذي بدأَ خلقكم وحده أَيها الناس، من نفس واحدة، هي نفس آدم ﵇، دون أَن يكون له شريك في ذلك، فتمت بهذا أَعظم نعم الله على عباده، أَلا وهى إِخراجهم من العدم إِلى الوجود، فالخلق هو النعمة الأولى على الإِنسان.
والخطاب في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لبنى آدم، و ﴿مِنْ﴾ هنا ابتدائية كما أُشير إِليه في المعنى كما أَفادت الجملة الحصر - أَي هو وحده الذي خلقكم.
ووصف النفس بواحدة للإِشارة إِلى وحدة الأبوة، وللتعجيب بقدرته تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أَي وصيّر من جنسها زوجها وهى حواء، وكانت من جنس النفس إِتماما للنعمة، إِذ الجنس إِلى الجنس أَميل، حتى يتم الإنس بين الزوجين، والزوج يطلق على الاثنين اللذين بينهما تزاوج، ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أَي ليستقر نفسًا ويطمئن قلبا إليها، وتزول الوحشة الحاصلة بالانفراد، ويصير منهما بعد ذلك الذكر والأنثى، فيبقى الجنس كما شاءَ الله بسبب التزاوج بين الرجل والمرأَة، وفي هذا النص بيان للغاية المقصودة من الزوجة المجانِسة، وهي سكون الروح وإِيناس النفس وبقاء الجنس وعمارة الأَرض
стр. 1581
فأَنت ترى أنه لما أَراد الله تعالى بقاءَ العمران في الدنيا وشاءَ له أَن يكون منظمًا ومستقرًّا جعل السكن بين الزوجين، حتى لا يملاَّ من الاختلاط، فينصرف كل منهما عن الآخر فينقطع النسل، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾: أَي فلما غَشى الزوج منكم زوجته ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾: أَي حملت حملا خفيفا في بادئ الأَمر، لا يمنعها من القيام والقعود وقضاءِ المصالح، فإن كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة أَخف مما يكون في المراتب التي بعد ذلك.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: أَي فمضت به، وترددت في قضاء المصالح من غير مشقة ولا عناء ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: أَي فلما صارت ذات ثقل، وقرب وقت وضع حملها، وأَشفقا أَن يكون غير سوى، واهتمت هي وآدم بهذا الأَمر الذي لم يعهداه من قبل، تضرعا إِلى الله ربهما كما قال تعالى: ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: أَي تضرعا إلى الله ربهما المتولى وحده شئونهما بالتربية والرعاية، القادر دون سواه على تحقيق رجائهما وإِجابة دعائهما أَن يعطيهما ولدا صالحا، إِذ قالا مقسمين: والله لئن أَعطيتنا ورزقتنا ولدا صالحا سويا مستقيم الخلقة لنكونن من المخلصين لك في الشكر على نعمائك التي لا تحصى، ومن أَعظمها تلك النعمة الجليلة، نعمة الولد الصالح السوى.
١٩٠ - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا … ﴾ الآية.
أَي فلما استجاب الله تعالى دعاءَ الزوجين من ذرية آدم وحواء، وأَعطاهما ولدا صالحا، أَي كامل التكوين والخلقة ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾: أَي جعل الزوجان من ذرية آدم وحواءَ لله تعالى شركاءَ في الولد الصالح في تكوينه، حيث نسباه لبركة أوثانهم مع الله تعالى فالاشتراك وقع من ذرية آدم وحواء.
ويجوز أن يكون التأْويل في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ بتقدير مضاف محذوف أَي جعل أَولادهما لله شركاءَ، وجعل الكلام على حذف مضاف كثير ومعهود. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾: أَي واسأَل أَهل القرية - وبهذا التفسير أو ذاك يندفع ما عساه يفهم من ظاهر الآية الكريمة من أَن آدم وحواءَ هما اللذان جعلا لله شركاءَ فيما آتاهما، وذلك يتنافى مع مقام خليفة الله في الأَرض الذي يقتضي التوحيد والشكر على إِنعام الله باستجابة دعائه وزوجه.
стр. 1582
ومما يدل على استبعاد وقوع الشرك من آدم وحواءَ أَنفسهما قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فإِنه يدل على أَن الذين وقع منهم الشرك جماعة أَكثر من اثنين، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
﴿فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أَي فَعَلا مقام الله وارتفع، وسما قدره وتنزه اسمه عمَّا يشركه معه هؤلاء الأَغبياء، ويسوونهم به في إِطلاق اسم الله عليهم ومن أوثانهم، حيث اعتبروها شريكة الله في الولد الذي أَتاهما.
ولصاحب الانتصاف تأويل في الآية قال: وأسلم الأَقوال أَن يكون المراد بالتثنية جنس الذكر والأنثى من غير قصد إِلى معين بالشخص، فكأَنه قال جل شأنه، خلقكم جنسا واحدًا، وجعل أزواجكم منكم أيضًا لتسكنوا إِليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى وقع من هذين الجنسين ما قد كان من شركَ، وكَيْتُ وكَيْتُ، فالتثنية في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ مراد بها الجنسان من ذكر وأنثى وليس المراد خصوص آدم وحواء اهـ وهذا التأْويل هو الذي نرتضيه ويشبه ما قلناه أولا.
ثَم بيَّن الله بعد هذا جهلهم وسخافة عقولهم، وفساد آرائهم بهذا الشرك فقال تعالى:
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾.
المفردات:
﴿صَامِتُونَ﴾: تاركون دعوتهم.
стр. 1583
التفسير
١٩١ - ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾: أَي أَبعد أَن منح الله هؤلاء المشركين العقل وأَرسل إِليهم رسوله محمدا ﷺ ، داعيا إِلى توحيد الله، وسراجا منيرا، أَبعد هذا كله يشركون معه سبحانه في الألوهية صنما أَو غيره من مخلوقات الله مما ليس له قدرة على أَن يخلق شيئًا ولو كان ذبابا ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: أَي والحال أَن ما عبدوهم يُخْلَقُون، والمخلوق يكون محتاجا إلى غيره فلا يصلح أَن يكون إِلهًا معبودا.
وقد أَفاد أسلوب الاستفهام في الآية الكريمة الإِنكار عليهم، والتعجيب من حالهم وتوبيخهم على أَن أَشركوا مع الله ما لا يصلح أَن يكون إِلهًا، كما نَبَّه على سخافة عقولهم، وبطلان عقيدتهم.
ثم بين القرآن الكريم: أَن هذه الأَصنام التي لم تخْلُقْ شيئًا بل إِنها مخلوقة وعاجزة، لا تنفع غيرها ولا تدفع التفسير عن نفسها فقال تعالى:
١٩٢ - ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾:
أَي ولا يستطيع هؤلاء الشركاء دفع أَي ضر ينزل بمن عبدوهم مع الله ولا تحقيق أَي نفع لهم، بل ولا يستطيعون نصر أَنفسهم بدفع أَي معتد عليهم، وإِن بلغ هذا المعتدى غاية الضعف كالذباب أَو ما هو دون الذباب قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ (١) وفي هذا بيان لتمام عجزهم وغاية ضعفهم.
ثم انتقل القرآن الكريم يبين عجزهم عما هو أَيسر من نصر أَنفسهم وعابديهم، وهو مجرد إِرشاد عابديهم إِلى طريق مطالبكم دون تحصيلها فقال تعالى:
١٩٣ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾:
أَي وإِن تدعوا أَيها المشركون آلهتكم من دون الله لهدايتكم وإِرشادكم إلى مصالحكم .... لا يَتبعوكم إِلى مرادكم ولا يجيبوا لكم طلبا بإِرشادكم، ولا يحققوا لكم رغبة، كما يحقق الله رغبة العباد إِذا لجأُوا إِليه، فالخطاب للمشركين، وضمير "هم" لآلهتهم،
стр. 1584
ويجوز أَن يكون الخطاب للمؤمنين، والضمير "هم" في تدعوهم للمشركين.
أَي وإِن تدعوا أَيها المؤمنون هؤلاءِ المشركين إِلى الهدى والعمل الصالح لا يتبعوكم، ولا يستجيبوا لكم، لأَن الله طمس على بصيرتهم، وختم على قلوبهم، والقول الأَول هو الظاهر المناسب للسياق، ليكون الكلام سائرا على نمط واحد في مرجع الضمائر …
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ أَي سواءٌ عليكم أَيها المشركون في عدم الإِفادة من هذه الآلهة طلبكم منها، وعدم طلبكم، فحالكم لا يتغير في الحالتين، كما أَن حالها لا يتغير فإِنها لا تضر ولا تنفع … وفي هذا الأسلوب البليغ إِرشاد إلى عدم اتباع هذه المعبودات الباطلة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾.
المفردات:
﴿تَدْعُونَ﴾: تعبدون. ﴿وَلِيِّيَ اللهُ﴾: متولى أَمرى وناصرى.
التفسير
١٩٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ .... ﴾ الآية:
في الآيات السابقة طائفة من الحجج والبراهين جاءَت لإبطال الشرك وتسفيه عقول المشركين.
стр. 1585
ونظرًا لتأصل عادة الشرك في نفوس المشركين بتقليد من قبلهم واتباعهم إِياهم، فقد جاءَت هذه الآيات الكريمة، تحكى طائفة اخرى من الحجج التي تدحض الشرك وتدمغ المشركين بالخزى والجهل والعار، مع بيان الفرق بين من تجب عبادته لقدرته، وما لا تصح عبادته لعجزه، حتى يمكن اقتلاع تلك العقيدة الفاسدة عن جذورها واستئصالها من منابتها، لتنتصر كلمة التوحيد وتعلو على أَساس ثابت، وتتضح بدليل قاطع فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ .... ﴾ الآية: أَي إِن الأَصنام وسائر الآلهة التي تعبدونها أَيها المشركون من دون الله وتنادونهم لنصرتكم في الشدائد، عباد مماثلون لكم في العبودية، لأَنهم مخلوقون لله ومسخرون وخاضعون لما خلقوا له مثلكم، والأَصنام جمادات، مسخرة لأَمر الله كما سخرت الأَرض والسموات لأَمره سبحانه وسنته في الكون.
وإِذا كانوا أَمثالكم فإِنه يمتنع عقلا، أَن تطلبوا منهم ما قد عجزتم عن مثله. وإِذا كان الذين تدعون من دون الله أَحياء مثلكم، فالمماثلة تقتضى عجزهم كما عجزتم، وإِن كان ما تدعونه جمادا فهو أَقل منكم حيث لا حياة له ولا عقل، بل هو دون المماثلة لكم حينئذ، فكيف ترفعونهم إلى مقام الألوهية، وهم مثلكم أو أَعجز منكم وأَقل شأْنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: تقرير لعجزهم أَي فنادوا أَيها المشركون هذه الأَصنام، فإِذا سمعوا نداءَكم فلتكن منهم الإِجابة لكم، إِن كنتم صادقين في زعمكم أَنهم قادرون على النفع والضر - ولام الأَمر في "فليستجيبوا" للتعجيز والسخرية والتهكم بهم.
وبعد أَن قرعهم القرآن الكريم على عبادة عباد مماثلين لهم في التسخير والخضوع لأَمر الله، عاجزين عما عجز عنه العابدون لهم، أَكد تقريعهم ببيان غاية عجزهم وفضل عابديهم عليهم، إِذ أَوضح أَنهم أَحط منهم مرتبة وأَقل درجة لفقدانهم وسائل جلب النفع ودفع التفسير في قوله تعالى:
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا .... ﴾ الآية:
стр. 1586
أَي ليس لهؤلاءِ الأَصنام أَرجل يمشون بها كما تمشون بأَرجلكم إِلى أَغراضكم، بل ليس لهم أَيد يأخذون بها بالعنف والقوة ما يريدون من غيرهم أويدفعون بها عن أنفسهم وعابديهم بل ليس لهم أَعين يبصرون بها أَحوالكم ليحققوا لكم أَغراضكم، بل ليس لهم آذان يسمعون بها كلامكم، ليستجيبوا لرغباتكم، وإذا كان هذا هو شأن الجمادات التي تعبدونها من دون الله، فلماذا ترفعونهم إِلى مقام الألوهية، ثم ترفضون الاستماع لرسول الله ﷺ ، والاستجابة لأَمر الله تعالى؛ ومن كان هذا شأنه فهو أَحط منزلة من مستوى المماثلة بينكم وبينهم، فكيف يكون لهم مقام الألوهية والعبودية، ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، تعالى الله عما يشركون.
وبعد أَن بين القرآن الكريم أَن شركاءَهم لا يقدرون على شيء أَصلا، وأَنهم أَحط منهم درجات، أَمر الرسول ﷺ أَن يلزم المشركين ويفحمهم بعجزهم وعجز آلهتهم. فطلب منهم أَن يلحقوا به ضررا ما فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ .... ﴾ الآية: أَي قل يا محمَّد لهؤلاء المشركين للتهكم بهم وإفحامهم وإِلزامهم الحجة، نادوا شركاءَكم وأَحضروهم واستعينوا بهم علىَّ، ثم اجتمعوا أَنتم وهُمْ وبالغوا في بذل أَقصى ما تستطيعون في تدبير الكيد والمكر فلا تمهلونى ساعة بعد ترتيب أُموركم وإِحكام مكركم، ولا تؤخروا مما قررتم إنزاله بى من عقاب فإِنى لا أبالى بكم ولا أَعبأ بمكركم، وأَساس هذا القول عظم الثقة باللهِ تعالى وأَنه ولى الصالحين، كما قال تعالى. حكاية عن حال نبيه ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾: أَي لا أَبالى بكم وبشركائكم، لأَن المتولى لأَمرى وناصرى هو الله وحده، الذي نزل الكتاب الناطق بأَنه وليَّى وناصرى وأَن شركاءَكم لا يستطيعون نصر أَنفسهم فضلا عن نصركم ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾: أَي وقد جرت سنته تعالى، أَن يتولى وحده رعاية الصالحين من عباده، وحفظهم، وأَنه ينصرهم ولا يخذلهم.
وممّا تقدم يتبين أَن الاستفهام في قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ … الخ للإِنكار المراد منه النفى، كما أَفاد الأسلوب غاية التهكم بهم والسخرية من تدبيرهم.
стр. 1587
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾.
المفردات:
﴿تَدْعُونَ﴾: تعبدون.
التفسير
١٩٧ - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ .... ﴾ الآية:
بعد أَن بيَّن الله في الآية السابقة، أَن الرسول ﷺ ، عزيز بولاية الله ومعتصم بنصرته، جاءَ ببيان أَن الأَصنام التي يعبدها المشركون من دون الله عاجزة لا تستطيع نصرهم في الشدائد، بل ولا تستطيع دفع التفسير عن نفسها إِذ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ … ﴾ الآية: أَي والأَصنام التي تعبدونها أَيها المشركون من دون الله لا تستطيع نصركم في الشدائد والنوازل، بل ولا تستطيع دفع التفسير عن نفسها إِذا هو لحق بها.
وهذه الآية وإِن تقدم معناها، إِلا أَن تكرار هذا المعنى مطلوب لاقتلاع جذور الشرك التي تأَصلت في نفوس المشركين، ثم ذكر القرآن الكريم حالة أخرى من أَحوال ضعفها وهوانها تنفرهم من عبادتها، والاعتماد عليها فقال تعالى:
١٩٨ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾:
أَي وإِن تنادوا أَيها المشركون آلهتكم من الأَصنام لترشدكم إِلى ما تطلبون من صلاح الحال لا يسمعوا نداءَكم ولا يستجيبوا لطلبكم لتمام عجزهم وضعفهم: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
стр. 1588
أَي وتراهم أَيها الناظر يقابلونك بعيون وصورة كأنها ناظرة إِليك وهى لا تنظر، إِذ هي جماد لا يرى ولا يبصر.
ويجوز أَن يكون الخطاب في الآية للنبي ﷺ وضمير ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ للمشركين أَي وإِن تدعو أَيها النبي هؤلاءِ المشركين إِلى الهدى والإِيمان لا يسمعوا لك سماع فهم وإِدراك، لأَن سبل الهداية قد سدَّت عليهم بسوء اختيارهم، وتراهم أَيها النبي ينظرون إليك وهم لا يبصرون رفعة مقامك وجلال قدرك لعمى قلوبهم وطمس بصيرتهم فلم يدركوا ما في دعوتك من الهدى والرشاد.
وعلى هذا تكون الآية السابقة للتنديد بنفس الأَصنام، وهذه الآية للتنديد بعبَدة الأَصنام والأَوثان.
وفي هذا التفسير - على الرأْى الثاني - إشارة لطيفة تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: لإِدراك الفرق بين طمس البصيرة في الكافرين حتى ينظروا وهم لا يبصرون، وبين ما منحه الله للمؤمنين من منارة الإِيمان التي تنير للبصيرة ما هو كامن مستتر في بعض النفوس بمجرد النظر إِليها ثم يتبين له صدق فراسته بالمخالطة والمعاشرة، كما يشير إِلى ذلك قول الله في خطابه لنبيه محمَّد ﷺ : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ (١) فالكافر ينظر ببصره، وهو أَعمى البصيرة، بسبب ما ران على قلبه من حجب الكفر والمعاصي والمؤمن ينظر بالفطرة مع فراسة الإِيمان، فيرى ببصيرته بعض صفات المرئى، قبل أَن ينطق ويتكلم، ولهذا كان يوجّه إِلى الرسول ﷺ سؤال واحد في الأُسلوب من عدة أَشخاص، فيجيب بعضهم بقوله: "اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ" ويجيب آخر بقوله: "أطِعُ أَبَوَيْكَ"، ويجيب ثالثا بقوله: "أَحْسِنْ إلَى جَارِكَ"، ومنشأ ذلك أَن النبي ﷺ لهم كالطبيب، فيوصى كل شخص بما يناسبه حسب ما انكشف له من التقصير والعيوب بإِلهام من الله، ونور بصيرته، وهكذا من هذا القبيل نظرة سيدنا أَبي بكر ﵁ إِلى رسول الله ﷺ حين استجاب له من غير تردُّدٍ، لأَنه رأَى منه بأَصل الفطرة ما لم يَرَهُ غيره، وكذلك السيدة
стр. 1589
خديجة ﵂ حينما أَدركت فضل النبي ﷺ ولمست فيه كمال صفاته، فآمنت به، وكانت من قبل قد اختارته زوجًا لها مع فقره وغناها، وكان ذلك بعد أَن رفضت كثيرا من أَشراف قريش ليكون أَحدهم زوجًا لها.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾.
المفردات:
﴿الْعَفْوَ﴾: السهل اليسير من أَخلاق الناس.
﴿بِالْعُرْفِ﴾: بالمعروف وهو ما شرعه الله لعباده وعرف حسنه شرعا وعقلا من عادات الناس.
التفسير
١٩٩ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾:
لما بين الله في الآيات السابقة فساد عبادة الأَصنام وعناد الكافرين جاءَ بعد ذلك بإِرشاد نبيه ﷺ ، إِلى اللين في معاملة الناس عامَّةً تيسيرا عليهم وتأْليفا لقلوب الجاحدين، وتسكينا لثورة جماحهم لعلهم يعودون إِلى الحق وحسن الاستماع فقال تعالى:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أَي أَقبل يا محمَّد السهل اليسير من أَخلاق الناس، وتساهل معهم فيما اعتادوه، من أَعمال وعادات لا تخالف ما جئت به، وأْمرهم بما شرعه الله لهم، وهو ما تقر بحسنه وصلاحيته العقول السليمة وذهب بعض المفسرين إِلى أَن معنى العفو: الفضل الزائد عن حاجة الناس من أَموالهم، ليكون الأَخذ مستعملا في المُحَسّ دون تجوز، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. أَي الزائد عن حاجتهم.
والأَظهر حمل الآية على المعنى الأَول، وهو العفو بمعنى القبول .... مع مراعاة تقييده بقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أَي بالمعروف لك عن طريق الوحى، فلا عفو حينئذ فيما هو مطلوب شرعا، ويبقى العفو عامًّا فيما يجوز التسامح فيه.
стр. 1590
قال ﵊: "إِنَّمَا الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ" والمعروف مأْمور به في العبادات والمعاملات، ومنها المبايعات وأَحكام النكاح، ولأَن المعروف هو شريعة الله للناس، وعليه يتوقف إِصلاح حالهم في الدنيا والآخرة جاءَ القرآن الكريم مقررا له في آيات كثيرة، من ذلك: ما حكاه عن التوراة والإِنجيل من وصف النبي ﷺ . وذلك في قوله:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وما جاءَ في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وفي مبايعة النساء: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ وفي معاشرتهن بالمعروف، وفي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
ولما كان الأَمر بالمعروف قد يؤدى إِلى سفاهة بعض الجاهلين وإِيذائهم للنبي ﵇ أمره الله تعالى بالتسامح في قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: أَي وأَعرض عن سفاهة الجاهلين الناشئة عن حقدهم وحسدهم، وجهلهم، واترك مؤاخذتهم بمثل سفههم، فقد يؤثر الحلم والعفو في السفيه فيرجع إِلى الصواب ويلوم نفسه.
ولقد كان لحلمه ﷺ وإِعراضه عما يسوءه من قومه أثر كبير في إِسلام من كان يسفّه ويعارض، بعد أَن لمسوا منه ﷺ ، هذا الخلق الكريم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وقال ﷺ : "إنَّمَا بُعِثْتُ لأِتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ" وإِنما يحسن العفو إِذا لم يؤد إِلى تعطيل ما شرعه الله.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾.
стр. 1591
المفردات:
﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾: يَجُرَّنَّك للشر والإِفساد، ونَزْغُ الشيطان وساوسه.
﴿فَاسْتَعِذْ﴾: استَجِرْ باللهِ وتحصن.
التفسير
٢٠٠ - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
روى عن ابن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "فَكَيْفَ الغَضَبُ يَا رَب؟ " فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أَي وإن يوسوس لك الشيطان أَيها المؤْمن وسوسة شديدة ويدفعك إلى فعل الشر والإِفساد دفعا قويا بالتشكيك في الحق وتزيين الباطل، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾: أَي فالتجئ إِلى الله وتحصن واستعن به على دفع وساوسه ونزغاتك ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أَي إِنه تعالى وحده عظيم السمع لكل مسموع، ﴿عَلِيمٌ﴾ محيط علمه بكل شيءٍ فيسمع دعاءَك ويعلم إخلاص قلبك وصدق نيتك فإِذا صدقت في القول وأَخلصت في التضرع إِليه عصمك من شره، والخطاب في الآية للرسول ﷺ ، والمراد أمته لأَن الله قد عصم رسوله ﷺ من نزغات الشيطان وقبول وسوسته. وفيما يلى بيانه:
فإِن العبد إِذا التجأَ إِلى الله واستعان به، دخل في مقام العبودية الخاصة، فيتحصن بها من الشيطان، وقد قال جل شأْنه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. فالشيطان لا سبيل له يسلكه إِلى قلب العبد إِلا إِذا وجد في عمله ثلمة يدخل منها إِلى قلبه، كما يؤخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. فالانسلاخ من الآية ثُلْمة نَفَذَ منها الشيطان لمن انسلخ عن آياته
стр. 1592
ثم أتبع هذه الآية قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾.
المفردات:
﴿مَسَّهُمْ﴾: أَي أَصابهم. ﴿طَائِفٌ﴾: أَي خاطر. ﴿الْغَيِّ﴾: الضلال والفساد.
التفسير
٢٠١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾:
أَي إِن الذين اتقوا ربَّهم وخافوا عذابه فامتثلوا أَوامره واجتنبوا نواهيه، من عادتهم أَنهم إِذا نالهم وأَصابهم خاطر من خواطر الشيطان، وأَصابتهم منه وسوسة تزين لهم المعصية، تذكروا مقام ربهم، واستحضروا هيبته وجلاله، وتذكروا أَوامره ونواهيه، ووعده، ووعيده، فإذا هم مبصرون بنور ربهم طريق الهدى والرشاد. والمراد بالشيطان شيطان الجن.
٢٠٢ - ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾:
بعد أَن نبه الله، وحذر من وسوسة شياطين الجن، جاءَت هذه الآية للتحذير من إِخوانهم شياطين الإنس.
أَي وإخوان شياطين الجن من شياطين الإِنس مثلهم في الإِفساد يساعدونهم في الإِغواء فما يزالون يعضدونهم بتزيين المعاصي لبعض الناس، ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: أَي لا يمسكون عن إِغوائهم، حتى يُصِرَّ من وقع في حبائلهم على تنفيذ غوايتهم، وسلوك طريق الضلال.
стр. 1593
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾.
المفردات:
﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾: طلبتها. ﴿بَصَائِرُ﴾: ما تبصر به عقولكم من الآيات.
﴿فَاسْتَمِعُوا﴾: فاقصدوا سماعه. ﴿وَأَنْصِتُوا﴾: واسكتوا متأَملين معناه.
﴿تَضَرُّعًا﴾: تذللا. ﴿وَخِيفَةً﴾: وخوفًا. ﴿الْغُدُوِّ﴾: أَول النهار.
﴿الْآصَالِ﴾: جمع أَصيل: وهو آخر النهار والمقصود من الغدو والآصال هنا جميع الأَوقات.
التفسير
٢٠٣ - ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا … ﴾ الآية.
بدأَت هذه الآيات ببيان نوع من الغيِّ المشار إِليه في الآية السابقة ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ وذلك ما حكاه الله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ الآية.
стр. 1594
أَي وإذا لم تجئ إِليهم أَيها الرسول بما طلبوا من الآيات والمعجزات قال هؤلاءِ المتعنتين ساخرين: هلاَّ جئتنا بما طلبناه من الآيات كى نصدق رسالتك.
فأَمر الله نبيه أَن يسمعهم الجواب الشافى ردًّا على سخريتهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾: أَي قل لهم يا محمَّد ليس لى طريق أَتبعه سوى اتباع ما يوحى به الله إِليَّ من شرائعه أَعمل بها وأَبلغها وليس لى أَن أَقترح شيئًا من المعجزات والآيات، ثم أَرشِدْهم يا محمَّد إلى أَن هذا القرآن هو أَعظم المعجزات وقيل لهم: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾: أَي هذا القرآن الذي أَوحاه الله إليَّ يبصِّر عقولكم ويهدى قلوبكم إِلى قبول الحق ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: وهذا القرآن أَيضا بما اشتمل عليه من الحجج الواضحة والدلالات الظاهرة يوصلكم إِلى أَعلى درجات الإِيمان وهو كذلك رحمة شاملة جاءَ بها نبى الرحمة المهداة.
وتلك الهداية وهذه الرحمة لا ينالهما ساخر ولا مستهزئ. ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
٢٠٤ - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾:
أَشار الله تعالى إلى القرآن وثمراته في نفع العباد بقوله في الآية السابقة: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وفي ذكر هذه الفوائد حمل للناس على أَن يقرأوا القرآن ليتعبدوا بتلاوته، وليتبصروا في آياته، حتى يكون لهم هدى ورحمة. وأَشار في هذه الآية إِلى ما ينبغي إِذا قرئ القرآن من الاستماع والإِنصات إِليه توصلا إِلى الانتفاع به.
أَي وإِذا قرئ القرآن من أَي قارئ، فيجب على من حضر مجلس القرآن، أَن يحسن الاستماع إليه بوعى وقصد وتدبر، وأَن ينصت فلا يتكلم احتراما لكلامه العزيز، وتعظيما له، راجين بحسن الاستماع والإِنصات إِليه رحمة الله.
وإِنما جمع بين الاستماع والإِنصات، لأنهما معا أَعون على الفهم والتدبر وأَتمُّ في الانتفاع وأَرجى لرحمة الله ، فضلا عما فيه من الأَدب مع الله واحترام كلامه جلّ شأْنه؛ والأمر بالاستماع والإِنصات عند قراءة القرآن عام في جميع الأَحوال التي يقرأ فيها القرآن.
стр. 1595
٢٠٥ - ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ .... ﴾ الآية.
بعد أَن أَمرنا الله تعالى بالاستماع والإِنصات لتلاوة القرآن، أَمرنا بذكره تعالى بصفة عامة، تزكية للنفس.
أَي واذكر ربك أَيها المسلم في نفسك بينك وبين ربك، بعيدا عن الرياءِ والسمعة: متذلِّلًا، خاشعا لربك، خائفا من عذابه، واذكره بلسانك ذكرا وسطا بين السر والجهر: كما تذكره في نفسك، وليكن ذكرك له في الغدو والآصال، أَي في أَول النهار وآخره، والمراد بهما هنا جميع الأَوقات، حسبما يتيسر للذاكرين، ثم ختم الله الآية الكريمة بقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾: أَي ولا تكن أَيها المسلم من جملة الغافلين عن ذكر ربك بأَن لا تذكره تعالى، أَو بأَن تكون غائب القلب حين الذكر.
٢٠٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾:
أَي: إِن الملائكة الذين هم في مكان الرفعة عند ربك، والقرب من رضاه، لا يستكبرون عن عبادته، بل يؤدونها حسبما أُمروا بها كاملة وافية كما أَمر الله، وينزهونه عن كل ما لا يليق به سبحانه، وله وحده يخضعون. ويتذلَّلون.
والمقصود من ذكر الملائكة حث البشر على أَن لا يستكبروا عن عبادته، ولا يقصروا في أَدائها في أَوقاتها، فإِنهم أَولى بالتزلف إِلى الله لشدة احتياجهم إِلى عفو الله عن ذنوبهم، من الملائكة الذين خلقوا للطاعة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
стр. 1596
سورة الأنفال
آيات هذه السورة خمس وسبعون آية، وهي مدنية إِلا من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. ﴾ الآية (٣٠) إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ .. ﴾ الآية (٣٦) لأَن موضوعها ائتمار قريش بالنبي ﷺ قبل الهجرة.
وشأْن هذه السورة شأْن سائر المدنى من القرآن، إِذ يكثر فيها قواعد الشرع التفصيلية، كالجهاد والغنيمة والأَسرى وأَحكام القتال.
موجز لما اشتملت عليه السورة:
١ - بدئت سورة الأَنفال بالسؤال عن الغنائم، ومن له الحكم فيها وجاءَ من بعده ما يلي:
٢ - صفات المؤمنين الكاملين.
٣ - ذكر نعمة الله على المؤمنين بإِمداده إِياهم بالملائكة تبشيرًا لهم.
٤ - بيان حرمة الفرار من القتال إِلا لخُطَّة مرسومة كأَن يكون الفَارُّ متحرفا لقتال أَو متحيزا إلى فئة.
٥ - بيان أَن النصر بتوفيق الله تعالى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾.
٦ - الأَمر بطاعة الله ورسوله والنهي عن الإعراض عنه.
٧ - الاستجابة لأَمر الله ورسوله قبل فوات الأَوان.
٨ - وجوب اتقاء الفتن حتى لا تصيب الصالحين بشؤم الظالمين.
٩ - النهي عن الخيانة.
١٠ - تقوى الله سبب للنصر وتكفير السيئات.
١١ - ذكر نعمة الله الخاصة برسوله ﷺ ، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. ﴾.
стр. 1597
١٢ - عناد الكفار ووصفهم القرآن بأَنه أَساطير الأَولين، وطلبهم العذاب إِن كان القرآن حقا بدلا من أَن يطلبوا الهداية.
١٣ - إِنفاق الكفار الأَموال للصد عن سبيل الله، ثم تكون عليهم، حسرة وسببا للغلبة عليهم.
١٤ - بيان أَن دخول الكفار في الإِسلام سبب لغفران ما سبق من ذنوبهم.
١٥ - الأَمر بقتال الكفار حتى ينتهى الشرك ويكون الدين لله.
١٦ - بيان مستحقى الغنائم.
١٧ - ذكر نعم الله على المؤمنين في "بدر".
١٨ - بيان أَن أسباب النصر على الأَعداءِ: هي الثبات وذكر الله تعالى، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع، والصبر، وترك الرياء والبطر، والتوكل على الله تعالى.
١٩ - ذكر عاقبة تزيين الشيطان للكفار.
٢٠ - بيان أَن تغيير أَحوال الأُمم والأَقوام أَثرٌ لتغيير ما بأَنفسهم من الأَخلاق والعقائد والأَعمال.
٢١ - بيان أَن نقض العهود سبب للتنكيل بمن غدر ونبذ العهد.
٢٢ - وجوب الاستعداد للعدو بقدر الطاقة للإِرهاب، حتى لا يُؤْخَذُوا على غرة.
٢٣ - الحث على الإنفاق في سبيل الله.
٢٤ - الجنوح للسلم متى جنح العدو لها لأَن الحرب في الإِسلام ضرورة تقدر بقدرها.
٢٥ - إيجاب الله على المؤمن قتال عشرة ثم تخفيف ذلك بأَن أَوجب عليه قتال اثنين.
٢٦ - بيان أَن قتل الكفار أَولى من أَخذ الفدية في بدءِ الإِسلام.
٢٧ - الأَمر بعرض الإِسلام على الأَسرى وإِنذارهم سوءَ عاقبتهم إِن خانوا.
٢٨ - ذكر ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، والإنذار بسوءِ عاقبة الفرقة.
стр. 1598
٢٩ - بيان أَن الكفار بعضهم لبعض ولى، وأَن المؤمنين أَولى بذلك.
٣٠ - بيان أَن المهاجرين والأنصار هم المؤمنون حقا، وأَن ثوابهم عظيم.
٣١ - بيان أَن المتأَخرين في الإِسلام والهجرة مؤمنون، وأَن أُولى الأَرحام بعضهم أَولى ببعض في كتاب الله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.
المفردات:
﴿الْأَنْفَالِ﴾: هي الغنائم واحدها نَفَل بتحريك الفاء، وقد تطلق على ما يعطى زيادة على السهم من المغنم.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾: فاجعلوا لأَنفسكم وقاية من عقوبة الله تعالى بالإِيمان والعمل الصالح ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: وأَصلحوا الأَحوال التي بينكم بالمساواة والمساعدة، وقال الزجاج: معنى ذات بينكم: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل أَي: فاتقوا الله وكونوا مجمعين على ما أَمر الله ورسوله.
﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: خافت وفزعت.
стр. 1599
التفسير
١ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ .. ﴾ الآية.
وجه المناسبة بينها وبين سورة الأَعراف:
جاءَ في الأَعراف بيان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أَقوامهم، وجاءَ في الأَنفال: ذكر ما جرى بين النبي ﷺ وبين قومه.
وجاءَ في الأعراف: أَن القرآن هدى ورحمة، وذلك في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، كما جاءَ فيها الأَمر بالاستماع له إِذا قرئ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وجاءَ في الأَنفال: ذكر حال المؤمنين عند ذكر الله فيه، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، إِلى غير ذلك من المناسبات.
وقدمت سورة الأَنفال على التوبة لتصديرها بالبسملة، وحذفها من التوبة ليكونا كسورة واحدة فإِن موضوعهما واحد.
سبب النزول:
أَن المسلمين اختلفوا في قسمة غنائم "بدر" فسأَلوا رسول الله ﷺ كيف تقسم، ولمن الحكم في قسمتها، للمهاجرين، أَم للأَنصار، أَم لهم جميعًا، فنزلت الآية لبيان أَن الحكم في قسمتها بين المقاتلين يرجع إِلى الله ورسوله.
والأَنفال الغنائم، وسميت الغنائم أَنفالا، لأَنها زيادة فيما أَحلَّ الله لهذه الأُمة، مما كان محرما على غيرها، كما قال ﷺ في حديث له: "وَأُحِلَّتْ لى الْغَنَائِمُ وَلمْ تُحلَّ لِأَحدٍ قَبْلىِ" أَو لأَنها عطية من الله تعالى زائدة على ما هو أَصل الأَجر في الجهاد من الثواب الأُخروى أَو زيادة على السهم لمصلحة يراها الإِمام.
والسائلون هم أَصحاب رسول الله ﷺ ، فقد سأَلوه عن قسمة الغنائم، وعمّن له الحكم فيها كما تقدم في بيان سبب النزول، فأُجيبوا بقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أَي حكمها مختص بالله ورسوله، يحكم الله فيها بحكمته، والرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى، وليس الأَمر في قسمتها مفوضا إلى رأْى أَحد.
стр. 1600
وقد قسم النبي ﷺ بينهم غنائم بدر بالسواءِ.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾: أَي إِذا كان أَمر الغنائم لله وللرسول، فاجعلوا لكم وقاية تقيكم من شر الاختلاف والتخاصم والتنازع وذلك بالرضوخ لحكم الله ورسوله، لتنجوا من عذاب الله تعالى، أَو فاتقوه تعالى في كل ما تأْتون وتذرون من النِّيَّات والعقائد والأَعمال، ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أَي: وأَصلحوا ما بينكم من الأَحوال والصلات التي تربط بعضكم ببعض، وإِصلاحها بالوفاق والتعاون، والمساواة، وترك الأثرة، لأَن إِصلاح ذات البين واجب، يتوقف عليه قوة الأُمة وعزتها، ومنعتها، وتحفظ به وحدتها.
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: أَي في أَمر الغنائم وغيرها بامتثال أَمر الله، واجتناب نهيه حسبما أبلغنا رسول الله ﷺ ، فالرسول يطاع في أَمر الدين، لأَنه مبلغ عن الله تعالى، ومبين لوحيه بالقول والفعل والحكم.
ويتوقف على طاعة الله ورسوله النجاة والفوز بالثواب في الآخرة.
عن أَبي أمامة الباهلى قال: سأَلت عبادة بن الصامت عن الأَنفال فقال: "فِينَا مَعْشرَ أَصحابِ بدرٍ، نزلتْ حين اختلفنَا في النَّفَل، وساءَت فيه أَخلاقُنا فنزعه اللهُ من أَيدينا، وجعله إِلى رسول الله ﷺ ، فقسَّمه عن بَوَاءٍ - يقول على السواء" يفسر الراوى البواءَ بالسواءِ، فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين.
وعن عطاء: كان الإِصلاح بينهم أن دعاهم وقال: اقسموا غنائِمكم بالعدل فقالوا: قد أَكلنا وأَنفقنا فقال: لِيَرُدَّ بعضُكم على بعضَ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أَي إِن كنتم مؤْمنين، فاتقوا الله، وأَصلحوا ذات بينكم وأَطيعوا الله، ورسوله، فإن كمال الإِيمان يدور على امتثال هذه الأَوامر.
ولأَهمية إصلاح ذات البين، وكمال العناية به وسط الأَمر به، بيْن الأَمر بالتقوى والأَمر بطاعة الله ورسوله. وفي التعبير بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تنشيط للمخاطبين، وحث لهم على المسارعة إِلى الامتثال.
٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾:
стр. 1601
قال العلماءُ: هذه الآية تحريض على التزام طاعة الرسول ﷺ فيما أَمر به من قسمة الغنيمة، والمراد بالمؤمنين الكاملو الإِيمان، والمراد بذكرهم الله تعالى ذكرهم بقلوبهم لعظمته وسلطانه وجلاله، أَو لوعده ووعيده، ومحاسبته لخلقه، سواء صحب ذلك ذكر اللسان أَم لم يصحبه، وسواء ذكروه بأَنفسهم أَم ذُكِّرُوا به.
وقد وصف الله تعالى المؤْمنين بخمس صفات:
الأُولى: أَنهم إِذا ذكر الله تعالى، خافت وفزعت قلوبهم، استعظاما لشأْنه الجليل وتهيبا منه، ولا شئَ أَعظم من القرآن في التذكير بالله والتخويف من مخالفته، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١) والاطمئنان المذكور في قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢) لا ينافى الخوف من الله تعالى، لأَنه عبارة عن شرح الصدور بنور المعرفة والتوحيد، وهو يجامع الخوف، وقيل ذكر الله: هو أَن الرجل يهم بمعصيه فيقال له: اتق الله، فيبتعد عنها خوفا من عقابه .
الصفة الثانية: أَنه إذا تليت عليهم آيات الله تعالى قوى إِيمانهم وتصديقهم وتيقنهم بربهم، ونشاطهم في أَعمالهم، وزيادة الإِيمان ثابتة بنص القرآن، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٣)، والآيات كثيرة في ذلك، وأَيضا فإِن كثرة الأَدلة تقوى المدلول عليه، وتثبته.
الصفة الثالثة: أَنهم على ربهم يتوكلون، فلا يعتمدون على غيره ولا يفوضون أُمورهم لسواه، والتوكل أَعلى مقامات التوحيد، فالمؤْمن يتوجه إليه، وإِياه يدعو فيما يطلب منه، مع الأَخذ بالأَسباب وعدم تركها، ومراعاة سنن الله في الكون التي لا تتبدل، ولا تتغير، ومن تركها كان جاهلا مؤَاخذا.
стр. 1602
الصفة الرابعة: إِقامة الصلاة، وإِقامتهم الصلاة، قيامهم بها مستوفية لأَركانها من قيام وركوع وسجود، وقراءَة وذكر، ومحافظتهم على مواقيتها، مع الخشوع لله، والاتعاظ بتلاوة القرآن، وهذه هي الإقامة التي يستفيد بها صاحبها ما جعله الله تعالى ثمرة للصلاة، الانتهاءُ عن الفحشاءِ والمنكر.
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أَي ومما أَعطيناهم من الرزق، ينفقون في وجوه البر والخير، امتثالا لأَمر الله ،
ثم وصف الله تعالى إِيمانهم بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: أَي أُولئك الذين ذكرت صفاتهم الحميدة، هم المؤْمنون حيث جمعوا، بين أَفاضل الأَعمال القلبية، وأَعمال الجوارح، وفي التعبير بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ إِشارة إِلى علو مكانة أُولئك المؤْمنين، المتصفين بتلك الصفات، وانحصار الإِيمان فيهم، حتى كأَن سواهم ليسوا بمؤْمنين، لأَن الإِيمان بلا ثمرة، هو والعدم سواء، ثم بين جزاءهم بقوله : ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من الكرامة والزلفى، والدرجات العلية في الجنة، وفي التعبير بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إيذان بأَن ما وعدهم الله به من الدرجات، متيقن الحصول، مأْمون الفوات حيث إِنه ربهم ومالك أَمرهم.
﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أَي وستر لذنوبهم وعطاء كريم لا ينقضى أَمده، ولا ينتهى عدده، وهو ما أَعده لهم في الجنة مما لا عين رأَت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والكريم من كل شيءٍ أحسنه.
стр. 1603
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ في الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.
المفردات:
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾: أَي أَخرجك من بيتك بالمدينة إلى بدر ﴿بِالْحَقِّ﴾: أَي بالحكمة والصواب ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾: يراجعونك، ﴿في الْحَقِّ﴾ المراد بالحق هنا القتال - وسيأتى بيانه ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾: العير أَو النفير.
﴿غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾: الشوكة الشدة والقوة، ويقال: السلاح، وغير ذات الشوكة: العير التي ليس فيها قتال.
﴿يُحِقُّ الْحَقَّ﴾: يظهره ويعلنه - ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: بأَمره لكم بالقتال أَو بوعده لكم بإِظهار الدين وإِعزازه.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾: ليظهر الإِسلام - ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾: المراد بإبطال الباطل أَن لا يجعل له شوكة.
стр. 1604
التفسير
٥ - ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾:
هذه الآية الكريمة هي بداية الحديث عن غزوة بدر، وقد تقدمها بيان حكم الأَنفال، أَي الغنائم، لأَن السورة نزلت بعد اختلاف المسلمين على قسمة أَنفالها - كما تقدم بيانه - فكانَ بيان حكمها أَهم ليحسم الخلاف بين المسلمين.
قال المبرد في معنى الآية ما يلى:
الأَنفال ثابتة لله والرسول وإِن كرهوا، كما أَخرجك ربك من بيتك بالحق وإِن كرهوا، وقال غيره: امض لحكم ربك في الغنائم وإِن كرهوا، كما مضيت لأَمر ربك في الخروج من البيت لطلب العير وإِن كرهوا.
وأَقرب المعانى في وصل هذه الآية بما قبلها أَن يقال: حال المؤْمنين في كراهتهم قسمة الغنائم بحكم الله بعد اختلافهم عليها كحالهم في كراهتهم القتال حينما أَخرجك ربك من بيتك بالحق - وهو الظفر بإِحدى الطائفتين العير أَو النفير - وهم لقتال النفير كارهون - وسبب كراهتهم لقتال الكفار في غزوة بدر، أَنهم خرجوا وهم غير مستعدين استعدادا كاملا للقتال، فإِنهم خرجوا للقاءِ أَبي سفيان ومن معه للاستيلاء على القافلة التي قدموا بها من الشام بتجارتهم، ولم يكن فيها سوى قلة من الرجال وكان الاستيلاء عليها أَمرا يهم المسلمين، لأَن ذلك يقصم ظهور المشركين الذين أَخرجوهم من ديارهم وأَموالهم واستولوا عليها، وتفصيل ذلك أَن عير قريش لما أَقبلت أَخبر جبريل رسول الله ﷺ بمقدمها، فعرض النبي ﷺ على المسلمين أَن يخرجوا للاستيلاءِ عليها، فأَعجبهم تلقى العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أَهل مكة خبر خروجهم فنادى أَبو جهل فوق الكعبة: يا أَهل مكة. النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم أَموالكم إِن أَصابها محمَّد لم تفلحوا بعدها أَبدا، فخرج أَبو جهل بجميع أَهل مكة، فقيل له: إِن العير أَخذت طريق الساحل ونجت فأرجع بالناس إِلى مكة فقال: واللات والعزى لا يكون ذلك أَبدا حتى ننحر الجزر ونشرب الخمور، ونقيم القينات والمعازف بِبَدْرٍ، فيتسامع جميع العرب بخروجنا وأَنَّ محمدا لم يصب العير، وأَنَّا قد أَخفناه، فمضى بهم إِلى "بدر" (١)، فنزل
стр. 1605
جبريل ﵇، وقَال يا مُحَمِدُ إِنَّ اللهَ وعَدكم إِحدى الطائفتينِ، إِمّا العيرُ، وإِمّا النفير - أَي مشركى مكة - فاستشار النبىُّ ﷺ أَصحابه فقال ما تقولون؟ إِن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أَحب إِليكم أَم النفير .. ؟ فقالوا: بل العير أَحب إِلينا من لقاءِ العدو، فتغير وجه رسول الله ﷺ ثم رد عليهم فقال: "إِنَّ العيرَ قد مضَت على سَاحِل البحر، وَهَذا نَفِيرُ قريشٍ قَد أَقبَلَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ عَليَك بالعيرِ ودعِ العدو … فقام أَبو بكر وعمر ﵄ فتحدثا فأَحسنا، ثم قال المقداد بن عمرو ﵁: يا رسول الله، امض لما أَمرك الله فإِنا معك حيثما أَحببت، لا نقول لك كما قال بنو إِسرائيل لموسىِ ﵇: "اذْهَب أَنتَ وربُّك فقاتِلا إِنَّا هَاهنَا قَاعِدونَ؛ وَلَكنِ اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ .... ، فوالَّذِى بعثَك بالحقِّ لو سِرتَ بنَا إِلى بَرْك الغِماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له ﷺ خيرا ودعا له ثم قال: أَشِيرُوا عَلىَّ أَيُّها الناسُ - وهو يريد الأَنصار - لأَنهم قالوا له حين بايعوه عند العقبة، إِنَّا برآء من ذمتك (١) حتى تصل إِلى ديارنا، فإِذا وصلت إِلينا فأَنت في ذِمَّتِنا، نمنعك مما نمنع منه أَبناءَنا ونساءَنا، فكان ﷺ يتخوف أن تكون الأَنصار لا ترى عليهم نصرته، إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ فقال: لكأَنك تريدنا يا رسول الله: قال: أَجل، قال: آمنَّا بِك، وصدَّقناك وشهدنا أَنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ وأَعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السمعِ والطاعةِ، فامضِ يا رسولَ اللهِ لما أَردتَ فنحنُ معك، فوالَّذى بعَثك بالحقَّ لَوْ استعرضتَ بِنَا هذا البحرَ فخضتَه لخضنَاه معك ما تخلف منَّا رجل واحد، وما نكره أَن تَلقى بِنَا عدونا، وإِنَّا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاءِ، ولعلَ الله يُريك منَّا مَا تقرّ به عينُك، فَسِر بِنَا على بركة الله … ففرح رسول الله ﷺ ، وسرّه قول سعد بن معاذ ثم قال: سيروا على بركة الله، وأَبشروا فإِن الله قد وعدنى إِحدى الطائفتين والله لكأَنى الآن أَنظر إِلى مصارع القوم.
٦ - ﴿يُجَادِلُونَكَ في الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾:
المعنى: يراجعونك في الحق - وهو لقاءِ النفير - أَي جيش العدو - ويؤثرون عليه لقاءَ العير للاستيلاءِ على تجارتهم، مع أن في لقاءِ النفير عز المسلمين وإِلقاء الرعب في قلوب أَعدائهم، فلقد قال بعضهم: إِنما خرجنا للقاءِ العير، ولم نستعد للقاءِ العدو.
стр. 1606
وقد وعدهم الله تعالى إِحدى الطائفتين من غير تعيين، فتعلقت آمالهم بطائفة العير القادمة من الشام لأَنها كسب عظيم لهم لا يحتاج إلى مشقة كبيرة، في إحرازه والحصول عليه لضعف حاميته، ولذلك لم يستعدوا للقاءِ العدو، وتخلف كثير من الصحابة بالمدينة.
ثم ظهر لهمَ أنَّها فاتتهم وقد بنت، وأَن طائفة النفير قد خرجت من مكة بكل ما عند قريش من قوة، وقد قربتَ منهم، وأَنه تعيّن عليهم قتالها، وأَنها هي الطائفة التي وعدهم الله - تعالى - لأَنه لم يبق غيرها، فصعب على بعضهم لقاؤها لقلة عددهم وعُدَدِهم، ولعدم استعدادهم، فطفقوا يعتذرون للنبي ﷺ ، ثم تبين لهم الحق، فقالوا ما قالوه من عبارات الإِقدام على لقاءِ العدو كما مرّ بيانه.
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾:
أَي كأنهم لفرط جزعهم ورعبهم يساقون إِلى الموت سوقا لا مهرب منه، وهم ينظرون إِليه بأَعينهم، ولم يدر بخلدَهم أَن الله تعالى وعد رسوله والمؤمنين الظفر بالمشركين وذلك ما حكاه الله بقوله:
٧ - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾:
هذا كلام مستأْنف مسوق لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين مع ما هم فيه من الجزع وقلة الحزم، لعدم استعدادهم الحربى لقتال جيش فاجأَهم، ولم يكونوا يدرون أَنه ملاقيهم، فقد خرجوا للقاءِ - العير كما تقدم -.
والمعنى: واذكروا وقت أَن وعدكم الله إِحدى الطائفتين - العير أَو النفير - أَنها لكم تتسلطون عليها، وتتصرفون فيها كيف شئتم: طائفة أَبي سفيان مع التجارة، أَو طائفة أَبي جهل مع الرجال الذين خرجوا من مكة لحربكم.
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾:
المراد بغير ذات الشوكة: العِير، فإنها لم يكن لها شوكة أَي قوة لقلة الرجال فيها حيث لم يكن فيها إلا أَربعون فارسا.
وفي هذا التعبير تعريض بكراهيتهم للقتال وطمعهم في المال.
﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: هذا معطوف على تودون منتظم معه في سلك التذكير ....
стр. 1607
والمعنى: واذكروا وقت وعده تعالى إِياكم إِحدى الطائفتين، وأَنتم تحبون ملاقاة أَدناها، والله يحب أَن تلاقوا أَعلاها ليظهر الحق الذي أَراده بوعده لكم إِحدى الطائفتين من غير تعيين، وبينه بكلماته المنزلة على رسولهِ ﷺ في محاربة ذات الشوكة، أَو يريد الله ذات الشوكة ليثبت الحق ويعليه بأَمره الملائكة بإِمدادكم، وبما قضى من أَسر المشركين وقتلهم وطرح صناديدهم في قليب بدر، وإِظهار الدين وإعزازه.
﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾: أَي ويفنى آخر مشركى مكة وأَعوانهم ويستأْصلهم فإِن دابر القوم آخرهم الذي يكون من ورائهم، ولن يصل إِليه الهلاك إِلا بهلاك من قبله، والمراد إِهلاكهم جميعا، وقد هلك أَكابرهم وعصابة المستهزئين، وهم أَئمة الكفر في مكة …
والمعنى: أَنكم تريدون سَفْسَافَ الأُمور، والله يريد معاليها، فإِنه يريد ما يُعْلِى كلمة الحق، ويسمو برتبة الدين وأنتم تريدون الغنائم السهلة، وشتَّان بين المرادين.
٨ - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾: أَي يقره ويُثَبَّتهُ لأَنه الحق والمراد به الإِسلام أَي أَنه تعالى اختار لكم ذات الشوكة: ليظهر الإِسلام - وهو الحق - ويبطل الباطل - وهو الشرك، بنصركم على أَهله.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: أَي ولو كره المشركون أَصحاب الاعتداءِ والطغيان.
وليس في الآية تكرار، فالحق الأَول هو القتال لطائفة النفير مع ضمان النصر، والحق الثاني هو الإِسلام، وهو المقصد: والأَول هو الوسيلة له.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.
المفردات:
﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾: تطلبون الغوث والنصر على عدوكم، والغوث التخليص من الشدة.
﴿فَاسْتَجَابَ﴾: فأَجاب دعاءَكم.
стр. 1608
﴿مُرْدِفِينَ﴾: أَي مُتْبِعين بعضهم بعضا، بأَن يكون بعضهم في إِثر بعض، أَو مُتْبِعين المؤْمنين لهم، بأَن يكونوا خلفهم.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: لتسكن.
﴿عَزِيزٌ﴾: لا يغالَب في حكمه.
﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
التفسير
٩ - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾: سبب النزول: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثنى عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي ﷺ إِلى أَصحابه وهم ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا، ونظر إِلى المشركين فإِذا هم أَلف وزيادة، فاستقبل نبى الله القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه: اللهم أَنجز لى ما وعدتنى، اللهم إِن تَهْلَكْ هذه العصابةُ لا تُعْبدْ في الأَرض، فما زال يهتف مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أَبو بكر ﵁ فأَخذ رداءه فأَلقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال يا نبى الله: كفاك مُنَاشدَتَك ربّك فإِنه سينجز لك ما وعدك. فأَنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية .... فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا وأُسر سبعون.
وقد جاءت هذه الآية الكريمة تذكيرًا للمؤمنين بأَنه تعالى لم يتخل عنهم حين لجأْوا إِليه واستغاثوا به، وقتما رأَوا قلتهم وضعف استعدادهم أمام جيش المشركين الكثير العدد، القوى الاستعداد، بل أَمدهم بالملائكة من عنده.
وقد أسندت الاستغاثة في الآية إِلى المؤمنين، مع أَن سبب النزول الذي تقدم ذكره يحكى أنها كانت من النبي ﷺ ، لأنه ﷺ كان يعبّر باستغاثته عمّا في نفوس المؤمنين، وجرت به أَلسنتهم من لجوئهم إِلى الله - تعالى - لينصرهم.
стр. 1609
والمعنى:
واذكروا أَيها المؤمنون حين كنتم تستغيثون ربكم، وتطلبون منه النصر على عدوكم الذي جاء بخيله ورجله، وعَدَدِه، وعُدَّتهُ، وأَنتم لم تكونوا مستعدين للقائه حيث كنتم تريدون العِير، ولا علم لكم بالنفير، فأَجاب استغاثتكم ودعاءَكم بأَنى ممدكم بأَلف من الملائكة مردفين أَي متتابعين، بعضُهم في إِثر بعض، كأَنما يردف بعضهم بعضا، أَي يتبعه إِياه .... ويجوز أَن يكون معنى ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متبعين المؤمنين لهم بأَن يتقدموهم في المعركة ليطمئنوهم ويثبتوهم.
١٠ - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾: أَي وما جعل الله إِمدادكم بالملائكة عيانا لأَمر من الأُمور، إِلا ليبشركم بأَنكم منتصرون، ولتطمئن به قلوبكم، وتسكن به نفوسكم، ويزول خوفكم واضطرابكم. فتثبتوا ويتم لكم النصر.
وفي قصر الإِمداد بالملائكة على البشرى والطمأْنينة: إِشعار بعدم مباشرتهم للقتال وأَن الغرض منه هو تقوية قلوب المؤمنين المقاتلين، وتكثير عددهم. أَمام المشركين، وسيأْتى بسط الكلام في ذلك قريبا.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾: أَي وما النصر في الحقيقة إلا من عند الله تعالى، ولكنه - سبحانه - أَجرى سنته على ربط المسببات بالأَسباب، ليأْخذ بها العباد.
﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: لا ينَازَعُ في حُكْمِه، ولا يغالَبُ في أَقضيته.
﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل كل ما يفعله لحكمة ومصلحة، ولذا أَمدكم بأَسباب النصر على عدوكم، فتمَّ لكم بفضله النصر عليهم، وكذلك يسلط الله الحق على الباطل ليدمغه فإِذا هو زاهق، فثقوا باللهِ وتوكلوا عليه، ولا تقنطوا من حصول النصر إذا كثر أَعداؤكم، بل أَدوا واجبكم من الثبات والصبر، والكفاح على قدر طاقتكم، والله يعينكم وينصركم، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
стр. 1610
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾.
المفردات:
﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾: أَي يُغَطِّيكم الله ويشملكم بالنعاس، والنعاس فتور في الحواس وأَعصاب الرأْس، يعقبه النوم، يضعف الإِدراك ولا يزيله.
﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾: أَي أَمنا من الله وطمأْنينة.
﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: أَي وسوسته وتخويفه لهم.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: الربط الشد، ويقال لكل من صبر على أَمر ربط على قلبه.
﴿الرُّعْبَ﴾: الخوف والفزع.
﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾: أَي كل طرف من أَطراف الأَصابع من اليدين والرجلين، وقيل:
كل أصبع من الأَصابع، وتطلق البنان أيضًا على كل طرف من أَطراف الإِنسان كاليد والرجل.
﴿شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: المشاقة: المعاداة والمخالفة.
стр. 1611
التفسير
١١ - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية.
بعد أَن ذكر الله سبحانه استغاثة النبي ﷺ والمؤْمنين بربهم في غزوة بدر، واستجابته لهم، بإِمدادهم بالملائكة للبشرى بالنصر، ولاطمئنان قلوبهم، ذكر منَّةً أُخرى، هي جعله النعاس غالبا عليهم، مغطيا لمشاعرهم، تأْمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم، من الفَرْق العظيم بينهم وبين عدوهم، في العدد والعدة.
وإِنما كان النعاس مانعا من الخوف، لأَنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر، وكان في الليلة السابقة للقتال، لتستريح أَعصابهم، فيصبحوا مقبلين على المعركة بجد ونشاط، وقد جاء في هذا النعاس عن على بن أبي طالب ﵁ أَنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأَسود ولقد رأَيناه وما فينا إِلا نائم، إلا رسول الله ﷺ ، يصلى تحت شجرة حتى أَصبح.
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ .... ﴾ الآية.
تحكى هذه الجملة نعمة أُخرى، كان لها شأْن كبير في النصر على المشركين، وكان جيش المسلمين قد نزل بعدوة الوادى القريبة من المدينة، بعيدا عن الماءِ في أَرض رملية وسبخة، أَمّا المشركون فقد نزلوا على ماءِ بدر بالعدوة القصوى في أَرض جلدة، فأَصبح المسلمون لا يجدون الماء ليشربوا ويغتسلوا ويتوضأُوا.
فكان هذا الموقف مزرعة لأَحاديث الشيطان النَّفْسِيَّة، المحطمة للعزائم المدمرة للقلوب، فلقد حدثهم أَن العطش سوف يضعف قواهم، ويساعد المشركين في القضاء عليهم، فأَدرك الله المؤمنين بلطفه، وأَنزل عليهم من السماءِ مطرا سال به الوادى، فشربوا واتخذوا الحياض على عدوة الوادى الدنيا، واغتسلوا وتوضأُوا وملأُوا الأَسقية وتلبدت الأَرض السبخة حتى ثبتت عليها الأَقدام، على حين كان المطر كارثة على المشركين، فقد تحولت به أَرضهم الجلدة إلى أَو حال لا يقدرون معها على الحركة في القتال.
وبهذه النعمة أَذهب الله عن المسلمين رجز الشيطان ووسوسته وحقق لهم النصر، والمعنى: وينزل عليكم من السماءِ غيثا، لكي يطهركم به من الأَحداث، ومن وعثاءِ السفر، ولكى
стр. 1612
يذهب عنكم وسوسة الشيطان، وليربط على قلوبكم ويشدها بالصبر والطمأْنينة وليثبت به الأَقدام عند لقاءِ المشركين.
١٢ - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾:
أَي واذكر يا محمَّد للمؤمنين نعمة أُخرى أَنعم الله بها عليهم، حين يوحى ربك إِلى الملائكة أَنى معكم في تثبيتكم للمؤمنين، فثبِّتوا الذين آمنوا لينتصروا على أَعدائهم.
واختلفوا في كيفية تثبيت الملائكة للمؤمنين في غزوة بدر الكبرى، فقال جماعة: إِنهم ثبَّتوهم بالبشارة وتكثير عددهم، ونحوهما، مما تقوى به قلوبهم، وتشتد عزائمهم في القتال، فإِن الآية لم تصرح بأُسلوب التثبيت حتى يحمل عليه فيها، ولم يكن تثبيتهم بالقتال معهم، لأَن الملك الواحد كفيل بإِهلاك قريش لو كان يقاتل المشركين مع المؤْمنين، فحيث كان المثبتون من الملائكة أَلفا أَو أَكثر، فلا بد أَن تثبيتهم معنوى لا قتالى، ولذا - قال تعالى -، عقب الأَمر بالتثبيت: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وقد روى أن الملك كان يتشبه بالرجل الذي يعرفونه، فيقول: أَبشروا فإِن الله ناصركم. وقال آخرون: أُمروا بمحاربة المشركين، وجعلوا قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ تفسيرًا لقوله سبحانه: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ روى أَنهم كانوا يرَوْن رءُوسا تسقط عن الأَعناق من غير ضارب، وروى عن سهل بن حنيف ﵁ قال: لقد رأَيتُنا يوم بدر، وإن أَحدنا ليشير بسيفه إِلى المشرك، فتقع رأْسه عن جسده قبل أَن يصل إِليه السيف.
والمتأَمل في هذه الروايات يجدها بلا أَسانيد صحيحة، فلا يمكن التعويل عليها، فالراجح أَن الملائكة لم يقاتلوا، بل كانوا يثبتون المؤمنين بالقول ويكثرون عددهم أَمام العدو، ليُصابُوا بالرعب منهم.
وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ خطابا للمؤمنين، فكأَنه - تعالى - يقول لهم: سأُلقى في قلوب الذين كفروا الفزع والخوف منكم، لتتمكنوا من إِصابتهم، فاضربوهم فوق الأَعناق، واضربوا منهم كل بنان،
стр. 1613
فلن يقدروا عليكم، والمراد بالضرب فوق الأَعناق، ضربهم في أَعاليها سواء أَكان الضرب في الرقاب أَم في الرءوس، والمراد بضرب كل كان: أَن يضربوا أَصابعهم أَو أَطراف أَبدانهم، كالأيدى والأَرجل، فكل ذلك يطلق عليه كان، حقيقة أَو مجازا.
١٣ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
أَي ذلك الذي تقدم من الجمع بين ضرب الرقاب وضرب الأَطراف، حاصل بسبب أَنهم خالفوا الله ورسوله، ومن يخالف الله ورسوله ويتنكر لدينه، عاقبه الله فإِن الله شديد العقاب وقد عاقبهم الله بذلك في الدنيا، وسوف يعاقبون بأَشد منه في الآخرة، ولذا عقبه - تعالى - بقوله:
١٤ - ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾: أَي ذلكم العقاب العاجل في الدنيا فذوقوه، وأَن لكم في الآخرة عذاب النار بسبب كفركم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾.
المفردات:
﴿زَحْفًا﴾: الزحف في الأَصل مصدر زحف الصبى إِذا دبَّ قليلًا قليلًا وهو جالس، أَو حبا وهو يجُرُّ رجليه، ثم أُطلق على المشى الثقيل المتوالى وعلى الجيش إذا كثر، لأَن حركته بطيئة بالنسبة لحركة الفرد، والمراد به في الآية المعنى الأَخير.
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: فلا تديروا ظهوركم لهم، والمقصود نهيهم عن الفرار من قتال العدو بأَية صورة.
стр. 1614
﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: قال في مجمع البيان: التَّحرُّفُ في الأَصل الزوال عن جهة الاستواء إِلى جهة الحرف. اهـ والمقصود من قوله: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ إباحة استدبار العدو والفرار من وجهه لغرض حربى، كالوقوف في موقف أَصلح للقتال، أَو قتال طائفة أُخرى أَهم ممن يلاقونهم.
﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أَي منحازا ومنضما إلى جماعة أُخرى من المؤمنين ليقاتل معهم.
﴿بَاءَ﴾: أَي رجع.
التفسير
١٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾:
هذا خطاب للمؤمنين الذين هم في عهد الرسول ﷺ ، ومن سيأْتى بعدهم إِلى يوم القيامة، كلفهم الله فيه بالثبات عند لقاءِ الكفار في حروبهم معهم، جئَ به في تضاعيف قصة بدر، إظهارًا للاعتناء به، وحثًّا على المحافظة عليه، فإِن فيه عزّ المسلمين وسلامتهم وسلامة دينهم.
والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا إذا لقيتم في القتال أَعداءكم الكفرة، وهم جمع كثير، وأنتم عدد قليل - كما كان الحال في غزوة بدر - أَو كنتم مثلهم أَو أكثر منهم عددا، فلا تولوهم أَدباركم، ولا تَفرُّوا من لقائهم، بل اصبروا واثبتوا، فإِن النصر مع الثبات والصبر.
١٦ - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ .... ﴾ الآية.
ومن يولّ الكفار يوم اللقاء دبره، ويفر من القتال، إِلا متحرفا لقتال بأَن يترك موقفه إلى موقف أصلح منه للظفر بالعدو، أَو يتجه إِلى قتال طائفة أُخرى من الأَعدءِ، أَو كان منحازا إِلى جماعة أُخرى من المؤمنين ليقاتل معهم: من يول الكفار في القتال دبره في غير هذه الأَحوال المستثناة، فقد رجع من الغزو بغضب عظيم من الله، ومرجعه في الآخرة ومآله جهنم وبئس المرجع والمصير.
стр. 1615
وفي الآية دليل على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف لقتال أَو المتحيز إِلى فئة - أَخرج الشيخان وغيرهما عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أَنه قاله: "اجْتَنِبُوا السَّبعَ الموبقَاتِ، قالوا يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: "الشِّرْكُ بالله، والسِّحْرُ، وقتلُ النفسَ الَّتي حرَّم اللهُ تَعَالَى إِلَّا بالحقِّ، وَأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتولىّ يومَ الزَّحفِ، وقذفُ المحصَناتِ الغافِلَاتِ المؤمِناتِ".
واعلم أَن أَكثر أَهل العلم ذهبوا إِلى أَن حرمة الفرار إذا لم يكن العدو أَكثر من الضعف، لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) وأَخرج الشافعى وغيره عن ابن عباس ﵄ أَنه قال: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فَقَدْ فَرَّ.
وعن محمَّد بن الحسن: أَن المسلمين إذا كانوا اثنى عشر أَلفا لم يجز الفرار أصلا لحديث ورد في ذلك (٢).
والظاهر أَن الأمر متروك لقائد المعركة الأَمين الشجاع، فإِن رأَى الثبات أمام العدو: ثبت، وإِن رأَى غير ذلك: انسحب بجيشه حتى تتاح فرصة الاستعداد القَوِىِّ للقاء العدو، لئلا يلقى بجنود الله إلى التهلكة في معركة غير متكافئة بسبب كثرة العدد، أَو قوة الأَسلحة وفتكها الذريع.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾.